وحج هارون ومعه أبناؤه [١] ووزراؤه، وقواده [٢] ، وقضاته في سنة ست وثمانين، وخلف بالرقة إبراهيم بن عثمان بن نهيك العكي، وعلى الحرم، والخزائن [٣] ، والأموال والعسكر [٤] / وأشخص القاسم ابنه إلى [٥] منبج، فأسكنه إياها، ثم ضم [إليه] [٦] من القواد والجند، فلما قضى مناسكه كتب إلى المأمون [٧] ابنه كتابين أجهد الفقهاء والقضاة آراءهم فيهما، أحدهما: على مُحَمَّد الأمير [٨] بما اشترط عليه من الوفاء بتسليم [٩] ما ولي عبد الله من الأعمال، وصير له من الضياع والغلات والجوهر والأموال. والآخر: نسخة البيعة التي أخذها على الخاصة والعامة والشروط لعبد الله على محمد وعليهم، وحضر في الكعبة، وأحضر [وجوه] [١٠] بني هاشم والقواد والفقهاء، وقرأ الكتاب على الأمين والمأمون، وأشهد عليهما جميع من حضر من سائر ولده وأهل بيته ومواليه ووزرائه وقواده وكتابه وغيرهم، ثم رأى أن يعلق الكتاب في الكعبة، فلما رفع ليعلق [١١] سقط [١٢] .
وقد روى إبراهيم بن عبد الله الحجبي عن أبيه قَالَ: لما رفع الكتاب ليعلق بسقف الكعبة سقط قبل أن يعلق، فقلت في نفسي: هذا أمر سريع انتقاضه. وتقدم إلى الحجبة في حفظ الكتابين ومنع من أراد إخراجهما.
وكانت نسخة الكتاب: «هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين [كتبه محمد بْن هارون أمير المؤمنين] [١٣] في صحة عقله وجواز [من] [١٤] أمره طائعا غير مكره أن أمير المؤمنين ولاني العهد من بعده وصيّر البيعة لي في رقاب المسلمين، وولى عبد الله بن
стр. 3047
هارون [أمير المؤمنين] [١] العهد والخلافة، وجميع أمور المسلمين بعدي، برضا مني وتسليمه طائعا غير مكره، وولاه خراسان وثغورها، وكورها، وحربها/، وجندها، وخراجها، وبيوت أموالها، [وصدقاتها، وعشرها، وجميع أعمالها في حياته وبعده، وشرطت لعبد الله هارون أمير المؤمنين برضا مني وطيب نفسي أن لأخي عبد الله بن هارون علي الوفاء بما عقد له هارون أمير المؤمنين من العهد والولاية والخلافة وأمور المسلمين جميعا بعدي، وتسليم ذلك له، وما جعل له من ولاية خراسان] [٢] وأعمالها كلها، وما أقطعه أمير المؤمنين من قطيعته أو جعل لَهُ من عقده [٣] أو ضيعة من ضياعه [٤] ، وابتاع من الضياع والعقد وما أعطاه في حياته وصحته من مال أو حلي أو جوهر، أو متاع، أو كسوة، أو منزل، أو دواب، أو قليل، أو كثير، فهو لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين موفرا مسلما إليه، وقد عرفت ذلك كله شيئا فشيئا، فإن حدث بأمير المؤمنين الموت، وأفضت الخلافة إلى محمد ابن أمير المؤمنين، فعلى محمد إنفاذ ما أمر به [٥] هارون أمير المؤمنين في تولية عبد الله بن هارون أمير المؤمنين خراسان وثغورها من لدن الري إلى أقصى خراسان ليس لمحمد ابن أمير المؤمنين أن يحول عنه قائدا ولا راجلا واحدا ممن ضم إليه من أصحابه الذين ضمهم إليه أمير المؤمنين، ولا يحول عبد الله ابن أمير المؤمنين من ولايته التي ولاها إياه [٦] هارون [أمير المؤمنين] [٧] من ثغور خراسان وأعمالها كلها بندارا [٨] ولا عاملا، ولا يدخل عليه في صغير من أمره ولا كبير ضرارا [٩] ، ولا يحول بينه وبين العمل في ذلك كله برأيه وتدبيره، ولا يعرض
стр. 3048
لأحد ممن ضم إليه أمير المؤمنين من أهل بيته وصحابته، وقضاته، وعماله، وكتابه، وخدمه، ومواليه، وجنده بما [١] يلتمس إدخال الضرر والمكروه عليهم في أنفسهم، ولا قرابتهم/، ولا مواليهم، ولا أموالهم، ولا في ضياعهم ودورهم ورباعهم ورقيقهم، ولا أحد من الناس بأمره ورأيه يترخص له في ذلك ولا ينزع إليه أحد ممن ضم أمير المؤمنين عبد الله ابن أمير المؤمنين وأهل بيت أمير المؤمنين، وصحابته وعماله وخدمه وجنده، ورفض اسمه [ومكتبه] [٢] ومكانه مع عبد الله، عاصيا لَهُ أو مخالفا، فعلى محمد ابن أمير المؤمنين رده إلى عَبْد الله ابن أمير المؤمنين بصغر له [٣] وقماء حتى ينفذ رأيه وأمره.
فإن أراد محمد ابن أمير المؤمنين خلع عبد الله ابن أمير المؤمنين من ولاية خراسان وثغورها وأعمالها، أو صرف أحد من قواده الذين ضمهم إليه أمير المؤمنين أو أن ينتقصه [٤] قليلا أو كثيرا مما جعله أمير المؤمنين [٥] له بوجه من الوجوه، أو بحيلة من الحيل، فلعبد اللَّه بن هارون أمير المؤمنين الخلافة بعد أمير المؤمنين، وهو المقدم على مُحَمَّد ابن أمير المؤمنين وهو ولي الأمر بعد أمير المؤمنين والطاعة من جميع قواد أمير المؤمنين هارون من أهل خراسان وجميع المسلمين في جميع الأمصار لعبد الله ابن أمير المؤمنين، والقيام معه، والمجاهدة لمن خالفه، والذب عَنْه، ما كانت الحياة في أبدانهم. وليس لأحد منهم أن يخالفه أو يعصيه، ولا يخرج من طاعته، ولا يطيع محمد ابن أمير المؤمنين في خلع عبد الله بن هارون أمير المؤمنين، وصرف العهد عنه من بعده إلى غيره أو ينتقصه شيئا مما جعله/ له أمير المؤمنين هارون في حياته وصحته.
واشترط [٦] في كتابه الذي كتبه عليه في البيت الحرام وفي كتابه هذا. وعبد الله ابن أمير المؤمنين المصدق في قوله، وأنتم في حل من البيعة التي في أعناقكم لمحمد
стр. 3049
ابن أمير المؤمنين، وعلى محمد بن أمير المؤمنين أن ينقاد لعبد الله ابن أمير المؤمنين، ويسلم له الخلافة.
وليس لمحمد ولا لعبد الله أن يخلعا القاسم ابن أمير المؤمنين، ولا يقدما [١] عليه أحدا من أولادهما وقراباتهما ولا غيرهم من جميع البرية، فإذا أفضت الخلافة إلى عبد اللَّه ابن أمير المؤمنين فالأمر إليه في إمضاء ما جعله أمير المؤمنين من العهد للقاسم بعده، أو صرف ذلك عنه إلى من رأى من ولده وإخوته، وتقديم من أراد أن يقدم قبله، يحكم في ذلك بما أحب وأراد [٢] ، فعليكم معشر المسلمين إنفاذ ما كتبه أمير المؤمنين في كتابه هذا وشرط، وعليكم السمع والطاعة لأمير المؤمنين فيما ألزمكم لعبد الله ابن أمير المؤمنين، وعهد الله وذمته وذمم المسلمين والعهود والمواثيق التي أخذ الله عَلَى الملائكة المقربين والمرسلين والنبيين، ووكدها في أعناق المؤمنين ليقرب لعبد الله ابن أمير المؤمنين بما سمى، ولمحمد، وعبد الله، والقاسم بني أمير المؤمنين بما سمى، وكتب في كتابه هذا واشترط عليكم، فبرئت منك ذمة الله، وذمة رسوله مُحَمَّد/ ﷺ ، وذمم المسلمين، وكل مال هو اليوم لكل رجل منكم أو يستفيده إلى خمسين سنة فهو صدقة عَلَى المساكين، وعلى كل رجل منكم المشي إلى بيت الله الحرام الّذي بمكة خمسين حجّة نذرا واجبا لا يقبل الله منه إلا الوفاء بذلك، وكل مملوك لأحد منكم- أو يملكه فيما يستقبل إلى خمسين سنة- حر، وكل امرأة له [٣] فهي طالق ثلاثا ألبتة طلاق الحرج، لا مثنوية لذلك [٤] فيها، والله عليكم بذلك كفيل، وكفى باللَّه حسيبا [٥] .
