← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ومن الحوادث فِي زمانه [احتراق ابني هَارُون] [١] قَالَ وهب بْن منبه: كَانَ يسرج فِي بَيْت المقدس ألف قنديل وَكَانَ يخرج زيتا من طور سيناء مثل عنق البعير حَتَّى يصب فِي القنديل، ولا يمس بالأيدي، وكانت تنحدر نار من السماء بيضاء فيسرج بها، وَكَانَ يلي السراج ابنا هَارُون. فأوحى اللَّه تَعَالَى إليهما: أَن لا تسرجا بنار الدُّنْيَا، فأبطأت النار عَنْهُمَا عشية، فعمدا إِلَى نار من نار الدنيا فأسرجا بها، فانحدرت النار فأحرقتهما. فخرج الصريخ إِلَى موسى فخرج إِلَى الموضع الَّذِي كَانَ يناجي فِيهِ ربه، فقال: أي رب ابنا هارون أخي، قَدْ علمت منزلتهما مني فانحدرت النار فأحرقتهما، وناداه: يا موسى هكذا أفعل بأوليائي إِذَا عصوني، فكيف أفعل بأعدائي . [ومن الحوادث] [٢] موت هَارُون فِي زمان موسى ﵉ [٣] رَوَى السدي عَنْ أشياخه [٤] : إِن اللَّه تَعَالَى أوحى إِلَى موسى: إني متوف هَارُون، فأتى بِهِ جبل كذا وكذا، فانطلق موسى وهارون نَحْو الجبل، فَإِذَا [هما] [٥] فِيهِ بشجرة لَمْ ير شجر مثلها، وإذا هما ببيت مبني، وإذا هما فِيهِ بسرير عَلَيْهِ فرش، وإذا فِيهِ ريح طيبة، فلما نظر هَارُون إِلَى ذَلِكَ الجبل والبيت وَمَا فِيهِ أعجبه، فَقَالَ: يا موسى إني لأحب أَن أنام عَلَى هَذَا السرير، فَقَالَ لَهُ موسى: فنم عَلَيْهِ، قَالَ إني أخاف أَن يَأْتِي رب هَذَا الْبَيْت فيغضب عَلِي، فَقَالَ لَهُ موسى: لا ترهب، أنا أكفيك رب هَذَا الْبَيْت فنم، فَقَالَ: يا موسى نم معي. فناما فأخذ هَارُون الْمَوْت، فلما قبض رفع ذَلِكَ الْبَيْت وذهبت تلك الشجرة ورفع

стр. 352

السرير بِهِ إِلَى السماء، فلما رجع موسى إِلَى بَنِي إسرائيل وليس مَعَهُ هَارُون، قَالُوا: إِن موسى قتل هَارُون وحسده عَلَى حب بَنِي إسرائيل لَهُ، وَكَانَ هَارُون أكف عَنْهُم وألين لهم من موسى، وكان في بَعْض الغلظ/ عَلَيْهِم. فلما بلغه ذَلِكَ قَالَ لَهُمْ: ويحكم، أترونني أقتل أَخِي، فلما أكثروا عَلَيْهِ قام فصلى ركعتين ثُمَّ دعا اللَّه فنزل بالسرير حَتَّى نظروا إِلَيْهِ من السماء وَالأَرْض فصدقوه. وَقَالَ عَمْرو بْن ميمون: مَات موسى وهارون فِي التيه، مَات هَارُون قبل موسى، وكانا أخرجا فِي التيه إِلَى بَعْض الكهوف، فمات فدفنه موسى وانصرف إِلَى بَنِي إسرائيل، فَقَالُوا: مَا فعل هَارُون؟ قَالَ: مَات، قَالُوا: لكنك قتلته لحبنا إياه. فشكى موسى مَا لقي من بَنِي إِسْرَائِيل، فأوحى اللَّه إِلَيْهِ: أَن انطلق بهم إِلَى موضع قبره، فإني باعثه حَتَّى يخبرهم أَنَّهُ مَات موتا. فانطلق بهم إِلَى قبر هَارُون، فنادى: يا هَارُون، فخرج من قبره ينفض رأسه، فَقَالَ: أنا قتلتك؟ قَالَ: لا والله ولكني مت، قَالَ: فعد إِلَى مضجعك. قَالَ الْحَسَن: مَات هَارُون وَهُوَ ابْن مائة وثماني عشرة سَنَة، قبل موسى بثلاث سنين. وَفِي التوراة: أَن هَارُون مَات وَهُوَ ابْن عشرين ومائة سَنَة وكانت وفاته فِي التيه . [ومن الأحداث] [١] وفاة موسى ﵇ [٢] قَالَ السدي عَنْ أشياخه: بينما موسى يمشي ويوشع فتاه إذ أقبلت ريح سوداء، فلما نظر [إليها] [٣] يوشع ظن أَنَّهَا الساعة فالتزم موسى وَقَالَ: يا قوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبي اللَّه، فاستل موسى من تَحْتَ القميص وترك القميص فِي يدي يوشع، فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إِسْرَائِيل، وَقَالُوا: قتلت نبي اللَّه، قَالَ: لا والله مَا قتلته ولكنه استل مني، فلم يصدقوه وأرادوا قتله.

