الحجة، وإن شر الملوك عقلا وأسخفهم رأيا من رضي بقولهم: صدق الأمير.
قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال:
أخبرنا القاضي أبو العلا الواسطي قَالَ: حدثنا علي بن عمر الحافظ قال: حدّثنا الكوكبي قال: حدّثنا أبو عكرمة الضَّبُّي قَالَ: حدثني ابن الأعرابي قَالَ: بعث إلي المأمون فصرت إليه وهو في بستان يحيى بن أكثم، فرأيتهما موليين، فجلست، فلما أقبلا قمت فسلمت عليه بالخلافة، فسمعته يقول ليحيى: يا أبا مُحَمَّد، ما أحسن أدبه، رآنا موليين فجلس، ثم رآنا مقبلين فقام ثم رد السَّلَام وقَالَ: يا مُحَمَّد، أخبرني عن أحسن ما قيل في الشراب فقلت: يا أمير المؤمنين، قوله:
تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمنطق
فقال: أشعر منه الذي يقول: - يعني أبا نواس-
/ فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم
فعلت في البيت إذ مزجت ... مثل فعل الصبح في الظلم
واهتدى ساري الظلام بها ... كاهتداء السفر بالعلم
فقلت: فائدة يا أمير المؤمنين. فَقَالَ: أخبرني عن قول هند بنت عُتْبَة:
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
من طارق هذا؟ قَالَ: فنظرت في نسبها فلم أجده. فقلت: يا أمير المؤمنين، ما أعرف في نسبها! فقال: إنما أرادت النجم، فانتسبت إليه لحسنها، من قول الله : وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ٨٦: ١ [١] . فقلت: فائدتان يا أمير المؤمنين قال: أنا بؤبؤ هذا الأمر [٢] [وأنت بؤبؤه] [٣] . ثم دفع [٤] إليّ بعنبرة وكان يقلبها في يده، فبعتها بخمسة آلاف درهم [٥] .
стр. 3222
حدثنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي قال: أخبرني الأزهري قال: حدّثنا محمد بن جامع قَالَ: حدثنا أبو عمر الزاهد قَالَ: حدثنا المبرد قَالَ: حدثني عمارة بْن عُقَيْل قَالَ: قال لي ابن أبي حفصة الشاعر: أعلمت أن أمير المؤمنين لا يبصر الشعر!؟ فقلت: ومن يكون أفرس منه!؟ والله إنا لننشد أول البيت فيسبق إلى آخره من غير أن يكون سمعه. قَالَ: إني أنشدته شيئا أجدت فيه، فلم أره تحرك لَهُ، فأسمعه:
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدين والناس بالدنيا مشاغيل
/ فقلت: ما زدته على أن جعلته عجوزا في محرابها في يدها سبحة، فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولا عنها، وهو المطوق بها؟ ألا قلت كما قال جرير لعمر بن عبد العزيز:
فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله [١]
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: حدثنا أحمد بن علي قال: أخبرنا يحيى بن الحَسَن بْن المنذر قَالَ: حدثنا إسماعيل بن سعيد المعدل قَالَ: حدثنا أبو بكر بن دريد قَالَ: حَدَّثَنَا الحسن بن خضر قَالَ: سمعت ابن أبي دؤاد يقول: أدخل رجل من الخوارج على المأمون فَقَالَ: ما حملك على خلافنا؟ قَالَ: آية في كتاب الله . قَالَ: وما هِيَ؟ قَالَ: قوله: وَمن لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ٥: ٤٤ [٢] قال له المأمون: ألك علم بأنها منزلة؟ قال: نعم. قال: وما دليلك؟ قَالَ: إجماع الأمة. قَالَ:
فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض بإجماعهم في التأويل. قَالَ: صدقت، السلام عليك يا أمير المؤمنين [٣] .
أخبرنا عبد الرحمن [القزاز قَالَ:] [٤] أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرني الحسن بن مُحَمَّد الخلال قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن مُحَمَّد بن عمران قَالَ: حدثنا محمد بن الحسن بن محمد الموصلي قَالَ: حدثنا عبد الله بن محمود المروزي قال: سمعت
стр. 3223
يحيى بن أكثم يَقُولُ: ما رأيت أكمل آلة من المأمون. وجعل يحدث بأشياء استحسنها من كَانَ في مجلسه. ثم قال: كنت عنده ليلة أذاكره وأحدثه، / ثم نام وانتبه وقال: يا يحيى، انظر أيش عند رجلي. فنظرت فلم أر شيئا. فَقَالَ: شمعة، فتبادر الفراشون.
فَقَالَ، انظروا، فنظروا، فإذا تحت فراشه حية بطوله، فقتلوها، فقلت: قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب. فقال: معاذ الله، ولكن هتف بي هاتف الساعة وأنا نائم:
يا راقد الليل انتبه ... إن الخطوب لها سرى
ثقة الفتى بزمانه ... ثقة محللة العرى
فانتبهت، فعلمت أن قد حدث أمر إما قريب، وإما بعيد. فتأملت ما قرب فكان ما رأيت [١] .
أنبأنا محمد بن ناصر الحافظ قَالَ: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد الفقيه قَالَ:
أخبرنا ابن دودان قَالَ: أخبرنا المرزباني قَالَ: أخبرنا ابن دريد، عن أبي العيناء قال:
قصد أعرابي المأمون فوقف على بابه سنة لا يصل إِلَيْهِ، فصاح الأعرابي يوما: نصيحة، نصيحة. قَالَ: فأدخل على المأمون فقال لَهُ: يا أعرابي، ما نصيحتك؟ قَالَ: يا أمير المؤمنين، رأيت البارحة رؤيا، وقد أحببت أن تفسرها لي. فتبسم المأمون وقَالَ: ما الرؤيا؟ فأنشأ يَقُولُ:
إني رأيتك في منامي سيّدي ... يا ابن الإمام على الجواد السابق
وكسوتني حللا طرائف حسنها ... يزهو لدي مع الكميت الفائق
فقال المأمون: ادفعوا إلى الأعرابي خلعة وفرسا/ كميتا بسرجه ولجامه. فلما دفع إِلَيْهِ قَالَ: يا أمير المؤمنين:
وأجزتني بخريطة مملوءة ... ذهبا وأخرى باللجين الفائق
فقال المأمون: يدفع إليه ألف دينار، وألف درهم، فقبض ذلك وأنشأ يَقُولُ:
стр. 3224
وأجزتني بخريدة رومية ... حسناء تشفع بالغلام الفائق
فقال المأمون: يدفع إليه ذَلِكَ، ثم قَالَ: يا أعرابي، إياك أن ترى مثل هذه، فربما لم تجد من يفسرها لك.
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُّوخِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر أَحْمَدَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدُّورِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ أَحْمَدَ الْهَاشِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي جُمْعَةَ النَّحَّاسُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ عبد الله بن علي بن عبد الله بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُونِ، فَجَعَلَ لا يَمُرُّ عَلَيْهِ غُلامٌ مِنْ غِلْمَانِهِ إِلا أَعْتَقَهُ، وَعَلَى رَأْسِهِ غُلامٌ نَظِيفٌ، نَظِيفُ الثِّيَابِ، وَكُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يَعْتِقَهُ فِيمَنْ يَعْتِقُ، فَلَمَّا تَنَحَّى الْغُلامُ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ المؤمنين، رأيت لا يَمُرُّ أَحَدٌ مِنْ غِلْمَانِكَ إِلا أَعْتَقْتَهُ وعلى رأسك غلام مَنْ صِفَتُهُ وَحَالَهُ، وَكُنْتُ أُحِبُّ أَنْ تَعْتِقَهُ. فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ آبَائِهِ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «طِينَةُ الْمُعْتِقِ مِنْ طِينَةِ الْمُعْتَقِ» وَالَّذِي رأيته على رأسي حجام، فكرهت/ أن يكون من طينتنا حجام.
أخبرنا ابن ناصر قَالَ: أخبرنا ابن المبارك عبد الجبار قال: أخبرنا الجوهري قال:
أخبرنا ابن حيوية قَالَ: حدثنا المقدمي، عن الحارث بن محمد قَالَ: أخبرني بعض أصحابنا قَالَ: بكّر أحمد بن أبي خالد يقرأ على المأمون قصصا، فجاع، فمرت به قصة فيها فلان بن فلان اليزيدي، فقرأ: الثريدي. فقال المأمون: يا غلام، صحفة مملوءة ثريدا لأبي العباس، فإنه أصبح جائعا. فاستحيى وقَالَ: ما أنا بجائع، ولكن صاحب القصة أحمق، نقط على الياء ثلاث نقط. فَقَالَ: ما أنفع جمعه لك. فأحضرت الصحفة مملوءة ثريدا وعراقا وودكا، فخجل أحمد، فَقَالَ له المأمون: بحياتي لما ملت إليها فأكلت. فعدل فأكل حتى اكتفى وغسل يده، وعاود القراءة، ومرت قصة فلان بن فلان الحمصي، فقرأ: الخبيصي فقال المأمون: يا غلام، جام مملوء خبيصا لأبي العباس، فإن طعامه كان مبتورا. فاستحيى وقَالَ: يا سيدي، صاحب القصة أحمق، فتح الميم فصارت سنتين. فَقَالَ: لولا حمقه وحمق صاحبه مت اليوم جوعا، فأتي بجام مملوء خبيصا، فخجل، فقال المأمون: بحياتي إلا ملت نحوه فأكلت. فأكل وغسل يده، وعاود القراءة، فما أسقط حرفا حتى انقضى/ المجلس.
стр. 3225
وقال محمد بن الْجَهْمُ: دعاني المأمون فقال: أنشدني بيت مدح نادر. فأنشدته:
يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
فَقَالَ: قد وليتك همذان، فأنشدني بيت هجاء نادر فأنشدته:
قبحت مناظره فحين خبرته ... حسنت مناظره لقبح المخبر
فَقَالَ: قد وليتك الدينور، فأنشدني بيت مرثية نادر، فأنشدته:
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر
فَقَالَ: قد وليتك نهاوند، فأنشدني بيت غزل. فأنشدته:
حب مجد وحبيب يلعب ... والقلب ما بينهما يذهب
ومن كلام المأمون:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو المعالي أحمد بن محمد البخاري قال:
أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو الحسن بن رزقويه قال: أخبرنا أبو جعفر عبد الله بن إِسْمَاعِيل بن توتة/ قَالَ: أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف قَالَ: حدثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ محمد القرشي قَالَ: حَدَّثَني ابن هشام قَالَ: قال لي المأمون: يا عليّ، الملوك تحتمل لأصحابها كل شيء خلا ثلاث خصال. قلت: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قَالَ: القدح في الملك، وإفشاء السر، والتعرض للحرمة.
