← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

وشكرًا وإن لي إليك حاجة. قُلْتُ: وما هِيَ؟ قَالَ [١] : كان لي من [٢] يتعاهدني [٣] في وقت صلاتي [٤] ويطعمني عند إفطاري، وقد فقدته منذ أمس، انظر [لي] [٥] ، هل تحسه لي. فقلت: إن في قضاء حاجة هذا العبد لقربة إلى الله تعالى، فخرجت في طلبه حتى إذا كنت في كثبان من رمل، إذا سبع قد افترس الغلام فأكله، فقلت: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦، كيف آتي هذا العبد الصالح من وجه رقيق فأخبره الخبر لئلا يموت، فأتيته، فسلمت عَلَيْهِ، فرد علي السلام، فقلت لَهُ [٦] : إني سائلك عن شيء، أتخبرني بِهِ؟ قَالَ: إن كان عندي منه علم أخبرتك بِهِ. قُلْتُ: أنت أكرم على الله [٧] منزلة أم أيوب ﵇؟ قَالَ: بل أيوب ﵇ [٨] كان أكرم على الله مني، وأعظم منزلة. فقلت: أليس [قد] [٩] ابتلاه فصبر، حتى استوحش منه من كان يأنس به، وصار غرضا لمرار الطريق؟ فَقَالَ: بلى. قُلْتُ: إن ابنك الذي أخبرتني من قصته ما أخبرتني [١٠] ، خرجت في طلبه، حتى إذا كنت/ بين كثبان رمل، إذا أنا بالسبع قد افترس الغلام وأكله. فقال: الحمد للَّه الّذي لم يجعل في قلبي حسرة من الدنيا. ثم شهق شهقة فمات. فقلت: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦، من يعينني على غسله وتكفينه ودفنه. فبينا أنا كذلك إذا بركب يريدون الرباط، فأشرت إليهم فأقبلوا، فقالوا: ما أنت وهذا؟ فأخبرتهم بالذي كان من أمره، فثنوا رحلهم [١١] فغسلناه بماء البحر، وكفناه بأثواب كانت معهم، ووليت الصلاة عليه من بينهم، ودفناه في مظلته تلك، ومضى القوم إلى

стр. 2942

رباطهم، وبت في مظلته تلك الليلة آنسا به. فلما مضى من الليل مثل ما بقي، إذا أنا بصاحبي في روضة خضراء عليه ثياب خضر قائما يتلو الوحي، فقلت: أليس أنت صاحبي؟ قَالَ: بلى. قُلْتُ: فما الذي صيرك إلى ما أرى؟ قَالَ: وردت من الصابرين على درجة لم ينالوها إلا بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء [١] . فقال الأوزاعيّ ما زلت أحب أهل ذلك البلاء منذ حدثني الحكيم بهذا الحديث

стр. 2943

ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة فمن الحوادث فيها: عقد الرشيد لابنه محمد من بعده ولاية [١] العهد، فأخذ له بيعة القواد والجند ببغداد/، وسماه: الأمين، وله يومئذ خمس سنين، فقدّمه على المأمون، والمأمون أكبر ٥/ أمنه، لأن [٢] أمه زبيدة [٣] . وقد روى أبو بكر الصولي قَالَ: حدثنا سليمان بن داود [المهلبي قَالَ:] [٤] حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: كان الرشيد يَقُولُ: إني لأتعرف في عبد الله حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة نفس الهادي، فلو أشاء أن أنسبه إلى الرابعة في لنسبته، وإني لأرضى سيرته، وأحمد طريقته، واستحسن سياسته، وأرى قوته وذهنه، وأمن ضعفه ووهنه، وإني لأقدم محمدا عَلَيْهِ، وأعلم أنه منقاد لهواه، متصرف في طريقه، مبذر لما حوته يده، مشارك للنساء والإماء في رأيه، ولولا أم جعفر وميل بني هاشم إليه لقدمت عبد الله عليه [٥] .

стр. 2944

قال الصولي: ثم جعل يرى فضل المأمون، وعقله فيندم [١] على تقديمه محمدا، فقال: لقد بان وجه الرأي لي غير أنني ... غلبت على الأمر الذي كان أحزما فكيف يرد الذر في الضرع بعد ما ... توزع حتى صار نهبا مقسما / أخاف التواء الأمر بعد انصداعه [٢] ... وأن ينقض الأمر الذي كان أبرما [٣] وكان السبب في التقدم لمحمد: أن جماعة من بني العباس مدوا أعناقهم إلى الخلافة بعد الرشيد، إذ لم يكن له ولي عهد، فمضى عيسى بن جعفر إلى الفضل بن يحيى، فقال لَهُ: أنشدك الله لما عملت في البيعة لابن أختي- يعني محمد بن زبيدة- فإنه ولدك، وخلافته لك. فوعده أن يفعل، فلما صار الفضل إلى خراسان فرق فيهم أموالا وأعطى [الجند] [٤] عطيات متتابعة، ثم أظهر البيعة لمحمد، فبايع الناس لَهُ، وكتب إلى الآفاق فبويع لَهُ، فأنكر قوم البيعة لصغر سنه [٥] . وفيها: [٦] عزل الرشيد العباس بن جعفر عن خراسان، وولاها خاله الغطريف بن عطاء [٧] . وفيها: صار يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن إلى الديلم، فتحرك هناك [٨] . وفيها: غزا الصائفة [٩] عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح [١٠] .

стр. 2945

[قال الواقدي: الذي غزاها عبد الله بن صالح] [١] . قَالَ: وأصابهم في هذه الغزاة [٢] برد قطع أيديهم وأرجلهم [٣] . / وفيها [٤] : حج بالناس الرشيد [٥] . وقيل: بل سليمان بن المنصور. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٩٤٥- الحكم بن فضيل، أبو محمد الواسطي [٦] . نزل المدائن، وحدث بها عن خالد الحذّاء، ويعلى بن عطاء، روى عنه: أبو النضر هاشم [٧] بْن القاسم، وكان الحكم ثقة عند أهل زمانه، توفي في هذه السنة. ٩٤٦- شعوانة العابدة [٨] . كانت كثيرة التعبد، شديدة الخوف، طويلة البكاء، وسألها الفضيل بن عياض الدعاء فقالت: يا فُضَيْل، أما بينك وبين الله ما إن دعوته استجاب لك؟ فشهق الفضيل وخر مغشيا عَلَيْهِ. أخبرنا [محمد بن] [٩] ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا [١٠] جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا [١١]

стр. 2946

أحمد بن علي التوزي قَالَ: حدثنا محمد بن عبد الله الدقاق، حدثنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ صَفْوَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر بن عبيد قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الحُسَيْن قَالَ: حَدَّثَنِي مالك بن ضيغم قال: قال لي أبي يوما [١] : انطلق بنا [٢] حتى نأتي هذه المرأة الصالحة، فننظر إليها- يعني شعوانة- فانطلقت أنا وأبو همام فدخلنا عليها فقالت: مرحبا يا ابن من لم نره ونحن نحبه، أما والله يا بني إني لمشتاقة إلى أبيك، وما يمنعني من إتيانه إلا أني أخاف أن أشغله عن خدمة/ سيده، وخدمة سيده أولى به من محادثة شعوانة، ثم قالت [٣] : ومن شعوانة، وما شعوانة [٤] ؟! أمة سوداء عاصية. ثم أخذت في البكاء فلم تزل تبكي حتى خرجنا وتركناها. أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت: أخبرنا جعفر بن أحمد السراج قال: حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله القطيعي قَالَ: حدثنا ابْن صفوان قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد قَالَ: حدثني إبراهيم بن عبد الملك قَالَ: قدمت شعوانة [٥] وزوجها مكَّةَ، فجعلا يطوفان ويصليان، فإذا كل أو أعيا جلس، وجلست خلفه فيقول هو في جلوسه: أنا العطشان من حبك لا أروى [٦] . وتقول هِيَ: أنبت لكل داء دواء في الجبال ودواء المحبين في الجبال لم ينبت. ٩٤٧- الليث بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث. يقال إنه مولى خالد بن ثابت الفهمي [٧] . ولد بقرقشندة، وهي قرية من أسفل أرض مصر، سنة أربع وتسعين. وروى عَن: عطاء بن أبي رباح، والزُّهْرِيّ، ونافع في آخرين. حدث عَن: هشيم، وابن المبارك

