← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

فقلت: يا أمير المؤمنين، قد حكمت عليك بهذا البستان، فإن رأيت أن تأمر بتسليمه إِلَيْهِ. قَالَ: لا أسلم. قُلْتُ: يا رجل، تعود في مجلس غير هذا [١] فَقَالَ: افعل لي [٢] ما يجب أن تفعل. قُلْتُ: يا أمير المؤمنين، بالحبس يعرض. فأمر به فأخرج. فقال الفضل بن الربيع: والله ما رأيت مجلسا قط إلا وهذا أحسن منه. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن يتم حسن هذا المجلس برد هذا البستان. قيل لَهُ: فأي شيء في قلبك؟ قال: جعلت أحتال في صرف الخصومة والقضية عن أمير المؤمنين، ولم أسأله أن يقعد مع خصمه أو يأذن لخصمه أن يقعد معه على السرير. أخبرنا عبد الرحمن [بن مُحَمَّد قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلَيٍّ] [٣] الْخَطِيبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن عمر بن روح النهرواني قَالَ: أَخْبَرَنَا المعافى بْن زكريا قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن أبي الأزهر قَالَ: حدثنا حماد بن إسحاق الموصلي قَالَ: حدثني أَبِي قَالَ: حدثني بشر بن الوليد وسألته: من أَيْنَ جاء؟ قَالَ: كنت عند أبي يوسف/ القاضي وكنا في حديث ظريف، فقلت لَهُ: حدثني به، قَالَ: قال لي يعقوب القاضي: بينا أنا البارحة قد آويت إلى فراشي، فإذا داق يدق الباب دقا شديدا، فأخذت علي إزاري وخرجت وإذا هو هرثمة [٤] بن أعين، فسلمت عَلَيْهِ فَقَالَ: أجب أمير المؤمنين. فقلت: يا أبا حاتم، لي بك حرمة، وهذا وقت كما ترى، فإن أمكنك أن تدفع ذلك إلى الغد [٥] . قَالَ: ما لي إلى ذلك سبيل. قلت: وكيف كان السبب؟ قَالَ: خرج إلي مسرور الخادم فأمر أن آتي بك أمير المؤمنين. فقلت: قد أذن لي أن أصب [٦] علي ماء وأتحنط، فإن كان أمر من الأمور كنت قد أحكمت شأني، وإن رزق الله العافية فلن يضر. فأذن لي فدخلت، فلبست ثيابا جددا، وتطيبت بما أمكن من الطيب، ثم خرجنا، فمضينا [حتى أتينا] [٧] إلى دار الرشيد، فإذا مسرور، فقال له هرثمة: قد جئت به. فقلت

стр. 3012

لمسرور: يا أبا هاشم، خدمتي وحرمتي، وهذا وقت ضيق فتدري لم طلبني أمير المؤمنين؟ قال: لا. قُلْتُ: فمن عنده؟ قَالَ: عيسى بن جعفر. قلت: ومن؟ قَالَ: ما عنده ثالث. فَقَالَ: مر. فإذا صرت [١] في الصحن، فإنه في الرواق، فحرك رجلك [في الأرض] [٢] ، فإنه سيسألك، فقل: أنَا. فجئت ففعلت، فَقَالَ: / من هذا؟ قُلْتُ: يعقوب قَالَ: ادخل. فدخلت، فإذا هو جالس وعن يمينه عيسى بن جعفر، فسلمت فرد عليّ السلام، وقَالَ: أظننا روعناك. قُلْتُ: أي والله، وكذلك من خلفي. قَالَ: اجلس. فجلست حتى سكن روعي، ثم التفت إلي فَقَالَ: يا يعقوب، تدري لم دعوتك؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: دعوتك لأشهدك على هذا أن عنده جارية سألته أن يهبها لي فامتنع، وسألته أن يبيعنيها فأبى، وو الله لئن لم يفعل لأقتلنه. قَالَ: فالتفت إلى عيسى فقلت لَهُ: وما بلغ الله بجارية تمنعها أمير المؤمنين وتنزل نفسك هذه المنزلة؟ فقال لي: عجلت في القول قبل أن تعرف ما عندي. قُلْتُ: وما في هذا من الجواب؟ قَالَ: إن علي يمينا بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك أن لا أبيع هذه الجارية ولا أهبها. فالتفت إلي الرشيد فَقَالَ: هل لَهُ في ذلك من مخرج؟ قلت: نعم. قَالَ: وما هُوَ؟ قُلْتُ [٣] : يهب لك النصف ويبيعك النصف [٤] . فيكون لم يبع ولم يهب. قَالَ: ويجوز ذلك؟ قُلْتُ: نعم. قَالَ: فأشهدك أني قد وهبت له نصفها وبعت له نصفها [٥] الباقي بمائة ألف دينار، فَقَالَ: [علي] [٦] بالجارية. فأتى بالجارية وبالمال، فَقَالَ: خذها يا أمير المؤمنين [٧] ، بارك الله لك فيها. قال: يا يعقوب، بقيت واحدة. قُلْتُ: وما هي؟ قَالَ: هي مملوكة، ولا بد أن تستبرأ، وو الله لئن لم أبت معها ليلتي إني لأظن أن نفسي ستخرج. قُلْتُ: يا أمير المؤمنين، تعتقها وتتزوجها، فإن الحرة لا تستبرأ. قَالَ: / فإني قد أعتقتها فمن يزوجنيها؟ قلت:

стр. 3013

أنَا فدعا بمسرور وحسين [١] فخطبت وحمدت الله، ثم زوجته على عشرين ألف دينار، ودعا بالمال فدفعه إليها، ثم قال لي يا يعقوب، انصرف. ورفع رأسه إلى مسرور وقَالَ: يا مسرور [قَالَ: لبيك أمير المؤمنين. قَالَ:] [٢] احمل إلى يعقوب مائتي ألف درهم، وعشرين تختا ثيابا. فحمل ذلك معي. فقال بشر بن الوليد: فالتفت إلي يعقوب فَقَالَ: هل رأيت بأسا فيما فعلت؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: فخذ منها حقك. قُلْتُ: وما حقي؟ قال: العشر. قَالَ: فشكرته ودعوت له وذهبت لأقوم، فإذا بعجوز قد دخلت فقالت: يا أبا يوسف، ابنتك تقرئك السلام وتقول لك: والله ما وصل إلي في ليلتي هذه من أمير المؤمنين إلا المهر الذي عرفته، وقد حملت إليك النصف منه، وخلفت الباقي لما أحتاج إِلَيْهِ. فقال: ردّيه، فو الله لا قبلته، أخرجتها من الرق وزوجتها من أمير المؤمنين وترضى لي بهذا؟!! فلم نزل نشفع [٣] إليه أنا وعمومتي حتى قبل، وأمر لي منه بألف دينار [٤] . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرني محمد بن الحسين القطان قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ النَّقَّاشُ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الصَّايغَ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي [٥] وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ، فَوَافَتْهُ هَدِيَّةٌ مِنْ أُمِّ جَعْفَرٍ احْتَوَتْ عَلَى تُخُوت/ دَبِيقِيٍّ، وَمُصْمَتٍ، وَطِيبٍ، وَتَمَاثِيلَ نِدٍّ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَذَاكَرَنِي رَجُلٌ بِحَدِيثِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ جُلُوسٌ فَهُمْ شُرَكَاؤُهُ فِيهَا» فَسَمِعَهُ أَبُو يُوسُفَ فَقَالَ: أَبِي تَعْرِضُ؟ ذَلِكَ إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ [٦] وَالْهَدَايَا يَوْمَئِذٍ [٧] الأَقْطُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ، وَلَمْ تَكُنِ الْهَدَايَا مَا تَرَوْنَ يَا غُلامُ، شُلْ إِلَى الخزائن [٨] .

