ظن أنه لم يبق أحد في الحصن إلا أشرف، فقال الرومي: أتصدقني عما استخبرك؟
قَالَ: نعم، قَالَ: أنت باللَّه ابن الجزري، قَالَ: اللَّهمّ نعم. فكفر لَهُ، ثم أخذا في شأنهما فاطعنا حتى طال الأمر بينهما، وكان الفرسان يقومان ولم نجد من واحد منهما صاحبه، ثم تجالدا بالسيوف، وجعل ابن الجزري يضرب الضربة التي يرى أنه قد بلغ فيها، فيتقيها الرومي، وكان ترسه حديدا، فيسمع لذلك صوت منكر، ويضربه الرومي ضرب مغدر، لأن ترس ابن الجزري كان درقة، فلما يئس كل واحد منهما من صاحبه انهزم ابن الجزري، فدخلت المسلمين كآبة لم يكتئبوا مثلها قط، وعطعط المشركون، ثم اتبعه العلج، فالتفت [١] ابن الجزري، فرمى العلج بوهق فوقع في عنقه، وركض إليه فاستلبه عن فرسه، ثم عطف عَلَيْهِ، فما وصل إلى الأرض حتى فارقه رأسه، فكبر المسلمون وانخذل المشركون، وبادروا الباب يغلقونه. وإنما كانت هزيمة ابن الجزري حيلة منه.
واتصل الخبر بالرشيد فقال للقواد: اجعلوا النار في المجانيق، فتهافت السور، ففتحوا الباب مستأمنين، وصبت الأموال على ابن الجزري/ وقود، فلم يقبل النقود، وسأل أن يعفى ويترك بمكانه من الثغر، فلم يزل به طول عمره.
وكان فتح هرقلة في شوال، وأخربها وسبى من أهلها ستة عشر ألفا، فأقدمهم الرافقة، فتولى بيعهم أبو البختري القاضي.
ووجه الرشيد داود بن عيسى بن موسى سائحا في أرض الرقة في سبعين ألفا.
وافتتح شراحيل [٢] بن معن بن زائدة حصن الصقالبة وديسة [٣] .
وافتتح يزيد بن مخلد الصّفصاف، ومقلونية [٤] .
وولي حميد بن معيوف ساحل بحر الشام إلى مصر، فبلغ حميد قبرس، فهدم
стр. 3117
وحرق وسبى من أهلها ستة عشر ألفا، وأقدمهم الرافقة، فتولى بيعهم أبو البختري القاضي [١] .
وبعث نقفور بالخراج والجزية عن رأسه، وولي عهده وبطارقته وسائر أهل بلده خمسين ألف دينار، منها عن رأسه أربعة دنانير، وعن رأس ولده دينارين [٢] .
وكتب نقفور مع بطريقين من عظماء بطارقته في جارية من سبي هرقلة كتابا نسخته:
لعبد الله هارون أمير المؤمنين، من نقفور ملك الروم، سلام عليك، أما بعد: أيها الملك، إنّ لي حاجة لا تضرك في دينك ولا دنياك، هينة [٣] يسيرة، [أن] [٤] تهب لابني جارية من بنات أهل هرقلة كنت خطبتها على ابني، فإن رأيت أن تسعفني في حاجتي [فعلت] [٥] . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته [٦] .
واستهداه أيضا طيبا وسرادقا، فأمر الرشيد بطلب الجارية، فأحضرت وزينت وأجلست عَلَى فراش في مضربه الذي كان نازلا فيه، وسلمت الجارية والمضرب بما فيه من الآنية والمتاع إلى رسول نقفور، وبعث إليه بما سأل/ من العطر، وبعث إليه من التمور [٧] والزبيب والأخبصة [٨] والترياق، فسلم ذلك إليه رسول الرشيد، فأعطاه نقفور وقر برذون دراهم كَانَ مبلغه خمسين ألف درهم، ومائة ثوب ديباج، ومائتي ثوب بزيون [٩] ، واثني عشر بازيا [١٠] ، وأربعة أكلب من كلاب الصّيد [١١] ، وثلاث براذين،
стр. 3118
وكان نقفور اشترط ألا يخرب [١] ذا الكلاع، ولا حمله، ولا حصن سنان، واشترط الرشيد عليه ألا يعمر هرقله، وعلى أن يحمل نقفور ثلاثمائة ألف دينار، فقال أبو العتاهية في ذلك:
إمام الهدى أصبحت بالدين معنيا ... وأصبحت تسقي كل مستمطر ريا
لك اسمان شقا من رشاد ومن هدى ... فأنت الذي تدعى رشيدا [و] مهديّا
إذا ما سخطت الشيء كان مسخطا ... وإن ترض شيئا [كان] [٢] في الناس مرضيا
بسطت لنا شرقا وغربا يد العلا ... فأوسعت شرقيا وأوسعت غربيا
ووشيت وجه الأرض بالجود والندى ... فأصبح وجه الأرض بالجود بالجود موشيا
وأنت أمير المؤمنين فتى التقى ... نشرت من الإحسان ما كان مطويا
تحليت للدنيا وللدين بالرضا ... فأصبح نقفور لهارون ذميا
وفيها: خرج خارجي من عبد القيس يقال لَهُ سيف بن بكر، فوجه إليه الرشيد محمد بن يزيد بن مزيد فقتله بعين النورة [٣] .
وفيها: نقض أهل قبرس العهد، فغزاهم معيوف وسبى أهلها [٤] .
وفيها: حج بالناس عيسى بن موسى الهادي [٥] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٠٣٥- أسد بن عمرو بن عامر، أبو المنذر البجلي الكوفي، صاحب أبي حنيفة
[٦] .
تفقه وسمع من حجاج بن أرطأة، روى عَنْه: أحمد بن حنبل وغيره. كان قد ولي
стр. 3119
القضاء ببغداد وبواسط، فأنكر من بصره شيئا، فرد القمطر واعتزل عن القضاء. وثقه يحيى، وقَالَ أحمد: كان صدوقا. وضعفه علي، والبخاري، وتوفي في هذه السنة.
١٠٣٦- حكام بن سلم [١] الكناني الرازي، أبو عبد الرَّحْمَن
[٢] .
سمع من إسماعيل بن خَالِد، والزبير بن عدي، وحميد الطويل، والثَّورِي. روى عَنْه: يحيى بْن معين، وأبو معمر الهذلي. وكان ثقة.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت، أخبرنا الحسن بْن أبي بكر، أَخْبَرَنَا محمد بْن أحمد الصواف، / حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثنا أبو مَعْمَر قَالَ:
حدثنا حكام الرازي، حدثنا جراح الكنْدِي، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر، ما فيهم [٣] أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتوى [٤] .
توفي حكام بمكة في هذه السنة قبل أن يحج.
١٠٣٧- سعدون المجنون
[٥] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأصفهاني، حدثنا عثمان بن محمد العثماني قَالَ: قرئ على أبي الحسن أحمد بن محمد بن عيسى وأنا حاضر قال: سمعت يوسف يَقُولُ: قال الفتح بن شخرف: كان سعدون صاحب محبة للَّه، صام ستين سنة حتى خف دماغه، فسماه الناس مجنونا لتردد قوله في المحبة، فغاب عنا زمانا، فبينا أنا قائم على حلقة ذي النون رأيت عليه جبة صوف، وعليها مكتوب: «لا تباع ولا تشترى» فسمع كلام ذي النون، فصرخ وأنشأ يَقُولُ:
ولا خير في شكوى إلى غير مشتكى ... ولا بد من شكوى إذا لم يكن صبر
стр. 3120
أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن خيرون، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا رضوان بْن محمد بن الدينَوَريّ، حدثنا أحمد بن علي بن لال، حدثنا مكي بن بندار الزنجاني [١] ، حدّثنا أبو علي الحسين بن عبد الله البلاذري، حدثنا عبد العزيز بن قُرَّةَ قال: قال الأصمعي: مررت بسعدون فإذا هو جالس/ عند رأس شيخ سكران يذب عنه. فقلت: سعدون، ما لي أراك جالسا عند رأس هذا الشَّيْخ. فَقَالَ: إنه مجنون، فقلت لَهُ: أنت المجنون أو هُوَ؟ قال: لا بل هو. قلت: من أين قلت ذَلِكَ؟ قَالَ: لأني صليت الظهر والعصر جماعة وهو لم يصل جماعة ولا فرادى. قُلْتُ: فهل قلت في ذلك شيئا؟ فَقَالَ:
تركت النبيذ لأهل النبيذ ... وأصبحت أشرب ماء قراحا
لأن النبيذ يذل العزيز ... ويكسو [سواد] [٢] الوجوه الصباحا
فإن كان ذا جائزا للشباب ... فما العذر فيه إذا الشيب لاحا
فقلت لَهُ: صدقت. وانصرفت [٣] .
١٠٣٨- عبد الله بن عمر بن غانم، أبو عبد الرحمن الرعيني
[٤] .
ولد سنة ثمان وعشرين ومائة، ورحل في طلب العلم. وروى عَن مالك وغيره.
وهو أحد الثقات الأثبات. ولي القضاء بإفريقية، وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة.
١٠٣٩- عبد الواحد بن واصل، أبو عبيدة الحداد، مولى سدوس
[٥] .
سَمِعَ سعيد بن أبي عروبة، وشُعْبة، وهو بَصْرِيّ سكن بغداد وحدث بها، فروى عَنْه أَحْمَد وغيره، ويحيى، وأبو خيثمة، وكان ثقة/ من المثبتين.
توفي في هذه السنة.