وبلغنا أن المأمون جمع ولده يوما فَقَالَ: يا بني، ليعلم الكبير منكم إنما عظم قدره بصغار عظموه، وقويت قوته بضعاف أطاعوه، وشرفت منزلته بعوام اتضعوا لَهُ، فلا يدعونه تفخيم المفخم منهم إياه إلى تصغيره، وتعزيز أمره إلى تذليله، ولا تستأثرن بعائده ورفق دونه، ولا يولعن بتسميته عمدا كما سمت الأعاجم وليا وأخا، فإن الشيء الذي قوامه من أجزاء خسيسة، ومعان مذمومة، فهو أيضا خسيس مذموم، وكل أمر من أولئك جزء من عدده، وعماد من عماد أمره، فإذا انحلت أجزاؤه، وزالت دعائمه مال العماد، وتهدم الكل، وقد قِيلَ إن من ملك أحرارا كان أشرف ممن ملك عبيدا مستكرهين، يا بني، ارجعوا فيما اشتبه عليكم من التدبير إلى آراء الحزمة المجربين، فإنّهم مرآتكم يرونكم ما لا ترون، قد صحبوا الدهور، وكفوكم الأمور بالتجارب، وقد
стр. 3226
قِيلَ: إن من جرعك مر التبري أشفق عليك ممن أوجرك حلق النقم، ومن خوفك لتأمن أبر ممن أمنك لتخاف.
وقَالَ: الإخوان ثلاث طبقات، فأخ/ كالغذاء الذي تحتاج إليه في كل يوم وفي كل وقت، وهو الأخ العاقل الأديب، وأخ كالدواء تحتاج إليه عند الداء، وهو الأخ الأريب الّذي يصادق المودة، وأخ كالداء الذي لا يحتاج إليه، وهو الأحمق.
وكان المأمون يَقُولُ: أعظم الناس سلطانا من تسلط على نفسه فوليها بمحكم التدبير وملك هواه فحمله على محاسن الأمور، وأشرب معرفة الحق فانقاد للواجب، فوقف عند الشبهة حتى استوضح مقر الصواب فتوخاه ورزق عظيم الصبر فهان عليه هجوم النوائب تأميلا لما بعدها من عواقب الرغائب، وأعطي فضيلة التثبت، فحبس عزب لسانه، ومما ينبغي الاحتياط فيه اختيار الكفاة من الأعوان، وإنزالهم منازلهم، والانتصار بهم على ما يطيقونه. وأنشد:
من كان راعيه دينا في حلوبته ... فهو الذي نفسه في أمره ظلما
ترجو كفايته والغدر عادته ... ومن ولايته يستجني الندما
وقيل للمأمون: أي المجالس أحسن؟ قَالَ: ما نظر فيه إلى النَّاسَ.
وبعث المأمون رجلا ليسبق الحاج [١] ، فجاء بعد جماعة وكتب إلى المأمون رقعة ليسأله فيها شيئا، وكتب عليها: سابق الحاج. فنقط المأمون تحت الباء نقطة أخرى وردها إليه [٢] .
ورفع [رجل] [٣] صوته في مجلسه اسمه عبد الصمد، فقال:
لا ترفعن الصوت يا عبد الصمد ... إن الصواب في الأسد الأشد
/ أخبرنا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عُثْمَانَ الصابوني وأبو بكر البيهقي قالا:
أنبأنا أبو عبد الله الحاكم قَالَ: حدثني عبيد الله بن محمد بن عبد الرحمن الضبي قَالَ:
стр. 3227
حَدَّثَنَا الحسن بن محمد الكاتب قَالَ: ذكر بشر بن الوليد القاضي المأمون فقال: كان والله الملك حقا، ما رأيت خليفة كان الكذب عليه أشد منه على المأمون، وكان يحتمل كل آفة تكون في الإنسان ولا يحتمل الكذب. قال لي يوما: صف لي أبا يوسف القاضي، فإنّي لم أره ولم استكثر منه. فوصفته له، فاستحسن صفته وقَالَ: وددت أن مثل هذا يحضرنا فنتجمل به [١] . ثم قَالَ: ما شيء من الخلافة إلا وأنا أحسن [أن] [٢] أدبره، وأبلغ منه حيث أريد، وأقوى عليه، إلّا أمر أصحابك- يعني: القضاة- فو الله لقد اجتهدت وما ظنك بشيء يتحرج منه علي بن هشام، ويتوقى سوء عاقبته، ويتكالب عليه الفقهاء وأهل التصنع والرياء. فقلت: يا أمير المؤمنين، والله ما أدري ما أقصد فأجيب بحبسه. فَقَالَ: لكني أدريه، ولا والله ما تجيبني فيه بجواب مقنع أبدا. ثم ابتدأ فَقَالَ:
ولينا رجلا- أشرت به علينا- قضاء الأبلة، وأجرينا عليه ألف درهم، ولا له ضيعة ولا عقار ولا مال، فرجع صاحب الخبر بالناحية أن نفقته في الشهر أربعة آلاف درهم، فمن أين هذه الثلاثة آلاف درهم!؟
وولينا رجلا- أشار به/ محمد بن سماعة- دمشق، وأجرينا عليه ألفي درهم في الشهر، فأقام بها أربعة عشر شهرا، ووجهنا من يتتبع أمواله ويرجع إلينا بخبره [٣] ، فصح عنه أنه يملك قيمة ثلاثة عشر ألف دينار من دابة وبغل وخادم وجارية وغير ذلك.
وولينا رجلا- أشار به غيركما- نهاوند، فأقام بعد عشرين شهرا من دخول يده في العمل سبعين بحينا وعشرين بحينا [٤] ، وفي منزله أربعة خدم خصيان قيمتهم ألف وخمسمائة دينار، وذلك سوى نتاج فكر اتخذه. هات ما عندك من الجواب.
قُلْتُ: والله يا أمير المؤمنين ما عندي جواب. فَقَالَ: ألم أعلمك أنه لا جواب عندك!؟ وأكثر من هذا أنه ترغب لي علي بن هشام في رجل أوليته القضاء، فأعلمني
стр. 3228
أنّهُ وجده، فسرني والله، وسري عني، ورجوت أن يكون بحيث أحب، فأمرته بإحضاره، فغدا علي فسألته عن الرجل، فذكر أنه لم يجده على الصفة التي يحب، فسألته عن السبب في ذلك بعد وصفه الأول، فوصف أن الذي وصفه لي علي بن مقاتل، وأنه كان عنده من أهل العفاف والستر، فانصرف علي، ولم يحضره، ووجه إليه وهو لا يشك أنه يظهر كراهة لما أردناه عليه، ويستعفي تصنعا، فخبره بما أردناه له، فوثب إلى رأسه فقبله، فقضى أنه لا خير عنده، لأنه لو كان من أهل الخير لعد الذي دعا إليه إحدى المصائب والرزايا، / فقلت لَهُ: جزاك اللَّه عن إمامك ونفسك خير ما جزى امرأ عن إمامه ونفسه ودينه.
قال بشر: فبهت ولم أجر بكلمة، فقال لي: ولكن إذا أردت العفيف النظيف التقي النقي الطاهر الزكي- يعني الحسين- وهو بحالته التي فارقنا عليها، والله ما غير ولا بدل.
أما يحيى بن أكثم فما ندري ما عيبه!؟ أما ظاهره فأعف خلق اللَّه. فقلت: والله يا أمير المؤمنين ما لك في الخلفاء شبيه إلا عمر بن الْخَطَّاب، فإنه كان يفحص عن عماله وعَنْ دقيق أسرار حكامه فحصا شافيا، وكان لا يخفى عليه ما يفيده كل امرئ منهم وما ينفق، وكل من نأى عنه كمن دنا منه في بحثه وتنقيره. فقال: يا بشر، إن أهم الأمور كلها إلي أمور الحكام، إذ كنا قد ألزمناهم النظر في الدماء والأموال والفروج والأحكام، ووددت أن يتأتى مائة قاض مرضيين، وأني أجوع يوما وأشبع يوما.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو عمر الحسن بْن عُثْمَان الواعظ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن محمد بن الحكم قال: حدثني [١] أحمد بن الحسن الكسائي قَالَ: حدثنا سليمان بن الفضل النهرواني قَالَ: حدثني يحيى بن أكثم قَالَ: بت ليلة عند المأمون فعطشت في جوف الليل، فقمت لأشرب ماء، فرآني المأمون فقال: ما لك ليس تنام يا يحيى؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أنا والله عطشان. فَقَالَ: ارجع إلى موضعك. فقام والله/ إلى البرادة فجاءني بكوز، فقام على رأسي فَقَالَ: اشرب يا يحيى. فقلت: يا أمير المؤمنين، فهلا وصيف أو وصيفة! فَقَالَ:
إنهم نيام. قلت: فأنا كنت أقوم أشرب! فقال لي: لؤم بالرجل أن يستخدم ضيفه. ثم
стр. 3229
قَالَ: يا يحيى قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قَالَ: ألا أحدثك. قُلْتُ: بلى يا أمير المؤمنين. فَقَالَ: حَدَّثَنِي الرَّشِيدُ قَالَ: حَدَّثَنِي الْمَهْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْمَنْصُورُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الله قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيِّدُ الْقَوْمِ خَادِمُهُمْ» [١] .
حدثنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا الجوهري قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عمران المرزباني قَالَ: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى المكي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن خلاد، عن يحيى بن أكثم قَالَ: ما رأيت أكرم من المأمون، بت عنده ليلة فعطش، فكره أن يصيح بالغلمان، فرأيته قد [قام] [٢] قليلا قليلا إلى البرادة وبينه وبينها بعد، فشرب ورجع.
قَالَ يحيى بن أكثم: ثم بت عنده ونحن بالشام، فأخذ المأمون سعال، فرأيته يسد فاه بكم قميصه حتى لا أنتبه. ثم حملني آخر الليل النوم، فكان له وقت يستاك فيه، فكره أن ينبهني، فلما ضاق الوقت عليه تحركت. فَقَالَ: الله أكبر يا غلمان، نعل أبي مُحَمَّد.
قال يحيى: وكنت أمشي معه يوما في ميدان البستان والشمس علي وهو في الظل، فلما رجعنا قَالَ لي: كن الآن في الظل. فأبيت عليه، فَقَالَ: أول العدل أن يعدل الملك في بطانته/ ثم الذين يلونهم، حتى يبلغ الطبقة السفلى [٣] .
