رَجُل ورجل، فخرج مائة خادم وخادم، في يد كل واحد منهم مجمرة [١] ذهب، فيها قطعة عنبر، فسجروا العود، وأقبل يحيى على القاضي فَقَالَ زوج ابن عمي هذا بابنتي عائشة فخطب وعقد النكاح، فأخذنا النثار من فتات المسك وبنادق العنبر وتماثيل الند، فالتقط النَّاسَ والتقط، ثم جاءنا الخدم في يد كل واحد منهم صينية فضة، فيها ألف دينار، مخلوط بالمسك، فوضع بين يدي كل واحد واحدة، فأقبل كل واحد يأخذ الدنانير في كمه، والصينية تحت إبطه، ويخرج، فبقيت وحدي، لا أجسر أفعل ذَلِكَ، فغمزني بعض الخدم وقَالَ: خذها [وقم] [٢] ، فأخذتها وقمت، وجعلت أمشي، والتفت/ [خوفا من أن يؤخذ مني،] [٣] ويحيى يلاحظني من حيث لا أفطن، فلما قاربت الستر رددت فيئست من الصينية، فجئت فأمرني بالجلوس، فجلست فسألني عن حالي فحدثته بقصتي، فبكى، ثم قَالَ: علي بموسى. فجاءه، فَقَالَ: يا بني، هذا رجل من أولاد النعم، قد رمته الأيام بصرفها، فخذه واخلطه بنفسك، فأخذني فخلع علي وأمر لي بحفظ الصينية فكنت في العيش يومي وليلتي، ثم استدعى [أخاه] [٤] لعباس وقَالَ: إن الوزير سلم إلي هذا، وأريد الركوب إلى دار أمير المؤمنين، فليكن عندك اليوم. فكان يومي مثل أمسي، وأقبلوا يتداولوني وأنا قلق بأمر عيالي، ولا أتجاسر أن أذكرهم، فلما كان اليوم العاشر أدخلت إلى الفضل بن يحيى، فأقيمت عنده يومي وليلتي، فلما أصبحت جاءني خادم فَقَالَ: قم إلى عيالك وصبيانك. فقلت: إنا للَّه، ذهبت الصينية وما فيها، فيا ليت هذا كان من أول يوم. فقمت والخادم يمشي بين يدي، فأخرجني من الدار، فازداد يأسي [٥] ، ثم أدخلني إلى دار كأن الشمس تطلع من جوانبها، وفيها من صنوف الآلات والفرش، فلما توسطتها رأيت عيالي يرتعون فيها في الديباج والستور، وقد حمل إليهم مائة ألف درهم، وعشرة آلاف دينار/، وسلم إلي الخادم صكا بضيعتين جليلتين، وقال: هذه الدار وما فيها والضياع لك. فأقمت مع البرامكة في أخفض عيش إلى الآن.
стр. 3082
ثم قصدني عمرو بن مسعدة [١] في الضيعتين، فألزمني من خراجهما ما لا يفي به دخلهما، فكلما لحقتني نائبة قصدت دورهم فبكيتهم، فاستدعى المأمون عمرو بن مسعدة، فأمره أن يرد على الرجل ما استخرج منه، ويقرر خراجه على ما كان في أيام البرامكة. فبكى الرجل بكاء شديدا، فقال له المأمون: ألم استأنف لك جميلا؟ قال:
بلى، ولكن هذا من بركة البرامكة. فَقَالَ: امض، فإن الوفاء مبارك، وحسن العهد من الإيمان.
١٠٢٠- الفضيل بن عياض، أبو علي التميمي
[٢] .
ولد بخراسان بكور أبيورد، وقدم الكوفة وهو كبير، فسمع الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وعطاء بن السائب، وحصين بن عبد الرَّحْمَن، وغيرهم.
ثم تعبد وانتقل إلى مكة، فمات بها في أول هذه السنة. وكان ثقة فاضلا زاهدا.
أخبرنا محمد [٣] بن ناصر قَالَ: حدثنا [٤] حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ/ الأصفهاني قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا أبو سعيد الجندي قَالَ: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: كانت قراءة الفضيل حزينة شهية بطيئة مترسلة [٥] ، كأنه يخاطب إنسانا، وكان إذا مرّ بآية فيها ذكر الجنة تردد فيها وسأل [٦] ، وكان يلقى له حصير بالليل في مسجده، فيصلي من أول الليل ساعة حتى تغلبه عيناه فينام على الحصير [٧] ، فينام قليلا، ثم يقوم، فإذا غلبه النوم نام، ثم يقوم، هكذا حتى يصبح.
وسمعته يَقُولُ: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبّل [٨] ، كبّلتك خطيئتك.
بِكَ مَنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَكُونَ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْكَ وَانْقِطَاعَ الرَّجَاءِ [١] .
فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ طَوَى الْبِلادَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العزيز فقال: ما أقدمك؟
قال: خلعت قلبي بِكِتَابِكَ، لا أَعُودُ إِلَى وِلايَةٍ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ: زِدْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ.
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْعَبَّاسَ عَمَّ الْمُصْطَفَى ﷺ جاء إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِّرْنِي عَلَى إِمَارَةٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الإِمَارَةَ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنِ استطعت أن لا تَكُونَ أَمِيرًا فَافْعَلْ» . قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا، وَقَالَ لَهُ: زِدْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ/.
قَالَ: يَا حَسَنَ الْوَجْهِ أَنْتَ الَّذِي يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْ هَذَا الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقِيَ هَذَا الْوَجْهَ مِنَ النَّارِ فَإِيَّاكَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ وَفِي قَلْبِكَ غِشٌّ لأَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصْبَحَ غَاشًّا لِرَعِيَّتِهِ لَمْ يَرِحْ [٢] رَائِحَةَ الْجَنَّة» . فبكى هارون وقال لَهُ: عليك دين؟ قَالَ: نعم، دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجتي. قَالَ: أعني من دين العباد. قَالَ: إن ربي لم يأمرني بهذا، أمرني أن أوحده وأطيع أمره، فقال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ٥١: ٥٦- ٥٨ [٣] .
فقال لَهُ: هذه ألف دينار خذها أنفقها على عيالك، وتقو بها على عبادتك. فَقَالَ:
سبحان الله، أنا أدلك على طريق النجاة وأنت تكافئني [٤] بمثل هذا؟ سلمك الله ووفقك. ثم صمت، فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده، فلما صرنا على الباب قَالَ: أبا الْعَبَّاس، إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين.
стр. 3086
فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت لَهُ: يا هذا، قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، / فلو قبلت هذا المال فانفرجنا بِهِ. فقال لها: مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كثر نحروه فأكلوا لحمه.
فلما سمع هارون هذا الكلام قَالَ: تدخل فعسى يقبل المال، فلما علم الفضيل خرج فجلس على السطح على باب الغرفة، فجلس هارون إلى جنبه، فجعل يكلمه فلا يجيبه، فبينا نَحْنُ كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا، قد أذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف رحمك اللَّه. فانصرفنا.
١٠٢١- أبو شعيب البراثي العابد
[١] .
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بَكْر بْن ثَابِت قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الحافظ قَالَ: أخبرني أبو جعفر [٢] الخلدي [٣] في كتابه. وحدثني فيه محمد بن إبْرَاهِيم عَنْه قال: سمعت الجنيد بن مُحَمَّد يَقُولُ: كان أبو شعيب البراثي أول من سكن براثا في كوخ يتعبد فيه، فمرت بكوخه جارية من بنات الكبار [٤] من أبناء الدنيا كانت ربيت [٥] في قصور الملوك، فنظرت إلى أبي شعيب فاستحسنت حاله [٦] ، فصارت كالأسير له، فعزمت على التجرد عن الدنيا والاتصال بأبي شعيب، فجاءت إليه وقالت: أريد أن أكون لك خادمة. فقال لها: إن أردت ذلك فغيري من هيئتك وتجردي عما أنت فيه حتى تصلحي لما أردت. فتجردت عن كل ما تملكه/ ولبست لبسة النساك وحضرته فتزوجها، فلما دخلت الكوخ رأت قطعة خصاف وكان يجلس عليها أبو شُعَيْب تقيه من الندى، فقالت: ما أنا بمقيمة فيها حتى تخرج ما تحتك، لأني سمعتك تقول: إن الأرض تقول لابن آدم: تجعل بيني وبينك حجابا وأنت غدا في بطني، فما كنت لأجعل
стр. 3087
بيني وبينها حجابا، فأخذ أبو شعيب الخصاف فرمى بِهِ، فمكثت معه سنين كثيرة يتعبدان أحسن عبادة، وتوفيا على ذلك متعاونين.
[قال المصنف:] [١] وقد ذكرنا فيما تقدم أن جوهرة [٢] زوجة عبد الله البراثي جرى لها نحو هذا.