стр. 3121
١٠٤٠- عبيدة بن حميد بن صُهَيْبَ، أبو عبد الرحمن التيمي
[١] .
ولد سنة سبع ومائة، وسمع منصور بن المعتمر، والأعمش. وروى عنه:
أحمد بن حنبل، وكان كوفيا، فسكن بغداد إلى أن توفي بها في هذه السنة. وكان مؤدبا للأمين، وكان أحمد يثني عَلَيْهِ.
أخبرنا أبو منصور القزاز، أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرني الأزهري، حدثنا محمد بن العباس، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ، أخبرنا محمد بن سعد قَالَ: عُبَيْدة بن حُمَيْد كان ثقة صالحا، صالح الحديث، صاحب نحو وعربية، وقراءة للقرآن، وكان من أهل الكوفة، فقدم بغداد أيام هارون الرشيد، فصيره مع ابنه محمد، فلم يزل معه حتى مات [٢] .
١٠٤١- عطاء بن مسلم، أبو مخلد الخفاف الحلبي
قدم بغداد وحدث عن الأعمش. [٣] قال يحيى [٤] ، وأبو دَاوُد: كان ثقة.
حدثنا القزاز، أخبرنا الخطيب، أخبرنا أبو حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدوي [٥] ، أخبرنا محمد بن أحمد الغطريف العبدي، حدثنا محمد بن مَخْلَد، حدثنا محمد بن الحسن بن نافع، حدّثنا محمد بن أبي سكينة قَالَ: دخلت على عطاء بن مسلم أعوده، فما لبثت أن قمت، فَقَالَ: جزاك الله خيرا من عائد، لكن عيسى بن صالح لا جزاه الله خيرا، عادني فما برح حتى بلت في ثيابي [٦] .
توفي عطاء في رمضان/ هذه السنة.
стр. 3122
١٠٤٢- يحيى بْن خالد بْن برمك، أَبُو عليّ
[١] .
كان المهدي قد ضم إليه هارون الرشيد وجعله في حجره، فلما استخلف هارون عرف ليحيى حقه، وكان يعظمه، وإذا ذكره يَقُولُ: قال أَبِي. وجعل إصدار الأمور وإيرادها إليه، إلى أن نكب البرامكة، فغضب عليه، وخلده في الحبس إلى أن مات فيه.
وكان له الكلام الحسن، والكرم الواسع، فمن كلامه: حاجب الرجل عامله على عرضه.
وقَالَ: من بلغ رتبة تاه بها أخبر أن محله دونها.
وقَالَ: يدل على كرم الرجل سودان غلمانه.
وقَالَ لابنه: خذ من كل طرفا، فإن من جهل شيئا عاداه.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي، أخبرنا الحسن بن محمد الخلال، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ، أَخْبَرَنَا أبو بكر محمد بن يحيى النديم قال:
قال يحيى بن خالد: ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها: الهدية، والكتاب، والرسول.
وكان يقول لولده: اكتبوا أحسن ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون [٢] .
قال ابن عمران: وحدثنا أبو عبد الله الحكيم قَالَ: حدثني ميمون بن هارون قال:
حدّثني علي بن عيسى قَالَ: كان يحيى بن خَالِد يَقُولُ: إذا أقبلت الدنيا فأنفق فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت فأنفق فإنها لا تبقى [٣] .
أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الواحد القزاز، أخبرنا أبو سعيد السيرافي، حدثنا محمد بن أبي الأزهر، حدثنا الزبير بن بكار/ قال:
سمعت إسحاق بن إبْرَاهِيم يَقُولُ: كانت صلات يحيى بن خالد إذا ركب لمن تعرض له
стр. 3123
بمائتي درهم، فركب ذات يوم، فعرض له أديب شاعر فَقَالَ:
يا سمي الحصور يحيى أتيحت ... لك من فضل ربنا جنتان
كل من مر في الطريق عليكم ... فله من نوالكم مائتان
مائتا درهم لمثلي قليل ... هي منكم للقابس [١] العجلان
قال يحيى: صدقت. وأمر بحمله إلى داره، فلما رجع من دار الخليفة سأله عن حاله، فذكر أنه تزوج، وأخذ بواحدة من ثلاث، إما أن تؤدي المهر وهو أربعة آلاف درهم، وإما أن يطلق، وإما أن يقيم جاريا [للمرأة] [٢] ما يكفيها إلى أن يتهيأ له نقلها، فأمر له يحيى بأربعة آلاف للمهر، وأربعة آلاف لثمن منزل، وأربعة آلاف لما يحتاج إليه [المنزل] [٣] وأربعة آلاف للبنية، وأربعة آلاف يستظهر بها، فأخذ عشرين ألف درهم [٤] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي الحافظ، أخبرنا أحمد بن عُمَر النهرواني، أخبرنا المعافى، حدثنا محمد بن أحمد بن أبي الثلج، حدثنا حسين بن فهم قَالَ: قال ابن الموصلي: حدثني أَبِي [قال:] أتيت يحيى بن خالد بن برمك، فشكوت إليه ضيقة، فَقَالَ: ويحك! ما أصنع بك؟ ليس عندنا في هذا الوقت شيء، ولكن ها هنا أمر أدلك عليه، فكن فيه رجلا، قد جاءني خليفة صاحب مصر يسألني أن أستهدي صاحبه شيئا، وقد أبيت ذلك، فألح عليّ وقد بلغني/ أنك أعطيت بجاريتك فلانة آلاف دنانير، فهو ذا أستهديه إياها وأخبره [٥] أنها قد أعجبتني، فإياك أن تنقصها من ثلاثين ألف دينار، وانظر كيف يكون. قَالَ: فو الله ما شعرت إلا بالرجل قد وافاني فساومني بالجارية. فقلت: لا أنقصها من ثلاثين ألف دينار، فلم يزل يساومني حتى بذل لي عشرين ألف دينار، فلما سمعتها ضعف قلبي عن ردها، فبعتها وقبضت
стр. 3124
العشرين ألفا، وصرت إلى يحيى بن خَالِد، فقال لي: كيف صنعت في بيع جاريتك؟
فأخبرته وقلت: والله ما ملكت نفسي أن أجبت إلى العشرين ألفا حين سمعتها. فَقَالَ:
إنك لخسيس، وهذا خليفة فارس قد جاءني في مثل هذا، فخذ جاريتك، فإذا ساومك بها [١] فلا تنقصها من خمسين ألف دينار، فإنه لا بد أن يشتريها منك بذلك.
قال: فجاءني الرجل فأسمت عليه خمسين ألف دينار، فلم يزل يساومني حتى أعطاني ثلاثين ألف دينار، فضعف قلبي عن ردها، ولم أصدق بها، فأوجبتها له بها، ثم صرت إلى يحيى بْن خَالِد، فقال لي: بكم بعت الجارية؟ فأخبرته، فَقَالَ: ويحك! أما تؤدبك الأولى عن الثانية. قلت: والله ضعف قلبي عن رد شيء، لم أطمع فيه. فَقَالَ:
هذه جاريتك فخذها إليك. قَالَ: جارية أفدت بها خمسين ألف دينار، ثم أملكها، أشهدك أنها حرة، وأني قد تزوجتها [٢] .
أَخْبَرَنَا [أَبُو] [٣] مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت الخطيب: وبلغنا أن الرشيد بعث صالحا صاحب المصلى إلى منصور بن زياد يقول لَهُ: قد وجب عليك/ عشرة آلاف درهم، فاحملها إلي اليوم، فإن فعل إلى ما قبل غروب الشمس، وإلا فخذ رأسه، وائتني به، ولا تراجعني. قَالَ صالح: فخرجت إلى منصور فعرفته، فقال: ذهبت والله نفسي، والله ما أتمكن من ثلاثمائة ألف درهم فضلا [عن] عشرة آلاف ألف. قال له صالح:
خذ فيما هو أعود عليك من هذا القول. فَقَالَ لَهُ: تحملني إلى أهلي حتى أوصي. فلما دخل إليهم ارتفع صياح الحريم [٤] والجواري، فَقَالَ لصالح: امض بنا إلى يحيى بن خالد، لعل الله أن يأتي بالفرج على يده. فمضى معه، فدخل على يحيى وهو يبكي فَقَالَ: ما لك؟ فقص عليه القصة، فأطرق متفكرا ثم دعى جارية فَقَالَ: كم عندك من المال؟
قالت: خمسة آلاف ألف درهم. فقال: أعديها. ثم وجه إلى الفضل فقال لَهُ: يا بني، كنت عرفتني أنك تريد أن تشتري ضيعة بألفي ألف درهم، وقد وجدت لك ضيعة تغل
стр. 3125
السكر، وتبقى الدهر فأنفذها إلي. فأنفذها وأرسل إلى جعفر، فَقَالَ: يا بني أبعث إلي بألف ألف درهم لحق لزمني. فبعث إِلَيْهِ، ففكر ساعة ثم قال لخادم على رأسه: ابعث إلى دنانير وقل لها هات العقد الذي وهبه لك أمير المؤمنين فأهديه. فَقَالَ: هذا عقد أمير المؤمنين بمائة وعشرين ألف دينار. فوهبه لدنانير، وقد قومناه عليك بألفي ألف درهم ليتم المال، فخل عن صاحبنا. فأخذت ذلك، ورددت منصورا معي، فلما صرنا إلى الباب تمثل منصور:
فما بقيا علي تركتماني ... ولكن خفتما صرد النبال
/ قال صالح: فقلت في نفسي ما أحد أكرم من يحيى، ولا أردأ طبعا من هذا النبطي، إذ لم يشكر من أحيا نفسه. وصرت إلى الرشيد فعرفته ما جرى إلا إنشاد [١] البيت، خوفا عليه أن يقتله. فقال الرشيد: قد علمت أنه لا يسلم إلا بأهل هذا البيت، فاقبض المال، واردد العقد، فما كنت لأهب هبة ثم أرتجعها.