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بَكْرِ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ علي المقرئ قال: أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري قَالَ: سمعت أبا بكر بن داود بن سليمان الزاهد يَقُولُ: سمعت محمد بن عبد الرحمن الشامي يَقُولُ: سمعت أبا الصلت عبد السلام يَقُولُ: حبسني المأمون ليلة، فكنا نتحدث حتى ذهب من الليل ما ذهب، وطفئ السراج ونام القيّم الذي كان يصلح السراج، فدعاه فلم يجبه- وكان نائما- فقلت: يا أمير المؤمنين أصلحه. فقال: لا، فأصلحه هُوَ. ثم انتبه الغلام، فظننت أنه
стр. 3230
يعاقبه، فسمعته يَقُولُ: ربما أكون في المتوضأ فيشتموني ولا يدرون أني أسمع فاعف عَنْهُمْ [١] .
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: أخبرنا الجوهري قال:
أَخْبَرَنَا محمد بن العباس قال: حدثنا الصولي قال: حدثنا عون بن محمد قَالَ: حدثنا عبد الله بْن البواب قَالَ: كان المأمون يحلم حتى يغيظنا، وأنه في بعض الأوقات جلس يستاك عَلَى دجلة من وراء ستر ونحن قيام بين يديه، فمر ملاح وهو يقول بأعلى صوته:
أتظنون أن هذا المأمون ينبل في عيني وقد قتل أخاه!؟ قال: فو الله ما زاد على أن تبسم وقَالَ: ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل!؟ [٢] .
[أخبرنا] [٣] أبو منصور عبد الرحمن بن محمد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ قال: أخبرنا عَلي بْن أبي عَلي المعدل قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بكر بن عبد الرحيم المازني قال:
حدّثنا الحسين بن القيم الكوكبي قَالَ: حدثنا أبو الفضل الربعي قَالَ: لما ولد أبو جعفر بن المأمون دخل المهنئون على المأمون فهنأوه بصنوف التهاني، وكان فيمن دخل/ عليه العباس بن الأحنف، فمثل قائما بين يديه، ثم أنشأ يَقُولُ:
مد لك الله الحياة مدا ... حتى يريك ابنك هذا جدا
ثم يفدى مثل ما تفدى ... كأنه أنت إذا تبدا
أشبه منك قامة وقدا ... مؤزرا [٤] بمجده مردى
فأمر له بعشرة آلاف درهم [٥] .
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك قال: أخبرنا جعفر بن أحمد قال: أخبرنا عبد العزيز بْن الحسن الضراب قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مروان قَالَ: حَدَّثَنَا الحسن بن عليّ الربعي قَالَ: حدثني قحطبة بن حميد بن الحسن بن قحطبة قال: كنت
стр. 3231
واقفا على رأس المأمون يوما وقد قعد للمظالم، فأطال الجلوس حتى زالت الشمس، وإذا امرأة قد أقبلت تعثر في ذيلها حتى وقفت على طرف البساط، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فنظر المأمون إلى يحيى بن أكثم، فأقبل يحيى عليها فَقَالَ: تكلمي. فقالت: يا أمير المؤمنين، قد حيل بيني وبين ضيعتي، وليس لي ناصر إلا الله. فَقَالَ لها يحيى بن أكثم: إن الوقت قد فات، ولكن عودي يوم الخميس. قال: فرجعت، فلما كان يوم الخميس قال المأمون: أول من يدعى المرأة المظلومة. فدعا بها. فَقَالَ: أين خصمك؟ قالت: واقف على رأسك يا أمير المؤمنين، قد حيل بيني وبينه. وأومأت إلى العباس ابنه. فَقَالَ لأحمد بن أبي خَالِد: خذ بيده وأقعده معها. ففعل، فتناظرا ساعة/ حتى علا صوتهما عليه [١] فقال لها أحمد بن أبي خَالِد: إنك تناظرين الأمير أعزه الله بحضرة أمير المؤمنين أطال اللَّه بقاءه، فأخفضي عليك. فقال له المأمون: دعها يا أحمد، فإن الحق أنطقها، والباطل أخرسه. فلم تزل تناظره حتى حكم لها المأمون عليه، وأمر برد ضيعتها، وأمر ابن أبي خالد أن يدفع لها عشرة آلاف درهم.
وروى الصولي: أنه رفع إلى المأمون أن خادمه رشد الأسود يسرق طساسه وأبا ريقه، وكان عَلَى وضوئه، فعاتبه في ذلك فَقَالَ: رزقي يقصر عني، فأضعفه لَهُ. ثم فقد بعد ذلك طستا وإبريقا، فقال: بعني ويحك الشيء إذا أخذته. قَالَ: فاشتر مني هذا الطست وهذا الإبريق. قَالَ: بكم؟ قَالَ: بخمسة دنانير. فَقَالَ: ادفعوا له خمسة دنانير.
فقال لَهُ رشد: بقي والله هذان ما بقى الزمان، فقال لَهُ المأمون: قد رأيت المعاملة، فكل من تعلم أنه يسرق مني شيئا فقل له يبيعنيه.
وقال المأمون: أنا والله أستلذ العفو حتى أخاف أن لا أؤجر عليه، ولو علم النَّاسَ مقدار محبتي للعفو لتقربوا إلي بالذنوب.
وقال المأمون: أنا والله أستلذ العفو حتى أخاف أن لا أؤجر عليه، ولو علم النَّاسَ مقدار محبتي للعفو لتقربوا إلي بالذنوب.
وفي هذه السنة: كتب المأمون إلى هرثمة يأمره بالشخوص إلى خراسان [٢] .
стр. 3232
وفيها: خرج خارجي يقال له الهرش في ذي الحجة يدعو بزعمه إلى الرضى من آل محمد، ومعه جماعة من سفلة الناس، وجمع كثيرا من الأعراب/ فأتى النيل، فجبى الأموال، وأغار على التجار، وانتهب القرى، وساق المواشي [١] .
وحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن محمد بن عليّ [٢] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٠٨٢- سفيان بن عيينة بن أبي عمران بن محمد، مولى لبني هاشم بن رؤبة. وقيل: مولى محمد بن مزاحم الهلالي
[٣] .
ولد بالكوفة سنة سبع ومائة، وكان أبوه من عمال خالد القسري، فلما عزل خالد عَن العراق وولي يوسف بن عمر طلب عمال خالد فهربوا منه، وهرب عيينة فسكن مكة.
وكان لسفيان تسعة إخوة، حدث منهم أربعة: محمد، وآدم، وعمران، وإبْرَاهِيم، وكان سفيان مقدما على الكل.
وقال أبو أحمد محمد بن أحمد النيسابوري الحافظ: كان بنو عيينة عشرة خزازين، حدث منهم خمسة- فذكرهم- وأخوال بني عيينة: بنو بني المتئد، حدث منهم يوسف ويعقوب ونعيم بْن يعقوب بن المتئد، وأدرك سفيان ستة وثمانين نفسا من التابعين.
وروى عنه من الكبار الأعمش، والثوري، وشعبة، وابن المبارك، ووكيع، وابن مهدي، والشافعي، وأحمد، ويحيى، وكتب عَن سفيان بن عيينة وهو ابن خمسة وثلاثين سنة قبل موت الأعمش بخمس سنين، وحدث في مجلس الأعمش.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن ميمون قَالَ: أخبرنا عبد العزيز بن أحمد النصيبي قَالَ: / حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْن الليث الدينَوَريّ قال:
стр. 3233
حدّثني [١] الليث بن عُبَيْد الله قَالَ: حدثني أبو الميمون محمد بن عبد الله قال: حدثنا زكريّا بن يحيى بن عبيد العطار قَالَ: حدثنا إبراهيم بن ازداد الرافقي قَالَ: قال لي سفيان بن عيينة: لما بلغت خمس عشرة سنة دعاني أَبِي فقال لي: يا سُفْيان، قد انقطعت عنك شرائع الصب [من الخير] [٢] ، فاحتفظ من الخير تكن من أهله، لا يغرنك من اغتر باللَّه فمدحك بما تعلم خلافه منك، فإنه ما من أحد يقول في أحد من الخير إذا رضي إلا وهو يقول فيه من الشر مثلي ذلك إذا سخط، فاستأنس بالوحدة من جلساء السوء، ولا تنقل أحسن ظني بك إلى غير ذَلِكَ، ولن يسعد بالعلماء إلا من أطاعهم. قال سُفْيان: فجعلت وصية أبي قبلة أميل معها ولا أميل عنها.
أنبأنا علي بن محمد بن أبي عمر، عن أبي طاهر أحمد بن الحسن الباقلاوي، عن أبي العلاء محمد بن علي بن يعقوب، عن عبد الله بن موسى السلامي قَالَ: سمعت عمار بن علي اللوزي يَقُولُ: سمعت أحمد بن النضر الهلالي يَقُولُ: سمعت أبي يَقُولُ: كنت في مجلس سفيان بْن عيينة، فنظر إلى صبي دخل المسجد فتهاونوا به لصغر سنه، فقال سُفْيان: كَذلِكَ كُنْتُمْ من قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ ٤: ٩٤ [٣] ثم قال: يا نصر، لو رأيتني ولي عشر سنين طولي خمسة أشبار، ووجهي كالدينار، وأنا كشعلة نار، ثيابي صغار، وأكمامي قصار، / وذيلي بمقدار، ونعلي كآذان الفار، أختلف إلي علماء الأمصار، مثل الزهري وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبرتي كالجوزة، ومقلمتي كالموزة، وقلمي كاللوزة، فإذا دخلت المجلس قالوا: أوسعوا للشيخ، ثم تبسم ابن عيينة وضحك.
أخبرنا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن حبيب قَالَ: أخبرنا علي بن أبي صادق قَالَ: أخبرنا ابن باكويه قال: حدثنا عبد الواحد بن بَكْر قَالَ: حدثني [٤] القاسم بن الحسن السامري قَالَ: حَدَّثَني [٥] العباس بن يوسف الشكلي قَالَ: حدثنا بشر بن مطر قال: كنا على باب
стр. 3234
سفيان بن عيينة فجاءت طائفة فدخلوا، وطائفة أخرى فدخلوا، فصحنا وقلنا: يجيء أصحاب الدراهم والدنانير فيدخلون ونحن الفقراء وأبناء السبيل نمنع الدخول!؟ فخرج إلينا وهُوَ يبكي فَقَالَ لنا: أصبتم مقالا، فقولوا هل رأيتم صاحب عيال أفلح؟ ثم قال:
أعلمكم أني كنت أوتيت فهم القرآن، فلما أخذت مال أبي جعفر منعت.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا محمد بْن عَبْد الله بن أحمد بن شهريار قَالَ: أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني قال:
حدّثنا أبو بكر بن أحمد بن عبد الله الطرسوسي قَالَ: سمعت حامد بن يحيى البلخي يَقُولُ: سمعت سفيان بْن عُيَيْنَة يَقُولُ: رأيت كأني [١] أسناني كلها سقطت، فذكرت ذلك للزهري فَقَالَ: يموت أصحابك [٢] وتبقى [أنت] [٣] وحدك [٤] . فمات أصحابي [٥] .
