أحرك شفتي بكلمة لقلت: اقتلوه. ثم دعا بقصاب فَقَالَ: لا تشحذ مداك، دعها على حالها، وفصل هذا الفاسق ابن الفاسق. فجعله أشلاء، ثم أغمي عليه، وتفرق من حضره [١] .
وفي هذه السنة: توفي الرشيد، وبويع الأمين.
стр. 3152
باب ذكر خلافة الأمين
[١] / هو محمد بن هارون. ويكنى: أبا موسى، ويقال: أبا عبد الله. ولد برصافة بغداد سنة إحدى وسبعين ومائة. أمه أم جعفر، واسمها: زبيدة بنت جعفر الأكبر بن المنصور.
وكان أبيض، سبطا، أنزع، صغير العينين، أقنى، جميلا، طويلا، سمينا، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين. سمع الحديث الكثير، وأسند الحديث [٢] .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، أخبرنا أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِي الحسن بن أبي طَالِبٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ محمد المهلبي قَالَ: رَأَيْتُ عِنْدَ الْحُسَيْنِ بْنِ الضَّحَّاكِ جَمَاعَةً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الأَمِينِ وَأَدَّبَهُ، فوصف أَدَبًا كَثِيرًا، وَقَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ:
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمَنْصُورِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أبيه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ مُحْرِمًا حُشِرَ مُلَبِّيًا» [٣] .
ذكر بيعته توفي الرشيد بطوس، فبويع للأمين صبيحة الليلة التي مات فيها الرشيد، تولى ذلك صالح بن الرشيد، وذلك يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة، وكتب حمويه مولى المهدي صاحب البريد من طوس إلى
стр. 3153
سلام مولاه، وخليفته على البريد ليعلمه بوفاة الرشيد، فدخل على الأمين فعزّاه وهنأه بالخلافة.
وكان الأمين نازلا/ ببغداد في الخلد، فتحول إلى قصر [١] المنصور بالمدينة، وأمر الناس بالحضور، فحضروا، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ونعى الرشيد إلى الناس، وعزى نفسه والناس، ووعدهم الخير وبسط الأمان للأسود والأبيض.
فبايعه جلة [٢] أهل بيته وخاصة مواليه وقواده، ثم دخل ووكل ببيعته من بقي منهم سُلَيْمَان بن المنصور، وأمر للجند بمدينة السلام برزق سنتين، واتخذ الفضل بن الربيع وزيرا، وابنه العباس بن الفضل حاجبا، وجعل إسماعيل بن صبيح كاتبا، وجعله على ديوان الرسائل والتوقيعات والخاتم. وجعل عيسى بن علي بن ماهان على الشرطة، وقيل: عبد الله بن حازم.
أخبرنا ابن ناصر، أَنْبَأَنَا أحمد بن خلف، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، حدثنا أحمد بن كامل قَالَ: حدثني عبد الله بن إبراهيم النَّحْوِي، حدثنا أبو هفان، حَدَّثَنَا أحمد بن يوسف قال: دخل أبو نواس على محمد الأمين فهنأه بالخلافة وعزاه بالرشيد في بيت، فأنشأ يَقُولُ:
جرت جوار بالسعد والنحس ... فنحن في وحشة وفي أنس
العين تبكي والسن ضاحكة ... فنحن في مأتم وفي عرس
/ يضحكها القائم الأمين ويبكيها ... وفاة الرشيد بالأمس
بدران: بدر أضحى ببغداد في ... الخلد وبدر بطوس في الرمس
ثم قدم القادم بالبردة والقضيب والخاتم، فوصل لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة، وقدم عليه حسين الخادم بالخزائن التي كانت مع الرشيد، وقدمت زبيدة من الرافقة في آخر رجب بخزائن الرشيد، فتلقاها محمد بالأنبار [٣] ، وكان الأمين قد بعث من يأتيه بأخبار الرشيد في زمن علته كل يوم، وأرسل بدر بن المعتمر فكتب معه كتبا، وجعلها في قوائم صناديق منقورة، وألبسها جلود لبقر، وقَالَ: لا يظهرن أمير المؤمنين ولا أحد ممن في عسكره على شيء من أمرك، وما توجهت فيه، ولا على ما معك، ولو
стр. 3154
قتلت حتى يموت أمير المؤمنين، فإذا مات فادفع إلى كل إنسان منهم كتابه [١] .
فلما قدم بكر طوس بلغ هارون قدومه، فدعا بِهِ، فَقَالَ: ما أقدمك؟ قَالَ: بعثني محمد لأعلم خبرك وآتيه بِهِ. قَالَ: فهل معك كتاب؟ قَالَ: لا فأمر بما معه ففتش، فلم يصيبوا شيئا، فهدده بالضرب، فلم يقر بشيء، فأمر به، فحبس وقيد، فلما كان في الليلة التي مات فيها هارون أمر الفضل بن الربيع أن يصير إلى محبس بكر بن المعتمر، فيقرره، فإن أقر وإلا ضرب عنقه.
وصار إلى هارون/ فغشي عليه غشية [٢] ظنوا أنها هِيَ، وارتفعت الصيحة، فأرسل بكر بن المعتمر برقعة منه إلى الفضل بن الربيع يسأله أن لا يعجلوا في أمره، ويعلمه أن معه أشياء [٣] يحتاجون إليها، وكان بكر محبوسا عند حسين الخادم، فلما توفي الرشيد دعاه الفضل بْن الربيع فسأله عما عنده فأنكر أن يكون عنده شيء وخشي على نفسه من أن يكون هارون حيا، حتى صح عنده موت هارون، فأخبره أن عنده كتبا من أمير المؤمنين الأمين، وأنه لا يجوز [٤] له إخراجها وهو على حاله في قيوده، فامتنع حسين الخادم من إطلاقه حتى أطلقه الفضل فأتاهم بالكتب التي [٥] عنده، فكان في تلك الكتب:
كتاب من محمد إلى حسين الخادم بخطه، يأمره بتخلية بكر بن المعتمر وإطلاقه، فدفعه إِلَيْهِ.
وكتاب إلى المأمون، فاحتبس كتاب المأمون لغيبته بمصر، وأرسلوا إلى صالح بن الرشيد، فأتاهم، فدفعوا إليه كتاب الأمين، وكان في الكتاب إلى المأمون:
إذا ورد عليك كتاب أخيك- أعاذه [٦] الله من فقدك- فعز نفسك بما عزّاك الله به، واعلم
стр. 3155
أن الله قد اختار لأمير المؤمنين أفضل الدارين، وأجزل الحظين، فقم في أمرك قيام ذي الحزم، والناظر لأخيه وسلطانه، وعامة المسلمين، وإياك أن يغلب عليك الجزع، فإنه يحبط/ الأجر، ويعقب الوزر، وصلوات الله على أمير المؤمنين حيا وميتا، وإنا للَّه وإنا إليه راجعون، ثم إنا للَّه وإنا إليه راجعون وخذ البيعة على من [١] قبلك من قوادك وجندك، وخاصّتك وعامّتك، لأخيك ثم لنفسك، ثم للقاسم ابن أمير المؤمنين، على الشرط التي جعلها لك أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فإنك مقلد من ذلك ما قلدك الله وخليفته، فاعلم من قبلك رأيي في صلاحهم، وسد خلتهم، والتوسعة عليهم، فمن أنكرته عند بيعته، أو اتهمته على طاعته، فابعث إلي برأسه، وإياك وإقالته، فإن النار أولى به. واكتب إلى عمال ثغورك، وأمراء أجنادك بما طرقك من المصيبة بأمير المؤمنين، وأعلمهم أنّ الله لم يرض الدّنيا ثوابا له حتى قبضه إلى رحمته وجنته [٢] ، مغبوطا محمودا. ومرهم أن يأخذوا البيعة عَلَى أجنادهم وخواصهم وعوامهم على مثل ما أمرتك به، وأوعز إليهم في ضبط ثغورهم، والقوّة على عدوهم، وأعلمهم أني متفقد أحوالهم، ولام شعثهم، وموسّع عليهم، واعمل فيما تأمر به لمن حضرك أو نأى عنك من أجنادك، على حسب ما ترى وتشاهد، فإن أخاك يعرف حسن اختيارك، وصحة رأيك، وبعد نظرك، وهو يستحفظك الله، ويسأله أن يشد بك عضده، ويجمع بك أمره، إنه لطيف لما يشاء.
وكتب بكر بن المعتمر بين يدي بإملائي في شوال سنة اثنتين وتسعين ومائة [٣] .
وكتب إلى صالح أخيه:
إذا ورد عليك كتابي هذا عند وقوع/ ما قد سبق من علم الله، ونفذ من قضائه في خلفائه وأوليائه، وجرت به سنته في الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، فقال تعالى:
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٨: ٨٨ [٤] فاحمد الله على ما صار إليه
стр. 3156
أمير المؤمنين من عظيم ثوابه ومرافقة أوليائه [١] ، وصلى الله على أمير المؤمنين حيا وميتا، وإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وإياه نسأل أن يحسن الخلافة على أمة نبيه ﷺ ، فقد كان لهم عصمة وكهفا، وبهم رءوفا رحيما، فشمر في أمرك، وإياك أن تلقي بيديك [٢] ، فإن أخاك قد اختارك لما استنهضك له، وهو متفقد مواقع فعلك [٣] ، فحقق ظنه، ونسأل الله التوفيق. وخذ البيعة على من قبلك من ولد أمير المؤمنين، فإن السعادة واليمن في الأخذ بعهده، والمضيّ على منهاجه [٤] . وأعلم من قبلك من الخاصة والعامة رأيي في استصلاحهم، ورد مظالمهم، وتفقد حالاتهم، وإدرار [٥] أرزاقهم وأعطياتهم، فإن شغب شاغب، أو نعر ناعر، فاسط به سطوة تجعله نكالا، واضمم إلى الفضل بن الربيع ولد أمير المؤمنين وحرمه وأهله، ومره بالمسير معهم فيمن معه من جنده ورابطته، وصير إلى عبد الله بن مالك أمر العسكر وأحداثه، فإنه ثقة على ما يلي، مقبول عند العامة، ومره بالجد والتيقظ، وتجديد الحرم [٦] ، وتقديم الحزم في أمره كله، وأقر حاتم بن هرثمة على ما هو عليه، ومره بحراسة/ ما يحيط به [٧] من قصور أمير المؤمنين، ومر الخدم بإحضار روابطهم ممن يسد بهم [٨] وبأجنادهم مواضع الخلل من عسكرك. والسلام [٩] .