стр. 3014

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن عليّ قَالَ: أخبرني الخلال قَالَ: أخبرنا علي بن عمرو الحريري: أن علي بن محمد النَّخْعي حدثهم قَالَ: أخبرنا إبراهيم بن إسحاق، عن بشر بن غياث قال: سمعت أبا يوسف يَقُولُ: صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة، ثم انصبت عليّ الدنيا سبع عشرة سنة، فما أظن أجلي إلا قد اقترب [قال:] فما مضت [١] شهور حتى مات [٢] . قال النَّخْعي: وحدثني أبو عمرو القزويني قَالَ: حدثنا القاسم بن الحكم العربي قَالَ: سمعت أَبَا يوسف يَقُولُ عند موته: يا ليتني مت على ما كنت عليه من الفقر، وإني لم أدخل في القضاء، يا ليتني على أني ما تعمدت بحمد الله ونعمته جورا ولا حابيت خصما على خصم من سلطان أو سوقة [٣] . توفي أبو يوسف ﵀ [٤] فِي ربيع الأول من هذه السنة. وهو ابن تسع وستين سنة، وأقام في القضاء ست عشرة سنة [٥] . ٩٨٩- يعقوب بن داود بن طهمان، أبو عبد الله [٦] . مولى عبد الله بن حازم السلمي، استوزره المهدي، وقرب من قلبه، وغلب على أمره، ثم إنّه أمره بقتل [بعض] [٧] العلويين فَقَالَ: قد فعلت. ولم يفعل على ما حكيناه في سنة ست وستين، فسجنه إلى أن أخرجه الرشيد. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا علي بن محمد المعدل قَالَ: أخبرنا أبو علي الحسين [٨] بن صَفْوان قال: حدّثنا أبو

стр. 3015

بكر بن أبي الدنيا قَالَ: حدثني خالد بن يزيد [١] الْأَزْدِيّ قَالَ: حدثني عبد الله بن يعقوب بْن دَاوُد قَالَ: قال أَبِي: حبسني المهدي في بئر وبنيت علي قبة، فمكثت فيها خمس عشرة سنة [٢] حتى مضى صدر من خلافة الرشيد، وكان يدلى إلي كل يوم رغيف وكوز من ماء، وأوذن [٣] بأوقات الصلوات، فلما كان في رأس ثلاث عشرة حجة أتاني آت في منامي فَقَالَ: حنى على يوسف رب فأخرجه ... من قعر جب وبيت حوله غمم قَالَ: فحمدت اللَّه، وقلت: أتى الفرج. قَالَ: فمكثت حولا لا أرى شيئا، فلما كان رأس الحول أتاني ذلك الآتي فقال [لي] : [٤] عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب فيأمن خائف ويفك عان ... ويأتي أهله النائي الغريب فلما أصبحت نوديت، فظننت أني أوذن [٥] بالصلاة، فدلي لي حبل أسود، وقيل لي: اشدد به وسطك [٦] ففعلت [فأخرجوني] [٧] فلما قابلت الضوء عشي بصري، فانطلقوا [٨] بي فأدخلوني على الرشيد/، فقيل لي: سلم على أمير المؤمنين. فقلت: السلام عليك ورحمة الله وبركاته يا أمير المؤمنين المهدي. فَقَالَ: لست به. قُلْتُ: السلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته الهادي. قال: ولست به. قلت: السلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. قال [٩] : الرشيد. فقلت: الرشيد. فَقَالَ: يا يعقوب، إنه والله ما شفع فيك إلي أحد غير أني حملت الليلة صبية لي على عنقي،

стр. 3016

فذكرت حملك إياي على عنقك، فرثيت لك من المحل الذي كنت فيه، فأفرجت عنك [١] . قال: فأكرمني وقرب مجلسي. ثم قَالَ: إن يحيى بن خالد تنكر لي كأنه خاف أن أغلبه على أمير المؤمنين دونه، فخفته فاستأذنت للحج، فأذن لي. فلم يزل مقيما بمكة حتى مات بها [٢] في هذه السنة ﵀. ٩٩٠- يزيد بن زريع بن معاوية العيشي [٣] . من بني عايش، وهم من ولد بكر بن [وائل] [٤] . كان عالما صدوقا ثبتا. وكان أبوه والي البصرة، فلم يأخذ من ميراثه شيئا، وكان يعمل الخوص. أخبرنا ابن ناصر قال: أخبرنا عبد القادر بن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنا أبو بكر الخياط قال: حدّثنا ابن أبي الفوارس قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن سلم قَالَ: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق قال: حدثنا أبو بكر المروزي قَالَ: سمعت عبد الوهاب يقول: سمعت أبا سليمان الأشقر يقول: تنزّه/ يزيد بن زريع عن خمسمائة ألف من ميراث أبيه فلم يأخذه. توفي يزيد بالبصرة فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سَبْعٍ وسبعين، وكان ثقة صدوقا ثبتا في الحديث [٥] .

стр. 3017

ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة فمن الحوادث فيها: خروج الخزر على الناس. وفي سبب ذلك قولان: أحدهما: أن ابنة خاقان الملك [١] ماتت، فقيل لأبيها إنما قتلها المسلمون غيلة. فحنق لذلك، فأخذ في الأهبة لحرب المسلمين، وجاء في أكثر من مائة ألف، فانتهكوا أمرا عظيما، وأوقعوا بالمسلمين وبأهل الذمة، وسبوا منهم. والثاني: أن سعيد بن مسلم قتل المنجم السلمي بفارس، فدخل ابنه بلاد الخزر، فاستجاشهم على سَعِيد، فدخلوا أرمينية من الثلمة، فانهزم سعيد، ونكحوا المسلمات، فأقاموا مدة، فوجه الرشيد خزيمة بن خازم ويزيد بن مزيد إلى أرمينية حتى أصلحوا ما أفسد سعيد، وأخرجوا الخزر، وسدت الثلمة [٢] . وفيها: كتب الرشيد إلى عيسى بن ماهان وهو بخراسان أن يصير إِلَيْهِ، وكان سبب كتابه: أنه حمل عَلَيْهِ، وقيل: إنه قد أجمع على الخلاف [٣] . وفيها: خرج أبو الخصيب وهيب بن عبد الله النسائي [٤] .

стр. 3018

وفيها: / حج بالناس العباس بن موسى الهادي [١] . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٩٩١- إبراهيم بن سعد [٢] بن عبد الرحمن بن عوف بن إسحاق الزهري [٣] . سَمِعَ أَبَاهُ، وابن هشام، وابن شهاب [٤] وابن عروة، وغيرهم. روى عنه: شعبة، والليث بن سعد، وابن مهدي، وعلي بن الجعد، وأحمد بن حنبل، وكان ثقة، ونزل بغداد فمات بها فِي هذه السنة وهو ابن خمس وسبعين سنة، ودفن في مقابر باب التين. ٩٩٢- بهلول بن راشد الإفريقي [٥] . روى عَن يونس بن يزيد، والقعنبي وكانت له عبادة وفضل، أمر محمد بن مقاتل العتكيّ الأمير بالمعروف فضربه فمات بإفريقية في هذه السنة. ٩٩٣- داود بن مهران بن زياد، أبو هاشم الربعي [٦] . ولد سنة مائة، وقدم مصر سنة تسع وثلاثين، وخرج عن المغرب إلى البصرة، وأقام بها ورجع إلى مصر سنة ستين وخرج إلى المغرب فأقام بها، وعاد إلى مصر فمات بها في رمضان هذه السنة، وكان عالما دينا في خلقه زعارة لا يحدث.

стр. 3019

٩٩٤- علي بن الفضيل بن عياض [١] . مات في حياة أَبِيهِ، وكان متعبدا، مجتهدا، شديد الخوف من الله تعالى على حداثة سنه، يدقق في الورع، ويبالغ في النظر في المطعم، وقد أسند الحديث عَن عبد العزيز/ بن أبي رواد، وسفيان بن عُيَيْنَة، وغيرهما. [أخبرنا المحمدان، ابن ناصر، وابن عبد الباقي قَالا:] [٢] أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حدثنا عبد الله بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْحُسَيْن الحذاء قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إبراهيم الدورقي قَالَ: حدثنا سلمة بن عفان، عن محمد بن الحسين قَالَ: كان علي بن الفضيل يصلي حتى يزحف إلى فراشه ثم [يلتفت إلى أَبِيهِ] [٣] فيقول: يا أبت، سبقني العائدون. قال الدورقي: وحدثني محمد بن شجاع، عن سفيان بن عُيَيْنَة قَالَ: ما رأيت أحدا أخوف من الفضيل وابنه عليّ [٤] . ٩٩٥- علي بن زياد، أبو الحسن العبسي [٥] المغربي . من أهل تونس، رحل إلى الحجاز والعراق في طلب العلم. وروى عن: الثوري، ومالك، وهو الّذي أدخل المغرب «جامع الثوري» [٦] ، و «موطأ مالك» وفسر لهم قول مالك [٧] ولم يكونوا يعرفونه [قبل ذلك] [٨] ، وهو معلم سحنون بن سعيد الفقيه. توفي في هذه السنة.

стр. 3020

٩٩٦- محمد بن صبيح، أبو العباس المذكر، مولى بني عجل [١] ، يعرف: بابن السماك [٢] . سَمِعَ هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وسفيان الثوري، وغيرهم. روى عنه: حسين بن [علي] الجعفي [٣] ، وأحمد بن حنبل، وغيرهما. وله مواعظ حسان، ومقامات عند الرشيد. أخبرنا عبد الرحمن [بن محمد قال: أخبرنا] [٤] أحمد بن عليّ قَالَ: أخبرني بكران بن الطيب [٥] قال: حدثنا محمد بن أحمد [٦] المفيد قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني أبي المغيرة بن شعيب قَالَ: حضرت يحيى بن خالد [وهو] [٧] يقول لابن السماك: / إذا دخلت على [٨] أمير المؤمنين فأوجز ولا تكثر عَلَيْهِ. قَالَ: فلما دخل عَلَيْهِ وقام بين يديه قَالَ: يا أمير المؤمنين، إن لك بين يدي الله مقاما، وإن لك من مقامك منصرفا، فانظر [٩] إلى أَيْنَ منصرفك إلى الجنة أم إلى النار. قَالَ: فبكى هارون حتى كاد أن [١٠] يموت [١١] . توفي ابن السماك بالكوفة في هذه السنة.