وبقيت [٦] .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد [٧] قال: أخبرنا أَحْمَد بْن عَلِي قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِي بْن الحسن بن محمد الدقاق/ قَالَ: حدثنا محمد بن إسماعيل الوراق قَالَ: حدثنا ابن صاعد قَالَ: حدثنا أَبُو بكر الأثرم قَالَ: سمعت أحمد بن حنبل- وذكر سفيان بن عيينة- قال: ما رأينا مثله.
أخبرنا عبد الرحمن قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بن مُحَمَّد المعدل قال: أخبرنا ابن صفوان قال: أخبرنا ابن أبي الدنيا قَالَ: أخبرنا محمد بن سعد قَالَ: أخبرني الحسن بن عمران بن عُيَيْنَة أن [٨] سفيان قال [له] [٩] بجمع آخر حجة
стр. 3235
حجها: قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة، أقول في كل سنة: اللَّهمّ لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وقد استحييت من الله من كثرة ما أسأله ذَلِكَ.
فرجع فتوفي في السنة الداخلة [١] .
قال ابن سعد: وقال الواقدي أخبرني سفيان أنه ولد سنة سبع ومائة، ومات أول يوم من رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، ودفن بالحجون وقيل: في آخر يوم من جمادى الآخرة.
١٠٨٣- عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن، أبو سعيد العنبري
[٢] .
ولد سنة خمس وثلاثين ومائة. سَمِعَ سفيان الثوري، ومالكا، وشعبة، والحمادين، وخلقا كثيرا.
روى عنه: ابن المبارك، وابن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى، وغيرهم.
وكان من كبار العلماء، وأحد المذكورين بالحفظ والفقه، وكان شديد الحب لحفظ الحديث.
فأَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر أحمد بن علي قَالَ: أخبرنا حمزة بن محمد بن طاهر قال: أخبرنا الوليد بن بكر الأندلسي قال: حدثنا علي بن أحمد بن زكريا/ الهاشمي قال: حدثنا صالح بن أحمد بن عبد الله العجلي قال: حدّثني أبي وذكر عبد الرحمن بن مهدي- قَالَ: قال له رَجُل: أيما أحب إليك يغفر الله لك ذنبا، أو تحفظ حديثا؟ قَالَ: أحفظ حديثا [٣] .
وقال أحمد بن حنبل: إذا حدث عبد الرحمن عن رجل فهو حجة [٤] .
وقال ابن المديني: كان عبد الرحمن أعلم الناس، ولو أني أخذت فخلفت بين الركن والمقام لحلفت باللَّه أني لم أر أحدا قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي [٥] .
стр. 3236
وقال محمد بن يحيى: ما رأيت في يد عبد الرحمن كتابا قط، وكل ما سمعته منه سمعته حفظا.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن ثابت قال: أخبرني محمد بن عبد الملك القرشي قَالَ: حدثنا علي بن عمر الحافظ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّه أحمد بْن علي بن العلاء قال: أخبرنا أبو إسحاق إسماعيل بن الصلت بن أبي مريم قَالَ: حدثنا علي بن المَدِيني قَالَ: كان عبد الرحمن بن مهدي يختم في كل ليلتين، وكان ورده في كل ليلة نصف القرآن [١] .
قال ابن المَدِيني: توفي عبد الرحمن سنة ثمان وتسعين، وهو ابن ثلاث وستين سنة.
١٠٨٤- عمرو بن الهيثم بن قطن بن كعب، أبو قطن القطعي الْبَصْرِيّ
[٢] .
قدم بغداد وحدث بها عن شعبة، وهشام الدَّسْتُوائي. وروى عنه أحمد، ويحيى، وقَالَ: هو ثقة.
وتوفي في شعبان/ هذه السنة.
١٠٨٥- محمد الأمين
[٣] .
[قال مؤلف الكتاب] [٤] : قد ذكرنا كيفية قتله في الحوادث، وقتل لست بقين من المحرم سنة ثمان وأربعين ومائة، وكان عمره ثلاثة وثلاثين. وقيل: ثمانية وعشرين.
وكانت خلافته مع زمان الفتنة أربع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام. وقيل: وسبعة أشهر وثمانية أيام. وقيل: وستة أشهر وأربعة وعشرين يوما.
وكان قد تزوج لبابة بنت المهدي، ولم يدخل بها فقالت حين قتل ترثيه:
أبكيك لا للنعيم والأنس ... بل للمعالي والرمح والفرس
стр. 3237
أبكي على هالك فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس
وقيل: إن هذا لابنه عيسى وكانت مملكة بمحمد.
١٠٨٦- محمد بن مناذر الشاعر، يكنى أبا ذريح. وقيل: أبا جعفر. وقيل: أبا عبد اللَّه
[١] .
كان مولى سليمان القهرماني، وكان سليمان مولى عبيد الله بن أبي بكرة. سَمِعَ محمدا، وشُعْبَة، وسفيان بن عيينة وغيرهم. وكان شاعرا فصيحا، ومدح المهدي، وكان عالما باللغة.
قال الثوري: سألت أبا عبيدة عن اليوم الثاني من النحر، ما كانت العرب تسميه؟
فَقَالَ: لا أعلم، فلقيت ابن مناذر فأخبرته فَقَالَ: أسقط مثل هذا على أبي عبيدة، وهي أربعة أيام/ متواليات، كلها على حرف الراء، الأول: يوم النحر، والثاني: يوم الفر، والثالث: يوم النفر، والرابع: يوم الصدر. فلقيت أبا عبيدة فحدثته، فكتبه عني عن محمد بن مناذر.
وكان محمد بن مناذر يتعبد ويتنسك، ويلازم المسجد، ثم هوى عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي فتهتك، وعدل عن التنسك، وأظهر الخلاعة، وكان عبد المجيد من أحسن الناس وجها وأدبا ولباسا، وكان يحب ابن منادر أيضا فتزوج عبد المجيد امرأة، وأولم عليها شهرا، يجتمع عنده أهل البصرة، فصعد ذات يوم إلى السطح فرأى طنبا من أطناب الستارة قد انحل، فأكب عليه يشده، فتردى على رأسه ومات من سقطته، فما رأيت مصيبة أعظم من مصيبته، ورثاه ابن مناذر فقال:
إن عبد المجيد يوم تولى ... هد ركنا ما كان بالمهدود
ما درى نعشه ولا حاملوه ... ما على النعش من عفاف وجود
قال يحيى بن مَعِين: كان ابن مناذر صاحب شعر، لا صاحب حديث، وكان يتعشق ابن عبد الوهاب، ويقول فيه الشعر، وتشبب بنساء ثقيف فطردوه من البصرة،
стр. 3238
فخرج إلى مكَّةَ، فكان يرسل العقارب في المسجد الحرام حتى يلسعن الناس ويصب المداد بالليل في المواضع التي يتوضأ الناس منها حتى تسود وجوههم لا يروي عنه/ رجل فيه خير.
١٠٨٧- يحيى بن سعيد بن فروخ، أبو سعيد القطان الأحول .
[١] ولد سنة عشر ومائة. سَمِعَ هشام بن عُرْوَة، ويحيى بن سعيد الْأنصَارِيّ، والأعمش، وسفيان، وغيرهم.
روى عنه: ابن مهدي، وعفان، وأحمد، وعلي، ويحيى، وغيرهم.
وقال علي: لم أر أحدا أثبت من يحيى بن سعيد، ولا أعلم بالرجال.
وقال أحمد: ما رأت عيناي مثله، لا والله ما أدركنا مثله، ما كان أضبطه وأشد تفقده.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قرأت على الحسن بْن أبي بكر، عن أَحْمَد بن كامل القاضي قَالَ: حدثني الحسن بن الحباب قَالَ: حدثنا سليمان بْن الأشعث قَالَ: سمعت يحيى بن معين يَقُولُ: أقام يحيى بن سعيد عشرين سنة يختم القرآن في كل ليلة، ولم يفته المسجد أربعين سنة، وما رئي يطلب جماعة قط [٢] .
توفي يحيى بن سعيد في صفر هذه السنة.
стр. 3239
ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة
فمن الحوادث فيها:
قدوم الحسن بن سهل بغداد من عند المأمون، وإليه الحرب والخراج، فلما قدمها فرق عماله في الكور والبلدان [١] .
وفيها: شخص طاهر إلى الرقة في جمادى ومعه عيسى بن محمد بن أبي خَالِد، وشخص هرثمة إلى خراسان، وخرج/ أزهر بن زهير بن المسيب إلى الهرش فقتله في المحرم. [٢] وفيها: خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة يدعو إلى الرضى من آل محمد، والعمل بالكتاب والسنة، وهو الذي يقال له ابن طباطبا.
وكان القيم بأمره في الحرب وتدبيرها وجيوشها أبو السرايا، واسمه السري بن منصور، وكان يذكر أنه من ولد هانئ بن قبيصة [٣] .
وكان سبب خروج هذا الرجل صرف المأمون طاهر بن الحسين عما كان إليه من أعمال البلدان التي افتتحها، وتوجيهه ذلك إلى الحسن بن سهل، فلما فعل ذلك تحدث الناس أن الفضل قد غلب على المأمون، وأنه يبرم الأمور على هواه، ويستبد بالرأي
стр. 3240
دونه، فغضب لذلك بالعراق من بها من بني هاشم ووجوه الناس، وأنفوا من غلبة الفضل عَلَى المأمون، واجترأوا على الحسن بن سهل بذلك، وهاجت الفتن في الأمصار، وكان أول من خرج بالكوفة ابن طباطبا، وكان أبو السرايا من رجال هرثمة، فمطله برزقه فغضب ومضى إلى الكوفة، وبايع محمد بن إبراهيم، وأخذ الكوفة، واستوثق لَهُ أهلها بالطاعة، وأقام محمد بالكوفة، وأتاه الناس من النواحي والأعراب. [١] فلما بلغ الخبر إلى الحسن بن سهل ذلك عنف سليمان بن المنصور، وكان عامل الكوفة من قبل الحسن بن سهل، ووجه/ زهير بن المسيب في عشرة آلاف، فلقوه فهزموه، واستباحوا عسكره، وأخذوا ما كان معه من مال وسلاح ودواب وغير ذَلِكَ، وكان هذا اليوم الأربعاء سلخ جمادى الأخرة، فلما كان من الغد مات محمد بن إبراهيم، فجاءة، فيقال إن أبا السرايا سمه [٢] .
