← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

دب في الفناء سفلا وعلوا ... وأراني أموت عضوا فعضوا ذهبت شرتي بحدة نفسي ... فتذكرت طاعة الله نضوا ليس من ساعة مضت بي إلا ... نقصتني بمرها بي حذوا [١] لهف نفسي على ليال وأيام ... تملّيتهنَّ لعبا ولهوا / قد أسأنا كل الإساءة يا ... رب فصفحا عنا إلهي وعفوا [٢] أخبرنا القزاز، أخبرنا أحمد بن علي، حدثني [٣] عبيد الله بن أبي الفتح، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري، حدثنا عبد الله بن أبي سعد، حدّثنا إبراهيم بن إسماعيل ابن أخي أبي نواس، حدثني [٤] جعفر الصائغ قال: لما احتضر أبو نواس قال: اكتبوا هذه الأبيات على قبري: وعظتك أجداث صمت ... ونعتك أزمنة خفت وتكلمت عن أوجه ... تبلى وعن صور سبت وأرتك قبرك في القبور ... وأنت حي لم تمت [٥] توفي أبو نواس سنة خمس وتسعين ومائة. وقيل: سنة ست. وقيل: سنة ثمان. وكان عمره تسعا وخمسين سنة. ودفن بمقابر الشونيزي في تل اليهود. أخبرنا القزاز، أنبأنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا علي بن محمد المعدل، أخبرنا عثمان بن أحمد، أخبرنا أحمد بن البراء، أخبرنا عمر بن مدرك، حدثني محمد [٦] بن يحيى، عن محمد بن نافع قال: كان أبو نواس لي صديقا، فوقعت بيني وبينه هجرة في آخر عمره، ثم بلغني وفاته فتضاعف علي الحزن، فبينا أنا بين النائم واليقظان إذا أنا به، فقلت: أبو نواس؟ قَالَ: لات حين كنيته. قلت: الحسن بن هانئ؟ قال: نعم. قلت:

стр. 3187

ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بأبيات قلتها هي [تحت] [١] ثني وسادتي. فأتيت أهله، فلما أحسوا بي أجهشوا بالبكاء. فقلت لهم: هل قال أخي شعرا قبل موته؟ قالوا: لا نعلم إلا أنه دعا بدواة وقرطاس وكتب/ شيئا لا ندري ما هو. قلت: ائذنوا لي أدخل. قَالَ: فدخلت إلى مرقده، فإذا ثيابه لم تحرك بعد، فرفعت وسادة فلم أر شيئا، ثم رفعت أخرى فإذا برقعة فيها مكتوب: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يدعو ويرجو المجرم؟ أدعوك رب كما أمرت تضرعا ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل عفوك، ثم إني مسلم [٢] . ١٠٦٩- محمد بن خازم، أبو معاوية التميمي. مولى سعد بن زيد مناة [٣] . ولد سنة ثلاث عشرة ومائة، وعمي بعد أربع سنين، ولازم الأعمش عشرين سنة، وكان أثبت أصحابه، وكان يقدم على الثوري وشعبة، وكان حافظا للقرآن ثقة، لكنه كان يرى رأي المرجئة. وروى عَنْه: أَحْمَد ويحيى، وخلق كثير. وروى عن خلق كثير، إلا أنه كان يضبط حديث الأعمش ضبطا جيدا، ويضطرب في غيره. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثابت، أخبرنا أبو رزق، أخبرنا جعفر بن محمد الخالديّ، حدثنا الحسين بن محمد بن الحسين الكوفي، حدّثني [٤] جعفر بن محمد بن الهذيل، حدّثني [٥] إبراهيم الصيني قَالَ: سمعت أبا معاوية يَقُولُ: حججت مع جدي أبي وأمي وأنا غلام، فرأني أعرابي فقال لجدي: ما يكون هذا الغلام

стр. 3188

منك؟ قَالَ: ابني. قَالَ: ليس بابنك. قال: ابن ابنتي. قَالَ: ليكونن له شأن، وليطأن برجليه هاتين بسط الملوك، قَالَ: فلما قدم الرشيد بعث إلي، فلما دخلت عليه ذكرت حديث الأعرابي، فأقبلت التمس برجلي البسط فَقَالَ: يا أبا معاوية، لم تلتمس البساط برجليك؟ فحدثته الحديث، فأعجب بِهِ. قَالَ: وحركني شيء فقلت: يا أمير المؤمنين/ أحتاج إلى الخلاء. فقال للأمين والمأمون: خذا بيد عمكما فأرياه الموضع. فأخذا بيدي فأدخلاني إلى الموضع، فشممت منه رائحة طيبة، فقالا لي: يا أبا معاوية، هذا الموضع، فشأنك، فقضيت حاجتي [١] . قال الخطيب: عن محمد بن فُضَيْل: مات أبو معاوية سنة خمس وتسعين ومائة في آخر صفر أو في أول ربيع الأول [٢] . قال المصنف: وكذلك ذكر أبو موسى المدائني وغيره أنه مات في هذه السنة. وقد روينا عن ابن نمير أنه مات في سنة أربع والأول أكثر. ١٠٧٠- الوليد بن مسلم الدمشقي، أبو العباس [٣] . روى عَن الليث بن سعد، والفضل بن فضالة، وابن لهيعة، وغيرهم. وروى عنه: ابن وهب. وتوفي عند انصرافه من الحج في هذه السنة.

стр. 3189

ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائة فمن الحوادث فيها: أن محمدا وجه إلى المأمون أحمد بن مزيد في عشرين ألفا، وعبد الله بن حميد بن قحطبة في عشرين ألفا، وأمرهما أن يدافعا طاهرا عن حلوان، وكان قد نزلها، فنزل بخانقين، فكان طاهر يبعث العيون إلى عسكريهما، فيأتونهم بالأراجيف، ويحتال في وقوع الاختلاف بينهم حتى اختلفوا، وانتقض أمرهم، وقاتل بعضهم بعضا، فرجعوا من خانقين من غير أن يلقوا طاهرا، وأقام طاهر بحلوان، فأتاه هرثمة بن أعين/ بكتاب المأمون والفضل بن سهل يأمرانه بتسليم ما حوى من المدن والكور إليه، والتوجه إلى الأهواز. فسلم ذلك إليه ومضى إلى الأهواز وأقام هرثمة بحلوان [١] . وفي هذه السنة: رفع المأمون منزلة الفضل بن سهل وقدره، وذلك أنه لما قتل علي بْن عيسى وعبد الرحمن بن جبلة وبشره الفضل بذلك عقد له في رجب من هذه السنة على المشرق طولا وعرضا، وجعل عمالته ثلاثة آلاف ألف درهم، وسماه ذا الرئاستين، وكان على سيفه مكتوب من جانب: رئاسة الحرب، ومن جانب: رئاسة التدبير [٢] . وفيها: ولى محمد بن هارون بن عبد الملك بن صالح بن علي الشام، وأمره بالخروج إليها، وفرض له من رجالها جنودا يقال بهم طاهرا وهرثمة، فسار حتى بلغ

стр. 3190

الرقة، فأقام بها، وأنفذ كتبه ورسله إلى رؤساء أجناد الشام ووجوه الجزيرة، فقدموا عَلَيْهِ، فأجازهم، وخلع عليهم، وحملهم، ثم جرى بين الجند خصومات، فاقتتلوا وتفرقوا [١] . وفي هذه السنة: خلع محمد بن هارون، وأخذت عليه البيعة للمأمون ببغداد، وحبس في قصر أبي جعفر مع أم جعفر بنت جعفر بن المنصور. وسبب ذلك: أن عبد الملك بن صالح لما جمع النَّاسَ، ثم تفرقوا مات بالرقة، فرد الجند الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان إلى بغداد، وكان ذلك في رجب، فبعث إليه في الليل محمد بن هارون/، فقال للرسول: والله ما أنا بمعبر ولا مسامر ولا مضحك ولا وليت لَهُ عملا، فأي شيء يريد مني في هذه الساعة؟ إذا أصبحت غدوت إليه إن شاء الله. فأصبح الحسين، فوافى باب الجسر، واجتمع إليه الناس، فأمر بإغلاق الباب الذي يخرج منه إلى قصر عبيد الله بن عليّ، وباب سوق يحيى، وقال: إن خلافة الله لا تجوز [٢] بالبطر، وإن محمدا يريد أن يوتغ [٣] أديانكم، وينكث بيعتكم، وباللَّه إن طالت به مدة ليرجعن وبال ذَلِكَ عليكم، فاقطعوا أثره قبل أن يقطع آثاركم، فو الله ما ينصره منكم ناصر إلا خذل. ثم أمر الناس بعبور الجسر، فعبروا حتى صاروا إلى سكة باب خراسان، واجتمع أهل الأرباض مما يلي باب الشام، وتسرعت خيول من خيول محمد إلى الحُسَين، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم كشفهم الحسين، فخلع الحسين بن علي محمدا يوم الأحد لإحدى عشرة من رجب سنة ست وتسعين. وأخذ البيعة لعبد الله المأمون من غد يوم الاثنين إلى الليل، وغدا الْعَبَّاس بن موسى بن عيسى الهاشمي إلى محمد، فوثب بِهِ، ودخل عليه وأخرجه من قصر الخلد إلى قصر أَبِي جعفر، فحبسه هناك، ثم وثب على أم جعفر، فأمرها بالخروج من قصرها إلى قصر أبي جعفر فأبت، فقنعها بالسوط وسبّها، ثم