стр. 3021

٩٩٧- موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، أبو الحسن الهاشمي [١] . ولد بالمدينة في سنة ثمان وعشرين. وقيل: سنة تسع وعشرين. وولد له أربعون ولدا من ذكر وأنثى، وكان كثير التعبد، جوادا، وإذا بلغه عن رجل أنه يؤذيه بعث إليه ألف دينار، وخرج إلى الصلح [٢] . وأهدى له بعض العبيد عصيدة، فاشترى الضيعة التي فيها ذلك العبد والعبد بألف دينار، وأعتقه ووهبها لَهُ. وأقدمه المهدي بغداد ثم رده إلى المدينة لمنام له رآه. أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بْن ثَابِت قَالَ: حدثني الحسن بْن مُحَمَّد الخلال قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عمران قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يحيى الصولي قَالَ: حدثنا عون بن مُحَمَّد قَالَ: سمعت إِسْحَاق الموصلي يَقُولُ: حدثني الفضل بن الربيع، عن أبيه: أنه لما حبس المهدي موسى بن جعفر رأى المهدي في النوم علي بن أبي طالب ﵁ وهُوَ يَقُولُ: يا مُحَمَّد فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ٤٧: ٢٢ [٣] قَالَ الربيع: فأرسل إلي ليلا، فراعني ذلك فجئته، فإذا هو يقرأ/ هذه الآية، وكان أحسن النَّاسَ صوتا. وقال علي بموسى بن جعفر: فجئته به فعانقه وأجلسه إلى جانبه، وقَالَ: يا أبا الحَسَن، رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في النوم فقرأ علي كذا، فتؤمنني أن تخرج علي أو على أحد من ولدي؟ فَقَالَ: والله لا فعلت ذلك، ولا هو من شأني قَالَ: صدقت، يا ربيع أعطه ثلاثة آلاف دينار ورده إلى أهله إلى المدينة [٤] قال الربيع: فأحكمت أمره ليلا، فما أصبح إلّا وهو على الطريق خوف العوائق [٥] .

стр. 3022

قال مؤلف الكتاب ﵀ [١] : ثم لم يزل مقيما بالمدينة إلى أيام الرشيد، فحج الرشيد فاجتمعا عند قبر النَّبيّ ﷺ فسمع منه الرشيد كلاما غيره [٢] . وهو ما أخبرنا به منصور القزاز قَالَ: أخبرنا أحمد بن على قَالَ: أَخْبَرَنَا القاضي أَبُو العلاء الواسطي قَالَ: حَدَّثَنَا عمر بن أَحْمَد الواعظ قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بن القاسم [٣] قَالَ: حدثني أحمد بن وَهْبِ قَالَ: أخبرني عبد الرحمن بن صالح الْأَزْدِيّ قَالَ: حج هارون الرشيد فأتى قبر النَّبيّ ﷺ زائرا له وحوله قريش وأفياء القبائل ومعه موسى بن جعفر فلما انتهيا إلى القبر قَالَ: السلام عليك يا رسول الله [٤] ، يا ابن عم. افتخارا على من حوله، فدنا موسى بن جعفر فَقَالَ: السلام عليك يا أبت فتغير وجه هارون وقَالَ: هذا الفخر يا أبا الحسن حقا [٥] ؟ ثم اعتمر الرشيد في رمضان سنة تسع وسبعين، فحمل موسى معه/ إلى بغداد فحبسه بها، فتوفي في حبسه، فلما طال حبسه كتب إلى الرشيد بما أخبرنا به عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا الجوهري قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عمران المرزباني قَالَ: حدثنا عبد الواحد بن محمد الخصيبي قَالَ: حدثني أحمد بن إِسْمَاعِيل قَالَ: بعث موسى بْن جعفر إلى الرشيد من الحبس رسالة كانت: إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء، حتى نقضي جميعا إلى يوم ليس فيه انقضاء، يخسر فيه المبطلون [٦] . توفي موسى بن جعفر لخمس بقين من رجب هذه السنة. أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا [أَبُو بَكْرِ بْنُ ثابت] [٧] الخطيب قال: أخبرنا القاضي أبو

стр. 3023

محمد الحسن بن الحسين الأستراباذي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنُ حَمْدَانَ القطيعي قال: سَمِعْتُ الحسن بن [١] إبراهيم الخلال يَقُولُ: ما أهمني أمر، فقصدت قبر موسى بن جعفر، فتوسلت به إلّا سهل الله لي ما أحب. ٩٩٨- هشيم بن بشير بن أبي حازم، واسم أبي حازم: القاسم بن دينار. وكنية هشيم: أبو معاوية، السلمي الواسطي [٢] . بخاري الأصل. ولد سنة أربع ومائة، وكان أبوه طباخ الحجاج بن يوسف. سمع هشيم من: عمرو بن دينار، والزُّهْرِيّ، ويونس بن عُبَيْد، وأيوب، وابن عَوْن، وخلق كثير. روى عَنْه: مالك، والثَّورِي، وشعبة، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. وكان من العلماء الحفاظ الثقات. أَخْبَرَنَا/ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن محمد قال: أخبرنا [أحمد بن علي] [٣] الخطيب، قال: أخبرنا العتيقي قال: حدثنا محمد بن العباس قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ الجلاب قَالَ: قال أَبُو إسحاق الحربي كان هشيم رجلا كان أبوه صاحب صحناة وكواميخ [٤] ، يقال له: بشر، فطلب ابنه هشيم الحديث واشتهاه، وكان أبوه يمنعه، فكتب الحديث حتى جالس أبا شيبة القاضي، وكان يناظر أبا شيبة في الفقه، فمرض هشيم، فقال أبو شيبة: ما فعل ذلك الفتى الذي كان يجيء إلينا؟ قالوا: عليل. فَقَالَ: قوموا بنا حتى نعوده [فقام أهل المجلس جميعا يعودونه حتى جاءوا إلى منزل بشير، فدخلوا إلى هشيم، فجاء رجل إلى بشير ويده في الصحناة. فَقَالَ: الحق ابنك، قد جاء القاضي إليه يعوده] [٥] فجاء بشير والقاضي [٦] في داره فلما خرج قَالَ لابنه: يا بني، قد

стр. 3024

كنت أمنعك من طلب الحديث، فأما اليوم فلا. فصار القاضي يجيء إلى بابي، متى أملت [١] أنَا هذا؟ [٢] . أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: أخبرنا أحمد بن أحمد بْن رزق قَالَ: حدثنا أحمد بن سليمان النجاد قَالَ: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا قَالَ: حدثني من سمع عمرو بن عَوْن قَالَ: مكث هشيم يصلي الفجر بوضوء عشاء الآخرة قبل أن يموت عشر سنين [٣] . توفي هشيم ببغداد في شعبان هذه السنة. ٩٩٩- يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، أبو سَعِيد [٤] . سَمِعَ أَبَاهُ وهشاما بن عُمَر، والأعمش. [وغيرهم. روى عَنْه: قتيبة، وأحمد، ويحيى] [٥] وغيرهم وولي قضاء المدائن، وكان عالما ثقة. وقال ابن المَدِيني: انتهى العلم إليه في زمانه. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: هو أول من صنف الكتب بالكوفة [٦] . توفي في هذه السنة. وقيل: في سنة/ اثنتين وثمانين. وقيل أربع وثمانين [٧] ، وهو ابن ثلاث وستين سنة.

стр. 3025

١٠٠٠- يونس بن حبيب [١] . صحب أبا عمرو بن العلاء، وسمع من العرب. وقد روى عن العرب. وروى [٢] . عنه سيبويه، فأكثر. وله مذهب في النحو تفرد به، وقد سمع منه الكسائي والفراء، وكانت حلقته بالبصرة يتباهى بها أهل العلم وأهل [٣] الأدب وفصحاء العرب والبادية. توفي في هذه السنة وله ثمان وتسعون سنة.

стр. 3026

ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة فمن الحوادث فيها: قدوم هارون مدينة السلام في جمادى الآخرة منصرفا إليها من الرقة في الفرات بالسفن، وغرق أكثر بغداد بزيادة الماء [١] . وولي حماد البربري مكة واليمن، وولي داود بن يزيد بن حاتم المهلبي السند، ويحيى الحرشي الجبل، ومهرويه الرازي طبرستان، [وقام بأمر] [٢] إفريقية إبراهيم بن الأغلب [٣] . وفيها: خرج أبو عمرو الشاري فقتل [٤] . وفيها: طلب أبو الخصيب الأمان، فأعطاه ذلك علي بن عيسى [٥] . وفيها: حج بالناس إبراهيم بن محمد المهدي أمير المؤمنين [٦] .