وكان السبب في ذَلِكَ: أنه لما جاز ما في عسكر ابن زهير منع منه أبا السرايا، فعلم أَنَّهُ لا أمر له معه، فسمه وأقام أبو السرايا مكانه غلاما حدثا يقال لَهُ: محمد بن محمد بْن زيد بْن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان أبو السرايا هو الذي ينفذ الأمور، ويولي من يرى، ويعزل من يريد. ورجع زهير إلى قصر ابن هبيرة، فوجه الحسن عبدوس بن محمد بن أبي خالد في أربعة آلاف، فتوجه إليه أبو السرايا فواقعه يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت من رجب، فقتله وأسر هارون بن أبي خَالِد، واستباح عسكره بين قتيل وأسير، فلم يفلت منهم أحد، وانتشر الطالبيون في البلاد، وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة، ونقش حولها: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ٦١: ٤ [٣] .
ولما بلغ زهير قتل أبي السرايا عبدوسا وهو بالقصر، انحاز بمن معه إلى نهر الملك [٤] .
стр. 3241
ثم إن أبا السرايا أقبل حتى نزل قصر ابن هبيرة بأصحابه، وكانت طلائعه تأتي كوثى، ونهر الملك، ووجه أبو السرايا جيوشا إلى البصرة/ وواسط، فدخلوها، وكان بواسط ونواحيها عَبْد الله بن سعيد الحرشي واليا عليها من قبل الحسن بن سهل، فواقعه جيش أبي السرايا قريبا من واسط فهزموه، فانصرف راجعا إلى بغداد وقد قتل من أصحابه جماعة وأسر آخرون، فلما رأى الحسن بن سهل أن أبا السرايا ومن معه لا يلقون له عسكرا إلا هزموه ولا يتوجهون إلى بلدة إلا دخلوها، ولم يجد فيمن معه من القواد من يكفيه حربه، اضطر إلى هرثمة- وكان هرثمة حين قدم الحسن العراق واليا عليها من قبل المأمون سلم له ما كان بيده بها من الأعمال، ثم توجه إلى خراسان مغاضبا للحسن، فسار حتى نزل حلوان- فبعث إِلَيْهِ الحسن السندي وصالحا صاحب المصلى، فسأله الانصراف إلى بغداد لحرب أبي السرايا، فامتنع فانصرفت الرسل إلى الحسن بإبائه، فأعاد عليه السندي بكتب لطيفة، فأجاب، فانصرف إلى بغداد فقدمها في شعبان، وتهيأ للخروج إلى الكوفة، فأمر الحسن بن سهل علي بن أبي سَعِيد أن يخرج إلى ناحية المدائن وواسط والبصرة، فتهيئوا لذلك.
وبلغ الخبر أبا السرايا وهو بقصر ابن هبيرة، فتوجه إلى المدائن فدخلها أصحابه في رمضان، وتقدم هو بنفسه ومن معه حتى نزل نهر صرصر مما يلي طريق الكوفة، وكان هرثمة لما احتبس قدومه على الحسن ببغداد أمر منصور بن المهدي/ أن يخرج فيعسكر بالياسرية إلى قدوم هرثمة، فخرج فعسكر، فلما قدم هرثمة خرج فعسكر بين يدي المنصور، ثم مضى حتى عسكر بنهر صرصر بإزاء أبي السرايا والنهر، وكان علي بن أبي سعيد معسكرا بكلواذى، فشخص يوم الثلاثاء بعد الفطر بيوم، ووجه مقدمته إلى المدائن، فقاتل بها أصحاب أَبِي السرايا، وأخذ علي بن أبي سعيد المدائن فقاتل بها أصحاب أبي السرايا غداة الخميس إلى الليل، ثم غدوا على القتال، فانكشف أصحاب أبي السرايا، وأخذ علي بن أبي سَعِيد المدائن، وبلغ الخبر أبا السرايا من يومه، فلما كان ليلة السبت لخمس خلون من شوّال رجع أبو السرايا من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة، فنزل به، وأصبح هرثمة متوجها في طلبه، فوجد جماعة كثيرة من أصحاب أبي السرايا فهزمهم وقتلهم، وبعث برءوسهم إلى الحسن بن سهل، فلما صار هرثمة إلى قصر ابن هبيرة كانت بينه وبين أبي السرايا وقعة، وقتل فيها خلق كثير، فلما رأى ذلك أبو
стр. 3242
السرايا انحاز إلى الكوفة، فوثب محمد بن محمد ومن معه من الطالبيين على دور بني العباس ودور مواليهم وأتباعهم بالكوفة فانتهبوها وهدموها وأحرقوها، وخربوا ضياعهم، وأخرجوهم من الكوفة، وعملوا في ذلك عملا قبيحا، واستخرجوا الودائع التي كانت لهم عند الناس فأخذوها [١] .
وبعث أبو السرايا إلى مكة حسين بن حسن/ بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طَالِب، وبعث إلى المدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب ليأخذها، وكان الوالي على مكة والمدينة داود بن عيسى بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاس.
فأما المبعوث إلى المدينة فإنه دخلها، ولم يمنعه أحد. وأما المبعوث إلى مكة فإنه لما مضى توقف هنيهة لمن فيها، وكان داود بن عيسى لما بلغه توجيه أبي السرايا حسين بن حسن جمع موالي بني العباس والعبيد، وكان مسرور الكبير الخادم قد حج تلك السنة في مائتي فارس من أصحابه، وتعبأ لحرب من يريد دخول مكة من الطالبيين، فقال لداود: أقم لي شخصك أو شخص بعض ولدك، وأنا أكفيك قتالهم. فقال له داود:
لا استحل القتال في الحرم، والله لئن دخلوا من هذا الفج لأخرجن من هذا الفج.
فانحاز داود من مكة وقال لابنه: صل بأهل الموسم، وبت بمنى، ثم الحقني وخشي مسرور أن يقاتل فيميل عنه أكثر من جمع. فخرج إلى العراق، ودفع الناس لأنفسهم من عرفة بغير إمام، حتى أتى مزدلفة، فصلى بهم المغرب والعشاء رجل من عرض الناس من أهل مكة، وحسين بن حسن واقف يرهب أن يدخل مكة فيدفع عنها، فخرج إليه قوم يميلون إلى الطالبيين فأخبروه أن الأماكن قد خلت من السلطان، فدخل قبيل المغرب ومعه نحو من عشرة، فطافوا وسعوا، ومضوا إلى عرفة بالليل، ثم رجع إلى مزدلفة فصلى بالناس الفجر، ودفع بالناس، وأقام بمنى أيام الحج/، فلم يزل مقيما بها حتى انقضت سنة تسع وتسعين، وأقام محمد بن سليمان الطالبي بالمدينة حتى انقضت سنته أيضا [٢] .
стр. 3243
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٠٨٨- إسحاق بن سليمان، أبو يحيى العبدي الكوفي. مولى لعبد القيس
[١] .
سمع من مالك، والثوري، وغيرهما. روى عَنْه: قتيبة، وأبو كريب، وكان ثقة.
انتقل إلى الري فسكنها، ونسب إليها، وكان ثقة صالحا ورعا ظاهر الخشوع، كثير البكاء، وقدم بغداد في هذه السنة فحدث بها، فسمع أحمد بن حنبل، ثم رجع إلى الري فمات بها.
١٠٨٩- أسباط بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة، أبو محمد القرشي، مولى السائب بن يزيد
[٢] .
من أهل الكوفة، ولد سنة خمس ومائة. سَمِعَ أبا إسحاق الشيباني، والأعمش، والثوري، وغيرهم رَوى عنه: قتيبة، وأحمد بن حنبل.
قال يحيى: هو ثقة، والكوفيون يضعفونه. وتوفي في هذه السنة. وقيل: أول سنة مائتين.
١٠٩٠- الحكم بن عبد الله بن مسلمة بن عبد الرحمن بن مطيع البلخي
[٣] .
حدث عن هشام بن حسان، وبكر بن حبيش، ومالك، وسُفْيان. روى عنه:
أحمد بن منيع، وكان من أهل الرأي. وولي قضاء بلخ.
قال يحيى: وهو ضعيف، وليس بشيء [٤] .
وقال أحمد بن حنبل- وقد سئل عنه-[٥] : لا ينبغي أن يروى عنه، خلوا عَنْه، إنه قَالَ: الجنة والنار خلقتا وستفنيان، وهذا كلام جَهْمُ، لا يروى/ عنه شيء.
стр. 3244
وقال أبو دَاوُد: تركوا حديثه، كان جهميا، توفي في جمادى الأولى من هذه السنة.
١٠٩١- سليمان بن أبي جعفر المنصور، يكنى أبا أيّوب .
حدث عن أبيه، وإليه ينسب درب سليمان ببغداد.
توفي في هذه السنة في صفر وهو ابن خمسين سنة.
أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري قال: أخبرنا أبو عمرو بن حيوية قال: حدثني عبد الرحمن بن بشر قَالَ: حدثني مُحَمَّد بن الحسن قَالَ: حدثتني أم إبراهيم بن جميل قالت: حدثني عبيد الله الشروي قهرمان سليمان بْن أبي جعفر قَالَ: دخل هارون الرشيد على سليمان بن أبي جعفر وكان عليلا، فرأى جارية تسمى ضعيفة، في غاية الحسن والجمال والشكل [فوقعت بقلبه] [١] فقال [هارون] : [٢] هبها لي. فَقَالَ: هي لك يا أمير المؤمنين. فلما أخذها مرض سليمان من شدة حبه [٣] لها، فَقَالَ:
أشكو إلى ذي العرش ما ... لاقيت من أمر الخليفة
يسع البرية عدله ... ويريد ظلمي في ضعيفة
علق الفؤاد بحبها كالبحر ... يعلق بالصحيفة
قَالَ: فبلغ ذلك هارون الرشيد، فردها عَلَيْهِ.
١٠٩٢- شعيب بن الليث، أبو عبد الملك
[٤] .
ولد سنة خمس وثلاثين ومائة. روى عَن أَبِيهِ وغيره. وتوفي في هذه السنة.
стр. 3245
١٠٩٣- علي بن بكار، أبو الحسن البصري
[١] .
كان فقيها متعبدا كثير البكاء.
أخبرنا ابن ناصر قال: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا [أَبُو] [٢] نعيم الأصبهاني قال: أَخْبَرَنَا أبو أحمد بن حبان/ قَالَ: حدثنا أحمد بن روح قال: حدثنا عبد الله بن حسن قال: سَمِعْتُ موسى بن طريف يَقُولُ: كانت الجارية تفرش لعلي بن بكار الفراش فيلمه بيده ويقول: والله إنك لطيب، والله إنك لبارد، لا علوتك الليلة. فكان يصلي الغداة لوضوء العتمة.
[قال المؤلف:] [٣] أسند علي عن هشام بن حسان، وأبي إسحاق الفزاري في آخرين، وصحب إبراهيم بن أدهم.
وبلغنا عنه أنه طعن في بعض مغازيه، فخرجت أمعاؤه على قربوس سرجه، فردها إلى بطنه، وشدها بالعمامة، وقاتل حتى قتل ثلاثة عشر علجا.
وتوفي بالمصيصة في هذه السنة.
