قال إسحاق الأزرق: ما أدركت أفضل من خَالِد. قِيلَ: قد رأيت سُفْيان فَقَالَ:
كان سفيان [١] رَجُل نفسه، وكان خالد رجل عامة.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ على بْن ثابت قَالَ: حَدَّثَنَا أبو نُعَيم الحافظ قَالَ: سمعت الطبراني يَقُولُ: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يَقُولُ:
قال أَبِي: كَانَ خالد بن عبد الله/ الواسطي من أفاضل المسلمين اشترى نفسه من الله أربع مرات فتصدق بوزن نفسه فضة أربع مرات [٢] .
توفي في رجب هذه السنة، وقيل: في سنة اثنتين وثمانين رحمه الله تعالى [٣] .
٩٦٤- الإمام مالك بن أنس بن مالك بن عامر بن الحارث بن غيمان- بالغين المعجمة بعدها ياء مثناة من تحتها- بن جثيل- بالجيم بعدها ثاء مثلثة- بن عمرو بن الحارث [٤] ، وهُوَ ذو أصبح .
حمل بمالك ثلاث سنين، وكان طوالا عظيم الهامة، أصلع شديد البياض إلى الشقرة، أبيض الرأس واللحية.
رأى خلقا من التابعين، وروى عَنْهُمْ، وكان ثقة حجة، يلبس الثياب العدنية الجياد، وكان نقش خاتمه «حسبي الله ونعم الوكيل» فقيل لَهُ: لم نقشت هذا؟ فَقَالَ:
سمعت الله يقول عقب هذه الآية فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ٣: ١٧٤ [٥] وكان إذا دخل بيته فأدخل رجله قَالَ: ما شاء الله، وقَالَ: سمعت الله يقول: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شاءَ الله ١٨: ٣٩ [٦]
стр. 2977
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سهل بن سعدويه قَالَ: أَخْبَرَنَا/ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضِل القرشي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بن مردويه قَالَ: حدثنا سليمان بن أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنَا مسعدة بن أسعد العطار قَالَ: حدثنا إبراهيم بن المنذر قَالَ: سمعت معن بن عيسى يَقُولُ: كَانَ مالك بن أنس إذا أراد أن يحدث بحديث رسول الله ﷺ اغتسل وتبخر وتطيب، فإذا رفع أحد صوته عنده قَالَ: اغضض من صوتك فإن الله يَقُولُ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ٤٩: ٢ [١] فمن رفع صوته عند حديث النَّبيّ ﷺ فكأنما [٢] رفع صوته فوق صوت رسول الله ﷺ .
أخبرنا مُحَمَّد بْن أَبِي الْقَاسِم [٣] ، أَخْبَرَنَا حمد بْن أحمد الحداد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا محمد بن علي بن عاصم قَالَ: سمعت الفضل بن محمد الجندي يَقُولُ: سمعت أبا مصعب يَقُولُ: سمعت مالك بن أنس يَقُولُ: ما أفتيت/ حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي [بْنِ سُلَيْمَان قَالَ:] [٤] أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قال:
أخبرنا أبو نُعَيم الأصفهاني [الحافظ قَالَ:] [٥] حدثنا أبو محمد بن حيَّان قَالَ: حدثنا محمد بن أحمد بن عَمْرو قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بن عَبْد اللَّهِ بن كليب قَالَ: حدثني أبو طالب، عن أبي عُبَيْدة قَالَ: سمعت ابن مهدي يَقُولُ: سأل رجل مالكا عن مسألة فَقَالَ:
لا أحسنها. فقال الرجل: إني ضربت إليك من كذا وكذا لأسألك عنها. فقال له مالك [ابن أنس] (ع) : [٦] إذا رجعت إلى مكانك وموضعك فأخبرهم إني قد قُلْتُ لك لا أحسنها.
أخبرنا زاهر بن طاهر قَالَ: أخبرنا أَبُو بكر أَحْمَد بْن الحسين البيهقي قَالَ: أخبرنا أبو عبد الله [محمد بن عبد الله] [٧] الحاكم قال: حدّثنا أبو الحسين محمد بن يحيى
стр. 2978
العلوي قَالَ: حدثنا أبو علي الغطريف [١] قَالَ: حدثنا أبو إسماعيل التِّرْمِذِيّ [٢] ، حدثنا نعيم بْن حمَّاد قَالَ: سمعت ابن المبارك يَقُولُ: ما رأيت رجلا ارتفع مثل مالك بن أنس من رجل ليس لَهُ كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة عند الله [٣] . / أخبرنا محمد بن عبد الباقي قَالَ: أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قال:
أخبرنا أبو أيوب الجلاب، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَر قَالَ: لما دعي مالك وسور وسمع منه شنف الناس له وحسدوه، فلما ولي جعفر بْن سُلَيْمَان المدينة سعوا به إِلَيْهِ، وقالوا: إنه لا يرى أيمان بيعتكم بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت عن الأحنف، في طلاق المكره أنه لا يجوز، فغضب جعفر بن سُلَيْمَان [٤] ، فدعا بمالك، فاحتج عليه بما رقي إِلَيْهِ، ثم جرده ومده وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلع كتفاه، وارتكب منه أمر عظيم، فو الله ما زال بمالك بعد ذلك من رفعة عند الناس، وكأنما [كانت] [٥] تلك السياط حليا حلي بها [٦] .
وكان يشهد الصلوات والجنائز والجمعة [٧] ، ويعود المرضى، ويجلس في المسجد، ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد، وكان يصلي ثم ينصرف وترك شهود الجنائز، وكان يأتي أهلها فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله فلم يكن يشهد الصلوات في مسجد ولا الجمعة، ولا يأتي أحدا يعزيه، واحتمل الناس له ذلك، / ومات على ذَلِكَ وربما كلم في ذَلِكَ فيقول: ليس كل الناس يقدر يتكلم بعذره [٨] .
стр. 2979
ومنذ خرج مُحَمَّد بن [عَبْد اللَّهِ بن] [١] حسن بالمدينة لزم مالك بيته فلم يخرج حتى قتل مُحَمَّد، وكان يجلس في منزله على ضجاع لَهُ ونمارق مطروحة يمنة ويسرة في سائر البيت لمن يأتيه من قريش والأنصار، وكان مجلسه مجلس وقار وحلم، وكان نبيلا مهيبا لا يستفهم هيبة [٢] .
قال محمد بن سعد: وحدثنا ابن أبي أويس قَالَ اشتكى مالك أياما يسيرة [٣] ، فسألت بعض أهلنا عما قال عند الموت، فَقَالَ: تشهد ثم قَالَ: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمن بَعْدُ ٣٠: ٤ [٤] .
وتوفي في صبيحة أربعة عشر من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، في خلافة هارون، وصلى عليه والي المدينة عبد الله بن محمد بن إبْرَاهِيم، ودفن بالبقيع وهو ابْن خمس وثمانين سنة، وقيل: تُوُفِّيَ فِي صفر من هذه السنة ﵁ [٥] .
стр. 2980
ثم دخلت سنة ثمانين ومائة
فمن الحوادث فيها:
عود الفتنة بالشام، فاقتتل أهلها، وتفاقم الأمر، فاغتم بذلك الرشيد [١] ، وعقد لجعفر بْن يحيى على الشّام، وقال لَهُ: إما أن تخرج أنت أو أنَا. فقال له جعفر: بل أقيك [٢] بنفسي. فشخص [٣] في جلة القواد والكراع والسلاح، وأتاهم فأصلح بينهم، وقتل المناصفية منهم ولم يدع بها رمحا ولا فرسا، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة، وانطفأت/ تلك الثائرة، وولى جعفر بن يحيى صالح بن سليمان البلقاء وما يليها، واستخلف على الشام عيسى بن العتكي، وانصرف فازداد الرشيد له إكراما، فلما قدم دخل على الرشيد فقبل يديه ورجليه، وقال: الحمد للَّه الَّذِي آنس وحشتي وأنسأ في أجلي حتى أراني وجه سيدي وأكرمني بقربه، وردني إلى خدمته، فو الله إن كنت لأذكر غيبتي، والمقادير التي أزعجتني، فأعلم أنها كانت بمعاص لحقتني، ولو طال مقامي لخفت أن يذهب عقلي إشفاقا على قربك وأسفا على فراقك [٤] .
وفي هذه السنة: كانت زلزلة بمصر ونواحيها، وسقطت رأس منارة الاسكندرية فيها [٥] .
стр. 2981
وفيها: أخذ الرشيد من جعفر بن يحيى الخاتم، فدفعه إلى أبيه يحيى بن خَالِد [١] .
وفيها: ولى جعفر بن يحيى خراسان وسجستان، فاستعمل جعفر عليها محمد بن الحسن بن عطية [٢] .
وفيها: شخص الرشيد من مدينة السلام يريد الرقة على طريق الموصل، فلما نزل البردان، ولّى عيسى بن جعفر خراسان، وعزل عنها جعفر بن يحيى، وكانت ولاية جعفر إياها [٣] عشرين ليلة [٤] .
وفيها: ولى جعفر بن يحيى الحرس [٥] .
وفيها: هدم الرشيد سور الموصل بسبب الخوارج الذين خرجوا منها، ثم مضى إلى الرقة فنزلها، فاتخذها/ وطنا [٦] .
وفيها: عزل هرثمة بن أعين عن إفريقية وأقفله إلى مدينة السلام فاستخلف جعفر بْن يحيى على الحرس [٧] .
وفيها: خرجت خراشة الشيباني وشري بالجزيرة فقتله مسلم بن بكار بن مسلم العقيلي [٨] .
وفيها: خرجت المحمرة بجرجان، وكتب علي بن موسى بن هامان أن الذي يهيج ذلك عليه عَمْرو بن محمد العمركي، وأنَّه زنديق، فأمر الرشيد بقتله، فقتل بمرو [٩] .
стр. 2982
وفيها: عزل الرشيد الفضل بن يحيى عن طبرستان والرويان، وولى ذلك عبد الله بن حازم. وعزل الفضل أيضا عن الري، ووليها محمد بن يحيى بن الحارث، وولى سعيد بن مسلم الجزيرة [١] .