стр. 3191

أدخلت المدينة مع ابنها، فلما أصبح الناس من الغد طلبوا من الحسين بن علي الأرزاق، وهاج الناس بعضهم في بعض، وقام محمد بن أبي خالد بباب الشام وقَالَ: والله ما أدري بأي سبب يتأمر [١] الحسين بن علي علينا، ويتولى [٢] هذا الأمر دوننا، وما هو بأكبرنا سنا، ولا أكرمنا/ حسبا، وإني أولكم أنقض عهده، وأظهر التغير عليه، فمن كان رأيه معي فليعتزل معي [٣] . وقام أسد الحربي فَقَالَ: هذا يوم له ما بعده، إنكم قد نمتم [وطال نومكم] [٤] فقدم عليكم غيركم، وقد ذهب أقوام بذكر خلع محمد وأسره، وأذهب بذكر فكه وإطلاقه. وجاء شيخ كبير فَقَالَ: أقطع محمد أرزاقكم؟ قالوا: لا. قَالَ: فهل قصر بأحد من رؤسائكم؟ قالوا: لا. قال: فما بالكم خذلتموه! انهضوا إلى خليفتكم فادفعوا عنه [٥] . فنهضوا فقاتلوا الحسين بن علي وأصحابه قتالا شديدا، وأسر الحسين ودخل أسد الحربي عَلَى محمد، فكسر قيوده، وأقعده [٦] في مجلس الخلافة، فنظر محمد إلى قوم ليس عليهم لباس الجند ولا عليهم سلاح، فأمرهم فأخذوا من السلاح الذي في الخزائن حاجتهم، ووعدهم ومنّاهم، وانتهب الغوغاء بذلك السبب سلاحا كثيرا ومتاعا، وأتى الحسين بن علي فلامه محمد على خلافه، وقَالَ: ألم أقدم أباك على الناس، وأوليه أعنة الخيل، وأملأ يده بالأموال! قَالَ: بلى: قَالَ: فبم استحققت منك أن تخلع طاعتي، وتندب الناس إلى قتالي. قَالَ: الثقة بعفو أمير المؤمنين وحسن الظن به. قَالَ: فإن أمير المؤمنين قد فعل ذلك بك، وولّاك الطلب بثأر أبيك، ومن قتل من أهل بيتك. ثم دعا له بخلعة فخلعها عليه، وولاه ما وراء بابه، وحمله على مراكب، وأمره

стр. 3192

بالمسير إلى حلوان، فخرج فوقف على باب الجسر حتى إذا خف الناس قطع الجسر وهرب في نفر من مواليه، فنادى محمد في الناس فركبوا/ في طلبه، فأدركوه. فلما بصر بالخيل نزل فصلى ركعتين وتحرم، ثم لقيهم فحمل عليهم حملات في كلها يهزمهم ويقتل فيهم. ثم إن فرسه عثر به فسقط، وابتدره الناس فقتلوه وأخذوا رأسه. وذلك في نصف رجب في طريق النهرين [١] ، وفي الليلة التي قتل فيها الحسين بن علي هرب الفضل بن الربيع، وجددت البيعة لمحمد يوم الجمعة لست عشرة ليلة خلت من رجب. وفيها: توجه طاهر بن الحسين إلى الأهواز، فخرج عاملها محمد بن يزيد المهلبي يحميها فقتل، وأقام طاهر بالأهواز، وأنفذ عماله إلى كورها. وولي اليمامة والبحرين وعمان، ثم أخذ على طريق البر متوجها إلى واسط، فدخلها وهرب عاملها، ووجه قائدا من قواده إلى الكوفة وعليها العباس بن موسى الهادي، فلما بلغ العباس الخبر خلع محمدا، وكتب بطاعته إلى طاهر وبيعته، وكتب منصور بن المهدي وهو عامل البصرة إلى طاهر بطاعته، فنزل حتى طرنايا [٢] ، وأمر بجسر فعقد، وأنفذت كتبه بالتولية إلى العمال، وبايع المطلب بن عبد الله بْن مالك بالموصل للمأمون، فكان خلعهم في رجب، فلما كتبوا بخلعهم محمدا أقرهم المأمون على أعمالهم، وولى داود بن عيسى بن موسى بن محمد على مكة والمدينة، ويزيد بن جرير البجلي اليمن، ووجه الحارث بن هشام إلى قصر ابن هبيرة [٣] . وفيها: أخذ طاهر المدائن من أصحاب محمد، ثم صار إلى صرصر، فعقد جسرا، ولما بلغ محمدا أن الحارث وهشاما خلفاه وجه محمد بن سليمان العابد/ ومحمد بن حماد البربري، وأمرهما أن يبيتاهما، فبلغ الخبر إليهما، فوجه طاهر إليهما

стр. 3193

مددا، فاقتتلوا، فهرب محمد بن سليمان حتى صار إلى قرية شاهي [١] ، وعبر الفرات، وأخذ علي البرية إلى الأنبار، ورجع محمد بن حماد إلى بغداد [٢] . وفيها: خلع داود بن عيسى عامل مكة والمدينة محمدا، وبايع للمأمون، وأخذ البيعة على النَّاسَ، وكتب بذلك إلى طاهر بن الحسين والمأمون، وكان السبب في ذَلِكَ: أنه لما أخذ الكتابان من الكعبة جمع داود بن عيسى حجبة الكعبة والقرشيين والفقهاء ومن كان شهد ما في الكتابين، فقال لهم: قد علمتم ما أخذ علينا الرشيد من العهد والميثاق عند بيت اللَّه الحرام، لنكونن مع المظلوم على الظالم، وقد رأيتم أن محمدا بدأ بالظلم والغدر والنكث والخلع وخلع أخويه، وبايع لطفل رضيع لم يفطم، واستخرج الشرطين من الكعبة عاصيا ظالما فحرقهما بالنار، وقد رأيت خلعه وأن أبايع للمأمون إذ كان مظلوما. فقال له أهل مكَّةَ: رأينا تبع لرأيك. فوعدهم صلاة الظهر، وأرسل في فجاج مكة صائحا يصيح: الصلاة جامعة، وذلك يوم الخميس لسبع وعشرين ليلة خلت من رجب، فخرج فصلى بالناس الظهر، وقد وضع له المنبر بين الركن والمقام، فجلس عليه، وحمد الله تعالى وصلى على رسول الله ﷺ وقَالَ: يا أهل مكَّةَ، أنتم الأصل، وإلى قبلكم يأتم المسلمون، وقد علمتم ما أخذ عليكم الرشيد، وقد علمنا أن محمدا بدأ بالظلم والبغي، وقد/ حل لنا ولكم خلعه وأشهدكم أني خلعت محمد بن هارون من الخلافة كما خلعت قلنسوتي هذه من رأسي. ثم خلعها فرمى بها إلى بعض الخدم تحته، وأتي بقلنسوة فلبسها، ثم قَالَ: قد بايعت لعبد الله المأمون، ألّا فقوموا فبايعوه. فبقوا أياما يبايعونه. وكتب إلى ابنه سليمان بن داود بن عيسى وهو خليفته على المدينة يأمره [أن] [٣] يفعل كذلك، فلما رجع جواب البيعة من المدينة إلى داود رحل إلى المأمون فأعلمه بذلك، فسر المأمون وتيمن ببركة مكة والمدينة، وكتب لداود عهدا على مكة والمدينة

стр. 3194

وأعمالها، وزيد ولاية عك، وكتب له إلى الري بمعونة خمسمائة ألف درهم، وخلع أهل اليمن محمدا وبايعوا للمأمون، ثم عقد محمد في رجب وشعبان نحوا من أربعمائة لواء لقواد شتى، وأمر على جميعهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك، وأمرهم بالسير إلى هرثمة بن أعين، فساروا فالتقوا في رمضان، فهزمهم هرثمة، وأسر علي بن محمد، فبعث به إلى المأمون، ونزل هرثمة النهروان [١] . وفيها: استأمن إلى محمد جماعة من جند طاهر، ففرق فيهم مالا كثيرا، وشغب الجند على طاهر، وكان السبب في ذلك: أن طاهرا أقام بصرصر، وشمر لمحاربة محمد وأهل بغداد، فكان لا يأتيه جيش إلا هزمه، فاشتد على أصحابه ما كان محمد يعطي من الأموال، ودس محمد إلى رؤساء الجند الكتب بالأطماع، فخرج من عسكر طاهر نحو من خمسة آلاف رجل من أهل/ خراسان ومن التف إليهم من الجند، فسر بهم محمد، ووعدهم ومناهم، فمكثوا شهرا، وقوي أصحابه بالمال، فخرجوا إلى طاهر، ثم ولوا منهزمين، وبلغ الخبر محمدا، فأخرج المال، وفرق الصلات، فراسلهم طاهر، ووعدهم واستمالهم، فشغبوا على محمد يوم الأربعاء لست خلون من ذي الحجة. ثم قدم طاهر فنزل البستان الذي على باب الأنبار يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة من ذي الحجة، وأكثر لأصحابه العطاء، وأضعف للقواد، ونقب أصحاب السجون وخرجوا، وفتن النَّاسَ، وغلب أهل الفساد، وقاتل الأخ أخاه [٢] . وحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى من قبل طاهر، ودعا للمأمون بالخلافة، فهو أول موسم دعي له بالخلافة بمكة والمدينة [٣] .

стр. 3195

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١٠٧١- بقية بن الوليد بن صائد بن كعب، أبو محمد الكلاعي البصري [١] . ولد سنة عشر ومائة، وسمع من خلق كثير. وروى عَنْه: شعبة، وحماد بن زيد، وابن المبارك، ويزيد بن هارون. وفي أحاديثه مناكير، إلا أن أكثرها عن المجاهيل. قال ابن المبارك: كان ثقة صدوقا، لكنه كان يكتب عن من أقبل وأدبر. وقال يعقوب بن شَيْبة: ثقة صدوق/ [ويتقى [٢] حديثه عن مشيخته الذين لا يعرفون، وله أحاديث مناكير جدا. توفي بقية فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سَبْعٍ وتسعين ومائة. ١٠٧٢- حفص بن غياث بن طلق، أبو عمر الكوفي [٣] . سمع عبيد الله بن عمر العمري، وهشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبا إسحاق الشيباني، وسليمان الأعمش، وجعفر بن محمد بن علي، وليث بن أبي سُلَيْم، وداود بن أبي هند، والحسن بْن عبد الله، وأشعث بن عبد الملك، وأشعث بن سوار، وابن جُرَيْج، ومسعر بن كدام، والثوري. روى عَنْه: ابنه عمر، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وعفان بن مسلم، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وابن المدني، وأبو خيثمة، والحسن بن عرفة، وابن راهويه، وعامة الكوفيين. وولي حفص القضاء ببغداد وحدث بها، ثم عزل وولي قضاء الكوفة. أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أنبأنا القاضي