ونسخة الشرط الذي كتبه عبد الله ابن أمير المؤمنين [بخط يده في الكعبة:
هذا كتاب لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين] [٦] كتبه له عبد الله بن هارون أمير
стр. 3050
المؤمنين في صحة من عقله وجواز أمر من أمره، وصدق نية، فيما كتبه في كتابه هذا، ومعرفة بما فيه من الفضل [١] والصلاح له ولأهل بيته وجماعة المسلمين أن أمير المؤمنين هارون ولاني العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين بعد أخي محمد بن هارون، وولاني في حياته ثغور خراسان وكورها، وجميع أعمالها، وشرط على محمد بن هارون الوفاء بما عقد لي من الخلافة وولاية العباد والبلاد بعده وولاية خراسان وجميع أعمالها، ولا يعرض لي في شيء مما أقطعني أمير المؤمنين، أو ابتاع [٢] لي من الضياع والعقد والرباع، / أو ابتعت [٣] منه من ذلك، وما أعطاني أمير المؤمنين من الأموال والجواهر والكساء والمتاع والدواب والرقيق [٤] وغير ذلك، فلا يعرض لي ولا لأحد من عمالي وكتابي بسبب محاسبة، ولا يتّبع لي في ذلك ولا لأحد [٥] منهم أبدا، ولا يدخل علي ولا عليهم ولا على من كان معي ممن استعنت به من جميع الناس مكروها في نفسي ولا دم، ولا شعر، ولا بشر ولا مال، ولا صغير ولا كبير. فأجابه إلى ذلك وأقر بِهِ، وكتب له كتابا أكد فيه على نفسه ورضي به أمير المؤمنين، وقبله [٦] فشرطت لأمير المؤمنين، وجعلت له على نفسي [٧] أن أسمع وأطيع لمحمد، ولا أعصيه، وأنصحه ولا أغشه، وأوفي ببيعته وولايته، ولا أغدر، ولا أنكث، وأنفذ كتبه وأوامره [٨] ، وأحسن مؤازرته، وجهاد عدوه في ناحيتي، ما وفى لي على ما شرط لأمير المؤمنين في أمري، وسمي في الكتاب الذي كتبه لأمير المؤمنين، فإن احتاج محمد إلى جند وكتب إلي يأمرني بإشخاصه إليه، أو إلى ناحية من النواحي، أو عدو خالفه وأراد نقض شيء من سلطانه أو سلطاني الذي أسنده أمير المؤمنين إلينا أن أنفذ أمره ولا أخالفه، ولا أقصر في شيء كتب به إلي، وإن أراد محمد أن يولي رجلا من ولاة العهد
стр. 3051
والخلافة بعدي، فذلك له ما وفى لي بما جعله لي أمير المؤمنين واشترط لي عَلَيْهِ، وعلي إنفاذ ذلك والوفاء له به/ ولا انقض ذلك ولا أبدله، ولا أقدم قبله أحدا من ولدي، ولا قريبا ولا بعيدا من الناس، إلا أن يولي [١] أمير المؤمنين هارون أحدا من ولده العهد بعدي فيلزمني ومحمدا الوفاء لَهُ [٢] .
وجعلت لأمير المؤمنين ولمحمد الوفاء لي بما شرطت وسميت في كتابي هذا، ما وفى لي محمد بجميع ما اشترط لي أمير المؤمنين عليه في نفسي، وما أعطاني أمير المؤمنين من جميع الأشياء المسماة في هذا الكتاب الذي كتبه لَهُ، وعلي عهد الله وميثاقه وذمه أمير المؤمنين وذمتي وذمم آبائي وذمم المسلمين وأشد ما أخذ الله على ميثاقه على النبيين والمرسلين من خلقه، من عهوده ومواثيقه، والأيمان المؤكدة التي أمر الله الوفاء بها، ونهى عن نقضها وتبديلها، وإن أنا نقضت شيئا مما شرطت وسميت في كتابي هذا، أو غيرت أو بدلت، أو نكثت أو غدرت، فبرئت من الله ومن ولايته ودينه، ومحمد رسوله ﷺ ، ولقيت الله يوم القيامة كافرا مشركا، وكل امرأة هي لي اليوم [٣] ، أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثا ألبتة [طلاق الحرج، وكل مملوك هو لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله، وعلي المشي إلى بيت الله الحرام الذي بمكة ثلاثين حجة، نذرا واجبا علي في عنقي حافيا راجلا، لا يقبل الله مني إلا الوفاء بذلك، وكل مال لي أو أملكه إلى ثلاثين سنة] [٤] هدي بالغ الكعبة، وكل ما جعلت لأمير المؤمنين وشرطت في كتابي هذا لازم لا أضمر غيره، ولا أنوي غيره. / وشهد سليمان ابن أمير المؤمنين وفلان وفلان. وكتب في ذي الحجة سنة سبع وثمانين ومائة [٥] .
وكان في نسخة الكتاب الذي كتبه هارون إلى العمّال [٦] :
стр. 3052
أما بعد، فإن الله ولي أمير المؤمنين، وولي ما ولاه، والحافظ لما استرعاه وأكرمه بِهِ من خلافته وسلطانه والصانع له فيما قدم وأخر من أموره، والمنعم عليه بالنصر والتأييد في مشارق الأرض ومغاربها، والكالئ والحافظ والكافي من جميع خلقه [١] ، وهُوَ المحمود على جميع آلائه، والمسئول تمام حسن [٢] ما مضى من قضائه لأمير المؤمنين، وعادته الجميلة عنده، وإلهام ما يرضى بِهِ، ويوجب له عليه أحسن المزيد من فضله [٣] .
ولم يزل أمير المؤمنين منذ اجتمعت الأمة على عقد العهد لمحمد ابن [٤] أمير المؤمنين [من] [٥] بعد أمير المؤمنين، ولعبد الله ابن أمير المؤمنين من بعد محمد، يعمل رأيه ونظره ورويّته [٦] فيما فيه الصلاح لهما ولجميع الرعية والجمع للكلمة، واللّم للشعث، والحسم لكيد أعداء النعم من أهل الكفر والنفاق والغل، والقطع لآمالهم من كل فرصة يرجون إدراكها وانتهازها، ويستخير الله [٧] في ذلك ويسأله [٨] العزيمة له على ما فيه الخيرة لهما ولجميع الأمة [٩] .
فعزم الله لأمير المؤمنين على الشخوص بهما إلى بيت الله الحرام، وأخذ البيعة منهما لأمير المؤمنين بالسمع والطاعة والانقياد لأمره، واكتتاب الشرط/ على كل واحد منهما لأمير المؤمنين ولهما بأشد المواثيق والعهود وأغلظ الأيمان والتوكيد، وأخذ لكل واحد منهما على صاحبه بما التمس به أمير المؤمنين اجتماع ألفتهما ومودتهما
стр. 3053
وتواصلهما ومكانفتهما على حسن النظر لأنفسهما ولرعية أمير المؤمنين التي استرعاهما [١] .
فلما قدم مكة أظهر لمحمد وعبد الله رأيه في ذَلِكَ، وما نظر فيه لهما، فقبلا ما دعاهما إِلَيْهِ، وكتبا لأمير المؤمنين في بطن بيت الله الحرام بخطوطهما، بمحضر ممن شهد الموسم وأهل بيت أمير المؤمنين وقواده وقضاته وحجبة الكعبة وشهاداتهم عليهما كتابين استودعهما أمير المؤمنين الحجبة، وأمر بتعليقهما في داخل الكعبة [٢] .
فلما فرغ أمير المؤمنين من ذَلِكَ أمر قضاته الذين شهدوا عليهما، وحضروا كتابيهما، أن يعلموا جميع من حضر الموسم من الحاج والعمار [٣] ووفود الأمصار ما شهدوا عليه من شرطهما وكتابيهما [٤] ليعرفوا ذلك ويؤدوه [٥] إلى إخوانهم وأهل بلدانهم.
ففعلوا، وقرئ عليهم الشرطان جميعا في المسجد الحرام، فانصرفوا. وقد اشتهر علم ذلك عندهم فأثبتوا الشهادة عليه، وعرفوا نظر أمير المؤمنين لصلاحهم [٦] وحقن دمائهم، ولم شعثهم/ وإطفاء جمرة أعداء الله، وأعداء دينه.
وقد نسخ أمير المؤمنين ذينك الشرطين اللذين كتبهما محمد وعبد الله في أسفل كتابه هذا.
وكتب إسماعيل بن صبيح يوم السبت لسبع ليال بقين من المحرم سنة ثمان وثمانين ومائة [٧] .
وأمر هارون الرشيد للمأمون بمائة ألف درهم حملت له من الرقة إلى بغداد [٨] .
стр. 3054
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٠١٢- أصبغ بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أبو زيان
[١] حكى عنه عون بن عبد الله قَالَ: قال لي أصبغ: سمعت من أبيك كلاما نفعني الله بِهِ: لئن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة.
توفي أصبغ في رمضان هذه السنة.
١٠١٣- حسان بن إبراهيم، أبو هشام العنزي الكوفي، قاضي كرمان
[٢] .
ولد سنة ست وثمانين، رأى محارب بن دثار، وسمع هشام بن عروة، والثَّورِي، وروى عَنْه عفان بن مسلم، ووثقه يحيى. وتوفي في هذه السنة، وله مائة سنة.
١٠١٤- سلم الخاسر
[٣] الشاعر هو: سلم بن عمرو بن حماد بن عطاء [٤] .
يقال إنّه مولى أَبِي بَكْر الصديق ﵁. ويقال: بل مولى المهدي.
واختلف لم سمي الخاسر، / فقال اليزيدي: ورث من أبيه مائة ألف درهم [وأصاب من مدائح الملوك مائة ألف درهم] [٥] فأنفقها كلها على الأدب [وأهله] [٦] .
وحكى الأصفهاني: أنه ورث من أبيه مصحفا فباعه واشترى بثمنه طنبورا.
وذكر الصولي أن الرشيد قال له: لم سميت الخاسر؟ فَقَالَ: بعت وأنا صبي مصحفا واشتريت بثمنه شعر امرئ القيس، وقد رزقني الله حفظ القرآن بعد ذَلِكَ، فقال لَهُ: فأنت الآن الرابح.
стр. 3055
قَالَ: وقيل إنهم رأوه يوما في سوق الدفاتر وقد باع مصحفا بشعر الأعشى، فقال له الناس: أنت والله الخاسر. فبقيت [١] عَلَيْهِ.