стр. 2947

وغيرهما. وكان فقيها فاضلا ثقة جوادا، يحفظ [١] القرآن ويعرف الحديث/ والعربية ٧/ أوالشعر. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد [بْن علي بْن ثابت] [٢] الخطيب قَالَ أخبرني الأزهري [٣] قال: حدثنا عبد الله بن عثمان الدقاق قال: حدثنا علي بن محمد الْمَصْريّ قَالَ: حدثني محمد بن أحمد بن عياض [٤] قَالَ: سمعت حرملة بن يحيى يَقُولُ: سمعت [٥] ابن وَهْبِ يَقُولُ: كتب مالك [بن أنس] إلى الليث [بن سعد:] [٦] أريد أن أدخل ابنتي على زوجها فأحب أن تبعث لي بشيء من عصفر [٧] . قَالَ: فبعث إليه الليث ثلاثين حملا [٨] عصفر فصبغ لابنته، وباع منه بخمس مائة دينار وبقي عنده فضلة [٩] . أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا علي بن طلحة المقري، أَخْبَرَنَا صالح بن أحمد بن محمد الهَمْداني قَالَ: حدثنا أحمد بن القاضي قَالَ: حدثنا أحمد بن عثمان النسائي قَالَ: سمعت قتيبة بن سَعِيد يَقُولُ: سمعت شعيب بن اللَّيْث يَقُولُ: خرجت مع أبي حاجا، فقدم المدينة، فبعث إليه مالك بن أنس بطبق فيه [١٠] رطب، فجعل على الطبق ألف دينار ورده إِلَيْهِ [١١] . أخبرنا عبد الرحمن بن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرنا عبيد الله بن عمر الواعظ قال: حدثنا عبد الله بن سُلَيْمَان [١٢] قَالَ: سمعت أبي يقول:

стр. 2948

قَالَ قتيبة بن سَعِيد: كان الليث بن سعد يستغل كل سنة عشرين ألف دينار، وقَالَ: ما وجبت [١] علي زكاة قط، وأعطى ابن لهيعة ألف دينار وأعطى مالك بن أنس ألف دينار، وأعطى منصور بن عمار ألف دينار، وجارية تساوي ثلاثمائة دينار. قَالَ: وجاءت امرأة إلى الليث [بن سعد] [٢] فقالت: يا أبا الحارث إن ابني [٣] عليل/ وقد [٤] اشتهى عسلا، فَقَالَ: يا غلام، أعطها مرطا من عسل. والمرط مائة وعشرون رطلا [٥] . توفي الليث في شعبان من هذه السنة. ٩٤٨- المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام [٦] . كان من سروات قريش، وأهل الفضل. أنبأنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قال: أخبرنا المخلص قال: أخبرنا أحمد بن سليمان بن داود قال: حدثنا الزبير بن بكار قَالَ: حدثني عمي مصعب قَالَ: أخبرني الفضل بن الربيع قال: دعاه أمير المؤمنين المهدي إلى قضاء المدينة فلمُ أر رجلا قط [٧] كان له استعفاء منه، قَالَ لأمير المؤمنين: إني كنت وليت ولاية فخشيت أن لا أكون [٨] سلمت منها، فأعطيت الله عهدا أن لا ألي ولاية أبدا، وأنا أعيذ أمير المؤمنين باللَّه ونفسي أن يحملني على أن أخيس بعهد اللَّه. قال أمير المؤمنين [المهدي:] [٩] فو الله لقد أعطيت هذا من نفسك قبل أن أدعوك. قَالَ: والله لقد أعطيت هذا من نفسي قبل أن تدعوني. فَقَالَ: قد أعفيتك [١٠] .

стр. 2949

قال الزُّبَيْر: وحدثني غير عمي من قريش قَالَ: عرض عليه [١] أمير المؤمنين المهدي [٢] مائة ألف درهم على أن يلي له القضاء فاستعفى، فَقَالَ: لا أعفيك حتى تدلني على إنسان أوليه القضاء [٣] . فدله على عبد الله بن محمد بن عمران فاستقضاه، فحج تلك الأيام المنذر بْن عَبْد الله وأبوه فاكترى لأبيه إلى الحج وما يجد ما يكتري لنفسه فحج ماشيا. توفي المنذر في هذه السنة ﵀ [٤] .

стр. 2950

ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة فمن الحوادث فيها [١] : تولية الرشيد الفضل بن يحيى كور الجبال، وطبرستان، ودنباوند، وقومس، وأرمينية، وأَذْرَبَيْجان [٢] . وفيها: ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بالديلم، فاشتدت شوكته، وقوي أمره، ونزع إِلَيْهِ الناس [٣] من الأمصار والكور، فاغتم لذلك الرشيد، وندب إليه [٤] الفضل بن يحيى [٥] في خمسين ألفا، ومعه صناديد القواد، فاستخلف منصور بن زياد بباب أمير المؤمنين يجري الكتب على يديه، ثم مضى وحمل معه الأموال، وكاتب صاحب الديلم وجعل له ألف ألف درهم على أن يسهل خروج يحيى، فأجاب يحيى إلى الصلح [والخروج] [٦] على أن يكتب له الرشيد [٧] أمانا بخطه على نسخة يبعث بها إِلَيْهِ. فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد، فسره وكتب أمانا ليحيى بن عبد الله، وأشهد [عليه] [٨]

стр. 2951

الفقهاء والقضاة وجلة [بني هاشم] [١] مشايخهم منهم: عبد الصمد بن عليّ، والعباس بن مُحَمَّد، ومحمد بن إبْرَاهِيم، وموسى بن عيسى، ومن أشبههم ووجه [٢] به مع جوائز وكرامات وهدايا فوجه الفضل بذلك إِلَيْهِ، فقدم يحيى عَلَيْهِ، وورد به الفضل/ ٨/ ب بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما أحب، وأمر له بمال كثير، وأجرى له أرزاقا سنية، وأنزله منزلا سريا بعد أن أقام في منزل يحيى بْن خالد أياما، وكان يتولى أمره بنفسه، ولا يكل ذلك إلى غيره، وأمر الناس بإتيانه والسلام [٣] عليه بعد انتقاله عن منزل يحيى، وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة الشاعر [٤] في الفضل: ظفرت فلا شلت يد برمكية ... رتقت بها الفتق الذي بين هاشم على حين أعيا الراتقين التئامه ... فكفوا وقالوا ليس بالمتلائم فأصبحت قد فازت يداك بخطة ... من المجد باق ذكرها في المواسم وما زال قدح الملك يخرج فائزا ... لكم كلما ضمت قداح المساهم [٥] ثم إن الرشيد دعا يحيى بن عبد اللَّه وعنده أبو البختري القاضي ومحمد بن الحَسَن الفقيه، وأحضر كتاب الأمان الذي أعطاه يحيى، فَقَالَ لمحمد [٦] بن الحسن: ما تقول في هذا الأمان، أصحيح هُوَ؟ قَالَ: نعم، فحاجه الرشيد في ذَلِكَ [٧] . فقال له محمد بن الحَسَن: ما يصنع بالأمان لو كان محاربا ثم وُلَّي وكان آمنا. فسأل أبا البختري أن ينظر في الأمان، فقال/ أَبُو البختري: هذا منتقض من وجه كذا ومن وجه كذا، فقال ٩/ أالرشيد: أنت قاضي القضاة وأنت أعلم بذلك، فمزق الأمان وتفل فيه أبو البختري، وقام يحيى ليمضي إلى الحبس. فقال لَهُ الرشيد [٨] : انصرف، أما ترون به أثر علة الآن، إن