стр. 3196

أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، وأبو الحسن أحمد بن عمر بن روح النهرواني- قَالَ طاهر حدثنا، وقال أَحْمَد أنبأنا- المعافى بن زكريا الْجُرَيْرِي، حدثنا محمد بن مخلد بن جعفر العطار، حدثني أبو علي بن علان، حدثني يحيى بن الليث قَالَ: باع رجل من أهل خراسان جمالا بثلاثين ألف درهم من مرزبان المجوسي وكيل أم جعفر فمطله بثمنها وحبسه، فطال ذلك على الرجل، فأتى بعض أصحاب حفص بن غياث فشاوره، فقال: اذهب إليه فقل له أعطني ألف درهم وأحيل عليك بالمال الباقي، وأخرج إلى خراسان، فإن فعل هكذا فالقني حتى أشير عليك. ففعل الرجل وأتى مرزبان فأعطاه ألف درهم، فرجع إلى الرجل فأخبره فَقَالَ: عد إِلَيْهِ فقل لَهُ: إذا ركبت غدا فطريقك على القاضي تحضر وأوكل رجلا يقبض المال واخرج، فإذا جلس إلي القاضي فادع عليه ما بقي لك من المال، فإذا أقر حبسه حفص وأخذت مالك. فرجع إلى مرزبان فسأله فَقَالَ: انتظرني بباب القاضي. فلما ركب من الغد وثب إليه الرجل فَقَالَ: إن رأيت أن تنزل إلى القاضي حتى أوكل بقبض المال وأخرج، فنزل مرزبان فتقدما إلى حفص] [١] . / بْن غياث، فقال الرجل: أيد الله القاضي لي على هذا الرجل تسعة وعشرون ألف درهم، فقال حفص: ما تقول يا مجوسي؟ قَالَ: صدق أصلح الله القاضي. قَالَ: ما تقول يا رَجُل، قد أقر لك؟ قال يعطيني مالي. قال حفص للمجوسي: ما تَقُولُ؟ فَقَالَ: هذا المال على السيدة. قال: أنت أحمق، تقر ثم تقول على السيدة، ما تقول يا رَجُل!؟ فَقَالَ: إن أعطاني مالي وإلا حبسته. قَالَ: ما تقول يا مجوسي؟ قَالَ: المال على السيدة، قال حفص: خذوا بيده إلى الحبس. فلما حبس بلغ الخبر أم جعفر، فغضبت وبعثت إلى السندي وجه إلي مرزبان فأخرجه، وبلغ حفص الخبر فَقَالَ: أحبس أنَا ويخرج السندي؟ لا جلست مجلسي هذا أو يرد مرزبان إلى الحبس. فجاء السندي إلى أم جعفر فَقَالَ: الله الله في، إنه حفص بن غياث، وأخاف من أمير المؤمنين أن يقول لي: بأمر من أخرجته؟ رديه إلى الحبس وأنا أكلم حفصا في أمره، فأجابته فرجع مرزبان إلى الحبس، فقالت أم جعفر لهارون: قاضيك هذا أحمق، حبس وكيلي، فمره لا ينظر في هذا الحَكَم، وتولي أمره إلى أبي يوسف. فأمر له بالكتاب، وبلغ حفصا الخبر فقال للرجل: أحضر لي شهودا حتى أسجل لك على المجوسي

стр. 3197

بالمال فجلس حفص، فسجل على المجوسي، وورد كتاب هارون مع خادم لَهُ، فَقَالَ: هذا كتاب أمير المؤمنين. فَقَالَ: انظر ما يقال لك، فلما فرغ حفص من السجل أخذ الكتاب من الخادم فقرأه/ فَقَالَ: اقرأ على أمير المؤمنين السلام وأخبره أن كتابه ورد، وقد أنفذ الحَكَم، فَقَالَ الخادم: قد والله عرفت ما صنعت، ما أردت أن تأخذ كتاب أمير المؤمنين حتى تفرغ مما تريد، والله لأخبرن أمير المؤمنين بما فعلت. فقال حفص: قل له ما أحببت. فجاء الخادم، فأخبر هارون، فضحك وقال للحاجب: مر لحفص بن غياث بثلاثين ألف درهم. فركب يحيى بن خَالِد واستقبل حفصا منصرفا من مجلس القضاء، فَقَالَ: أيها القاضي، قد سررت أمير المؤمنين اليوم، وأمر لك بثلاثين ألف درهم، فما كان السبب في هذا؟ قَالَ: تمم الله نعم أمير المؤمنين، وأحسن حفظه وكلاءته، ما زدت على ما أفعل كل يوم. قَالَ: ما أعلم إلا أني سجلت عَلَى مرزبان المجوسي بما وجب عَلَيْهِ، فقال: فمن هذا سر أمير المؤمنين. قال حفص: الحمد للَّه كثيرا. فقالت أم جعفر لهارون: لا أنا ولا أنت، إلا أن تعزل حفصا. فأبى عليها، ثم ألحت عَلَيْهِ فعزله عن الشرقية، وولاه قضاء الكوفة، فمكث عليها ثلاث عشرة سنة، وكان أبو يوسف لما ولي حفص قال لأصحابه: تعالوا نكتب نوادر حفص، فلما وردت أحكامه وقضاياه على أَبِي يوسف قال له أصحابه: أين النوادر [١] التي تكتبها؟ قَالَ: ويحكم إن حفصا أراد الله فوفقه اللَّه [٢] . أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: قرأت على الحسن بْن أبي بكر، عن أحمد بن كامل القاضي قال: سمعت محمد بن عثمان يَقُولُ: حدثني أَبِي قَالَ: سمعت عمر بن حفص يَقُولُ: لما حضرت أبي الوفاة/ أغمي عَلَيْهِ، فبكيت عند رأسه، فأفاق فَقَالَ: ما يبكيك؟ قُلْتُ: أبكي لفراقك، ولما دخلت فيه من هذا الأمر- يعني القضاء- قَالَ: لا تبك، فإني ما حللت سراويلي على حرام قط، ولا جلس بين يدي خصمان فباليت على من توجه الحكم منها [٣] .

стр. 3198

أنبأنا أبو منصور القزاز، أخبرنا أبو بكر بن ثابت، أخبرنا أبو سعد ظفر بن الفرح الخفاف، حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف العلاف، أخبرنا الحسين بن يحيى بن عَبَّاس قَالَ: وجدت في كتاب أخي علي بن يحيى، أخبرنا العباس بن أبي طالب، أخبرنا الحسن بن علي، حَدَّثَني يحيى بن آدم، عن حفص بن غياث قَالَ: ولدت أم محمد بن أبي إسماعيل أربع بنين في بطن، قَالَ: فرأيتهم كلهم قد نيفوا على الثمانين. أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي البيع، أخبرنا العباس بن أحمد بن موسى أخبرنا أبو علي الطوماري قَالَ: حدثني عبيد بن غنام قال: حَدَّثَني أَبِي قال: مرض حفص خمسة عشر يوما فدفع إلي مائة درهم فقال: امض بها إلى العامل وقل لَهُ: هذه رزق خمسة عشر يوما لم أحكم فيها بين المسلمين لا حظ لي فيها [١] . توفي حفص بن غياث سنة ست وتسعين ومائة. كذا قال الفلاس، ومحمد بن المثنى. وقال خليفة بن خياط، ومحمد بن سعد: سنة أربع وتسعين. وقال عبيد الله بن الصباح: سنة تسع وتسعين. وقال سلم بن جنادة: سنة خمس وتسعين [٢] . ١٠٧٣- عبد الله بن مرزوق، / أبو محمد الزاهد . زعم أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي أنه كان وزير الرشيد، فخرج من ذلك وتخلى من ماله وتزهد، وكان كثير البكاء، شديد الحزن. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، حدثنا أبو بكر بن محمد بن هبة الله الطبري، أَخْبَرَنَا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ابن صفوان، أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الْقُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي [٣] محمد بْن إدريس قَالَ: حدثنا [٤] عبد الله بن السري قال: حدّثني سلامة

стр. 3199

قاضي عبد الله بن مرزوق في مرضه، حدثنا سلامة قَالَ: قال عبد الله بن مرزوق: يا سلامة، إن لي إليك حاجة. قُلْتُ: وما هِيَ؟ قَالَ: تحملني فتطرحني على تلك المزبلة لعلي أموت عليها، فيرى مكاني فيرحمني. ١٠٧٤- محمد بن زين بن سُلَيْم، أبو الشيص الشاعر [١] . انقطع إلى عقبة بن جعفر بن الأشعث الخزاعي، وكان أميرا على الرقة، فمدحه [في] [٢] أكثر شعره، وكان أبو الشيص سريع الخاطر، الشعر عليه أهون من شرب الماء. روى أبو بكر الأنباري، عن أبيه، عن أحمد بن عُبَيْد قَالَ: اجتمع مسلم بن الوليد، وأَبُو نواس، وأبو الشيص، ودعبل في مجلس، فقالوا: لينشد كل منكم أجود ما قال من الشعر، فَقَالَ رجل كان معهم: اسمعوا مني أخبركم بما ينشد كل منكم قبل أن ينشد. قالوا: هات. فَقَالَ لمسلم: أما أنت فكأني بك قد أنشدت: إذا ما علت منا ذؤابة واحد ... وإن كان ذا حلم دعته إلى الجهل هل العيش إلا أن تروح مع الصبى ... وتغدو صريع الكأس والأعين النجل قَالَ: وبهذا البيت لقب «صريع الغواني» لقبه به الرشيد. / فقال له مسلم: صدقت. ثم أقبل على أبي نواس فقال لَهُ: وكأني بك قد أنشدت: لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد تسقيك من عينها خمرا ومن يدها ... خمرا فما لك من سكرين من بد فقال لَهُ: صدقت. ثم أقبل على دعبل فقال لَهُ: كأني بك وقد أنشدت: أين الشباب وأية سلكا ... لا أين يطلب ضل بل هلكا

стр. 3200

لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى فقال لَهُ: صدقت، ثم أقبل على أبي الشيص فقال لَهُ: كأني بك قد أنشدت: لا تنكري صدي ولا إعراضي ... ليس المقل عن الزمان براضي فقال لَهُ: لا، ما أردت [أن] [١] أنشد هذا، وليس هذا بأجود شيء قلته. قالوا: فأنشدنا ما بدا لك. فأنشدهم: وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... يا من أهون عليك ممن أكرم [٢] فقال أبو نواس: أحسنت والله وجودت. وعمي أبو الشيص في آخر عمره. ١٠٧٥- معاذ بن مُعَاذ، أبو المثنى البصري العنبري [٣] . ولد سنة تسع عشرة ومائة، وسمع سليمان التيمي، وشعبة، [و] [٤] الثوري، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، / وأبو خيثمة، وغيرهم. وولي قضاء البصرة، وكان من الأثبات في الحديث. وقال أحمد بن حنبل: ما رأيت أحدا إلا وقد تعلق عليه شيء من الحديث إلا مُعَاذ العنبري، فإنهم ما قدروا أن يتعلقوا عليه في شيء من الحديث مع شغله بالقضاء [٥] .