قَالَ: وكان مقتدرا على الشعر بلغ من اقتداره أنه اخترع شعرا على حرف واحد لم يسبق إليه، وأقل شعر سمع للعرب على حرفين، نحو قول دريد بن الصمة:
يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع [٢]
فقال سلم [الخاسر] [٣] لموسى الهادي شعرا على حرف واحد منه:
موسى المطر ... غيث بكر
ثم انهمر ... كم اعتسر
ثم اقتسر ... وكم قدر
ثم غفر ... عدل السير
باقي الأثر/ ... خير البشر
فرع مضر ... بَدْرٌ بَدَر
لمن نظر ... هو الوزر
لمن حضر ... والمفتخر
لمن غبر ... والمجتبر
لمن عثر
[٤] .
وذكر الخطيب أنه كان على طريقة غير مرضية من المجون والخلاعة والفسق، ثم تعرى وترك ذَلِكَ، فرقت حاله، فاغتم لذلك، ورجع إلى شر مما كان عليه أولا، فباع مصحفا كان لَهُ واشترى بثمنه دفترا فيه شعر، فشاع خبره في النَّاسَ فسموه: سلما الخاسر لذلك [٥] .
وكان من الشعراء المجيدين، وكان من تلامذة بشار، وصار يقول أرق من شعره، فغضب بشار، وكان بشار قد قَالَ:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
стр. 3056
فقال هو:
من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور
فغضب بشار وقَالَ: ذهب والله بيتي، تأخذ المعاني التي قد تعبت فيها فتكسوها [١] ألفاظا أخف من ألفاظي!؟ لا أرضى عنك. فما زالوا يسألونه حتى رضي عنه [٢] .
أخبرنا [أبو منصور] القزاز [قال] : أخبرنا [أبو بكر أحمد بْن علي بْن ثابت] [٣] الخطيب [قَالَ:] أخبرنا الجوهري، [قَالَ] : / أخبرنا طلحة بن محمد بن عُمَر قَالَ: قال محمد بن داود بن الجراح: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قَالَ: حدثني أحمد بن المبارك بن خَالِد قَالَ: حدثني الجواني [٤] الهاشمي قَالَ: حدثني أَبِي قَالَ: كان سلم قد كسب مالا بقصيدته التي مدح بها المهدي، التي أوّلها:
حضر الرحيل وشدّت الأحداج ... وحدابهنّ مشمر مزعاج
شربت بمكة من ذرى بطحائها ... ماء النبوة ليس فيه مزاج
وكان المهدي أعطى [هارون] [٥] بن أبي حفصة مائة ألف درهم، التي أولها [٦] :
طرقتك زائرة فحي خيالها.
فأراد أن ينقص سلما عن هذه الجائزة، فحلف سلم أن لا يأخذ إلا مائة ألف درهم، وألف درهم [٧] ، وقَالَ: تطرح القصيدتان إلى أهل العلم حتى يخيروا بتقديم قصيدتي، فأنفذ له المهدي مائة ألف درهم، وألف درهم، فلما بلغ إلى زمان الرشيد.
قال قصيدته التي أولها [٨] : /
قل للمنازل بالكثيب الأعفر ... أسقيت غادية السحاب الممطر
стр. 3057
قد بايع الثقلان مهدي الهدى ... لمحمد ابن زبيدة ابنة جعفر
فحشت زبيدة فاه درا، فباعه بعشرين [١] ألف دينار، وهذا حين بايع الرشيد لمحمد ابن زبيدة.
ومات سلم في أيام الرشيد وقد اجتمع عنده من المال قيمة ستة وثلاثين ألف دينار، فأودعها أبا السمراء الغساني، فبقيت عنده، وأتى [٢] إبراهيم الموصلي يوم [العيد] [٣] عند الرشيد وغناه فأطربه، فَقَالَ: يا إبْرَاهِيم، سل ما شئت. قَالَ: نعم يا سيدي، أسأل شيئا لا يرزأك، قَالَ: ما هُوَ؟ قَالَ: مات سلم وليس له وارث، وقد خلف ستة وثلاثين ألف دينار عند أبي السمراء الغساني، تأمره بدفعها إلي. فبعث إليه أن يدفعها إليه فدفعها. وكان الجماز بعد ذلك قدم هو وأبوه يطلبان ميراث سلم. وأنهما من قرابته [٤] .
وفي رواية: أن تركته كانت [٥] خمسين ألف دينار، وذكروا أنه لما قال أبو العتاهية:
/ تعالى الله يا سلم بن عمر ... وذل الحرص أعناق الرجال
غضب سلم وقَالَ: يزعم أني حريص، فقال يرد عَلَيْهِ:
ما أقبح التزهيد من واعظ ... يزهد الناس ولا يزهد
لو كان في تزهيده صادقا ... أضحى وأمسى بيته المسجد
ورفض الدنيا فلم يلقها ... ولم يك يسعى ويسترفد
[يخاف أن تنفذ أرزاقه ... والرزق عند الله لا ينفد] [٦]
والرزق مقسوم على ما ترى ... يناله الأبيض والأسود
стр. 3058
كلا يوفى رزقه كاملا ... من كف عن جهد ومن يجهد
قال أبو هفان: وصل إلى سلم من البرامكة خاصة عشرون ألف دينار، ومن الرشيد مثلها.
١٠١٥- شقران بن علي الإفريقي، صاحب الفرائض
[١] .
كان رجلا صالحا، بعبادته يضرب المثل [٢] . توفي في هذه السنة.
١٠١٦- عمرو بن زرارة بن واقد، أبو محمد، الكلابي النيسابوري
[٣] .
سَمِعَ معاذ بن معاذ، وسفيان بن عُيَيْنَة، وهشيم بن بشير، وابن علية، وغيرهم.
وقرأ القرآن/ على علي بن حمزة الكسائي. روى عنه: البخاري، ومسلم، وغيرهما.
وكان فوق الثقة.
١٠١٧- العباس بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ] [٤] العباس
[٥] .
كان من رجالات بني هاشم، وولي إمرة الجزيرة أيام الرشيد، وكان أجود الناس رأيا، وكان الرشيد يَقُولُ: عمي العباس. يذكرنا أسلافنا [٦] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي، قال: أَخْبَرَنَا الأزهري، أَخْبَرَنَا أحمد بْن إبراهيم بْن عرفة قَالَ: توفي العباس سنة خمس وثمانين ومائة، ولي العباس بن محمد- الذي تنسب إليه العباسية- الجزيرة، وصار إلى الرقة، وأمر الرشيد ففرش له في قصر الإمارة، واتخذت له فيه الآلات وشحن بالرقيق، وحمل إليه خمسة آلاف ألف درهم، وفي سنة ست وثمانين ومائة توفي العباس ببغداد في رجب، وصلى عليه الأمين، ودفن في العباسية وسنه خمس وستون سنة وستة أشهر، وستة عشر يوما [٧] .
стр. 3059
أخبرنا عبد الرحمن [١] ، أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: أخبرنا البيهقيّ قَالَ: حدثنا سهل بن أَحْمَد الديباجي قَالَ: حدثنا محمد بن أحمد بن الفضل قَالَ: حدثنا أبو سلمة هشام بن عمرو القرشي قال: قَالَ رجل للعباس بن مُحَمَّد: إني أتيتك لحاجة صغيرة.
فقال لَهُ: / اطلب لها رجلا صغيرا.
١٠١٨- يقطين بن موسى
[٢] .
كان أحد الدعاة إلى دولة بني الْعَبَّاس، وكان حازما داهية، ولما حبس مروان بن محمد إِبْرَاهِيم الإمام تحيرت الشيعة فلم تدر من الإمام بعده، فقال لهم يقطين: أنا أعلمكم. فمضى إلى الشام فوقف لمروان، فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، أنا رجل تاجر، قدمت بمتاع، فأدخلت إلى هيئة فابتاعه مني، ولم يزل يسوفني بثمنه، حتى جاءت رسلك فحبسته، فإن رأيت أن تجمع بيني وبينه وتأخذ لي بحقي. فقال مروان لبعض خدمه: يا غلام، امض معه إلى إبْرَاهِيم وقل له أخرج لهذا من حقه. فمضى معه إِلَيْهِ، فلما رآه قَالَ: يا عدو الله، إلى متى تمطلني [٣] ومن أمرت بدفع مالي إلي؟. فَقَالَ: إلى ابن الحارثية. فعاد إلى الشيعة فأعلمهم أن أبا العباس هو الإمام بعده [٤] .
стр. 3060
ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة
فمن الحوادث فيها:
قتل الرشيد جعفر بن يحيى [بن خالد] [١] ، وإيقاعه بالبرامكة [٢] .
فأما سبب غضبه على جعفر الذي قتله لأجله فقد اختلف فيه، وفي سبب تغيره عَلَى البرامكة.
فقال بختيشوع: إني لقاعد في مجلس الرشيد إذ طلع يحيى بن خَالِد، وكان يدخل بلا إذن، فلما صار بالقرب/ من الرشيد وسلم عليه رد عليه ردا ضعيفا، فعلم يحيى أن أمرهم قد تغير، ثم أقبل علي الرشيد فقال: يا بختيشوع، يدخل عليك في منزلك أحد بلا إذنك؟ فقلت: لا، ولا يطمع في ذلك، فَقَالَ: ما بالنا يدخل علينا بلا إذن. فقام يحيى فقال: يا أمير المؤمنين قدمني الله قبلك، والله ما ابتدأت ذلك الساعة، وما هو إلا شيء خصني به أمير المؤمنين، ورفع به ذكري حتى إن كنت لأدخل وهو في فراشه، وما علمت أن أمير المؤمنين كره ما كان يحب، وإذ علمت فإني أكون في الطبقة الثانية من أهل الإذن والثالثة إن أمرني سيدي بذلك. قَالَ: فاستحى، وكان من أرق الخلفاء وجها، وعيناه في الأرض، ما يرفع طرفة. ثم قَالَ: ما أردت ما تكره، ولكن [٣] الناس يقولون. وخرج يحيى [٤] .