стр. 3027

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١٠٠١- أحمد بن هارون الرشيد [١] . أخبرنا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْحَرِيرِيُّ قَالَ: أنبأنا أبو طَالِبٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ الْعِشَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غالب/ الخوارزمي قَالَ: أَخْبَرَنَا إبراهيم بن أحمد المزكي قَالَ: أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي قَالَ: سمعت عليّ بن الموفق يَقُولُ: سمعت عبد الله بن الفتوح يَقُولُ: خرجت يوما أطلب رجلا يرم لي شيئا في الدار، فذهبت، فأشير لي إلى رجل حسن الوجه بين يديه مزود وزنبيل، فقلت: تعمل لي؟ قَالَ: نعم بدرهم [٢] ودانق. فقلت: قم. فقام فعمل لي عملا بدرهم ودانق [ودرهم ودانق، ودرهم ودانق] [٣] ثم أتيت يوما آخر فسألت عنه فقيل ذاك رجل لا يرى في الجمعة إلا يوما واحدا يوم كذا. قال: فجئت ذلك اليوم، فقلت: تعمل لي؟ قَالَ: نعم بدرهم ودانق. فقلت أنا [٤] : بدرهم. فَقَالَ: بدرهم ودانق [٥] . ولم يكن بي الدانق، ولكن أحببت أن أستعلم ما عنده، فلما كان المساء وزنت لَهُ درهما [٦] ، فقال لي: ما هذا؟ قلت: درهم. قَالَ: ألم أقل لك: درهم ودانق؟! أفسدت عليّ. فقلت: وأنا ألم أقل لك بدرهم؟ فَقَالَ: لست آخذ منه شيئا قَالَ: فوزنت له درهما ودانقا. فقلت: خذ. فأبى [أن يأخذ] [٧] وقَالَ: سبحان الله أقول [لك] [٨] لا آخذ وتلح عليّ!؟ فأبى أن يأخذه ومضى. قَالَ: فأقبل علي أهلي، وقالت: فعل الله بك ما أردت من رجل عمل لك عملا بدرهم أن أفسدت عَلَيْهِ. قَالَ: / فجئت يوما أسأل عنه [٩] ، فقيل لي: مريض،

стр. 3028

فاستدللت على بيته فأتيته، فاستأذنت عليه فدخلت وهو مبطون، وليس في بيته شيء إلا ذَلِكَ المزود [١] والزنبيل، فسلمت عَلَيْهِ وقلت لَهُ: لي إليك حاجة، وتعرف فضل إدخال السرور عَلَى المؤمن أحب لما جئت إلى بيتي أمرضك. قَالَ: وتحب ذَلِكَ؟ قُلْتُ: نعم. قَالَ: بشرائط ثلاث. قُلْتُ: نعم. قَالَ: أن لا تعرض علي طعاما حتى أسألك، وإذا أنا مت أن [٢] تدفني في كسائي وجبتي هذه. قُلْتُ: نعم. قَالَ: والثالثة أشد منهما، وهي شديدة، قُلْتُ: وإن كان. فحملته إلى منزلي عند الظهر، فلما كان من [٣] الغد ناداني يا عبد اللَّه [فقلت: ما شأنك. قَالَ] [٤] قد احتضرت، افتح صرة على كم جبتي. قَالَ: ففتحتها فإذا فيها خاتم عليه فص أحمر، فَقَالَ: إذا أنا مت ودفنتني فخذ هذا الخاتم، ثم ادفعه إلى هارون [الرشيد] [٥] أمير المؤمنين، فقل لَهُ: يقول لك صاحب هذا الخاتم: ويحك! لا تموتن على سكرتك هذه فإنك إن مت على سكرتك هذه ندمت. قَالَ: فلما دفنته سألت [٦] يوم خروج هارون الرشيد [٧] أمير المؤمنين، وكتبت قصة، وتعرضت له وأوذيت أذى شديدا، فلما دخل قصره وقرأ القصة وقَالَ: علي بصاحب هذه القصة. قال: فأدخلت عليه وهُوَ مغضب يَقُولُ: يتعرضون لنا ويفعلون. فلما رأيت غضبه/ أخرجت الخاتم، فلما نظر إلى الخاتم قَالَ: من أين لك هذا [الخاتم] [٨] قلت: دفعه إلي رجل طيان. فقال لي: طيان طيان، وقربني منه. فقلت: يا أمير المؤمنين إنه أوصاني بوصية. فقال [٩] لي: ويحك! قل. فقلت: يا أمير المؤمنين إنه أوصاني إذا أوصلت إليك هذا الخاتم أن أقول لك يقرئك صاحب هذا الخاتم السلام ويقول لك: ويحك لا تموتن على سكرتك هذه فإنك إن مت عليها ندمت. فقام على رجليه قائما وضرب

стр. 3029

بنفسه على البساط، وجعل يتقلب عَلَيْهِ ويقول: يا بني نصحت أباك. فقلت في نفسي: كأنه ابنه، ثم جلس وجاءوا بالماء، فمسحوا وجهه، وقَالَ: كيف عرفته؟ قَالَ: فقصصت عليه قصته. قَالَ: فبكى وقَالَ: هذا أول مولود لي، وكان أبي المهدي ذكر لي زبيدة أن يزوجني بها [١] ، فبصرت بهذه [٢] المرأة فوقعت في قلبي، وكانت خسيسة فتزوجتها سرا من أَبِي، فأولدتها هذا المولود، وأحدرتها إلى البصرة [وأعطيتها] [٣] هذا الخاتم وأشياء، وقلت لها [٤] : اكتمي نفسك، فإذا بلغك أني قعدت للخلافة فأتيني، فلما قعدت للخلافة سألت عنهما فقيل [لي إنهما] [٥] ماتا، ولم أعلم أنه باق، فأين دفنته؟ قُلْتُ: يا أمير المؤمنين دفنته في قبور عبد الله بن مالك. / قَالَ: لي إليك حاجة، إذا كان بعد المغرب فقف لي بالباب حتى أنزل [٦] إليك [فأخرج] [٧] متنكرا إلى قبره. فوقفت لَهُ، فخرج متنكرا والخدم حوله حتى وضع يديه بيدي، وصاح بالخدم فتنحوا، فجئت به إلى قبره، فما زال ليلته يبكي إلى أن أصبح ويداه ورأسه ولحيته على قبره [وجعل] [٨] يَقُولُ: يا بني، لقد نصحت أباك. قَالَ: فجعلت أبكي لبكائه رحمة مني لَهُ، ثم سمع كلاما فقال: كأني أسمع كلام النَّاسَ. قلت: أجل أصبحت يا أمير المؤمنين، قد طلع الفجر. فقال لي: قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم، واكتب عيالك مع عيالي، فإن لك علي حقا بدفنك ولدي، وإن أنا مت أوصيت: من يكون من بعدي أن يجري عليك ما بقي لك عقب، ثم أخذ بيدي حتى إذا بلغ قريبا من القصر [ويده بيدي، فلما صار إلى القصر] [٩] قال: أَنظر ما أوصيك به إذا طلعت الشمس، فقف لي حتى

стр. 3030

أنظر إليك فأدعو بك فتحدثني حديثه. قُلْتُ: إن شاء الله، فلم أعد إِلَيْهِ. [قال المصنف] [١] : وقد روي حديث السبتي من طريق آخر، وفيه أشياء تخالف هذا، وهذه الطريق التي سقناها أصح، وأسنادها ثقات. وقد زاد القصّاص في حديث السبتي، وأبدءوا وأعادوا وذكروا أنه كان من زبيدة، وأنه خرج يتصيد فوعظه صالح المرِّيُّ، فوقع من فرسه وأشياء كلها محال. ١٠٠٢- زين بن شعيب بن كريب، أبو عبد الملك المعافري [٢] . روى عَنْه: ابن وَهْبِ، وغيره، وآخر من حدث عنه: مرة الترسلي. وكانت له [٣] . عبادة وفضل، كان يحيى بن بُكَيْر يَقُولُ: حدثني زين بن شُعَيْب وكان والله زينا. توفي بالإسكندرية في هذه/ السنة. ١٠٠٣- عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، أبو بكر الأسدي [٤] . روى عَن أبي حازم، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة، وغيرهم. فلما قدم المهدي المدينة اتصل به، وصار أحد خواصه، وكان المهدي يقول: والله ما كان في آبائه أحد إلا وهو أكمل منه، وما له في الناس نظير في كماله [٥] . وبعث إليه أبو عبيد الله بألفي دينار فردها وكتب إليه إني لا أقبل صلة إلا من خليفة أو ولي عهد [٦] . ولما بايع المهدي لموسى قال له عبد الله بن مُصْعَب: اشدد بهارون حبال العقد ... ووله بعد وليّ العهد.