ولما بلغ المأمون الخبر نعى الرشيد على المنبر، وشق ثوبه ونزل، وأمر للناس بمال، وبايع لمحمد ولنفسه، وأعطى الجند [رزق] [١٠] اثني [١١] عشر شهرا [١٢] .
стр. 3157
ولما قرأ الذين وردت عليهم كتب محمد بطوس من القواد والجند وأولاد هارون، تشاوروا في اللحاق بمحمد، فقال الفضل بن الربيع: لا أدع ملكا حاضرا لآخر، ما ندري ما يكون من أمره. وأمر الناس بالرحيل، ففعلوا ذلك محبة منهم للحوق بأهليهم ومنازلهم ببغداد، وتركوا العهود التي كانت أخذت عليهم للمأمون، فانتهى الخبر بذلك من أمرهم إلى المأمون بمرو، فجمع من معه من قواد أَبِيهِ، منهم: عبد الله بن مالك، ويحيى بن معاذ، وشبيب بن حميد بن قحطبة، وذو الرئاستين [وهو] [١] عنده من أعظم [الناس] [٢] قدرا، وأخصهم به، فأخبرهم وشاورهم، فأشاروا عليه أن يلحقهم في ألفي فارس جريدة، فيردهم، فدخل عليه ذو الرئاستين فَقَالَ: إن فعلت ما أشاروا عليك جعلت هؤلاء هدية إلى محمد [٣] ، ولكن الرأي أن تكتب كتابا، وتوجه إليهم رسولا، فتذكرهم البيعة، وتسألهم الوفاء، وتحذرهم الحنث، وما يلزمهم في ذلك في الدين والدنيا، فتستبرئ ما عند القوم. فكتب كتابا، ووجهه مع سهل بن صاعد، ونوفل الخادم، فلحقاهم بنيسابور قد رحلوا ثلاث مراحل.
فقال الفضل بن الربيع: إنما أنا رجل واحد منهم. وشد على سهل عبد الرحمن/ ابن جبلة بالرّمح [٤] ، وقَالَ: قل لصاحبك: والله لو كنت حاضرا لوضعت الرمح في فيك، هذا جوابي. ونال من المأمون، فرجعا بالخبر.
فقيل للمأمون: أعداء قد استرحت [منهم] [٥] ، فابعث إلى الفقهاء فادعهم إلى الحق والعمل به، وأحياء السنة [٦] .
ففعل، وحط عن خراسان ربع الخراج، ورد المظالم، وأقام على ولايته، وكاتب الأمين بالتعظيم منهم، وأهدى له هدايا كثيرة من فنون الطرف [٧] .
стр. 3158
وأما الأمين فإنه تشاغل باللهو واللعب، وبنى ميدانا حول قصر المنصور للصوالجة، وعمل خمس حراقات في دجلة على خلقة: الأسد، والفيل، والعقاب، والفرس، والحية. وأمر لبعض من أنشده بثلاثمائة ألف دينار، وأوقر لشاعر أنشده ثلاثة أبغل دراهم.
قال الصولي: حدثني أحمد بن يزيد المهلبي، عن أَبِيهِ قَالَ: لما ولي الأمين الخلافة استبطأ الناس جلوسه، وقالوا: تشاغل باللهو. فجلس، وأمضى الأمور، وقال:
أتراني لا أعرف الإصدار والإيراد، ولكن شرب كأس، وسم آس، والاستلقاء من غير نعاس أحب إلي من مداراة النَّاسَ.
وفي هذه السنة: دخل هرثمة حائط سمرقند، ولجأ رافع إلى المدينة الداخلة، وراسل رافع التُّرْكُ فوافوه، فصار هرثمة هو ورافع والترك، ثم انصرف هرثمة إلى الترك، وضعف رافع [١] .
وفيها: قتل نقفور ملك الروم في حرب برحان، / وكان ملكه سبع [٢] سنين، وملك بعده ابنه استبراق [٣]- وكان مجروحا [٤]- شهرين ومات، وملك ميخائيل ختنه على أخته [٥] .
وأقر الأمين أخاه القاسم على ولايته التي ولاه الرشيد من عمل الجزيرة وقنّسرين والثغور، ثم صرفه عن الجزيرة في هذه السنة، واستعمل عليها خزيمة بن خازم [٦] .
وفي ذي القعدة: توفي إسماعيل بن علية، وكان على المظالم، فولى الأمين
стр. 3159
مكانه محمد بن عبد الله الأنصاري على المظالم والقضاء ببغداد [١] .
وفيها: حج بالناس داود بن عيسى بن مُوسَى، وكان والي مكة [٢] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٠٥٨- إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، أبو بشر الأسدي مولاهم، يعرف بابن علية
[٣] .
من أهل البصرة، وأصله كوفي. سمع من أبي الساج الضبعي حديثا واحدا.
وروى الكثير: عَن عَبْد العزيز بن صهيب، وأيوب السجستاني، وابن عون، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، وغيرهم.
وحدث عَنْه: ابن جريح، وشعبة، وحماد بن زيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد، ويحيى، وعليّ، وغيرهم. وكان حافظا، ثقة، مأمونا، ورعا، تقيا، وكان يقرأ في الليل ثلث القرآن.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي، حدثنا الجوهري، حدثنا محمد بن العباس، أخبرنا أحمد بن معروف الخشاب/ حدثنا الحسين بن فهم، حدثنا محمد بن سعد قَالَ: إِسْمَاعِيل بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، مولى عبد الرحمن بن قطبة الأسدي- أسد خزيمة- وكان إبراهيم تاجرا من أهل الكوفة، وكان يقدم البصرة بتجارته، فتزوج علية بنت حسان مولاة لبني شيبان، وكانت امرأة نبيلة عاقلة، لها دار بالعوقة تعرف بها، وكان صالح المري وغيره من وجوه البصرة وفقهائها يدخلون فتحادثهم وتسائلهم، فولدت لإبراهيم إسماعيل سنة عشر ومائة، فنسب إليها، وكان ابن إبراهيم ثقة ثبتا في الحديث حجة، وقد ولي صدقات البصرة، وولي ببغداد
стр. 3160
المظالم في آخر خلافة هارون [١] .
قال مؤلف الكتاب: وقد زعم علي بن حجر أن علية جدته لأُمّه.
وكان إسماعيل يَقُولُ: من قال ابن علية فقد اغتابني. إلا أن هذا شاع فعرف بِهِ [٢] .
وقال أحمد بن حنبل: فاتني مالك فأخلف الله علي سفيان بن عيينة، وفاتني حماد بن زيد فأخلف الله علي إسماعيل بن علية.
وقال شُعْبَة: ابن علية سيد المحدثين.
أنبأنا زاهر بن طاهر، حدثنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم قَالَ: سمعت أبا الفضل محمد بن إبْرَاهِيم يَقُولُ: حدثنا أحمد بْن سلمة، حدثنا عمرو بن زائدة قَالَ: صحبت ابن علية ثلاث عشرة سنة، ما رأيته تبسم فيها [٣] .
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو العلاء محمد بن علي الواسطي، أخبرنا أبو الفوارس/ إبراهيم بن أحمد بن محمد الفارسيّ، حدّثنا أبو الحسين يحيى بن محمد، حدثنا مسبح بن حاتم قَالَ: قال عبد الله بن محمد بن جعفر بْن عائشة، حدثنا حماد بن سلمة، وحماد بن زيد: أن عبد الله بن المبارك كان يتجر في البز، وكان يقول: لولا خمسة ما تجرت. فقيل لَهُ: يا أبا محمد، من الخمسة؟ فَقَالَ: سفيان الثوري، وسُفْيان بن عُيَيْنَة، والفضيل بن عياض، ومحمد بن السماك، وابن علية. وكان يخرج إلى خراسان فيتجر، فما ربح من شيء أخذ القوت للعيال ونفقة الحج، والباقي يصل به إخوانه الخمسة. قَالَ: فقدم سنة، فقيل لَهُ: قد ولي ابن علية القضاء. فلم يأته ولم يصله بالصرة التي كان [٤] يصله
стр. 3161
بها في كل سنة، فبلغ ابن علية أن ابن المبارك قد قدم، فركب إليه، فلم يرفع به عبد الله رأسا، ولم يكلمه، فانصرف، فلما كان من الغد كتب إليه رقعة فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم. أسعدك الله بطاعته، وتولاك بحفظه، وحاطك بحياطته، قد كنت منتظرا لبرك وصلتك أتبرك بها، وجئتك أمس فلم تكلمني، ورأيتك واجدا علي، فأي شيء رأيت مني حتى أعتذر إليك منه؟
فلما وردت الرقعة على عبد الله دعا بالدواة والقرطاس وقَالَ: يأبى هذا الرجل إلا أن نشق [١] له العصا، ثم كتب إِلَيْهِ:
يا جاعل الدين له بازيا ... يصطاد أموال المساكين
احتلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين
/ فصرت مجنونا بها بعد ما ... كنت دواء للمجانين
أين رواياتك في سردها ... عن ابن عون وابن سيرين
أين رواياتك والقول في ... إتيان أبواب السلاطين
إن قلت أكرهت فذا باطل ... زل حمار العلم في الطين
فلما وقف ابن علية على الأبيات قام من مجلس القضاء، فوطئ بساط هارون، وقَالَ: يا أمير المؤمنين، الله الله ارحم شيبتي، فإني لا أصبر للخطأ. فقال له هارون:
لعل هذا المجنون قد أغرى بقلبك. فقال لَهُ: الله الله أنقذك الله. فأعفاه من القضاء، فلما اتصل بعبد الله بن المبارك ذلك وجه إليه بالصرة [٢] .