стр. 3061
وقال ثمامة بن أشرس: رفع محمد بن الليث رسالة إلى الرشيد يعظه فيها ويقول:
إن يحيى بن خالد لا يغني عنك من الله شيئا، وقد جعلته فيما بينك وبين الله، فكيف أنت إذا وقفت بين يدي الله فسألك عما عملت في عباده وبلاده، فقلت: استكفيت يحيى أمور عبادك. أتراك تحتج بحجة يرضاها. مع كلام فيه توبيخ وتقريع، فدعى الرشيد يحيى وقد تقدم إِلَيْهِ خبر الرسالة، / فَقَالَ: تعرف محمد بن الليث؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: فأي الرجال هُوَ؟ قَالَ: متهم على الإسلام. فأمر به، فوضع في الحبس دهرا، فلما تنكر الرشيد للبرامكة ذكره فأمر بإخراجه، فأحضر فقال له بعد مخاطبة طويلة: يا محمد، أتحبني؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين. قَالَ: تَقُولُ هذا!؟ قَالَ: نعم، وضعت رجلي في الأكبال، وحلت بيني وبين العيال بلا ذنب أتيت، ولا حدث أحدثت [١] ، سوى قول حاسد يكيد الإسلام وأهله، ويحب الإلحاد وأهله، فكيف أحبك؟ قَالَ:
صدقت. وأمر بإطلاقه، ثم قَالَ: يا مُحَمَّد، أتحبني؟ قَالَ: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكن قد ذهب ما في قلبي. فأمر أن يعطى مائة ألف درهم، فأحضرت فَقَالَ: يا مُحَمَّد، أتحبني؟ قَالَ: أما الآن فنعم، قد أنعمت علي، وأحسنت إلي. قَالَ: انتقم الله ممن ظلمك، وأخذ لك بحقك ممن بعثني عليك. قال: فقال الناس في البرامكة، فأكثروا، وكان ذلك أول ما ظهر من تغير [٢] حالهم [٣] .
وقال محمد بن الفضل مولى سليمان بن أبي جعفر: دخل يحيى بن خالد بعد ذلك إلى الرشيد [٤] ، فقام الغلمان إِلَيْهِ فقال الرشيد لمسرور [الخادم] [٥] : مر الغلمان أن لا يقوموا إليه إذا دخل. فدخل فلم يقم إليه أحد، فاربد لونه، وكان الغلمان والحجاب بعد ذلك إذا رأوه أعرضوا عنه، فكان ربما استسقى الشربة فلا يسقونه [٦] .
/ وقال أبو محمد اليزيدي: من قال إن الرشيد قتل جعفر بن يحيى بغير سبب
стр. 3062
يحيى بن عبد الله بن حسن فلا تصدقه، وذلك أن الرشيد دفع يحيى إلى جعفر فحبسه، ثم دعي به ليلة من الليالي فسأله عن شيء من أمره فأجابه إلى أن قال لَهُ: اتق الله في أمري ولا تتعرض أن يكون خصمك غدا مُحَمَّد ﷺ ، فو الله ما أحدثت حدثا، ولا آويت [١] محدثا. فرق لَهُ وقَالَ: اذهب حيث شئت من بلاد اللَّه. قَالَ: وكيف أذهب ولا آمن أن أؤخذ بعد قليل. فأرد إليك أو على غيرك. فوجه إليه من أداه إلى مأمنه. وبلغ الخبر الفضل بن الربيع من عين كانت له عليه من خاص خدمه، فدخل على الرشيد فأخبره، فأراه أنه لا يعبأ بخبره وقَالَ: ما أنت وهذا، لا أم لك، فلعل ذلك عن أمري. فانكسر الفضل، وجاءه جعفر فدعا بالغداء فأكلا، وجعل يلقمه ويحادثه، إلى أن كان آخر ما كان بينهما أن قَالَ: ما فعل يحيى بن عبد الله؟ قال: بحاله يا أمير المؤمنين في الحبس الضيق والأكبال الثقيلة. فَقَالَ: بحياتي! فأحجم جعفر، وكان من أرق الخلق ذهنا، وأصحهم فكرا، فهجس في نفسه أنه قد علم بشيء من أمره، فقال: لا وحياتك يا سيدي، ولكن أطلقته وعلمت أنه لا حياة به [٢] ، ولا مكروه عنده. قَالَ: نعم ما فعلت، ما عدوت ما كان في نفسي. فلما خرج أتبعه بصره/ حتى كاد يتوارى عن وجهه، ثم قَالَ: قتلني الله بسيف الهدى [٣] على عمل الضلالة إن لم أقتلك. فكان من أمره ما كان [٤] .
وقال إدريس بن بدر: عرض رجل للرشيد فَقَالَ: نصيحة، فَقَالَ لهرثمة: خذ إليك الرجل وسله عن نصيحته. فسأله فأبى أن يخبره وقَالَ: هي سر من أسرار الخليفة. فأخبر هرثمة الرشيد [٥] فَقَالَ له: لا تبرح بالباب [٦] حتى أفرغ له. فلما كان في الهاجرة، وانصرف من كان عنده، دعا بِهِ، فَقَالَ: أخلني. فالتفت هارون إلى بنيه فَقَالَ: انصرفوا يا فتيان. فوثبوا، وبقي خاقان وحسين على رأسه، فنظر إليهما الرجل فَقَالَ: تنحيا عنا.
ففعلا، ثم أقبل على الرجل فَقَالَ: هات ما عندك. فَقَالَ: على أن تؤمنني. قال: على
стр. 3063
أن أؤمنك وأحسن إليك. قَالَ: كنت بحلوان في خان من خاناتها، فإذا أنا بيحيى بن عبد الله في دراعة صوف غليظة وكساء صوف [١] أخضر غليظ، وإذا معه جماعة ينزلون إذا نزل، ويرحلون إذا رحل، ويكونون منه برصد، يوهمون من رآهم أنهم لا يعرفونه وهم أعوانه، ومع [كلّ] [٢] واحد منهم منشور يأمن له إن عرض لَهُ. قال: تعرف يحيى بن عبد الله؟ قَالَ: أعرفه قديما، وذلك الّذي حقق معرفتي به بالأمس. قَالَ:
فصفه. قَالَ: مربوع، أسمر، رقيق البشرة، أجلح، حسن العينين/، عظيم البطن.
قَالَ: صدقت هو ذَلِكَ. قَالَ: فما سمعته يَقُولُ؟ قال: ما سمعته يقول شيئا غير أني رأيته يصلي، ورأيت غلاما من غلمانه أعرفه قديما جالسا على باب بالخان، فلما فرغ من صلاته أتاه بثوب غسيل، فألقاه في عنقه، ونزع الجبة الصوف، فقال لَهُ: أحسن الله جزاءك، وشكر سعيك، فمن أنت؟ قال: رجل من أبناء هذه الدولة، وأصلي من مرو، ومولدي مدينة السلام. قال: فمنزلك بها؟ قَالَ: نعم. فأطرق مليا، ثم قال: كيف احتمالك لمكروه تمتحن به في طاعتي؟ قَالَ: أبلغ من ذلك حيث أحب أمير المؤمنين.
قَالَ: كن بمكانك حتى أرجع. فدخل حجرة كانت خلف ظهره، فأخرج كيسا فيه ألفا دينار، فَقَالَ: خذ هذه ودعني وما أدبر فيك. فأخذها وضم عليها ثيابه، ثم قَالَ: يا غلام.
فأجابه خاقان وحسين، فَقَالَ: اصفعا [٣] ابن اللخناء، فصفعاه [٤] نحوا من مائة صفعة، ثم قَالَ: أخرجاه [٥] إلى من بقي في الدار [٦] وعمامته في عنقه، فقولا [٧] : هذا جزاء من يسعى ببطانة أمير المؤمنين وأوليائه! ففعلا [٨] ذلك وتحدثوا بخبره، ولم يعلم بحال الرجل أحد [٩] ، ولا بما ألقى إلى الرشيد حتى كان من أمر البرامكة ما كان [١٠] .
стр. 3064
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عبد الجبار قال: أخبرنا/ أبو محمد الجوهري قَالَ: أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قَالَ: حدثنا عبد الواحد بن محمد الخصيبي قال: حدّثني أبو الفضل ميمون بن مهران [١] قال: حدثتني أمية البرمكية [٢] قالت: الناس يكثرون في قصة البرامكة، وأوكد الأسباب فيما نالهم أن جعفر بن يحيى كان اشترى جارية [مغنية] [٣] يقال لها «فتينة» [٤] لم يكن لها نظير في الدنيا في حسن الخلق وسجاة وطيبة [٥] ، وكان ابن جامع إذا سمعها بكى ما دامت تغني، وكان غيره من الحذاق يسلمون لها، وكان شراؤها على جعفر مائة ألف دينار، فطلبها منه الرشيد فلم يدفعها إِلَيْهِ، فلم يكن إلا قليلا حتى نزل بهم ما نزل، فأخذت وأخذ جميع من معها من الجواري [٦] والعوامل، ثم جلس لنا وأدخلنا عليه وفي يد كل واحدة منا ما تعمل بِهِ، فأقبل يأمر واحدة واحدة، فتغني المغنية، وتزمر الزامرة، حتى بلغ إلى «فتينة» [٧] فقال لها: غني. فأمسكت، فقلنا لها ونحن نرعد: ويحك غني! فأسبلت دمعها وقالت: أما بعد السادة فلا. فحثثناها على ذلك فأبت، فنظر الرشيد إلى أقبح من على رأسه وهو الحارث بن بسيحر وقال: خذها، قد وهبتها لك. فأخذ بيدها ومضت معه، فلما ولت دعا الحارث وأسر إليه شيئا علمناه فيما بعد، أمره أن لا يقربها، إذ كان إنما أراد كسرها، ثم أمر بصرفنا فانصرفنا، ومكثنا أياما، ثم ذكرنا فأمر بإحضارنا/ على السبيل التي حضرناها [أولا] [٨] ، فلما وقفنا بين يديه قال للحارث: ما فعلت فلانة؟ يعني: فتينة. قال:
стр. 3065
هي قبلي يا أمير المؤمنين. قَالَ: هاتها. فأحضرها وجلست وجلسنا، فأخذنا في شأننا وقَالَ: هيه غني. فعصرت عينيها ثم بكت [١] وقالت: أما بعد السادة فلا. فغضب الرشيد وقَالَ: سيف ونطع، ثم قال لها: غني. فردت مثل قولها الأول، وأسبلت الدموع، وذهبت عقولنا نحن، ووقعت علينا الرعدة من شدة الخوف، فقال للسياف: انظر إلى يدي، فإذا عقدت لك بالخنصر اثنين فأمسك [٢] ، فإذا عقدت بالوسطى ثلاثا فاضرب.