стр. 3031

فبايع له بعد موسى، فقال له عبد الله بن مُصْعَب: لا قصرا عنها ولا بلغتهما ... حتى تطول علي يديك طوالها فلما ولي الرشيد عرض على عبد الله بن مصعب الولاية [فأبى] [١] ، فألزمه، فكان جميل السيرة. أخبرنا [أبو منصور] القزاز قال: أخبرنا [أبو بكر بن ثابت] [٢] الخطيب قَالَ: أخبرنا الأزهري قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا أحمد بن سليمان الطوسي قال: حدثنا الزبير قال: حدّثني عمي مُصْعَب قَالَ: كان أبي يكره الولاية، فعرض عليه الرشيد ولاية المدينة، فأبى فألزمه، فأقام على ذلك ثلاث [٣] ليال يلزمه فيأبى، فلما كان في الليلة الثالثة قال لَهُ: أغد علي بالغداة إن شاء اللَّه فغدا [عَلَيْهِ] [٤] فدعا أمير المؤمنين بقناة وعمامة [٥] ، فعقد اللواء بيده، / ثم قَالَ: عليك طاعة؟ قَالَ: نعم يا أمير المؤمنين. قَالَ: فخذ هذا اللواء. فأخذه، وقَالَ له: أما إذا ابتليتني يا أمير المؤمنين [٦] بعد العافية فلا بد لي أن أشترط لنفسي؟ قال لَهُ: اشترط. فاشترط خلالا، منها: أنه قال له مال الصدقات مال قسمه الله بنفسه، ولم يكله إلى أحد من خلقه، فلست أستجيز أن أرتزق منه، ولا بد أن أرزق المرتزقة، فاحمل معي رزقي ورزق المرتزقة من مال الخراج. قَالَ: قد أجبتك إلى ذلك [٧] . قَالَ: وأنفذ من كتبك ما رأيت [، وأقف] [٨] عما لا أرى، قَالَ: وذلك لك. قَالَ: فولي المدينة، وكان يأمر بمال الصدقات يصير إلى عبد العزيز بن محمد الدراوَرْديّ، وإلى آخر معه وهو يحيى بْن أبي غسان، فكانا يقسمانه، ثم ولّاه الرّشيد اليمن، وزاده

стр. 3032

معها ولاية عك، وكانت عك إلى والي مكَّةَ، ورزقه ألفي دينار في كل شهر. فَقَالَ يحيى بْن خَالِد: يا أمير المؤمنين، كان رزق والي اليمن ألف دينار، فجعلت رزق عبد الله بن مصعب ألفي دينار، وأخاف أن لا يرضى أحد توليه اليمن من الرزق [١] من قومك بأقل ما أعطيت عَبْد الله بن مصعب، فلو جعلت رزقه ألف دينار كما كان [يكون] [٢] وأعضته من الألف الأخرى ما لا تجيزه به لم يكن عليك حجة لأحد من قومك في الجائزة فصير رزقه ألف دينار، وأجازه بعشرين ألف دينار، واستخلف على اليمن الضحاك بن عثمان [٣] . قال مؤلف الكتاب ﵀ [٤] : ثم ولى المدينة/ ابنه بكار بن عبد اللَّه، وشخص عبد الله بْن مصعب إلى بغداد، ثم رحل إلى الرقة في صحبة الرشيد، فتوفي بها فِي ربيع الأول من هذه السنة، وهو ابن سبعين سنة، فتلهف عليه الرشيد، وبعث ابنه المأمون فصلى [٥] عَلَيْهِ. أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَارِعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن المسلمة قَالَ: أَخْبَرَنَا المخلص قال: أخبرنا أحمد بن سليمان الطوسي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عبد الله بن نافع قال: قال لي عبد الله بن مُصْعَب: أريت فيما يرى النائم كأن رجلا يقول: يولد لك ابن من أم ولدك ولا تراه، فلم يكن شيء أثقل عليه من [حمل] [٦] أم ولده أم عبد الله، فولدت عبد الله بْن عبد الله بن مصعب يوم مات عبد الله، فلم يره. ١٠٠٤- عبد الله بن عبد العزيز العمري، أبو عبد الرحمن [٧] . أدرك أبا طوالة، وروى عَن أَبِيهِ، وعن إبراهيم بن سعد، وكان عابدا مجتهدا، ووعظ الرشيد فبالغ.

стр. 3033

أخبرنا ابن ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إْبِرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدِ الْحَبَّالِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ محمد بن الْجَرَّاح قَالَ: حدثنا محمد بن جعفر بن دران قَالَ: أخبرنا هارون بن عبد العزيز العباسي قَالَ: حدثنا محمد بن خلف بن حِبّان قال: حدثنا محمد بن إسحاق بْن عَبْد الرحمن البغوي قَالَ: سمعت سعيد بن سليمان يَقُولُ: كنت بمكة في رواق [١] الشطوي وإلى جنبي عَبْد الله بن عبد العزيز [العمري] [٢] وقد حج هارون الرشيد، فقال لي إنسان: يا أبا عبد الرحمن، هو ذا أمير المؤمنين يسعى، قد أخلي له المسعى [٣] . قَالَ/ العمري للرجل: لا جزاك الله عني خيرا، كلفتني أمرا كنت عنه غنيا. ثم تعلق نعليه وقام، فتبعته، فأقبل هارون [الرشيد] [٤] من المروة [٥] يريد الصفا، فصاح بِهِ: يا هارون قَالَ: فلما نظر إليه قال: لبيك يا عم. قال: ارق الصفا. فلما رقيه قَالَ: ارم بطرفك [إلى البيت] [٦] قَالَ: قد فعلت. قَالَ: كم هُمْ؟ قَالَ: ومن يحصيهم؟ قال: فكم في الناس مثلهم؟ قَالَ: خلق لا يحصيهم إلا الله، قَالَ: اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن حاجته نفسه، وأنت تسأل وحدك [٧] عنهم كلهم، فانظر كيف تكون. قَالَ: فبكى هارون، وجلس وجعلوا يعطونه منديلا منديلا للدموع. قال العمري: وأخرى أقولها [لك] [٨] قَالَ: قل يا عم. قَالَ: والله إن الرجل ليسرع في ماله فيستحق الحجر عَلَيْهِ، فكيف بمن أسرع في مال المسلمين؟ ثم مضى وهارون يبكي. قال محمد بن خلف: سمعت محمد بن عبد الرَّحْمَن يَقُولُ: بلغني أن هارون الرشيد قَالَ: إني لأحب أن أحج كل سنة ما يمنعني إلا رجل من ولد عمر، ثم يسمعني ما أكره.

стр. 3034

وقد روي لنا من طريق آخر أنه لقيه بالمسعى [١] ، فأخذ بلجام دابته فأهوى الأجناد إِلَيْهِ، فكفهم عنه الرشيد، فكلمه، فإذا دموع الرشيد تسيل على معرقة دابته، ثم انصرف. وإنه لقيه مرة فَقَالَ: يا هارون، فعلت وفعلت. فجعل يسمع منه ويقول: مقبول منك يا عم، على الرأس والعين [٢] . فقال لَهُ: يا أمير المؤمنين، حال الناس كيت وكيت. / فقال: عن غير علمي وأمري. وخرج العمري إلى الرشيد مرة ليعظه، فلما نزل الكوفة زحف العسكر، حتى لو [كان] [٣] نزل بهم مائة ألف من العدو وما زادوا على هيئته، ثم رجع ولم يصل إِلَيْهِ. توفي العمري بالمدينة في هذه السنة، وهو ابن ست وستين سنة. ١٠٠٥- محمد بن يوسف بن معدان، أبو عبد الله الأصفهاني [٤] . أدرك التابعين، وتشاغل بالتعبد، وكان ابن المبارك يسميه عروس الزهاد. وقال ابن المهدي: ما رأيت مثْلَه. وقال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت أفضل منه، وكان كأنه قد عاين. أخبرنا المحمدان: ابن ناصر، وابن عبد الباقي قَالا: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد بن جعفر [بن حبان] [٥] الحافظ قَالَ: حدثنا أحمد بن عصام قَالَ: حدثني يوسف بن زكريّا قَالَ: كان محمد بن يوسف لا يشتري زاده من خباز واحد ولا من بقال واحد، قَالَ: لعلهم يعرفوني فيحابوني، فأكون ممن يعيش بدينه. قال ابن عاصم: وأخبرنا عبد الرحمن بن عمر قَالَ: قال عبد الرحمن بن مهدي

стр. 3035

باينت محمد بن يوسف في الشتاء والصيف فلم يكن يضع جنبه. توفي محمد بن يوسف [١] ، ولم تكتمل له أربعون سنة. ١٠٠٦- المعافى بن عمران، أبو مسعود الأزدي الموصلي [٢] . رحل في طلب الحديث إلى البلاد البعيدة، / وجالس العلماء، ولازم سفيان الثوري فتفقه به وتأدب بآدابه، حدث عَنْه وعن أبي ذئب، ومالك، وابن جُرَيْج، وغيرهم [٣] . وكان سُفْيان يَقُولُ: أنت معافى كاسمك [٤] . وكان يسميه الياقوتة، فيقول: يا ياقوتة [٥] العلماء. وصنف كتبا، وروى عَنْه: ابن المبارك، وبشر الحافي، وكان زاهدا عابدا [٦] ، فاضلا عاقلا، صاحب سنّة ثقة [٧] . أَخْبَرَنَا [أَبُو منصور] القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا [أبو بكر بْنِ ثَابِتٍ] [٨] الْخَطِيبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عمر بن القاسم النرسي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ الشافعي قَالَ: حدثنا هيثم بن مجاهد قَالَ: حدثنا إسحاق بن الضيف قَالَ: سمعت بشر بن الحارث يَقُولُ: قتل للمعافى بن عمران ابنان في وقعة الموصل، فجاء إخوانه يعزونه من الغد، فقال لهم: إن كنتم جئتم لتعزوني فلا تعزوني، ولكن هنئوني، قَالَ: فهنوه، فما برحوا حتى غدّاهم وغلفهم بالغالية [٩] .