وفيها [٢] : غزا الصائفة معاوية بن زفر بن عاصم [٣] .
وفيها: قدم الرشيد من مكة إلى البصرة في المحرم فنزل المحمدية أياما، ثم تحول منها إلى قصر عيسى بالحربية، وشخص عن البصرة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرم، فقدم بغداد، ثم شخص [منها] [٤] إلى الحيرة فسكنها، وابتنى بها المنازل، وأقطع من معه الخطط، وأقام بها نحوا من أربعين يوما، فوثب أهل الكوفة وأساءوا مجاورته، فارتحل إلى مدينة السلام، ثم شخص إلى الرقة، فاستخلف ببغداد الأمين، وولاه العراق [٥] .
وحج بالناس في هذه السنة: موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي/ [٦] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٩٦٥- إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير [٧] ، أبو إبراهيم الأنصاري
[٨] .
مولى بني زريق، قارئ مدينة رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، سَمِعَ عبد الله بن دينار، وشريك بن عبد الله، ومالك بن أنس، وغيرهم. وكان ثقة مأمونا. فأقام ببغداد يؤدب علي بن المهدي إلى أن توفي في هذه السنة.
стр. 2983
٩٦٦- علي بن المهدي [١] ، أبو محمد الهاشمي، وأمه ريطة بنت أبي العباس
[٢] .
تولى أمور الحج وإمارة الموسم غير مرة.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي، أنبأنا إبراهيم بن مخلد قال: أخبرنا إسماعيل بن علي الخطبي قَالَ: توفي أبو محمد علي ابن أمير المؤمنين [٣] المهدي في المحرم من سنة ثمانين ومائة في بستانه بعيساباذ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، لأن مولده بالري سنة سبع وأربعين ومائة [٤] وهو أسن من أخيه الرشيد بشهور.
٩٦٧- حسان بن سنان بن أوفى بن عوف، أبو العلاء التنوخي الأنباري
[٥] .
ولد سنة ستين من الهجرة على النصرانية، وكانت دينه ودين آبائه ثم أسلم، وحسن إسلامه/، وكان يكتب بالعربية والفارسية والسريانية، ولحق الدولتين، فلما قلد السفاح ربيعة الرأي القضاء بالأنبار أتى مكتوب بالفارسية، فلم يحسن أن يقرأه، فطلب رجلا ثقة دينا يحسن قراءته، فدل على حسان فجاء بِهِ، فكان يقرأ له الكتب بالفارسية، فلما اختبره ورضي مذاهبه استكتبه، وكان جد إسحاق البهلول، وسمع أنس بن مالك، ودعا لَهُ، فخرج من أولاده جماعة: فقهاء، وقضاة، ورؤساء، وصلحاء، وكتاب، وزهاد. وروى عنه: ابن أبي إسحاق.
وتوفي فِي هذه السنة، وهو ابن مائة وعشرين سنة.
٩٦٨- سلمة بن صالح، أبو إسحاق الجعفي الأحمر الكوفي
[٦] .
حدث عَن أبي إسحاق، وحماد بن أبي سُلَيْمَان. روى عنه: أحمد بن منيع، وكان قد ولي القضاء بواسط في زمن الرشيد ثم عزل وقدم بغداد فأقام بها إلى أن مات.
стр. 2984
وكان سبب عزله عن واسط: أن هشيم بن بشير تقدم مع خصم له إليه، فكلم الخصم هشيما بكلمة، فرفع هشيم يده، فلطم الخصم، فأمر سلمة بهشيم فضرب عشر درر وقَالَ: تتعدى على خصمك بحضرتي؟ فأغضب ذلك مشيخة واسط، فخرجوا إلى الرشيد/، فلقوه بمكة يطوف، فكلموه في سلمة وقالوا: لسنا نطعن عَلَيْهِ، ولكن رجل موضع رَجُل. فأمر بعزله وتقليد سواه [١] .
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت، أخبرنا محمد بْن عُمَر بْن روح، أَخْبَرَنَا المعافى بْن زكريّا، حدثنا طاهر بن مسلم العبدي قَالَ: حدثني محمد بن عمران الضَّبُّي، حَدَّثَنَا محمد بن خلاس قَالَ: لما عزل شريك عن القضاء تعلق به رجل ببغداد فَقَالَ: يا أبا عبد الله، لي عليك ثلاثمائة درهم فأعطنيها. قَالَ: ومن أنَا؟ قَالَ:
أنت شريك بن عبد اللَّه، القاضي. قَالَ: ومن أين هي لك؟ قَالَ: ثمن هذا البغل الذي تحتك. قَالَ: نعم، تعال. فجاء يمشي معه، حتى إذا بلغ الجسر قَالَ: من ها هنا؟ فقام إليه أولئك الشرط، فَقَالَ: خذوا هذا فاحبسوه، لئن أطلقتموه لأخبرن أبا العباس عبد الله بن مالك. فقالوا: إن هذا الرجل يتعلق بالقاضي [إذا عزل] [٢] فيدعي عليه فيفتدي منه، قد تعلق بسلمة الأحمر حين عزل عن واسط، فأخذ منه أربعمائة درهم، فَقَالَ: هكذا؟ فكلم فيه، فأبى أن يطلقه، فقال له عبد الله بن مالك: / إلى كم يحبس؟
قَالَ: إلى أن يرد على سلمة الأحمر أربعمائة درهم. قال: فردّ [٣] على سلمة الأحمر أربعمائة درهم، فجاء سلمة إلى شريك فشكر لَهُ، فقال لَهُ: يا ضعيف كل من سألك مالك أعطيته إياه [٤] .
اضطرب على سلمة حفظه فضعفه أصحاب الحديث، وتوفي ببغداد في هذه السنة. وقيل: في سنة ست وثمانين. وقيل: سنة ثمان وثمانين.
٩٦٩- الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام .
كان علامة قريش بالمدينة بأخبارها، وأشعارها، وأيامها، وأيام العرب وأشعارها،
стр. 2985
وأيامها. وكان من أكبر أصحاب مالك بن أنس هو وأبوه، ولما استعمل عبد الله بن مصعب بْن ثابت على اليمن وجه الضحاك خليفة له عليها، وفرض له كل سنة ألف دينار، وكلم لَهُ الخليفة فأعطاه أربعين ألف درهم، وكان محمود السيرة.
وتوفي بمكة عند منصرفه من اليمن يوم التروية من هذه السنة.
٩٧٠- عَبَّادُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْن أبي صفرة، أبو معاوية الْبَصْرِيّ
[١] .
سَمِعَ هشام بن عُرْوَة. وروى عَنْه: أحمد بن حنبل، وأبو عُبَيْد، وكان ثقة صدوقا، غزير العقل، / ذا هيئة حسنة.
وتوفي في هذه السنة. وقيل: سنة إحدى وثمانين.
٩٧١- عبد الوارث بن سعيد، أبو عبيدة التميمي، مولى بني العنبر
[٢] .
شهد له شعبة بالإتقان. وتوفي في هذه السنة.
٩٧٢- عافية بن يزيد بن قيس القاضي
[٣] .
ولاه المهدي القضاء ببغداد في الجانب الشرقي، وحدث عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ليلى، والأعمش، وغيرهما. وكان من أصحاب أبي حنيفة الذين يجالسونه، فكان أصحابه يخوضون في مسألة فإن لم يحضر عافية قال أبو حنيفة: لا ترفعوا المسألة حتى يحضر عافية، فإذا حضر، فإن وافقهم قال أبو حنيفة: أثبتوها، وإن لم يوافقهم قال أبو حنيفة: لا تثبتوها [٤] .
وكان عافية هو وابن علاثة فكانا يقضيان في عسكر المهدي في جامع الرصافة، هذا في أدناه وهذا في أعلاه [٥] .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا
стр. 2986
عليّ بن المحسن القاضي قَالَ: أخبرنا أَبِي [١] قَالَ: حدثنا أبو الحسين علي بن هشام الكاتب/ قَالَ: حَدَّثَنَا أبو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ سعد مولى بني هاشم قَالَ: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن أشياخه قَالَ: كان عافية القاضي يتقلد للمهدي القضاء، وكان عافية عالما زاهدا، فصار إلى المهدي في وقت الظهر في يوم [٢] من الأيام وهو خال، فاستأذن عَلَيْهِ فأدخله، فإذا معه قمطرة فاستعفاه من القضاء واستأذنه في تسليم القمطر إلى من يأمر بذلك، فظن أن بعض الولاة [٣] قد غض منه، أو أضعف يده في الحَكَم، فقال لَهُ في ذَلِكَ، فقال لَهُ: ما جرى من هذا شيء، قَالَ: فما كان سبب استعفائك؟ قَالَ: كان يتقدم إلي خصمان موسران وجيهان منذ شهرين في قضية معضلة مشكلة، وكل يدعى بينة وشهودا، ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمل وتثبت، فرددت الخصوم رجاء أن يصطلحوا أو يتبين لي وجه فصل ما بينهما. قَالَ: فوقف أحدهما من خبري على أني أحب الرطب السكر، فعمد في وقتنا- وهو أول/ أوقات الرطب- إلى أن جمع لي [٤] رطبا سكرا لا يتهيأ في وقتنا جمع مثله إلا [٥] لأمير المؤمنين، وما رأيت أحسن منه ورشا بوابي جملة دراهم على أن يدخل الطبق إلي ولا يبالي أن يرد، فلما دخل إلي أنكرت ذَلِكَ وطردت بوابي وأمرت برد الطبق، فلما كان اليوم تقدم إلي مع خصمه فما تساويا في قلبي ولا في عيني، وهذا يا أمير المؤمنين ولم أقبل فكيف يكون حالي لو قبلت، ولا آمن أن تقع علي حيلة في ديني فأهلك، وقد فسد [الناس] . [٦] فأقلني أقالك الله وأعفني، فأعفاه [٧] .