стр. 3201

توفي معاذ بالبصرة في ربيع الآخر من هذه السنة، وهو ابن سبع وسبعين سنة. ١٠٧٦- هاشم بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن أبي بكر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي بكر الصِّدِّيق، يكنى: أبا بَكْر . مدبغي، كان من ساكني الكوفة، فقدم قاضيا على مصر من قبل الأمين في جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين، وكان يذهب مذهب أبي حنيفة. توفي في محرم هذه السنة.

стр. 3202

ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائة فمن الحوادث فيها: أن القاسم بن الرشيد، ومنصور بن المهدي خرجا من العراق، فلحقا بالمأمون، فوجّه المأمون القاسم إلى جرجان [١] . وفيها: حاصر طاهر وهرثمة وزهير [٢] بن المسيب محمد بن هارون ببغداد. وصفة ما جرى: أن زهير [٣] بن المسيب نزل قصرا بكلواذي، ونصب المجانيق والعرادات، وحفر الخنادق، وجعل يخرج في الأيام [٤] عند اشتغال الجند بحرب طاهر، فيرمي بالعرادات من أقبل وأدبر، ويعشر أموال التجار، وبلغ من الناس كل مبلغ، فشكوا ذلك إلى طاهر/، وبلغ هرثمة ذَلِكَ فأمده بالجنود، وسكت الناس، ونزل هرثمة نهر بين، وجعل عليه حائطا وخندقا وأعد المجانيق والعرادات، وأنزل عبد الله بن الوضاح الشماسية، ونزل طاهر البستان بباب الأنبار، فانزعج لذلك الأمين، ونفد ما كان عنده، فأمر ببيع ما في الخزائن من الأمتعة، وضرب آنية الذهب والفضة دنانير ودراهم، وكان فيمن استأمن إلى طاهر: سعيد بن مالك بن قادم مولى ناجية، فولاه ناحية البغيين والأسواق هنالك، وشاطئ دجلة، ووكل بطريق دار الرقيق وباب الشام واحدا بعد واحد، وكثر الخراب والهدم حتى درست محاسن بغداد، وأرسل طاهر إلى الأرباض من

стр. 3203

طريق الأنبار وباب الكوفة وما يليها، فكل ناحية أجابه أهلها خندق عليهم، ووضع مسالحه، ومن أبى قاتله وأحرق منزله، فذلت الأجناد وتواكلت عن القتال، وبقي أهل السجون والأوباش والرعاع والطرارين [١] ، وكان حاتم بن الصقر قد أباحهم النهب [٢] . وخرج من أصحاب طاهر رجل من أصحاب النجدة والبأس، فنظر إلى قوم عراة لا سلاح معهم، فقال لأصحابه: ما يقابلنا إلا من أرى استهانة بهم. فقالوا: نعم، هؤلاء هم آلافة. فَقَالَ: أف لكم حين تنكصون عن هؤلاء، ولا عدة لهم. فأوتر قوسه وتقدم، فقصده أحدهم وفي يده بارية مقيرة، وتحت/ إبطه مخلاة فيها حجارة، فجعل الخراساني كلما رمى بسهم استتر منه العيار، فيأخذه من باريته فيجعله في موضع من البارية قد هيأه لذلك كالجعبة ويصيح: دانق، أي هذا ثمن النشابة. فأنفذ الخراساني سهامه، ثم حمل على العيار ليضربه بالسيف، فأخرج العيار حجرا من مخلاته فجعله في مقلاع ورماه، فما أخطأ عينه، ثم ثناه بآخر فكاد يصرعه عن فرسه، فكر راجعا وهو يَقُولُ: ليس هؤلاء بإنس، فحدّث طاهرا بهذا فضحك وأعفاه من القتال وقال في هذا بعض شعراء بغداد: خرجت هذه الحروب رجالا ... لا لقحطانها ولا لنزار معشرا في جواشن الصوف يغدون ... إلى الحرب كالأسود الضواري وعليهم مغافر الخوص تجزيهم ... عن البيض والتراس البواري ليس يدرون ما الفرار إذا الأبطال ... عاذوا من القنا بالفرار واحد منهم يشد على ... ألفين عريان ما له من إزار ويقول الفتى إذ طعن الطعنة ... : خذها من الفتى العيار كم شريف قد أخملته وكم قد ... رفعت من مقامر طرار [٣] ولم يزل طاهر [٤] يصاير محمدا وجنده حتى مل أهل بغداد، فاستأمر إلى طاهر خلق

стр. 3204

من أصحاب محمد وقواده، فلما استأمن محمد بن عيسى صاحب شرطة محمد استأمن محمد/. وفي هذه السنة: منع طاهر الملاحين وغيرهم من إدخال شيء إلى بغداد إلا من كان في عسكره منهم ووضع الرصد عليهم بسبب ذَلِكَ. وكان السبب في فعله هذا: أن أصحابه نيل منهم بالجراح، فأمر بالهدم والإحراق، فهدم دور من خالفه ما بين دجلة ودار الرقيق وباب الشّام وباب الكوفة، إلى الصراة وأرجاء أبي جعفر وربض حميد ونهر كرخايا والكناسة، وجعل يحوي كل ناحية ويخندق عليها، فلما رأى أنهم لا يحفلون بالقتل والهدم والحرق أمر بمنع التجار أن يجوزوا بشيء من الدقيق وغيره من المنافع، فغلت الأسعار، واشتد الحصار وفرح من خرج، وتأسف من أقام [١] . ثم كانت بعد وقعات منها: وقعة بالكناسة، باشرها طاهر بنفسه، قتل فيها خلق كثير من أصحاب مُحَمَّد [٢] . ومنها وقعة بدرب الحجارة، كانت على أصحاب طاهر، قتل فيها خلق كثير [٣] . ومنها: وقعة بباب الشماسية، أسر فيها هرثمة، وكان هرثمة ينزل نهر بين، وعليه حائط وخندق، وقد أعد المجانيق والعرادات، وقد أنزل عبيد الله بن الوضاح الشماسية، وكان يخرج أحيانا فيقف بباب خراسان ساعة، ثم ينصرف، وكان حاتم بن الصقر من أصحاب محمد، وكان قد واعد أصحابه/ العراة العيارين أن يوافوا عبد الله بن الوضاح ليلا، فمضوا إليه مفاجأة، وأوقعوا به وقعة أزالوه عن موضعه، فانهزم، وبلغ هرثمة [الخبر] [٤] ، فأقبل لنصرته، فأسر هرثمة، فضرب بعض أصحابه يد من أسره فقطعها، فتخلص، فانهزم. وبلغ خبره أهل عسكره، فخرجوا هاربين نحو حلوان، ثم قام بنصرة طاهر، فرجع إلى مكانه، وهرب عبد الله بن خازم بن خزيمة من بغداد إلى

стр. 3205

المدائن في السفن بعياله وولده، فأقام بها، ولم يحضر القتال. وقيل: بل كاتبه طاهر وحذره قبض ضياعه واستئصاله، فحذره من الفتنة وسلم. وتضايق على محمد أمره، ونفد ما كان عنده، وطلب الناس الأرزاق، فَقَالَ: وددت أن الله قتل الفريقين جميعا، هؤلاء يريدون مالي وأولئك يريدون نفسي. وضعف أمره، وأيقن بالهلاك [١] . وحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بتوجيه طاهر إياه على الموسم بأمر المأمون بذلك [٢] . وكان عامل مكة في هذه السنة: داود بن عيسى [٣] . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١٠٧٧- شعيب بن حرب، أبو صالح المَدِيني [٤] . سمع شعبة، والثوري، وزهير بن معاوية. وروى عنه: أحمد بن حنبل وغيره. وكان من الثقات العلماء العباد الآمرين بالمعروف، / المدققين في طلب الحلال. أَخْبَرَنَا [أَبُو] [٥] مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت، أخبرنا البرقاني قَالَ: قرأت عَلَى أبي حفص الزيات، حدثكم أحمد بن الحسين الصوفي قَالَ: سمعت أبا حمدون المقرئ، واسمه: طيب بن إِسْمَاعِيل يَقُولُ: ذهبنا إلى المدائن إلى شعيب بن حرب، كان قاعدا على شط دجلة، وكان قد بنى كوخا، وخبز له معلق، وإنما كان جلدا

стр. 3206

وعظما، قَالَ: فَقَالَ: أرى ها هنا بعد لحما، والله لا علم في دورنا به حتى أدخل إلى القبر [١] وأنا عظام تقعقع، أريد السمن للدود والحيات؟ قَالَ: فبلغ أحمد بن حنبل قوله فقال: شعيب بن حرب حمل على نفسه في الورع [٢] . أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، أخبرنا رزق الله، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا ابن صوفان، أخبرنا ابن أبي الدنيا، أخبرنا إبراهيم بن عبد الملك قَالَ: جاء رجل إلى شعيب بن حرب وهو بمكة فَقَالَ: ما جاء بك؟ قَالَ: جئت أؤنسك. قَالَ: جئت تؤنسني وأنا أعالج الوحدة منذ أربعين سنة. قال ابن أبي الدنيا: وحدثني الحسن بن الصباح قَالَ: سمعت شعيب بن حرب يَقُولُ: لا تجلس إلا مع أحد رجلين: رجل يعلمك خيرا فتقبل منه، أو رجل تعلمه خيرا فيقبل منك. والثالث اهرب منه. أخبرنا ابن ناصر، أخبرنا عبد القادر بن محمد، أخبرنا أبو بكر بن علي الخياط، أخبرنا ابن أبي الفوارس، أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عبد الخالق، أخبرنا المروزي قَالَ: سمعت عبد الوهاب يَقُولُ: كان ها هنا قوم خرجوا إلى المدائن إلى شعيب بن حرب، فما رجعوا إلى دورهم، ولقد أقام/ بعضهم لم يستق الماء، وكان شعيب يقول لبعضهم الذي يستقي الماء: لو رآك سفيان لقرت عينه. قال المصنف ﵀: كان شعيب قد اعتزل الناس وأقام بالمدائن يتعبد، ثم خرج إلى مكَّةَ، فتوفي بها بعلة البطن في هذه السنة. وقيل في سنة تسع وتسعين. ١٠٧٨- عبيد بن وهب بن مسلم، أبو محمد، مولى لقريش . ولد في ذي القعدة سنة خمس وعشرين ومائة، وطلب العلم وهو ابن سبع عشرة سنة. أخبرنا أبو الْقَاسِم، أَخْبَرَنَا حمد بْن أَحْمَد، أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، أخبرنا