стр. 3036

توفي المعافى في هذه السنة بالموصل [١] . وقيل: في سنة خمس. وقيل: ست. ١٠٠٧- يعقوب بن الربيع. حاجب المنصور [٢] . وهو أخو الفضل بن الربيع، كان أديبا شاعرا، حسن الافتنان في العلوم، وكان له جارية طلبها سبع سنين يبذل فيها ماله وجاهه حتى ملكها، وأعطي بها [مائة] [٣] ألف دينار فلم يبعها، ولم تمكث عنده إلا ستة أشهر حتى ماتت، فرثاها بمراث كثيرة [٤] . أخبرنا [أبو منصور] القزاز قال: أخبرنا [أبو بكر أحمد بْن علي بْن ثابت] [٥] الخطيب قَالَ: أخبرنا التنوخي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عمران المرزباني قَالَ: أنشدنا/ علي بن سليمان الأخفش ليعقوب بن الربيع: أضحوا يصيدون الظباء وإنني ... لأرى تصيدها علي حراما أشبهن منك سوالفا ومدامعا ... فأرى بذاك لها علي ذماما أعزز علي بان أودع شبهها ... أو أن تذوق على يدي حماما [٦] وله أيضا في جاريته: لئن كان قربك لي نافعا ... لبعدك أصبح لي أنفعا لأني أمنت رزايا الدهور ... وإن جل خطب بأن أجرعا [٧]

стр. 3037

ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة فمن الحوادث فيها: قتل أهل طبرستان مهرويه الرازي واليها، فولى الرشيد مكانه عبد الله بن سعيد [الحرشي] [١] . وفيها: قتل عبد الرحمن الأبناوي [٢] أبان بن قحطبة الخارجي بموج القلعة [٣] . وفيها: أغار حمزة الشاري بباذغيس من خراسان فوثب عيسى بن علي على عشرة آلاف من أصحاب حمزة فقتلهم، وبلغ كابل، وزابلستان [٤] . [وفيها غدر أبو الخصيب، وخرج وذهب إلى مرو، فأحاط بها، فهزم، ومضى نحو سرخس، وقوي أمره] [٥] . وفيها: مات يزيد بن مزيد ببرذعة، فولّي مكانه أسد بن يزيد [٦] .

стр. 3038

وفيها: شخص الرشيد إلى الرقة على طريق الموصل [١] . واستأذنه فيها يحيى بن خالد في العمرة والمجاورة، فأذن له، فخرج في/ شعبان هذه السنة [٢] ، واعتمر عمرة رمضان، ثم رابط بجدة إلى وقت الحج [٣] . وفيها: حج بالناس [٤] منصور بن المهدي ووقعت صاعقة في المسجد الحرام في رمضان هذه السنة على بعض ظلال المسجد الحرام [٥] فأحرقت الظلة، وقتلت رجلين [٦] ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١٠٠٨- عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس [٧] . روى عن أَبِيهِ، ولد سنة أربع ومائة، وكان عظيم الخلق، وكانت فيه عجائب: منها: أنه حج يزيد بن معاوية سنة خمسين، وحج [٨] عبد الصمد بالناس [٩] سنة خمسين ومائة. كذلك ذكره أبو بكر الخطيب. وقال الزبير بن بكار: حج يزيد بالناس [١٠] سنة خمسين، وعبد الصمد سنة خمسين إحدى ومائة [١١] وكان بين حجهما [مائة سنة على قول الخطيب، وهما في النسب إلى عبد مناف سواء، لأن يزيد هو ابن معاوية بن صخر بن حرب بن أمية بن

стр. 3039

عبد شمس بن عبد مناف. وعبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف] [١] . ومنها: أنه ولد سنة أربع ومائة، وتوفي سنة خمس وثمانين. وولد أخوه محمد بن علي سنة ستين، وكانت بينه وبين أخيه في المولد أربع وأربعون [٢] سنة. وتوفي محمد بن علي سنة ست وعشرين، وتوفي عبد الصمد سنة خمس وثمانين، وكان بينهما في الوفاة تسع وخمسون سنة [٣] . ومنها: أنه ولد عبد الله بن الحارث على عهد رسول الله ﷺ وهو وعبد الصمد إلى عبد مناف سواء. ومنها: أنه أدرك [أبا] [٤] العباس وهو ابن أخيه، وأدرك المنصور وهو ابن أخيه، ثم أدرك [٥] المهدي وهو عم أَبِيهِ، ثم أدرك الهادي وهو عم جدّه، / ثم أدرك الرشيد. وقال يوما للرشيد: يا أمير المؤمنين، هذا مجلس فيه أمير المؤمنين، وعم أمير المؤمنين، وعم عمه، وعم عم عمه، وذلك أن سليمان بن جعفر عم الرشيد. والعباس بن محمد بن علي عم سليمان، وعبد الصمد عم الْعَبَّاس. ومنها: أنه مات بأسنانه التي ولد بها ولم تتغير، وكانت أسنانه قطعة واحدة من أسفل [٦] . ومنها: أنه طارت ريشتان إلى عينيه فذهب بصره [٧] .

стр. 3040

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ [١] قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: حدثني عبد العزيز بْن عَلي الوراق قَالَ: حدثنا أبو موسى هارون بن عيسى [٢] الخطيب قَالَ: حدثنا إبْرَاهِيم بن عَبْد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام قَالَ: حدّثني أبي قال: حدّثنا جدي [٣] محمد بن إبراهيم الإمام- وكان يجلس لولده وولد ولده في كل يوم خميس يعظهم ويحدثهم- قَالَ: أرسل إلي المنصور بكرة واستعجلني الرَّسُول فدخلنا، فإذا الربيع واقف عند الستر، وإذا المهدي ولي العهد في الدهليز جالس، وإذا عبد الصمد بن عليّ، وداود بن عليّ، وإسماعيل بن عليّ [وسليمان بن عليّ] [٤] ، وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين، وعبد الله بن حسن بن حسن، والعباس بن مُحَمَّد، فقال الربيع: اجلسوا مع بني عمكم فجلسنا، ثم دخل الربيع وخرج، وقَالَ للمهدي: ادخل أصلحك الله. ثم خرج، فَقَالَ: ادخلوا جميعا. [فدخلنا] [٥] فسلمنا، وأخذنا/ مجالسنا، فقال للربيع: هات دوى وما يكتبون فيه. فوضع بين يدي كل واحد منا دواة وورق، ثم التفت إلى عَبْد الصمد بن عليّ فَقَالَ: يا عم، حدث ولدك واخوتك [٦] ، وبني أخيك بحديث البر والصلة. فَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ [٧] : حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْبِرَّ وَالصِّلَةِ لَيُطِيلانِ فِي الأَعْمَارِ، وَيُعَمِّرَانَ الدِّيَارَ، وَيُثْرِيَانِ الأَمْوَالَ، وَلَوْ كَانَ الْقَوْمُ فُجَّارًا» . ثُمَّ قَالَ: يَا عَمِّ، الْحَدِيثَ الآخر. فقال عبد الصمد: حدثني أبي، عن جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الْبِرَّ وَالصِّلَةَ لَيُخَفِّفَانِ سُوءَ الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالَّذِينَ ١٣: ٢١

стр. 3041

يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ ١٣: ٢١ [١] . فقال المنصور: يَا عَمِّ، الْحَدِيثَ الآخَرَ. فَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي [٢] ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَلِكَانِ أَخَوَانِ عَلَى مَدِينَتَيْنِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا بَارًّا بِرَحِمِهِ، عَادِلا عَلَى رَعِيَّتِهِ، وَكَانَ الآخَرُ عَاقًّا بِرَحِمِهِ، جَائِرًا عَلَى رَعِيَّتِهِ، وَكَانَ فِي عَصْرِهِمَا نَبِيٌّ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى ذَلِكَ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمْرِ هَذَا الْبَارِّ ثَلاثُ سِنِينَ، وَبَقِيَ مِنْ هَذَا [٣] الْعَاقِّ ثَلاثُونَ سَنَةً. قَالَ: فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ رَعِيَّةَ هَذَا وَرَعِيَّةَ هَذَا، فَأَحْزَنَ ذَلِكَ رَعِيَّةَ الْعَادِلِ، وَأَحْزَنَ ذَلِكَ رَعِيَّةَ الْجَائِرِ، قَالَ: فَفَرَّقُوا بَيْنَ الأَطْفَالِ/ وَالأُمَّهَاتِ، وَتَرَكُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَخَرَجُوا إِلَى الصَّحْرَاءِ يَدْعُوَن اللَّهَ أَنْ يُمَتِّعَهُمْ بِالْعَادِلِ، وَيُزِيلَ عَنْهُمْ أَمْرَ الْجَائِرِ [فَأَقَامُوا ثَلاثًا،] [٤] فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ النَّبِيِّ أَنْ أَخْبِرْ عِبَادِي أَنِّي قَدْ رَحِمْتُهُمْ، وَأَجَبْتُ دُعَاءَهُمْ، فَجَعَلْتُ مَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِ هَذَا الْبَارِ لِذَلِكَ الْجَائِرِ، وَمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِ الْجَائِرِ لِهَذَا الْبَارِ [٥] . قَالَ: فَرَجِعُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَمَاتَ الْعَاقُّ لِتَمَامِ الثَّلاثِ سِنِينَ، وَبَقِيَ الْعَادِلُ فِيهِمْ ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ ٣٥: ١١ [٦] . ثم التفت المنصور إلى جعفر بن مُحَمَّد، فَقَالَ: يا أبا عبد اللَّه حدث بني عمك وأخوتك [٧] بحديث أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ [بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁] [٨] عن النَّبيّ ﷺ في البر.