توفي ابن علية في ذي القعدة من هذه السنة، ودفن في مقابر عبد الله بن مالك.
١٠٥٩- محمد بن جعفر، أبو عبد الله الْبَصْرِيّ، يلقب: غندر [٣] . وهو مولى لهذيل
[٤] .
стр. 3162
بَصْرِيّ صاحب سعيد بن أبي عروبة، جالس شعبة نحوا من عشرين سنة، وسمع من جماعة غيرهما، وكان إماما ثقة، أخرج عنه في الصحيحين. وكان فيه سلامة صدر.
أخبرنا المبارك بن علي الصيرفي، أخبرنا سعد الله بن علي بن أيوب، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمَأْمُونِ، أخبرنا أبو الفضل مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْمَأْمُونِ، حَدَّثَنَا أَبُو بكر بن الأنباري قَالَ: حدثني مُحَمَّد بْن المرزبان قَالَ: حدثني أبو محمد المروزي، حدثنا عبد الله بن بشير، عن سليمان بن أيّوب صاحب البصري قَالَ: قيل لغندر إن الناس يعظمون أمر السلامة التي فيك، / قَالَ: يكذبون. قال: قُلْتُ: فحدثني منها بشيء صحيح. قَالَ: صمت يوما فأكلت ثلاث مرات ناسيا، ثم ذكرت أني صائم، ثم نسيت، فثنيت، ثم ثلثت، فأتممت صومي.
قال ابن المرزبان: وحدثنا عباس بن محمد، عن يحيى بن معين قال: اشترى غندر يوما سمكا، وقَالَ لأهله: اصلحوه. ونام، فأكل عياله السمك ولطخوا يده، فلما انتبه قَالَ: قدموا السمك. قالوا: قد أكلت. قَالَ: لا. قالوا: فشم يدك. ففعل، فَقَالَ:
صدقتم، ولكن ما شبعت [١] .
قال البخاري في تاريخه [٢] : مات في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين ومائة.
وذكر ابن سعد في الطبقات [٣] أنه مات بالبصرة سنة أربع وتسعين.
قال مؤلف الكتاب: وقد اتفق في أسماء المحدثين أسماء جماعة: محمد بن جعفر، فلقبوا: غندر تشبيها بهذا الرجل، فمنهم:
محمد بن جعفر بن دران بن سليمان، أبو الطيب. توفي سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. وسيأتي ذكره [٤] في السنين.
ومنهم: محمد بن جعفر، أبو بكر الوراق. توفي سنة سبعين وثلاثمائة.
стр. 3163
ومنهم: محمد بن جعفر، أبو بكر القاضي، مولى فاتن المقتدري. روى عن ميسرة بن عبد الله الخادم.
ومحمد بن جعفر. حدث عن الحسن بن علي العمري. / روى عن أحمد بن الفرج بن حجاج.
كل هؤلاء يلقب، غندر، واسمه: محمد بن جعفر.
١٠٦٠- مروان بن معاوية بن الحارث بن عثمان بن أسماء بن خارجة بن عيينة بن حصن الفزاري
[١] .
كوفي الأصل. سَمِعَ إسماعيل بن خَالِد، وعاصما الأحول. وحميد الطويل، والأعمش.
وقَالَ: أتيت الأعمش فقال لي: قد قسم جدك أسماء قسما، فنسي جارا لَهُ، ثم استحى أن يعطيه وقد بدأ بآخر قبله، فبعث عليه، وصب عليه المال صبا.
وكان مروان قد تحول إلى دمشق، فسكنها، وقدم بغداد، فحدث بها، فروى عَنْه قتيبة، وأحمد بن حنبل، ويحيى، وأبو خيثمة، وابن راهويه. ثم عاد إلى مكَّةَ. وكان ثقة، إلا أنه كان يروي عن ضعاف ويدلسهم.
أخبرنا القزاز، أخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا ابن الفضل، حدثنا عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا يعقوب بن سُفْيان قَالَ: سمعت مهدي بن أبي مهدي قَالَ: كان في خلق الفزاري شراسة، وكان معيلا شديد الحاجة، وكان الناس يبرونه، فإذا بره الإنسان كان ما دام ذلك البر عنده في منزله يعرف فيه الانبساط إلى الرجل. قَالَ: فنظرت فلم أجد شيئا أبقى في منزل الرجل من الخل، ولا أرخص منه بمكة، فكنت أشتري جرة من خل فأهدي له، فأرى موقع ذلك منه، فإذا فنى أرى ذلك منه، فأسأل الجارية: أفني خلكم؟
فتقول: نعم. فأشتري جرة، فأهديها له، فيعود/ إلى ما كان عَلَيْهِ [٢] توفي بمكة قبل التروية بيوم من هذه السنة.
стр. 3164
١٠٦١- هارون الرشيد، أمير المؤمنين، ابن المهدي
[١] .
كان بالرقة، وكان جبرئيل بن بختيشوع يدخل عليه كل يوم، فإن أنكر شيئا وصفه لَهُ، فذكر له ما يصلح، فدخل عليه يوما، فرآه مهتما، فسأله عن حاله، فَقَالَ: لرؤيا رأيتها أفزعتني. فقال: لعلها من بخارات رديئة، أو من تهاويل السوداء: فَقَالَ: رأيت كأني جالس على سريري هذا، إذ مدت إلي من تحتي ذراع أعرفها، وكف أعرفها، وفي الكف تربة حمراء، فقال لي قائل اسمعه ولا أرى صفته: هذه التربة التي تدفن فيها.
فقلت: أين هذه التربة؟ فَقَالَ: بطوس. وغابت اليد وانتبهت. فقال له الطبيب: أحسبك أخذت مضجعك ففكرت في خراسان وحروبها. فقال: قد كان ذلك. ومرت الأيام، ونسي، واتفق خروجه إلى خراسان حين تحرك رافع الخارجي، فلما كان ببعض الطريق ابتدأت به العلة، وما زالت تزيد حتى دخل إلى طوس، فمرض في بستان هناك، فبينا هو في البستان وذكر تلك الرؤيا، فوثب متحاملا يقوم ويسقط، فاجتمعوا إليه، كلّ يقول: يا سيدي، ما جاء لك!؟ فَقَالَ: يا جبريل، تذكر رؤياي بالرقة، في طوس. ثم رفع رأسه إلى مسرور فَقَالَ: جئني من تربة هذا البستان/ فمضى وأتى بالتربة في كفه حاسرا عن ذراعه، فلما نظر إِلَيْهِ قَالَ: والله هذه الذراع التي رأيتها في منامي، وهذا والله الكف بعينه، وهذه والله التربة الحمراء ما خرمت شيئا. وأقبل على البكاء والنحيب بعد هذا الكلام ثلاثة أيام [٢] .
وفي رواية أخرى: أنه رأى في المنام أن امرأة وقفت عليه، وأخذت كف تراب وقالت: هذه تربتك عن قليل. فأصبح فزعا، فقص رؤياه، فقال له أصحابه: وما في هذا؟ قد يرى النائم أغلظ من هذا. فبينا هو يوما يسير إذ نظر إلى امْرَأَة فَقَالَ: هذه والله المرأة التي رأيتها في منامي، ولقد رأيتها بين ألف امرأة ما خفيت عليّ، ثم أمرها أن تأخذ كفا من تراب فتناوله، فضربت بيدها الأرض، وناولته، فَقَالَ: هذه والله التربة التي رأيتها، وهذه المرأة بعينها. وكان إذ مات [٣] هناك.
стр. 3165
وروى الصولي قال: حدثني حسين بن يحيى قَالَ: سمعت هبة الله بن إبراهيم بن المهدي يحدث عنه أَبِيهِ قال: أحب الرشيد أن يعرف حقيقة علته، وعلم أن ابن يختيشوع يكتمه، فواطأ إنسانا من أهل طوس وسأله أن يلاطف بختيشوع، ففعل، ثم أعطى الرجل ماءه وقال له: اذهب به إلى ابن بختيشوع على أنه ماء لمريض لك. ففعل الرجل ذَلِكَ، فلما رأى ابن بختيشوع الماء قَالَ لبعض من معه: كأنه والله ماء الرجل ففطن الذي جاء بالماء، فقال لابن بختيشوع: اتق الله في، فإن بيني وبين [١] هذا الرجل/ معاملات، فإن كان يعيش لم استقص عَلَيْهِ، وأن كان يموت فرغت مما بيني وبينه.
فَقَالَ: تريد أن أصدقك؟ قَالَ: نعم. قال: صاحب هذا الماء لا يعيش إلا أياما. فعاد الرسول وأخبر الرشيد بذلك. وعلم ابن بختيشوع بالأمر، فاختفى إلى أن مات الرشيد، ولما قرب موت الرشيد جعل يقول:
إني بطوس مقيم ... ما لي بطوس حميم
أرجو إلهي لما بي ... فإنه بي رحيم
لقد أتاني بطوس ... قضاؤه المحتوم
[٢] وقَالَ: (احفروا لي قبرا. فحفروا له في ذلك البستان. فَقَالَ: احملوني أنظر إِلَيْهِ.
فحمل فنظر إليه، فجعل يَقُولُ: أغثني أغثني، وارحم عبرتي. ثم قَالَ: قربوني قليلا.
فقربوه، فنظر في القبر فقال: وسعوا عند الصدر قليلا. ففعلوا، وهو ينظر، وأنزل قوما فختموا فيه القرآن، وقَالَ: مدوا موضع الرجلين. ففعلوا، وهو في محفة على شفير القبر، ثم شخص ببصره إلى السماء وقال: يا من لا يموت، ارحم من يموت، يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه [٣] . ثم بكى بكاء شديدا، وأنشد:
/ أنا ميت وعز من لا يموت ... قد تيقنت أنني سأموت
ليس ملك يزيله الموت ملكا ... إنما الملك ملك من لا يموت
وتوفي ليلة الأحد، وقيل: ليلة السبت نصف الليل، لغرّة جمادى الأولى، لثلاث
стр. 3166
خلون منه، من سنة ثلاث وتسعين، فكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة، وشهرين، وثمانية عشر يوما، وكان له سبع وأربعون سنة، وخمسة أشهر، وخمسة أيام. وقيل:
خمس وأربعون سنة. وقيل: ست وأربعون. وصلى عليه ابنه.