قال صالح: وحملني غيظي من منصور أن عرفت يحيى ما أنشد، فأقبل يحيى يتحمل له بالغدر ويقول: إن الخائف لا يتقى [٢] له لب، وربما نطق بما لا يعتقد، فقلت: والله لا أدري من أي فعليك أعجب، من فعلك معه، أو من اعتذارك عنه، لكني أعلم أن الزمان لا يأتي بمثلك أبدا.
وكان يحيى بن خالد يجري على سفيان بن عيينة كل شهر ألف درهم، فسمع سفيان يقول في سجوده: اللَّهمّ إن يحيى كفاني أمر دنياي فاكفه بهم آخرته. فلما مات يحيى رآه بعض إخوانه في النوم، فقال لَهُ: ما فعل الله بك. قَالَ: غفر لي بدعوة سُفْيان.
أخبرنا القزاز، أخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا أحمد بن أبي جعفر الأخرم، أخبرنا أبو علي عيسى بن محمد بن أحمد الطوماري، حدثنا المبرد قال: حدثني محمد بن جعفر بن يحيى بْن خالد بن برمك قال: قال أبي لأبيه: يحيى بن خالد بن [٣] برمك- وهم في القيود ولبس الصوف والحبس-: يا أبت، بعد الأمر والنهي والأموال العظيمة
стр. 3126
أصارنا الدهر إلى القيود ولبس الصوف والحبس؟ فقال له أبوه: يا بني، دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها ولم يغفل الله عنها، ثم أنشأ يَقُولُ:
/ رب قوم قد غدوا في نعمة ... زمنا والدهر ريان غدق
سكت الدهر زمانا عنهم ... ثم أبكاهم دما حين نطق
[١] توفي يحيى في حبس الرشيد بالرافقة لثلاث خلون من محرم هذه السنة وهو ابن سبعين، وصلى عليه ابنه الفضل، ودفن على شاطئ الفرات في ربض هرثمة، ووجد في جيبه رقعة حين مات، مكتوب فيها بخطه: «قد تقدم الخصم والمدعى عليه بالأثر، والقاضي هو الحكم العدل الّذي لا يجور ولا يحتاج إلى بينة» [٢] .
فحملت الرقعة إلى الرشيد، فلم يزل يبكي يومه، وبقي أياما يتبين الأسى في وجهه.
стр. 3127
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة
فمن الحوادث فيها:
خروج خارجي يقال له: ثروان بن سيف، وكان يتنقل في السواد، فوجه إليه طوق بن مالك فهزمه وجرحه، وقتل عامة أصحابه وهرب مجروحا [١] .
وفيها: خرج أبو النداء بالشام، فوجه الرشيد في طلبه يحيى بن معاذ، وعقد له على الشام [٢] .
وفيها: ظفر حماد بهيصم اليماني [٣] .
وفيها: غلظ أمر رافع بن الليث بسمرقند، وكتب إليه أهل نسف يعطونه الطاعة، ويسألونه أن يبعث إليهم/ من يعينهم على قتل عيسى بن علي، فوجه قائدا من قواده، فقتل عيسى بن علي في ذي القعدة [٤] .
وفيها: غزا يزيد بن مخلد الهبيري أرض الروم في عشرة آلاف، فأخذ الروم عليه المضيق فقتلوه في خمسين من أصحابه، وسلم الباقون [٥] .
وفيها: ولى الرشيد حمويه الخادم بريد خراسان، وولى غزو الصائفة هرثمة بن
стр. 3128
أعين، وضم إليه ثلاثين ألفا من جند خراسان، ومعه مسرور الخادم، إليه النفقات وجميع الأمور [١] ، خلا الرئاسة، ومضى الرشيد إلى درب الحدث، فرتب هناك عبد الله بن مالك، ورتب سعيد بن سلم مقيما [بمرعش، فأغارت الروم عليها، وأصابوا من المسلمين وانصرفوا وسعيد بن سلم مقيم] [٢] بها، وبعث محمد بن يزيد بن مزيد إلى طرطوس، وأقام الرشيد بدرب الحدث ثلاثة أيام من شهر رمضان، ثم انصرف إلى الرقة وأقام [٣] .
وأمر الرشيد بهدم كنائس الثغور، وكتب إلى السندي بن شاهك يأمره بذلك، وبأخذ أهل الذمة من مدينة السلام بمخالفة هيئتهم هيئة المسلمين في لباسهم وركوبهم [٤] .
وفيها: عزل الرشيد علي بن عيسى بن ماهان عن خراسان وولاها هرثمة، واستصفى أمواله فبلغت ثمانين ألف ألف [٥] .
وفيها: وقع الثلج بمدينة السلام، وكان مقداره أربعة أصابع مفرجة [٦] .
وفيها: حج بالناس الفضل بن العباس بن محمد بن علي، وكان والي مكة [٧] .
ولم يكن للمسلمين بعد هذه السنة صائفة إلى سنة خمس عشرة ومائتين [٨] .
стр. 3129
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٠٤٣- البختري بن محمد البختري، أبو صالح اللخمي المعدل
[١] .
حدث عن كامل بن طلحة. روى عنه: الطبراني. وقال الدارقطني: لا بأس بِهِ.
توفي في هذه السنة.
١٠٤٤- خالد بن حيان، أبو يزيد الخراز الرَّقّي
[٢] .
سمع جعفر بن برقان، وفرا بن سلمان. روى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وقَالَ: هُوَ ثقة. وكان شديد التحفظ في الضبط والتوقي، نزل الرقة فتوفي بها في ذي القعدة من هذه السنة.
١٠٤٥- عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو عمرو الهمداني الكوفي
[٣] .
رأى جده أبا إسحاق، إلا أنه لم يسمع منه، وسمع إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، والأعمش، والأوزاعيّ، وشُعْبة، ومالك بن أنس، وابن إسحاق.
روى عنه: القعنبي، ويحيى بن معين، وعلي بن المَدِيني، وابن راهويه، وكان ثقة ثبتا، وانتقل عن الكوفة إلى بعض ثغور الشّام فسكنها.
قال أحمد بن حنبل: كنا نخبر أن عيسى كان سنة في الغزو، وسنة في الحج، وقد كان قدم بغداد، فأمر له بمال فلم يقبله.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت، أخبرنا أحمد بن سليمان بن علي المقرئ، أخبرنا محمد بن أحمد بن فارس، أخبرنا علي بن حسين النديم، أخبرنا الحسين بن عمر الثقفي، حدثنا عبد الله بن سعيد الكنْدِي، حدثنا عمر بن أبي الرطيل، عن أبي بلال الأشعري، عن جعفر بن يحيى بن خَالِد قال: ما رأينا مثل عيسى بن يونس، أرسلنا إليه فأتانا بالرقة، فاعتل قبل أن يرجع، فقلنا لَهُ: يا أبا عمر، قد
стр. 3130
أمر لك بعشرة آلاف. / [فَقَالَ: هيه] [١] . فقلت: هي خمسون ألفا. فقال لي: لا حاجة لي فيها. فقلت: ولم؟ أما والله [٢] لا هنيتكها، هي والله مائة ألف. قَالَ: لا والله لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمنا، ألا كان هذا قبل أن ترسلوا إليّ؟ فأما على الحديث فو الله لا شربة [٣] ماء ولا إهليلجة!.
توفي في هذه السنة بالحدث. وقيل: في سنة إحدى وثمانين. وقيل: سبع وثمانين وقيل: ثمان وثمانين.
١٠٤٦- مخلد بن الحسين، أبو مُحَمَّد
[٤] .
كان من أهل البصرة، ونزل المصيصة، وتوفي بها في هذه السنة، وقد أسند عن هشام بن حسان.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي، أَخْبَرَنَا حمد بْن أَحْمَد، أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حدثنا أحمد بن الحسين الحداد، حدّثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبد الله بن عبد الله قَالَ: قال مخلد بن الحسين: ما تكلمت بكلمة أريد أن أعتذر عنها منذ خمسين سنة.
стр. 3131
ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة
فمن الحوادث فيها:
شخوص هرثمة إلى خراسان واليا عليها، فأخذ علي بن عيسى وقيده، وأخذ ماله ومال أولاده وأصحابه، وأقامه للناس ليرد المظالم [١] .
وفيها: ولي ثابت بن نصر بن مالك الثغور، وغزا فافتتح مطمورة، وكان الفداء بين المسلمين والروم [٢] .
وفيها: خرجت الخرمية في الجبل وناحية أذربيجان، فوجه إليهم عبد الله بن مالك بْن الهيثم الخزاعي، فأسر منهم وقتل وسبى ذراريهم، وقدم بهم بغداد فبيعوا، وكان قد/ غزاهم قبله خزيمة بن خازم [٣] .
وفيها: وافى الرشيد من الرقة في السفن مدينة السلام، يريد الشخوص إلى خراسان لحرب رافع، وكان مصيره بغداد يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الآخر، واستخلف بالرقة ابنه القاسم، وضم إليه خزيمة بن خازم، ثم شخص من مدينة السلام عشية الاثنين لخمس خلون من شعبان بعد صلاة العصر من الخيزرانية، فبات في بستان أبي جعفر، وسار من غد إلى النهروان، فعسكر هناك، وردّ حمّاد البربري إلى أعماله، واستخلف ابنه محمدا بمدينة السلام، وخرج وهو مريض [٤] .