أخبرنا عبد الرَّحْمَن قَالَ: أخبرنا [أحمد بن علي] الخطيب. قال: أخبرنا محمد بن الحُسَين القطان، أخبرنا محمد بن الحسن [٨] بن زياد المقرئ أن داود بْن
стр. 2987
وسيم البوشنجي أخبرهم قَالَ: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد اللَّه، عن عمه عبد الملك بن قريب الأصمعي: أنه قَالَ: كنت عند الرشيد يوما، فرفع إليه في قاض يقال لَهُ: عافية، فكبر عَلَيْهِ، فأمر بإحضاره، فأحضر، وكان في المجلس جمع كبير، فجعل أمير المؤمنين يخاطبه ويوقفه عَلَى ما رفع إِلَيْهِ، وطال المجلس، ثم إن أمير المؤمنين عطس/ فشمته من كان بالحضرة ممن قرب منه سواه، فإنه لم يشمته، فقال له الرشيد: ما بالك لم تشمتني كما فعل القوم؟ فقال له عافية [لأنك] [١] يا أمير المؤمنين لم تحمد اللَّه، فلذلك لم أشمتك، هذا النبي ﷺ عطس عنده رجلان فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فَقَالَ يا رسول الله، ما بك شمت ذلك ولم تشمتني؟ قال: «لأن هذا حمد الله فشمتناه وأنت لم تحمده فلم أشمتك» . فقال له الرشيد: ارجع إلى عملك، فأنت لم تسامح في عطسة تسامح في غيرها؟ وصرفه منصرفا جميلا وزبر القوم الذين كانوا رفعوا عَلَيْهِ [٢] .
أخبرنا عبد الرَّحْمَن قَالَ: أخبرنا [أحمد بن علي] الخطيب قال: أَخْبَرَنَا القاضي أَبُو العلاء مُحَمَّد بْن عَلِي بْن يعقوب قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بن محمد بن إبراهيم الرياحي قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بْن مُحَمَّد بْن عرفة قَالَ: أخبرنا أبو العباس المنصور، عن ابن الأعرابي قال: خاصم أبو دلامة رجلا إلى عافية فَقَالَ:
لقد خاصمتني غواة الرجا ... ل وخاصمتهم سنة وافيه
فما دحض الله لي حجة ... وما خيب الله لي قافيه/
فمن كنت من جوره خائفا ... فلست أخافك يا عافيه
فقال له عافية: لأشكونك إلى أمير المؤمنين. قَالَ: لم تشكوني؟ قَالَ: لأنك هجوتني قَالَ: والله لئن شكوتني ليعزلنك. قَالَ: ولم؟ قَالَ: لأنك لم تعرف الهجاء من المديح [٣] .
٩٧٣- عمرو بن عثمان بن قنبر، أبو بِشْرِ، المعروف بسيبويه النَّحْوِي، مولى بْني الحارث بن كعب. وقيل: مولى آل الربيع بن زياد [١] .
стр. 2988
وتفسير سيبويه: رائحة التفاح، وكانت والدته ترقصه [٢] في الصغر بذلك.
قال إبراهيم الحربي: سمي سيبويه لأن وجنتيه كانتا كأنهما تفاحة.
قال مؤلف الكتاب [٣] : وكان سيبويه يصحب المحدثين والفقهاء، ويطلب الآثار، وكان يستملي على حماد بن سَلَمَة، فلحن في حرف، فعابه حماد فأنف من ذَلِكَ، ولزم الخليل فبرع في النَّحْو، وقدم بغداد وناظر الكسائي.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أنبأني الْقَاضِي أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن سلامة القضاعي قال: أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن إسماعيل النجيرمي قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو الحسن علي بن أحمد المهلبي قَالَ: أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الرَّحْمَن الروذباري قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الملك التاريخي/ قَالَ: حدثنا إبراهيم الحربي قال: سمعت ابن عائشة يَقُولُ: كنا نجلس مع سيبويه النحوي في المسجد، وكان شابا جميلا نظيفًا، قد تعلق من كل علم بسبب، وضرب في كل أدب [٤] بسهم مع حداثة سنه وبراعته في النَّحْو [٥] .
قال التاريخي: وحدثني ابن الأعلم قَالَ: حدثنا محمد بن سلام قال: كان سيبويه جالسا في حلقة بالبصرة، فتذاكرنا شيئا من حديث قَتَادةُ، فذكر حديثا غريبا وقَالَ: لم يرو هذا غير سعيد [٦] بن أبي العروبة. فقال له بعض من حضر: ما هاتان الزيادتان يا أبا بِشْرِ؟ قَالَ: هكذا يقال، لأن العروبة يوم الجمعة، فمن قال عروبة فقد أخطأ، قال ابن سلام: فذكرت ذلك ليونس فَقَالَ: أصاب، للَّه دره [٧] .
قال أبو سعيد السيرافي: أخذ سيبويه اللغات عَن أبي الخطاب الأخفش وغيره،
стр. 2989
وعمل كتابه الذي لم يسبقه أحد إلى مثله ولا لحق به من بعده، وكان كتابه لشهرته [١] عند النحويين علما، فكان يقال بالبصرة قرأ فلان للكتاب فيعلم أنه كتاب سيبويه، وكان المبرد إذا أراد مريد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه يقول لَهُ: هل ركبت البحر. تعظيما لَهُ واستصعابا لما فيه.
وقال السيرافي: / لم نعلم [٢] أحدا قرأ كتاب سيبويه عليه، إنما قرئ بعده على أبي الحسن الأخفش، ورأيت في تعاليق أبي عبد الله المرزباني: قَالَ ثعلب: اجتمع أربعون نفسا حتى عملوا كتاب سيبويه هو أحدهم، وهو أصول الخليل ونكته فادعاه سيبويه، وأنا أستبعد هذا لأن مثله لا يخفى [٣] ، والكل قد سلموا للرجل.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ [بْن عَلِيِّ بْن ثَابِتٍ] [٤] الْخَطِيبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا هلال بن المحسن قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الْجَرَّاح قَالَ:
حدثنا محمد بن القاسم الأنباري قَالَ: أخبرنا ابن المتوكل [٥] قَالَ: حدثنا أبو بكر العبدي قَالَ: لما قدم سيبويه بغداد، فناظر سيبويه الكسائي وأصحابه، فلم يظهر عليهم، فسأل من يبذل من الملوك ويرغب في النَّحْو؟ فقيل لَهُ: طلحة بن طاهر.
فشخص إلى خراسان، فلما انتهى إلى ساوة [٦] مرض مرضه الَّذِي مات فيه، فتمثل عند الموت:
يؤمل دنيا لتبقى له ... فمات المؤمل قبل الأمل
حثيثا يروي أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرجل
[٧] أخبرنا عبد الرحمن [بن مُحَمَّد قال:] أخبرنا [أحمد بن علي بن ثابت] [٨]
стр. 2990
الخطيب، أخبرنا عبد الله بن يحيى [١] السُّكري قَالَ: أخبرنا جعفر/ بن محمد بن أحمد بن الحَكَم قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ [٢] الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ المتوكل قَالَ: أخبرنا أبو الحسن المدائني قال: قال أبو عمرو بن يزيد: احتضر سيبويه فوضع رأسه في حجر أخيه، فأغمي عَلَيْهِ فدمعت عين أخيه فأفاق فرآه يبكي فَقَالَ [٣] :
فكنا جميعا فرق الدهر بيننا ... إلى الأمد الأقصى فمن يأمن الدهرا؟
توفي سيبويه في هذه السنة. وقيل: في التي قبلها.
قال أبو بكر الخطيب: ويقال أن سنه كانت اثنتين وثلاثين سنة [٤] .
٩٧٤- عفيرة العابدة
[٥] .
كانت طويلة الحزن، كثيرة البكاء، قدم أخ لها، فبشرت بقدومه، فبكت، فقيل لها هذا وقت بكاء؟ فقالت: ما أجد للسرور في قلبي مسكنا مع ذكر الآخرة، ولقد أذكرني قدومه يوم القدوم على الله فمن بين مسرور ومثبور.
أخبرنا ابن ناصر بإسناد لَهُ عن محمد بن عبيد قال: دخلنا على امرأة بالبصرة يقال لها: عفيرة، فقيل لها: [يا عفيرة] [٦] ، ادعي الله لنا. فقالت: لو خرس الخاطبون ما تكلمت عجوزكم، ولكن المحسن أمن المسيء بالدعاء، جعل الله قراكم من بيتي في الجنة، وجعل الموت مني ومنكم/ عَلَى بال.
٩٧٥- مسلم بن خالد بن سعيد بن خرجة، أبو خَالِد. ويلقب: الزنجي .
كان فقيها، عابدا، يصوم الدهر.
توفي بمكة في هذه السنة، لكنه كان كثير الغلط والخطأ في حديثه [٧] .
стр. 2991
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائة
فمن الحوادث فيها:
غزو الرشيد أرض الروم، فافتتح بها عنوة حصن الصفصاف، فقال مروان بن أبي حفصة:
إن أمير المؤمنين المصطفى ... قد ترك الصفصاف قاعا صفصفا
[١] وفيها: غزا عبد الملك بن صالح الروم فبلغ أنقرة، وافتتح مطمورة [٢] .
وفيها: غلبت المحمرة على جرجان [٣] .
وفيها: أحدث الرشيد عند نزوله للرقة في صدور كتبه الصلاة على النبي مُحَمَّد ﷺ [٤] .
وفيها: حج بالناس [٥] الرشيد، وتخلف عنه يحيى بن خَالِد، ثم لحقه بالعمرة، فاستعفاه من الولاية، فأعفاه فرد إليه الخاتم، وسأله الإذن له في المقام بمكة، فأذن له، فانصرف اليها [٦] .
стр. 2992
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٩٧٦- الحسن بن قحطبة بن شبيب بن خالد بن معدان، أبو الحَسَن، وهو أخو حميد بن قحطبة
[١] .
والحسن أحد قواد الدولة [العباسية] [٢] .