وتوفي وفي بيت المال تسعمائة ألف ألف ونيف. وذكر بعض المؤرخين أنه خلف ما لم يخلفه أحد من الملوك من العين والورق والجوهر والدواب والأثاث، ما بلغ قيمته سوى قيمة الضياع: مائة ألف ألف دينار [١] .
ورثاه أبو الشيص فَقَالَ:
غربت في الشرق شمس ... فلها العينان تدمع
ما رأينا قط شمسا ... غربت من حيث تطلع
[٢] .
١٠٦٢- أبو بكر بن عياش بن سالم بن الحناط، مولى واصل بن حيان الأسدي
[٣] .
وقد اختلفوا في اسمه، فقيل: شعبة، وقيل: مُحَمَّد، وقيل: مُطَرِّف، وقيل:
رؤبة، / وقيل: سالم، وقيل: اسمه كنيته.
ولد سنة سبع وتسعين، وقيل: أربع وتسعين، وقيل: خمس وتسعين، وقيل:
ست وتسعين.
سمع أبا إسحاق السبيعي، وسليمان التيمي، والأعمش، وإسماعيل بن أبي خَالِد، وهشام بْن عُرْوَة، وغيرهم.
روى عَنْه: ابن المبارك، وابن مهدي، وحسين الجعفي، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وغيرهم.
وكان ثقة متشددا في السّنّة، إلا أنه ربما أخطأ في الحديث.
стр. 3167
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت، أخبرنا البرقاني قَالَ: قرأت عَلَى أبي القاسم النحاس، أخبرنا ابن أبي دَاوُد، حدثنا إسحاق بن وَهْبِ قَالَ: سمعت يزيد بْن هارون وذكر عنده أبو بكر بن عياش، فقال: كان أبو بكر بن عياش خيرا فاضلا، لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة [١] .
أخبرنا القزاز، [أخبرنا الخطيب، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْعَلاءِ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن جعفر التميمي بالكوفة، أخبرنا أبو بكر الدارمي، حدثنا الحسن بن يحيى بن أبان] [٢] ، عن ابن هشام الرفاعي قَالَ: سمعت أبا بكر بن عياش يَقُولُ: لي غرفة قد عجزت عن الصعود إليها وما يمنعني من النزول منها إلا أني أختم فيها القرآن كل يوم وليلة ختمة ستون سنة [٣] .
أخبرنا القزاز، [أخبرنا الخطيب، أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر الدوادي، حدثنا محمد بن العباس بن الفرات، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حدثنا أبو شيخ الإصبهاني، حدثنا دلويه قَالَ: سمعت] [٤] عليًّا- يعني ابن محمد ابن أخت يعلى بن عُبَيْد- يقول: مكث أبو بكر/ بن عياش عشرين سنة وقد نزل الماء في إحدى عينيه ما يعلم به [٥] أهله [٦] .
وأخبرنا القزاز [أخبرنا الخطيب، أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن أَحْمَد بن البراء، حدثنا] [٧] إسحاق بن
стр. 3168
الحُسَين قَالَ: كان أبو بكر بن عياش [لما كبر] [١] يأخذ إفطاره، ثم يغمسه في إناء في جر [٢] كان لَهُ في بيت مظلم، ويقول: يا ملائكتي، طالت صحبتي لكما، فإن كان [٣] .
لكما عند الله شفاعة فاشفعا [٤] .
وتوفي أبو بكر بن عياش في هذه السنة، وقد جاز التسعين، وقد قِيلَ أنه [جاز] ستا [٥] وتسعين.
وأخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب، أخبرنا ابن بشر، أخبرنا ابن صفوان، أخبرنا ابن أبي الدنيا، حدثنا محمد بن المثنى قَالَ: سمعت إبراهيم بن شماس قال: سمعت إبراهيم بن أَبِي بكر بن عياش يَقُولُ: شهدت [٦] أبي عند الموت فبكيت، فَقَالَ: يا بني، ما يبكيك؟ فما أتى أبوك فاحشة قط [٧] .
ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائة. يذكر ما فيها في أول الجزء العاشر، التالي لهذا الجزء إن شاء الله تعالى.
والحمد للَّه وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 3169
[المجلد العاشر]
بِسم الله الرَحمنِ الرَحيم وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله
ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائة
فمن الحوادث فيها:
مخالفة أهل حمص عاملهم إسحاق بن سليمان، وكان محمد ولاه إياها، فلما خالفوه انتقل إلى سلمية، فصرفه محمد عَنْهُمْ، وولى عليهم مكانه عبد الله بن سعيد الحرشي، فقتل عدة من وجوههم، وضرب مدينتهم من نواحيها بالنار، فسألوه الأمان فأجابهم وسكنوا ثم هاجوا، فضرب أيضا أعناق عدة منهم [١] .
وفيها: عزل محمد أخاه القاسم عن جميع ما كان أبوه هارون ولاه من عمل الشام وقنسرين والعواصم، وولى مكانه خزيمة بن خازم، وأمره بالمقام بمدينة السلام [٢] .
وفيها: بدأ الفساد بين الأمين والمأمون، وكان السبب في ذلك: أن الفضل بن الربيع، فكر بعد مقدمه العراق على محمد، منصرفا عن طوس، وناكثا للعهود التي كان الرشيد أخذها عليه لابنه عبد الله، فعلم أن الخلافة إن أفضت يوما إلى المأمون وهو حي [٣] لم يبق عَلَيْهِ، فسعى في إغراء محمد به، وحثه على خلعه، وصرف ولاية العهد من بعده إلى ابنه موسى، ولم يكن ذلك من رأي محمد ولا عزمه، بل كان عزمه الوفاء بما ضمن [٤] ، فلم يزل الفضل يصغّر عنده شأن المأمون، ويزيّن له خلعه، / وأدخل معه
стр. 3170
في ذلك علي بن عيسى بن ماهان والسندي وغيرهما، فأزاله عن رأيه.
فأول ما بدأ به محمد عن رأي الفضل بن الربيع فيما دبر من ذَلِكَ، أن كتب إلى جميع العمال في الأمصار بالدعاء لابنه موسى بالإمرة بعد الدعاء له وللمأمون [والقاسم بْن الرشيد] [١] ، فلما بلغ ذلك إلى المأمون وعرف عزل القاسم وإقدامه على التدبير على خلعه قطع البريد عن محمد، وأسقط اسمه من الطّرز والضرب.
وكان رافع بن الليث بن نصر بن سيار لما انتهى إليه من الخبر عن المأمون وحسن سيرته في أهل عمله وإحسانه إليهم، بعث في طلب الأمان لنفسه، فسارع إلى ذلك هرثمة، وخرج رافع فلحق بالمأمون، وهرثمة بعد مقيم بسمرقند، فأكرم المأمون رافعا، ولما دخل رافع في الأمان استأذن هرثمة المأمون في القدوم عليه، فعبر نهر بلخ بعسكره والنهر جامد، فتلقاه الناس، وولاه المأمون الحرس، فأنكر ذلك كله محمد، فبدأ بالتدبير على المأمون، فكان أول ما دبر عليه أنه كتب للعباس بن عبد الله بن مالك- وهو عامل المأمون على الري- يأمره أن يبعث إليه بغرائب غروس الري- مريدا بذلك امتحانه- فبعث إليه ما أمره به، وكتم ذلك عن المأمون وذي الرئاستين، فبلغ المأمون، فعزل العباس، ثم وجه محمد إلى المأمون رسلا ثلاثة: العباس بن موسى/ بن عيسى، وصالح صاحب المصلى، ومحمد بن عيسى بن نهيك، وكتب إليه كتبا معهم يسأله تقديم موسى على نفسه، ويذكر أنه قد سماه: الناطق بالحق، وكان ذلك بمشورة علي بن عيسى بن ماهان، فرد المأمون ذلك، وسمي المأمون في ذلك اليوم: الإمام.
وكان سبب هذه التسمية: ما جاءه من خلع محمد له، ثم ضمن ذو الرئاستين للعباس ولاية الموسم وما شاء من أموال مصر، فما برح حتى أخذ منه البيعة للمأمون، وكان يكتب إليهم الأخبار، ويشير عليهم بالرأي، ورجعت الرسل إلى الأمين وأخبروه بامتناعه، وألح الفضل بن الربيع وعلي بن موسى على محمد في البيعة لابنه، وخلع المأمون، وكان الأمين يشاور في خلع المأمون فينهاه القواد، وقال له خزيمة بن خازم: لا تجرئ القواد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك- فبايع لابنه موسى، وأحضنه علي بْن عيسى، وولاه العراق.
стр. 3171
وكان أول ما أخذ له البيعة بشر بن السميدع، وكان واليا على بلد، ثم أخذها صاحب مكة وصاحب المدينة على خواص من الناس قليل، دون العامة ونهى الفضل بن الربيع عن ذكر عبد الله والقاسم، والدعاء لهما على شيء من المنابر، ودس لذكر عبد الله والوقيعة فيه. ووجه إلى مكة كتابا مع رسول من حجبة البيت في أخذ الكتابين اللذين كان هارون اكتتبهما، وجعلهما في الكعبة، فقدم بهما عليه، وتكلم في ذلك بقية الحجبة، فلم يحفل بهم، فلما أتاه بهما أجازه بجائزة عظيمة ومزقهما [١] .