فأخذ السياف السيف ووقف وراءها شاهرا به. فقال لها الرشيد: غني: فقالت: أما بعد السادة فلا، وهي تبكي وقد علا بكاؤها، فعقد بيده واحدة، ثم قَالَ لها ثانية فقالت القول الأول، فعقد اثنين، ورفع يديه يريها السياف وأقبل يحرك الوسطى ويقول لها: غني.
وأقبلنا عليها نناشدها في نفسها وفينا [٣] ، فاندفعت تغني:
لما رأيت الديار قد درست ... أيقنت أن النعيم لم يعد
فوثب إليها الرشيد، فأخذ العود من يدها، وأقبل يضرب به وجهها ورأسها حتى تفتت، وأقبلت الدماء، وتطايرنا نحن، وحملت من بين يديه وقيدة [٤] ، فمكثت ثلاثا/ وماتت [٥] .
وروى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري [٦] سببا [٧] عجبا في خبر البرامكة في هلاك جعفر قال: كان الرشيد لا يصبر عن جعفر وأخته عباسة بنت المهدي، وقال لجعفر: أزوجكها ليحل لك النظر إليها، ولا تمسها. فكانا يحضران مجلسه، ثم يقوم عن مجلسه ويخليهما، فيقوم إليها جعفر فيجامعها، فحبلت منه، فولدت غلاما، وخافت من [٨] الرشيد، فلم يزل الأمر مستورا، ووجهت المولود مع خواص لها من
стр. 3066
مماليكها إلى مكة، فلم يزل الأمر مستورا عن الرشيد حتى [١] وقع بين عباسة وبعض جواريها شر، فأنهت أمرها [وأمر الصبي] [٢] إلى الرشيد، وأخبرت بمكان الصبي، ومع من هو من جواريها، وما معه من الحلي الذي كانت زينته بها أمه [٣] ، فلما حج هارون هذه الحجة أرسل إلى الموضع من يأتيه بالصبي وحواضنه، فلما حضرن سأل اللواتي معهن الصبي، فأخبرنه بمثل القصة التي أخبرته بها الرافعة على عباسة، وكان ذلك سبب ما نزل بهم [٤] .
وقد ذكر [أبو بكر] [٥] الصولي أن علية بنت المهدي قالت للرشيد: ما رأيت لك يوم سرور منذ قتلت جعفرا، فلأي شيء قتلته؟ فَقَالَ: لو علمت أن قميصي يعلم السبب الذي قتلت له جعفرا لأحرقته. وكان يحيى بن خالد قد كتب إلى جعفر: إني إنما أهملتك ليعثر الزمان بك عثرة يعرف بها أمرك، وإن كنت أخشى أن تكون التي لا سوى لها. وقال يحيى للرشيد: يا أمير المؤمنين، أنا والله أكره مداخلة جعفر معك، ولست آمن أن ترجع العاقبة في ذلك علي منك، فلو أعفيته واقتصرت/ به على ما يتولاه من جسيم أعمالك كان ذلك واقعا بموافقتي. قَالَ الرشيد: يا أبت، ليس بك ذلك [٦] ، ولكن [٧] تريد أن تقدم عليه الفضل.
وقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِي بْن المحسن التنوخي، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الحسين علي بن هشام قال: سمعت الحسن بن عيسى يَقُولُ: الشره قتل جعفر بن يحيى. فقيل لَهُ: إن الناس يقولون إن ذنبه أمر بعض أخوات الرشيد.
فَقَالَ: هذا من رواية الجهال من كان يجسر على الرشيد بهذا إنما كان جعفر قد حاز ضياع الدنيا لنفسه، وكان الرشيد إذا سافر لا يمر بضيعة أو بستان إلا قيل: هذا لجعفر.
стр. 3067
فما زال ذلك في نفسه، ثم جنى على نفسه بأن وجه برأس بعض الطالبيين في يوم نيروز من غير أن يكون قد أمره بقتله، فاستحل بذلك دمه.
وقيل: بل أرادت البرامكة إظهار الزندقة وإفساد الملك فقتلهم لذلك.
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك [١] ، ومحمد بن ناصر قالا: أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَبْد الجبار، أخبرنا أبو عبد الله النصيبي، أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن سُوَيْد، حدثنا أبو بكر الأنباري قَالَ: حدثني أَبِي، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن المدائني قَالَ: قال أبو زكار [٢] الأعمى: كنت عند جعفر البرمكي في الليلة التي قتل فيها وهو يغني بهذا الشعر:
فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يبكر أو يغادي
وكل ذخيرة لا بد يوما ... وإن بقيت تصير إلى نفاد/
فلو فوديت من حدث الليالي ... فديتك بالطريف وبالتلاد
فقلت: يا سيدي، ممن أخذت هذا الشعر. قَالَ: من أحسن شعرا من حكم الوادي. فما قام عن موضعه حتى جاء مسرور غلام الرشيد فأخذ رأسه [٣] .
قال علماء السير [٤] : لما انصرف الرشيد عن الحج في سنة ست وثمانين قال مسرور الخادم: سَمِعْتُ الرشيد يقول في الطواف: اللَّهمّ إنك تعلم أن جعفر بن يحيى قد وجب عليه القتل، وأنا أستخيرك في قتله فخر لي. قالوا: ثم عاد إلى الأنبار وبعث إليه بمسرور وحماد بْن سالم، والمغني يغني:
فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يبكر أو يغادي
قال مسرور: الذي جئت فيه من ذاك قد والله طرقك، أجب أمير المؤمنين. قال:
فوقع عَلَى رجلي يقبلها ويقول: حتى أدخل فأوصي. فقلت: أما الدخول فلا سبيل إِلَيْهِ، ولكن أوص بما شئت. فتقدم في وصيته بما أراد، وقَالَ: كل مال لي فهو صدقة، وكل
стр. 3068
عَبْد لي فهو حر، وكل من لي عنده وديعة أو حق فهو في حل. ثم أتت رسل الرشيد تستحث مسرورا، فأخرجه إخراجا عنيفا، حتى أتى به المنزل الذي فيه الرشيد، فحبسه وقيده بقيد حمار، وأخبر الرشيد فَقَالَ: ائتني برأسه. فجاء إلى جعفر وأخبره، فقال: الله الله، والله ما أمرك بما أمرك به إلا وهو/ سكران، فدافع بأمري [حتى أصبح] [١] أؤامره في ثانية. فعاد ليؤامره، فَقَالَ: يا ماص بظر أمه ائتني برأس جعفر. فرجع إليه فأخبره فقال:
عاوده ثالثة. فأتاه فحذفه بعمود وقَالَ: نفيت من المهدي إن جئتني ولم تأتني برأسه لأرسلن إليك من يأتيني برأسك، فأتاه برأسه [٢] .
وكان قتله ليلة السبت أول ليلة من صفر سنة سبع وثمانين بأرض الأنبار، وهو ابن سبع وثلاثين سنة، ثم أمر بنصب رأسه على الجسر، وتقطيع بدنه، وصلب كل قطعة على جسر، فلم يزل كذلك حتى مر عليه الرشيد حين خروجه إلى خراسان، فَقَالَ:
ينبغي أن يحرق هذا. فأحرق.
قال علماء السير: وجه الرشيد في ليلة قتل جعفر من أحاط بيحيى بن خالد وجميع ولده ومواليه ومن [كان] [٣] منهم [٤] بسبيل، فلم يفلت منهم أحد كان حاضرا، وحول الفضل بن يحيى ليلا فحبس في ناحية من منازل الرشيد، وحبس يحيى بن خالد في منزله، وأخذ ما وجد لهم من مال وضياع ومتاع وغير ذَلِكَ، ومنع أهل العسكر من أن يخرج منهم خارج إلى مدينة السلام أو إلى غيرها، ووجه من ليلته رجاء الخادم إلى الرقة في قبض أموالهم، وما كان من رقيقهم ومواليهم وحشمهم، وفرق الكتب من ليلته في جميع الغلمان في نواحي البلدان والأعمال بقبض أموالهم وأخذ [٥] وكلائهم [٦] فلما أصبح كتب إلى السندي بتوجيه جثة [٧] جعفر إلى مدينة السلام، ونصب رأسه على
стр. 3069
الجسر الأوسط، وقطع جثته وصلب [١] كل قطعة على/ الجسر الأعلى والجسر الأوسط. ففعل السندي ذَلِكَ، وأمر بالنداء في جميع البرامكة أن لا أمان لمن أمنهم أو آواهم [٢] إلا محمد بن خالد وولده وأهله وحشمه، فإنه استثناهم لما ظهر من نصيحة محمد لَهُ، وعرف براءته مما دخل فيه غيره من البرامكة، وخلى سبيل يحيى قبل شخوصه مع العم، ووكل بالفضل، ومحمد، وموسى، وأبي المهدي صهرهم حفظة من قبل هرثمة بن أعين إلى أن وافى بهم الرقة، وأتى بأنس بن أبي شيخ صبيحة الليلة التي قتل فيها جعفر فأمر بقتله، وكان من أصحاب البرامكة، وكان قد رفع [إليه] [٣] عنه أنه على الزندقة [٤] .