стр. 3088
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة
فمن الحوادث فيها:
غزو [١] إبراهيم بن جبريل الصائفة، ودخوله أرض الروم، فخرج للقائه نقفور، فجرح وانهزم وقتل من الروم أربعون ألفا وسبعمائة، وأخذ أربعة آلاف دابة [٢] .
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا [أحمد بن علي بن ثابت] الخطيب قَالَ:
قرأت عَلَى الجوهري، عن أبي عبد الله المرزباني قَالَ: حدثني علي بن هارون قَالَ:
أخبرني أَبِي قَالَ: قال أبو الشيص يمدح الرشيد عند ورود الخبر بهزيمة نقفور وفتح بلد الروم من قصيدة: /
شددت أمير المؤمنين قوى الملك ... صدعت بفتح الروم أفئدة الترك.
قرنت بسيف الله هام عدوه ... وطأطأت بالإسلام ناصية الشرك
فأصبحت مسرورا ولا تعي ضاحكا ... وأصبح نقفور على ملكه يبكي
[٣] .
وفيها: رابط القاسم بن الرشيد بدابق [٤] .
стр. 3089
وفيها: حج بالناس [١] الرشيد، وهي آخر حجة حجها الرشيد، ولقيه بهلول في الطريق، فوعظه [٢] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد أبو الغنائم بن ميمون الزينبي قَالَ:
حَدَّثَنَا محمد بن علي بن عبد الرَّحْمَن قَالَ: حدثنا زيد بن الحاجب قَالَ: أخبرنا محمد بن هارون قَالَ: حدثنا علي بن الحَسَن قَالَ: حدثنا علي بن إبراهيم الكرخي قَالَ [٣] : حدّثنا محمد بن الحسن الحراني قَالَ: حدثنا أحمد بن عبد الله [٤] القزويني، عن الفضل بن الربيع قَالَ: حججت مَعَ هارون الرشيد، فمررنا بالكوفة، فإذا بهلول المجنون يهذي، فقلت: اسكت فقد أقبل أمير المؤمنين. فسكت، فلما حاذاه الهودج قَالَ: يا أمير المؤمنين، حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ بَابِلَ [٥] قَالَ: حَدَّثَنَا قُدَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِمَنًى عَلَى جَمَلٍ، وَتَحْتَهُ رَحْلٌ رَثٌّ/، وَلَمْ يَكُنْ ثُمَّ طَرْدٌ وَلا ضَرْبٌ وَلا إِلَيْكَ إِلَيْكَ. قُلْتُ: يا أمير المؤمنين، إنه بهلول المجنون، قَالَ: قد عرفته، قل يا بهلول. فَقَالَ: يا أمير المؤمنين:
فهب أن قد ملكت الأرض طرا ... ودان لك العباد فكان ماذا
أليس غدا مصيرك جوف قبر ... ويحثو الترب هذا ثم هذا
قَالَ: أجدت يا بهلول، أفغيره؟
قَالَ: نعم يا أمير المؤمنين، من رزقه الله جمالا ومالا، فعف في جماله، وواسى في ماله، كتب في ديوان الأبرار.
قَالَ: فظن أنه يريد شيئا، قَالَ: فإنا قد أمرنا بقضاء دينك.
قَالَ: لا تفعل يا أمير المؤمنين، لا تقض دينا بدين، اردد الحق إلى أهله، واقض دين نفسك من نفسك.
стр. 3090
قَالَ: إنا قد أمرنا أن نجري عليك.
قَالَ: لا تفعل يا أمير المؤمنين، لا يعطيك شيئا وينساني، أجرى علي الذي أجرى عليك، لا حاجة لي في جرايتك [١] .
وقد روى أبو بكر الصولي قَالَ: حدثنا محمد بن القاسم قَالَ: حدثنا محمد بن مِسْعَر قال: لما دخل الرشيد إلى الفضيل بن عياض ولم يعرفه الفضيل، ثم عرفه فقال لَهُ: أنت هو يا حسن الوجه، استكثر من زيارة هذا البيت، فإنه لا يحج خليفة بعدك.
قال الصولي: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم البزار قَالَ: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم السندي [٢] ، عن/ أبي بكر بن عياش أنه قَالَ وقد مر به الرشيد بالكوفة منصرفا من الحج سنة ثمان وثمانين ومائة: لا يحج الرشيد بعد هذه الحجة، ولا يحج بعده خليفة أبدا.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٠٢٢- إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة، أبو إسحاق الفَزَارِيّ
[٣] .
كان عالما صاحب سنة، أسند الحديث عن سفيان الثَّورِي، والأوزاعي. وتوفي بالمصيصة في هذه السنة، وقيل: سنة خمس وثمانين.
١٠٢٣- إبراهيم بن ماهان بن بهمن، أبو إسحاق، المعروف بالموصلي
[٤] .
وهو من أرجان، ينسب إلى ولاء الحنظليين، وأصله من الفرس. خرج أبوه من أرجان بأمه وهي حاملة بِهِ، فقدم الكوفة فولدته سنة خمس وعشرين ومائة، وصحب بالكوفة فتيانا في طلب الغناء، فاشتدت عليه أخواله في ذلك، فخرج إلى الموصل، ثم عاد إلى الكوفة، فقال لَهُ أخواله: مرحبا بالفتى الموصلي، ونظر في الأدب، وقال الشعر: واتصل بالخلفاء والملوك.
стр. 3091
أخبرنا [أبو منصور] القزاز قال: أخبرنا [أبو بكر أحمد بْن علي بْن ثابت] [١] الخطيب قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بن عبد العزيز الطاهري قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بْن عَبْد اللَّه بْن المغيرة الجوهري قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْن سَعِيد [٢] الدمشقي قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرِ بْن بكار قَالَ: حدثني إسحاق الموصلي، عن أبيه إبْرَاهِيم قَالَ: جاءني غلامي فَقَالَ: بالباب رجل حائك يطلب عليك الأذن. فقلت: ويلك! ما لي وللحائك؟ قَالَ: لا أدري غير أنه حلف بالطلاق أنه لا ينصرف/ حتى يكلمك لحاجته. فقلت: ائذن لَهُ. فدخل، فقلت:
ما حاجتك؟ قَالَ: جعلني الله فداك، أنا رجل حائك كان بالأمس جماعة من أصحابي وأنا تذاكرنا الغناء والمقدمين فيه، فأجمع من حضر أنك رأس القوم وبندارهم [٣] وسيدهم فيه، فحلفت بطلاق ابنة عمي أعز الخلق علي، ثقة مني بكرمك على أن تشرب عندي غدا وتغنيني، فإن رأيت- جعلني الله فداك- أن تمن على عبدك بذلك.
فقلت لَهُ: أَيْنَ منزلك؟ قَالَ في دور الصحابة. قلت: فصف للغلام موضعه.
فلما صليت الظهر مضيت، فلما دخلت قام لي الحاكة وأكبوا عليّ، فقبلوا [٤] أطرافي، وعرضوا عليّ الطعام، فقلت: قد تقدمت في الأكل، وقلت لَهُ: اقترح. فقال لي الحائك: غنني [٥] بحياتي:
يقولون لي لو كان بالوصل [٦] لم تمت ... نسيبة [٧] والطراق يكذب قيلها
فغنيت، فَقَالَ: أحسنت والله، جعلني الله فداك. ثم قُلْتُ: اقترح. فَقَالَ: غنني بحياتي:
وخطا بأطراف الأسنة مضجعي ... وردّا على عينيّ فضل ردائيا
стр. 3092
فغنيت، فَقَالَ: أحسنت والله، جعلني الله فداك. فقلت: اقترح. فَقَالَ غنني بحياتي:
أحقا عباد الله أن لست واردا ... ولا صادرا إلا علي رقيب
/ فقلت: يا بن اللخناء، [أنت] [١] بابن سريج أشبه منك بالحاكة، ثم قلت: والله إن عدت ثانية حلت امرأتك لغلامي قبل أن تحل لك. ثم انصرفت، وجاء رسول الرشيد يطلبني، فمضيت من فوري [ذلك] [٢] فدخلت على الرشيد، فَقَالَ: أين كنت يا إبْرَاهِيم؟ فقلت: ولي الأمان؟ فَقَالَ: ولك الأمان [، فحدثته] [٣] فضحك وقَالَ: هذا أنبل حائك على وجه الأرض، والله لقد كرمت في أمره وأحسنت في إجابته. وبعث إلى الحائك فاستنطقه وسأله، فاستطابه [٤] واستظرفه، وأمر له بثلاثين ألف درهم [٥] .
توفي إبراهيم في هذه السنة، وقال في ذَلِكَ:
مل والله طبيبي ... من مقاساة الذي بي
سوف أنعى عن قريب ... لعدو وحبيب
ويقال: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين. والأول أصح. ووجد له من المال أربعة وعشرين ألف ألف درهم.
١٠٢٤- جرير بن عبد الحميد بن جرير بن قرط بن هلال، أبو عبد الله الضبي الرازي
[٦] .