стр. 353

قَالَ: فَإِذَا لَمْ تصدقوني فأخروني ثلاثة أَيَّام. فدعا اللَّه فأتى كُل رجل مِمَّن كَانَ يحرسه فِي المنام، فأخبر أَن يوشع لَمْ يقتل موسى، وأنا قَدْ رفعناه إلينا، فتركوه ولم يبق ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مَعَ موسى أحد إلا مَات وَلَمْ يشهد الفتح. وزعم ابْن إِسْحَاق: أَن موسى كَانَ قَدْ كره الْمَوْت وأعظمه، فأراد اللَّه أَن يحبب إِلَيْهِ الْمَوْت ويكره إِلَيْهِ الحياة، فنبي يوشع وَكَانَ يغدو عَلَيْهِ ويروح فَيَقُول لَهُ موسى: يا نبي اللَّه مَا أحدث اللَّه إليك؟ فَيَقُول لَهُ يوشع: يا نبي اللَّه ألم أصحبك كَذَا وكذا سَنَة، فهل كنت أسألك عن شَيْء مِمَّا أحدث اللَّه إليك حَتَّى تكون أَنْتَ الَّذِي تبتدئ بِهِ وتذكره؟ فلا يذكر لَهُ شَيْئًا. فلما رأى ذَلِكَ موسى كره الحياة وأحب الْمَوْت. وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّد بْن كعب القرظي: كَانَ تحويل النبوة إِلَى يوشع بْن نون قبل موت موسى، وَكَانَ يختلف يوشع إِلَى موسى غدوة وعشية، فَيَقُول لَهُ موسى: يا نبي اللَّه هل أحدث اللَّه إليك اليوم شَيْئًا؟ فَيَقُول لَهُ يوشع: يا صفي اللَّه صحبتك من كَذَا وكذا سَنَة، فهل سألتك عَنْ شَيْء يحدثه اللَّه إليك حَتَّى تكون أَنْتَ الَّذِي تبتدئه لي؟ فلما رأى موسى الْجَمَاعَة عِنْدَ يوشع أحب الْمَوْت. قَالَ أَبُو الْحُسَيْن بْن المنادي: هذه العبارة توهم بَعْض الأغبياء أَن موسى غاظه مَا رأى، فأحب الْمَوْت، إذ ضاق ذرعا بالذي أبصر من منزلة يوشع حِينَ علت. وليس كَذَلِكَ، إِنَّمَا أحب موسى الْمَوْت لما رأى لَهُ خلفا فِي أمته كافيا يقوم مقامه فيهم، فاستطاب حينئذ الْمَوْت لما وصفنا لا غَيْر. وَأَمَّا استجابة يوشع وامتناع يوشع من إفشائه مَا يَكُون من اللَّه إِلَيْهِ فلم يك من بَاب التعزز من يوشع ولا من حبه الاقتصار من موسى إِلَيْهِ، بَل هُوَ من استخبار موسى يوشع هل بلغ حد الأمناء الَّذِينَ يكتمون مَا يجب كتمه عَنْ أقرب النَّاس إليهم وأعزهم عَلَيْهِم، فلما ألفى يوشع بالغا هذه المرتبة لَمْ يشك فِي نهوضه بالوحي واستمكانه من الحال الَّتِي أَهْل لَهَا فهذا الَّذِي أصار موسى إِلَى السؤال [١] . ويدل عَلَى هَذَا مَا روي عَنِ الْحَسَن أَنَّهُ، قَالَ: لما ودع موسى أهله وولده أرسل