стр. 3207

أَبِي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني قَالَ: دخل ابن وهب الحمام فسمع قارئا يقرأ: وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ ٤٠: ٤٧ [١] فسقط مغشيا عليه، فغسلت عنه النورة وهو لا يعقل. أخبرنا زاهر بن طاهر، أنبأنا أحمد بن الحسين البيهقي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم قال: سمعت أبا إسحاق المزكي يَقُولُ: سمعت محمد بن المسيب يَقُول: سمعت يونس بْن عَبْد الأعلى يَقُول: كتب الخليفة إلى عبد الله بن وهب في قضاء مصر، فجنن نفسه ولزم البيت، فاطلع عليه رشدين بن سعد من السطح فَقَالَ: يا أبا محمد، ألا تخرج للناس فتحكم بينهم كما أمر الله ورسوله، قد جننت نفسك، ولزمت البيت. فال: إني ها هنا انتهى عقلك، ألم تعلم أن القضاء يحشرون يوم القيامة مع السلاطين ويحشر العلماء مَعَ الأنبياء!؟ توفي عبد الله بمصر في شعبان هذه السنة. ١٠٧٩- عبد الرحمن بن مسهر بن عمر- وقيل: عمير- أبو الهيثم الكوفي [٢] . حدث عَن هشام بن عروة وغيره. وهو/ قاضي جبل. أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرني الأزهري قال: أخبرني ابن عروة وغيره، أخبرنا عبيد الله بن عثمان بن يحيى، أخبرنا الحسين الأصفهاني قال: أخبرني جعفر بن قدامة قَالَ: حدثني [٣] محمد بن يزيد الضرير قَالَ: حدثني [٤] عبد الرحمن بن مسهر قَالَ: ولاني أبو يوسف القاضي القضاء بجبل، وبلغني أن الرشيد ينحدر إلى البصرة، فسألت أهل جبل أن يثنوا علي، فوعدوني أن يفعلوا ذلك إذا انحدر، فلما قرب منا سألتهم الحضور، فلم يفعلوا وتفرقوا، فلما آيسوني من أنفسهم سرحت لحيتي وخرجت له، فوقفت فوافى وأبو يوسف معه في الحراقة، فقلت: يا أمير المؤمنين، نعم القاضي قاضي جبل، قد عدل فينا وفعل وصنع، وجعلت أثنى

стр. 3208

على نفسي، ورآني أبو يوسف فطأطأ رأسه وضحك، فقال له الرشيد: مم ضحكت؟ فقال: المُثَنَّي عَلَى القاضي هو القاضي. فضحك هارون حتى فحص برجليه وقال: هذا شيخ سخيف سفلة فاعزله، فعزلني. فلما رجع جعلت أختلف إليه وأسأله أن يوليني قضاء ناحية أخرى، فلم يفعل. فحدثت الناس عَن مجالد، عن الشعبي أن كنية الدجال: أبو يوسف، وبلغه ذلك، فَقَالَ: هذه بتلك، فحسبك وصر إلي حتى أوليك ناحية أخرى. ففعل، وأمسكت عَنْه. قال يحيى: عبد الرحمن بن مسهر ليس بشيء. وقال النسائي: هو متروك الحديث/. ١٠٨٠- عثمان بن سَعِيد، أبو سَعِيد، الملقب: ورش [١] . روى عن نافع القراءة، وهو من أعلام أصحابه، توفي في هذه السنة. ١٠٨١- وكيع بن الجراح [٢] بن عدي بن فرس بن جمحة، أبو سفيان الرؤاسي الكوفي [٣] . ولد سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل سنة ثمان. وسمع إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، والأعمش، وابن عون، وابن جريج والأوزاعي، وسفيان وخلقا كثيرا. وحدث وهو ابن ثلاث وثلاثين، فروى عَنْه ابن المبارك، وقتيبة، وأحمد، ويحيى. وأحضره الرشيد ليوليه القضاء فامتنع. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أحمد بن علي بن ثابت، أخبرنا الجوهري، أَخْبَرَنَا علي بن محمد بن لؤلؤ، حدثنا محمد بن سويد الزيات، أخبرنا أبو يحيى الناقد، أَخْبَرَنَا محمد بن خلف التيمي قَالَ: سمعت وكيعا يَقُولُ: أتيت الأعمش فقلت: حَدَّثَني: فقال لي: ما اسمك؟ قُلْتُ: وكيع. فَقَالَ: اسم نبيل، وما أحسب إلا سيكون لك نبأ، أين تنزل من الكوفة؟ قلت: في بني رؤاس. قال: أين من منزل

стр. 3209

الجراح بن مليح؟ قلت: ذاك أبي، وكان أبي على بيت المال. قَالَ: اذهب فجئني بعطائي وتعال حتى أحدثك بخمسة أحاديث. قال: فجئت أبي فأخبرته، فَقَالَ: خذ نصف العطاء واذهب به، فإذا حدثك بالخمسة فخذ النصف الآخر فاذهب به حتى تكون عشرة. قال: فأتيته بنصف عطائه، فأخذه فوضعه في كفه، ثم سكت/، فقلت: حَدَّثَني. فقالت: اكتب. فأملى علي حديثين. قَالَ: قُلْتُ: وعدتني خمسة. قَالَ: فأين الدراهم كلها؟ أحسب أن أباك أمرك بهذا، ولم يعلم أن الأعمش قد شهد الوقائع، اذهب وجئ بتمامها كلها وتعال أحدثك خمسة أحاديث. قَالَ: فجئته فحدثني بخمسة. قَالَ: فكان إذا كان كل شهر جئته بعطائه فحدثني بخمسة أحاديث [١] . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي، أخبرنا الأزهري، حدثنا عبيد الله بْن عثمان الزيات، حدثنا علي بن محمد المصري قَالَ: حدثني [٢] عبد الرحمن بن حاتم المرادي قَالَ: حَدَّثَني [٣] أسد بن عفير قال: حدثني رجل من أهل هذا الشأن من أهل المروة والأدب قَالَ: جاء رجل إلى وكيع فقال لَهُ: إني أمت إليك بحرمة. قَالَ: وما حرمتك؟ قَالَ: كنت تكتب من محبرتي في مجلس الأعمش. قَالَ: فوثب وكيع فأخرج له من منزله صرة فيها دنانير وقَالَ: أعذرني، فإني ما أملك غيرها [٤] . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ علي بن ثابت قال: أخبرني إبراهيم بن عمر البرمكي، حدثنا عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان، أخبرنا محمد بن أيوب بن المعافى قَالَ: سمعت إبراهيم الحربي يقول: سمعت أحمد بن حنبل ذكر يوما وكيعا فَقَالَ: ما رأت عيني مثْلَه قط، يحفظ الحديث جيدا، ويذاكر بالفقه فيحسن، مع ورع واجتهاد، ولا يتكلم في أحد [٥] . أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورِ بْنُ خَيْرُونَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مسعدة، أخبرنا حمزة بن

стр. 3210

يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ/ قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عبد الله، أن رسول الله ﷺ لَمَّا مَاتَ لَمْ يُدْفَنْ حَتَّى رَبَا بَطْنُهُ وانتشرت خِنْصَرَاهُ. قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَكِيعٌ وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَكَانَتْ سَنَةً حَجَّ فِيهَا الرَّشِيدُ فَقَدَّمُوهُ إِلَيْهِ، فَدَعَا الرَّشِيدُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، وَعَبْدَ الْمَجِيدِ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، فَأَمَّا عَبْدُ الْمَجِيدِ فَقَالَ: يَجِبُ أَنْ يُقْتَلَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ هَذَا إِلا وَفِي قَلْبِهِ غِشٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ . فسأل الرشيد سفيان بن عيينة فَقَالَ: لا يجب عليه القتل رجل سمع حديثا فرواه، لا يجب عَلَيْهِ القتل، إن المدينة شديدة الحر، توفي النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، فنزل إلى قبره ليلة الأربعاء لأن القوم كانوا في صلاح أمة مُحَمَّد ﷺ ، واختلفت قريش والأنصار، فمن ذلك تغير. قال قتيبة: فكان وكيع إذا ذكر له فعل عَبْد المجيد قَالَ: ذلك رجل جاهل، سمع حديثا لم يعرف وجهه، فتكلم بما تكلم. توفي وكيع بفيد في هذه السنة وهو ابن ست وستين سنة.

стр. 3211

ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة فمن الحوادث فيها: استئمان خزيمة بن خازم إلى طاهر بن الحسين، ومفارقته محمدا [١] . وسبب ذلك: أن طاهرا كتب إلى خزيمة، فشاور/ من يثق بِهِ، فقالوا: نرى والله أن هذا الرجل أخذ بقفا صاحبنا عن قليل، فاحتل لنفسك ولنا. فكتب إلى طاهر بطاعته، وكتب طاهر بن محمد بن علي بن عيسى بن ماهان بمثل ذلك، فلما كان ليلة الأربعاء لثمان بقين من المحرم وثب خزيمة ومحمد بن علي بن عيسى بن ماهان على جسر دجلة فقطعاه، وركبا أعلامهما عَلَيْهِ، وخلعا محمدا ودعوا للمأمون، وغدا طاهر يوم الخميس على المدينة الشرقية وأرباضها والكرخ وأسواقها، وهدم قنطرتي الصراة العتيقة والحديثة، واشتد عندهما القتال، وباشر طاهر القتال بنفسه، فهزم أصحاب محمد ودخل قسرا، وأمر مناديه فنادى: الأمان لمن لزم منزله. ووضع بقصر الوضاح وسوق الكرخ والأطراف قوادا وجندا، وقصدوا مدينة أبي جعفر فأحاط بها وبقصر زبيدة وقصر الخلد ورمى، فخرج محمد بأمه وولده مما كان يصل إليه من حجارة المنجنيق إلى مدينة أبي جعفر، وتفرق عنه عامة أصحابه وخصيانه [٢] وجواريه إلى السكك والطرق لا يلوي أحد منهم على أحد، وتفرق الغوغاء والسفلة، وأمر ببسطه ومجالسه أن تحرق فأحرقت [٣] .