كوفي الأصل، ولد سنة عشر ومائة، ورأى أيوب السجستاني. وسمع من مغيرة بن مقسم، وحصين بن عبد الرَّحْمَن، ومنصور بن المعتمر، وهشام بن عروة، والأعمش، وغيرهم.
روى عَنْه ابن المبارك، والطيالسي، وأحمد بن حنبل، ويحيى، وابن المَدِيني،
стр. 3093
وغيرهم. وكان صاحب ليل، وعرض عليه ابن شبرمة [١] أن يجري عليه من/ الصدقة في كل شهر مائة درهم، فأبى.
وتوفي فِي هذه السنة وهو ابن ثمان وسبعين سنة.
١٠٢٥- رشيدين بن سعد [٢] بن مفلح، أبو الحجاج
[٣] .
ولد سنة عشر ومائة، وروى عنه: ابن المبارك، وبقية. وكان رجلا صالحا أدركه نوع [من] التغفل [٤] .
وتوفي في هذه السنة.
١٠٢٦- عمر بن أيّوب، أبو حفص العبدي الموصلي
[٥] .
رحل إلى الشام [٦] ، والعراق، وأكثر من سماع الحديث وكتابته، وسمع من المعافى بن عمران، والثَّورِي، وخلق كثير. روى عنه: أحمد بن حنبل ومدحه، وقَالَ:
هو ثقة، وكانت له هيئة.
أخبرنا [أبو منصور] القزاز قال: أخبرنا [أحمد بْن علي بْن ثابت] الخطيب [قَالَ:
أَخْبَرَنَا البرقاني قال:] أخبرنا [أبو الفضل محمد بن عبد الله] [٧] بن حميرويه قَالَ: حدثنا الحسين بن إدريس الْأنصَارِيّ قَالَ: قال ابن عمار: رأيت [عمر] [٨] بن أيوب أخرج
стр. 3094
صوفا [من قفة] [١] مرقعة [٢] فدفعه إلى ابنه، فذهب بِهِ فباعه، فجاء بخبز، فوضعه بين أيدينا، فأبينا أن نأكل، فبات ليلته ولم يكن عنده شيء، وما رأيته يذكر الدنيا بواحدة، وكان من أشد الناس حياء [٣] .
توفي [بالرقة] [٤] في هذه السنة.
стр. 3095
ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة
فمن الحوادث فيها:
شخوص الرشيد إلى الري. وسبب ذلك: أن الرشيد كان [١] قد استشار يحيى بن خالد في تولية خراسان علي بن عيسى بن ماهان، فأشار عليه أن لا يفعل، فخالفه وولاه إياها، فلما شخص علي بن عيسى ظلم الناس وعسفهم، وجمع مالا جليلا، ووجه/ إلى هارون بهدايا لم ير مثلها قط من الخيل، والرقيق، والثياب، والنساء، والأموال، فقعد هارون بالشماسية على دكان مرتفع حين وصلت إليه تلك الهدايا وأحضرت فعرضت عَلَيْهِ، فعظمت في عينه، وكان إلى جانبه يحيى بن خالد، فقال لَهُ: يا أبا عليّ، هذا الذي أشرت علينا أن لا نوليه هذا الثغر فخالفناك فيه، وكان في خلافك البركة. وهو كالمازح [٢] معه إذ ذاك فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، أنَا وإن كنت أحب أن أصيب في رأيي وأوافق في مشورتي، فأنا أحب أن يكون رأي أمير المؤمنين أعلى، وفراسته أثقب، وما أحسن هذا وأكثره إن لم يكن وراءه ما تكره. قَالَ: وما ذاك؟ قَالَ:
إني أحسب أن أكثر هذا أخذ ظلما. فوقر ذلك في نفس الرشيد، فلما عاث علي بن عيسى بخراسان ووتر أشرافها، وأخذ أموالهم، واستخف برجالهم شكى الناس سوء سيرته، وسألوا أمير المؤمنين أن يبدلهم من أحب من كفاءته، فدعا يحيى بن خالد فشاوره في أمر علي بن عيسى وفي صرفه، وقَالَ: أشر عليّ برجل ترضاه لذلك الثغر،
стр. 3096
يصلح ما أفسد ذلك [١] الفاسق ويرتق ما فتق. فأشار عليه بيزيد بن مزيد، فلم يقبل.
وكان قد قيل للرشيد أن علي بن عيسى قد أجمع على خلافك، فشخص إلى الري من أجل ذلك عند منصرفه [٢] من مكة، فعسكر بالنهروان لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى ومعه ابناه: المأمون والقاسم، فلما صار بقرميسين أشخص إليه جماعة من القضاة/ وغيرهم، وأشهدهم عليه [٣] أن جميع ماله في عسكره ذلك من الأموال والخزائن والسلاح والكراع، وما سوى ذلك للمأمون، وأنه ليس له فيه قليل ولا كثير، وجدد البيعة له على من كان معه، ووجه هرثمة بن أعين صاحب حرسه إلى بغداد، فأخذ البيعة [٤] على الأمين، ثم مضى الرشيد عند انصراف هرثمة إلى الري، وأقام بها نحوا من أربعة أشهر حتى قدم عليه علي بن عيسى من خراسان بالأموال، والهدايا، والطرف، والمتاع، والمسك، والجوهر، وآنية الذهب والفضة، والسلاح، والدواب، وأهدى بعد ذلك إلى جميع من كان معه من أهل بيته وخدمه على طبقاتهم، فرأى منه خلاف ما كان ظن به، وغير ما كان يقال عنه، فرضي عنه، ورده إلى خراسان، فخرج وهو مشيع له.
وقدم خزيمة بن خازم على الرشيد الري، فأهدى له هدايا كثيرة [٥] .
وفي هذه السنة [٦] : قدم سعيد الجرشي [٧] بأربعمائة رجل من طبرستان، فأسلموا على يد الرشيد [٨] .
وفيها: ولى الرشيد عبد الله بن مالك طبرستان، والريّ، والرّويان [٩] ، ودنباوند، وقومس، وهمدان. وولى عيسى بن جعفر بن سليمان عمان، فقطع البحر فافتتح
стр. 3097
حصنين، وعاد الرشيد إلى بغداد، فدخلها لليلتين بقيتا من ذي الحجة، وقَالَ: والله إني لأطوي [١] مدينة ما وضعت مدينة بشرق ولا غرب [٢] ، وما رأيت مدينة أيمن منها ولا أيسر، وإنها لوطني ووطن آبائي، ودار مملكة بني العباس ما بقوا، وما رأى أحد من آبائي سوءا ولا نكبة/ ولا شرا، ولنعم الدار هي، ولكني أريد المناخ على ناحيتها أهل الشقاق والنفاق والبغض لأئمة الهدى، ولولا ذلك ما فارقت بغداد ما حييت، ولا خرجت عنها أبدا [٣] .
وفي هذه السنة: كان الفداء [٤] بين المسلمين والروم، فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي بِهِ. فقال مؤمل بن جميل [٥] بن يحيى بن أبي حفصة ابن عم مروان بن أبي حفصة، من قصيدة:
وفكت بك الأسرى التي شيدت لها ... محابس ما فيها حميم يزورها
على حين أعيا المسلمين فكاكها ... وقالوا: سجون المشركين قبورها
[٦] .
وفي هذه السنة [٧] : رابط القاسم بدابق.
وفيها: حج بالناس العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس [٨] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٠٢٧- إسحاق بن عبد الرحمن بن المغيرة بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري
[٩] .