/ وكان محمد قد كتب إلى المأمون قبل مكاشفة المأمون إياه بالخلاف يسأله أن يتجافى لَهُ عن كور من كور خراسان سماها له، وأن يوجه العمال إليها من قبله، وأن يحتمل توجيه رجل من قبله يوليه البريد ليكتب إليه بخبره، فاشتد ذلك على المأمون، وشاور في ذلك الفضل بن سهل وأخاه الحَسَن، ثم كتب إِلَيْهِ:
قد بلغني كتاب أمير المؤمنين يسألني التجافي عن مواضع سماها مما أثبته الرشيد في العقد، وجعل أمره إلي، ولو لم يكن ذلك مثبتا بالعهود والمواثيق المأخوذة، ثم كنت على الحال التي أنا عليها من إشراف عدو مخوف الشوكة، وجنود لا تستتبع طاعتها إلا بالأموال، لكان في ذلك نظر أمير المؤمنين لعامته، وما يحب من لم أطرافه ما يوجب عليه أن يقسم له كثيرا من عنايته، وأن يستصلحه ببذل كثير من ماله، فكيف بمسألة ما أوجبه الحق، ووكد به مأخوذ العهد [٢] .
وكان المأمون قد وجه حارسه إلى الحد، فلا يجوز رسول من العراق حتى يوجهوه مع ثقات من الأمناء، ولا يستعلم خبرا ولا يؤثر أثرا فحصن أهل خراسان من أن يستمالوا برغبة ورهبة، أو يحملوا على مخالفة. ثم وضع على مراصد الطرق ثقات من الحراس لا يجوز عليهم إلا من لا يدخل الظنة في أمره [٣] ، فيسلم ممن يدخل موغلا في هيئة السابلة والطارئة. وفتّشت [٤] الكتب.
стр. 3172
فوجه محمد جماعة ليناظروا في منعه ما قد سأل، وإنما وجهوا ليعلم أنهم قد عاينوا وسمعوا، ثم يلتمس منهم أن يبدلوا أو يحرفوا [١] ، فيكون عليهم حجة وذريعة/ لما التمس.
فلما صاروا إلى حد الري [٢] وجدوا تدبيرا مؤيدا، وعقدا مستحكما [٣] ، وأخذتهم الأحراس من جوانبهم. وكتب بخبرهم من مكانهم، فجاء الإذن في حملهم فحملوا محروسين لا خبر يصل إليهم، ولا خبر يخرج منهم، وقد كانوا على نية بذل الأموال والولايات للمفارقين، فوجدوا ذَلِكَ ممنوعا، فوصلوا ومعهم كتاب الأمين وفيه [٤] :
أما بعد، فإن الرشيد وإن كان أفردك بالطرف، وضم إليك من الكور ما ضم، تأييدا لأمرك، فإن ذلك لا يوجب لك فضلة المال عن كفايتك، والحق في الفضول أن تكون مردودة في أهلها، فكتبت تلط [٥] دون ذلك بما إن تم أمرك عليه صيرنا الحق إلى مطالبتك.
فكتب المأمون: بلغني كتاب أمير المؤمنين، ولم يكتب فيما جهل فأسأل [٦] عن وجهه، ولم يسأل ما يوجبه حق فتلزمني الحجة بترك إجابته، فلا تبعثني يا ابن أبي على مخالفتك، وأنا مذعن بطاعتك.
فلما وصل الكتاب تغيظ الأمين، وكتب:
أما بعد، فقد بلغني كتابك غامطا لنعمة الله عليك، متعرضا لحراق نار لا قبل لك بها، فأعلمني رأيك.
فقال المأمون لذي الرئاستين: إن ولدي وأهلي ومالي الذي أفرده الرشيد لي بحضرة محمد- وهو مائة ألف ألف- وأنا إليها محتاج، فما ترى؟
стр. 3173
فقال ذو الرئاستين: بك حاجة إلى مالك وأهلك، فإن منعك صار إلى خلع عهده، وحملك على محاربته، وأنا أكره أن تكون أنت المستفتح باب الفرقة [١] .
قَالَ: فاكتب إليه: أما بعد، فإن نظر أمير المؤمنين للعامة نظر من لا يقتصر على إعطاء النصفة من نفسه حتى يتجاوزها إليهم ببره وصلته، / فإذا كان للعامة، فأحر بأن يكون ذَلِكَ بصنوه، وقد علم أمير المؤمنين حالا أنا عليها من ثغور حللت بين لهواتها، وأخبار لا تزال تنكث رأيها، وقلة الخراج قبلي، والأهل والمال والولد قبل أمير المؤمنين، وما للأهل- وإن كانوا في كفاية أمير المؤمنين فكان لهم والدا- بد من النزوع إلى كنفي، وقد وجهت لحمل العيال وحمل المال، فرأى أمير المؤمنين في إجازة فلان إلى لرقة في حمل ذلك. والسلام [٢] .
فكتب الأمين: أما المال فمن مال الله، وأمير المؤمنين يستظهر لدينه، وبه إلى ذَلِكَ حاجة في تحصين أمور المسلمين، فكان أولى به، وأما الأهل فلم أر من حملهم ما رأيت من تعريضهم للتشتيت، فإن رأيت ذلك وجهتهم مع الثقة.
فلما وصل الكتاب قال ذو الرئاستين: الرأي حسم ما يوجب الفرقة، فإن تطلع إليها فقد تعرض للَّه بالمخالفة وتعرضت بالتأييد والمعونة [٣] .
ودس الفضل بن سهل أقواما يكاتبونه بالأخبار اختارهم لذلك، وكان أول ما دبر الفضل أن أقام الأجناد، وأشخص طاهر بن الحسين، فورد الري، فنزلها ووجه الأمين عصمة بن أحمد بْن سالم إلى من بهمدان أن يكون في ألف رجل، وولاه حرب كور الجبل، وأمره أن يقيم بهمدان، وأن يوجه مقدمته إلى ساوة، وجعل الفضل بن الربيع وعلي بن عيسى يحثان محمدا على/ خلع المأمون [٤] .
وفي هذه السنة في ربيع الأول: عقد الأمين لابنه موسى على جميع ما استخلف
стр. 3174
عَلَيْهِ، وجعل [صاحب] [١] أمره كله علي بن عيسى بن ماهان، وعلى شرطته محمد بن عيسى بن نهيك، وعلى حرسه عثمان بن عيسى بن نهيك، وعلى خراجه عبد الله بن عبيدة [٢] ، وعلى ديوان رسائله علي بن صالح [٣] .
وفيها: وثب الروم على ميخائيل، فهرب وترهب، وكان ملكه سنتين، وملك الروم عليهم ليون.
وحج بالناس في هذه السنة داود بن عيسى بن موسى بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس، وهو كَانَ الوالي على مكة والمدينة. وقيل: حج بهم علي بن الرشيد.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٠٦٣- سلم بن سالم، أبو مُحَمَّد- وقيل: أبو عبد الرحمن- البلخي
[٤] .
قدم بغداد، وحدث عن إبراهيم بن طهمان، [و] الثوري. روى عنه [٥] :
الحسن بن عرفة.
وكان مذكورا بالعبادة والزهد، مكث أربعين سنة لم ير له فراش، ولم ير مفطرا إلا يوم فطر أو أضحى، وما رفع رأسه إلى السماء أكثر من أربعين سنة. [٦] وكان داعيا في الإرجاء، وكان صارما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فدخل بغداد، فشنع على الرشيد، فأخذه وحبسه وقيده باثني عشر قيدا، فشنع عليه أبو معاوية الضرير حتى بقيت أربعة، وكان يدعو في حبسه ويقول: اللَّهمّ لا تجعل موتي في
стр. 3175
حبسه، / ولا تمتني حتى ألقى أهلي. فمات الرشيد فخلت عنه زبيدة، فخرج إلى الحج فوافى أهله بمكة قدموا حجاجا، فمرض فاشتهى البرد، فجمعوا [له] [١] فأكل ومات. وذلك في [ذي] [٢] الحجة من هذه السنة.
وقد اتفق المحدثون على تضعيف رواياته.
١٠٦٤- عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت بن محمد الثقفي البصري
[٣] .
ولد سنة ثمان ومائة- وقيل: سنة عشر- وسمع أيوب السجستاني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخالدا الحداد وغيرهم.
روى عَنْه: الشافعي، وأحمد، وابن راهويه، ويحيى، وغيرهم. وكان ثقة، إلا أنه اختلط في آخر عمره.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا يحيى بْن علي بن الطيب الدسكري قَالَ: سمعت أبا محمد الحسن بن أحمد بن سعيد بن عصمة يَقُولُ: سمعت الفضيل بن العباس الهروي يَقُولُ: سمعت عاصما المروزي يَقُولُ:
سمعت عمرو بن عليّ يَقُولُ: كانت غَلَّةُ عَبْد الوهاب بن عبد المجيد في كل سنة ما بين أربعين ألفا إلى خمسين ألفا، فكان إذا أتت عليه السنة ينفقها على أصحاب الحديث، فلم يبق منها شيء [٤] .
توفي عبد الوهاب في هذه السنة، وهو ابن أربع وثمانين سنة.
١٠٦٥- أبو نصر الجهيني المصاب .
أنبأنا ابن ناصر الحافظ، أنبأنا المبارك بن عبد الجبار، أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت، أنبأنا أبو الحسن بن رزقويه، أنبأنا عثمان بن أحمد الدقاق، أنبأنا العباس بن مسروق، أَنْبَأَنَا أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن الأشهلي قال: سمعت محمد بن
стр. 3176
إسماعيل بن أبي فديك قَالَ: كان عندنا رجل يكنى أبا نصر من جهينة، ذاهب العقل/، في غير ما الناس فيه، لا يتكلم حتى يكلم، وكان يجلس مع أهل الصفة في آخر مسجد رسول الله ﷺ ، وكان إذا سئل عن شيء أجاب فيه جوابا حسنا مغربا، فأتيته يوما وهو في مؤخر المسجد مع أهل الصفة، منكسا رأسه، واضعا جبهته بين ركبتيه، فجلست إلى جنبه، فحركته فانتبه فزعا، فأعطيته شيئا كان معي، فأخذه فقال: قد صادف منا حاجة، فقلت لَهُ: يا أبا نصر، ما الشرف؟ قَالَ: حمل ما ناب العشيرة، أدناها وأقصاها، والقبول من محسنها، والتجاوز عن مسيئها. قلت له: فما السخاء؟ قال:
جهد مقل. قُلْتُ: فما البخل؟ قال: أف، وحول وجهه عني. قلت: تجيبني؟ قال:
أجبتك.