стр. 3212

وفي هذه السنة: قتل محمد بن هارون، وذلك أنه لما تيقن محمد أنه لا عدة له للحصار، وخاف أن يظفر به وبأصحابه صار إليه حاتم بن الصقر، ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب الأفريقي وقواده، فقالوا: قد آلت حالك/ وحالنا إلى ما ترى، وقد رأينا رأيا نعرضه عليك فانظر فيه، فإنا نرجو أن يكون صوابا. قال: ما هو؟ قالوا: قد تفرق عنك النَّاسَ، وأحاط بك عدوك من كل جانب، وقد بقي من خيلك معك ألف فرس، فنرى أن تختار من قد عرفناه بمحبتك من الأبناء مع ألف رجل، ونخرج ليلا من هذه الأبواب حتى نلحق بالجزيرة والشام، فتفرض [الفروض] [١] وتجبي الخراج، وتصير في مملكة واسعة، ويسارع إليك الناس. فَقَالَ: نعم ما رأيتم. واعتزم على ذَلِكَ. فخرج الخبر إلى طاهر، فكتب إلى سليمان بن أبي جعفر، وإلى محمد بن عيسى بن نهيك، وإلى السندي بن شاهك: والله لئن لم تردوه عن هذا الرأي لا تركت لكم ضيعة إلا قبضتها، ولا يكون لي همة إلا أنفسكم. فدخلوا على محمد فقالوا: قد بلغنا الذي عزمت عليه، ولسنا نأمن الذين تخرج معهم أن يأخذوك أسيرا ويأخذوا رأسك، فيتقربوا بك. فأضرب عما كان عزم عليه، ومال إلى طلب الأمان، فلما اشتد الحصار عليه فارقه سليمان بن أبي جعفر، وإبراهيم بن المهدي، ومحمد بن عيسى بن نهيك، ولحقوا جميعا بعسكر المأمون، وقَالَ له السندي: بادر بنا إلى هرثمة، واخرج ليلا، فغضب طاهر، وأراد أن يخرج إليه. فقيل له يخرج إلى هرثمة لأنه يأنس به، ويدفع إليك الخاتم والقضيب والبردة. فقيل لطاهر: هذا مكر منه، وإن الخاتم والقضيب والبردة تحمل معه إلى هرثمة/. فاغتاظ وكمن حول القصر كمينا بالسلاح، وذلك ليلة الأحد لخمس مضين من المحرم سنة ثمان وأربعين ومائة، وذلك لخمس وعشرين من أيلول. فلما أراد الخروج استسقى ماء، فلم يوجد له، فدعا بولديه فضمهما إليه وقبلهما

стр. 3213

وقَالَ: استودعكما الله. وجعل يمسح دموعه، ولبس ثياب الخلافة، وركب يريد هرثمة، وبين يديه شمعة. فلما انتهى إلى دار الحرس قال لخادمه: اسقني من جباب الحرس. فناوله كوزا، فعافه لزهوكته [١] ، فلم يشرب منه، فلما أن سار في الحراقة [٢] خرج طاهر وأصحابه فرموا الحراقة بالسهام والحجارة فانكبت الحراقة، فغرق محمد ومن كان فيها، فشق محمد ثيابه وسبح حتى عبر، فصار إلى بستان موسى، فعرفه محمد بن حميد الطاهري، فصاح بأصحابه، فنزلوا فأخذوه، فبادر محمد الماء، فأخذوا بساقيه، ثم حمل على برذون وألقي عليه إزار من أزر [٣] الجند غير مفتول، وحمل إلى منزل إبراهيم بن جعفر البلخي، وكان بباب الكوفة، وأردف رجل خلفه ليلا يسفط كما يفعل بالأسير [٤] . وقيل إنه عرض على الذين أخذوه مائة حبة، كل حبة قيمتها مائة ألف، فأبوا أن يتركوه، وجاء الخبر بذلك إلى طاهر بن الحسين، فدعا مولى له يقال لَهُ: قريش الدنداني، فأمره بقتل محمد، فلما انتصف الليل فتح الدار قوم من العجم، بأيديهم السيوف مسللة، فلما رآهم قام قائما/ وقال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦ [٥] ذهبت والله نفسي في سبيل الله، أما من حيلة، أما من مغيث!؟ [٦] فلما وصلوا إليه أحجموا عن الإقدام، وجعل بعضهم يقول لبعض: تقدم. فأخذ محمد بيده وسادة وجعل يَقُولُ: ويحكم، إني ابن عم رسول الله ﷺ ، وابن هارون، وأخو المأمون، الله الله في دمي. فدخل عليه رجل يقال له: حميرويه [٧]- غلام لقريش الدنداني- فضربه بالسيف ضربة وقعت على مقدم رأسه، وضرب وجهه بالوسادة التي كانت في يده، ودخل جماعة، فنخسه واحد منهم بالسيف في خاصرته، وركبوه فذبحوه ذبحا من قفاه، وأخذوا راسه، فمضوا به إلى طاهر، وتركوا جثته، فنصب طاهر الرأس

стр. 3214

عَلَى رمح على برج حائط البستان الذي يلي باب الأنبار، وفتح باب الأنبار، وتلى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ٣: ٢٦ [١] . وخرج من أهل بغداد من لا يحصى عدده ينظر إليه، ثم بعث برأسه إلى المأمون مع الرداء والقضيب والبردة، فأمر له بألف ألف دينار، فأدخل ذو الرئاستين الرأس [٢] بيده على ترس إلى المأمون، فلما رآه سجد، وأعطى طاهر بعد قتل محمد الناس كلهم الأمان، وهدأ الناس، ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة، فصلى بالناس وخطبهم، وحض على الطاعة ولزوم الجماعة، وانصرف إلى معسكره. [٣] وفي هذه السنة: وثب الجند بعد مقتل محمد بخمسة أيام بطاهر، وشهروا السلاح، ونادوا: يا منصور. / فهرب منهم طاهر، وتغيب أياما حتى أصلح أمرهم. وكان السبب أنه لم يكن عنده مال، فضاق به الأمر فهرب، وانتهب بعض متاعه، ومضى إلى عقرقوف [٤] ، وتهيأ لقتالهم بمن معه من القواد، فأتوه واعتذروا، وأحالوا على السفهاء والأحداث، وسألوه الصفح عَنْهُمْ، فأمر لهم برزق أربعة أشهر، وكان قد أمر بحفظ أبواب المدينة، وباب القصر على أم جعفر، وموسى، وعبد الله ابني محمد، ثم أمر بتحويل زبيدة وموسى وعبد الله معها من قصر أبي جعفر إلى الخلد، فحوّلوا ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول، ثم أمر بحمل موسى وعبد الله إلى عمهما. [٥] وفي هذه السنة: ورد كتاب المأمون بعد قتل محمد على طاهر وهرثمة بخلع القاسم بْن هارون، فأظهرا ذَلِكَ، ووجها كتبهما به، وقرئ الكتاب بخلعه يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول. وفي هذه السنة بويع للمأمون البيعة العامة.

стр. 3215

باب ذكر خلافة المأمون [١] واسمه: عبد الله بن هارون الرشيد، وكان يكنى أبا العباس في أيام الرشيد، وكان في خلافته تكنى بأبي جعفر تفاؤلا بكنية المنصور والرشيد في طول العمر. ولد ليلة استخلف الرشيد في ربيع الأول سنة سبعين، وكان أبيض، أقنى، أعين، جميلا، طويل اللحية، قد وخطه/ الشيب، ضيق الجبهة، بخده خال أسود يعلوه صفرة، ساقاه دون سائر جسده صفراوين كأنهما طليا بالزعفران، وأمه أمة اسمها مراجل، ماتت بعد ولادته بقليل، فسلمه الرشيد إلى سعيد الجوهري، وكان من زمن صغره فطنا ذكيا. أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بْن علي [بْن ثابت] [٢] الخطيب قَالَ: أخبرني الأزهري قَالَ: حَدَّثَنَا إبراهيم بْن مُحَمَّد بْن عرفة قَالَ: قال أبو محمد اليزيدي: كنت أؤدب المأمون وهو في حجر سعيد الجوهري. قَالَ: فأتيته يوما وهو داخل، فوجهت إليه بعض خدمه [٣] يعلمه بمكاني، فأبطأ علي، ثم وجهت آخر فأبطأ عليّ، فقلت لسعيد: إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة وتأخر. فَقَالَ: أجل، ومع هذا إذا فارقك عزم على خدمه، ولقوا منه أذى شديدا، فقومه بالأدب، فلما خرج أمرت

стр. 3216

بحمله فضربته سبع درر. قَالَ: فإنه ليدلك عينه من البكاء [١] إذ قِيلَ: هذا جعفر بن يحيى قد أقبل، فأخذ منديلا، فمسح عينيه، وجمع ثيابه، وقام إلى فراشه، فقعد عليه متربعا وقال: ليدخل. فدخل، فقمت إلى المجلس، وخفت أن يشكوني إليه، فألقى منه ما أكره، فأقبل عليه بوجهه وحدثه حتى أضحكه، وضحك إليه، فلما هم بالحركة دعى بدابته، وأمر غلمانه فسعوا بين يديه، ثم سأل عني، فجئت فَقَالَ: خذ علي ما بقي من جزئي، فقلت: أيها الأمير، أطال الله بقاءك، لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر بن يحيى، ولو فعلت/ ذلك لتنكر لي. فقال: أتراني يا أبا محمد كنت أطلع الرشيد على هذا، فكيف بجعفر بن يحيى حتى أطلعه إني أحتاج إلى أدب [٢] ، أدب يغفر الله لك بعد ظنك، خذ في أمرك، فقد خطر ببالك ما لا تراه أبدا، ولو عدت كل يوم مائة مرة [٣] . وروى الطالقاني قَالَ: قال الرشيد لأبي معاوية الضرير وهشيم: إني أسمع من ابني هذا- يعني المأمون- كلاما لست أدري أمن تلقين القيم عليه هو أم من قريحة؟ فادخلا إليه، فناظراه وأسمعا منه، وأخبراني بما تقفان عليه. فدخلا عليه وهو في أثواب صباه، فقالا له: إن أمير المؤمنين أمرنا بالدخول عليك ومناظرتك، فأي العلوم أحب إليك؟ قال: أمتعها لي. قالا: وما أمتعها لك. قَالَ: أثبتها عن ثقة، وأقربها من أفهام مستمعيها. فقال له هشيم: جئناك لنعلمك فتعلمنا. ثم أخبرا الرشيد فقالا: إن هذا شيء أوله لحقيق أن يرجى آخره، ثم أعتق عنه مائة عبد وأمة، وألزمها خدمته. وبلغنا أن أم جعفر عاتبت الرشيد على تقريبه المأمون دون ابنها محمد، فدعا خادما بحضرتها، وقال لَهُ: وجه إلى عبد الله ومحمد خادمين حصيفين يقولان لكل واحد منهما عَلَى الخلوة: ما يفعل به إذا أفضت الخلافة إِلَيْهِ؟. فأما محمد فقال للخادم الذي مضى إليه: أقطعك وأوليك وأبلغ لك. وأما المأمون فرمى الخادم بالدواة وقال: يا ابن اللخناء تسلني ما أفعل بك بموت أمير المؤمنين؟ بل نكون جميعا فداء له. فرجع بالخبر/ كل منهما. فقال لأم جعفر: كيف ترين ما أقدم ابنك إلا متابعة لرأيك وتركا