стр. 2952

مات قال النَّاسَ سموه؟! فقال يحيى: كلا ما زلت عليلا منذ كنت في الحبس وقبله. فما مكث بعد هذا إلا شهرا حتى مات [١] . وفي هذه السنة: هاجت العصبية [٢] بالشام بين النزارية واليمانية، وكان رأس النزارية يومئذ أبو الهيذام، وقتل بينهم خلق كثير [٣] . وكان العامل على الشام حين هاجت [هذه] [٤] الفتنة موسى بن عيسى، فولى الرشيد موسى بْن يحيى بن خالد البرمكي [٥] الشّام، وضم إليه من القواد والجنود جماعة [٦] ، فأصلح بين أهلها، وسكنت الفتنة، فمدحه الشاعر [فَقَالَ] [٧] : قد هاجت الشأم هيجا ... يشيب راس وليده فصب موسى عليها ... بخيله وجنوده فدانت الشأم لما ... أتى بسنح وحيده هو الجواد الّذي بذّ ... كل جود بجوده أعداه جود أبيه ... يحيى وجود جدوده فجاء موسى بن يحيى ... بطارف وتليده ونال موسى ذرى المجد ... وهو حشو مهوده خصصته بمديحي ... / منثوره وقصيده من البرامك عود ... له فأكرم بعوده حووا على الشعر طرّا ... خفيفة ومديده [٨]

стр. 2953

وفي هذه السنة: عزل الرشيد الغطريف [بن عطاء] [١] عن خراسان [٢] ، وولاها حمزة [بن مالك] [٣] بْن الهيثم الخزاعي [٤] . وفيها: ولي جعفر بن يحيى بن خالد مصر فولاها عمر بن مهران [٥] . وسبب ذلك: أن موسى بن عيسى كان على مصر، فبلغ الرشيد أنه عازم على الخلع، فَقَالَ: والله لا أعزله إلا بأخس من على بابي. فذكر له عمر بن مهران وكان أحول مشوه [٦] الوجه خسيس اللباس، وكان يشمر ثيابه، ويقصر أكمامه، ويركب بغلا عليه رسن، ويردف غلامه خلفه، فدعاه فولاه مصر، فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، أتولى (على شرط أن يكون] [٧] إلي إذني إذا أصلحت البلاد انصرفت. فجعل ذلك إِلَيْهِ وبلغ الخبر موسى بن عيسى، فدخل عمر دار موسى [٨] والناس عنده، فجلس في أخريات النَّاسَ، فلما تفرق أهل المجلس قال موسى لعُمَر: ألك حاجة يا شَيْخ؟ قَالَ: نعم. ثم قام بالكتب، فدفعها إِلَيْهِ فَقَالَ: يقدم أبو حفص. قَالَ: فأنا أبو حفص. قَالَ: أنت عمر بن مهران [٩] ؟! قَالَ: نعم. قَالَ: لعن الله فرعون حين قال: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ٤٣: ٥١ [١٠] ، ثم سلم له العمل ورحل، فتقدم عمر إلى غلامه، فَقَالَ: لا تقبل مُن الهدايا إلا ما يدخل في الجراب، / لا تقبل دابة، ولا جارية، ولا غلاما. فجعل الناس يبعثون بهداياهم، فيرد ١٠/ أالألطاف، ويقبل المال والثياب، فيأتي بها عُمَر، فيكتب عليها أسماء من بعث بها، ثم وضع الجباية. وكان قوم قد اعتادوا المطل وكسر الخراج، فبدأ برجل منهم فلواه، فقال:

стр. 2954

والله لا تؤدي [ما عليك من] [١] الخراج إلا [في بيت المال] [٢] بمدينة السلام بغداد [٣] . فأشخصه مع رجلين، وكتب إلى الرشيد بالحال، وأخبره أنه قد خلف. فلم يلوه بعدها أحد من الخراج بشيء، واستأدى النجم الأول، والثاني، فلما كان في الثالث وقعت مماطلة فأحضر [٤] أهل الخراج فشكوا الضيقة، فأمر بإحضار تلك الهدايا فأجزاها عن أهلها، ثم انصرف عَن البلد [٥] . وحكى [أبو بكر] [٦] الصولي أن الرشيد بايع في سنة ست وسبعين [ومائة] [٧] لابنه عبد الله بالعهد بعد الأمين، وسماه: المأمون، وولاه المشرق كله، وكتب بينهما كتابا علقه في المسجد [٨] الحرام. وفيها [٩] غزا الصائفة [عبد الرحمن] [١٠] بن عبد الملك، فافتتح حصنا [١١] . وفيها: حج بالناس [١٢] سليمان بن المنصور [١٣] . قال أبو بكر [١٤] الصولي: وفي هذه السنة حجت زبيدة فأمرت ببناء المصانع [١٥] .

стр. 2955

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٩٤٩- إبراهيم بن صالح بن عبد الله بن عباس [١] . كان أمير مصر، حكى عنه ابن وَهْبِ، وتوفي في شعبان هذه السنة. ٩٥٠- إبراهيم [بن علي] [٢] بن سلمة بن علي بن هرمة، أبو إسحاق الفهري المَدِيني [٣] . / شاعر مفلق، فصيح مسهب مجيد، أدرك دولة [٤] الأمويين والهاشميين، وكان ١٠/ ب ممن اشتهر بالانقطاع للطالبيين. أخبرنا أبو منصور القزاز، [أخبرنا الخطيب، أخبرنا الأزهري، أخبرنا أحمد بن إبْرَاهِيم، أخبرنا] [٥] إبراهيم بن عرفة قَالَ: تحول المنصور إلى مدينة السلام، ثم كتب إلى أهل المدينة أن يوفدوا عليه خطباءهم وشعراءهم، فكان ممن وفد عليه إبراهيم بن هرمة، قَالَ: فلم يكن في الدنيا خطبة أبغض إلي من خطبة تقربني منه، واجتمع الخطباء والشعراء من كل مدينة، وعلى المنصور ستر يرى الناس من ورائه ولا يرونه، وأبو الخصيب حاجبه قائم يَقُولُ: يا أمير المؤمنين، هذا فلان الشاعر فيقول: أنشد، حتى كنت آخر من بقي. فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، هذا إبراهيم بن هرمة [٦] ، فسمعته يَقُولُ: لا مرحبا ولا أهلا، ولا أنعم الله بِهِ عيشا [٧] ، فقلت: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦، ذهبت والله نفسي ثم رجعت إلى نفسي، فقلت: يا نفس هذا موقف إن لم تشتدي [٨] فيه هلكت، فقال أبو الخصيب: أنشد. فأنشدته: سرى ثوبه عنك الصبى المتخايل ... وقرب للبين الخليط المزايل [٩]

стр. 2956

حتى انتهيت إلى قولي: فأما [١] الذي أمنته يأمن الردى ... وأما [٢] الذي حاولت بالثكل ثاكل / فَقَالَ: يا غلام، ارفع عني الستر فرفع، فإذا وجهه كأنه فلقة قمر، ثم قَالَ: تمم القصيدة. فلما فرغت قَالَ: ادن. فدنوت، ثم قَالَ: اجلس، فجلست، وبين يديه مخصرة فَقَالَ: يا إبراهيم، قد بلغني عنك أشياء لولاها لفضلتك على نظرائك، فأقر لي بذنوبك أعفها عنك [٣] . فقلت: هذا رَجُل فقيه عالم، وإنما يريد أن يقتلني بحجة تجب عليَّ فقلت: يا أمير المؤمنين، كل ذنب بلغك مما عفوته عني فأنا مقرّ به. فتناول المخصرة فضربني بها، فقلت: أصبر من ذي ضاغط عركرك ... ألقى بواني زوره للمبرك [٤] ثم ثنى [٥] فضربني، فقلت: أصبر من عود بجنبيه جلب ... قد أثر البطان فيه والحقب فَقَالَ: قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم، وألحقتك بنظرائك من طريح بن إِسْمَاعِيل، ورؤبة بْن العَجَّاج ولئن بلغني عنك أمر أكرهه لأقتلنك. قُلْتُ: نعم، وأنت في حل [وسعة] [٦] من دمي إن بلغك أمر تكرهه. قال ابن هرمة: فأتيت المدينة. فأتاني رجل من الطالبيين، فسلم عليّ فقلت: تنح عني لا تشيط بدمي [٧] . أخبرنا القزاز قَالَ: أخبرنا أحمد [بن علي] الخطيب، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الحسن المخزومي، حدثنا أبو بكر الصولي، حدثنا محمد بن زكريّا