وقدم علينا هارون الرشيد فأخلي له المسجد، فوقف على قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعلى منبره، وفي موقف جبريل ﵇، واعتنق أسطوانة النبوة، ثم قَالَ: قفوا بي على أهل الصفة. فلما أتاهم حرك أبو نصر وقيل: هو أمير المؤمنين. فرفع رأسه وقال:
أيها الرجل، إنه ليس بين عباد الله وأمة نبيه ورعيتك وبين الله خلق غيرك، وإن الله سائلك عنهم، فأعد للمسألة جوابا، وقد قال عمر بن الخطاب: لو ضاعت سخلة على شاطئ الفرات لخاف عمر أن يسأله الله عنها. فبكى هارون وقَالَ: يا أبا نصر، إن رعيتي غير رعية عمر، ودهري غير دهر عمر. فقال لَهُ: هذا والله غير مغن عنك، فانظر لنفسك، فإنك وعمر تسألان عما خولكما الله. فدعى هارون بصرّة فيها ثلاثمائة/ دينار، فَقَالَ: ادفعوها إلى أبي نصر، فَقَالَ أبو نصر: ما أنا إلا رجل من أهل الصفة، فادفعوها إلى فلان يفرقها عليهم ويجعلني كرجل منهم.
وكان أبو نصر يخرج كل يوم جمعة صلاة الغداة، فيدخل السوق مما يلي الثنية، فلا يزال يقف على مربعة مربعة ويقول: أيها الناس، اتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة، إن العبد إذا مات صحبه أهله وماله وعمله، فإذا وضع في قبره رجع أهله وماله وبقي عمله، فاختاروا لأنفسكم ما يؤنسكم في قبوركم رحمكم اللَّه. فلا يزال يعمل ذلك في مربعة مربعة حتى يأتي مصلى رسول الله ﷺ ، ثم يصلي الجمعة، فلا يخرج من المسجد حتى يصلي العشاء الآخرة.
стр. 3177
ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة
فمن الحوادث فيها:
أن الأمين أمر بإسقاط الدراهم والدنانير التي ضربت لأخيه بخراسان في سنة أربع وتسعين، وسبب ذلك: أن المأمون أمر أن لا يثبت فيها اسم محمد، فكانت لا تجوز حينا. [١] وفيها: نهى عن الدعاء على المنابر في عمله كله للمأمون والقاسم، وأمر بالدعاء لنفسه، ثم لابنه مُوسَى، وذلك في صفر من هذه السنة، وكان موسى طفلا صغيرا، وذلك عن رأي الفضل بن الربيع، فبلغ ذلك المأمون، فسمي بإمام المؤمنين، وكوتب بذلك [٢] .
ولما عزم محمد على خلع المأمون/ قال له الفضل: ألا تعذر إليه [يا أمير المؤمنين] [٣] لعله يسلم الأمر في عافية، فتكتب إليه كتابا فتسأله الصفح عما في يديه.
فقال له إسماعيل بْن صبيح: هذا تقوية إليهم، ولكن اكتب إليه فأعلمه حبك لقربه [٤] .
فكتب إِلَيْهِ: إني أحب قربك لتعاونني. فكتب إِلَيْهِ: إن مكاني أعود على أمير المؤمنين. ثم دعى الفضل فَقَالَ: ما ترى؟ قَالَ: أن تمسك موضعك قال: كيف؟ مع
стр. 3178
مخالفة محمد والمال والجند معه، والملوك حولي كلهم عدو لي. قَالَ: تصلح ما بيني وبينهم، فلما عرف الأمين أنه لا يأتيه وجه إليه عصمة بن حماد، وأمره بقطع الميرة عن خراسان.
وفيها: عقد الأمين لعلي بن عيسى بن ماهان، وذلك يوم الأربعاء لليلة خلت من ربيع الآخر على كور الجبل كلها: نهاوند، وهمدان، وقم، وأصفهان، حربها وخراجها، وضم إليه جماعة من القواد، وأمر له بمائتي ألف دينار، ولولده بخمسين ألف دينار، وأعطى الجند مالا عظيما، وأمر له من السيوف المحلاة بألفي سيف، وستة آلاف ثوب للخلع، وأحضر الأمين أهل بيته ومواليه وقواده المقصورة بالشماسية يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الآخرة، فصلى الجمعة، ودخل وجلس لهم ابنه موسى في المحراب ومعه الفضل بن الربيع وجميع من حضر، فقرأ على جماعتهم كتابا من الأمين يعلمهم رأيه فيهم، وحقه عليهم، وما سبق له من البيعة منفردا بها، ولزوم ذلك لهم، وما أحدث المأمون من/ التسمي بالإمام [١] ، والدعاء إلى نفسه، وقطع البريد، وقطع ذكره من دار الطرز، وأن ما أحدث من ذلك ليس لَهُ.
ثم تكلم الفضل وقال: لا حق لأحد في الخلافة، إلا لأمير المؤمنين محمد، ولم يجعل الله لعبد الله ولا لغيره في ذلك حظا، وأن الأمير موسى قد أمر لكم من صلب ماله ثلاثة آلاف ألف درهم تقسم بينكم يا أهل خراسان [٢] .
وفيها: شخص علي بن عيسى إلى الري لحرب المأمون، فكان خروجه عشية الجمعة لأربع عشرة خلت من جمادى الآخرة، وخرج فيما بين صلاة الجمعة إلى صلاة العصر إلى معسكره في زهاء من أربعين ألفا [٣] .
ولما أراد الخروج ودع أم جعفر فقالت لَهُ: يا علي، إن أمير المؤمنين وإن كان ولدي فأني على عبد الله مشفقة، فاعرف لعبد الله حق إخوته، ولا تبجه بالكلام ولا
стр. 3179
تفتشره افتشار العبيد، وإن شتمك فاحتمله، ثم دفعت إليه قيدا من فضة فقالت: إن صار في يدك فقيده به.
فشخص ومعه الأمين إلى النهروان يوم الأحد لست بقين من جمادى الآخرة، فعرض الجند، وعاد إلى مدينة السلام، وأقام علي بن عيسى بالنهروان ثلاثة أيام، ثم شخص إلى ما وجه لَهُ مسرعا، حتى نزل همدان، فولى عليها عبد الله بن حميد بن قحطبة، وكان الأمين قد كتب إلى عصمة بن حماد يأمره بالانصراف في خاصة أصحابه، وضم بقية العسكر وما فيه من الأموال إلى علي بن عيسى، وكتب إلى أبي دلف القاسم بن علي بالانضمام إليه فيمن معه من أصحابه، وشخص علي بن عيسى من همدان يريد الري، فكان يسأل عن خراسان فيقال له إن طاهرا مقيم بالري، فيضحك فيقول/ وما طاهر!؟ هل هو إلا شوكة بين أعضائي. فلقيه طاهر في نحو أربعة آلاف، فلما رأى طاهر جمع علي بن عيسى قَالَ: هذا ما لا طاقة لنا به، ولكن نجعلها خارجية نقصد القلب. فحملوا فجرى القتال، فقتل علي بن عيسى وألقي في بئر، وهزم عسكره وأخذ منهم سبعمائة ألف درهم.
وكتب طاهر إلى ذي الرئاستين: أطال الله بقاءك، وكبت أعداءك، وجعل من يشنؤك فداءك، كتبت إليك ورأس علي بن عيسى بين يدي، وخاتمه في أصبعي، والحمد للَّه رب العالمين.
فدخل على المأمون فبشره، فأيد طاهرا بالرجال، وسماه ذا اليمينين، وأمر بإحضار أهل بيته، والقواد، ووجوه الناس، فدخلوا فسلموا عليه بالخلافة، وأعلن يومئذ بخلع الأمين.
ثم ورد برأس علي بن عيسى يوم الثلاثاء، فطيف به خراسان، وبلغ الخبر إلى الأمين، فندم على نكثه وغدره، ومشى القواد بعضهم إلى بعض، وذلك يوم الخميس للنصف من شوال، فقالوا: أن عليا قد قتل، ولا شك أن محمدا يحتاج إلى الرجال، فاطلبوا الجوائز والأرزاق، فلعلنا نصيب في هذه الحالة ما يصلحنا، فأصبحوا يكبرون ويطلبون الأرزاق.
وبلغ الخبر عبد الله بن خازم، فركب إليهم في أصحابه، فتراموا بالنشاب
стр. 3180
والحجارة، وسمع محمد التكبير والضجيج، فَقَالَ: ما الخبر؟ فأعلموه، فَقَالَ: مروا ابن خازم فلينصرف عنهم.
ثم أمر لهم بأرزاق أربعة شهور، ورفع من كان دون الثمانين إلى الثمانين، وأمر للقواد بالصلات، وبعث إلى نوفل خادم المأمون، فأخذ/ منه ستة آلاف ألف درهم التي كان الرشيد وصل المأمون بها، وقبض ضياعه وغلاته وأمواله، وولى عليها عمالا من قبله، ووجه عَبْد الرَّحْمَن بن جبلة من الأنبار بالقوة والعدة في عشرين ألفا، فنزل همدان لحرب طاهر، وولاه ما بين حلوان إلى ما غلب عليه من أرض خراسان، فمرّ حتى نزل همدان، وضبط طرقها، وحصر سورها، وسد ثلمها واستعد للقاء طاهر. ثم التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم هزمهم طاهر فحصرهم في مدينة همدان، وقطع عنهم الميرة، فطلبوا الأمان، فأمنهم، ثم قتل عَبْد الرَّحْمَن بن جبلة.
وكان السبب أنه لما أمنه طاهر أقام يريه أنه مسالم لَهُ، راض بعهده، ثم اغتره وأصحابه، فهجم بأصحابه عليهم، فوضعوا فيهم السيف، فثاروا إليهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب عبد الرحمن، وترجل هو وجماعة من أصحابه فقاتل حتى قتل [١] .
وفي هذه السنة: طرد طاهر عمال محمد عن قزوين وسائر كور الجبل [٢] .