стр. 354

إِلَى يوشع فاستخلفه عَلَى النَّاس، قَالَ: وَكَانَ موسى إِنَّمَا يستظل فِي عريش ويأكل ويشرب فِي نقير من حجر تواضعا للَّه حِينَ أكرمه بكلامه. قَالَ وهب: ذكر لي أَنَّهُ كَانَ من أمر وفاته أَنَّهُ أخرج يوما من عريشه ذَلِكَ لبعض حاجته، فمر برهط من الْمَلائِكَة يحفرون قبرا، فعرفهم فأقبل إليهم حَتَّى وقف عَلَيْهِم فَإِذَا هُمْ يحفرون قبرا لَمْ ير شَيْئًا أَحْسَن منه وَلَمْ ير مثل مَا فِيهِ من الخضرة والنضرة والبهجة، فَقَالَ لَهُمْ: يا مَلائِكَة اللَّه لَمْ تحفرون هَذَا القبر؟ قَالُوا: نحفره والله لعبد كريم على الله، قال: إن هذا العبد من اللَّه لبمنزلة، مَا رأيت كاليوم مضجعا، قَالَتِ الْمَلائِكَة: يا صفي اللَّه أتحب أَن يَكُون لَكَ؟ قَالَ: وددت، قَالُوا: فانزل فاضطجع فِيهِ وتوجه إِلَى ربك ثُمَّ تنفس، فنزل فاضطجع فيه وتوجه إِلَى ربه ثُمَّ تنفس فقبض اللَّه روحه ثُمَّ سوت عَلَيْهِ الْمَلائِكَة. قَالَ مؤلف الكتاب: وَفِي هَذَا بَعْد، فَإِن الْحَدِيث الصحيح يدل عَلَى غَيْر هَذَا. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن همام مُنَبِّهٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ، قَالَ: فَلَطَمَ مُوسَى عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ ففقأها، فرجع الملك إِلَى اللَّهِ وَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لا يُرِيدُ الْمَوْتَ وَقَدْ فقأ عيني، قال: فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي فَقُلْ لَهُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدَ الْحَيَاةِ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَمَا تَوَارَيَتْ بِيَدِكَ مِنْ شَعْرَةٍ فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً. [فَعَادَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ] [١] فَقَالَ: ثُمَّ مَهْ، قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ، قَالَ: فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ. قَالَ: يَا رَبِّ أَدْنِنِي مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةَ حجر» . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لأَرَيَتْكُمُ [قَبْرَهُ] [٢] إِلَى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر» [٣] .