توفي في هذه السنة وهو ابن أربع وثمانين سنة.
٩٧٧- خلف بن خليفة بن صاعد، أبو أحمد الأشجعي
[٣] .
روى عَنْه: هشيم، وقتيبة، والحسن بن عرفة. وكان ثقة صدوقا، نزل الكوفة، ثم انتقل إلى واسط، ثم تحول إلى بغداد فأقام بها، حتى توفي في هذه السنة وهو ابن مائة سنة وستة.
٩٧٨- عبد الله بن المبارك، أبو عبد الرحمن المروزي، مولى بني حنظلة
[٤] .
كان أبو تركيا [وكان عبدا لرجل من التجار] [٥] من همذان من بني حنظلة، وكان عبد الله إذا قدم همذان يخضع لوالديه [٦] ويعظمهم [٧] ، وكانت أمه خوارزمية [٨] .
ولد سنة ثماني عشرة ومائة، وسمع هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وسليمان التَّيْمي، وحميد الطويل، وابن عَوْن ومالكا، والثَّورِي، والأوزاعي، وغيرهم. وكان من أئمة المسلمين الموصوفين بالحفظ والفقه والعزيمة والزهد والكرم والشجاعة. وله التصانيف الحسان/، والشعر المتضمن للزهد والحكمة، وكان من أهل الغزو والمرابطة، وكان ابن عُيَيْنَة يَقُولُ: نظرت في أمر
стр. 2993
الصحابة وأمر ابن المبارك، فما رأيت لهم عليه فضلا إلا بصحبتهم للنبي ﷺ .
أخبرنا [أبو] منصور القزاز قَالَ: أخبرنا [أحمد بن علي] [١] الخطيب، أخبرنا أحمد بن عبد الله أبو الحسين المحاملي قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَكِّي قَالَ:
حدّثنا أبو العباس مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحْمَنِ الدغولي قَالَ: حَدَّثَنَا عبد المجيد بن إبراهيم، حدثنا وهب بن زمعة [٢] قال: حدّثنا معاذ بن خَالِد قَالَ: قال إسماعيل بن عيّاش: ما على وجه الأرض مثل عبد الله بن المبارك ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير إلا وقد جعلها في عبد الله بن المبارك [٣] ولقد حدثني أصحابي أنهم صحبوه من مصر إلى مكَّةَ، فكان يطعمهم الخبيص وهو الدهر صائم [٤] .
أخبرنا عبد الرحمن [بن محمد قال:] أخبرنا أحمد بن عليّ قَالَ: أخبرنا أبو الطيب [٥] عبد العزيز بن علي بن محمد الْقُرَشِيّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عمر بن أَحْمَد بن هارون قَالَ: حدثنا محمد بن حمدويه قَالَ: حدثنا أحمد بن سعيد بن مسعود المروزي قَالَ:
حدثنا أبو حاتم الرازيّ قال: سمعت عبده بن سُلَيْمَان يَقُولُ: كنا في سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعى إلى البراز، فخرج إليه رجل فطارده ساعة، فطعنه فقتله، ثم خرج آخر فقتله، ثم خرج آخر/ فقتله، ثم دعى إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فقتله [٦] ، فازدحم عليه الناس، فكنت فيمن ازدحم عَلَيْهِ، فإذا هو يلثم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته، فإذا هو عبد الله بن المبارك، فَقَالَ: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا [٧] .
أخبرنا عبد الرحمن بن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنا [أحمد بن علي] [٨] الخطيب قال:
стр. 2994
أخبرني أَبُو عَلي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فضالة قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّد بْنُ مُحَمَّدِ بن مجاهد قَالَ: حدثنا محمد بن جبريل قَالَ: سمعت أبا حسان [١] الْبَصْرِيّ يَقُولُ: سمعت الحسن بن عرفة يَقُولُ: قال ابن المبارك: استعرت قلما بأرض الشّام، فذهب علي أن أرده إلى صاحبه، فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي، فرجعت يا أبا علي إلى [أرض] [٢] الشام حتى رددته على صاحبه [٣] .
أخبرنا أبو منصور القزاز قَالَ: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قَالَ: حدثني يحيى بن علي بن الطيب الدسكري قَالَ: أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي قال:
أخبرنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم الرازي قَالَ: حدثنا محمد بن علي الهَمَذاني قَالَ: حدثنا أبو حفص عمر بن مدرك قَالَ: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن قَالَ: حدثنا أشعث بن شعبة المصيصي قال: قدم هارون الرشيد أمير المؤمنين الرقة [وقدم عبد الله بن المبارك بعده] [٤] فانجفل الناس خلف/ عبد الله بن المبارك، وتقطعت النعال، وارتفعت الغبرة، فاشرفت أم ولد لأمير [٥] المؤمنين من برج من قصر الخشب، فلما رأت النَّاسَ قالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قدم الرقة يقال لَهُ:
عبد الله بن المبارك [٦] . فقالت: هذا والله الملك لا ملك هارون الّذي لا يجمع الناس إلا بسوط [٧] وأعوان [٨] .
أخبرنا زَاهِرُ بْن طَاهِرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ البيهقيّ قَالَ: حدثنا أبو عبد الله الحاكم قال: سمعت أبا عبد الله مُحَمَّد بْن العباس الضَّبُّي يَقُولُ: سمعت عمر بن علي الجوهري يقول: حدّثنا [أبو بكر] [٩] محمد بن عيسى الطرسوسي يَقُولُ: حدّثنا نعيم بن
стр. 2995
حمَّاد قَالَ: حدثنا ابن المبارك قَالَ: قدمت على معمر فسمعت منه وأمرت له بجارية وخمسين دينارا، ثم ودعته وخرجت، فلما كنت على مرحلة ذاكرني عنه إنسان بحديث لم أكن سمعته منه فقلت: لم أسمع منه هذا [١] ، فَقَالَ: ارجع فإنك منه قريب. فقلت:
بعد ما بررته لا أرجع فيكون عليه فيه غضاضة أن أرجع إليه بعد البر، حدثني أنت [٢] عَنْه. فحدثني عَنْه.
قال الحاكم: وحدثنا محمد بن أيّوب قَالَ: أخبرنا أحمد بن عيسى قال: سمعت علي بن الحسن يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يَقُولُ. لا أرى لصاحب عشرة آلاف درهم أن يدع الكسب، فإنه إن لم يفعل لم آمن أن لا يعطف على جاره/ ولا يوسع على عياله.
قال الحاكم: وأخبرني مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المنذر قال: حدثني محمد بن إبراهيم الحدثي قَالَ: حدثني أبي عن رجل قد سماه كان ينزل عليه عبد الله بن المبارك في بعض ما كان ومعه إخوان لَهُ، فشكى إلي العزبة [٣] وأمرني أن أشتري له جارية. قَالَ: فاشتريت له [جارية] [٤] وعرضتها عليه فرضيها، وقَالَ: ابعث بها إلى المنزل. قَالَ: فأتيت بها أهلي فأقامت حتى حاضت وطهرت، فأخبرته بذلك فقال لي: ابعث بها الليلة، فأتيت بناتي فأخبرتهن، فقمن إليها فمشطنها وهيأنها. قَالَ:
فلما صلى العشاء الآخرة وجهتها إِلَيْهِ، فلما أصبحنا قَالَ للجارية: امضي إلى أهل فلان. قَالَ: فجاءت الجارية فسألتها بناتي وأمهن عن حالها فقالت: ما وضع يده عليّ، قَالَ: فغدوت إليه فقلت: يا أبا عبد الرَّحْمَن، شكوت إلي العزبة، وأمرتني فاشتريت لك جارية، وعرضتها عليك فرضيتها، وقامت بناتي فهيأنها، وإن أم فلان أخبرتني أنك لم تضع يدك عليها؟! قال: لي يا أبا [٥] فلان، القول ما قلت لك من شدة العزبة، لكني لما
стр. 2996
خلوت بها ذكرت إخواني فتذهمت أن أنال شهوة لا ينالوها، وليس في يميني [١] ما يسعهم أخرج الجارية فبعها.
وفي معنى هذه الحكاية قول الشاعر: /
وتركي مواساة الأخلاء بالذي ... تنال يدي ظلم لهم وعقوق
وإني لأستحيي من الناس أن أرى ... بحال اتساع والصديق مضيق
قال الحاكم: وأخبرني أبو نصر الخفاف قَالَ: أخبرنا محمد بن المنذر قَالَ:
سمعت يعقوب [بْن إسحاق بن أيوب] [٢] الشيباني يقول: سمعت أبي يحكي عن أَبِيهِ قَالَ: كان عبد الله بن المبارك يحج ومعه أحمال وصناديق وخدم [٣] كثيرة، وكان مع بعض خدمه قبجة فلما ارتحلوا من المنزل قدم أثقالهم، فنظر صاحب القبجة إلى القبجة وهي ميتة، فألقاها على كناسة [٤] ، وبقرب الكناسة باب صغير، وعبد الله قائم على دابته، ونظر إلى جويرية تخرج رأسها وترجع لتجد بذلك فرصة لكي لا يراها أحد، فتغافل عنها عبد اللَّه، فخرجت في إزارها [٥] ليس عليها قميص ولا مقنعة، فحملت تلك القبجة، ودخلت الدار تعدو، فقال عبد اللَّه لغلام لَهُ: انزل واقرع هذا الباب. ونزل الغلام وفعل ما أمره بِهِ، فخرجت تلك الجارية، فسألها عبد الله عن حالها وقصتها وقصة القبجة الميتة، لماذا حملتها؟ فقالت: يا أبا عبد الله، أنا وأخت لي في هذه الحجرة ليس لنا في هذه الدنيا إلا هذا/ الإزار [الواحد] [٦] وكان والدنا [٧] رجلا موسرا [فمات] [٨] فظلمنا وغصبنا على أموالنا، فبقينا بحال [٩] تحل لنا [أكل] [١٠] الميتة، وليس في منزلنا
стр. 2997
شيء إلا هذا الإزار، إذا لبسته بقيت أختي عريانة، فهو كسوتنا وفراشنا ودثارنا. فقال لها [١] عبد الله: ليس لكم قيم؟ قالت: لا، والله. فرق لها عبد اللَّه، ثم قال لغلامه:
الحق فرد الأثقال، فردها، فسأل وكيله: أين النفقة؟ فَقَالَ: على وسطي. وكان حمل ألف دينار فَقَالَ: يا غلام، عد عشرين دينارا لنفقتنا [٢] إلى مرو، وصب [٣] الباقي في إزار هذه الجارية. ففعل الغلام ذَلِكَ، فلما رجع إلى المنزل قيل لَهُ: ما ردك؟ قَالَ: استقبلني ما هو أفضل من الحج. ورجع إلى مرو.