стр. 2957

الغلابي، عن أحمد بن عيسى [١] وذكر ابن هرمة/ قَالَ- وكان متصلا بنا- وهو القائل فينا: ومهما ألام على حبهم ... فإني أحب [٢] بني فاطمة بني بنت من جاء بالمحكما ... ت وبالدين والسنة القائمه فلست أبالي بحبي لهم ... سواهم من النعم السائمه فقيل له في دولة بني الْعَبَّاس: ألست القائل كذا. وأنشده هذه الأبيات، فَقَالَ: أعض اللَّه قائلها بهن أمه، فقال له من يثق بِهِ: ألست قائلها؟ قَالَ: بلى [٣] ، ولكن أعض بهن أمي خير من أن أقتل [٤] . أخبرنا القزاز قَالَ: أخبرنا الخطيب قَالَ: [حدثنا أبو جعفر محمد بن علان الوارق، حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن حمَّاد قال: حدثنا هاشم بن محمد بن هارون الخزاعي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قريب] [٥] ابن أخي الأصمعي، عن عمه قَالَ: قال لي رجل من أهل الشّام: قدمت المدينة فقصدت منزل إبراهيم [٦] بن هرمة، فإذا بنية له صغيرة تلعب بالطين، فقلت لها: ما فعل أبوك؟ قالت: وفد إلى بعض الأجواد، فما لنا به علم منذ مدة. فقلت: انحري لنا ناقة، فإنا أضيافك. قالت: والله ما عندنا ناقة. قُلْتُ: فشاة. قالت: والله ما عندنا. قُلْتُ: فدجاجة، قالت: والله ما عندنا. قُلْتُ: فأعطينا بيضة. قالت: والله ما عندنا. قتل: فباطل ما قال أبوك: كم ناقة قد وجأت منحرها ... بمستهل الشؤبوب أو جمل

стр. 2958

/ قالت: فذلك الفعل من أبي هو الذي أصارنا إلى أن ليس عندنا شيء [١] . قال الأخفش: قال لنا ثعلب مرة: إن الأصمعي قال: ختم الشعر بإبراهيم [٢] بن هرمة، وهو آخر الحجج [٣] . ٩٥١- الجراح بن مليح بن عَدِيّ، أبو وكيع [٤] . ولد بالسند [٥] ، حدث عَن أبي إسحاق السبيعي، والأعمش. وولي بيت المال ببغداد في زمان الرشيد. وثقه يحيى بن معين، ويعقوب بن سُفْيان، وقَالَ محمد بن سعد: كان ضعيفا في الحديث، قال الدارَقُطْنيُّ: ليس [بشيء] [٦] . توفي في هذه السنة. ٩٥٢- سعيد بْن عَبْد الرحمن بْن عَبْد اللَّه بْن جميل، أبو عبد الله المَدِيني [٧] . ولي القضاء ببغداد في عسكر المهدي، وزمن هارون [٨] الرشيد، وولي سبع عشرة سنة، وحدث عَن هشام بن عُرْوَة، وسهل بن أبي صالح. قال يحيى: هو ثقة. توفي ببغداد في هذه السنة. ٩٥٣- صالح بن بشير، أبو بشر القارئ، المعروف بالمري [٩] . من أهل البصرة، كان مملوكا لامرأة من بني مرة بن الحارث، حدّث عن الحسن،

стр. 2959

وابن سيرين، وبكر بن عبد اللَّه، وثابت، روى عَنْه: عفَّان، وغيره. وكان عبدا صالحا، كثير الخوف، شديد البكاء، وكان يذكر ويعظ، فحضر مجلسه سفيان الثَّورِي فَقَالَ: هذا نذير قوم. [قال المؤلف:] [١] وقد ضعفه بعض/ المحدثين، والذي نراه أنه كان يخلط فيما يروي، ولا يتعمد الخطأ. [أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال أخبرنا السُّكري] [٢] قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ الشافعي قال: حدثنا جعفر بن محمد [بن] الأزهر قال: حدّثنا [ابن] الغلابي قال: حدثنا شيخ من الكتاب: أن صالحا المري [لما] [٣] أرسل إليه المهدي، قدم عَلَيْهِ، فلما دخل عليه ودنا بحماره من بساط المهدي أمر ابنيه- وهما وليا عهده- مُوسَى وهارون، فَقَالَ: قوما فأنزلا عمكما. فلما أقبلا إِلَيْهِ أقبل صالح على نفسه، فَقَالَ: يا صالح [لقد] [٤] خبت وخسرت، إن كنت إنما عملت لهذا اليوم [٥] . أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن [علي] الخطيب [٦] قَالَ: أخبرني علي [ابن أيّوب قال] : [٧] حدثنا محمد بن عمران بن موسى قَالَ: حدثنا محمد بن أحمد الكاتب قَالَ: حدثنا الحسين بْن فهم قَالَ: حَدَّثَني أبو همام قَالَ: حدثني أبو نعيم بن أعين قال: قال صالح المري: دخلت على المهدي فقلت: يا أمير المؤمنين، احمل [٨] للَّه ما أكلمك به اليوم، فإن أولى الناس باللَّه أحملهم لغلظة النصيحة فيه، وجدير بمن له [قرابة] [٩] برسول الله ﷺ أن يرث أخلاقه، ويأتمّ بهداه وقد ورثك الله من فهم العلم

стр. 2960

ميراثًا قطع به عذرك، اعلم أن رسول الله ﷺ خصم من/ خالفه في أمته، ومن كان محمد خصمه كان الله خصمه، فاعتد لمخاصمة اللَّه، ومخاصمة رسوله حججا تضمن لك النجاة، أو استسلم للهلكة، واعلم أن أبطأ الصرعى نهضة صريع هوى يدعيه إلى الله قربة، وإن أثبت النَّاسَ قدمًا يوم القيامة آخذهم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فمثلك لا يكاثر بتجريد المعصية، ولكن تتمثل لك الإساءة إحسانا [١] ، ويشهد لك [٢] عليها خونة [٣] العلماء، وبهذه الحبالة [٤] تصيدت الدنيا نظراءك، فأحسن الحلم [٥] فقد أحسنت إليك الأداء [٦] قَالَ: فبكى المهدي. قال أبو همام: فأخبرني بعض الكتاب أنه رأى هذا الكلام مكتوبا في دواوين المهدي [٧] . ٩٥٤- عبد الملك [بن محمد] بن أبي بكر بن محمد بن عمر وبن حزم الأنصاري [٨] . مديني قدم واليا على قضائها من قبل الهادي، وكان عالما بمذاهب أهل المدينة، روى عَنْه: المفضل بن فَضَالة [وغيره] ، وتوفي [بالعراق] [٩] في هذه السنة. ٩٥٥- الفرج بن فضالة بن النعمان بن نعيم، أبو فضالة الحمصي التنوخي [من أنفسهم] [١٠] . سكن بغداد، وكان على بيت المال بها في [أول] [١١] خلافة الرشيد. حدّث عن

стр. 2961

يحيى بن سعيد الْأنصَارِيّ، وهشام بن عُرْوَة، وغيرهما. روى عَنْه: علي بن الْجَعْد وسريج [١] بن يونس. وذكر رجل من ولده أنه ولد في خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان في غزوة [٢] مَسْلَمةُ الطوانة جاء الخبر بولادته [يوم فتحت الطوانة، فأعلم أبوه مسلمة] [٣] فَقَالَ مَسْلَمةُ [٤] : ما سميته؟ قَالَ: سميته الفرج لما قرج الله/ عنا في هذا اليوم بالفتح. فقال مسلمة [لفضالة:] [٥] أصبت [٦] وكان أصاب المسلمين على الطوانة شدة شديدة. وذلك في سنة ثمان وثمانين [٧] . أخبرنا عبد الرحمن [بن مُحَمَّد] قَالَ: أخبرنا أحمد [بْن علي بْن ثابت] [٨] الخطيب قَالَ: أخبرنا أَبُو منصور مُحَمَّد بْن عيسى بْن عبد العزيز قَالَ: حدثنا علي بن محمد بن الحسن القزويني قَالَ: سمعت بعض أصحابنا يَقُولُ: أقبل المنصور يوما راكبا والفرج بن فضالة جالس عند باب الذهب، فقام النَّاسَ، فدخل من الباب ولم يقم له الفرج فاستشاط غضبا، ودعا بِهِ [٩] فَقَالَ: ما منعك من القيام حين رأيتني؟ قَالَ: خفت أن يسألني الله عنه لم فعلت، ويسألك لم رضيت، وقد كرهه رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: فبكى المنصور وقربه وقضى حوائجه [١٠] . توفي الفرج فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سَبْعٍ وسبعين، وقد وثقه بعض المحدثين وضعفه بعضهم.