وقيل ليحيى بن خَالِد أن الرشيد قد قتل ابنك، فَقَالَ: كذلك يقتل ابنه [٥] .
أنبأنا مُحَمَّد بْن أبي طاهر البزاز، أنبانا علي بن المحسن التنوخي، عن ابنه قال:
حدثني علي بن هشام، أخبرنا علي بن عيسى قَالَ: حدثنا أبي، حدثنا داود بن الْجَرَّاح قَالَ: قال لي الفضل بن مروان قَالَ: كنت أعمل في أبواب ضياع الرشيد الحساب، فنظمت في حساب السنة التي نكب فيها البرامكة، فوجدت ثمن هدية دفعتين من مال الرشيد أهداهما إلى جعفر بن يحيى بضعة عشر ألف دينار، وفيه بعد شهور من هذه الهدية قد بينا الحساب لثمن نفط وحب قطن ابتيع فأحرق به جثة جعفر بن يحيى بضعة عشر قيراطا ذهبا.
وقد ذكر [أبو بكر] [٦] الصولي: أن الرشيد كان يقول، لعن الله من أغراني بالبرامكة، ما رأيت رخاء بعدهم، ولا وجدت لذة راحة.
قال الصولي: / وحدثنا الغلابي، حدثنا العتبي قَالَ: قال لي الرشيد بعد قتل
стр. 3070
البرامكة: وددت والله إني شوطرت عمري، وغرمت نصف ملكي، وأني تركت البرامكة على أمرهم.
أخبرنا القزاز، أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرني الأزهري، أخبرنا محمد بن العباس قَالَ: أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف قال: أخبرني أبو النضر هشام بن سعيد الزُّهْرِيّ قَالَ: أخبرني أَبِي قَالَ: لما صلب الرشيد جعفر بن يحيى وقف الرقاشي الشاعر [١] فَقَالَ:
أما والله لولا خوف [٢] واش ... وعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام
فما أبصرت قبلك يا ابن يحيى ... حساما فله السيف الحسام
على اللذات [٣] والدنيا جميعا [٤] ... ودولة آل برمك السلام
فقيل للرشيد، فأمر به فأحضر فقال لَهُ: ما حملك على ما فعلت؟ قَالَ: تحركت نعمته في قلبي فلم أصبر. قَالَ: كم أعطاك؟ قَالَ: كان يعطيني كل سنة ألف دينار. قال:
فأمر له بألفي دينار [٥] .
أخبرنا القزاز أخبرنا [أحمد بن علي] [٦] الخطيب. قَالَ: أخبرنا محمد بن عبد الْوَاحِدِ [بْن عَلِيّ] [٧] البزاز قَالَ، أَخْبَرَنَا أَبُو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي قَالَ:
أخبرنا محمد بن أَبِي الأزهر قَالَ: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عمي مصعب بن عبد الله قَالَ: لما قتل جعفر بن يحيى وصلب بباب الجسر رأسه، وفي الجانب الغربي جسده، وقفت امرأة على حمار فاره، فنظرت إلى رأسه فقالت بلسان فصيح: / والله لئن
стр. 3071
صرت اليوم آية لقد كنت في المكارم [١] غاية، ثم أنشأت تَقُولُ:
لما رأيت السيف خالط جعفرا ... ونادى مناد للخليفة في يحيى
بكيت على الدنيا وأيقنت أنما ... قصارى الفتى يوما مفارقة الدنيا
وما هي إلا دولة بعد دولة ... تخول ذا نعمى وتعقب ذا بلوى
إذا أنزلت هذا منازل رفعة ... من الملك حطت ذا إلى الغاية القصوى
ثم إنها حركت الحمار الذي تحتها وكأنها [كانت] ريحا لم يعرف لها أثر [٢] .
وفي هذه السنة: هاجت العصبية بدمشق بين المضرية واليمانية، فوجّه الرشيد محمد بن منصور فأصلح بينهم [٣] .
وفيها: زلزلت المصيصة فانهدم بعض سورها، ونضب ماؤهم ساعة [من الليل] [٤] .
وفيها: غزا هارون الروم، وافتتح هرقلة فظفر بابنة بطريقها فاستخلصها لنفسه، وأغزى ابنة القاسم الصائفة، ووهبه للَّه ، وجعله قربانا له ووسيلة، وولاه العواصم، فدخل أرض الروم في شعبان، فأناخ على حصن سنان، فجهدوا، فبعث إليه [ملك] [٥] الروم يبذل له إطلاق ثلاثمائة أسير وعشرين أسيرا من أسارى المسلمين على أن يرحل عنهم، ففعل [٦] .
وفيها: غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح وحبسه، وكان بلغه أنه يروم
стр. 3072
الخلافة، فلم يزل محبوسا حتى توفي الرشيد، فأطلقه محمد، وعقد له على الشّام [١] .
وفيها: نقض صاحب الروم الصلح الذي كان جرى بين الذي/ قبله وبين المسلمين، ومنع ما كان ضمنه الهالك لهم، وكان سبب النقض: أن الروم كانت عليهم امرأة تملكهم، فخلعوها وملكوا عليهم نقفور، فكتب إلى الرشيد:
من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد: فإن الملكة التي كانت قبلي [٢] أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أمثاله إليها [٣] ، لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد [٤] ما حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك، وإلا فالسيف بيننا وبينك.
فلما أن [٥] قرأ الكتاب استفزه الغضب، حتى لم يمكن أحدا أن ينظر إليه دون أن يخاطبه، وتفرق جلساؤه خوفا، واستعجم الرأي على الوزير [من] [٦] أن يشير عليه أو يتركه برأيه، فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم. من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه. والسلام.
ثم شخص من يومه، وسار حتى أناخ بباب هرقلة، ففتح وغنم، واصطفى، وخرب وأحرق، واصطلم. فطلب نقفور الموادعة على خراج يؤديه في كل سنة، فأجابه إلى ذلك، فلما/ رجع من غزوته، وصار بالرقة نقض نقفور العهد، وخان الميثاق، وكان البرد شديدا، فيئس نقفور من رجوعه إليه، فأتى الخبر بارتداده عما أخذ عَلَيْهِ، فلم يتهيأ لأحد إخباره بذلك إشفاقا عَلَيْهِ وعلى أنفسهم من الكرّة في مثل تلك الأيام، فاحتيل
стр. 3073
لَهُ بشاعر من أهل جدة يقال لَهُ: أبو محمد عبد الله بن يوسف فأخبره بذلك في أبيات [١] .
وفي هذه السنة: قتل إبراهيم بن محمد [بن عثمان] [٢] بن نهيك. وقيل: إنما قتل في سنة ثمان وثمانين [٣] .
وسبب قتله: أنه كان كثيرا ما يذكر البرامكة فيبكي حبا لهم، إلى أن خرج من حد البكاء ودخل في باب طالبي الثأر، فكان إذا خلا بجواريه فشرب وسكر قَالَ: يا غلام، سيفي، فيجيء غلامه بالسيف، فينتضيه ثم يقول: وا جعفراه، وا سيداه، والله لأقتلن قاتلك. فلما كثر هذا من فعله جاء ابنه [٤] عثمان إلى الفضل بن الربيع فأخبره، فأخبر الفضل الرشيد، فَقَالَ: أدخله. فأدخله فَقَالَ: ما الذي قال عنك الفضل؟ فأخبره بقول أبيه وفعله [٥] . فقال الرشيد: فهل سمع هذا أحد معك؟ قَالَ: نعم، خادمه. فدعا خادمه/ سرا فسأله، فَقَالَ: قد قال ذلك غير مرة [٦] . فَقَالَ الرشيد: ما يحل لي أن أقتل وليا من أوليائي بقول غلام وخصي [٧] ، لعلهما تواصيا على هذا. فأراد أن يمتحن إبْرَاهِيم، فقال للفضل: إذا حضر الشراب فادعه، فإذا شرب خلني وإياه. ففعل ذَلِكَ الفضل، فلما خلا به الرشيد قَالَ: يا إبراهيم، كيف أنت وموضع السر من قلبك [٨] ؟ قال: يا سيدي، أنا كأحسن عبيدك وأطوع خدمك. قَالَ: إن في نفسي. أمرا أريد أن أودعك إياه قد ضاق صدري، وأسهد [٩] ليلي. قَالَ: إذا أخفيه أن تعلمه نفسي. قَالَ: ويحك! قد ندمت على قتل جعفر بن يحيى ندامة ما أحسن أن أصفها، فوددت أني خرجت من ملكي، وأنه كان بقي لي، فما وجدت طعم النوم [١٠] منذ فارقته، ولا لذة العيش منذ قتلته. فلما سمعها
стр. 3074
إبراهيم أسبل دمعه، وقَالَ: رحم الله أبا الفضل وتجاوز عَنْه، والله يا سيدي لقد أخطأت في قتله. فقال الرشيد: قم عليك لعنة الله يا ابن اللخناء [١] ! فقام ما يعقل، فانصرف إلى ابنه [٢] فقال: يا بني [٣] ، ذهبت والله نفسي. فما كان إلا ثلاث ليال حتى قتل [٤] .