стр. 3042

فَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مَلِكٍ يَصِلُ رَحِمَهُ وَذَا قُرْبَتِهِ وَيَعْدِلُ فِي رَعِيَّتِهِ إِلا شَيَّدَ اللَّهُ مُلْكَهُ، وَأَجْزَلَ لَهُ ثَوَابَهُ، وَأَكْرَمَ مَا بِهِ، وَخَفَّفَ حِسَابَهُ» . توفي عبد الصمد في هذه السنة بالجدري، وصلى عليه الرشيد ليلا، ودفن في باب البردان، وله إحدى وثمانون سنة. ١٠٠٩- عباد بن العوام بن عبد الله، أبو سهل الواسطي [١] . سَمِعَ حصين بن عبد الرَّحْمَن، وسعيد بن أبي عروبة. روى عَنْه: أبو نُعَيم، وأحمد بن حنبل، / وكان ثقة صدوقا. أخبرنا القزاز قَالَ: أخبرنا [أحمد بن علي بن ثابت] [٢] الخطيب قال: أخبرنا الجوهري قال: حدثنا محمد بن العباس قال: حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الفهم قال: حدثنا محمد بن سعد قَالَ: عباد بن العوام كان من أهل واسط، وكان يتشيع، فأخذه هارون أمير المؤمنين فحبسه زمانا، ثم خلى عَنْه [٣] ، فأقام ببغداد، وكان ينزل بالكرخ على نهر البزازين [٤] . توفي في هذه السنة. وقيل: في سنة ست وثمانين. وقيل: في سنة تسع. وقيل: في سنة ثلاث. ١٠١٠- محمد بن إبْرَاهِيم، المعروف بالإمام، ابن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس [٥] . كان يلي إمارة الحج والمسير بالناس [٦] إلى مكَّةَ وإقامة المناسك في خلافة المنصور عدة سنين.

стр. 3043

وتوفي ببغداد في خلافة الرشيد لإحدى عشرة بقيت من شوال هذه السنة. وكان الرشيد إذ ذاك قد شخص إلى الرقة، فصلى عليه الأمين، ودفن في المقبرة المعروفة بالعباسية بباب الميدان. ١٠١١- محمد بن إبراهيم، المعروف بالإمام بن الحسن، أبو بكر الهُذَلي [١] . كان هروي الأصل، وهو أخو أبي معمر إِسْمَاعِيل وأبي الهذيل إسحاق. سمع من سفيان بن عُيَيْنَة وغيره. وقال موسى بن هارون الحافظ: هو صدوق لا بأس به.

стр. 3044

ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة فمن الحوادث فيها: خروج علي بن عيسى بن ماهان من مرو لحرب أبي الخصيب/ إلى نسا، فقتل بها، وسبي نساؤه وذراريه، فاستقامت خراسان [١] . وفيها: حبس الرشيد ثمامة بن أشرس لوقوفه على كذبه في أمر أحمد بن عيسى بن زيد [٢] . وكانت ببغداد رجفة شديدة بين المغرب والعشاء في رمضان. وفيها: حج الرشيد، وكان شخوصه من الرقة في رمضان، فمر بالأنبار، ولم يدخل مدينة [٣] السلام، ولكنه نزل منزلا على شاطئ الفرات، وأخرج معه ابنيه الأمين والمأمون، فبدأ بالمدينة، فأعطى أهلها ثلاث عطيات، وبدأ بنفسه، فنودي باسمه، فأخذ ثلاث [٤] أعطيات فوضعها بين يديه، وفعل ذلك بالأمين والمأمون، ثم ببني هاشم، ثم بالناس بعدهم، ثم صار إلى مكة فأعطى أهلها عطاءين، فبلغ ذلك ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار، وكان عقد لابنه محمد ولاية العهد في يوم الخميس في شعبان سنة ثلاث وسبعين، وسماه الأمين، وضم إلَيْهِ الشام والعراق في سنة خمس وسبعين. ثم بايع للمأمون في سنة ثلاث [٥] وثمانين، وولّاه من حدّ همذان إلى آخر المشرق.

стр. 3045

أخبرنا ابن ناصر قَالَ: أخبرنا الحميدي قَالَ: أخبرنا أبو غالب أبو غالب بن بشران قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين بْن دينار قَالَ: حدثنا أبو علي الطوماري قال: حدثنا أبو بكر بن الجنيد قال: حدثني الحسين بن الصباح الزعفراني قال: لما قدم الشافعي إلى بغداد وافق عقد الرشيد للأمين، والمأمون/ على العهد. قَالَ: فبكر الناس لتهنئة الرشيد، فجلسوا في دار العامة ينتظرون الإذن، فجعل الناس يقولون: كيف ندعو لهما، فإنا إذا فعلنا ذلك كان دعاء على الخليفة وإن لم ندع لهما كان تقصيرا، فدخل الشافعي، فجلس، فقيل لَهُ في ذَلِكَ، فقال: الله الموفق، فلما أذن دخل الناس، فكان أول متكلم الشافعي فَقَالَ: لا قصرا عنها ولا بلغتهما ... حتى تطول على يديك طوالها قال علماء السير: وكان القاسم بن الرشيد في حجر عبد الملك بن صالح، فلما بايع [١] الرشيد للأمين والمأمون، كتب إليه عبد الملك: يا أيها الملك الذي ... لو كان نجما كان سعدا اعقد لقاسم بيعة ... واقدح [٢] له في الناس [٣] زندا الله فرد واحد ... فاجعل ولاة العهد فردا [٤] فكان ذلك أول ما حض الرشيد على البيعة للقاسم، فبايع له وسماه المؤتمن، وولاه الجزيرة والثغور والعواصم [٥] . فلما قسم الأرض بين أولاده الثلاثة قال بعض الناس: قد أحكم الملك. وقَالَ بعضهم: بل ألقى بأسهم بينهم، وعاقبة ما صنع مخوفة [٦] على الرّعيّة [٧] .

стр. 3046

وحج هارون ومعه أبناؤه [١] ووزراؤه، وقواده [٢] ، وقضاته في سنة ست وثمانين، وخلف بالرقة إبراهيم بن عثمان بن نهيك العكي، وعلى الحرم، والخزائن [٣] ، والأموال والعسكر [٤] / وأشخص القاسم ابنه إلى [٥] منبج، فأسكنه إياها، ثم ضم [إليه] [٦] من القواد والجند، فلما قضى مناسكه كتب إلى المأمون [٧] ابنه كتابين أجهد الفقهاء والقضاة آراءهم فيهما، أحدهما: على مُحَمَّد الأمير [٨] بما اشترط عليه من الوفاء بتسليم [٩] ما ولي عبد الله من الأعمال، وصير له من الضياع والغلات والجوهر والأموال. والآخر: نسخة البيعة التي أخذها على الخاصة والعامة والشروط لعبد الله على محمد وعليهم، وحضر في الكعبة، وأحضر [وجوه] [١٠] بني هاشم والقواد والفقهاء، وقرأ الكتاب على الأمين والمأمون، وأشهد عليهما جميع من حضر من سائر ولده وأهل بيته ومواليه ووزرائه وقواده وكتابه وغيرهم، ثم رأى أن يعلق الكتاب في الكعبة، فلما رفع ليعلق [١١] سقط [١٢] . وقد روى إبراهيم بن عبد الله الحجبي عن أبيه قَالَ: لما رفع الكتاب ليعلق بسقف الكعبة سقط قبل أن يعلق، فقلت في نفسي: هذا أمر سريع انتقاضه. وتقدم إلى الحجبة في حفظ الكتابين ومنع من أراد إخراجهما. وكانت نسخة الكتاب: «هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين [كتبه محمد بْن هارون أمير المؤمنين] [١٣] في صحة عقله وجواز [من] [١٤] أمره طائعا غير مكره أن أمير المؤمنين ولاني العهد من بعده وصيّر البيعة لي في رقاب المسلمين، وولى عبد الله بن