وفيها: ظهر السفياني بالشام، واسمه علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية، فدعا لنفسه، وذلك في ذي الحجة. وطرد عنها سليمان بن أبي جعفر بعد أن حصره بدمشق- وكان عامل مُحَمَّد عليها- ثم أفلت منه بعد اليأس، فوجه إليه محمد بن الحسين بن علي بن عيسى بْن ماهان، فلم يصل إليه، وأقام بالرقة [٣] .
وحج بالناس في هذه السنة داود بن موسى بن عيسى بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاس، وهو كان العامل على مكة والمدينة من قبل محمد، وكان على
стр. 3181
الكوفة العباس بن موسى الهادي، وعلى البصرة منصور/ بن المهدي، وبخراسان المأمون [١] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٠٦٦- إسحاق بن يوسف بن محمد بن محمد الأزرق الواسطي
[٢] .
سَمِعَ الأعمش، والجريري، والثوري، وغيرهم.
روى عنه: أحمد ويحيى. وكان من الثقات المأمونين، ومن عباد الله الصالحين.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أبو بكر بن علي بن ثابت، أخبرنا أبو نصر مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّيَّاتُ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَيُّوبَ الْمَخْرميُّ قَالَ:
سَمِعْتُ الحسن بن حماد سجادة يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ أُمَّ إِسْحَاقَ الأَزْرَقِ قَالَتْ لَهُ: يَا بُنَيَّ، إِنَّ بِالْكُوفَةِ رَجُلا يَسْتَخِفُّ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَأَنْتَ عَلَى الْحَجِّ فَأَسْأَلُكَ بِحَقِّي عَلَيْكَ أَنْ لا تَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئًا. قَالَ إِسْحَاقُ: فَدَخَلْتُ الْكُوفَةَ فَإِذَا الأَعْمَشُ قَاعِدٌ وَحْدَهُ، فَوَقَفْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقُلْتُ: أُمِّي وَالأَعْمَشُ!! وقال النبي للَّه ﷺ : «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» . فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَسَلَّمْتُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، حَدِّثْنِي فَإِنِّي رَجُلٌ غَرِيبٌ. قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ وَاسِطَ. قَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قُلْتُ: إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ. قَالَ: فَلا حَيِيتَ وَلا حَيِيَتْ أُمُّكَ، أَلَيْسَ حَرَّجَتْ أَنْ لا تَسْمَعَ مِنِّي شَيْئًا؟
قُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، لَيْسَ كُلُّ مَا بلغك يكون حَقًّا. قَالَ: لأُحَدِّثَنَّكَ بِحَدِيثٍ مَا حَدَّثْتُهُ أَحَدًا قَبْلَكَ. فَحَدَّثَنِي عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْخَوَارِجُ كِلابُ أَهْلِ النَّارِ» [٣] .
تُوُفِّيَ إِسْحَاقُ بواسط في هذه السنة. /
стр. 3182
١٠٦٧- بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير .
يقال: بكار، وإنما هو: أبو بكر. كان مدرة قريش شرفا وبيانا ولسانا وجاها وحسن أثر، وكان الرشيد معجبا به، فاستعمله على المدينة، وأقام عامله عليها اثنتي عشرة سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما، وأخرج على يده لأهل المدينة ثلاث أعطيات مقدارها ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار، كل عطاء أربعمائة ألف دينار.
وكان الرشيد إذا كتب إليه كتب: من عبد الله هارون أمير المؤمنين إلى أبي بكر بن عَبْد اللَّه.
وكان عماله وجوه أهل المدينة فقها وعلما ومروءة وشرفا. وكان جوادا، فقل بيت بالمدينة لم يدخله صنيعه.
توفي في ربيع الأول من هذه السنة.
١٠٦٨- أبو نواس الحسن بن هانئ بن جناح بن عبد الله بن الجراح، أبو علي. الشاعر المعروف بأبي نواس
[١] .
ويقال لَهُ: الحكمي، وفي ذلك قولان: أحدهما: أنه نسبة إلى جده الأعلى الحكم بن سعد العشيرة والثاني: أنه مولى الجراح.
ولد بالأهواز، ونشأ بالبصرة، وقرأ القرآن على يعقوب الحضرمي، واختلف إلى أبي زيد النَّحْوِي، وكتب عنه الغريب والألفاظ، وحفظ عن أبي عبيدة أيام الناس، ونظر في نحو سيبويه.
قال الجاحظ: ما رأيت أحدا كان أعلم باللغة من أبي نواس، ولا أفصح لهجة مع حلاوة ومجانبة الاستكراه.
وسمع الحديث من: حماد بن زيد، وعبد الواحد بن زيد، ومعمر بن سُلَيْمَان، وغيرهم. وأسند الحديث.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ خَيْرُونٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ علي بن ثابت
стр. 3183
قَالَ: أَخْبَرَنَا هِلالُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَفَّارُ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُزَاعِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُوَاسٍ الْحَسَنُ بْنُ هَانِئٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَزِيدَ الرِّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحْسِنَ ظَنَّهُ باللَّه مِنَ الْخَيْرِ.
قال ابن كثير: ودخلنا على أبي نواس نعوده في مرضه الذي مات فيه، فقال له عيسى بن موسى الهاشمي: يا أبا عليّ، أنت في آخِرَ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَأَوَّلَ يَوْمٍ من أيام الآخرة، وبينك وبين الله هنات، فتب إلى الله. قال أبو نواس: أسندوني. فلما استوى جالسا قال: إيّاي يخوف باللَّه وَقَدْ حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ شَفَاعَةٍ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَفَتَرَى لا أَكُونُ مِنْهُمْ؟!.
قال أبو عبيدة: كان أبو نواس للمحدثين مثل امرئ القيس للمتقدمين.
وقال أبو نواس: ما قلت من الشعر شيئا حتى رويت لستين امرأة من العرب منهن الخنساء وليلى، فما ظنك بالرجال [١] ! وله مدائح في الخلفاء:
أخبرنا أبو منصور القزاز قَالَ: أخبرنا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ:
أخبرني أَبُو الْحَسَن عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عبد الغفار قَالَ: أخبرنا محمد بن الحسن بن الفضل بن المأمون، حَدَّثَنَا أبو بكر بن القاسم الأنباري، حدثنا عبد الله بن خلف، حدّثني عبد الله بن سفيان، حدّثني عبد الله الخزاعي، عن ابن مبادر الشاعر قَالَ: دخل سليمان بن المنصور على مُحَمَّد الأمين/ فرفع إليه أن أبا نواس هجاه، وأنه زنديق حلال الدم، وأنشده من أشعاره المنكرة أبياتا، فقال له: يا عم اقتله بعد قوله:
أهدي الثناء إلى الأمين محمد ... ما بعده بتجارة متربص
صدق الثناء على الأمين محمد ... ومن الثناء تكذب وتخرص
قد ينفص القمر المنير إذا استوى ... هذا ونور محمد لا ينقص
стр. 3184
وإذا بنو المنصور عد حصاؤهم ... فمحمد ياقوتها المتخلص
فغضب سليمان وقَالَ: لو شكوت من عبد الله ما شكوت من هذا الكافر لوجب أن تعاقبه، فكيف منه. فقال: يا عم كيف أعمل بقوله:
قد أصبح الملك بالمنى ظفرا ... كأنما كان عاشقا قدرا
حسبك وجه الأمين من قمر ... إذا طوى الليل دونك القمرا
خليفة يعتني بأمته ... وإن أتته ذنوبها غمرا
حتى لو استطاع من تحننه ... دافع عنها القضاء والقدرا
فازداد سليمان غضبا فقال: يا عم، كيف أعمل بقوله:
يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن
سنة العشاق واحدة ... فإذا أحببت فاستبن
ظن بي من قد كلفت به ... فهو يجفوني على الظنن
بات لا يعنيه ما لقيت ... عين ممنوع من الوسن
رشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن
تضحك الدنيا إلى ملك ... قام بالآثار والسنن
/ يا أمين الله عش أبدا ... دم على الأيام والزمن
أنت تبقى والفناء لنا ... فإذا أفنيتنا فكن
قَالَ: فانقطع سليمان عن الركوب، فأمر الأمين بحبس أبي نواس، فلما طال حبسه كتب إِلَيْهِ:
تذكر أمين الله والعهد يذكر ... مقامي وإنشاديك والناس حضر
ونثري عليك الدر يا در هاشم ... فيا من رأى درا على الدر ينثر
أبوك الذي لم يملك الأرض مثله ... وعمك موسى عدله المتخير
وجداك مهدي الهدى وشقيقه ... أبو أمك الأدنى أبو الفضل جعفر
وما مثل منصور يك منصور هاشم ... ومنصور قحطان إذا عد مفخر
فمن ذا الذي يرمي بسهميك في العلى ... وعبد مناف والداك وحمير
стр. 3185
تحسنت الدنيا بحسن خليفة ... هو الصبح إلا أنه الدهر مسفر
يشير إليه الجود من وجناته ... وينظر من أعطافه حين ينظر
مضت لي شهور مذ حبست ثلاثة ... كأني قد أذنبت ما ليس يغفر
فإن لم أكن أذنبت فيم عقوبتي ... وإن كنت ذا ذنب فعفوك أكبر
فلما قرأ محمد الأبيات قال: أخرجوه وأجيزوه، ولو غضب/ ولد المنصور كلهم.
قال المصنف: كان أبو نواس قد غلب عليه حب اللعب واللهو وفعل المعاصي، ولا أؤثر أن أذكر أفعاله المذمومة، لأني قد ذكرت عنه التوبة في آخر عمره، وإنما كان لعبه في أول العمر.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت، أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الطَّبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أحْمَد بْن مُحَمَّد بن عمران، حَدَّثَنَا الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدّثنا علي بن الأعرابي قال: قال أبو العتاهية: لقيت أبا نواس في المسجد الجامع فعذلته. فقلت له: أما آن لك أن ترعوي، أما آن لك أن تنزجر!؟ فرفع رأسه إلي وهو يقول:
أتراني يا عتاهي ... تاركا تلك الملاهي؟
أتراني مفسدا بالنسك ... عند القوم جاهي؟
قال: فلما ألححت عليه بالعذل أنشأ يقول:
لن ترجع الأنفس عن غيها ... ما لم يكن منها لها زاجر
قال: فوددت أني قلت هذا البيت بكل شيء قلته [١] .