قال محمد بن المنذر [٤] : وحدثني موسى بن عمر وقَالَ: سمعت الحسين بن الحسن يقول: كنا عند ابن المبارك جلوسا، فجاء سائل فسأله شيئا، فَقَالَ: يا غلام ناوله درهما، فلما ولى السائل قَالَ له بعض أصحابه: يا أبا عبد الرَّحْمَن، هؤلاء السؤال يتغدون بالشواء والفالوذج! كَانَ يكفيه قطعة، فلم أمرت له بدرهم؟ قَالَ ابن المبارك: يا غلام، رده، إنما ظننت أنهم يجيزون بالبقل والخل عند غدائهم، فأما إذا كان غداؤهم بالشواء والفالوذج فلا بد من عشرة دراهم، يا غلام ناوله عشرة دراهم.
قال مؤلف الكتاب [٥] : وقرأت/ على ابن ناصر، عن أبي القاسم بن اليسرى، عن عبد الله بن بطة قَالَ: سمعت أحمد بن الخليل يَقُولُ: حدثني الحسن بن عيسى قَالَ: سمعت إبراهيم بن رستم يَقُولُ: حدثني خالد الواسطي قَالَ: سمعت سفيان الثَّورِي يَقُولُ: إني لأجهد أن أكون ثلاثة أيام عَلَى حالة يكون عليها ابن المبارك سنة فما أقدر عليّه.
توفي ابن المبارك بهيت، في رمضان هذه السنة، وهو ابن ثلاث وستين سنة.
٩٧٩- عيسى بن أبي جعفر المنصور .
توفي ببغداد في ذي القعدة من هذه السنة [٦] .
стр. 2998
٩٨٠- علي بن هاشم بن البريد، أَبُو الحسن الخزاز
[١] .
الكوفي قدم بغداد، وحدث بها عن إسماعيل بن أبي خالد، الأعمش.
روى عنه: أحمد بن حنبل، واتفقوا على أنه [كان] ثقة [ولكن] [٢] كان يتشيع.
وتوفي في هذه السنة.
٩٨١- المفضل بن فضالة بن عبيد، أبو معاوية الرعيني، ثم القتباني
[٣] .
ولد سنة سبع ومائة وولي القضاء بمصر مرتين، وكان من أهل الدين والفقه والورع، وإجابة الدعوة، دعا إلى الله أن يذهب عنه [٤] الأمل فأذهبه عنه، وكاد يختلس/ عقله ولم يهنئه شيء من الدنيا، فدعى الله أن يرده إِلَيْهِ، فرده فرجع إلى حاله.
قال ابن رمح: كان بيني وبين جار لي مشاجرة في حائط، فقالت أمي: امض إلى القاضي المفضل بن فضالة فقل لَهُ: أمي تقول لك: أحب أن تأتي فتنظر هذه الحائط لنا أو لجارنا؟ فمضيت فأخبرته، فَقَالَ اجلس لي بعد العصر حتى آتيك. فجلست له، فأتى فدخل إلى دارنا ثم دخل إلى دار جارنا، فنظر ثم قَالَ: الحائط لجاركم. ثم انصرف.
توفي في شوال هذه السنة وسيأتي ذكر ابن ابنه المفضل بن فضالة بن المفضل بن فَضَالة [٥] .
٩٨٢- يعقوب العابد الكوفي
[٦] .
أخبرنا أبو بكر بن حبيب الصوفي قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق الحيريّ قال: أخبرنا أبو عبد الله باكويه الشيرازي قَالَ: حدثنا عمر بن محمد الأردبيلي حدّثنا
стр. 2999
علي بن محمد الْقُرَشِيّ قَالَ: حدثنا علي بن الموفق، حدثنا منصور بن عمار قَالَ:
خرجت ذات ليلة فظننت أني قد أصبحت، فإذا علي ليل، فقعدت عند باب صغير، فإذا بصوت [١] شاب يبكي ويقول: وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك/، ولقد عصيتك حين عصيتك، وما أنا بنكالك جاهل، ولا بعقوبتك متعرض، ولا بنظرك مستخف، ولكن سولت لي نفسي، وغلبتني شقوتي، وغرني سترك المرخي علي، عصيتك حين عصيتك [٢] بجهلي، وخالفتك بجهدي، فالآن من عذابك من يستنقذني، وبحبل من أتصل إن قطعت حبلك عني؟ وا سوأتاه على ما مضى من أيامي في معصية ربي، يا ويلي كم أتوب وكم أعود، قد آن [٣] لي أن أستحي من ربي.
قال منصور: فلما سمعت كلامه، قُلْتُ: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، بسم اللَّه الرَّحْمَن الرحيم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ.. ٦٦: ٦ [٤] الآية، فسمعت صوتا واضطرابا شديدا، فمضيت لحاجتي، فلما أصبحت [٥] رجعت، وإذا أنا بجنازة علي الباب، وعجوز تذهب.
وتجيء، فقلت لها: من الميت؟ فقالت: اذهب [عني] [٦] لا تجدد علي أحزاني [٧] .
فقلت: إني رجل غريب. فقالت: هذا ولدي، مر بنا البارحة رجل [٨]- لا جزاه الله خيرا- فقرأ آية فيها ذكر النار، فلم يزل ولدي يضطرب ويبكي حتى مات.
قال منصور: هكذا والله صفة الخائفين يا ابن عمار.
стр. 3000
ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة
فمن الحوادث فيها:
انصراف الرشيد عن مكَّةَ، ومسيره إلى الرقة، وبيعته بها لابنه المأمون بعد الأمين [١] ، فأخذ له البيعة على الجند، وضمه إلى جعفر بن يحيى، ووجهه إلى مدينة السلام، ومعه من أهل بيته: جعفر بن المنصور، وعبد الملك بن صالح. ومن القواد:
علي بن عيسى، فبويع له بمدينة السلام حين قدمها، وولاه أبوه خراسان وما يتصل بها إلى همدان، وسماه المأمون [٢] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عبد الله الحُمَيْدِي قَالَ: أخبرنا أبو غالب بن بشران قال: أخبرنا أبو الحسين بن دينار الكاتب قَالَ: حدثنا أَبُو عَلِيٍّ عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّومَارِيُّ قَالَ: حدثنا أبو بكر بن الجنيد قال: حدثني الحسين بن الصباح الزعفراني. قال: لما قدم الشافعي إلى بغداد وافق عقد الرشيد للأمين والمأمون [على العهد] [٣] .
قَالَ: فبكر الناس ليهنئوا الرشيد، فجلسوا في دار العامة ينتظرون الإذن، قَالَ:
فجعل الناس يقولون: كيف/ ندعو لهما؟ فإنا إذا فعلنا ذلك كان دعاء عَلَى الخليفة، وإن لم ندع لهما كان تقصيرا؟ قَالَ: فدخل الشافعي ﵁، فجلس [٤] ، فقيل له
стр. 3001
في ذلك، فقال: الله الموفق. فلما أذن دخل النَّاسَ، وكان أول متكلم الشافعي ﵁ فقال:
لا قصرا عنها ولا بلغتهما ... حتى تطول على يديك طوالها
وفيها: غزا عبد الرحمن بن عبد الملك الصائفة [١] فبلغ أفسوس [٢] مدينة أصحاب الكهف [٣] .
وفيها: سملت الروم عيني ملكهم قسطنطين [٤] .
وحج بالناس في هذه السنة [٥] موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي [٦] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٩٨٣- إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي، أبو عتبة
[٧] .
من أهل حمص، ولد سنة اثنتين ومائة. وقيل: سنة ست. وسمع من الأكابر [٨] من أبي بكر بن أبي مريم، ويحيى بن سعيد الْأنصَارِيّ، وسهل بن أبي صالح، وغيرهم.
وروى عَنْه: الأعمش وابن المبارك ويزيد بن هارون/ وقدم بغداد على المنصور فولاه خزانة الكسوة، وكان يَقُولُ: ورثت عن أبي أربعة آلاف دينار فأنفقها في طلب العلم.
стр. 3002
قال يحيى بن معين: إِسْمَاعِيل ثقة، والعراقيون يكرهون حديثه. وقال البخاري:
إذا حدث عن أهل بلده فصحيح، وإذا حدث عن غير أهل بلده ففيه نظر.
توفي في هذه السنة وبعضهم يَقُولُ: في سنة إحدى وثمانين.
٩٨٤- عمار بن محمد، أبو اليقظان الكوفي
[١] .
ابن أخت سفيان الثَّورِي، سكن بغداد وحدث عن الأعمش. روى عَنْه:
أحمد بن حنبل، والحسن بن عرفة. وقد وثقه قوم.
وقال ابن حِبّان: كان ممن فحش خطؤه وكثر وهمه فاستحق الترك.
توفي في محرم هذه السنة.
٩٨٥- محمد بن أبي شيبة بن إبراهيم بن عثمان [٢] [العبسي] الكوفي
[٣] .
والد أبي بكر وعثمان وغيرهما.
قال أبو زكريّا [يحيى بن معين] [٤] كان رجلا جميلا ثقة كيسا، وكان على قضاء فارس، ومات بفارس فِي هذه السنة وهو ابن سبع وسبعين [٥] سنة.