стр. 3132
وفيها: أمر الرشيد بنقض جامع المنصور وبنيانه.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت، أخبرنا إبراهيم بن مخلد، أخبرنا إسماعيل بن علي الحبطي قَالَ: وهدم مسجد أبي جعفر، وزيد في نواحيه، وجدد بناؤه، وأحكم، وكان الابتداء فيه في سنة اثنتين وتسعين، والفراغ منه في سنة ثلاث وتسعين ومائة.
وفيها: قدم يحيى بن معاذ بأبي النداء [١] على الرشيد وهو بالرقة، فقتله وقتل الهيصم اليماني [٢] .
وفيها: تحرك ثروان الحروي، وقتل عامل السلطان بطف البصرة [٣] .
وفيها: حج بالناس الفضل بن العباس بن محمد بن علي، وكان والي مكَّةَ [٤] .
وقيل: بل حج بهم الْعَبَّاس بن عبد الله بن جعفر بن المنصور.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان
١٠٤٧-/ إسماعيل بن جامع بن إسماعيل بن عبد الله بن المطلب بن وداعة، أبو القاسم
[٥] .
كان يحفظ القرآن- فيما ذكر الأصفهاني- إلا أنه اشتهر بالغناء.
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الأنطاكي، أخبرنا أبو الحسن بن الطيوري، أخبرنا أبو محمد الجوهري، أخبرنا أبو عمرو بن حيوية، أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان، حدثنا حماد بن إسحاق قال: أخبرني أَبِي قَالَ: قال ابن جامع: كان أبي ينهاني عن الغناء ويعذبني عليه، ويضيق علي، فهربت منه إلى أخوالي، وكانوا ينزلون بحران، فأنزلوني في مشرعة على نهر، فإنّي أشرف منها على نهر إذ طلعت سوداء معها قربة، فنزلت إلى المشرعة، فجلست ووضعت قربتها، واندفعت تغني:
стр. 3133
إلى
الله أشكو بخلها وسماحتي ... لها عسل مني وتبدل علقما [١]
فردي مصاب القلب أنت قتلته ... ولا تتركيه هائم القلب مغرما
قَالَ: فاستفزني ما لا قوام لي به، ورجوت أن ترده فلم تفعل، وأخذت القربة ونهضت، فنزلت أعدو خلفها، وقلت: يا جارية. فوقفت، فقلت لها: بأبي أنت وأمي، ردي الصوت. قالت: ما أشغلني عنك. قُلْتُ: بماذا؟ قالت: علي خراج كل يوم درهمين. فأعطيتها درهمين، فوضعت القربة وجلست تغنيه حتى أخذته وانصرفت، فلهوت/ يومي به، وبت فأصبحت وما أذكر منه حرفا واحدا، وإذا أنا بالسوداء قد طلعت، ففعلت كفعلها الأول، إلا أنها تغنت غير ذاك الصوت، فنهضت وعدوت في أثرها وقلت: الصوت قد ذهب عني نغمته. فأبت أن تعيده إلا بدرهمين، فأعطيتها، فأعادته فذكرته، فقلت: حسبك. فقالت: كأنك تكاثر فيه بأربعة دراهم، كأني والله بك وقد أصبت فيه أربعة آلاف دينار.
قال ابن جامع: فبينا أنا أغني الرشيد وبين يديه أكيسة أربعة، وفي كل واحد ألف دينار، قَالَ: من أطربني فله كيس، وعن لي والله الصوت. فغنيته، فرمى إلي بكيس، ثم قال لي: أعد. فأعدت، فرمى إلي بكيس آخر، ثم قال لي: أعد. فأعدت، فرمى إلي بكيس، فتبسمت فقال لي: مم تضحك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، لهذا الصوت حديث عجيب. فحدثته الحديث، فضحك ورمى إلي بالكيس الرابع، وقَالَ: لا تكذب السوداء. ورجعت بأربعة آلاف دينار.
وقد روى نحو هذه الحكاية أبو الفرج علي بن عيسى الأصفهاني [٢] : أن ابن جامع قال: انتقلت من مكة إلى المدينة لشدة لحقتني، فأصبحت يوما وما أملك إلا ثلاثة دراهم، فهي في كمي، إذا بجارية في يدها جرة تريد الركي [٣] ، تسعى بين يدي، وترنم بصوت شجي:
شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا ... فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا
стр. 3134
وذاك لأن النوم يغشى عيونهم ... سراعا ولا يغشى لنا النوم أعينا
إذا ما دنا الليل المضر بذي الهوى ... جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا
فلو أنهم كانوا يلاقون مثل ما ... نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا
قَالَ: فأخذ الغناء بقلبي ولم يدر لي منه حرف فقلت: يا جارية، ما أدري أوجهك أحسن أم غناؤك، فلو شئت أعدت. قالت: حبا وكرامة، ثم أسندت ظهرها إلى جدار، ثم انبعثت تغنيه، فما دار لي منه حرف، فقلت: لو تفضلت مرة أخرى. فغضبت وكلحت [١] وقالت: ما أعجب أحدكم يجيء إلى الجارية عليها الضريبة فيشغلها، فضربت يدي إلى الدراهم الثلاثة فدفعتها إليها، فأخذتها، وقالت: تريد أن تأخذ مني صوتا أحسبك تأخذ به ألف دينار وألف دينار وألف دينار. ثم غنت ففهمته ثم سافرت إلى بغداد، فآل الأمر إلى أن غنيت الرشيد بهذا الصوت، فرمى إلي ثلاثة أكياس، فتبسمت فأخبرته خبر الجارية.
أخبرني بعض أهل الأدب قَالَ: كان إسماعيل بن جامع قد تزوج بالحجاز جارية سوداء مولاة لقوم، يقال لها مريم، / فلما صار من الرشيد بالموضع الذي صار به اشتاق إلى السوداء، فَقَالَ يذكر الموضع الذي كان يألفها فيه ويجتمعان فيه:
هل ليلة بقفا الصحصاح عائدة ... من قبة ذات أشراح وأزرار
تسمو مجامرها بالمندلي كما ... تسمو بحباته أفراح أعصار
المسك يبدو إلينا من غلائلها ... والعنبر الورد تذكيه على النار
ومريم بين أتراب منعمة ... طورا وطورا تغنيني بأوتار
فقال الرشيد: ويلك! من مريمك هذه التي وصفتها صورة الحور العين؟ قال:
زوجتي. ثم وصفها كلاما أكثر مما وصفها شعرا، فأرسل الرشيد من الحجاز حتى حملت، فإذا هي سوداء طمطمانية، ذات مشافر، فقال لَهُ: ويلك! هذه مريم التي ملأت الدنيا بذكرها، عليك وعليها لعنة الله. فقال: يا سيدي، إن عمر بن أبي ربيعة يَقُولُ [٢] :
فتضاحكن وقد قلن لها ... حسن في كل عين ما تود
стр. 3135
١٠٤٨- بكر بن النطاح، أبو وائل الحنفي، الشاعر
[١] .
بصري سكن بغداد في زمن الرشيد، وكان يعاشر أبا العتاهية وأصحابه/. وكان أبو هفان يَقُولُ: أشعر أهل الغزل من المحدثين أربعة، أولهم بكر بن النطاح.
أخبرنا القزاز [أخبرنا الخطيب، أخبرنا علي بن طلحة المقرئ، أَخْبَرَنَا أحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عمران، حَدَّثَنَا محمد بن يحيى النديم، حدثنا عثمان بن محمد الكنْدِي، حدثنا] [٢] النضر بن حديد قَالَ: كنا في مجلس فيه أبو العتاهية، والعباس بن الأحنف، وبكر بن النطاح، ومنصور النميري، والعتابي، فقالوا لمنصور: أنشدنا، فأنشد مدائح الرشيد، فقال أبو العتاهية لابن الأحنف- أعني الْعَبَّاس-: [طرفنا بملحك] [٣] . فأنشد أبياته:
تعلمت أسباب [٤] الرضا خوف عتبه ... وعلمه حبي [له] [٥] كيف يغضب
ولي غير وجه قد عرفت مكانه ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب؟
فقال أبو العتاهية: الجيوب من هذا الشعر على خطر، ولا سيما إن سنح [٦] بين حلق ووتر، فَقَالَ بَكْر: قد حضرني شيء في هذا، فأنشد:
أرانا معشر الشعراء قوما ... بألسننا تنعمت القلوب [٧]
إذا انبعثت قرائحنا أتينا ... بألفاظ تشق لها الجيوب
فقال العتابي:
ولا سيما إذا ما هيجتها ... بنان قد تجيب وتستجيب
стр. 3136
قال النّضْر: فما زلت معهم في سرور. وبلغ إسحاق الموصلي خبرنا فَقَالَ:
اجتماع هؤلاء ظرف الدهر [١] .
قال المبرد: سمعت الحسن بن رجاء يَقُولُ: حضرت بكر بن النطاح ومعه جماعة من الشعراء، وهم يتناشدون، فلما فرغوا من طوالهم/ أنشدهم:
ما ضرها لو كتبت بالرضا ... فجف جفن العين أو أغمضا
شفاعة مردودة عندها ... في عاشق تندم لو قد قضى
يا نفس صبرا واعلمي أن ما ... نأمل منها مثل ما قد مضى
لم تمهن [٢] الأجفان من قاتل ... بلحظة إلا لأن أمرضا
قَالَ: فابتدروه يقبلون رأسه [٣] .