стр. 3217

للجزع، وقد كان المأمون يعنى بالعلم قبل ولايته كثيرا حتى جعل لنفسه مجلس نظر. أَخْبَرَنَا ابن ناصر قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو علي الطوماري قَالَ: أخبرنا أبو الحسين بن الفهم قَالَ: حدثنا يحيى بن أكثم قَالَ: كان المأمون قبل تقلده الخلافة يجلس للنظر، فدخل يهودي حسن الوجه، طيب الرائحة، حسن الثوب، فتكلم فأحسن الكلام، فلما تقوض المجلس دعاه المأمون فقال لَهُ: إسرائيلي؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أسلم حتى أفعل لك وأصنع. فَقَالَ: ديني ودين آبائي فلا تكشفني. فتركه، فلما كان بعد سنة جاءنا وهو مسلم، فتكلم في الفقه [١] ، فأحسن الكلام، فلما تقوض المجلس دعاه المأمون فَقَالَ: ألست صاحبنا؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أي شيء دعاك إلى الإسلام، وقد كنت عرضته عليك فأبيت؟ قَالَ: إني أحسن الخط، فمضيت فكتبت ثلاث نسخ من التوراة، فزدت فيها ونقصت وأدخلتها الكنيسة، فبعتها، فاشتريت. قَالَ: وكتبت ثلاث نسخ من الإنجيل، فزدت فيها ونقصت فأدخلتها إلى البيعة فاشتريت مني. قَالَ: وعمدت إلى القرآن فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها إلى الوراقين، فكلما تصفحوها قرءوا الزيادة والنقصان ورموا بها، فعلمت أن هذا الكتاب محفوظ، فكان سبب إسلامي. قال يحيى بن أكثم: فحججت فرأيت سفيان/ بن عيينة فحدثته بهذا الحديث فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله . قُلْتُ: في أي موضع؟ قَالَ: في قوله في التوراة والإنجيل: بِمَا اسْتُحْفِظُوا من كِتابِ الله وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ ٥: ٤٤ [٢] فجعل حفظه إليهم فضاع. وقال الله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ١٥: ٩ [٣] . فحفظه الله تعالى علينا فلم يضع. أخبرنا القزاز [٤] قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا الحصين بن أبي بَكْر قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عبد الله الشافعي قال: حدثنا عمر بن حفص السدوسي قال:

стр. 3218

حَدَّثَنَا محمد بن يزيد قَالَ: استخلف المأمون في المحرم سنة ثمان وتسعين [ومائة] [١] ، وقد سلّم عليه بالخلافة قبل ذلك ببلاد خراسان نحو سنتين، وخلع أهل خراسان وغيرها محمد بن هارون [٢] . فصل ولما استوثق الأمر للمأمون ولى الحسن بن سهل كل ما افتتحه طاهر بن الحسين من كور الجبال وفارس والأهواز والكوفة والبصرة والحجاز واليمن، وكتب المأمون إلى طاهر بتسليم جميع ما في يده من الأعمال في البلدان إلى خلفاء الحسن بن سهل، وولاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب، فقدم علي بن سعيد الوراق خليفة الحسن بن سهل على خراجها، فدافع طاهر عليا بتسليم الخراج إليه حتى وفى الجند أرزاقهم، ثم سلم إليه العمل. ذكر طرف من أخبار المأمون وسيرته كان المأمون يحفظ القرآن، وقد سمع الحديث/ من مالك بن أنس، وحماد بن زيد، وهشيم، وغيرهم، وكان له حظ من علوم كثيرة، وأسند الحديث. أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قَالَ: أخبرني الخلال قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يعقوب قَالَ: حدثنا أحمد بن عبد الله الوكيل قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ قال: سمعت أبي يَقُولُ: لم يحفظ القرآن من الخلفاء إلا عثمان والمأمون، وكان المأمون يقرأ القرآن كثيرا، فروى عنه ذو الرئاستين أنه ختم في رمضان ثلاثة وثلاثين ختمة، وكان يحفظ الحديث ويرويه. أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ [٣] قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيُّ قال: أنبأنا

стр. 3219

عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْكَتَّانِيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ السّليطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ عِيسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ السُّلَمِيُّ صَاحِبُ ابْنِ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ الْبُخَارِيُّ قال: سمعت المأمون أمير المؤمنين يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» وَقَالَ مَرَّةً: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» . قال محمد بن قدامة: بلغ المأمون أن أبا حذيفة حدث بهذا الحديث عنه، فأمر له بعشرة آلاف درهم. أنبأنا زاهر/ [بْن طاهر] [١] قَالَ: أنبأنا أَحْمَد بْن الحسين البيهقي قال: أخبرنا [٢] الحاكم أبو عبد الله [محمد بن عبد الله] قَالَ: حدثني أبو علي منصور بن عبد الله بن خالد المروزي قَالَ: حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن حمدويه قال: حدثنا إبراهيم بن يونس بن مروان الضبي قَالَ: حدثني [٣] نصر بن منصور الطفاوي قَالَ: حدثنا أبو عمر الحوضي قال: لما دخل المأمون مصر قام إليه فرج الأسود مولاه، فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، الحمد للَّه الذي كفاك أمر عدوك، ودان لك العراقان والشامان ومصر وخراسان، وأنت ابن عم رسول الله ﷺ والعالم به. فَقَالَ: ويحك يا فرج، قد بقيت لي خلة. قلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قَالَ: جلوسي في عسكر، ومستمل يجيء فيقول: من ذكرت رضي الله عنك؟ فأقول: حَدَّثَنَا الْحَمَّادَانِ: حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالا: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «من عال ابنتين أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً حَتَّى يَمُتْنَ أَوْ يَمُوتَ عَنْهُنَّ كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ» فَأَوْمَأَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِالْوُسْطَى وَالإِبْهَامِ. قال الحاكم: وسمعت أبا الحسين محمد بن محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعت أبا العباس مُحَمَّد بن إسحاق يَقُولُ: سمعت محمد بن سهل يقول: كنت بالمصيصة وبها المأمون أمير المؤمنين، فأذن يوما [للناس فقام إليه] [٤] شاب وبيده

стр. 3220

محبرة، فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، صاحب حديث منقطع بِهِ/ فقال له المأمون: أي شيء تحفظ من باب كذا؟ فلم يذكر الفتى شيئا، فما زال المأمون يَقُولُ: حدثنا هشيم، وحدثنا أبو الأحوص، وحدّثنا وكيع، حتى ذكر الباب، ثم قَالَ: وإيش تحفظ في باب كذا؟ فلم يذكر الفتى شيئا، فما زال المأمون يَقُولُ: حدثنا حجاج بن محمد، وحدثنا فلان وفلان، حتى ذكر الباب، ثم التفت إلى الفضل فقال: أحدهم يطلب الحديث ثلاثة أيام ثم يقول أنا من أصحاب الحديث، أعطوه ثلاثة آلاف درهم. أخبرنا هبة الله بن أحمد الحرسي قال: أخبرنا إبراهيم عن عمر البرمكي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْن أحمد بن خلف قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي الطبري قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن داود قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن عون قَالَ: سمعت ابن عيينة يَقُولُ: جمع أمير المؤمنين العلماء وجلس للناس، فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، مات أخي وخلف ستمائة دينار، أعطوني دينارا واحدا وقالوا: هذا نصيبك. قَالَ: فحسب المأمون ثم قَالَ: هكذا نصيبك رحمك اللَّه، فقالت العلماء: كيف علمت يا أمير المؤمنين؟ فقال لها: هذا الرجل خلف أربع بنات. قالت: نعم. قال: فلهما الثلثان أربعمائة وخلف والدة فلها السدس مائة، وخلف زوجة فلها الثمن خمسة وسبعون دينارا، باللَّه لك اثنا عشر أخا. قالت: نعم. قال: أصابهم ديناران ديناران، وأصابك دينار/. [أخبرنا ابن ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا محفوظ بْن أحمد الفقيه قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلي مُحَمَّد بْن الحسين الجازري قَالَ: حَدَّثَنَا المعافى بْن زكريّا قَالَ:] [١] أَخْبَرَنَا محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا الحسين [٢] بن يحيى الكاتب قَالَ: حدثني من سمع قحطبة بن حميد بن قحطبة يَقُولُ: حضرت المأمون يناظر محمد بن القاسم النوشجاني يقول في شيء ومحمد يفضي له ويصدقه. فقال له المأمون: أراك تنقاد لي إلى ما ترى أنه يسرني قبل وجوب الحجة عليك، ولو شئت أن أقيس الأمور بفضل بيان، وطول لسان، وأبهة الخلافة، وسطوة الرئاسة لصدقت وإن كنت كاذبا، وصوبت، وإن كنت مخطئا وعدلت، وإن كنت جائرا، ولكن لا أرضى إلا بإزالة الشبهة، وغلبة

стр. 3221

الحجة، وإن شر الملوك عقلا وأسخفهم رأيا من رضي بقولهم: صدق الأمير. قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا القاضي أبو العلا الواسطي قَالَ: حدثنا علي بن عمر الحافظ قال: حدّثنا الكوكبي قال: حدّثنا أبو عكرمة الضَّبُّي قَالَ: حدثني ابن الأعرابي قَالَ: بعث إلي المأمون فصرت إليه وهو في بستان يحيى بن أكثم، فرأيتهما موليين، فجلست، فلما أقبلا قمت فسلمت عليه بالخلافة، فسمعته يقول ليحيى: يا أبا مُحَمَّد، ما أحسن أدبه، رآنا موليين فجلس، ثم رآنا مقبلين فقام ثم رد السَّلَام وقَالَ: يا مُحَمَّد، أخبرني عن أحسن ما قيل في الشراب فقلت: يا أمير المؤمنين، قوله: تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمنطق فقال: أشعر منه الذي يقول: - يعني أبا نواس- / فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم فعلت في البيت إذ مزجت ... مثل فعل الصبح في الظلم واهتدى ساري الظلام بها ... كاهتداء السفر بالعلم فقلت: فائدة يا أمير المؤمنين. فَقَالَ: أخبرني عن قول هند بنت عُتْبَة: نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق من طارق هذا؟ قَالَ: فنظرت في نسبها فلم أجده. فقلت: يا أمير المؤمنين، ما أعرف في نسبها! فقال: إنما أرادت النجم، فانتسبت إليه لحسنها، من قول الله : وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ٨٦: ١ [١] . فقلت: فائدتان يا أمير المؤمنين قال: أنا بؤبؤ هذا الأمر [٢] [وأنت بؤبؤه] [٣] . ثم دفع [٤] إليّ بعنبرة وكان يقلبها في يده، فبعتها بخمسة آلاف درهم [٥] .