٩٨٦- محمد بن حميد، أبو سفيان اليشكري يعرف بالمعمري
[٦] .
[لقي] [٧] معمر بن راشد، ولرحلته [إليه] [٨] سمّي المعمري. وسمع سفيان الثوري وغيره. وكان ثقة صدوقا فاضلا.
توفي في هذه السنة.
стр. 3003
٩٨٧- مروان بن سليمان [بن يحيى] [١] بن أبي حفصة، أبو الهيذام. وقيل: أبو السمط
[٢] .
واسم أبي حفصة: يزيد، وكان من سبي اصطخر، سبي غلاما فاشتراه عثمان بن عفان، فوهبه لمروان [بن الحكم] [٣] / فأعتقه يوم الدار، لأنه أبلى يومئذ بلاء [٤] حسنا.
وقيل: إن أبا حفصة كان طبيبا يهوديا أسلم على يد عثمان بن عفان. وقيل: على يد مروان بن الحَكَم [٥] .
كان مروان بن سليمان شاعرا مجيدا، ومدح المهدي والرشيد ومعن بن زائدة.
وقال الكسائي: إنما الشعر سقاء تمخض، فدفعت الزبدة إلى مروان بن أبي حفصة [٦] .
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا [أبو بكر أحمد بن علي] [٧] الخطيب قال:
أخبرني أبو علي الجازري قَالَ: حدثنا المعافى قَالَ: حدثنا أحمد بن العباس العسكري قال: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بن أبي سعد قَالَ: حدثنا عبد الله بن موسى بن حمزة قَالَ: حدثني أحمد بن مُوسَى قَالَ: حدثنا الفضل بن بزيع [٨] قَالَ: رأيت مروان بن أبي حفصة قد دخل على المهدي بعد موت معن [بن زائدة] فمدحه بأبيات، فَقَالَ: من أنت؟ قَالَ:
شاعرك مروان بن أبي حفصة. فقال لَهُ: ألست تَقُولُ:
أقمنا باليمامة بعد معن ... مقاما ما نريد به زيالا
وقلنا أين نرحل بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوالا
стр. 3004
قد جئت تطلب نوالنا، وقد ذهب النوال [١] فلا شيء لك عندنا، جروا برجله.
فجر برجله [٢] حتى أخرج. فلما كان في العام المقبل تلطف حتى دخل مع الشعراء.
وإنما كانت الشعراء تدخل على الخلفاء [٣] في كل عام مرة، فمثل بين يديه فأنشده:
طرقتك زائرة فحي خيالها
إلى أن بلغ [منها] [٤]
شهدت من الأنفال آخر آية ... بتراثهم فأردتم أبطالها/
فجعل المهدي يتزاحف عن مصلاه إعجابا بقوله، ثم قَالَ: كم هي بيتا؟ قال:
مائة بيت. فأمر له بمائة ألف درهم، فلما أفضت الخلافة إلى الرشيد أنشده فقال: ألست القائل في معن كذا وكذا؟ وذكر البيتين، ثم أمر بإخراجه، فتلطف حتى عاد ودخل بعد يومين، فأنشده قصيدة، فأمر له بعدد أبياتها ألوفا [٥] .
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الخطيب [قَالَ: أَخْبَرَنَا] [٦] الأزهري قَالَ: أخبرنا أَحْمَد بْن إبراهيم، حَدَّثَنَا إبراهيم [٧] بْن مُحَمَّد بن عرفة قَالَ: حدثني عبد الله بن إِسْحَاق بن سلام قَالَ: خرج مروان من دار المهدي ومعه ثمانون ألف درهم، فمر بزمن، فسأله فأعطاه ثلثي درهم، فقيل لَهُ: هلا أعطيته درهما؟ فَقَالَ: لو أعطيت مائة ألف لأتممت له درهما.
قَالَ: وكان مروان يبخل فلا يسرج له في داره [٨] ، فإذا أراد أن ينام أضاءت له الجارية بقصبة إلى أن ينام [٩] .
стр. 3005
أنبأنا محمد بن عبد الملك، عن أبي محمد الجوهري قَالَ: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني قَالَ: أخبرني يوسف بن يحيى بن علي المنجم، عن أبيه قَالَ [١] : حدثني ابن مهرويه قَالَ: حدثني علي بن محمد النوفلي قَالَ: سمعت أَبِي يَقُولُ: كان المهدي يعطي ابن أَبِي حفصة وسلما الخاسر عطية واحدة، وكان سلم يأتي باب المهدي على برذون قيمته عشرة آلاف درهم، ولباسه الخز والوشي والطيب يفوح منه، ويجيء مروان/ وعليه فرو وكل [٢] وقميص كرابيس، وكساء غليظ، وكان لا يأكل اللحم بخلا حتى يقدم إِلَيْهِ، فإذا قدم [إليه] [٣] أرسل غلامه فاشترى له رأسا فأكله، فقيل لَهُ: نراك لا تأكل إلا الرءوس. فَقَالَ: الرأس أعرف شعره فآمن خيانة الغلام، وليس بلحم يطبخه الغلام فيقدر أن يأكل منه، وآكل منه ألوانا: آكل [٤] عينيه لونا، وأذنيه لونا، وغلصمته لونا، ودماغه لونا، وأكفى [٥] مئونة طبخه، فقد اجتمعت لي فيه مرافق.
قال المرزباني: وحدثني أحمد بن عيسى الكرخي قَالَ: حدثنا أبو العيناء قَالَ:
كان مروان بن أبي حفصة [٦] من أبخل النَّاسَ، خرج يريد المهدي، فقالت له امرأة من أهله: ما لي عليك إن رجعت بالجائزة؟ قال: إن أعطيت [٧] مائة ألف درهم أعطيتك درهما، فأعطى ستين ألفا، فدفع إليها أربعة دوانيق.
توفي مروان في هذه السنة ودفن ببغداد في مقبرة نصر بن مالك.
٩٨٨- يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة الأنصاري
[٨] .
وسعد من الصحابة، عرض على النَّبِيِّ [٩] ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فاستصغره. وحبتة أمه، وأبوه: بحير بن معاوية.
стр. 3006
ويكنى يعقوب: أبا يوسف القاضي، وهو صاحب أبي حنيفة.
سَمِعَ أبا إسحاق الشيباني، وسليمان التَّيْمي، ويحيى بن سعيد الْأنصَارِيّ، والأعمش، وهشام بن عروة، وابن إسحاق، والليث في آخرين.
روى عَنْه: محمد/ بن الحَسَن، وعلي بن الْجَعْد، وأحمد بن حنبل، ويحيى ابن معين.
وسكن بغداد وولاه الهادي القضاء، ثم الرشيد، وهو أول من دعي بقاضي القضاة في الإسلام.
وكان استخلف ابنه يوسف على الجانب الغربي، وأقره الرشيد على عمله وولاه قضاء القضاة بعد أبي يوسف.
وقد روينا أنه تردد إلى أبي حنيفة وهو فقير، فنهاه أبوه عن ذَلِكَ فانقطع فلما رآه أبو حنيفة [انقطع] [١] سأله عن سبب [٢] انقطاعه، فأخبره فأعطاه مائة درهم وقَالَ:
استمتع [٣] بهذه، فإذا فرغت [٤] فأخبرني. ثم كان يتعاهده [٥] .
وروينا أن أباه مات وخلفه طفلا، وأن أمه هي التي أنكرت عليه ملازمة أبي حنيفة [٦] .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا الحسن بن أبي بَكْر قَالَ: ذكر محمد بن الحسن بن زياد النقاش: أن محمد بْن عَبْد الرَّحْمَن الشامي أخبرهم قَالَ: أخبرنا علي بن الجعد قَالَ: أخبرني يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف قَالَ: توفي أبي وخلفني صغيرا في حجر أمي، فأسلمتني إلى قصار أخدمه، فكنت أدع القصّار وأمر إلى حلقة أبي حنيفة، فأجلس فأستمع، وكانت أمي
стр. 3007
تجيء خلفي إلى الحلقة [١] فتأخذ بيدي، وتذهب بي إلى القصار، وكان أبو حنيفة يعنى بي، لما يرى من حرصي على التعلم، فلما كثر ذلك على أمي قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك، هذا صبي يتيم لا كسب [٢] له، وأنا/ أطعمه من مغزلي، وآمل أنه يكسب دانقا يعود به عَلَى نفسه. فقال لها أبو حنيفة: مري يا رعناء، ها هو ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق. فانصرفت وقالت لَهُ: أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك.
ثم لزمته، فنفعني الله بالعلم، ورفعني حتى تقلدت القضاء، وكنت أجالس الرشيد، وآكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام قدّم إلي هارون فالوذجة بدهن [فقال لي هارون: يا يعقوب، كل منه، فليس كل يوم يعمل لنا مثْلَه. فقلت: وما هذه يا أمير المؤمنين؟ فَقَالَ: هذه فالوذجة بدهن] [٣] الفستق، فضحكت. فقال لي: مم تضحك؟
فقلت: خيرا، أبقى الله أمير المؤمنين. فقال: لتخبرني. وألحّ عليّ، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها، فتعجب من ذَلِكَ، وقَالَ: لعمري إن العلم يرفع وينفع دنيا وآخرة.