стр. 3047

هارون [أمير المؤمنين] [١] العهد والخلافة، وجميع أمور المسلمين بعدي، برضا مني وتسليمه طائعا غير مكره، وولاه خراسان وثغورها، وكورها، وحربها/، وجندها، وخراجها، وبيوت أموالها، [وصدقاتها، وعشرها، وجميع أعمالها في حياته وبعده، وشرطت لعبد الله هارون أمير المؤمنين برضا مني وطيب نفسي أن لأخي عبد الله بن هارون علي الوفاء بما عقد له هارون أمير المؤمنين من العهد والولاية والخلافة وأمور المسلمين جميعا بعدي، وتسليم ذلك له، وما جعل له من ولاية خراسان] [٢] وأعمالها كلها، وما أقطعه أمير المؤمنين من قطيعته أو جعل لَهُ من عقده [٣] أو ضيعة من ضياعه [٤] ، وابتاع من الضياع والعقد وما أعطاه في حياته وصحته من مال أو حلي أو جوهر، أو متاع، أو كسوة، أو منزل، أو دواب، أو قليل، أو كثير، فهو لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين موفرا مسلما إليه، وقد عرفت ذلك كله شيئا فشيئا، فإن حدث بأمير المؤمنين الموت، وأفضت الخلافة إلى محمد ابن أمير المؤمنين، فعلى محمد إنفاذ ما أمر به [٥] هارون أمير المؤمنين في تولية عبد الله بن هارون أمير المؤمنين خراسان وثغورها من لدن الري إلى أقصى خراسان ليس لمحمد ابن أمير المؤمنين أن يحول عنه قائدا ولا راجلا واحدا ممن ضم إليه من أصحابه الذين ضمهم إليه أمير المؤمنين، ولا يحول عبد الله ابن أمير المؤمنين من ولايته التي ولاها إياه [٦] هارون [أمير المؤمنين] [٧] من ثغور خراسان وأعمالها كلها بندارا [٨] ولا عاملا، ولا يدخل عليه في صغير من أمره ولا كبير ضرارا [٩] ، ولا يحول بينه وبين العمل في ذلك كله برأيه وتدبيره، ولا يعرض

стр. 3048

لأحد ممن ضم إليه أمير المؤمنين من أهل بيته وصحابته، وقضاته، وعماله، وكتابه، وخدمه، ومواليه، وجنده بما [١] يلتمس إدخال الضرر والمكروه عليهم في أنفسهم، ولا قرابتهم/، ولا مواليهم، ولا أموالهم، ولا في ضياعهم ودورهم ورباعهم ورقيقهم، ولا أحد من الناس بأمره ورأيه يترخص له في ذلك ولا ينزع إليه أحد ممن ضم أمير المؤمنين عبد الله ابن أمير المؤمنين وأهل بيت أمير المؤمنين، وصحابته وعماله وخدمه وجنده، ورفض اسمه [ومكتبه] [٢] ومكانه مع عبد الله، عاصيا لَهُ أو مخالفا، فعلى محمد ابن أمير المؤمنين رده إلى عَبْد الله ابن أمير المؤمنين بصغر له [٣] وقماء حتى ينفذ رأيه وأمره. فإن أراد محمد ابن أمير المؤمنين خلع عبد الله ابن أمير المؤمنين من ولاية خراسان وثغورها وأعمالها، أو صرف أحد من قواده الذين ضمهم إليه أمير المؤمنين أو أن ينتقصه [٤] قليلا أو كثيرا مما جعله أمير المؤمنين [٥] له بوجه من الوجوه، أو بحيلة من الحيل، فلعبد اللَّه بن هارون أمير المؤمنين الخلافة بعد أمير المؤمنين، وهو المقدم على مُحَمَّد ابن أمير المؤمنين وهو ولي الأمر بعد أمير المؤمنين والطاعة من جميع قواد أمير المؤمنين هارون من أهل خراسان وجميع المسلمين في جميع الأمصار لعبد الله ابن أمير المؤمنين، والقيام معه، والمجاهدة لمن خالفه، والذب عَنْه، ما كانت الحياة في أبدانهم. وليس لأحد منهم أن يخالفه أو يعصيه، ولا يخرج من طاعته، ولا يطيع محمد ابن أمير المؤمنين في خلع عبد الله بن هارون أمير المؤمنين، وصرف العهد عنه من بعده إلى غيره أو ينتقصه شيئا مما جعله/ له أمير المؤمنين هارون في حياته وصحته. واشترط [٦] في كتابه الذي كتبه عليه في البيت الحرام وفي كتابه هذا. وعبد الله ابن أمير المؤمنين المصدق في قوله، وأنتم في حل من البيعة التي في أعناقكم لمحمد

стр. 3049

ابن أمير المؤمنين، وعلى محمد بن أمير المؤمنين أن ينقاد لعبد الله ابن أمير المؤمنين، ويسلم له الخلافة. وليس لمحمد ولا لعبد الله أن يخلعا القاسم ابن أمير المؤمنين، ولا يقدما [١] عليه أحدا من أولادهما وقراباتهما ولا غيرهم من جميع البرية، فإذا أفضت الخلافة إلى عبد اللَّه ابن أمير المؤمنين فالأمر إليه في إمضاء ما جعله أمير المؤمنين من العهد للقاسم بعده، أو صرف ذلك عنه إلى من رأى من ولده وإخوته، وتقديم من أراد أن يقدم قبله، يحكم في ذلك بما أحب وأراد [٢] ، فعليكم معشر المسلمين إنفاذ ما كتبه أمير المؤمنين في كتابه هذا وشرط، وعليكم السمع والطاعة لأمير المؤمنين فيما ألزمكم لعبد الله ابن أمير المؤمنين، وعهد الله وذمته وذمم المسلمين والعهود والمواثيق التي أخذ الله عَلَى الملائكة المقربين والمرسلين والنبيين، ووكدها في أعناق المؤمنين ليقرب لعبد الله ابن أمير المؤمنين بما سمى، ولمحمد، وعبد الله، والقاسم بني أمير المؤمنين بما سمى، وكتب في كتابه هذا واشترط عليكم، فبرئت منك ذمة الله، وذمة رسوله مُحَمَّد/ ﷺ ، وذمم المسلمين، وكل مال هو اليوم لكل رجل منكم أو يستفيده إلى خمسين سنة فهو صدقة عَلَى المساكين، وعلى كل رجل منكم المشي إلى بيت الله الحرام الّذي بمكة خمسين حجّة نذرا واجبا لا يقبل الله منه إلا الوفاء بذلك، وكل مملوك لأحد منكم- أو يملكه فيما يستقبل إلى خمسين سنة- حر، وكل امرأة له [٣] فهي طالق ثلاثا ألبتة طلاق الحرج، لا مثنوية لذلك [٤] فيها، والله عليكم بذلك كفيل، وكفى باللَّه حسيبا [٥] . ونسخة الشرط الذي كتبه عبد الله ابن أمير المؤمنين [بخط يده في الكعبة: هذا كتاب لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين] [٦] كتبه له عبد الله بن هارون أمير

стр. 3050

المؤمنين في صحة من عقله وجواز أمر من أمره، وصدق نية، فيما كتبه في كتابه هذا، ومعرفة بما فيه من الفضل [١] والصلاح له ولأهل بيته وجماعة المسلمين أن أمير المؤمنين هارون ولاني العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين بعد أخي محمد بن هارون، وولاني في حياته ثغور خراسان وكورها، وجميع أعمالها، وشرط على محمد بن هارون الوفاء بما عقد لي من الخلافة وولاية العباد والبلاد بعده وولاية خراسان وجميع أعمالها، ولا يعرض لي في شيء مما أقطعني أمير المؤمنين، أو ابتاع [٢] لي من الضياع والعقد والرباع، / أو ابتعت [٣] منه من ذلك، وما أعطاني أمير المؤمنين من الأموال والجواهر والكساء والمتاع والدواب والرقيق [٤] وغير ذلك، فلا يعرض لي ولا لأحد من عمالي وكتابي بسبب محاسبة، ولا يتّبع لي في ذلك ولا لأحد [٥] منهم أبدا، ولا يدخل علي ولا عليهم ولا على من كان معي ممن استعنت به من جميع الناس مكروها في نفسي ولا دم، ولا شعر، ولا بشر ولا مال، ولا صغير ولا كبير. فأجابه إلى ذلك وأقر بِهِ، وكتب له كتابا أكد فيه على نفسه ورضي به أمير المؤمنين، وقبله [٦] فشرطت لأمير المؤمنين، وجعلت له على نفسي [٧] أن أسمع وأطيع لمحمد، ولا أعصيه، وأنصحه ولا أغشه، وأوفي ببيعته وولايته، ولا أغدر، ولا أنكث، وأنفذ كتبه وأوامره [٨] ، وأحسن مؤازرته، وجهاد عدوه في ناحيتي، ما وفى لي على ما شرط لأمير المؤمنين في أمري، وسمي في الكتاب الذي كتبه لأمير المؤمنين، فإن احتاج محمد إلى جند وكتب إلي يأمرني بإشخاصه إليه، أو إلى ناحية من النواحي، أو عدو خالفه وأراد نقض شيء من سلطانه أو سلطاني الذي أسنده أمير المؤمنين إلينا أن أنفذ أمره ولا أخالفه، ولا أقصر في شيء كتب به إلي، وإن أراد محمد أن يولي رجلا من ولاة العهد
следующие страницы →