وفيها حج بالناس عُبَيْد الله بن العباس بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس [٥] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٠١٩- جعفر بن يحيى بن خالد، أبو الفضل البرمكي
[٦] .
كانت له فصاحة وبلاغة وكرم زائد، وكان أبوه يحيى بن خالد قد ضمه إلى القاضي أَبِي يوسف ففقهه، فصار له اختصاص بالرشيد. وقيل إنه وقع له [٧] في ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع، فنظر في جميعها فلم يخرج شيء منها عن موجب الفقه.
أخبرنا [أبو منصور] القزاز قال: أخبرنا [أبو بكر أحمد بْن علي بْن ثابت] [٨] .
الخطيب قَالَ: أخبرنا الجوهري قَالَ: أخبرنا محمد بن عمران بن المرزباني قال: حدثنا عبد الواحد بن محمد الخصيبي قَالَ: سمعت علي بن الحسين الإسكافي يحدث
стр. 3075
قَالَ [١] : كان [٢] أحمد بن الجنيد الإسكافي وكان أخص الناس بجعفر بن يحيى البرمكي، وكان النَّاسَ يقصدونه في حوائجهم إلى جعفر، وإن رقاع الناس كثرت في خف أحمد بن الجنيد، فلم يزل كذلك إلى أن تهيأت له الخلوة بجعفر فقال لَهُ: جعلني الله فداك، قد كثرت رقاع النَّاسَ معي وأشغالك كثيرة، وأنت اليوم خال، فإن رأيت أن تنظر فيها. فقال له جعفر: على أن تقيم عندي اليوم. فَقَالَ: نعم. فصرف دوابه وأقام، فلما تغدوا جاءه بالرقاع، فقال له جعفر: هذا وقت ذا دعنا اليوم، فأمسك عنه وانصرف ولم ينظر في الرقاع، فلما كان بعد أيام خلا به، فأذكره [٣] [الرقاع] [٤] ، فقال: نعم، على أن تقيم عندي اليوم. فأقام عنده، ففعل به مثل الفعل/ الأول، حتى فعل به ذلك ثلاثا، فلما كان ذلك في آخر يوم أذكره فَقَالَ: دعني الساعة. وناما، فانتبه جعفر قبل أَحْمَد، فقال لخادم له: اذهب إلى خف أحمد بن الجنيد فجئني بكل رقعة فيه، وانظر لا يعلم أحمد. فذهب الغلام، وجاء بالرقاع، فوقع فيها جعفر عن آخرها بخطه بما أحب أصحابها، ووكد ذَلِكَ، ثم أمر الغلام أن يردها إلى الخف، فردها، فانتبه أحمد ولم يقل فيها شيئا، وانصرف أَحْمَد، فركب يعلل أصحاب الرقاع بها أياما، ثم قال لكاتب لَهُ:
ويحك هذه الرقاع قد أخلقت في خفي، وهذا ليس ينظر فيها، فخذها فتصفحها، وجدد ما أخلق منها. فأخذها الكاتب، فنظر فيها، فوجد الرقاع موقعا فيها بما سأل أصحابها، فتعجب من كرمه ونبل أخلاقه، ومن أنه قضى حاجته ولم يعلمه بها لئلا يظن أنه اعتد بها عَلَيْهِ [٥] .
أخبرنا أبو منصور القزاز [٦] ، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: أخبرنا أبو القاسم الأزهري حدثنا محمد بن العباس الخزَّاز، حدثنا محمد بن خلف بن
стр. 3076
المرزبان، حدثنا يعقوب النَّخْعي، حدثنا علي بن زيد كاتب العباس المأمون قَالَ:
حدثني محمد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قَالَ: حدثني أَبِي قَالَ: حج هارون الرشيد ومعه جعفر بن يحيى البرمكي. قَالَ: وكنت معهم، فلما صرنا إلى مدينة رسول الله ﷺ قال لي جعفر بن يحيى: أحب أن تنظر لي جارية، / ولا تبقى غاية في حذاقتها بالغناء والضرب، والكمال في الظرف [١] والأدب، وجنبني قولهم صفراء. قَالَ:
فأرشدت إلى جارية لرجل، فدخلت عليه فرأيت رسول النعمة، وأخرجها إلي فلم أر أجمل منها ولا أصبح ولا آدب، ثم تغنت إلي أصواتا فأجادتها. قَالَ: فقلت لصاحبها:
قل ما شئت. قال: أقول لك قولا ولا انقص منه درهما. قَالَ: قُلْتُ: قل. قَالَ: أربعين ألف دينار. قال: قُلْتُ: قد أخذتها وأشترط عليك نظرة قَالَ: ذاك لك [٢] . قَالَ: فأتيت جعفر بن يحيى. فقلت لَهُ: قد أصبت حاجتك على غاية الظرف والأدب والجمال ونقاء اللون وجوده الضرب، وقد اشترطت نظرة [٣] ، فاحمل المال ومر بنا [٤] . فحمل المال على حمالين، وجاء جعفر مستخفيا، فدخلنا على الرجل، فأخرجها، فلما رآها جعفر أعجب بها، وعرف أن قد صدقته، ثم غنّته فازداد بها عجبا، فقال لي: اقطع أمرها.
فقلت لمولاها هذا المال، قد وزناه ونقدناه، فإن قنعت وإلا فوجه إلى من شئت لينقد.
فَقَالَ: لا بل أقنع بما قلتم. قَالَ: فقالت الجارية: يا مولاي في أي شيء أنت؟ فَقَالَ: قد عرفت ما كنت [٥] فيه من النعمة، وما كنا [٦] فيه من انبساط اليد، وقد انقبضت عن ذلك لتغير الزمان [علينا] [٧] ، فقدرت أن تصيري إلى هذا الملك فتنبسطي في شهواتك وإرادتك. فقالت الجارية: والله يا مولاي لو ملكت منك ما ملكت مني ما بعتك بالدنيا وما فيها، وبعد فاذكر العهد/ الذي بيني وبينك. وقد كان حلف لها أن لا يأكل لها ثمنا.
стр. 3077
فتغرغرت عينا المولى، وقَالَ: اشهدوا أنها حرة لوجه الله تعالى، وإني قد تزوجتها وأمهرتها داري. قَالَ: فقال لي جعفر: انهض بنا. قَالَ: فدعوت الحمالين ليحملوا المال فقال جعفر: والله لا يصحبنا منه درهم، [ثم قال لمولاها: بارك الله لك فيه، انفقه عليها وعليك] [١] . قَالَ: وقمنا فخرجنا [٢] .
أخبرنا القزاز قَالَ: أخبرنا [أحمد بن علي] [٣] الخطيب قال: أخبرنا سلام بن الحسن المقرئ قَالَ: أخبرنا علي بن عمر الحافظ قَالَ: حدثنا إبراهيم بن حمَّاد قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بن أَبِي سعد [٤] قَالَ: حدثني محمد بن أحمد بن المبارك العبدي قَالَ:
حدثني عبد الله بن علي أبو مُحَمَّد قَالَ: لما غضب [الرشيد] [٥] على البرامكة أصيب في خزانة لجعفر بن يحيى في جرة ألف دينار، في كل دينار مائة دينار، على أحد جانبي كل دينار منها:
وأصفر من ضرب دار الملوك ... يلوح على وجهه جعفر
يزيد على مائة واحدا ... متى تعطه معسرا يوسر
[٦] .
[قال المصنف: وقد ذكرنا السبب الذي أوجب قتل جعفر، ونكب البرامكة فلا نحتاج إلى إعادة.
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، ومحمد بن ناصر قالا: أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَبْد الجبار قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ محمد النصيبي قَالَ: أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن سُوَيْد قَالَ: حدثنا أبو بكر الأنباري قَالَ: حدثني أبي قَالَ: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن المدائني قَالَ: قال أبو زكار الأعمى [٧] : كنت عند جعفر بن
стр. 3078
يحيى البرمكي في الليلة التي قتل فيها وهو يغني بهذا الشعر:
فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يبكر أو يغادي [١]
وكل ذخيرة لا بد يوما ... وإن بقيت تصير إلى نفاد
فلو فوديت من حدث الليالي ... فديتك بالطريف وبالتلاد
فقلت لَهُ: يا سيدي، ممن أخذت هذا الشعر؟ فَقَالَ: أخذته من أحسن الناس شعرا [من] [٢] حكم الوادي. فما قام عن موضعه حتى جاء مسرور غلام الرشيد فأخذ رأسه] [٣] .
أخبرنا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أَخْبَرَنَا أبو يعلي أَحْمَد بن عبد الواحد قَالَ: أَخْبَرَنَا إسماعيل بن سعيد المعدل قَالَ: حدثنا الحسين بن الفهم قَالَ:
أخبرني الحسين بن سعيد العنبري قَالَ: حدثني حماد بن إسحاق، عن أَبِيهِ قَالَ: قال أبو يزيد الرياحي: كنت قاعدا عند خشبة جعفر بن يحيى البرمكي أتفكر في زوال ملكه، وحاله التي صار إليها إذ أقبلت امرأة راكبة لها رواء وهيئة، فوقفت على جعفر فبكت فأحزنت [٤] ، / وتكلمت فأبلغت، وقالت: أما والله لئن أصبحت في الناس آية، لقد بلغت فيهم الغاية، ولئن زال ملكك، وخانك دهرك، ولم يطل بك عمرك، لقد كنت المغبوط حالا، الناعم بالا، يحسن بك الملك، فاستعظم الناس فقدك إذ لم يستخلفوا ملكا بعدك، فنسأل الله الصبر على عظيم الفجيعة وجليل الرزية التي لا تستعاض بغيرك، والسلام عليك وداع غير قال ولا ناس لذكرك، ثم أنشأت تَقُولُ:
العيش بعدك مر غير محبوب ... ومذ صلبت ومقنا كل مصلوب
أرجو لك الله ذا الإحسان إن له ... فضلا علينا وعفوا غير محسوب
ثم سكتت [٥] ساعة وتأملته، ثم أنشأت تقول:
стр. 3079
عليك من الأحبة كل يوم ... سلام الله، ما ذكر السلام
لئن أمسى صداك برأي عين ... على خشب حباك بها الإمام
فمن ملك إلى ملك برغم ... من الأملاك أسلمك الحمام
[١] أخبرنا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: أخبرنا عمر بن جعفر بن محمد بن مُسْلِم قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ:
حدثني إسماعيل بن مُحَمَّد قال: لما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر بن يحيى وما نزل بالبرامكة حول وجهه إلى القبلة/ وقال: اللَّهمّ إنه كان قد كفاني مئونة الدنيا فاكفه مئونة الآخرة [٢] .