стр. 2962

٩٥٦- المسيب بن زهير بن عمرو، أبو مسلم الضَّبُّي [١] . ولد في خلافة عمر بن عبد العزيز، وكان من رجالات الدولة العباسية، وولي شرطة بغداد في أيام المنصور، والمهدي، والرشيد، وقد كان تولى خراسان أيام المهدي، وتوفي فِي هذه السنة وهو ابن ست وسبعين سنة. ٩٥٧- الوضاح أبو عوانة، مولى يزيد بن عطاء الواسطي [٢] . وقال البخاري: يزيد بن عطاء، ويزيد مولى [بني] [٣] يشكر، وكان من سبي جرجان، رأى الحَسَن، وابن سيرين، وسمع من محمد بن المنكدر، وقتادة، ومنصور/ ابن المعتمر والأعمش، روى عَنْه: شُعْبَة، وابن عليه، وابن مهدي، وكان أمينا ثبتا [ثقة] [٤] صدوقا. أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا [أبو بكر] أحمد [بْن علي بْن ثابت] [٥] ، الخطيب، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الحافظ قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر [٦] بن أحمد بن الليث الواسطي قَالَ: حَدَّثَنَا أسلم بن سهل قَالَ: حدثنا أحمد بن محمد بن أبان قَالَ: سمعت أَبِي يَقُولُ: اشترى عطاء بن يزيد أبا عوانة ليكون مع أبيه يزيد، وكان لأبي عوانة صديق قاصّ، وكان أبو عوانة يحسن إِلَيْهِ، فقال القاص: ما أدري بأي شيء أكافئه، فكان بعد ذلك لا يجلس مجلسا إلا قال لمن حضره: أدعو الله لعطاء البزار، فإنه أعتق أبا عَوَانَة. فكان قل مجلس إلا ذهب إلى عطاء من يشكره، فلما كثر عليه ذلك أعتقه [٧] . توفي أبو عوانة في هذه السنة. وقيل: في سنة خمس، وله اثنتان وثلاثون سنة.

стр. 2963

ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة فمن الحوادث فيها: أن الرشيد عزل جعفر [١] بن يحيى عن مصر، وولاها إسحاق بن سُلَيْمَان. وعزل حمزة بن مالك عَن خراسان وولاها الفضل بن يحيى إلى ما كان إليه من الأعمال [٢] . وفيها: غزا الصائفة [٣] عبد الرزاق بن عبد الحميد/ التغلبي [٤] . وكان في ليلة الأحد لأربع بقين من المحرم ظلمة وحمرة وريح، ثم كانت ظلمة ليلة الأربعاء لليلتين بقيتا من المحرم، ثم كانت ريح وظلمة شديدة يوم الجمعة لليلة خلت من صفر [٥] . وفيها: حج الرشيد بالناس [٦] . ذكر من توفي فِي هذه السنة من الأكابر ٩٥٨- شريك بن عبد الله، أبو عبد الله النخعي الكوفي، القاضي [٧] . أدرك عمر بن عبد الرَّحْمَن، وسمع أبا إِسْحَاق السبيعي، ومنصور بْن المعتمر،

стр. 2964

وعَبْد الملك بن عُمَيْر، وسماك بن حرب [١] ، وسلمة بن كهيل، وحبيب بن أبي ثابت، والأعمش وخلقا كثيرًا. روى عَنْه: ابن المبارك، ووكيع، وابن مهدي، وغيرهم. وهو من كبار العلماء الثقات، إلّا أن قوما قدحوا في حفظه. أخبرنا [أبو منصور] القزاز، قَالَ: أخبرنا [أبو بكر أحمد بن علي] [٢] الخطيب قَالَ: أَخْبَرَنَا القاضي أَبُو العلاء الواسطي قَالَ: أخبرنا مُحَمَّد بن جعفر التميمي قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو القاسم الحسن بن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنا وكيع قَالَ: أخبرني إبراهيم بن عثمان قَالَ: حدثنا أبو خَالِد يزيد بن يحيى بن يزيد قَالَ: حدثني أَبِي قَالَ: مر شريك القاضي بالمستنير بن عمرو النَّخْعي فجلس إِلَيْهِ فَقَالَ: أبا عبد اللَّه، من أدبك؟ قَالَ: أدبتني نفسي، والله ولدت ببخارى فحملني ابن عم لنا حتى طرحني عند بني عم لي، فكنت أجلس/ إلى معلم لهم فعلق بقلبي تعلم القرآن، فجئت إلى شيخهم فقلت: يا عماه، الذي كنت تجريه علي هنا أجره علي بالكوفة أعرف بها السنة وقومي، ففعل، فكنت بالكوفة أضرب اللبن وأبيعه وأشتري دفاتر وطروسا، فأكتب فيها العلم والحديث، ثم طلبت الفقه فبلغت ما ترى فقال المستنير لولده: سمعتم قول [ابن] [٣] عمكم، وقد أكثرت عليكم في الأدب ولا أراكم تفلحون فيه، فليؤدب كل رجل منكم نفسه، فمن أحسن فلها، ومن أساء فعليها [٤] . لما ولي القضاء اضطرب حفظه. أخبرنا أبو منصور قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر بْن ثابت قَالَ: أخبرنا أبو الفرج محمد بن عُمَر الجصاص قَالَ: أخبرنا مُحَمَّد بن أَحْمَد بن الحسن الصواف قَالَ: وجدت في كتابنا عن أبي الْعَبَّاس بن مسروق ما يدل حاله على السماع. قَالَ: سمعت أبا كريب يَقُولُ: سمعت يحيى بن يمان يَقُولُ: لما ولي شريك القضاء أكره على ذلك، وأقعد معه جماعة من الشرطة يحفظونه، ثم طاب للشيخ [فقعد] [٥] من نفسه، فبلغ الثوري أنه قعد من

стр. 2965

نفسه، فجاء فتراءى لَهُ، فلما رأى الثوري قام إليه فعظمه وأكرمه، ثم قَالَ: يا أبا عبد اللَّه، هل من حاجة؟ قَالَ: نعم مسألة. قَالَ: أو ليس عندك من العلم ما يجزيك؟ قَالَ: أحببت أن أذاكرك/ بها. قَالَ: قل. قَالَ: ما تقول في امرأة جاءت فجلست على باب رَجُل، ففتح الرجل الباب واحتملها، ففجر بها [، لمن تحد منهما؟] [١] فقال لَهُ: دونها لأنها مغصوبة. قَالَ: فإنه لما كان من الغد جاءت فتزينت [وتبخرت] [٢] وجلست على ذلك الباب، ففتح الرجل الباب فرأها فاحتملها ففجر بها، لمن تحد منهما؟ قَالَ: أحدهما [٣] جميعا، لأنها جاءت من نفسها، وقد عرفت الخبر بالأمس. قَالَ: أنت كان عذرك [٤] حيث كان الشرط يحفظونك، اليوم أي عذر لك؟ قَالَ: يا أَبَا عبد الله، أكلمك. قَالَ: ما كَانَ الله ليراني [٥] أكلمك أو تتوب. قَالَ: فوثب فلم يكلمه حتى مات وكان إذا ذكره قَالَ: أي رجل كان لو لم يفسدوه [٦] . أخبرنا [أبو منصور] القزاز قال: أخبرنا [أبو بكر بن ثابت] [٧] الخطيب قَالَ: أخبرنا حمزة بن مُحَمَّد بن طاهر قَالَ: أخبرنا أحمد بن إبْرَاهِيم قال: حدثنا البغوي قَالَ: حدثنا أحمد بن زهير قال: حدّثنا سليمان بن شيخ قال: حدثني عبد الله بن صالح بن مسلم قَالَ: كان شريك على قضاء الكوفة فخرج يلقى الخيزران، فبلغ شاهي [٨] وأبطأت الخيزران، فأقام ينتظرها ثلاثا ويبس خبزه، فجعل يبله بالماء ويأكله، فقال العلاء بن المنهال: فإن كان الذي قد قلت حقا ... بأن قد أكرهوك على القضاء فما لك موضعا في كل يوم ... تلقى من يحج من النساء