وترحّم على أبي حنيفة، وقَالَ: كان ينظر بعين عقله ما لا يرى بعين رأسه [٤] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِي بْن الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حدثني أَبِي قَالَ: كَانَ سَبَبُ اتِّصَالِ يُوسُفَ بِالرَّشِيدِ أَنَّهُ قَدِمَ بَغْدَادَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي حَنِيفَةَ، فحنث بعض الْقُوَادِ فِي يَمِينٍ، وَطَلَبَ فَقِيهًا يَسْتَفْتِيهِ [٥] فِيهَا، فَجِيءَ بِأَبِي يُوسُفَ فَأَفْتَاهُ أَنَّهُ لَم يَحْنَثْ، فَوَهَبَ لَهُ دَنَانِيرَ، وَأَخَذَ لَهُ دَارًا بِالْقُرْبِ مِنْهُ، وَاتَّصَلَ بِهِ، فَدَخَلَ الْقَائِدُ يَوْمًا إِلَى الرَّشِيدِ فَوَجَدَهُ مَغْمُومًا، فَسَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ غَمِّهِ، فَقَالَ: شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ قَدْ أَحْزَنَنِي فاطلب لي فقيها أستفتيه فَجَاءَهُ بِأَبِي يُوسُفَ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: فَلَمَّا دَخَلْتُ إِلَى مَمَرٍّ بَيْنَ الدُّورِ رَأَيْتُ فَتًى حَسَنًا عَلَيْهِ أَثَرُ الْمُلْكِ/، وَهُوَ فِي حُجْرَةٍ مَحْبُوسٌ، فَأَوْمَأَ إِلَيَّ بِإِصْبَعِهِ مُسْتَغِيثًا، فَلَمْ أَفْهَمْ عَنْهُ إِرَادَتَهُ، فَأُدْخِلْتُ إِلَى الرَّشِيدِ، فَلَمَّا مَثُلْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ سَلَّمْتُ وَوَقَفْتُ، فَقَالَ لِي: مَا اسْمُكَ؟ قُلْتُ: يَعْقُوبُ، أَصْلَحَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قال: ما تقول
стр. 3008
فِي إِمَام شَاهَدَ رَجُلا يَزْنِي، هَلْ يَحُدُّهُ [١] ؟ قُلْتُ: لا يَجِبُ ذَلِكَ. فَحِينَ قُلْتُهَا سَجَدَ الرشيد فوقع لي أنه قد رَأَى بَعْضَ أَهْلِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيَّ بِالاسْتِغَاثَةِ هُوَ الزَّانِي. ثُمَّ قَالَ الرَّشِيدُ: وَمِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا؟ قُلْتُ: مِنْ قول [٢] النبي ﷺ : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» وَهَذِهِ شُبْهَةٌ يَسْقُطُ الْحَدُّ مَعَهَا. فَقَالَ: وَأَيُّ شُبْهَةٍ مَعَ الْمُعَايَنَةِ؟! قُلْتُ: لَيْسَ تُوجِبُ الْمُعَايِنَةُ لِذَلِكَ أَكْثَرَ مِنَ الْعِلْمِ بِمَا جَرَى، وَالْحُدُودُ لا تَكُونُ بِالْعِلْمِ، وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَخْذُ حَقِّهِ بِعِلْمِهِ. فَسَجَدَ مَرَّةً أُخْرَى وَأَمَرَ لِي بِمَالٍ جزيل، وأن أَلْزَمَ الدَّارَ، فَمَا خَرَجْتُ حَتَّى جَاءَتْنِي هَدِيَّةُ الْفَتَى، وَهَدِيَّةُ أُمِّهِ، وَأَسْبَابُهُ، فَصَارَ ذَلِكَ أَصْلا لِلنِّعْمَةِ، وَلَزِمْتُ الدَّارَ، فَكَانَ هَذَا الْخَادِمُ يَسْتَفْتِينِي وَهَذَا يُشَاوِرُنِي وَصِلاتُهُمْ تَصِلُ إِلَيَّ، ثُمَّ اسْتَدْعَانِي الرَّشِيدُ وَاسْتَفْتَانِي فِي خَوَاصِّ أَمْرِهِ، فَلَمْ تَزَلْ حَالِي تَقْوَى حَتَّى قَلَّدَنِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ.
قال لي أَبِي: بلغني أن أبا يوسف لما مات خلف مائتي سراويل [من أصناف السراويلات وكل] [٣] بتكة أرمني تساوي دينارا.
وبلغ من محله عند الرشيد أنه طلبه [٤] يوما فجاء/ وعليه بُردَة فقال [الرشيد] [٥] :
جاءت به معتجرا ببرده ... سفواء ترضى بنسيج وحده
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أخبرنا محمد بن القاسم [٦] الأزرق قَالَ: حدثنا محمد بن الحسن المقرئ أن محمد بن عبد الرحمن الشامي أخبرهم قَالَ: أخبرنا ابن الجعد قَالَ: سمعت أبا يوسف يَقُولُ:
العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فأنت إذا أعطيته كلك كان [٧] من إعطائه البعض على عشر [٨] .
стр. 3009
قال مؤلف الكتاب [١] : كان أبو حنيفة يشهد لأبي يوسف أنه أعلم الناس.
وقال المُزَني: أبو يوسف أتبعهم للحديث.
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا [أبو بكر بن ثابت] [٢] الخطيب، أخبرنا الحسين بن محمد المعدل قَالَ: أخبرنا عبد الله بن الأسدي قَالَ: حدثنا أبو بكر الدامغاني الفقيه قَالَ: حدثنا أبو جعفر الطحاوي قَالَ: حدثنا ابن أبي عمران قال: حدثنا بشر بن الوليد قال: سمعت أبا يوسف يَقُولُ: سألني الأعمش عن مسألة فأجبته فيها، فقال [لي] [٣] : من أَيْنَ قُلت هذا؟ قلت: لحديثك الذي حدثتناه أنت. ثم ذكرت الحديث، / فقال [لي] : [٤] يا يعقوب، إني لأحفظ هذا الحديث قبل أن يخرج أبواك، فما عرفت تأويله حتى الآن [٥] .
وقال أبو زرعة الرازي: كان محمد بن الحسن جهيما، وكان أبو يوسف سليما من التجهم [٦] .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَبُو بكر أَحْمَد بْن عَلي قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسن بن أبي طَالِب قَالَ: حدثنا علي بن عمر بن محمد التمار قَالَ: حدثنا مكرم بن أحمد القاضي قَالَ: حدثنا أحمد بن عطية قَالَ: سمعت بشارا الخفاف [٧] قَالَ: سمعت أبا يوسف يَقُولُ: من قال القرآن مخلوق فحرام كلامه وفرض مباينته [٨] .
قال ابن المَدِيني: كان أبو يوسف صدوقا. وقال يحيى: هو ثقة.
أخبرنا عبد الرحمن [بن محمد قال:] أخبرنا [أحمد بن علي بن ثابت] [٩]
стр. 3010
الخطيب قَالَ: أَخْبَرَنَا القاضي أَبُو العلاء الواسطي قَالَ: حدثنا مُحَمَّد بن جعفر التميمي قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو القاسم الحسن بن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنا وكيع قَالَ: أخبرني إبراهيم بن أبي عثمان، عن يحيى بن عبد الصمد قَالَ: خوصم موسى أمير المؤمنين إلى أبي يوسف في بستانه فكان الحكم في الظاهر لأمير [١] المؤمنين، وكان الأمر على خلاف ذلك. / فقال أمير المؤمنين لأبي يوسف: ما صنعت في الأمر الذي نتنازع إليك فيه؟ قَالَ: خصم أمير المؤمنين يسألني أن أحلف أمير المؤمنين أن شهوده شهدوا على حق. فقال له مُوسَى: وترى ذَلِكَ؟ قَالَ: [قد] [٢] كان ابن أَبِي ليلى يراه. قَالَ: فأردد البستان عَلَيْهِ، إنما احتال أبو يوسف [٣] .
وروى الحسن بن أبي مالك قَالَ: سمعت أبا يوسف يَقُولُ: وليت هذا الحكم [٤] ، وانغمست فيه، وليس في قلبي منه شيء، وأسأل الله أن لا يسألني عن جور ولا ميل مني إلى أحد إلا يوما واحدا، فإنه يقع في قلبي منه شيء. قالوا: وما هو؟ قال:
جاءني رجل فقال: لي بستان قد اغتصبني إياه أمير المؤمنين. فقلت: في يد من هو الآن؟ فَقَالَ: في يد أمير المؤمنين. قلت: ومن يقوم بعمارته ومصلحته؟ قال: أمير المؤمنين. فأخذت قصته ودخلت، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن لك خصما بالباب [قد] [٥] ادعى كيت وكيت. فَقَالَ: هذا البستان لي، اشتراه [لي] [٦] المهدي. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تدعو خصمك فأسمع منكما. قَالَ: فدعي بِهِ، فأدخل فادعى، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما تقول فيما ادعى؟ قَالَ: البستان لي وفي يدي، اشتراه لي/ المهدي. قلت: يا رجل [قد سمعت] [٧] فما تشاء. قَالَ: خذ لي يمينه.
قلت: أيحلف أمير المؤمنين؟ قَالَ: لا. قُلْتُ: يا أمير المؤمنين، أعرض عليك اليمين ثلاثا، فإن حلفت وإلا حكمت عليك. فعرضت عليه اليمين ثلاثا، فأبى أن يحلف،
стр. 3011
فقلت: يا أمير المؤمنين، قد حكمت عليك بهذا البستان، فإن رأيت أن تأمر بتسليمه إِلَيْهِ. قَالَ: لا أسلم. قُلْتُ: يا رجل، تعود في مجلس غير هذا [١] فَقَالَ: افعل لي [٢] ما يجب أن تفعل. قُلْتُ: يا أمير المؤمنين، بالحبس يعرض. فأمر به فأخرج. فقال الفضل بن الربيع: والله ما رأيت مجلسا قط إلا وهذا أحسن منه. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن يتم حسن هذا المجلس برد هذا البستان. قيل لَهُ: فأي شيء في قلبك؟ قال: جعلت أحتال في صرف الخصومة والقضية عن أمير المؤمنين، ولم أسأله أن يقعد مع خصمه أو يأذن لخصمه أن يقعد معه على السرير.