ولما مات ابن النطاح رثاه أبو العتاهية فَقَالَ:
مات ابن نطاح أبو وائل ... بكر فأمسى الشعر قد بانا
[٤]
١٠٤٩- بهلول المجنون
[٥] .
كانت له كلمات حسان، ولقي الرشيد في سنة ثمان وثمانين وهو يريد الحج، فوعظه موعظة بليغة. وقد ذكرناها هناك. وكان بهلول يأوي المقابر.
١٠٥٠- عبد الله بن إدريس بن يزيد [٦] بن عبد الرحمن بن الأسود، أبو محمد الأودي، الكوفي
[٧] .
ولد سنة خمس عشرة ومائة. وقيل: سنة عشرين. والأول أصح.
стр. 3137
سَمِعَ الأعمش، وأبا إسحاق الشيباني، وابن جُرَيْج [١] ، ومالك بن أنس، وشعبة، وسفيان الثَّورِي. ورُويَ عَنْه: ابن المبارك/، وأحمد بن حنبل، ويحيى، وغيرهم.
وأقدمه الرشيد إلى بغداد ليوليه قضاء الكوفة، فامتنع وعاد إلى الكوفة، وأقام بها إلى أن مات في هذه السنة. وكان ثقة عالما زاهدا ورعا، وكان أحمد بن حنبل يقول فيه: نسيج وحده [٢] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلي محمد بْن الحسين النهرواني، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا ابن مَخْلَد، حدّثنا حماد بن المؤمل الكلبي قَالَ: حدثني شيخ على باب بعض المحدثين قَالَ: سألت وكيعا عن مقدمه هو وابن إدريس وحفص على الرشيد فقال لي: ما سألني عن هذا أحد قبلك، قدمنا على هارون فأقعدنا بين السريرين فكان [٣] أول من دعا [٤] به أنَا، فقال:
أهل بلدك طلبوا مني قاضيا، وسموك لي فيمن سموا، وقد رأيت أن أشركك في أمانتي، وصالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة، فخذ عهدك أيها الرجل وامض. فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ كبير، وإحدى عيني ذاهبة، والأخرى ضعيفة. فقال هارون: اللَّهمّ غفرا خذ عهدك أيها الرجل وامض. فقلت: يا أمير المؤمنين، والله إن كنت صادقا إنه لينبغي أن تقبل مني، ولئن [٥] كنت كاذبا فما ينبغي أن تولي القضاء كذابا. فقال:
اخرج. فخرجت، ودخل ابن إدريس، وكان هارون قد وسم له من ابن إدريس وسم-/ يعني خشونة جانبه- فدخل، فسمعنا صوت ركبتيه على الأرض حين برك، وما سمعناه يسلم إلا سلاما خفيا، فقال له هارون: أتدري لم دعوتك؟ فقال له: لا. قَالَ:
إن أهل بلدك طلبوا مني قاضيا، وإنهم سموك لي فيمن سموا، وقد رأيت أن أشركك في أمانتي، وأدخلك في صالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة، فخذ عهدك وامض. فقال له
стр. 3138
ابن إدريس: ليس أصلح للقضاء. فنكت [١] هارون بإصبعه وقال لَهُ: وددت أني لم أكن رأيتك. قَالَ له ابن إدريس: وأنا وددت أني لم أكن رأيتك. فخرج، ثم دخل حفص بن غياث. فقال لَهُ كما قَالَ لنا. فقبل عهده وخرج. فأتانا خادم معه ثلاثة أكياس في كل كيس خمسة آلاف. فَقَالَ: إن أمير المؤمنين يقرئكم السلام ويقول لكم قد لزمتكم في شخوصكم مئونة فاستعينوا بهذه في سفركم. قال وكيع: فقلت لَهُ: أقرئ المؤمنين السلام، وقل لَهُ قد وقعت مني بحيث يحب أمير المؤمنين، وأنا عنها مستغن وفي رعية أمير المؤمنين من [٢] هو أحوج إليها مني، فإن رأى أمير المؤمنين بصرفها إلى من أحب.
وأما ابن إدريس فصاح بِهِ: مر من هنا. وقبلها حفص، وخرجت الرقعة إلى ابن إدريس من بيننا: عافانا الله وإياك، سألناك أن تدخل في أعمالنا فلم تفعل، ووصلناك من أموالنا فلم تقبل، فإذا جاءك ابني المأمون فحدثه إن شاء الله. فَقَالَ للرسول: إذا جاءنا مع الجماعة حدثناه إن شاء اللَّه. ثم مضينا، فلما صرنا إلى الياسرية حضرت الصلاة، فنزلنا نتوضأ للصلاة. قال وكيع: فنظرت إلى شرطي محموم نائم في الشمس، عليه سواده، فطرحت كسائي عليه وقلت: تدفأ إلى أن نتوضأ. فجاء ابن إدريس فاستلبه/ [ثم قال لي: رحمته] [٣] لا رحمك الله، في الدنيا أحد يرحم مثل ذا؟ ثم التفت إلى حفص فقال لَهُ: يا حفص، [قد] [٤] علمت حين دخلت إلى سوق أسد، فخضبت لحيتك، ودخلت الحمام، أنك ستلي القضاء، لا والله لا كلمتك حتى تموت. قَالَ: فما كلمه حتى مات [٥] .
أخبرنا محمد بن ناصر، أخبرنا محفوظ بن أحمد، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلي مُحَمَّد بْن الحسين الجازري [٦] ، أخبرنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن القاسم الأنباري قَالَ: حدثني أَبِي، حدثنا موسى بن عبد الرحمن بن مسروق الكنْدِي، حدثنا ابن
стр. 3139
المنذر- وكان جارا لعبد الله بن إدريس- قَالَ: حج الرشيد ومعه الأمين والمأمون، فدخل الكوفة، فقال لأبي يوسف: قل للمحدثين يأتونا فيحدثونا. فلم يتخلف عنه من شيوخ أهل الكوفة إلا اثنان: عبد الله بن إدريس، وعيسى بن يونس، فركب الأمين والمأمون إلى عَبْد الله بن إدريس فحدثهما بمائة حديث، فقال المأمون لعبد الله: يا عم، أتأذن لي أن أعيدها عليك من حفظي؟ قَالَ: افعل. فأعادها كما سمعها، وكان ابن إدريس من أهل الحفظ يقول: لولا أني أخشى أن ينفلت مني القرآن لدونت [١] العلم. فعجب عبد الله من حفظ المأمون. وقَالَ المأمون: يا عم، إلى جانب مسجدك دار، إن أردت اشتريناها ووسعنا بها المسجد. فقال: ما لي إلى هذا حاجة، قد أجزى من كان قبلي وهو يجزيني. فنظر إلى قرح في ذراع الشَّيْخ، فَقَالَ: إن معنا أطباء وأدوية، أتأذن لي أن أجيئك بمن يعالجك؟ قَالَ: لا، قد ظهر بي مثل هذا وبرأ. فأمر له بمال فأبى أن يقبله.
وصار إلى عيسى/ بن يونس فحدثه، فأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم، فأبى أن يقبلها، فظن أنه استقلها، فأمر له بعشرين ألفا، فقال عيسى: والله ولا أهليلجة، ولا شربة ماء عَلَى حَدِيث رَسُول اللَّه ﷺ ، ولو ملأت لي هذا المسجد ذهبا إلى السقف.
فانصرفا من عنده.
وعن حسين بن عمرو المنقري قَالَ: لما نزل بابن إدريس الموت بكت ابنته، فَقَالَ: لا تبكي، فقد ختمت في هذا البيت أربعة آلاف ختمة.
توفي ابن إدريس في هذه السنة [٢] .
١٠٥١- علي بن ظبيان، أبو الحسن العبسي، الكوفي
[٣] .
تقلد قضاء الشرقية، ثم ولي قضاء القضاة في أيام الرشيد. وكان يجلس في المسجد الَّذِي ينسب إلى الخلد فيقضي فيه. وحدث عَن عبيد الله بن عمر العمري، وإسماعيل بن أبي خَالِد، وعَبْد الملك بن أبي سُلَيْمَان. روى عنه: داود بن رشيد. وقد ضعفه بعض أصحاب الحديث. وقَالَ بعضهم: لا بأس به [٤] .
стр. 3140
أخبرنا أبو منصور القزاز، أبو بكر بن ثابت، أخبرنا علي بن المحسن، أَخْبَرَنَا طلحة بْن محمد بْن جعفر، حدثنا علي بن محمد بن عبيد، عن أحمد بن زهير، عن سليمان بن أَبِي شيخ، حدثنا عبيد بن ثابت قَالَ: كتبت إلى علي بن ظبيان وهو قاضي بغداد: بلغني أنك تجلس على بارية [١] ، وقد كان من قبلك من القضاة يجلسون على الوطاء، ويتكئون. فكتب إلي: إني لا أستجيز [٢] أن يجلس بين يدي رجلان حران مسلمان على بارية وأنا على وطاء، لست أجلس إلّا على ما يجلس/ عليه الخصوم [٣] .
قال طلحة: علي بن ظبيان رجل جليل، متواضع، دين، حسن العلم بالفقه، من أصحاب أبي حنيفة، وكان حسنا في باب الحكم، تقلد قضاء الشرقية، ثم تقلد قضاء القضاة، ولّاه الرشيد، وكان يخرجه معه إذا خرج إلى المواضع. فتوفي بقرميسين [٤] سنة اثنتين وتسعين ومائة [٥] .
١٠٥٢- العباس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة، أبو الفضل الشاعر
[٦] .
كان من عرب خراسان ومنشأة بغداد، وكان طريفا مقبولا حسن الشعر.