من أهل المدينة، سكن بغداد، وكان له قدر عند الخلفاء والأمراء، وأبوه
стр. 3098
عَبْد الرَّحْمَن [١] كان [٢] يقال لَهُ: عزيز، وكان إسحاق في صحابة المهدي، والهادي، والرشيد وهلك/ في خلافته، وكان موصوفا بالصفاء والجود، حتى قال الشاعر الهيصبي [٣] فيه ولأخيه يعقوب:
نفى الجوع عن بغداد إسحاق ذو الندى ... كما قد نفى جوع الحجاز أخوه
وما يك من خير أتوه فإنما ... فعال غرير قبلهم ورثوه
فأقسم لو ضاف الغريري بغتة ... جميع بني حواء ما حفلوه [٤]
هو البحر بل لو حل بالبحر وفده ... ومن يجتديه [٥] ساعة نزفوه
[٦] أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أحمد بن علي الحافظ، أخبرنا علي بن أبي علي، حدثنا محمد بن عبد الرَّحْمَن وأحمد بن عبد اللَّه قالا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ، حدثنا أبو عزية [٧] محمد بن موسى الأنصاري قال:
стр. 3099
كان إسحاق بن غرير معجبا بعبادة جارية المهلبية، وكانت الجارية منقطعة إلى الخيزران أم المؤمنين، وهي ذات منزلة عندها/ قَالَ: فركب يوما عبد الله بن مصعب بن الزبير وإسحاق بن غرير إلى المهدي، وكانا يأتيانه في كل عشية إذا صلى الناس العصر، فيقيمان معه إلى أن ينقضي سمره، فلقيا يوما عبادة في طريقهما، فقال إسحاق بن غرير لعبد الله بن مصعب: يا أبا بَكْر، هذه عبادة التي كنت تسمعني أذكرها. وركض دابته حتى استقبلها، فنظر إليها، ثم رجع. فضحك عبد الله بن مصعب مما صنع. ثم مضيا فدخلا على أمير المؤمنين المهدي، فحدثه عبد الله بن مصعب حديث إسحاق بن غرير وعبادة، وما كان منه في أمرها تلك العشية، فقال لإسحاق: أنا أشتريها لك. وقام فدخل على الخيزران، فَقَالَ: أين المهلبية؟ فأمرت بها فدعيت لَهُ، فَقَالَ [لها] [١] : أتبيعيني عبادة بخمسين ألف درهم؟ فقالت: يا سيدي، إن كنت تريدها لنفسك فبها- فداك اللَّه- فَقَالَ: إنما أريدها لإسحاق بن غرير. فبكت وقالت: يدي ورجلي ولساني في حوائجي تنزعها مني لإسحاق بن غرير. فقالت الخيزران [٢] : ما يبكيك؟ لا يقدر والله إسحاق عليها. وقالت للمهدي: صار ابن غرير يتعشق جواري الناس. فخرج المهدي فأخبر عليها. وقالت للمهدي: صار ابن غرير يتعشق جواري الناس. فخرج المهدي فأخبر إسحاق الخبر، وأمر له بخمسين ألف درهم، فأخذها، فقال في ذلك أبو العتاهية/:
من صدق الحب لأحبابه ... فإن حب ابن غرير غرور
أنساه عباده ذات الهوى ... وأذهل الحب لديه الضمير
خمسون ألفا كلها وازن ... [خشن] [٣] لها في كل كيس صرير
وقال أبو العتاهية في ذلك أيضا:
حبك المال [٤] لا كحبك [٥] عبادة ... يا فاضح المحبّينا [٦]
стр. 3100
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال:
أخبرني أحمد بن محمد بن أحمد الكاتب قَالَ: حدثني جدي محمد بن عبيد الله بن قفرجل، حدثنا محمد بن يحيى النديم قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى قَالَ: أنشدني الزبير لمنكف- وهو من ولد زهير بن أَبِي سلمى- يرثي إسحاق بن غرير:
[بكت العيون فأقرحت أجفانها ... عبراتها جزعا على إسحاق] [١]
فلئن بكت جزعا عليه فقد بكت ... حزنا [٢] عليه مكارم الأخلاق
يا خير من بكت المكارم فقده ... لم يبق بعدك للمكارم باق
لو طاف في شرق البلاد وغربها ... لم يلق إلا حامدا للاقي
ما بث من كرم الطبائع ليلة ... إلا لعرضك من نوالك واق
بخلت بما حوت الأكف وإنما ... خلق الإله يديك للإنفاق
[٣]
١٠٢٨- الزبير بن خبيب [٤] بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي
[٥] .
سمع محمد بن عبَّاد. وروى عنه معن بن عيسى، وكان من الفضلاء العباد. قدم بغداد مرتين، إحداهما في زمن المهدي، والأخرى في زمن الرشيد.
أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب قَالَ: أَخْبَرَنِي الأَزْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن الحسن، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار قَالَ:
حَدَّثَنِي مصعب بن عبد اللَّه قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قال لي أمير المؤمنين هارون الرشيد: دلني على رجل من أهل المدينة من قريش، له فضل منقطع. قَالَ: قلت:
عمارة بن حمزة بن عبد الله. قال: فأين أنت عن ابن عمك الزبير بن خبيب؟ قال: قلت
стр. 3101
/ له: إنما سألتني عن الناس، ولو سألتني عن أسطوان [١] من أساطين [٢] المسجد قلت لك الزبير بْن خبيب [٣] .
توفي الزبير بوادي القرى في ضيعة لَهُ، وهو ابن أربع وسبعين سنة.
١٠٢٩- سعيد بن سليمان بن نوفل بن إسحاق المديني
[٤] .
ولي قضاء المدينة في خلافة المهدي، ووفد على الرشيد، وكان شديد [٥] .
المذهب، حسن الطريقة.
أَخْبَرَنَا القزاز، [أَخْبَرَنَا الخطيب، أَخْبَرَنَا الأزهري، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطوسي، حَدَّثَنَا] [٦] الزُّبَيْر بْن بكار قَالَ: حَدَّثَنِي نوفل بن ميمون قَالَ: جاء سعيد بْن سُلَيْمَان إلى محمد بن [٧] عبد الله بن محمد بن عمران شاهدا فرد شهادته، فلما ولي القضاء جاءه عبد الله بن محمد بن عمران شاهدا فأخذ شهادته، فنظر فيها ساعة، ثم رفع رأسه وقَالَ: المؤمن لا يشفي غيظه، أوقع شهادته [٨] يا ابن دينار، فأوقعها [٩] .
١٠٣٠- سليمان بن حيان، أبو خالد الأحمر الأزدي الكوفي
[١٠] .
ولد سنة أربع عشرة ومائة. سَمِعَ يحيى بن سعيد الأنصاري، وسليمان التيمي،
стр. 3102
والأعمش، روى عنه: أحمد بن حنبل، وكان سُفْيان يَقُولُ: هو رجل صالح، وكان ينقم عليه خروجه مع [إبراهيم بن] [١] عبد الله بن حسن [٢] ، فهجره لذلك. وقَالَ يحيى: / هو ثقة.
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا الخطيب، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن رزق اللَّه، أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، أخبرنا محمد بن أحمد بن البَرَاء، حدثنا عثمان بن أبي شَيْبة قَالَ: دخلت على أَبِي خالد الأحمر عند موته وهو يَقُولُ: يا نفس اخرجي، والله لخروجك أحب إلي من بقائك في بدني [٣] .
توفي في هذه السنة. وقيل: في سنة تسعين.
١٠٣١- عبد الله بن محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبد الله، أبو محمد التيمي
[٤] .
من أَهْل مدينة رسول الله ﷺ ، ولاه هارون الرشيد قضاء المدينة، ثم صرفه وولّاه مكة، ثم صرفه ورده إلى قضاء المدينة، ثم عزله فقدم بغداد وأقام في ناحية الرشيد، ثم سافر معه إلى الري، فمات بها في هذه السنة.
١٠٣٢- علي بن حمزة بن عبد الله، أبو الحسن الأسدي، المعروف بالكسائي النحوي
[٥] .
أحد أئمة القراء، من أهل الكوفة، استوطن بغداد، وعلم الرشيد، ثم الأمين بعده، وكان قد قرأ على حمزة الزيات، فأقرأ ببغداد زمانا بقراءة حمزة، ثم اختار لنفسه/ قراءة، فأقرأ بها النَّاسَ.
стр. 3103
وقد سمع الحديث من أبي بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة، وآخرين.
وروى عَنْه: الفراء، وأبو عُبَيْد.
وقال الشافعي [١] : من أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي.
أخبرنا عبد الرَّحْمَن، أخبرنا أحمد بْن ثَابِت، أَخْبَرَنَا القاضي أَبُو العلاء مُحَمَّد بن علي، أَخْبَرَنَا محمد بْن جعفر بْن هارون التميمي، حدثنا أبو علي الحسن بن دَاوُد، حدثنا أبو جعفر عقدة، حدثنا أبو يزيد الوضاحي قَالَ: قال لي الفراء: إنما تعلم الكسائي النحو على الكبر، وكان سبب تعلمه: أنه جاء يوما وقد مشى حتى أعي، فجلس إلى الهبارين [٢] فَقَالَ: قد عييت. فقالوا له: أتجالسنا وأنت تلحن؟! فَقَالَ: كيف لحنت؟
فقالوا لَهُ: إن كنت أردت من التعب فقل أعييت، وإن كنت أردت من انقطاع الحيلة والتدبير والتحير [٣] في الأمر فقل: عييت- مخففة فأنف من هذه الكلمة وقام من فوره، فسأل عمن يعلم النحو. فأرشدوه إلى معاذ الهرا، فلزمه حتى أنفذ ما عنده، ثم خرج إلى البصرة [فلقي الخليل وجلس في حلقته، فقال له رجل من الأعراب: تركت أسد الكوفة وتميمها وعندها الفصاحة، وجئت إلى البصرة؟] [٤] فقال للخليل [٥] : من أين أخذت علمك [هذا] [٦] ؟ فَقَالَ: من بوادي [٧] الحجاز، ونجد، وتهامة. فخرج ورجع وقد أنفذ خمس عشرة قنينة حبرا في الكتابة عن العرب سوى/ ما حفظه [٨] ، ولم يكن له همة [٩] غير [البصرة و] [١٠] الخليل، فوجد الخليل قد مات وقد جلس موضعه يونس النحويّ،
стр. 3104
فمرت بينهم مسائل أقر له يونس فيها وصدره موضعه [١] .