أخبرنا أبو منصور القزاز قال أخبرنا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلي مُحَمَّد بْن الحسين الجازري قال: حدثنا المعافى بن زكريّا (ح) [٣] .
وأخبرنا محمد بن ناصر قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عبد الواحد قَالَ: حدثنا مُحَمَّد بْن عبد الرحيم المازني قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو علي الحسين بْن القَاسِم الكوكبي قَالَ: حدثنا أبو بكر الضرير قَالَ: حدثني غسان بن عمر القاضي، عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي قَالَ: دخلت على أمي في يوم أضحى وعندها امرأة برزة في أثواب دنسة رثه، فقالت لي: أتعرف هذه؟ قُلْتُ: لا. قالت:
هذه عبادة أم جعفر بن يحيى بن خالد. فسلمت عليها ورحبت بها، وقلت لها: يا فلانة، حدثيني ببعض أمركم. قالت: أذكر لك جملة كافية فيها اعتبار لمن اعتبر، وموعظة لمن فكر، لقد هجم علي مثل هذا العيد وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أن جعفرا ابني عاق بي، وقد أتيتكم في هذا اليوم [أسألكم] [٤] جلد شاتين أجعل أحدهما شعارا والآخر دثارا [٥] .
стр. 3080
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ، أَنْبَأَنَا عَلي بْن أبي على البصري، عن أبيه، أن مسروا قَالَ: استدعاني المأمون فقال لي: قد أكثر علي أخبار السر بأن شيخا يأتي خراب البرامكة فيبكي وينتحب طويلا ثم ينشد شعرا يرثيهم به وينصرف، فاركب أنت ودينار بْن عَبْد الله/ واستتر بالجدران، فإذا جاء وشاهدتما ما فعل وسمعتما ما قال فأتياني به، فركبنا مغلسين، فأتينا الموضع فاختفينا فيه وأبعدنا الدواب، فلما أصبحنا إذا بخادم أسود قد أقبل ومعه كرسي حديد، فطرحه وجاء على أثره كهل فجلس على الكرسي وتلفت فلم ير أحدا، فبكى وانتحب حتى قلت قد فارق الدنيا، ثم أنشأ يَقُولُ:
ولما رأيت السيف خلل جعفرا ... ونادى مناد للخليفة في يحيى
[١] وذكر أبياتا قد تقدمت، فلما قام قبضنا عَلَيْهِ، فقال: ما تريدان مني. قُلْتُ: هذا دينار بْن عَبْد الله وأنا مسرور خادم أمير المؤمنين وهو يستدعيك فالبس، ثم قَالَ: إني لا آمنه عَلَى نفسي، فأمهلني حتى أوصي. قُلْتُ: شأنك. فسرنا معه فوقف على دكان رجل واستدعى دواة وبيضاء، فكتب فيها وصيته، ودفعها إلى خادمه، وسرنا بِهِ، فلما مثل بين يدي الخليفة زبره وقَالَ: من أنت؟ وبم استحق منك البرامكة ما تصنع [٢] . فقال غير هائب ولا محتشم: يا أمير المؤمنين، إن للبرامكة عندي أيادي خضراء، فإن أمر أمير المؤمنين حدثته ببعضها. فَقَالَ: هات. فقال: أنَا المنذر بن المغيرة الدمشقي، نشأت في نعمة فزالت حتى أفضت إلى بيع داري، وأملقت إلى [غير] [٣] غاية، فأشير علي بقصد البرامكة، فخرجت إلى بغداد/ ومعي نيف وعشرون امرأة وصبيا، فدخلت بهم إلى [مسجد] [٤] ببغداد، ثم خرجت وتركتهم جياعا لا نفقة لهم، فمررت بمسجد فيه جماعة عليهم أحسن زي، فجلست معهم أردد في صدري ما أخاطبهم به فتحيد نفسي عن ذل السؤال [٥] ، فإذا خادم قد أزعج القوم، فقاموا فقمت معهم، فدخلوا دارا كبيرة، فدخلت معهم، فإذا يحيى بن خالد على دكة وسط بستان، فجلسوا وجلست، وكنا مائة
стр. 3081
رَجُل ورجل، فخرج مائة خادم وخادم، في يد كل واحد منهم مجمرة [١] ذهب، فيها قطعة عنبر، فسجروا العود، وأقبل يحيى على القاضي فَقَالَ زوج ابن عمي هذا بابنتي عائشة فخطب وعقد النكاح، فأخذنا النثار من فتات المسك وبنادق العنبر وتماثيل الند، فالتقط النَّاسَ والتقط، ثم جاءنا الخدم في يد كل واحد منهم صينية فضة، فيها ألف دينار، مخلوط بالمسك، فوضع بين يدي كل واحد واحدة، فأقبل كل واحد يأخذ الدنانير في كمه، والصينية تحت إبطه، ويخرج، فبقيت وحدي، لا أجسر أفعل ذَلِكَ، فغمزني بعض الخدم وقَالَ: خذها [وقم] [٢] ، فأخذتها وقمت، وجعلت أمشي، والتفت/ [خوفا من أن يؤخذ مني،] [٣] ويحيى يلاحظني من حيث لا أفطن، فلما قاربت الستر رددت فيئست من الصينية، فجئت فأمرني بالجلوس، فجلست فسألني عن حالي فحدثته بقصتي، فبكى، ثم قَالَ: علي بموسى. فجاءه، فَقَالَ: يا بني، هذا رجل من أولاد النعم، قد رمته الأيام بصرفها، فخذه واخلطه بنفسك، فأخذني فخلع علي وأمر لي بحفظ الصينية فكنت في العيش يومي وليلتي، ثم استدعى [أخاه] [٤] لعباس وقَالَ: إن الوزير سلم إلي هذا، وأريد الركوب إلى دار أمير المؤمنين، فليكن عندك اليوم. فكان يومي مثل أمسي، وأقبلوا يتداولوني وأنا قلق بأمر عيالي، ولا أتجاسر أن أذكرهم، فلما كان اليوم العاشر أدخلت إلى الفضل بن يحيى، فأقيمت عنده يومي وليلتي، فلما أصبحت جاءني خادم فَقَالَ: قم إلى عيالك وصبيانك. فقلت: إنا للَّه، ذهبت الصينية وما فيها، فيا ليت هذا كان من أول يوم. فقمت والخادم يمشي بين يدي، فأخرجني من الدار، فازداد يأسي [٥] ، ثم أدخلني إلى دار كأن الشمس تطلع من جوانبها، وفيها من صنوف الآلات والفرش، فلما توسطتها رأيت عيالي يرتعون فيها في الديباج والستور، وقد حمل إليهم مائة ألف درهم، وعشرة آلاف دينار/، وسلم إلي الخادم صكا بضيعتين جليلتين، وقال: هذه الدار وما فيها والضياع لك. فأقمت مع البرامكة في أخفض عيش إلى الآن.
стр. 3082
ثم قصدني عمرو بن مسعدة [١] في الضيعتين، فألزمني من خراجهما ما لا يفي به دخلهما، فكلما لحقتني نائبة قصدت دورهم فبكيتهم، فاستدعى المأمون عمرو بن مسعدة، فأمره أن يرد على الرجل ما استخرج منه، ويقرر خراجه على ما كان في أيام البرامكة. فبكى الرجل بكاء شديدا، فقال له المأمون: ألم استأنف لك جميلا؟ قال:
بلى، ولكن هذا من بركة البرامكة. فَقَالَ: امض، فإن الوفاء مبارك، وحسن العهد من الإيمان.
١٠٢٠- الفضيل بن عياض، أبو علي التميمي
[٢] .
ولد بخراسان بكور أبيورد، وقدم الكوفة وهو كبير، فسمع الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وعطاء بن السائب، وحصين بن عبد الرَّحْمَن، وغيرهم.
ثم تعبد وانتقل إلى مكة، فمات بها في أول هذه السنة. وكان ثقة فاضلا زاهدا.
أخبرنا محمد [٣] بن ناصر قَالَ: حدثنا [٤] حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ/ الأصفهاني قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا أبو سعيد الجندي قَالَ: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: كانت قراءة الفضيل حزينة شهية بطيئة مترسلة [٥] ، كأنه يخاطب إنسانا، وكان إذا مرّ بآية فيها ذكر الجنة تردد فيها وسأل [٦] ، وكان يلقى له حصير بالليل في مسجده، فيصلي من أول الليل ساعة حتى تغلبه عيناه فينام على الحصير [٧] ، فينام قليلا، ثم يقوم، فإذا غلبه النوم نام، ثم يقوم، هكذا حتى يصبح.
وسمعته يَقُولُ: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبّل [٨] ، كبّلتك خطيئتك.