١٠٩٤- عامر بن حمزة، مولى بني هاشم
[٤] .
وهو من ولد عكرمة مولى ابن عباس. وقيل: هو عمارة بن حمزة بن مالك بن يزيد بن عَبْد اللَّه، مولى العباس بن عبد المطلب.
كان أحد الكتاب البلغاء، وكان أتيه الناس حتى ضرب بتيهه المثل، فقيل: «أتيه من عمارة» .
وكان جوادا، وإليه تنسب دار عمارة ببغداد أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الخطيب قَالَ: أَخْبَرَنَا الجوهري قال: حدثنا محمد بن عمران بن موسى قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى المكي قال: حدّثنا محمد بن
стр. 3246
القاسم بن خلاد قَالَ: قال إبراهيم بن دَاوُد: استأذن قوم على عمارة بن حمزة ليشفعوا إليه في بر قوم أصابتهم حاجة، وكان قد قام من مجلسه فأخبره حاجبه بحاجتهم، فأمر لهم بمائة ألف درهم، فاجتمعوا ليدخلوا عليه في الشكر له، فقال له حاجبه، فَقَالَ:
اقرئهم السلام وقل لهم إني رفعت عنكم ذل المسألة، فلا أحملكم مئونة الشكر [١] .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن ثابت قَالَ:
أخبرنا سلامة بن الحُسَين/ المقرئ قَالَ: أخبرنا علي بن عمر الحافظ قَالَ:
أخبرنا القاضي الحسين بن إِسْمَاعِيل قَالَ: حدثنا عبد الله بن أبي سَعِيد قَالَ: حدثنا هارون بن محمد بن إسماعيل القرشي قَالَ: أخبرنا عَبْد اللَّه بن أيوب الْمَكِّيّ قَالَ: بعث أبو أيوب المكي بعض ولده إلى عمارة بن حمزة، فأدخله الحاجب. قَالَ: ثم أدناني إلى ستر مسبل، فَقَالَ: ادخل. فدخلت فإذا هو مضطجع محول وجهه إلى الحائط فقال لي الحاجب: سلم. فسلمت، فلم يرد عليّ. فقال الحاجب اذكر حاجتك فقلت: لعله نائم قَالَ: لا أذكر حاجتك، فقلت له: جعلني الله فداك أخوك يقرئك السلام ويذكر دينا ويقول: بهظني وستر وجهي، ولولاه لكنت مكان رسولي تسأل أمير المؤمنين قضاءه.
فَقَالَ: وكم دين أبيك؟ قلت: ثلاثمائة ألف. فَقَالَ: وفي مثل هذا أكلم أمير المؤمنين!؟ يا غلام احملها معه. وما التفت إلي ولا كلمني بغير هذا [٢] .
قال ابن سعيد: وحدثنا إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان الهاشمي قَالَ: حدثني محمد بن سلامة قال: حدثنا الفضل بن الربيع قَالَ: كان أبي يأمرني بملازمة عمارة بن حمزة قَالَ: فاعتل عمارة، وكان المهدي سيئ الرأي فيه فقال له أبي يوما: يا أمير المؤمنين، مولاك عمارة عليل، وقد أفضى الأمر منه إلى بيع فرشه وكسوته، فَقَالَ: غفلت عَنْه وما كنت أظن أنه بلغ هذه الحال، احمل إليه خمسمائة ألف درهم يا ربيع وأعلمه أن لَهُ عندي بعدها ما يحب. قَالَ: فحملها أبي من ساعته وقَالَ:
اذهب بها إلى عمك/ وقل لَهُ: أخوك يقرئك السلام ويقول: أذكرت أمير المؤمنين أمرك، فاعتذر من غفلته عنك، وأمر لك بهذه الدراهم وقال: لك عندي بعدها ما تحب.
قَالَ: فأتيته ووجهه إلى الحائط، فسلمت، فقال لي: من أنت؟ فقلت: ابن أخيك
стр. 3247
الفضل بن الربيع. فَقَالَ: مرحبا بك. فأبلغته الرسالة، فَقَالَ: قد كان طال لزومك لنا وقد كُنَّا نحب أن نكافئك على ذلك، ولم يمكنا قبل هذا الوقت انصرف بها، فهي لك.
قَالَ: فهبته أن أرد عَلَيْهِ، فتركت البغال على بابه وانصرفت إلى أبي فأعلمته الخبر فقال:
يا بني، خذها بارك الله لك، عمارة ليس ممن يراد، فكانت أول مال ملكته. [١] .
١٠٩٥- هشام بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ معاوية بن خديج، أبو طالب التجيبي .
[٢] سمع مالك بن أنس، وجالس ابن وهب، وكان كريما جوادا. وولي إمرة برقة من أرض مصر، وولي شرطة فسطاط مصر.
وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة.
١٠٩٦- يوسف بن أسباط، أبو مُحَمَّد .
من قرية يقال لها: سيح [٣] . كان يَقُولُ: إن أسباط يقول: أشتهي [أن] أموت، وما ملكي درهم ولا على عظمي لحم، ولا علي دين. فرزق ذلك، فأعد في مرضه شيئا بعشرة دراهم، فعزل منها درهما لحنوطه، وأنفق الباقي ومات.
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك قَالَ: أخبرنا أحمد بن جعفر بن أَحْمَد السراج قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد العزيز بْن الحسن بن إسماعيل الضراب قَالَ: أخبرنا أَبِي قال: أخبرنا أحمد بن مروان المالكي قال: حدثنا إبراهيم بن ديزيل قَالَ: سمعت الربيع بن نافع يَقُولُ/ سمعت من يوسف بن أسباط حرفا في الورع ما سمعت أحسن منه. قلت له يوما وقد اتخذ كواير نحل: لو اتخذت حماما. فَقَالَ: النحل أحب إلي من الحمام، الحمام يدخل الغريب [فيهم] [٤] ، والنحل لا تدخل الغريب فيها، فمن ذاك [٥] اتخذت النحل
стр. 3248
ثم دخلت سنة مائتين
فمن الحوادث فيها:
أنه في أول المحرّم بعد ما تفرق الحاج من مكة جلس حسين بن حسن الأفطس خلف المقام على نمرقة مثنية، وأمر بالكعبة فجردت من الثياب حتى بقيت حجارة مجردة، ثم كساها ثوبين من قز، كان أبو السرايا وجههما معه [١] عليهما مكتوب: مما أمر به الأصفر بن الأصفر أبو السرايا داعية آل محمد، لكسوة بيت الله الحرام، وأن يطرح عنه كسوة الظلمة من ولد العباس ليطهره من كسوتهم، وكتب في سنة تسع وتسعين ومائة.
ثم أمر حسين بالكسوة التي كانت على الكعبة فقسمت بين أصحابه العلويين وأتباعهم، وعمد إلى ما في خزانة الكعبة من مال فأخذه، ولم يسمع بأحد عنده وديعة لأحد من ولد العباس وأتباعهم إلا هجم عليه في داره، فإن وجد من ذلك شيئا أخذه، وإذا لم يجد شيئا حبسه وعذبه حتى يفتدي نفسه [٢] .
وهرب كثير من الناس، فهدم دورهم، وجعلوا يحكون الذهب الرقيق الّذي في رءوس أساطين المسجد الحرام، فيخرج من الأسطوانة بعد التعب الشديد [٣] قدر مثقال، وقلعوا شباك زمزم فبيع بالثمن [٤] .
ومن الحوادث/ في هذه السنة: هرب أبي السرايا من الكوفة، ودخول هرثمة
стр. 3249
إليها، وكانت هزيمته بمن معه من الطالبيين ليلة الأحد لأربع عشرة بقيت من المحرم سنة مائتين حتى أتوا القادسية، ودخل منصور بن المهدي وهرثمة الكوفة صبيحة تِلْكَ الليلة، وأمنوا أهلها، ولم يعرضوا لأحد منهم، فأقاموا بها يومهم إلى العصر، ثم رجعوا إلى معسكرهم، وخلفوا بها رجلا منهم يقال لَهُ: غسان بن [أبي] [١] الفرج.
ثم إن أبا السرايا خرج من القادسية هو ومن معه، حتى أتوا ناحية واسط، وكان بواسط علي بن أبي سعيد وأصحابه، وكانت البصرة بيد العلويين بعد، فجاء أبو السرايا حتى عبر دجلة أسفل واسط، فوجد مالا كان قد حمل من الأهواز، فأخذه، ثم مضى إلى السوس، فنزل بمن معه، فأقام أربعة أيام، وخرق على أصحابه مالا. فلما كان في اليوم الرابع أتاهم الحَسَن بن علي الباذغيسي، فأرسل إليهم: اذهبوا حيث شئتم، فلا حاجة لي في قتالكم، وإذا خرجتم من عملي فلست أتبعكم. فأبى أبو السرايا إلا قتاله، فقاتلهم فهزمهم الحسن، واستباح عسكرهم وهرب أبو السرايا، فلحق، فأتي به الحسن بن سهل فضرب عنقه يوم الخميس لعشر خلون من ربيع الأول، وطيف برأسه في المعسكر، وبعث بجسده إلى بغداد، فصلب بصفين على الجسرين، فكان من زمن خروجه إلى وقت مقتله عشرة أشهر، والذي كان/ بالبصرة من الطالبيين زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طَالِب الّذي يقال له: زيد النار- وإنما قيل له ذَلِكَ لكثرة ما حرق من دور بني العباس وأتباعهم بالبصرة- فتوجّه إليه علي بن سعيد فأخذه أسيرا فحبسه، وقيل: إنه طلب منه الأمان فأمنه [٢] .
وفي هذه السنة: خرج إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي باليمن، وذلك أنه كَانَ بمكة، فلما بلغه خبر أبي السرايا والطالبيين بالعراق خرج باليمن في جماعة من أهل بيته، ووالي اليمن [٣] المقيم بها من قبل المأمون إسحاق بن موسى العلوي وقربه من صنعاء، وخرج منصرفا عن اليمن بعسكره وخلى اليمن لإبراهيم بن موسى، وكره قتاله، وذهب نحو مكة، فلما أراد دخولها منعه من بها من العلويين، وكان
стр. 3250
[يقال] : [١] لإبراهيم بن مُوسَى الجزار [٢] لكثرة من قتل باليمن من الناس وسبى، وأخذ من الأموال [٣] .