قال مؤلف الكتاب ﵀: وفي تسميته بالكسائي قولان:
أحدهما: أنه أحرم في كساء.
أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا أحمد بن علي، أنبأنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ، أخبرنا عبد الواحد عمر بن محمد بن أبي هاشم، حدثني محمد بن سليمان بن محبوب، حدثنا أبو عبد الرحمن البصري مردويه، حدثنا علي بن عبد الله الْمَدَنِيّ [٢] ، حدثنا عبد الرحيم بن مُوسَى قال: قلت للكسائي: لم سميت الكسائي؟
قَالَ: لأني أحرمت في كساء [٣] .
القول الثاني: أَخْبَرَنَا به أبو منصور القزاز، أَخْبَرَنَا أبو بكر بن ثابت، أخبرنا محمد بن علي الصوري، أخبرنا أبو الحسن عبيد الله بن القاسم القاضي، حدثنا علي بن محمد الحرَّاني، حدثنا أبو بكر محمد بن يحيى بن سليمان المروزي قال:
سألت خلف بن هشام: لم سمي الكسائي كسائيا؟ قَالَ: دخل الكسائي الكوفة فجاء إلى مسجد السبيع [٤] ، وكان حمزة بن حبيب الزيات يقرئ فيه، فتقدم الكسائي مع أذان الفجر وهو ملتف بكساء، فرمقه القوم بأبصارهم، فقالوا: إن كان حائكا فسيقرأ سورة يوسف/، وإن كان ملاحا فسيقرأ سورة طه، فسمعهم، فابتدأ بسورة يوسف، فلما بلغ قصة الذئب قرأ: فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ١٢: ١٧ [٥] بغير همز، فقال لَهُ حمزة: الذئب بالهمز. فقال له الكسائي: وكذلك أهمز الحوت فالتقمه الحؤت. قَالَ: لا. قَالَ: فلم همزت الذئب ولم نهمز الحوت؟ وهذا فأكله الذئب، وهذا فالتقمه الحوت؟ فرفع حمزة بصره إلى خلاد الأحول، وكان أجمل غلمانه، فتقدم إليه في جماعة [من] [٦] أهل المجلس فناظروه فلم
стр. 3105
يصنعوا شيئا. فقالوا: أفدنا يرحمك اللَّه. فقال لهم الكسائي: تفهموا عن الحائك؟ تقول إذا نسبت [الرجل] [١] إلى الذئب: قد استذأب الرجل، فلو قلت: استذاب- بغير همز- لكنت إنما نسبته إلى الهزال، تقول: قد استذاب الرجل إذا استذاب شحمه- بغير همز- وإذا نسبته إلى الحوت تَقُولُ: قد استحات الرجل، أي كثر أكله، لأن الحوت يأكل كثيرا، لا يجوز فيه الهمز، فلتلك العلة همز الذئب ولم يهمز الحوت، وفيه معنى آخر: لا تسقط الهمزة [٢] من مفرده ولا من جمعه [٣] ، وأنشدهم:
أيها الذئب وابنه وأبوه ... أنت عندي من أذأب الضاريات
قَالَ: فسمي الكسائي من ذلك اليوم [٤] .
أخبرنا/ أبو منصور، أخبرنا أحمد الخطيب، حدثنا الحسين بن محمد أخو الخلال، حدّثنا الصاحب إسماعيل بن عبَّاد، أخبرنا عبد الله بن محمد الإيجي، أخبرنا محمد بن الحسن الأزدي، حدثنا أبو حاتم السجستاني قَالَ: وفد علينا عامل من أهل الكوفة لم أر في عمال السلطان بالبصرة أبرع منه، فدخلت مسلما عليه، فقال لي: يا سجستاني، من علماؤكم بالبصرة؟ قلت: الزيادي أعلمنا بعلم الأصمعي، والمازني أعلمنا بالنحو، وهلال الرأي [٥] أفقهنا، والشاذكوني أعلمنا بالحديث، وأنا رحمك الله أنسب إلى علم القرآن، وابن الكلبي من أكتبنا للشروط. قَالَ: فقال لكاتبه: إذا كان غد فاجمعهم. قَالَ: فجمعنا فَقَالَ: أيكم أبو عثمان المازني؟ قال أبو عثمان: ها أنا ذا يرحمك الله. قَالَ: هل يجزي في كفارة الظهار عتق عَبْد أعور؟ قال المازني: لست صاحب فقه، أنا صاحب عربية. فقال: يا زيادي، كيف يكتب بين رَجُل وامرأة خالعها زوجها على الثلث من صداقها؟ قَالَ: ليس هذا من علمي، هذا من علم هلال الرأي.
قَالَ: يا هلال، كم أسند ابن عون عن الحسن؟ قال: ليس هذا من علمي، هذا من علم
стр. 3106
الشاذكوني. قال: يا شاذكوني يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ١١: ٥ [١] قال: ليس هذا من علمي، هذا من علم أَبِي حاتم. قَالَ: يا أبا حاتم، / كيف تكتب إلى أمير المؤمنين كتابا تصف فيه خصاصة أهل البصرة وما أصابهم في الثرمة، وتسأله لهم النظر والنظرة؟ قَالَ: لست- رحمك الله- صاحب بلاغة وكتابه، أنا صاحب قرآن. فَقَالَ: ما أقبح الرجل يتعاطى العلم خمسين سنة لا يعرف إلا فنا واحدا، حتى إذا سئل عن غيره لم يجل فيه ولم يمر، ولكن عالمنا بالكوفة الكسائي لو سئل عَنْ هذا كله أجاب [٢] .
أخبرنا القزاز، أخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد الأصفهاني، حدّثنا جعفر الخالدي، حدثنا ابن مسروق، حدثنا سلمة بن عاصم قَالَ:
قال الكسائي: صليت بهارون الرشيد فأعجبتني قراءتي، فغلطت في آية ما غلط فيها صبي قط، أردت أن أقول: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٣: ٧٢ [٣] فقلت: لعلهم يرجعين، فو الله ما اجترأ هارون [أن] [٤] يقول لي أخطأت، ولكنه لما سلمت قَالَ لي: يا كسائي، أي لغة هذه؟ قُلْتُ: يا أمير المؤمنين، قد يعثر الجواد. فَقَالَ: أما هذا فنعم [٥] .
أخبرنا عبد الرَّحْمَن، أخبرنا أبو بكر بن عليّ، أخبرنا هلال بن الحَسَن، أخبرنا ابن الْجَرَّاح، أخبرنا أبو بكر بن الأنباري قَالَ: قال لي الفراء: لقيت الكسائي يوما فرأيته كالباكي، فقلت: ما يبكيك؟ فَقَالَ: هذا الملك يحيى بن خالد يوجه إلي فيحضرني فيسألني عن الشيء، فإن أبطأت في الجواب لحقني منه عيب [٦] ، وإن بادرت لم آمن الزلل. قَالَ: فقلت- ممتحنا لَهُ-: يا أَبَا الحَسَن، من يعترض [٧] عليك قل ما شئت، فأنت الكسائي. فأخذ لسانه بيده/ فقال: قطعه الله إن قلت ما لا أعلم [٨] .
стр. 3107
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ [أَخْبَرَنَا الخطيب، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عبد الله الثابتي، أخبرنا أحمد بن موسى القرشي، أخبرنا محمد بن يحيى الصولي، حدثنا عون بن محمد الكندي، حدثنا] [١] سلمة بن عاصم قال: حلفت أن لا أكلم عاميا إلا بما يوافقه ويشبه كلامه، فوقفت على نجار فقلت: بكم هذان البابان؟ فَقَالَ: بسلحتان يا مصفعان [٢] .
توفي الكسائي في هذه السنة. هكذا ذكر ابن عرفة، وابن كامل القاضي. وذكر ابن الأنباري أنه مات في سنة اثنتين وثمانين هو ومحمد بن الحَسَن، فدفنهما الرشيد، قَالَ: وبلغ الكسائي سبعين سنة.
أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب، أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ، أخبرنا أبو بَكْر بن مقسم، حدثنا ابن فضلان، حدثنا الكسائي الصغير، حدثنا أبو مسحل قَالَ:
رأيت الكسائي في النوم كأن وجهه البدر فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بالقرآن، فقلت: ما فعل حمزة الزيات؟ قَالَ: ذاك في عليين ما نراه إلا كما نرى الكوكب الدري [٣] .
١٠٣٣- محمد بن الحسن بن فرقد، أبو عبد الله الشيباني مولاهم، صاحب أبي حنيفة
[٤] .