عن محمد بن يحيى قَالَ: سمعت عبد الله بن المعتز يَقُولُ: لو قيل لي: ما أحسن شعر تعرفه لقلت شعر العباس بن الأحنف:
قد سحب الناس أذيال الظنون بنا ... وفرق الناس فيها قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالظن غيركم ... وصادق ليس يدري أنه صدقا
أخبرنا القزاز، أخبرنا أبو بكر بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عبد الواحد، أخبرنا محمد بن عبد الرحيم المازني [٧] ، حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، حدّثنا
стр. 3141
أَبِي، حدثنا عبد الله بن أبي سعد، حدثنا عبد الله بن الربيع قَالَ: قال هارون الرشيد في الليل بيتا وأراد أن يشفعه بآخر فامتنع القول عليه، فَقَالَ: علي بالعباس بن الأحنف، فلما طرق ذعر وفزع أهله، فلما وقف بين يدي الرشيد/ قَالَ: وجهت إليك لبيت قلته، ورمت أن اشفعه بمثله فامتنع القول علي. فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، دعني حتى ترجع إليّ نفسي، فإنّي تركت عيالي على حال من القلق عظيمة، ونالني من الخوف ما يتجاوز الحد والوصف. فانتظر هنية، ثم أنشده:
جنان قد رأيناها ... ولم نر مثلها بشرا
فقال العباس:
يزيدك وجهها حسنا ... إذا ما زدته نظرا
فقال له الرشيد: زدني.
فقال الْعَبَّاس:
إذا ما الليل مال عليك ... بالظلماء [١] واعتكرا
ودج فلم تر قمرا ... فأبرزها ترى القمرا
فقال له الرشيد: قد ذعرناك وأفزعنا عيالك، وأقل الواجب أن نعطيك دينك فأمر له بعشرة آلاف درهم، وصرفه [٢] .
أخبرنا القزاز، أخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا عبيد الله بن عبد الرحمن الزُّهْرِيّ، حَدَّثَنَا محمد بن القاسم الشطوي، حدثنا أحمد بن عبيد قَالَ: سمعت الأصمعي يَقُولُ:
بينا أنا قاعد يوما في مجلس بالبصرة، فإذا أنا بغلام أحسن الناس وجها وثوبا، واقف على رأسي، فَقَالَ: إن مولاي يريد أن يوصي إليك، فأخذ بيدي حتى أخرجني إلى الصحراء، فإذا بالعباس بن الأحنف ملقى على فراشه، وإذا هو يجود بنفسه وهو يَقُولُ:
يا بعيد الدار عن وطنه ... مفردا يبكي على شجنه
كلما جد النجيب [٣] به ... زادت [٤] الأسقام في بدنه
стр. 3142
/ ثم أغمي عَلَيْهِ، فانتبه بصوت طائر على شجرة، وهو يَقُولُ:
ولقد زاد الفؤاد شجى ... هاتف يبكي على فننه
شاقه ما شاقني فبكى ... كلنا يبكي على سكنه
ثم أغمي عَلَيْهِ، وظنناها مثل الأولى، فحركته فإذا هو ميت [١] .
توفي العباس بن الأحنف في قول إبراهيم بن العباس الصولي في هذه السنة.
وقال عمر بن شبة: توفي سنة ثمان وثمانين. وقال غيره: بقي بعد الرشيد.
١٠٥٣- عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور
[٢] .
كان من وجوه بني هاشم وسراتهم، وولي إمارة البصرة، وخرج من بغداد يقصد الرشيد، وهو إذ ذاك بخراسان، فأدركه أجله بالدسكرة من طريق حلوان، فتوفي في هذه السنة.
١٠٥٤- الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي
[٣] .
أخو جعفر، ولد بالمدينة سنة سبع وأربعين ومائة، وأمه زبيدة بنت منين [٤] بربرية، فأرضعته الخيزران، وأرضعت زبيدة أمه الرشيد أياما، فصارا رضيعين، وفي ذلك يقول مروان بن أَبِي حفصة يمدحه:
كفى لك فضلا أن أفضل حرة ... غذتك بثدي والخليفة واحد
لقد زنت يحيى في المشاهد كلها ... كما زان يحيى خالدا في المشاهد
[٥] قال مؤلف الكتاب ﵀: كان الفضل أجود من أخيه جعفر، / وأندى راحة، إلا أنه كان فيه كبر شديد، وكان جعفر أطلق وجها، وأظهر بشرا، وكان الناس يؤثرون لقاء جعفر على لقاء الفضل.
стр. 3143
وهب الفضل لطباخه مائة ألف درهم، فعاتبه أخوه في هذا، فقال: إن هذا صحبني وأنا لا أملك شيئا، واجتهد في نصحي، وقد قال الشاعر:
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان عاونهم في المنزل الخشن
[١] ووهب لبعض الأدباء عشرة آلاف دينار، فبكى الأديب، فقال: أتبكي استقلالا لها؟ قَالَ: لا والله، ولكن أسفا، كيف تواري الأرض مثلك [٢] .
وولى الرشيد الفضل أعمالا جليلة. بخراسان وغيرها، فلما غضب على البرامكة وقتل جعفرا خلد الفضل في الحبس مع أبيه يحيى، فلم يزالا محبوسين حتى ماتا في حبسهما [٣] .
مات يحيى سنة تسعين، ومات الفضل سنة اثنتين وتسعين، قبل موت الرشيد بشهور. وقيل: سنة ثلاث.
أخبرنا القزاز، أخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا أبو القاسم الأزهري، أخبرنا أَحْمَد بْن إبراهيم، حَدَّثَنَا إبراهيم بْن مُحَمَّد بن عرفة، حدثنا محمد بن الحسين بن هشام، حدثنا علي بن الجهم، عن أبيه قال: لما أصبحت ذات يوم وأنا في غاية الضيقة، ما أهتدي إلى دينار ولا درهم، ولا أملك إلا دابة أعجف، وخادما خلعا، فطلبت الخادم فلم أجده/، ثم جاء فقلت: أَيْنَ كنت؟ فَقَالَ: كنت في احتيال شيء لك، وعلف لدابتك، فو الله ما قدرت عليه. فقلت: اسرج لي دابتي. فأسرجه، فركبت، فلما صرت في سوق يحيى إذا أنا بموكب عظيم، وإذا الفضل بن يحيى، فلما بصرني قَالَ: سر. فسرنا قليلا، وحجز بيني وبينه غلام يحمل طبقا على باب، يصيح بجارية، فوقف الفضل طويلا، ثم قَالَ: سر. ثم قَالَ: أتدري ما سبب وقفتي؟ قُلْتُ: إن رأيت أن تعلمني. قَالَ: كانت لأختي جارية، وكنت أحبها حبا شديدا، واستحي من أختي أن أطلبها منها، ففطنت أختي لذلك، فلما كان في هذا اليوم لبّستها وزيّنتها، وبعثت بها
стр. 3144
إلي، فما كان في عمري يوم أطيب من يومي هذا، فلما كان في هذا الوقت جاءني رسول أمير المؤمنين فأزعجني، وقطع علي لذتي، فلما صرت إلى هذا المكان دعا هذا الغلام صاحب الطبق باسم تلك الجارية، فارتحت لندائه، ووقفت فقلت: أصابك ما أصاب أخا بني عامر حيث يَقُولُ:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أحزان الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائرا كان في صدري
فَقَالَ: اكتب لي هذين البيتين. فعدلت لأطلب ورقة أكتب له هذين البيتين فيها فلم أجد، فرهنت خاتمي/ عند بقال، وأخذت ورقة، وكتبتهما فيها، وأدركته بها، فقال لي: ارجع إلى منزلك. فرجعت، ونزلت، فقال لي الخادم: اعطني خاتمك أرهنه.
فقلت: رهنته. فما أمسيت حتى بعث إلي بثلاثين ألف درهم جائزة، وعشرة آلاف درهم سلفا لسنة من رزق أجراه لي [١] .
أخبرنا ابن ناصر الحافظ، أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَبْد الجبار، أخبرنا محمد بن عبد الواحد بْن مُحَمَّد، أخبرنا جعفر، أخبرنا أبو عمرو بن حيوية، أخبرنا أَبُو عبد الله الحكيمي، حدثنا أَبُو الفضل ميمون بن هارون، حدثني عبد الله بن الحسين العلوي قَالَ: أتيت الفضل بن يحيى فاجلسني معه وأكرمني، فكلمته في ديني ليكلم أمير المؤمنين في قضائه عني. قال: فكم دينك؟ قلت: ثلاثمائة ألف درهم. قَالَ: نعم.
فخرجت من عنده وأنا مغمور لضعف رده، فمررت ببعض إخواني مستريحا إِلَيْهِ، ثم صرت إلى منزلي، فوجدت المال قد سبقني.
١٠٥٥- محمد بن أبي أمية بن عمرو، مولى بني أمية بن عبد شمس
[٢] .
أصله من البصرة، وله إخوة وأقارب كلهم شعراء، وقد اختلطت أشعارهم، واختلفت الروايات في أنسابهم، إلّا أن محمد بن أمية أشهرهم ذكرا، وأكثرهم شعرا، والباقون أشعارهم نزرة [٣] جدا. ومحمد بن أمية شاعر منهم، اختلط شعره بشعر عمه، فلم يفرق أكثر الناس بينهما/.