وفي هذه السنة: وجه بعض ولد عقيل بن أبي طالب من اليمن في جند كثيف ليحج بالناس، فحورب العقيلي وهزم، ولم يقدر على دخول مكة، ومرت به قافلة من الحاج والتجار، وفيها كسوة الكعبة وطيبها، فانتهب ذلك، وكان على الموسم أبو إسحاق بن الرشيد، فبعث إليه من قتل من أصحابه وهرب الباقون. [٤] وفيها: بويع لمحمد بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طَالِب، وذلك أن حسين بن حسن الذي حكينا عنه ما فعل بمكة عن أمر أبي السرايا لما تغير الناس لَهُ لسوء سيرته/، وبلغه أن أبا السرايا قد قتل، وأنه قد طرد من كان بالكوفة والبصرة وكور العراق [٥] من الطالبيين، ورجعت الولاية بها لولد العباس، اجتمعوا إلى محمد بن جعفر بْن محمد بن علي- وكان شيخا محببا في الناس، حسن السيرة، يروي العلم والناس يكتبون عَنْه، ويظهر زهدا وسمتا- فقالوا لَهُ: قد نعلم حالك في الناس، فأبرز شخصك نبايع لك بالخلافة، فإنك إن فعلت ذلك لم يختلف عليك اثنان، فأبى عليهم، فلم يزل ابنه به وحسين بن حسن الأفطس، حتى غلباه على رأيه، فأجابهم، فأقاموه بعد صلاة الجمعة لثلاث خلون من ربيع الآخر، فبايعوه بالخلافة، وحشروا إليه الناس من أهل مكة والمجاورين، فبايعوه طوعا وكرها، فأقام كذلك أشهرا، وليس له من الأمر سوى الاسم.
ثم أقبل إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي من اليمن، فاجتمع العلويون [٦] إلى محمد بْن جعفر، فقالوا لَهُ: هذا إسحاق بن موسى قد أقبل في الخيل والرحل، وقد رأينا أن نخندق على مكَّةَ ونحاربه. فقاتلوه أياما، ثم كره إسحاق القتال فرجع، ثمّ ردّ عليهم،
стр. 3251
وكانت الهزيمة على محمد بن جعفر وأصحابه، فطلب محمد الأمان حتى يخرج من مكة فأمنوه.
ودخل إسحاق في جمادى الآخرة، وتفرق الطالبيون كل قوم في ناحية، ومضى محمد بن جعفر بجمع الجموع، وجاء إلى والي المدينة فخاصمه، فهزم محمد، وفقئت عينه، وقتل من أصحابه خلق كثير.
ثم رده قوم من الولاة إلى مكة، وضمنوا له الأمان، فرقا المنبر بمكة وقال: إنه بلغني أن المأمون مات، فدعاني الناس إلى أن يبايعوا لي، وقد صح/ عندي أنه حي، وأنا استغفر الله مما دعوتكم إليه من البيعة، وقد خلعت نفسي من البيعة. فخرج به عيسى بن يزيد إلى الحسن بن سهل، فبعث بن الحسن إلى المأمون [١] .
وفي هذه السنة: خالف علي بن أبي سعيد الحسن بن سهل، فبعث المأمون بسراج الخادم وقَالَ لَهُ: إن وضع يده في يد الحسن أو يشخص إلينا، وإلا فأضرب عنقه.
فشخص إلى المأمون [٢] .
وفيها: خرج هرثمة إلى المأمون، وكان قد أتته كتب المأمون أن يلي الشام والحجاز. فأبى، وقَالَ: لا أرجع حتى ألقى أمير المؤمنين، إدلالا منه، لما كان يعرف من نصيحته لَهُ ولآبائه، وأراد أن يلقى المأمون فيعرفه ما يدبر عليه الفضل بن سهل، وما يكتم عنه من الأخبار، وأن لا يدع المأمون حتى يرده إلى بغداد دار الخلافة وملك بني العباس، فعلم الفضل ما يريد، فقال للمأمون إن هرثمة قد أنغل عليك العباد والبلاد، وظاهر عليك عدوك، وعادى وليك، ودس أبا السرايا، ولو شاء هرثمة لم يفعل أبو السرايا ما فعل، وقد كتب إليه أمير المؤمنين عدة كتب: أن يمضي إلى الشام والحجاز، فأبى وقد جاء إلى أمير المؤمنين غاضبا، وأبطأ هرثمة في السير، فلما قدم ضرب الطبل لكي يعلم المأمون بقدومه، فَقَالَ المأمون: ما هذا؟ فقالوا: هرثمة [قد] [٣] أقبل يبرق ويرعد، وظن هرثمة أن قوله المقبول، فلما دخل قال له المأمون: مالأت أهل الكوفة والعلويين،
стр. 3252
وداهنت ودسست إلى أبي السرايا حتى خرج وعمل ما عمل، وقد كان رجلا من أصحابك، ولو أردت أن تأخذه لأخذته/ فذهب هرثمة ليعتذر، فلم يسمع منه، وأمر به فوجئ على أنفه، وديس في بطنه، وسحب على وجهه من بين يديه، وقد تقدم الفضل بن سهل إلى الأعوان بالغلظة عليه والتشديد، حتى حبس، فمكث في الحبس أياما، ثم دس إليه من قتله، وقالوا مات. [١] .
وفيها: وقع شغب ببغداد بين الجند والحسن بن سهل، وذلك أن الحسن بعث إلى علي بن هشام وهو والي بغداد من قبله: أن امطل الجند أرزاقهم، ومنهم ولا تعطهم.
وكان الجند قد قالوا: لا نرضى حتى تطرد الحسن بن سهل وعماله عن بغداد.
فطردوهم، وصيروا إسحاق بْن المهدي خليفة للمأمون ببغداد، وجاء علي بن هشام فقاتل الجند أياما على قنطرة الصراة والأرحاء، ثم وعدهم أن يعطيهم رزق ستة أشهر إذا أدركت الغلة، فسألوه أن يعجل لكل رجل منهم خمسين درهما لينفقوها في رمضان، ففعل، فبينا هم كذلك خرج عليهم زيد بن موسى بن جعفر الذي كان بالبصرة، المعروف بزيد النار، وذلك أنه كان محبوسا عند علي بن أبي سعيد، فأفلت من الحبس.
وخرج بناحية الأنبار، ومعه أخو أبي السرايا في ذي القعدة سنة مائتين، فبعثوا إِلَيْهِ، فأخذ وأتوا به علي بن هشام، فلم يلبث إلا جمعة حتى هرب [٢] .
وفيها: أحصي ولد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا ما بين ذكر وأنثى. [٣] وفيها: قتلت الروم ملكها أليون [٤] ، وكان قد ملك عليهم سبع سنين/ وستة أشهر، وملكوا عليهم ميخائيل مرة ثانية [٥] .
وفيها: قتل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل، وذلك أن يحيى أغلظ له، فقال لَهُ: أمير الكافرين، فقتل بين يديه في ذي القعدة [٦] .
стр. 3253
وحج بالناس في هذه السنة أبو إسحاق ابن الرشيد [١] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٠٩٧- أيوب بن المتوكل المقرئ .
من أهل البصرة، سَمِعَ عبد الرحمن بن مهدي وغيره روى عَنْه: علي بن المديني ويحيى، وكان من القراء.
توفي في هذه السنة.
١٠٩٨- أبان بن عبد الحميد بن إسحاق بن غفير، مولى بني رقاش
[٢] .
من أهل البصرة، شاعر مطبوع مقدم، قدم بغداد واتصل بالبرامكة، وانقطع إليهم، وعمل لهم كتاب «كليلة ودمنة» شعرا. وله قصائد ومدائح في الرشيد والفضل بن يحيى، ويقال إن كل كلام نقل إلى شعر فالكلام أفصح منه إلا هذا الكتاب.
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: قرأت على الجوهري، عَنْ أبي عَبْد اللَّه المرزباني قَالَ: أَخْبَرَنِي محمد بن يحيى قَالَ: حدثنا القاسم بن إسماعيل قَالَ: حدثني مُحَمَّد بن صالح الهاشمي، قَالَ: حدثني ابن لعبد الحميد اللاحقي قَالَ: أحب يحيى بن خالد أن يحفظ كتاب «كليلة ودمنة» فاشتد عليه ذَلِكَ فقال له/ أبان بن عبد الحميد: أنا أجعله شعرا ليخف على الوزير حفظه. فنقله إلى قصيدة عملها مزدوجة عدد أبياتها أربعة عشر ألف بيت في ثلاثة أشهر، فأعطاه يحيى عشرة آلاف دينار، وأعطاه الفضل خمسة آلاف دينار. وقال له جعفر بن يحيى: ألا ترضى أن أكون راويتك لها! ولم يعطه شيئا. قَالَ: فتصدق بثلث المال الّذي أخذه. وكان أبان حسن السيرة [٣] ، حافظا للقرآن، عالما بالفقه. وقال عند وفاته: أنا أرجو الله وأسأله رحمته ما مضت علي ليلة قط لم أصل فيها تطوعا كثيرا.
وأول قصيدته هذه:
стр. 3254
هذا كتاب أدب ومحنه ... وهو الذي يدعى كليل دمنه
[١]
١٠٩٩- معروف بن الفيرزان، أبو محفوظ، ويعرف بالكرخي .
[٢] نسبة إلى كرخ بغداد، كان أهله نصارى، وكان صبيا في المكتب يقول معلمهم:
أب وابن. فيصيح: أحد أحد.
وأسلم، وروى عَن بكر بن حبيس، والربيع بن صبيح وغيرهما، وكان من كبار الزاهدين في الدنيا، والعارفين للَّه، والمحبين له، وكان له كرامات.
وذكر مرة عند أَحْمَد فقيل: هو قليل العلم فَقَالَ: وهل يراد من العلم إلا ما وصل إِلَيْهِ معروف!؟
وكان سفيان بن عيينة يَقُولُ: لا يزال أهل بغداد بخير ما بقي فيهم معروف.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ [الْقَزَّازِ] قَالَ: أَخْبَرَنَا [أَحْمَدُ بْن عَلِيِّ بْن ثَابِتٍ] [٣] الْخَطِيبُ قَالَ: أخبرنا الحسن بن عثمان قَالَ: أخبرنا ابن مالك/ القطيعي قَالَ: حدثنا العباس بن يوسف قَالَ: حدثني سعيد بن عثمان قَالَ: سمعت محمد بن منصور يقول:
مضيت يوما إلى معروف الكرخي ثم عدت إليه من الغد، فرأيت في وجهه أثر شجة، فهبت أن أسأله عنها، وكان عنده رجل أجرأ مني عليه فقال لَهُ: كنا عندك البارحة ومعنا محمد بن منصور، فلم نر في وجهك هذا الأثر. فَقَالَ له معروف: خذ فيما تنتفع بِهِ.