أصله دمشقي من قرية هناك، قدم أبوه العراق فولد محمد بواسط في سنة اثنتين وثلاثين، ونشأ بالكوفة وسمع العلم بها من أبي حنيفة، ومسعر، والثَّورِي، وعمر بن ذر، ومالك بن مِغْوَل، وكتب عن مالك بن أنس ﵄، والأوزاعي، وأبي يوسف القاضي.
سكن بغداد وحدث بها، وغلب عليه الرأي، وبلغ فيه الغاية. وروى عنه:
الشافعي، وأبو عُبَيْد/ وجماعة.
وخرج إلى الرقة، والرشيد بها، فولاه قضاء الرقة، ثم عزله [٥] فقدم بغداد، فلما
стр. 3108
خرج الرشيد إلى الري خرج معه، فمات بالري.
وكان يَقُولُ: ترك أبي ثلاثين ألف درهم، فأنفقت خمسة عشر ألفا على النحو والشعر، وخمسة عشر ألفا على الحديث والفقه.
وكان يقول لأهله: لا تسألوني حاجة من حوائج الدنيا تشغلوا قلبي، وخذوا ما تحتاجون إليه من وكيلي، فإنه أقل لهمي، وأفرغ لقلبي [١] .
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أخبرنا رضوان بن محمد الدينَوَريّ قال: سمعت الحسين [٢] بن جعفر العنزي [٣] يَقُولُ: سمعت أبا بكر بن المنذر يَقُولُ:
سمعت المُزَني يَقُولُ [٤] : سَمِعْتُ الشافعي يَقُولُ: ما رأيت سمينا أخف روحا من محمد بن الحَسَن، وما رأيت أفصح منه، كنت إذا رأيته يقرأ كأن القرآن أنزل بلغته [٥] .
وفي رواية عن الشافعي: أنه قَالَ: ما رأيت أعقل من محمد بن الحسن، وحملت عنه وقر بختي كتبا [٦] .
وقال رجل للشافعي: في أي مسألة خالفك الفقهاء؟ فقال الشافعي: وهل رأيت فقيها قط، اللَّهمّ إلا أن يكون محمد بن الحسن، فإنه كان يملأ العين والقلب [٧] .
قال الطحاوي: وكان الشافعي قد طلب من محمد بن الحسن كتاب [السير] [٨] فلم يجبه إلى الإعارة، فكتب إِلَيْهِ:
قل للذي لم تر ... عين من رآه مثله
حتى كأن من رآه ... قد رأى من قبله
العلم ينهى أهله ... ان يمنعوه أهله
стр. 3109
لعله يبذله ... لأهله لعله
/ فوجه به إليه في الحال هدية لا عارية.
وقال إبراهيم الحربي: قلت لأحمد بن حنبل: هذه المسائل الدقاق من أين لك؟
قَالَ: من كتب محمد بن الحَسَن [١] .
قال أحمد: وكان يذهب مذهب جَهْمُ [٢] .
وكذلك قال أبو زُرْعة: كان محمد بن الحسن جهميا [٣] .
قال نوح بن ميمون: دعاني محمد بن الحسن إلى القول بخلق القرآن، فأبيت عَلَيْهِ [٤] .
أخبرنا أبو منصور، أخبرنا أبو بكر الحافظ، أخبرنا أحمد بن محمد بن غالب قال:
سألت الدارقطنيّ عن محمد بن الحَسَن فَقَالَ: قال يحيى بن معين: كذاب.
وقال فيه أَحْمَد نحو هذا. وعندي لا يستحق التُّرْكُ [٥] .
وقال علي بن المديني: محمد بن الحسن صَدُوق [٦] .
توفي محمد بن الحسن بالري في صحبة الرشيد سنة تسع وثمانين ومائة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
قال أبو عمر الزاهد: سمعت أحمد بن يحيى يَقُولُ: توفي الكسائي ومحمد بن الحسن في يوم واحد، فقال الرشيد: دفنت اليوم اللغة والفقه [٧] .
قال أبو عبد الله محمد بن يوسف بن درست: مات محمد بن الحسن والكسائي
стр. 3110
في يوم واحد، ومات معروف الكرخي في يوم واحد وأبو نواس، ومات ابن دريد وأبو هاشم بن علي الجبائي في يوم واحد، ومات الشبلي، وعلي بن عيسى الوزير في يوم واحد، ودفنا جميعا بالخيزرانية [١] ومات محمد بن داود الأصفهاني ويوسف بن يعقوب القاضي في يوم واحد، ومات القاضيان أبو حسان الزيادي- وكان على قضاء الشرقية- والحسن بن الجعد-/ وكان على مدينة المنصور- في يوم واحد، ومات أبو العتاهية والعباس بن الأحنف وإبراهيم الموصلي في يوم واحد.
١٠٣٤- يحيى بن يمان، أبو زكريا العجلي
[٢] .
كوفي، سَمِعَ الثَّورِي، وروى عَنْه: يحيى بن مَعِين، والحسن بن عرفة، وكان صالحا صدوقا، كثير الحفظ، لكنه نسي فصار يغلط.
أخبرنا القزاز، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، أخبرنا علي بن محمد بن محمد الْمُعَدَّلُ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا الحسن بن عُمَر قَالَ: سمعت بشرا يَقُولُ: كنت جالسا بين يدي يحيى بن يمان. قَالَ: فكنت أعجب من ثيابه، وكان يعجب من ثيابي، وذكر كثرة رقاع في جبة يحيى بن يمان. قال بِشْرِ: فمر إنسان عليه بزة فَقَالَ:
ثيابك أحسن من ثيابي. قال بشر: أراد أن يقويني [٣] .
توفي يحيى بن يمان في هذه السنة. وقيل: في سنة ثمان، وكان قد فلج.
стр. 3111
ثم دخلت سنة تسعين ومائة
فمن الحوادث فيها:
خروج رافع بن الليث بن نصر بن سيار بسمرقند مخالفا لهارون، وخلعه إياه، ونزعه يده من طاعته [١] .
وكان سبب ذَلِكَ: أن يحيى بن الأشعث بن يحيى الطائي تزوّج بنتا لعمّه أبي النعمان، وكانت ذات يسار، فأقام بمدينة السلام وتركها بسمرقند، فلما طال مقامه بها، وبلغها أنه قد اتخذ أمهات أولاد، التمست سببا للتخلص منه، وبلغ رافعا خبرها، فطمع فيها وفي مالها، فدس إليها من قال لها: إنه لا سبيل [لها] [٢] إلى التخلص من صاحبها إلا أن/ تشرك باللَّه، وتحضر لذلك قوما عدولا، وتكشف شعرها بين أيديهم ثم تتوب، فتحل للأزواج، ففعلت ذَلِكَ وتزوجها رافع. وبلغ ذلك يحيى بن الأشعث، فرفع ذلك إلى الرشيد، فكتب إلى علي بن عيسى يأمره أن يفرق بينهما، وأن يجلد رافعا الحد، ويقيده ويطيف به في مدينة سمرقند مقيدا على حمار، حتى يكون عظة لمن يراه، فدرأ عنه سليمان بن حميد الحد، وحمله على حمار مقيّدا حتى طلقها، ثم حبسه، فهرب من الحبس ليلا، فلحق بعلي بن عيسى ببلخ، فطلب الأمان فلم يجبه [علي إليه] [٣] ، وهم بضرب عنقه، فكلمه فيه ابنه عيسى بن علي، فأذن له في الانصراف إلى سمرقند، فوثب بسليمان بن حميد عامل علي بن عيسى فقتله، فوجه علي بن عيسى ابنه، فمال
стр. 3112
الناس إلى سباع بن مسعدة، فرأسوه عليهم، فوثب على رافع فقيده، فوثب بسباع، فقيدوه ورأسوا رافعا وبايعوه [١] ، وطابقه [٢] من وراء النهر، ووافاه عيسى بن علي، [فلقيه رافع فهزمه، فأخذ علي بن] [٣] عيسى في فرض الرجال، والتأهب للحرب [٤] .
وفي هذه السنة: قدم الرشيد من الري، فأتى الرقة، فبدأ بأم جعفر فظل عندها، وأمر لها من الغد بستة آلاف ألف درهم [٥] ، وتخوت من الوشي، وسلال من الزعفران، وطرائف مما أهداه إِلَيْهِ علي بن عيسى بن ماهان.
أخبرنا محمد بن ناصر، أخبرنا أبو الغنائم بن الرسي، أخبرنا/ الشريف أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّدً بْن علي العلوي وأبو الفرج محمد بن أحمد بن علان الشاهد قالا:
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن عبد الله النهرواني قال: حدثني محمد بن الحسن السكونيّ، حدثنا أبو الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي قَالَ: حدثني الزبير بْن بكار قَالَ:
حدثني عمي مصعب بْن عَبْد الله قَالَ: كان عبيد الله بن ظبيان قاضي الرقة، وكان الرشيد إذ ذاك بها، فجاء إِلَيْهِ رجل، فاستعدى إليه من عيسى بن جعفر، فكتب إليه ابن ظبيان [٦] :
أما بعد، أبقى الله الأمير وحفظه وأتم نعمه عَلَيْهِ، أتاني رجل فذكر أنه فلان بن فلان، وأن له على الأمير أبقاه الله خمسمائة ألف درهم، فإن رأى الأمير أبقاه الله أن يحضر هو مجلس الحَكَم، أو يوكل وكيلا يناظر خصمه فعل.