أخبرنا عبد الرحمن [بن مُحَمَّد قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلَيٍّ] [٣] الْخَطِيبُ قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن عمر بن روح النهرواني قَالَ: أَخْبَرَنَا المعافى بْن زكريا قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن أبي الأزهر قَالَ: حدثنا حماد بن إسحاق الموصلي قَالَ: حدثني أَبِي قَالَ:
حدثني بشر بن الوليد وسألته: من أَيْنَ جاء؟ قَالَ: كنت عند أبي يوسف/ القاضي وكنا في حديث ظريف، فقلت لَهُ: حدثني به، قَالَ: قال لي يعقوب القاضي: بينا أنا البارحة قد آويت إلى فراشي، فإذا داق يدق الباب دقا شديدا، فأخذت علي إزاري وخرجت وإذا هو هرثمة [٤] بن أعين، فسلمت عَلَيْهِ فَقَالَ: أجب أمير المؤمنين. فقلت: يا أبا حاتم، لي بك حرمة، وهذا وقت كما ترى، فإن أمكنك أن تدفع ذلك إلى الغد [٥] .
قَالَ: ما لي إلى ذلك سبيل. قلت: وكيف كان السبب؟ قَالَ: خرج إلي مسرور الخادم فأمر أن آتي بك أمير المؤمنين. فقلت: قد أذن لي أن أصب [٦] علي ماء وأتحنط، فإن كان أمر من الأمور كنت قد أحكمت شأني، وإن رزق الله العافية فلن يضر. فأذن لي فدخلت، فلبست ثيابا جددا، وتطيبت بما أمكن من الطيب، ثم خرجنا، فمضينا [حتى أتينا] [٧] إلى دار الرشيد، فإذا مسرور، فقال له هرثمة: قد جئت به. فقلت
стр. 3012
لمسرور: يا أبا هاشم، خدمتي وحرمتي، وهذا وقت ضيق فتدري لم طلبني أمير المؤمنين؟ قال: لا. قُلْتُ: فمن عنده؟ قَالَ: عيسى بن جعفر. قلت: ومن؟ قَالَ: ما عنده ثالث. فَقَالَ: مر. فإذا صرت [١] في الصحن، فإنه في الرواق، فحرك رجلك [في الأرض] [٢] ، فإنه سيسألك، فقل: أنَا. فجئت ففعلت، فَقَالَ: / من هذا؟ قُلْتُ:
يعقوب قَالَ: ادخل. فدخلت، فإذا هو جالس وعن يمينه عيسى بن جعفر، فسلمت فرد عليّ السلام، وقَالَ: أظننا روعناك. قُلْتُ: أي والله، وكذلك من خلفي. قَالَ: اجلس.
فجلست حتى سكن روعي، ثم التفت إلي فَقَالَ: يا يعقوب، تدري لم دعوتك؟ قُلْتُ:
لا. قَالَ: دعوتك لأشهدك على هذا أن عنده جارية سألته أن يهبها لي فامتنع، وسألته أن يبيعنيها فأبى، وو الله لئن لم يفعل لأقتلنه. قَالَ: فالتفت إلى عيسى فقلت لَهُ: وما بلغ الله بجارية تمنعها أمير المؤمنين وتنزل نفسك هذه المنزلة؟ فقال لي: عجلت في القول قبل أن تعرف ما عندي. قُلْتُ: وما في هذا من الجواب؟ قَالَ: إن علي يمينا بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك أن لا أبيع هذه الجارية ولا أهبها. فالتفت إلي الرشيد فَقَالَ: هل لَهُ في ذلك من مخرج؟ قلت: نعم. قَالَ: وما هُوَ؟ قُلْتُ [٣] : يهب لك النصف ويبيعك النصف [٤] . فيكون لم يبع ولم يهب. قَالَ: ويجوز ذلك؟ قُلْتُ: نعم. قَالَ: فأشهدك أني قد وهبت له نصفها وبعت له نصفها [٥] الباقي بمائة ألف دينار، فَقَالَ: [علي] [٦] بالجارية. فأتى بالجارية وبالمال، فَقَالَ: خذها يا أمير المؤمنين [٧] ، بارك الله لك فيها.
قال: يا يعقوب، بقيت واحدة. قُلْتُ: وما هي؟ قَالَ: هي مملوكة، ولا بد أن تستبرأ، وو الله لئن لم أبت معها ليلتي إني لأظن أن نفسي ستخرج. قُلْتُ: يا أمير المؤمنين، تعتقها وتتزوجها، فإن الحرة لا تستبرأ. قَالَ: / فإني قد أعتقتها فمن يزوجنيها؟ قلت:
стр. 3013
أنَا فدعا بمسرور وحسين [١] فخطبت وحمدت الله، ثم زوجته على عشرين ألف دينار، ودعا بالمال فدفعه إليها، ثم قال لي يا يعقوب، انصرف. ورفع رأسه إلى مسرور وقَالَ: يا مسرور [قَالَ: لبيك أمير المؤمنين. قَالَ:] [٢] احمل إلى يعقوب مائتي ألف درهم، وعشرين تختا ثيابا. فحمل ذلك معي.
فقال بشر بن الوليد: فالتفت إلي يعقوب فَقَالَ: هل رأيت بأسا فيما فعلت؟ قُلْتُ:
لا. قَالَ: فخذ منها حقك. قُلْتُ: وما حقي؟ قال: العشر. قَالَ: فشكرته ودعوت له وذهبت لأقوم، فإذا بعجوز قد دخلت فقالت: يا أبا يوسف، ابنتك تقرئك السلام وتقول لك: والله ما وصل إلي في ليلتي هذه من أمير المؤمنين إلا المهر الذي عرفته، وقد حملت إليك النصف منه، وخلفت الباقي لما أحتاج إِلَيْهِ. فقال: ردّيه، فو الله لا قبلته، أخرجتها من الرق وزوجتها من أمير المؤمنين وترضى لي بهذا؟!! فلم نزل نشفع [٣] إليه أنا وعمومتي حتى قبل، وأمر لي منه بألف دينار [٤] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرني محمد بن الحسين القطان قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ النَّقَّاشُ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الصَّايغَ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي [٥] وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ، فَوَافَتْهُ هَدِيَّةٌ مِنْ أُمِّ جَعْفَرٍ احْتَوَتْ عَلَى تُخُوت/ دَبِيقِيٍّ، وَمُصْمَتٍ، وَطِيبٍ، وَتَمَاثِيلَ نِدٍّ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَذَاكَرَنِي رَجُلٌ بِحَدِيثِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ جُلُوسٌ فَهُمْ شُرَكَاؤُهُ فِيهَا» فَسَمِعَهُ أَبُو يُوسُفَ فَقَالَ:
أَبِي تَعْرِضُ؟ ذَلِكَ إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ [٦] وَالْهَدَايَا يَوْمَئِذٍ [٧] الأَقْطُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ، وَلَمْ تَكُنِ الْهَدَايَا مَا تَرَوْنَ يَا غُلامُ، شُلْ إِلَى الخزائن [٨] .
стр. 3014
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن عليّ قَالَ: أخبرني الخلال قَالَ: أخبرنا علي بن عمرو الحريري: أن علي بن محمد النَّخْعي حدثهم قَالَ: أخبرنا إبراهيم بن إسحاق، عن بشر بن غياث قال: سمعت أبا يوسف يَقُولُ: صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة، ثم انصبت عليّ الدنيا سبع عشرة سنة، فما أظن أجلي إلا قد اقترب [قال:] فما مضت [١] شهور حتى مات [٢] .
قال النَّخْعي: وحدثني أبو عمرو القزويني قَالَ: حدثنا القاسم بن الحكم العربي قَالَ: سمعت أَبَا يوسف يَقُولُ عند موته: يا ليتني مت على ما كنت عليه من الفقر، وإني لم أدخل في القضاء، يا ليتني على أني ما تعمدت بحمد الله ونعمته جورا ولا حابيت خصما على خصم من سلطان أو سوقة [٣] .
توفي أبو يوسف ﵀ [٤] فِي ربيع الأول من هذه السنة. وهو ابن تسع وستين سنة، وأقام في القضاء ست عشرة سنة [٥] .
٩٨٩- يعقوب بن داود بن طهمان، أبو عبد الله
[٦] .
مولى عبد الله بن حازم السلمي، استوزره المهدي، وقرب من قلبه، وغلب على أمره، ثم إنّه أمره بقتل [بعض] [٧] العلويين فَقَالَ: قد فعلت. ولم يفعل على ما حكيناه في سنة ست وستين، فسجنه إلى أن أخرجه الرشيد.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا علي بن محمد المعدل قَالَ: أخبرنا أبو علي الحسين [٨] بن صَفْوان قال: حدّثنا أبو
стр. 3015
بكر بن أبي الدنيا قَالَ: حدثني خالد بن يزيد [١] الْأَزْدِيّ قَالَ: حدثني عبد الله بن يعقوب بْن دَاوُد قَالَ: قال أَبِي: حبسني المهدي في بئر وبنيت علي قبة، فمكثت فيها خمس عشرة سنة [٢] حتى مضى صدر من خلافة الرشيد، وكان يدلى إلي كل يوم رغيف وكوز من ماء، وأوذن [٣] بأوقات الصلوات، فلما كان في رأس ثلاث عشرة حجة أتاني آت في منامي فَقَالَ:
حنى على يوسف رب فأخرجه ... من قعر جب وبيت حوله غمم
قَالَ: فحمدت اللَّه، وقلت: أتى الفرج. قَالَ: فمكثت حولا لا أرى شيئا، فلما كان رأس الحول أتاني ذلك الآتي فقال [لي] : [٤]
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفك عان ... ويأتي أهله النائي الغريب
فلما أصبحت نوديت، فظننت أني أوذن [٥] بالصلاة، فدلي لي حبل أسود، وقيل لي: اشدد به وسطك [٦] ففعلت [فأخرجوني] [٧] فلما قابلت الضوء عشي بصري، فانطلقوا [٨] بي فأدخلوني على الرشيد/، فقيل لي: سلم على أمير المؤمنين. فقلت:
السلام عليك ورحمة الله وبركاته يا أمير المؤمنين المهدي. فَقَالَ: لست به. قُلْتُ:
السلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته الهادي. قال: ولست به. قلت: السلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. قال [٩] : الرشيد. فقلت: الرشيد. فَقَالَ: يا يعقوب، إنه والله ما شفع فيك إلي أحد غير أني حملت الليلة صبية لي على عنقي،