فقال لَهُ: أسألك بحق الله. فانتفض معروف ثم قال لَهُ: وما حاجتك إلى هذا!؟ مضيت البارحة إلى بيت الله الحرام، ثم صرت إلى زمزم، فشربت منها، فزلت رجلي، فنطح الباب وجهي، فهذا الذي ترى من ذلك. [٤] أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا [أبو بكر بن ثابت] [٥] الخطيب قال: أخبرني
стр. 3255
أحمد بن علي التوزي [١] قَالَ: حدثنا الحسين بن الحسن بن الْعَبَّاس قَالَ: حدثني أبو محمد الحسن بن عثمان بن عبد الله البزار قَالَ: حدثني أبو بكر بن الزيات قَالَ:
سمعت ابن شيرويه [٢] يَقُولُ: كنت أجالس معروفا الكرخي كثيرا، فلما كان ذات يوم رأيت وجهه قد خلا، فقلت لَهُ: يا أَبَا محفوظ، بلغني أنك تمشي على الماء. فقال لي:
ما مشيت قط على الماء، ولكن إذا هممت بالعبور جمع لي طرفاها فأتخطاها [٣] .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: أخبرنا أبو محمد الخلال قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الواحد بن علي الفامي [٤] قَالَ: أخبرنا عبد الله [٥] بن سليمان الوراق قَالَ: حدّثنا محمد بن أبي هارون قَالَ: حدثنا محمد بن المبارك قَالَ: حدثنا محمد بن صبيح قَالَ: مر معروف عَلَى سقاء يسقي الماء وهو يَقُولُ: رحم الله من شرب.
فشرب- وكان صائما- فَقَالَ: لعل الله أن يستجيب لَهُ [٦] .
[قال المؤلف:] [٧] توفي معروف في سنة مائتين/ ويقال: في سنة أربع ومائتين والأول أصح. وقد جمعت أخباره في كتاب مفرد، فلم أطل هاهنا [بالتكرار] [٨] .
١١٠٠- وهب بن وهب بن كثير بن عبد الله بن زمعة بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى، أبو البختري، القرشي
[٩] .
حدث عَن هشام بن عروة، وجعفر بن محمد، وابن جريج، وانتقل عن المدينة إلى بغداد، فولّاه الرشيد القضاء بعسكر المهدي، ثم عزله فولاه مدينة رسول الله ﷺ ،
стр. 3256
وجعل إليه صلاتها وقضاءها وحربها. وكان جوادا، يعتذر إلى من يعطيه وإن كثر عطاؤه.
فقال مادحه:
هلا فعلت- هداك المليك ... - فينا كفعل أبي البختري [١]
تتبع إخوانه في البلاد ... فأغنى المقل عن المكثر
إلا أنه كان يضع الحديث ويسهر الليل في وضعه.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا القاضي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْنُ زكريا قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يحيى الصولي قَالَ: حَدَّثَنَا وكيع قَالَ: حدثنا محمد بن الحسين بن مسعود الزرقي قَالَ: حدثنا عثمان بن عثمان قال: حدثنا أبو سعيد العقيلي قال: لما قدم الرشيد المدينة أعظم أن يترقأ منبر النَّبيّ ﷺ في قباء أسود ومنطقة فقال أبو البختري حدثنا جعفر بن محمد، عن أَبِيهِ قَالَ: نزل جبريل على النَّبيّ ﷺ وعليه قباء ومنطقة مخنجرا فيها بخنجر، فقال المعافى التيمي هذه الأبيات:
ويل وعول لأبي البختري ... إذا توافى الناس في المحشر
/ من قوله الزور وإعلانه ... بالكذب في الناس على جعفر
والله ما خليت ساعة ... للفقه في بدو ولا محضر
ولا رآه الناس في دهره ... يمر بين القبر والمنبر
قاتل الله أبا وهب لقد ... أعلن بالزور وبالمنكر
يزعم أن المصطفى أحمدا ... أتاه جبريل التقي البري
عليه خف وقباء أسود ... مخنجرا في الحقو بالخنجر [٢] .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن [علي] [٣] بن ثابت قال:
стр. 3257
أخبرنا التنوخي قَالَ: أخبرنا طلحة بْن محمد بن جعفر قَالَ: حدثني عمر بن الحسن الأشناني قَالَ:
حدثنا جعفر الطيالسي، عن يحيى بن مَعِين: أنه وقف على حلقة أبي البختري، فإذا هو يحدث بهذا الحديث: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر. فَقَالَ له:
كذبت يا عدو اللَّه عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ . قال: فأخذني الشرط، فقلت: هذا يزعم أن رسول رب العالمين نزل على النَّبيّ ﷺ وعليه قباء. قَالَ: فقالوا لي: هذا قاض كذاب فأفرجوا عني [١] .
توفي أبو البختري ببغداد في هذه السنة.
стр. 3258
ثم دخلت سنة إحدى ومائتين
فمن الحوادث فيها:
مراودة أهل بغداد منصور بن المهدي على الخلافة، فأبى، فراودوه على الإمرة عليهم عَلَى أن يدعو للمأمون بالخلافة. وقالوا: لا نرضى/ بالمجوسي [١] ابن المجوسي يعنون الحسن بن سهل- فأجابهم المنصور لذلك [٢] .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ قَالَ: أخبرنا عبد الله بن إسحاق بن إبْرَاهِيم قَالَ: حَدَّثَنَا الحارث بن مُحَمَّد قَالَ: حدثنا محمد بن سعد قَالَ: عسكر منصور بن المهدي في سنة إحدى ومائتين بكلواذي وسمي المرتضى، ودعي له على المنابر، وسلم عليه بالخلافة فأبى ذلك وقال: أنا خليفة أمير المؤمنين المأمون حتى يقدم أو يولي من يحب. وعزل سعد بْن إبراهيم عن الجانب الشرقي، وولاه قتيبة بن زياد، وأقر محمد بن سماعة على قضاء الجانب الغربي.
وفي هذه السنة: تجردت المطوعة للإنكار على الفساق ببغداد، وكان رئيسهم خالد الدريوش، وسهل بن سلامة.
وكان السبب في ذلك: أن فساق الجند والشطار أذوا الناس أذى شديدا، وأظهروا الفسق وقطع الطريق، وأخذوا النساء والغلمان علانية من الطرق، وكانوا يجتمعون
стр. 3259
فيأتون الرجل، فيأخذون ابنه، فيذهبون به، فلا يقدر على المنع منهم، وكانوا يجتمعون فيأتون القرى، فيأخذون ما قدروا عليه، ولا سلطان يمنعهم ولا سلطان يعثر بهم، وخرجوا في آخر أمرهم إلى قطربُّل فانتهبوها علانية، وجاءوا بما أخذوه يبيعونه علانية، وجاء أهلها فاستعدوا السلطان فلم يعدهم، وكان ذلك في آخر شعبان، فلما رأى الناس ذلك، قام صلحاء كل ربض ودرب/ ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما يكون في الدرب الواحد الفاسق والفاسقان إلى العشرة، فأنتم أكثر منهم وقد غلبوكم، فلو اجتمعتم لمنعتم هؤلاء الفساق. فقام رجل من ناحية طريق الأنبار يقال لَهُ: خالد الدريوش، فدعا جيرانه، وأهل محلته إلى معاونته على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأجابوه، فشد على من يليه من الفساق والشطار فمنعهم وحبسهم ورفعهم إلى السلطان لأنه كان لا يرى أن يغير على السلطان شيئا، ثم قام من بعده بيومين أو ثلاثة رجل يقال لَهُ: سهل بن سلامة الأنصاري من أهل خراسان، ويكنى: أبا حاتم، فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وعلق مصحفا في عنقه، ثم بدأ بأهل محلته وجيرانه، فأمرهم ونهاهم فقبلوا منه، ثم دعا الناس جميعا إلى ذَلِكَ وجعل لنفسه ديوانا يثبت فيه اسم من أتاه يبايعه على ذلك، لقتال من خالفه، فأتاه خلق كثير فبايعوه، إلا أن خالد الدريوش خالفه فَقَالَ: أنا لا أغير على السلطان شيئا ولا أقاتله. قال سهل: أنا أقاتل كل من خالف الكتاب والسنة، كائنا من كان، سلطانا أو غير سلطان، فمن بايعني على ذلك قبلته، ومن خالفني قاتلته.
وقام سهل بذلك يوم الخميس لأربع خلون من رمضان، وقوتل من قبل السلطان، قاتله عيسى بن محمد بن أبي خالد، فقاتل/ فضرب ضربة بالسيف، فرجع إلى منزله، ثم اعتذر إليه عيسى أن يعود إلى الأمر بالمعروف، فعاد [١] .
وفي هذه السنة: جعل المأمون علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ولي عهد المسلمين والخليفة من بعده، وسماه الرضي من آل مُحَمَّد ﷺ وأمر [٢] جنده أن يطرح السواد ولبس ثياب الخضرة، وكتب بذلك إلى الآفاق، وذلك يوم
стр. 3260
الأثنين لليلتين خلتا من رمضان هذه السنة. فكتب الحسن بن سهل إلى عيسى بن محمد يخبره أن أمير المؤمنين قد جعل علي بن موسى الرضا ولي عهده، وذلك أنه نظر في بني العباس وبني علي فلم يجد أحدا أفضل ولا أورع ولا أعلم منه، وأنه سماه الرضي من آل مُحَمَّد ﷺ ، وأمر أن يطرح السواد ولبس الخضرة، وأن يأمر من قبله من الجند والقواد وبني هاشم بالبيعة لَهُ، ويأخذهم بلبس الخضرة في أقبيتهم وقلانسهم وأعلامهم، ويأخذ أهل بغداد جميعا بذلك، فوصل الكتاب إلى عيسى يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي الحجة، فدعا أهل بغداد إلى ذلك، فاختلفوا، فقال قوم: نبايع، وقَالَ قوم: لا نخرج الأمر من ولد العباس، وإنما هذا دسيس من قبل الفضل بن سهل، وغضب ولد العباس من ذلك، واجتمع بعض إلى بعض، وتكلموا فيه وقالوا: نولي بعضنا ونخلع المأمون. وكان المتكلم في هذا والمختلف فيه والمتقلد له: إبراهيم ومنصور بن المهدي [١] .
ذكر العهد الّذي كتبه المأمون بخطّه لعلي ابن موسى الرّضا [﵉]
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب كتبه عبد الله بن هارون الرشيد أمير المؤمنين بيده لعلي بن موسى بن جعفر ولي عهده.
أما بعد: فإن الله اصطفى الإسلام دينا، واصطفى له عباده رسلا دالين عَلَيْهِ، وهادين إِلَيْهِ، يبشر أولهم بآخرهم، ويصدق تاليهم ماضيهم، حتى انتهت نبوة اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ على فترة من الرسل، ودروس من العلم، وانقطاع من الوحي، واقتراب من الساعة، فختم الله به النبيين، وجعله شاهدا لهم، ومهيمنا عليهم، وأنزل عليه كتابه العزيز الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ من حَكِيمٍ حَمِيدٍ ٤١: ٤٢ [٢] بما أحل وحرم، ووعد وأوعد، وحذر وأنذر، ليكون له الحجة البالغة على خلقه، لِيَهْلِكَ من ٨: ٤٢