стр. 3145
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، أخبرنا علي بن المحسن القاضي قَالَ: حدثنا أَبِي، حدثنا أبو بكر الصولي، حدثنا عون بن محمد الكنْدِي قال: قال لي محمد بن أبي أمية الكاتب: كنت أنا وأخي نكتب للعباس بن الفضل بن الربيع فجاءه أبو العتاهية مسلما، فأمره بالمقام عنده، فَقَالَ: على شريطة ينشدني كاتبك هذا من شعره- وأومأ إلي- فقال: ذلك لك. وتغدينا، فَقَالَ:
الشرط. فأمرني أن أنشده، فحضرت وقلت: ما أجسر [١] على ذلك، وما ذاك قدرتي.
فَقَالَ: إن أنشدني وإلا قمت. فأنشدته:
رب قول منك لا أنساه لي ... واجب الشكر وإن لم يفعل
أقطع الدهر بظن حسن ... وأجلي [٢] غمرة ما تنجلي
وأرى الأيام لا تدني الذي ... أرتجي منك وتدني أجلي
وإذا أملت يوما صالحا ... عرض [٣] المقدور لي في أملي
فبكى أبو العتاهية أشد بكاء، ثم قال لي: زدني. فقال لي: زده. فأنشدته:
بنفسي من يناجيني ... ضميري بأمانيه
ومن يعرض عن ذكري ... كأني لست أعنيه
لقد أسرفت في الذل ... كما أسرفت في التيه
أما تعرف لي إحسان ... يوم فتجازيه
[٤]
١٠٥٦- منصور بن سلمة بن الزبرقان. وقيل: منصور بن الزبرقان/ بن سَلَمَة، أبو الفضل، النميري الشاعر
[٥] .
من أهل الجزيرة. قدم بغداد، ومدح الرشيد.
وجد منصور يقال لَهُ: مطعم الكبش الرخم، لأنه أطعم ناسا نزلوا به، ونحر لهم،
стр. 3146
ثم رفع رأسه فإذا هو برخم تحملق [١] حول أضيافه، فأمر أن يذبح لهن كبش ويرمى به بين [أيديهن] [٢] ففعل ذَلِكَ، فنزلن عليه، فمزقنه، فسمي: مطعم الكبش الرخم.
وفي ذلك يقول أبو بعجة النميري يمدح رجلا منهم:
أبوك زعيم بني قاسط ... وخالك ذو الكبش يقري الرخم
[٣] وكان منصور شاعرا من شعراء الدولة العباسية، وهو تلميذ كلثوم بن عمرو العتابي وراويته، وعنه أخذ. ووصفه العتابي للفضل بن يحيى حتى استصحبه، ثم وصله بالرشيد، ثم جرت بعد ذلك بينه وبين العتابي وحشة فتهاجيا.
أخبرنا أبو منصور القزاز، أخبرنا الخطيب، أخبرنا الحسن بن الحسن الثعالبي، أخبرنا أبو الفرج الأصفهاني قال: حدثني عمي، عن جدي قَالَ: قال النميري: كنت واقفا على جسر بغداد أنا وعبيد الله بن هشام بن عمرو التغلبي وقد وخطني الشيب يومئذ/، وعبيد الله شاب حدث السن، [فإذا أنا بقصرية ظريفة] [٤] وقد وقفت، فجعلت أنظر إليها وهي تنظر إلى [٥] عبيد الله بن هشام، ثم انصرفت، فقلت فيها:
لما رأيت سوام الشيب منتشرا ... في لمتي [٦] وعبيد الله لم يشب
سللت سهمين من عينيك فانتصلا ... على شبيبة ذي الأذيال والطرب
كذا الغواني مراميهن قاصدة ... إلى الفروع معداة عن الخشب
[٧] شبه الشباب بالفرع الأخضر، والشيخ بالخشبة التي قد يبست، أو ساق الشجرة الذي لا ورق له.
ثم أتم القصيدة يمدح بها يزيد بن مزيد، فأعطاه عشرة آلاف درهم.
стр. 3147
١٠٥٧- يوسف بن يعقوب بن إبراهيم، القاضي
[١] .
سمع الحديث من يونس بن إسحاق السبيعي، والسري بن يحيى، ونظر في الرأي وفقه، وولي القضاء بالجانب الغربي من بغداد في حياة أَبِيهِ، وصلى بالناس الجمعة في مدينة المنصور بأمر الرشيد، ولم يزل على القضاء ببغداد إلى أن توفي في رجب من هذه السنة.
стр. 3148
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة
فمن الحوادث فيها:
خروج الرشيد إلى ناحية خراسان
[١] :
أخبرنا محمد بن ناصر، أخبرنا أبو المعالي، أخبرنا أحمد بن محمد/ البخاري، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، أخبرنا أبو الحسن بن رزقويه، أخبرنا أبو جعفر بن برية، أَخْبَرَنَا أبو بكر بن محمد بن خلف بن المرزبان قَالَ: أخبرنا أحمد بن محمد بن علي التَّيْمي، عن أحمد بن صباح الطبري مولى عيسى بن جعفر الهاشمي قَالَ: حدثني أبي قَالَ: شيعت الرشيد حين مضى إلى خراسان فقال لي وهو يريد أن يأرما [٢] : يا صباح، ما أحسبك تراني بعد هذا أبدا. فقلت: أعيذك باللَّه يا أمير المؤمنين أن تقول هذا، والله إني لأرجو أن يبقيك الله لأمة محمد ﷺ مائة سنة. فتبسم وقَالَ: يا صباح، أنا والله ميت بعد قريب. فقلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، والله إني أرى دما ظاهرا، ولونا ناصعا، وشبابا زائدا، ومئونة [٣] قوية، وروحا طيبة، فعمرك الله أكثر مما عمر [٤] من ملك الأرض، وفتح لك ما فتح على ذي القرنين، ولا أرى رعيتك فيك. قال: فالتفت إلى جمعية كانت من ورائه، فَقَالَ: تنحوا عني. ثم قَالَ: مل بنا نحو تلك الشجرة حتى أسر إليك سرا. قَالَ: فسرت معه منحرفا عن الجادة نحوا من ثلاثمائة
стр. 3149
ذراع، فكمن في ظل حائط ثم قَالَ: أمانة الله في عنقك أن [لا] [١] تخبر بما ألقي إليك أحدا. فقلت: يا سيدي، هذه مخاطبة الأخ أخاه، وأنا عبد يخاطبني مولاي بمثل هذا.
فَقَالَ: والله لتقولن إني لا أقولها لأحد، وإنها أمانة حتى أؤديها إليك عند الله. قَالَ:
فعلت. فكشف عَن بطنه/، فإذا حرير قد عصب بن بطنه وظهره، ثم حول إلى قفاه فأخذ ثيابه عن ظهره، فإذا قروح ونقابات قد واراها بخرق وأدوية، وقَالَ: منذ كم ترى هذا بي؟ قُلْتُ: لا أدري. قال: ظهرت في أول سنة تسع وثمانين، والله ما اطلع عليها أحد من الناس إلا بختيشوع، ورجاء، ومسرور، فأما ابن بختيشوع فإنه بلغني أنه أخبر به المأمون، وو الله لئن بقيت لابن الفاعلة لأتركنه يهيم بطلب الخبر حتى يشغله ذلك عن إذاعة السر. وأما مسرور فأخبر الأمين بعلتي، وما منهم أحد إلا له علي حين، فأنى تصفوا [٢] لي حياة وأعز ولدي يحصي أنفاسي، ويستحب علتي، ولقد بلغ من تبرمهم بي وبحياتي أني إذا أردت الركوب جاءوني ببرذون قطوف، وليس إلا ليزيد في علتي، ويفسد علي جوارحي، فأكره أن أظهر هذا لهم، فيستوحشوا مني، ومتى استوحشوا أظهروا من العداوة ما كان باطنا، والعامة لهم أرجأ والخاصة إليهم أميل، وأنا كالخائف بينهم، أصبح فلا أطمع في المساء، وأمسي ولا أطمع في الصباح.
فقلت: يا سيدي، ما أحسن الجواب عن هذا، ولكن أقول: من أرادك بكيد فأراه الله ذلك الكيد في نفسه، وأراه فيك ما يسوءه، وأطال بقاءك، وكبت أعداءك حيث كانوا.
فقال: سمع الله دعاءك، انصرف فإن أشغالك ببغداد كثيرة. فودعته، وكان آخر العهد بِهِ.
وروى أبو بكر الصولي/ قَالَ: حدثنا محمد بن الفضل بن الأسود، حدثنا علي بن محمد بن سليمان النوفلي قَالَ: حدثني مسرور قَالَ: دخلت على الرشيد وهو يبكي عند خروجه إلى خراسان آخر خرجة، وفي يده قرطاس يقرأه فَقَالَ: يا مسرور،
стр. 3150
كأني والله عنيت بما في هذا القرطاس. ثم رمى به مزيدة [١] ، فأخذته، ووثب فدخل، فإذا فيه شعر لأبي العتاهية: [٢] .
هل أنت معتبر بمن خربت ... منه غداة قضى دساكره
وبمن أذل الدهر مصرعه ... فتبرأت منه عساكره
وبمن خلت منه أسرته ... وبمن خلت منه منابره
أين الملوك وأين جندهم ... صاروا مصيرا أنت صائره
يا مؤثر الدنيا بلذته ... والمستعد لمن يفاخره
نل ما بدا لك أن تنال من الدنيا ... فإن الموت آخره
قَالَ: فمات في سفرته تلك.