стр. 2966

/ مقيم في قرى شاهي ثلاثا ... بلا زاد سوى كسر وماء [١] أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قال: حدثنا محمد بن مزيد [٢] الخزاعي قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر قَالَ: حدثني عمي، عن عمر بن الهياج بن سَعِيد قال: أتته امرأة يوما- يعني شريكا- وهو في مجلس الحَكَم، فقالت: إنا باللَّه ثم بالقاضي، امرأة من ولد جرير بن عبد الله صاحب النَّبيّ ﷺ . ورددت الكلام فَقَالَ: إيها عنك الآن من ظلمك؟ فقالت: الأمير موسى بن عيسى، كَانَ لي بستان على شاطئ الفرات، لي فيه نخل ورثته عن آبائي، فقاسمت أخوتي وبنيت بيني وبينهم حائطا، وجعلت فيه فارسيا في بيت يحفظ النخل، ويقوم ببستاني، فاشترى الأمير موسى بن عيسى من أخوتي جميعا، وساومني وأرغبني فلم أبعه، فلما كان في هذه الليلة بعث بخمسمائة فاعل فاقتلعوا الحائط، فأصبحت لا أعرف من نخلي شيئا، واختلط بنخل أخوتي، فَقَالَ: يا غلام طينه بختم، ثم قال لها: امضي إلى بابه [٣] حتى يحضر معك. فجاءت المرأة بالطينة فأخذها الحاجب ودخل بها إلى مُوسَى/ فَقَالَ: أعدى شريك عليك، فَقَالَ: ادع لي صاحب الشرط. فدعا بِهِ، فَقَالَ: امض إلى شَرِيك، فقل يا سبحان الله، ما رأيت أعجب من أمرك امرأة ادعت دعوى لم تصح أعديتها عليّ! قَالَ: يقول [٤] له صاحب الشرط، إن رأى الأمير أن يعفيني فليفعل، فَقَالَ: امض ويلك. فخرج فأمر غلمانه أن يتقدموا إلى الحبس بفراش وغيره من آلة الحبس، فلما جاء وقف بين يدي شَرِيك فأدى الرسالة؟ قَالَ: خذ بيده فضعه [٥] في الحبس. قال: قد عرفت والله إنك [٦] تفعل بي هذا، فقدمت ما يصلحني إلى الحبس، وبلغ مُوسَى بن عيسى الخبر، فوجه الحاجب إِلَيْهِ فَقَالَ: هذا رسول، أي شيء عَلَيْهِ؟ فلما وقف بين يديه وأدى الرسالة قال: ألحقه بصاحبه فحبس.

стр. 2967

فلما صلى الأمير العصر بعث إلى إسحاق بن الصباح الأشعثي وجماعة من وجوه الكوفة من أصدقاء شَرِيك. فَقَالَ: امضوا إليه وأبلغوه سلامي [١] ، وأعلموه أنه قد استخف بي وإني لست كالعامة، فمضوا وهو جالس في مسجده بعد العصر، فدخلوا عليه فأبلغوه الرسالة، فلما انقضى كلامهم قال [لهم:] [٢] ما لي لا أراكم جئتم في غيره من الناس فكلمتموني؟ من ها هنا من فتيان الحي؟ فليأخذ كل واحد منكم بيد رَجُل، فيذهب به إلى الحبس لا ينم والله إلّا فيه. قالوا: أجاد أنت؟ قَالَ: حقا حتى لا تعودوا برسالة ظالم. فحبسهم فركب موسى بن عيسى فِي الليل إلى باب/ الحبس، فأطلقهم [٣] جميعا. فلما كان من الغد وجلس شريك للقضاء، جاء السجان فأخبره فدعا بالقمطر فختمه، ووجه به إلى منزله، ثم قَالَ لغلامه ألحقني بثقلي إلى بغداد، فو الله ما طلبنا هذا الأمر منهم، ولكن أكرهونا عَلَيْهِ، ولقد ضمنوا لنا الإعزاز فيه إذ [قد] [٤] تقلدناه لهم، ومضى نحو قنطرة الكوفة إلى بغداد. وبلغ موسى بن عيسى الخبر، فركب في موكبه فلحقه وجعل يناشده اللَّه ويقول: يا أبا عَبْد اللَّه تثبت، انظر إخوانك تحبسهم دع أعواني. قَالَ: نعم لأنهم مشوا لك في أمر لم يجب عليهم المشي فيه، ولست ببارح أو يردوا جميعا إلى الحبس وإلا مضيت إلى أمير [٥] المؤمنين فاستعفيته مما قلدني. فأمر بردهم جميعا إلى الحبس، وهو والله [٦] واقف مكانه حتى جاءه السجان فقال لَهُ: قد رجعوا إلى الحبس. فَقَالَ لأعوانه: خذوا بلجامه، فردوه بين يدي إلى مجلس الحَكَم فمروا به بين يديه حتى أدخل المسجد وجلس مجلس القضاء، ثم قَالَ: علي بالجويرية المتظلمة [من هذا] [٧] فجاءت فَقَالَ: هذا خصمك قد حضر، وهو جالس معها بين يديه، فقال: أولئك يخرجون من الحبس

стр. 2968

قبل كل شيء. قال: أما الآن فنعم، أخرجوهم. ثم قال لَهُ: / ما تقول فيما تدعيه هذه [المرأة؟] [١] قَالَ: صدقت. قَالَ: فرد جميع ما أخذ منها وتبني حائطها في وقت واحد سريعا كما هدم. قَالَ: أفعل. قَالَ: بقي لك شيء. قَالَ: تقول المرأة بيت الفارسي ومتاعه. قَالَ: يقول موسى بن عيسى: ونرد ذلك [جميعه] [٢] ، بقي لك شيء تدعينه؟ قالت: لا، وجزاك الله خيرا. قَالَ: قومي، ثم وثب من مجلسه، فأخذ بيد موسى بن عيسى، فأجلسه في مجلسه، ثم قَالَ: السلام عليك أيها الأمير تأمر بشيء؟ قَالَ: أي شيء آمر؟! وضحك [٣] . أخبرنا القزاز قال أخبرنا [أحمد بن علي] [٤] الخطيب قَالَ: أخبرنا العتيقي قَالَ: أخبرنا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس قَالَ: حدثنا محمد بن خلف قَالَ: أخبرني أحمد بن عثمان بن حكيم قَالَ: أخبرني أَبِي قَالَ: كان شريك القاضي لا يجلس حتى يتغدى ثم يأتي المسجد فيصلي ركعتين، ثم يخرج رقعة من قمطرة فينظر فيها، ثم يدعو بالخصوم، وإنما كان يقدمهم الأول فالأول، فقيل لابن شَرِيك: نحب أن نعلم ما في هذه الرقعة؟ فنظر فيها ثم أخرجها إلينا، فإذا فيها: يا شريك بْن عبد اللَّه [اذكر الصراط وحدته، يا شريك بن عبد اللَّه] [٥] اذكر الموقف بين يدي الله تعالى [٦] . توفي شريك بالكوفة يوم السبت غرة ذي القعدة من هذه السنة رحمه الله تعالى [٧] .

стр. 2969

ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة فمن الحوادث فيها: / وثوب الحوفية بمصر بعامل الرشيد عليهم إسحاق بن سُلَيْمَان، وقتالهم إياه وتوجيه الرشيد إليه هرثمة بن أعين في عدة من القواد [مددا له] [١] حتى أذعن أهل الحوف، ودخلوا في الطاعة، وأدوا [٢] ما كان عليهم من وظائف السلطان، وكان هرثمة إذ ذاك والي فلسطين، فلما انقضى أمر الحوفية صرف هارون إسحاق عن مصر، وولاها هرثمة نحوا من شهر، ثم صرفه عنها وولاها عبد الملك بن صالح [٣] . وفيها: كان وثوب أهل إفريقية بعبدويه الأنباري ومن معه من الجند هنالك، فقتلوا الفضل بن روح بن حاتم، وأخرج من كان بها من آل المهلب، فوجه الرشيد إليهم هرثمة فرجعوا إلى الطاعة، وكان عبدويه قد غلب على إفريقية، وخلع السلطان فتلطف الأمير يحيى بن خالد، وكاتبه بالترغيب في الطاعة [والترهيب والتجريد للمعصية] [٤] فقبل الأمان، وعاد إلى الطاعة، فولي له يحيى [٥] . وفيها: فوض [٦] الرشيد أموره إلى يحيى بن خالد بن [٧] برمك [٨] .