стр. 3222

حدثنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي قال: أخبرني الأزهري قال: حدّثنا محمد بن جامع قَالَ: حدثنا أبو عمر الزاهد قَالَ: حدثنا المبرد قَالَ: حدثني عمارة بْن عُقَيْل قَالَ: قال لي ابن أبي حفصة الشاعر: أعلمت أن أمير المؤمنين لا يبصر الشعر!؟ فقلت: ومن يكون أفرس منه!؟ والله إنا لننشد أول البيت فيسبق إلى آخره من غير أن يكون سمعه. قَالَ: إني أنشدته شيئا أجدت فيه، فلم أره تحرك لَهُ، فأسمعه: أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدين والناس بالدنيا مشاغيل / فقلت: ما زدته على أن جعلته عجوزا في محرابها في يدها سبحة، فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولا عنها، وهو المطوق بها؟ ألا قلت كما قال جرير لعمر بن عبد العزيز: فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله [١] أخبرنا أبو منصور القزاز قال: حدثنا أحمد بن علي قال: أخبرنا يحيى بن الحَسَن بْن المنذر قَالَ: حدثنا إسماعيل بن سعيد المعدل قَالَ: حدثنا أبو بكر بن دريد قَالَ: حَدَّثَنَا الحسن بن خضر قَالَ: سمعت ابن أبي دؤاد يقول: أدخل رجل من الخوارج على المأمون فَقَالَ: ما حملك على خلافنا؟ قَالَ: آية في كتاب الله . قَالَ: وما هِيَ؟ قَالَ: قوله: وَمن لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ٥: ٤٤ [٢] قال له المأمون: ألك علم بأنها منزلة؟ قال: نعم. قال: وما دليلك؟ قَالَ: إجماع الأمة. قَالَ: فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض بإجماعهم في التأويل. قَالَ: صدقت، السلام عليك يا أمير المؤمنين [٣] . أخبرنا عبد الرحمن [القزاز قَالَ:] [٤] أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرني الحسن بن مُحَمَّد الخلال قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن مُحَمَّد بن عمران قَالَ: حدثنا محمد بن الحسن بن محمد الموصلي قَالَ: حدثنا عبد الله بن محمود المروزي قال: سمعت

стр. 3223

يحيى بن أكثم يَقُولُ: ما رأيت أكمل آلة من المأمون. وجعل يحدث بأشياء استحسنها من كَانَ في مجلسه. ثم قال: كنت عنده ليلة أذاكره وأحدثه، / ثم نام وانتبه وقال: يا يحيى، انظر أيش عند رجلي. فنظرت فلم أر شيئا. فَقَالَ: شمعة، فتبادر الفراشون. فَقَالَ، انظروا، فنظروا، فإذا تحت فراشه حية بطوله، فقتلوها، فقلت: قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب. فقال: معاذ الله، ولكن هتف بي هاتف الساعة وأنا نائم: يا راقد الليل انتبه ... إن الخطوب لها سرى ثقة الفتى بزمانه ... ثقة محللة العرى فانتبهت، فعلمت أن قد حدث أمر إما قريب، وإما بعيد. فتأملت ما قرب فكان ما رأيت [١] . أنبأنا محمد بن ناصر الحافظ قَالَ: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد الفقيه قَالَ: أخبرنا ابن دودان قَالَ: أخبرنا المرزباني قَالَ: أخبرنا ابن دريد، عن أبي العيناء قال: قصد أعرابي المأمون فوقف على بابه سنة لا يصل إِلَيْهِ، فصاح الأعرابي يوما: نصيحة، نصيحة. قَالَ: فأدخل على المأمون فقال لَهُ: يا أعرابي، ما نصيحتك؟ قَالَ: يا أمير المؤمنين، رأيت البارحة رؤيا، وقد أحببت أن تفسرها لي. فتبسم المأمون وقَالَ: ما الرؤيا؟ فأنشأ يَقُولُ: إني رأيتك في منامي سيّدي ... يا ابن الإمام على الجواد السابق وكسوتني حللا طرائف حسنها ... يزهو لدي مع الكميت الفائق فقال المأمون: ادفعوا إلى الأعرابي خلعة وفرسا/ كميتا بسرجه ولجامه. فلما دفع إِلَيْهِ قَالَ: يا أمير المؤمنين: وأجزتني بخريطة مملوءة ... ذهبا وأخرى باللجين الفائق فقال المأمون: يدفع إليه ألف دينار، وألف درهم، فقبض ذلك وأنشأ يَقُولُ:

стр. 3224

وأجزتني بخريدة رومية ... حسناء تشفع بالغلام الفائق فقال المأمون: يدفع إليه ذَلِكَ، ثم قَالَ: يا أعرابي، إياك أن ترى مثل هذه، فربما لم تجد من يفسرها لك. أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُّوخِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر أَحْمَدَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدُّورِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ أَحْمَدَ الْهَاشِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي جُمْعَةَ النَّحَّاسُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ عبد الله بن علي بن عبد الله بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُونِ، فَجَعَلَ لا يَمُرُّ عَلَيْهِ غُلامٌ مِنْ غِلْمَانِهِ إِلا أَعْتَقَهُ، وَعَلَى رَأْسِهِ غُلامٌ نَظِيفٌ، نَظِيفُ الثِّيَابِ، وَكُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يَعْتِقَهُ فِيمَنْ يَعْتِقُ، فَلَمَّا تَنَحَّى الْغُلامُ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ المؤمنين، رأيت لا يَمُرُّ أَحَدٌ مِنْ غِلْمَانِكَ إِلا أَعْتَقْتَهُ وعلى رأسك غلام مَنْ صِفَتُهُ وَحَالَهُ، وَكُنْتُ أُحِبُّ أَنْ تَعْتِقَهُ. فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ آبَائِهِ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «طِينَةُ الْمُعْتِقِ مِنْ طِينَةِ الْمُعْتَقِ» وَالَّذِي رأيته على رأسي حجام، فكرهت/ أن يكون من طينتنا حجام. أخبرنا ابن ناصر قَالَ: أخبرنا ابن المبارك عبد الجبار قال: أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قَالَ: حدثنا المقدمي، عن الحارث بن محمد قَالَ: أخبرني بعض أصحابنا قَالَ: بكّر أحمد بن أبي خالد يقرأ على المأمون قصصا، فجاع، فمرت به قصة فيها فلان بن فلان اليزيدي، فقرأ: الثريدي. فقال المأمون: يا غلام، صحفة مملوءة ثريدا لأبي العباس، فإنه أصبح جائعا. فاستحيى وقَالَ: ما أنا بجائع، ولكن صاحب القصة أحمق، نقط على الياء ثلاث نقط. فَقَالَ: ما أنفع جمعه لك. فأحضرت الصحفة مملوءة ثريدا وعراقا وودكا، فخجل أحمد، فَقَالَ له المأمون: بحياتي لما ملت إليها فأكلت. فعدل فأكل حتى اكتفى وغسل يده، وعاود القراءة، ومرت قصة فلان بن فلان الحمصي، فقرأ: الخبيصي فقال المأمون: يا غلام، جام مملوء خبيصا لأبي العباس، فإن طعامه كان مبتورا. فاستحيى وقَالَ: يا سيدي، صاحب القصة أحمق، فتح الميم فصارت سنتين. فَقَالَ: لولا حمقه وحمق صاحبه مت اليوم جوعا، فأتي بجام مملوء خبيصا، فخجل، فقال المأمون: بحياتي إلا ملت نحوه فأكلت. فأكل وغسل يده، وعاود القراءة، فما أسقط حرفا حتى انقضى/ المجلس.

стр. 3225

وقال محمد بن الْجَهْمُ: دعاني المأمون فقال: أنشدني بيت مدح نادر. فأنشدته: يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود فَقَالَ: قد وليتك همذان، فأنشدني بيت هجاء نادر فأنشدته: قبحت مناظره فحين خبرته ... حسنت مناظره لقبح المخبر فَقَالَ: قد وليتك الدينور، فأنشدني بيت مرثية نادر، فأنشدته: أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر فَقَالَ: قد وليتك نهاوند، فأنشدني بيت غزل. فأنشدته: حب مجد وحبيب يلعب ... والقلب ما بينهما يذهب ومن كلام المأمون: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو المعالي أحمد بن محمد البخاري قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو الحسن بن رزقويه قال: أخبرنا أبو جعفر عبد الله بن إِسْمَاعِيل بن توتة/ قَالَ: أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف قَالَ: حدثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ محمد القرشي قَالَ: حَدَّثَني ابن هشام قَالَ: قال لي المأمون: يا عليّ، الملوك تحتمل لأصحابها كل شيء خلا ثلاث خصال. قلت: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قَالَ: القدح في الملك، وإفشاء السر، والتعرض للحرمة. وبلغنا أن المأمون جمع ولده يوما فَقَالَ: يا بني، ليعلم الكبير منكم إنما عظم قدره بصغار عظموه، وقويت قوته بضعاف أطاعوه، وشرفت منزلته بعوام اتضعوا لَهُ، فلا يدعونه تفخيم المفخم منهم إياه إلى تصغيره، وتعزيز أمره إلى تذليله، ولا تستأثرن بعائده ورفق دونه، ولا يولعن بتسميته عمدا كما سمت الأعاجم وليا وأخا، فإن الشيء الذي قوامه من أجزاء خسيسة، ومعان مذمومة، فهو أيضا خسيس مذموم، وكل أمر من أولئك جزء من عدده، وعماد من عماد أمره، فإذا انحلت أجزاؤه، وزالت دعائمه مال العماد، وتهدم الكل، وقد قِيلَ إن من ملك أحرارا كان أشرف ممن ملك عبيدا مستكرهين، يا بني، ارجعوا فيما اشتبه عليكم من التدبير إلى آراء الحزمة المجربين، فإنّهم مرآتكم يرونكم ما لا ترون، قد صحبوا الدهور، وكفوكم الأمور بالتجارب، وقد
следующие страницы →