قال علماء السير/: ودخل الرشيد جرجان، فوافته خرائن علي بن عيسى على ألف بعير وخمسمائة بعير، ثم رحل من جرجان وهو مريض إلى طوس، فأقام بها إلى أن توفي، واتهم هرثمة [٣] ، فوجه ابنه المأمون قبل وفاته بثلاث وعشرين ليلة إلى مرو، ومعه عبد الله بْن مالك، ويحيى بن معاذ، وأسد بن يزيد في آخرين. وكان بين هرثمة وأصحاب رافع فيها وقعة، ففتح فيها بخارى، وأسر أخا رافع بشير بن الليث، فبعث به إلى الرشيد وهو بطوس، فدخل به عليه وهو ينظر في المرآة ويقول: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦ [٤] . فنظر إِلَيْهِ فَقَالَ: يا ابن اللخناء، إني لأرجو ألا يفوتني رافع كما لم تفتني أنت. فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، قد أظفرك الله، فافعل ما يحبّ الله، ولعل الله أن يلين لك قلب رافع إذا رأى أنك قد مننت عليّ! فغضب وقَالَ: والله لو لم يبق من أجلي إلا أن
стр. 3151
أحرك شفتي بكلمة لقلت: اقتلوه. ثم دعا بقصاب فَقَالَ: لا تشحذ مداك، دعها على حالها، وفصل هذا الفاسق ابن الفاسق. فجعله أشلاء، ثم أغمي عليه، وتفرق من حضره [١] .
وفي هذه السنة: توفي الرشيد، وبويع الأمين.
стр. 3152
باب ذكر خلافة الأمين
[١] / هو محمد بن هارون. ويكنى: أبا موسى، ويقال: أبا عبد الله. ولد برصافة بغداد سنة إحدى وسبعين ومائة. أمه أم جعفر، واسمها: زبيدة بنت جعفر الأكبر بن المنصور.
وكان أبيض، سبطا، أنزع، صغير العينين، أقنى، جميلا، طويلا، سمينا، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين. سمع الحديث الكثير، وأسند الحديث [٢] .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، أخبرنا أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِي الحسن بن أبي طَالِبٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ محمد المهلبي قَالَ: رَأَيْتُ عِنْدَ الْحُسَيْنِ بْنِ الضَّحَّاكِ جَمَاعَةً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الأَمِينِ وَأَدَّبَهُ، فوصف أَدَبًا كَثِيرًا، وَقَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ:
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمَنْصُورِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أبيه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ مُحْرِمًا حُشِرَ مُلَبِّيًا» [٣] .
ذكر بيعته توفي الرشيد بطوس، فبويع للأمين صبيحة الليلة التي مات فيها الرشيد، تولى ذلك صالح بن الرشيد، وذلك يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة، وكتب حمويه مولى المهدي صاحب البريد من طوس إلى
стр. 3153
سلام مولاه، وخليفته على البريد ليعلمه بوفاة الرشيد، فدخل على الأمين فعزّاه وهنأه بالخلافة.
وكان الأمين نازلا/ ببغداد في الخلد، فتحول إلى قصر [١] المنصور بالمدينة، وأمر الناس بالحضور، فحضروا، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ونعى الرشيد إلى الناس، وعزى نفسه والناس، ووعدهم الخير وبسط الأمان للأسود والأبيض.
فبايعه جلة [٢] أهل بيته وخاصة مواليه وقواده، ثم دخل ووكل ببيعته من بقي منهم سُلَيْمَان بن المنصور، وأمر للجند بمدينة السلام برزق سنتين، واتخذ الفضل بن الربيع وزيرا، وابنه العباس بن الفضل حاجبا، وجعل إسماعيل بن صبيح كاتبا، وجعله على ديوان الرسائل والتوقيعات والخاتم. وجعل عيسى بن علي بن ماهان على الشرطة، وقيل: عبد الله بن حازم.
أخبرنا ابن ناصر، أَنْبَأَنَا أحمد بن خلف، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، حدثنا أحمد بن كامل قَالَ: حدثني عبد الله بن إبراهيم النَّحْوِي، حدثنا أبو هفان، حَدَّثَنَا أحمد بن يوسف قال: دخل أبو نواس على محمد الأمين فهنأه بالخلافة وعزاه بالرشيد في بيت، فأنشأ يَقُولُ:
جرت جوار بالسعد والنحس ... فنحن في وحشة وفي أنس
العين تبكي والسن ضاحكة ... فنحن في مأتم وفي عرس
/ يضحكها القائم الأمين ويبكيها ... وفاة الرشيد بالأمس
بدران: بدر أضحى ببغداد في ... الخلد وبدر بطوس في الرمس
ثم قدم القادم بالبردة والقضيب والخاتم، فوصل لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة، وقدم عليه حسين الخادم بالخزائن التي كانت مع الرشيد، وقدمت زبيدة من الرافقة في آخر رجب بخزائن الرشيد، فتلقاها محمد بالأنبار [٣] ، وكان الأمين قد بعث من يأتيه بأخبار الرشيد في زمن علته كل يوم، وأرسل بدر بن المعتمر فكتب معه كتبا، وجعلها في قوائم صناديق منقورة، وألبسها جلود لبقر، وقَالَ: لا يظهرن أمير المؤمنين ولا أحد ممن في عسكره على شيء من أمرك، وما توجهت فيه، ولا على ما معك، ولو
стр. 3154
قتلت حتى يموت أمير المؤمنين، فإذا مات فادفع إلى كل إنسان منهم كتابه [١] .
فلما قدم بكر طوس بلغ هارون قدومه، فدعا بِهِ، فَقَالَ: ما أقدمك؟ قَالَ: بعثني محمد لأعلم خبرك وآتيه بِهِ. قَالَ: فهل معك كتاب؟ قَالَ: لا فأمر بما معه ففتش، فلم يصيبوا شيئا، فهدده بالضرب، فلم يقر بشيء، فأمر به، فحبس وقيد، فلما كان في الليلة التي مات فيها هارون أمر الفضل بن الربيع أن يصير إلى محبس بكر بن المعتمر، فيقرره، فإن أقر وإلا ضرب عنقه.
وصار إلى هارون/ فغشي عليه غشية [٢] ظنوا أنها هِيَ، وارتفعت الصيحة، فأرسل بكر بن المعتمر برقعة منه إلى الفضل بن الربيع يسأله أن لا يعجلوا في أمره، ويعلمه أن معه أشياء [٣] يحتاجون إليها، وكان بكر محبوسا عند حسين الخادم، فلما توفي الرشيد دعاه الفضل بْن الربيع فسأله عما عنده فأنكر أن يكون عنده شيء وخشي على نفسه من أن يكون هارون حيا، حتى صح عنده موت هارون، فأخبره أن عنده كتبا من أمير المؤمنين الأمين، وأنه لا يجوز [٤] له إخراجها وهو على حاله في قيوده، فامتنع حسين الخادم من إطلاقه حتى أطلقه الفضل فأتاهم بالكتب التي [٥] عنده، فكان في تلك الكتب:
كتاب من محمد إلى حسين الخادم بخطه، يأمره بتخلية بكر بن المعتمر وإطلاقه، فدفعه إِلَيْهِ.
وكتاب إلى المأمون، فاحتبس كتاب المأمون لغيبته بمصر، وأرسلوا إلى صالح بن الرشيد، فأتاهم، فدفعوا إليه كتاب الأمين، وكان في الكتاب إلى المأمون:
إذا ورد عليك كتاب أخيك- أعاذه [٦] الله من فقدك- فعز نفسك بما عزّاك الله به، واعلم
стр. 3155
أن الله قد اختار لأمير المؤمنين أفضل الدارين، وأجزل الحظين، فقم في أمرك قيام ذي الحزم، والناظر لأخيه وسلطانه، وعامة المسلمين، وإياك أن يغلب عليك الجزع، فإنه يحبط/ الأجر، ويعقب الوزر، وصلوات الله على أمير المؤمنين حيا وميتا، وإنا للَّه وإنا إليه راجعون، ثم إنا للَّه وإنا إليه راجعون وخذ البيعة على من [١] قبلك من قوادك وجندك، وخاصّتك وعامّتك، لأخيك ثم لنفسك، ثم للقاسم ابن أمير المؤمنين، على الشرط التي جعلها لك أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فإنك مقلد من ذلك ما قلدك الله وخليفته، فاعلم من قبلك رأيي في صلاحهم، وسد خلتهم، والتوسعة عليهم، فمن أنكرته عند بيعته، أو اتهمته على طاعته، فابعث إلي برأسه، وإياك وإقالته، فإن النار أولى به. واكتب إلى عمال ثغورك، وأمراء أجنادك بما طرقك من المصيبة بأمير المؤمنين، وأعلمهم أنّ الله لم يرض الدّنيا ثوابا له حتى قبضه إلى رحمته وجنته [٢] ، مغبوطا محمودا. ومرهم أن يأخذوا البيعة عَلَى أجنادهم وخواصهم وعوامهم على مثل ما أمرتك به، وأوعز إليهم في ضبط ثغورهم، والقوّة على عدوهم، وأعلمهم أني متفقد أحوالهم، ولام شعثهم، وموسّع عليهم، واعمل فيما تأمر به لمن حضرك أو نأى عنك من أجنادك، على حسب ما ترى وتشاهد، فإن أخاك يعرف حسن اختيارك، وصحة رأيك، وبعد نظرك، وهو يستحفظك الله، ويسأله أن يشد بك عضده، ويجمع بك أمره، إنه لطيف لما يشاء.
وكتب بكر بن المعتمر بين يدي بإملائي في شوال سنة اثنتين وتسعين ومائة [٣] .
وكتب إلى صالح أخيه:
إذا ورد عليك كتابي هذا عند وقوع/ ما قد سبق من علم الله، ونفذ من قضائه في خلفائه وأوليائه، وجرت به سنته في الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، فقال تعالى:
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٨: ٨٨ [٤] فاحمد الله على ما صار إليه