стр. 2970

وفيها: خرج الوليد بن طريق الشاري بالجزيرة فقتل إبراهيم بن خازم بن خزيمة بنصيبين، ثم مضى إلى إرمينية [١] . وفي هذه السنة [٢] : شخص الفضل بن يحيى إلى/ خراسان واليا عليها، فأحسن السّيرة بها، وبنى المساجد والرباطات، وغزا ما وراء النهر، واتخذ بخراسان جندا من العجم يبلغ عددهم خمس مائة ألف، وسماهم العباسية، وقدم بغداد منهم عشرون ألفا فسموا [٣] ببغداد الكرنبية [٤] . وفيها [٥] : غزا الصائفة معاوية بن زفر بن عاصم، وغزا الشاتية سليمان بن راشد [٦] . وفيها: حج بالناس [٧] محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، وهو إذ ذاك العامل على [٨] مكة [٩] . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٩٥٩- عبد الملك بن محمد بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بن حزم، أبو طاهر الأنصاري الْمَدَنِيّ [١٠] . قدم بغداد [١١] فحدث بها، وروى عنه: سريج [١٢] بن النُّعْمان وكان ثقة جليلا، من

стр. 2971

أهل العلم والسّنَّة [١] والحديث، وولاه الرشيد القضاء بالجانب الشرقي من بغداد، فمكث أياما ثم مات، فصلى عليه هارون ودفنه [٢] في مقبرة العباسة بنت المهدي، وقيل: توفي [في] سنة ست وسبعين [ومائة] [٣] . ٩٦٠- عبثر بن القاسم، أبو زبيد الكوفي [٤] . سَمِعَ أبا إسحاق الشيباني، وسليمان التَّيْمي، والأعمش، والثَّورِي، روى عن قتيبة، وكان ثقة صدوقًا [٥] توفي في هذه السنة.

стр. 2972

ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة فمن الحوادث فيها: انصراف الفضل بن يحيى عن خراسان، واستخلافه عليها عمرو بن شُرَحْبيل [١] . وفيها: ولى الرشيد خراسان منصور بن يزيد بن منصور الحمْيَرِي، وعزل محمد بن خالد بْن برمك عن الحجبة، وولاها الفضل بن الربيع [٢] . وفيها: خرج بخراسان حمزة بن أترك السجستاني [٣] . وفيها: رجع الوليد بن طريف الشاري إلى الجزيرة، واشتدت شوكته، وكثر تبعه، فوجه الرشيد إليه يزيد بن مزيد بن زائدة [٤] الشيباني، فراوغه يزيد، ولقيه على غرة فقتله وجماعة [ممن] معه [٥] وتفرق الباقون [٦] . واعتمر الرشيد في هذه السنة في رمضان شكرا للَّه تعالى على ما أنعم به عليه في

стр. 2973

الوليد بن طريف، فلما قضى عمرته انصرف إلى المدينة، فأقام بها إلى وقت الحج، ثم حج بالناس، فمضى من مكة إلى منى، ثم إلى عرفات وشهد مشاهدها [١] والمشاعر ماشيا، ثم انصرف على طريق البصرة [٢] . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٩٦١-/ إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة، أبو هاشم الحمْيَرِي [٣] . يلقب: السيد، كان شاعرا مجيدا، لكنه أفرط في سب الصحابة، وقذف أزواج رسول الله ﷺ ، وكان يقول بإمامة محمد بن الحنفية، ويقول: إنه مقيم بجبل رضوى، وإنه لم يمت. ومن شعره [٤] في ذَلِكَ: ألا قل للوصي فدتك نفسي ... أطلت بذلك الجبل المقاما أضر بمعشر والوك منا ... وسموك الخليفة والإماما وعادوا فيك أهل الأرض طرا ... مقامك فيهم ستين عاما وما ذاق ابن خولة طعم موت ... ولا وارت لنا أرض عظاما لقد أمسى بمورق شعب رضوى ... تراجعه الملائكة الكلاما هدانا الله إذ حرتم لأمر ... به وارثه [٥] يلتمس التماما / تمام مودة [٦] المهدي حتى/ ... تروا آياتنا تترى نظاما وكان الحميري يشرب الخمر، ويقول بالرجعة، فقال لرجل [٧] : تعطيني دينارا

стр. 2974

بمائة دينار [١] إلى الرجعة؟ فَقَالَ: نعم، إن وثقت لي بمن يضمن لي أنك ترجع إنسانا، إنما أخشى أن ترجع كلبا أو خنزيرا فيذهب مالي [٢] . قال الأصمعي لما سمع شعره: قاتله الله، ما أطبعه وأسلكه طريق الشعراء، والله لولا ما في شعره من سب السلف ما قدمت عليه من طبقته أحدا [٣] . وذكر القاضي أبو بكر محمد بن الطيب قَالَ: كان السيد الحميري [٤] يزعم أن جهنم بحضرموت وبوادي برهوت. وقال في أبي بكر وعمر ﵄ يصف عداءهما عنده: أمست عظامهما بطيبة للبلى ... وبحضرموت شرها روحاهما وقال في ذم سيدتنا [٥] عائشة ﵂: أعائش إنك في المحدثات ... وفي المحدثين بوادي اليمن ببرهوت تسقين من مائها ... شرابا كريها شديد الأسن قَالَ: وكان شديد اللهج بسب سيدتنا عائشة وسيدتنا حفصة ﵄، وقال في ذَلِكَ [٦] : جاءت مع الأشقين في هودج ... تزجي إلى البصرة أجنادها كأنها في فعلها حية ... ، تريد أن تأكل أولادها قَالَ: وكان يقصد قذف حرم رسول الله ﷺ بالعظائم. ذكر أبو الفرج الأصفهاني أنه قال- يعني [في-] [٧] عائشة وحفصة: أحداهما نمت عليه حديثه ... وبغت عليه بغية إحداهما

стр. 2975

فهما اللتان سمعت رب محمد ... في الذكر قص على العباد نباهما [قال المصنف] [١] : وإنما يذكر العلماء ذَلِكَ [٢] لتعرف هذا اللعين وغوره في الكفر. واختلفوا أين مات لعنه الله، فقيل: بواسط، أخذه كرب [٣] فجلس قبل موته فَقَالَ: اللَّهمّ هذا كان جزائي لحب [٤] آل مُحَمَّد، فمات فلم يدفنوه لكفره وسبه الصحابة ﵃. وقيل: بل توفي ببغداد، واسود وجهه قبل موته، فأفاق من سكرته وفتح عينيه وقَالَ: يا أمير المؤمنين، تفعل هذا لوليك؟ قالها ثلاث مرات/ ومات، فدفن بالحديثة ببغداد وذلك في خلافة الرشيد. ٩٦٢- حماد بن زيد بن إبراهيم، أبو إسماعيل [٥] . كان من كبار العلماء وسادات الفقهاء، أسند عن خلق كثير من التابعين. وتوفي في رمضان هذه السنة وهو ابن إحدى وثمانين سنة. قال ابن مهدي: ما رأيت أعرف بالسنة منه. وقال يزيد بن زريع يوم موته: مات سيد المسلمين. ٩٦٣- خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن، أبو الهَيْثَمُ. وقيل: أبو أحمد الطحان، مولى مُزَيْنَة [٦] . من أهل واسط، ولد سنة عشر ومائة، وسمع يونس بن عبيد، وابن عون، وغيرهما. روى عنه: وكيع، وابن مهدي، وعفان بن مسدد، وكان ثقة صالحا.