أخبرنا القزاز، أخبرنا أبو بكر بن ثابت، أخبرنا علي بن محمد المعدل، أخبرنا عثمان بن محمد الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَرَاءِ، أخبرنا علي بن محمد بن زكريا قال: دخلت على أبي نواس وهو يكيد بنفسه، فقال لي: أتكتب؟ قلت: نعم.
فأنشأ يقول:
стр. 3186
دب في الفناء سفلا وعلوا ... وأراني أموت عضوا فعضوا
ذهبت شرتي بحدة نفسي ... فتذكرت طاعة الله نضوا
ليس من ساعة مضت بي إلا ... نقصتني بمرها بي حذوا [١]
لهف نفسي على ليال وأيام ... تملّيتهنَّ لعبا ولهوا
/ قد أسأنا كل الإساءة يا ... رب فصفحا عنا إلهي وعفوا [٢]
أخبرنا القزاز، أخبرنا أحمد بن علي، حدثني [٣] عبيد الله بن أبي الفتح، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري، حدثنا عبد الله بن أبي سعد، حدّثنا إبراهيم بن إسماعيل ابن أخي أبي نواس، حدثني [٤] جعفر الصائغ قال:
لما احتضر أبو نواس قال: اكتبوا هذه الأبيات على قبري:
وعظتك أجداث صمت ... ونعتك أزمنة خفت
وتكلمت عن أوجه ... تبلى وعن صور سبت
وأرتك قبرك في القبور ... وأنت حي لم تمت [٥]
توفي أبو نواس سنة خمس وتسعين ومائة. وقيل: سنة ست. وقيل: سنة ثمان.
وكان عمره تسعا وخمسين سنة. ودفن بمقابر الشونيزي في تل اليهود.
أخبرنا القزاز، أنبأنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا علي بن محمد المعدل، أخبرنا عثمان بن أحمد، أخبرنا أحمد بن البراء، أخبرنا عمر بن مدرك، حدثني محمد [٦] بن يحيى، عن محمد بن نافع قال: كان أبو نواس لي صديقا، فوقعت بيني وبينه هجرة في آخر عمره، ثم بلغني وفاته فتضاعف علي الحزن، فبينا أنا بين النائم واليقظان إذا أنا به، فقلت: أبو نواس؟ قَالَ: لات حين كنيته. قلت: الحسن بن هانئ؟ قال: نعم. قلت:
стр. 3187
ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بأبيات قلتها هي [تحت] [١] ثني وسادتي. فأتيت أهله، فلما أحسوا بي أجهشوا بالبكاء. فقلت لهم: هل قال أخي شعرا قبل موته؟ قالوا: لا نعلم إلا أنه دعا بدواة وقرطاس وكتب/ شيئا لا ندري ما هو. قلت: ائذنوا لي أدخل.
قَالَ: فدخلت إلى مرقده، فإذا ثيابه لم تحرك بعد، فرفعت وسادة فلم أر شيئا، ثم رفعت أخرى فإذا برقعة فيها مكتوب:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يدعو ويرجو المجرم؟
أدعوك رب كما أمرت تضرعا ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل عفوك، ثم إني مسلم [٢] .
١٠٦٩- محمد بن خازم، أبو معاوية التميمي. مولى سعد بن زيد مناة
[٣] .
ولد سنة ثلاث عشرة ومائة، وعمي بعد أربع سنين، ولازم الأعمش عشرين سنة، وكان أثبت أصحابه، وكان يقدم على الثوري وشعبة، وكان حافظا للقرآن ثقة، لكنه كان يرى رأي المرجئة.
وروى عَنْه: أَحْمَد ويحيى، وخلق كثير.
وروى عن خلق كثير، إلا أنه كان يضبط حديث الأعمش ضبطا جيدا، ويضطرب في غيره.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثابت، أخبرنا أبو رزق، أخبرنا جعفر بن محمد الخالديّ، حدثنا الحسين بن محمد بن الحسين الكوفي، حدّثني [٤] جعفر بن محمد بن الهذيل، حدّثني [٥] إبراهيم الصيني قَالَ: سمعت أبا معاوية يَقُولُ:
حججت مع جدي أبي وأمي وأنا غلام، فرأني أعرابي فقال لجدي: ما يكون هذا الغلام
стр. 3188
منك؟ قَالَ: ابني. قَالَ: ليس بابنك. قال: ابن ابنتي. قَالَ: ليكونن له شأن، وليطأن برجليه هاتين بسط الملوك، قَالَ: فلما قدم الرشيد بعث إلي، فلما دخلت عليه ذكرت حديث الأعرابي، فأقبلت التمس برجلي البسط فَقَالَ: يا أبا معاوية، لم تلتمس البساط برجليك؟ فحدثته الحديث، فأعجب بِهِ. قَالَ: وحركني شيء فقلت: يا أمير المؤمنين/ أحتاج إلى الخلاء. فقال للأمين والمأمون: خذا بيد عمكما فأرياه الموضع. فأخذا بيدي فأدخلاني إلى الموضع، فشممت منه رائحة طيبة، فقالا لي: يا أبا معاوية، هذا الموضع، فشأنك، فقضيت حاجتي [١] .
قال الخطيب: عن محمد بن فُضَيْل: مات أبو معاوية سنة خمس وتسعين ومائة في آخر صفر أو في أول ربيع الأول [٢] .
قال المصنف: وكذلك ذكر أبو موسى المدائني وغيره أنه مات في هذه السنة.
وقد روينا عن ابن نمير أنه مات في سنة أربع والأول أكثر.
١٠٧٠- الوليد بن مسلم الدمشقي، أبو العباس
[٣] .
روى عَن الليث بن سعد، والفضل بن فضالة، وابن لهيعة، وغيرهم.
وروى عنه: ابن وهب.
وتوفي عند انصرافه من الحج في هذه السنة.
стр. 3189
ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائة
فمن الحوادث فيها:
أن محمدا وجه إلى المأمون أحمد بن مزيد في عشرين ألفا، وعبد الله بن حميد بن قحطبة في عشرين ألفا، وأمرهما أن يدافعا طاهرا عن حلوان، وكان قد نزلها، فنزل بخانقين، فكان طاهر يبعث العيون إلى عسكريهما، فيأتونهم بالأراجيف، ويحتال في وقوع الاختلاف بينهم حتى اختلفوا، وانتقض أمرهم، وقاتل بعضهم بعضا، فرجعوا من خانقين من غير أن يلقوا طاهرا، وأقام طاهر بحلوان، فأتاه هرثمة بن أعين/ بكتاب المأمون والفضل بن سهل يأمرانه بتسليم ما حوى من المدن والكور إليه، والتوجه إلى الأهواز. فسلم ذلك إليه ومضى إلى الأهواز وأقام هرثمة بحلوان [١] .
وفي هذه السنة: رفع المأمون منزلة الفضل بن سهل وقدره، وذلك أنه لما قتل علي بْن عيسى وعبد الرحمن بن جبلة وبشره الفضل بذلك عقد له في رجب من هذه السنة على المشرق طولا وعرضا، وجعل عمالته ثلاثة آلاف ألف درهم، وسماه ذا الرئاستين، وكان على سيفه مكتوب من جانب: رئاسة الحرب، ومن جانب: رئاسة التدبير [٢] .
وفيها: ولى محمد بن هارون بن عبد الملك بن صالح بن علي الشام، وأمره بالخروج إليها، وفرض له من رجالها جنودا يقال بهم طاهرا وهرثمة، فسار حتى بلغ
стр. 3190
الرقة، فأقام بها، وأنفذ كتبه ورسله إلى رؤساء أجناد الشام ووجوه الجزيرة، فقدموا عَلَيْهِ، فأجازهم، وخلع عليهم، وحملهم، ثم جرى بين الجند خصومات، فاقتتلوا وتفرقوا [١] .
وفي هذه السنة: خلع محمد بن هارون، وأخذت عليه البيعة للمأمون ببغداد، وحبس في قصر أبي جعفر مع أم جعفر بنت جعفر بن المنصور.
وسبب ذلك: أن عبد الملك بن صالح لما جمع النَّاسَ، ثم تفرقوا مات بالرقة، فرد الجند الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان إلى بغداد، وكان ذلك في رجب، فبعث إليه في الليل محمد بن هارون/، فقال للرسول: والله ما أنا بمعبر ولا مسامر ولا مضحك ولا وليت لَهُ عملا، فأي شيء يريد مني في هذه الساعة؟ إذا أصبحت غدوت إليه إن شاء الله.
فأصبح الحسين، فوافى باب الجسر، واجتمع إليه الناس، فأمر بإغلاق الباب الذي يخرج منه إلى قصر عبيد الله بن عليّ، وباب سوق يحيى، وقال: إن خلافة الله لا تجوز [٢] بالبطر، وإن محمدا يريد أن يوتغ [٣] أديانكم، وينكث بيعتكم، وباللَّه إن طالت به مدة ليرجعن وبال ذَلِكَ عليكم، فاقطعوا أثره قبل أن يقطع آثاركم، فو الله ما ينصره منكم ناصر إلا خذل.
ثم أمر الناس بعبور الجسر، فعبروا حتى صاروا إلى سكة باب خراسان، واجتمع أهل الأرباض مما يلي باب الشام، وتسرعت خيول من خيول محمد إلى الحُسَين، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم كشفهم الحسين، فخلع الحسين بن علي محمدا يوم الأحد لإحدى عشرة من رجب سنة ست وتسعين. وأخذ البيعة لعبد الله المأمون من غد يوم الاثنين إلى الليل، وغدا الْعَبَّاس بن موسى بن عيسى الهاشمي إلى محمد، فوثب بِهِ، ودخل عليه وأخرجه من قصر الخلد إلى قصر أَبِي جعفر، فحبسه هناك، ثم وثب على أم جعفر، فأمرها بالخروج من قصرها إلى قصر أبي جعفر فأبت، فقنعها بالسوط وسبّها، ثم