ودفع الكتاب إلى الرجل، فأتى باب عيسى فدفع الكتاب إلى حاجبه، فأوصله إليه، فقال له: قل له: كل هذا الكتاب. فرجع إلى القاضي فأخبره، فكتب إليه: أبقاك الله وحفظك، وأمتع بك، حضر رجل يقال له فلان بن فلان، ذكر أن له عليك خمسمائة
стр. 3113
ألف درهم، فصر معه إلى مجلس الحكم أو وكيلك إن شاء الله.
ووجه الكتاب مع عونين من أعوانه، فحضرا باب عيسى، ودفعا الكتاب إليه، فغضب ورمى بِهِ، فانطلقا فأخبراه، فكتب إليه: حفظك الله وأبقاك، وأمتع بك، لا بد أن تصير أنت وخصمك إلى مجلس الحَكَم، فإن أبيت أنهيت أمرك إلى أمير المؤمنين.
ثم وجه الكتاب/ مع رجلين من أصحابه، فقعدا على باب عيسى حتى خرج، فقاما إليه ودفعا إليه كتاب القاضي، فلم يقرأه، ورمى بِهِ، فأبلغاه فختم قمطره وانصرف، وقعد في بيته، وبلغ الخبر إلى الرشيد، فدعاه فسأله عن أمره، فأخبره بالقصة حرفا حرفا، فقال لإبراهيم بْن عثمان: صر إلى باب عيسى بن جعفر واختم أبوابه كلها، ولا يخرجن أحد منها، ولا يدخل إليه أحد، حتى يخرج إلى الرجل حقه، أو يصير معه إلى مجلس الحَكَم.
فأحاط إبراهيم بداره خمسين فارسا، وغلقت أبوابه، فظن ابن عيسى أنه قد حدث بالرشيد أمر في قتله، ولم يعلم ما سبب ذلك، وجعل يكلم الأعوان من خلف الباب، وارتفع الصياح من منزله بصراخ النساء، فأمرهن أن يسكتن، وقال لبعض غلمان إبراهيم: ادع لي أبا إسحاق لأكلمه، فأعلموه ما قَالَ، فجاء حتى صار إلى الباب فقال له عيسى: ما حالنا؟ فأخبره بخبر ابن ظبيان، فأمر أن يحضر خمسمائة ألف درهم من ساعته [١] ، وتدفع إلى الرجل، فجاء إبراهيم إلى الرشيد فأخبره، فَقَالَ: إذا قبض الرجل ماله أفتح عليه أبوابه.
وفي هذه السنة: غزا الرشيد الصائفة- وهي بلاد الروم- في رجب، واستخلف المأمون بالرقة، وفوض إليه الأمور، وكتب إلى الآفاق بالسمع والطاعة، ودفع إليه خاتم المنصور يتيمّن به، وهو خاتم الخاصة، / ونقشه: «الله ثقتي آمنت بِهِ» [٢] .
وفيها: أسلم الفضل بن سهل على يد المأمون [٣] .
стр. 3114
وفيها: خرجت الروم إلى عين [١] زربة، وكنيسة السوداء، فأغارت وأسرت، فاستنقذ أهل المصيصة ما أخذوا [٢] .
وفيها: فتح الرشيد هرقلة [٣] .
وكان من خبر غزاة الرشيد أن الروم كانوا ملكوا امرأة لم يكن بقي في زمانها من أهل المملكة غيرها، فكانت تكتب إلى المهدي والهادي والرشيد بالتبجيل والتعظيم، وتهدي لهم، حتى بلغ ابنها، فجاءه الملك دونها، وعاث وأفسد، وتغير على الرشيد، فخافت على ملك الروم أن يذهب، لعلمها بسطوة الرشيد، فسملت عيني ابنها، فبطل ملكه، وعاد إليها، فعظم ذلك عند أهل مملكتها وأبغضوها، فخرج عليها نقفور- وكان كاتبها- فأعانوه وعضدوه، وقام بأمر الملك، وكتب إلى الرشيد:
من نقفور ملك الروم إلى الرشيد ملك العرب، أما بعد: فإن هذه المرأة كانت وضعتك وأباك وأخاك موضع الملوك، وإني واضعك بغير ذلك الموضع، وعامل على تطرق بلادك، والهجوم/ على أمصارك، أو تؤدي إلي ما كانت المرأة تؤدي إليك، والسلام.
فلما ورد الكتاب على الرشيد كتب جواب كتابه يَقُولُ:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله هارون أمير المؤمنين إلى نقفور [٤] كلب الروم، جوابك عندي ما تراه عيانا، لا ما تسمعه.
وقد ذكرنا أنهم تكاتبوا نحو هذا في سنة سبع وثمانين، فشخص الرشيد إلى بلاد الروم في مائة ألف وخمسة وثلاثين ألفا من المرتزقة سوى الأتباع، فدخل بلاد الروم، فجعل يقتل ويسبي ويغنم ويعفي الآثار ويخرب الحصون، حتى نزل على هرقلة، وهي أوثق حصن وأمنعه، فتحصن أهلها، وكان لها خندق يطيف [٥] بها، فلما ألح عليهم
стр. 3115
الرشيد بالسهام والمجانيق والعرادات، ففتح الباب يوما رجل منهم وخرج في أكمل زي وسلاح، فنادى: هل من مبارز؟ قد طالت مرافقتكم إيانا، فليبرز [١] إلي منكم رجلان، ثم لم يزل يزيد حتى بلغ عشرين، فلم يجبه أحد، فدخل وأغلق الباب، وكان الرشيد نائما، فلم يعلم بخبره إلا بعد انتباهه، فغضب ولام خدمه إذ لم يعلموه/ فقيل لَهُ: إن الامتناع عَنْه سيغريه [٢] ويطغيه، وهو يخرج في غد فيطلب مثل ما طلب، فطالت على الرشيد ليلته انتظارا لَهُ، فإذا هو بالباب قد فتح، وخرج طالبا للبراز، فجعل يدعي أنه يثبت لعشرين، فقال الرشيد: من له؟ فابتدر جماعة من القواد كهزيمة وخزيمة، فعزم على إخراج المطوعة بعضهم، فضج المطوعة، فإذا بعشرين منهم، فقال قائلهم: يا أمير المؤمنين، قوادك مشهورون بالبأس، ومتى خرج واحد منهم فقتل هذا العلج لم يكبر ذَلِكَ، وإن قتله العلج كانت وصمة على العسكر قبيحة، ونحن عامة لا يرتفع لأحد منا صوت، فإن رأى أمير المؤمنين أن يخلينا نختار رجلا من العامة فنخرجه إِلَيْهِ، فإن ظفر علم أهل الحصن أن أمير المؤمنين ظفر بأعرفهم على يد رجل من العامة، ليس ممن يؤمن قتله، ولا يؤثر، وإن قتل الرجل كان شهيدا ولم يؤثر دما. فقال الرشيد: قد استصوبت رأيكم، فاختاروا رجلا منكم، فاختاروا [٣] رجلا يقال له: ابن الجزري، وكان معروفا بالبأس والنجدة، فقال له الرشيد: أتخرج؟ قَالَ: نعم، واستعين باللَّه.
فَقَالَ: اعطوه فرسا ورمحا وسيفا وترسا. فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، أنا بفرسي أوثق، ورمحي بيدي أشد، ولكن قد قبلت السيف والترس فلبس سلاحه واستدناه الرشيد وودعه وأتبعه الدعاء، وخرج معه عشرون من المطوعة، فلما انقض [٤] في الوادي قال لهم العلج وهو يعدهم واحدا واحدا، / إنما الشرط عشرون وقد زدتم رجلا، ولكن لا بأس. فنادوه: ليس يخرج إليك إلا رجل واحد. فلما فصل منهم ابن الجزري تلقاه الرجل الرومي وقد أشرف أكثر [٥] الناس من الحصن يتأملون صاحبهم والقرن، حتى
стр. 3116
ظن أنه لم يبق أحد في الحصن إلا أشرف، فقال الرومي: أتصدقني عما استخبرك؟
قَالَ: نعم، قَالَ: أنت باللَّه ابن الجزري، قَالَ: اللَّهمّ نعم. فكفر لَهُ، ثم أخذا في شأنهما فاطعنا حتى طال الأمر بينهما، وكان الفرسان يقومان ولم نجد من واحد منهما صاحبه، ثم تجالدا بالسيوف، وجعل ابن الجزري يضرب الضربة التي يرى أنه قد بلغ فيها، فيتقيها الرومي، وكان ترسه حديدا، فيسمع لذلك صوت منكر، ويضربه الرومي ضرب مغدر، لأن ترس ابن الجزري كان درقة، فلما يئس كل واحد منهما من صاحبه انهزم ابن الجزري، فدخلت المسلمين كآبة لم يكتئبوا مثلها قط، وعطعط المشركون، ثم اتبعه العلج، فالتفت [١] ابن الجزري، فرمى العلج بوهق فوقع في عنقه، وركض إليه فاستلبه عن فرسه، ثم عطف عَلَيْهِ، فما وصل إلى الأرض حتى فارقه رأسه، فكبر المسلمون وانخذل المشركون، وبادروا الباب يغلقونه. وإنما كانت هزيمة ابن الجزري حيلة منه.