стр. 2976

قال إسحاق الأزرق: ما أدركت أفضل من خَالِد. قِيلَ: قد رأيت سُفْيان فَقَالَ: كان سفيان [١] رَجُل نفسه، وكان خالد رجل عامة. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ على بْن ثابت قَالَ: حَدَّثَنَا أبو نُعَيم الحافظ قَالَ: سمعت الطبراني يَقُولُ: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يَقُولُ: قال أَبِي: كَانَ خالد بن عبد الله/ الواسطي من أفاضل المسلمين اشترى نفسه من الله أربع مرات فتصدق بوزن نفسه فضة أربع مرات [٢] . توفي في رجب هذه السنة، وقيل: في سنة اثنتين وثمانين رحمه الله تعالى [٣] . ٩٦٤- الإمام مالك بن أنس بن مالك بن عامر بن الحارث بن غيمان- بالغين المعجمة بعدها ياء مثناة من تحتها- بن جثيل- بالجيم بعدها ثاء مثلثة- بن عمرو بن الحارث [٤] ، وهُوَ ذو أصبح . حمل بمالك ثلاث سنين، وكان طوالا عظيم الهامة، أصلع شديد البياض إلى الشقرة، أبيض الرأس واللحية. رأى خلقا من التابعين، وروى عَنْهُمْ، وكان ثقة حجة، يلبس الثياب العدنية الجياد، وكان نقش خاتمه «حسبي الله ونعم الوكيل» فقيل لَهُ: لم نقشت هذا؟ فَقَالَ: سمعت الله يقول عقب هذه الآية فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ٣: ١٧٤ [٥] وكان إذا دخل بيته فأدخل رجله قَالَ: ما شاء الله، وقَالَ: سمعت الله يقول: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شاءَ الله ١٨: ٣٩ [٦]

стр. 2977

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سهل بن سعدويه قَالَ: أَخْبَرَنَا/ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضِل القرشي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بن مردويه قَالَ: حدثنا سليمان بن أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنَا مسعدة بن أسعد العطار قَالَ: حدثنا إبراهيم بن المنذر قَالَ: سمعت معن بن عيسى يَقُولُ: كَانَ مالك بن أنس إذا أراد أن يحدث بحديث رسول الله ﷺ اغتسل وتبخر وتطيب، فإذا رفع أحد صوته عنده قَالَ: اغضض من صوتك فإن الله يَقُولُ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ٤٩: ٢ [١] فمن رفع صوته عند حديث النَّبيّ ﷺ فكأنما [٢] رفع صوته فوق صوت رسول الله ﷺ . أخبرنا مُحَمَّد بْن أَبِي الْقَاسِم [٣] ، أَخْبَرَنَا حمد بْن أحمد الحداد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا محمد بن علي بن عاصم قَالَ: سمعت الفضل بن محمد الجندي يَقُولُ: سمعت أبا مصعب يَقُولُ: سمعت مالك بن أنس يَقُولُ: ما أفتيت/ حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك. أخبرنا محمد بن عبد الباقي [بْنِ سُلَيْمَان قَالَ:] [٤] أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قال: أخبرنا أبو نُعَيم الأصفهاني [الحافظ قَالَ:] [٥] حدثنا أبو محمد بن حيَّان قَالَ: حدثنا محمد بن أحمد بن عَمْرو قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بن عَبْد اللَّهِ بن كليب قَالَ: حدثني أبو طالب، عن أبي عُبَيْدة قَالَ: سمعت ابن مهدي يَقُولُ: سأل رجل مالكا عن مسألة فَقَالَ: لا أحسنها. فقال الرجل: إني ضربت إليك من كذا وكذا لأسألك عنها. فقال له مالك [ابن أنس] (ع) : [٦] إذا رجعت إلى مكانك وموضعك فأخبرهم إني قد قُلْتُ لك لا أحسنها. أخبرنا زاهر بن طاهر قَالَ: أخبرنا أَبُو بكر أَحْمَد بْن الحسين البيهقي قَالَ: أخبرنا أبو عبد الله [محمد بن عبد الله] [٧] الحاكم قال: حدّثنا أبو الحسين محمد بن يحيى

стр. 2978

العلوي قَالَ: حدثنا أبو علي الغطريف [١] قَالَ: حدثنا أبو إسماعيل التِّرْمِذِيّ [٢] ، حدثنا نعيم بْن حمَّاد قَالَ: سمعت ابن المبارك يَقُولُ: ما رأيت رجلا ارتفع مثل مالك بن أنس من رجل ليس لَهُ كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة عند الله [٣] . / أخبرنا محمد بن عبد الباقي قَالَ: أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قال: أخبرنا أبو أيوب الجلاب، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَر قَالَ: لما دعي مالك وسور وسمع منه شنف الناس له وحسدوه، فلما ولي جعفر بْن سُلَيْمَان المدينة سعوا به إِلَيْهِ، وقالوا: إنه لا يرى أيمان بيعتكم بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت عن الأحنف، في طلاق المكره أنه لا يجوز، فغضب جعفر بن سُلَيْمَان [٤] ، فدعا بمالك، فاحتج عليه بما رقي إِلَيْهِ، ثم جرده ومده وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلع كتفاه، وارتكب منه أمر عظيم، فو الله ما زال بمالك بعد ذلك من رفعة عند الناس، وكأنما [كانت] [٥] تلك السياط حليا حلي بها [٦] . وكان يشهد الصلوات والجنائز والجمعة [٧] ، ويعود المرضى، ويجلس في المسجد، ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد، وكان يصلي ثم ينصرف وترك شهود الجنائز، وكان يأتي أهلها فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله فلم يكن يشهد الصلوات في مسجد ولا الجمعة، ولا يأتي أحدا يعزيه، واحتمل الناس له ذلك، / ومات على ذَلِكَ وربما كلم في ذَلِكَ فيقول: ليس كل الناس يقدر يتكلم بعذره [٨] .

стр. 2979

ومنذ خرج مُحَمَّد بن [عَبْد اللَّهِ بن] [١] حسن بالمدينة لزم مالك بيته فلم يخرج حتى قتل مُحَمَّد، وكان يجلس في منزله على ضجاع لَهُ ونمارق مطروحة يمنة ويسرة في سائر البيت لمن يأتيه من قريش والأنصار، وكان مجلسه مجلس وقار وحلم، وكان نبيلا مهيبا لا يستفهم هيبة [٢] . قال محمد بن سعد: وحدثنا ابن أبي أويس قَالَ اشتكى مالك أياما يسيرة [٣] ، فسألت بعض أهلنا عما قال عند الموت، فَقَالَ: تشهد ثم قَالَ: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمن بَعْدُ ٣٠: ٤ [٤] . وتوفي في صبيحة أربعة عشر من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، في خلافة هارون، وصلى عليه والي المدينة عبد الله بن محمد بن إبْرَاهِيم، ودفن بالبقيع وهو ابْن خمس وثمانين سنة، وقيل: تُوُفِّيَ فِي صفر من هذه السنة ﵁ [٥] .

стр. 2980

ثم دخلت سنة ثمانين ومائة فمن الحوادث فيها: عود الفتنة بالشام، فاقتتل أهلها، وتفاقم الأمر، فاغتم بذلك الرشيد [١] ، وعقد لجعفر بْن يحيى على الشّام، وقال لَهُ: إما أن تخرج أنت أو أنَا. فقال له جعفر: بل أقيك [٢] بنفسي. فشخص [٣] في جلة القواد والكراع والسلاح، وأتاهم فأصلح بينهم، وقتل المناصفية منهم ولم يدع بها رمحا ولا فرسا، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة، وانطفأت/ تلك الثائرة، وولى جعفر بن يحيى صالح بن سليمان البلقاء وما يليها، واستخلف على الشام عيسى بن العتكي، وانصرف فازداد الرشيد له إكراما، فلما قدم دخل على الرشيد فقبل يديه ورجليه، وقال: الحمد للَّه الَّذِي آنس وحشتي وأنسأ في أجلي حتى أراني وجه سيدي وأكرمني بقربه، وردني إلى خدمته، فو الله إن كنت لأذكر غيبتي، والمقادير التي أزعجتني، فأعلم أنها كانت بمعاص لحقتني، ولو طال مقامي لخفت أن يذهب عقلي إشفاقا على قربك وأسفا على فراقك [٤] . وفي هذه السنة: كانت زلزلة بمصر ونواحيها، وسقطت رأس منارة الاسكندرية فيها [٥] .
следующие страницы →