واتصل الخبر بالرشيد فقال للقواد: اجعلوا النار في المجانيق، فتهافت السور، ففتحوا الباب مستأمنين، وصبت الأموال على ابن الجزري/ وقود، فلم يقبل النقود، وسأل أن يعفى ويترك بمكانه من الثغر، فلم يزل به طول عمره.
وكان فتح هرقلة في شوال، وأخربها وسبى من أهلها ستة عشر ألفا، فأقدمهم الرافقة، فتولى بيعهم أبو البختري القاضي.
ووجه الرشيد داود بن عيسى بن موسى سائحا في أرض الرقة في سبعين ألفا.
وافتتح شراحيل [٢] بن معن بن زائدة حصن الصقالبة وديسة [٣] .
وافتتح يزيد بن مخلد الصّفصاف، ومقلونية [٤] .
وولي حميد بن معيوف ساحل بحر الشام إلى مصر، فبلغ حميد قبرس، فهدم
стр. 3117
وحرق وسبى من أهلها ستة عشر ألفا، وأقدمهم الرافقة، فتولى بيعهم أبو البختري القاضي [١] .
وبعث نقفور بالخراج والجزية عن رأسه، وولي عهده وبطارقته وسائر أهل بلده خمسين ألف دينار، منها عن رأسه أربعة دنانير، وعن رأس ولده دينارين [٢] .
وكتب نقفور مع بطريقين من عظماء بطارقته في جارية من سبي هرقلة كتابا نسخته:
لعبد الله هارون أمير المؤمنين، من نقفور ملك الروم، سلام عليك، أما بعد: أيها الملك، إنّ لي حاجة لا تضرك في دينك ولا دنياك، هينة [٣] يسيرة، [أن] [٤] تهب لابني جارية من بنات أهل هرقلة كنت خطبتها على ابني، فإن رأيت أن تسعفني في حاجتي [فعلت] [٥] . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته [٦] .
واستهداه أيضا طيبا وسرادقا، فأمر الرشيد بطلب الجارية، فأحضرت وزينت وأجلست عَلَى فراش في مضربه الذي كان نازلا فيه، وسلمت الجارية والمضرب بما فيه من الآنية والمتاع إلى رسول نقفور، وبعث إليه بما سأل/ من العطر، وبعث إليه من التمور [٧] والزبيب والأخبصة [٨] والترياق، فسلم ذلك إليه رسول الرشيد، فأعطاه نقفور وقر برذون دراهم كَانَ مبلغه خمسين ألف درهم، ومائة ثوب ديباج، ومائتي ثوب بزيون [٩] ، واثني عشر بازيا [١٠] ، وأربعة أكلب من كلاب الصّيد [١١] ، وثلاث براذين،
стр. 3118
وكان نقفور اشترط ألا يخرب [١] ذا الكلاع، ولا حمله، ولا حصن سنان، واشترط الرشيد عليه ألا يعمر هرقله، وعلى أن يحمل نقفور ثلاثمائة ألف دينار، فقال أبو العتاهية في ذلك:
إمام الهدى أصبحت بالدين معنيا ... وأصبحت تسقي كل مستمطر ريا
لك اسمان شقا من رشاد ومن هدى ... فأنت الذي تدعى رشيدا [و] مهديّا
إذا ما سخطت الشيء كان مسخطا ... وإن ترض شيئا [كان] [٢] في الناس مرضيا
بسطت لنا شرقا وغربا يد العلا ... فأوسعت شرقيا وأوسعت غربيا
ووشيت وجه الأرض بالجود والندى ... فأصبح وجه الأرض بالجود بالجود موشيا
وأنت أمير المؤمنين فتى التقى ... نشرت من الإحسان ما كان مطويا
تحليت للدنيا وللدين بالرضا ... فأصبح نقفور لهارون ذميا
وفيها: خرج خارجي من عبد القيس يقال لَهُ سيف بن بكر، فوجه إليه الرشيد محمد بن يزيد بن مزيد فقتله بعين النورة [٣] .
وفيها: نقض أهل قبرس العهد، فغزاهم معيوف وسبى أهلها [٤] .
وفيها: حج بالناس عيسى بن موسى الهادي [٥] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٠٣٥- أسد بن عمرو بن عامر، أبو المنذر البجلي الكوفي، صاحب أبي حنيفة
[٦] .
تفقه وسمع من حجاج بن أرطأة، روى عَنْه: أحمد بن حنبل وغيره. كان قد ولي
стр. 3119
القضاء ببغداد وبواسط، فأنكر من بصره شيئا، فرد القمطر واعتزل عن القضاء. وثقه يحيى، وقَالَ أحمد: كان صدوقا. وضعفه علي، والبخاري، وتوفي في هذه السنة.
١٠٣٦- حكام بن سلم [١] الكناني الرازي، أبو عبد الرَّحْمَن
[٢] .
سمع من إسماعيل بن خَالِد، والزبير بن عدي، وحميد الطويل، والثَّورِي. روى عَنْه: يحيى بْن معين، وأبو معمر الهذلي. وكان ثقة.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت، أخبرنا الحسن بْن أبي بكر، أَخْبَرَنَا محمد بْن أحمد الصواف، / حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثنا أبو مَعْمَر قَالَ:
حدثنا حكام الرازي، حدثنا جراح الكنْدِي، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر، ما فيهم [٣] أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتوى [٤] .
توفي حكام بمكة في هذه السنة قبل أن يحج.
١٠٣٧- سعدون المجنون
[٥] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأصفهاني، حدثنا عثمان بن محمد العثماني قَالَ: قرئ على أبي الحسن أحمد بن محمد بن عيسى وأنا حاضر قال: سمعت يوسف يَقُولُ: قال الفتح بن شخرف: كان سعدون صاحب محبة للَّه، صام ستين سنة حتى خف دماغه، فسماه الناس مجنونا لتردد قوله في المحبة، فغاب عنا زمانا، فبينا أنا قائم على حلقة ذي النون رأيت عليه جبة صوف، وعليها مكتوب: «لا تباع ولا تشترى» فسمع كلام ذي النون، فصرخ وأنشأ يَقُولُ:
ولا خير في شكوى إلى غير مشتكى ... ولا بد من شكوى إذا لم يكن صبر
стр. 3120
أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن خيرون، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا رضوان بْن محمد بن الدينَوَريّ، حدثنا أحمد بن علي بن لال، حدثنا مكي بن بندار الزنجاني [١] ، حدّثنا أبو علي الحسين بن عبد الله البلاذري، حدثنا عبد العزيز بن قُرَّةَ قال: قال الأصمعي: مررت بسعدون فإذا هو جالس/ عند رأس شيخ سكران يذب عنه. فقلت: سعدون، ما لي أراك جالسا عند رأس هذا الشَّيْخ. فَقَالَ: إنه مجنون، فقلت لَهُ: أنت المجنون أو هُوَ؟ قال: لا بل هو. قلت: من أين قلت ذَلِكَ؟ قَالَ: لأني صليت الظهر والعصر جماعة وهو لم يصل جماعة ولا فرادى. قُلْتُ: فهل قلت في ذلك شيئا؟ فَقَالَ:
تركت النبيذ لأهل النبيذ ... وأصبحت أشرب ماء قراحا
لأن النبيذ يذل العزيز ... ويكسو [سواد] [٢] الوجوه الصباحا
فإن كان ذا جائزا للشباب ... فما العذر فيه إذا الشيب لاحا
فقلت لَهُ: صدقت. وانصرفت [٣] .
١٠٣٨- عبد الله بن عمر بن غانم، أبو عبد الرحمن الرعيني
[٤] .
ولد سنة ثمان وعشرين ومائة، ورحل في طلب العلم. وروى عَن مالك وغيره.
وهو أحد الثقات الأثبات. ولي القضاء بإفريقية، وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة.
١٠٣٩- عبد الواحد بن واصل، أبو عبيدة الحداد، مولى سدوس
[٥] .
سَمِعَ سعيد بن أبي عروبة، وشُعْبة، وهو بَصْرِيّ سكن بغداد وحدث بها، فروى عَنْه أَحْمَد وغيره، ويحيى، وأبو خيثمة، وكان ثقة/ من المثبتين.
توفي في هذه السنة.