стр. 355

قَالَ أَبُو عمران الجوني: لما مثل موسى ﵇ جعل يبكي وَيَقُول: لست أجزع للموت ولكني أجزع أَن ييبس لساني عَنْ ذكر اللَّه عِنْدَ الْمَوْت. قَالَ: وَكَانَ لموسى ثَلاث بنات فدعاهن فَقَالَ: يا بناتي، إِن بَنِي إِسْرَائِيل سيعرضون عليكن الدُّنْيَا بعدي فلا تقبلن منها شَيْئًا تلقطن هَذَا السنبل فافركنه ثُمَّ كلنه، وستبلغن بِهِ إِلَى الْجَنَّة. قَالَ علماء السير: توفي موسى بَعْد هَارُون بثلاث سنين، وأوصى إِلَى يوشع، وتوفي بباب لد. قَالَ أَبُو جَعْفَر الطبري [١] : كَانَ جميع مدة عُمَر موسى ﵇ مائة وعشرين سَنَة، عشرون منها فِي ملك أفريدُونَ، ومائة منها فِي ملك منوشهر، وَكَانَ ابتداء أمره منذ بعثه اللَّه نبيا إِلَى أَن قبضه اللَّه فِي ملك منوشهر. واختلفوا: هل مَات بأرض الشام أم لا عَلَى قولين: أحدهما أَنَّهُ توفي بأرض التيه، وَقَدْ روينا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَاتُوا كلهم فِي التيه وموسى وهارون، وَلَمْ يدخل بَيْت المقدس إلا يوشع، وكالب بْن يوفنا، والحَدِيث الَّذِي قدمناه يدل عَلَى هَذَا. والقول الآخر: لما مضت الأربعون خرج موسى ببني إِسْرَائِيل من التيه، وَقَالَ لَهُمْ: ادخلوا القرية فكلوا منها حيث شئتم. قاله الرَّبِيع بْن أَنَس، وعَبْد الرَّحْمَنِ بْن زَيْد. وَقَالَ ابْن جَرِير: وَهَذَا هُوَ الصحيح، وإن موسى هُوَ الَّذِي فتح قرية الجبارين مَعَ الصالحين من بني إسرائيل لأن أَهْل السير أجمعوا أَن موسى هُوَ قاتل عوج، وَكَانَ عوج ملكهم، وَكَانَ بلعام فيمن سباه/ سباه موسى وقتله. قَالَ أَبُو الْحُسَيْن بْن المنادي: وَقَدْ قيل: إِن الْيَهُود لا تدري أين قبر موسى وهارون، ولو علموا لاتخذوهما إليهن من دون الله.

стр. 356

[ذكر يوشع بْن نون ﵇] [١] وَهُوَ يوشع بن نون بن أفرائيم بْن يُوسُف بْن يعقوب. وَقَدْ ذكر أَن اللَّه تَعَالَى جعل يوشع نبيا فِي زمن موسى، فلما توفي موسى ابتعثه اللَّه تَعَالَى، فأقام لبني إسرائيل أحكام التوراة، وَهُوَ الَّذِي قسم الشام بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيل، وَهُوَ الَّذِي أخرج اللَّه لَهُ نهر الأردن، وأمره اللَّه تَعَالَى بالمسير إِلَى أريحا لحرب من فِيهَا من الجبارين، وَهِيَ الَّتِي امتنع بنو إسرائيل من دخولها فعوقبوا بالتيه. ومات موسى وهارون في التيه، ومات الكل سِوَى يوشع وكالب. وإنما دَخَلَ يوشع بأبنائهم، فقاتل الجبارين فهزمهم، واقتحم أَصْحَابه عَلَيْهِم يقتلونهم، فكانت العصابة من بَنِي إسرائيل يجتمعون عَلَى عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها، وَكَانَ القتال يَوْم الجمعة، حَتَّى إِذَا أمسوا وقاربت الشمس الغروب خافوا من دخول السبت، فَقَالَ يوشع: اللَّهمّ احبس الشمس، فوقفت بينها وبين الغروب قيد رمح، فثبتت مقدار ساعة حَتَّى افتتحها وقتل أعداءه وهدم أريحاء ومدائن الملوك وجمع غنائمهم، وأمرهم يوشع أَن يقربوا الغنيمة فقربوها فلم تنزل النار لأكلها، فَقَالَ يوشع لَهُمْ: فبايعوني. أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لا يَتَّبِعَنِي رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بِضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ، وَلا آَخَرُ قَدْ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سَقْفَهَا، وَلا آَخَرُ قَدِ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خلفات وهو ينتظر أولادها فغزا فدنا إِلَى الْقَرْيَةِ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ لِلشَّمْسِ: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهمّ احْبِسْهَا عَلِيَّ فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا، فَأَقْبَلَتِ النَّارُ لِتَأْكُلَهُ فَأَبَتْ أَنْ تَطْعَمَهُ، فَقَالَ: فِيكُمْ غلول

стр. 357

فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَبَايَعُوهُ فَلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، أَنْتُمْ غللتم. فأخرجو لَهُ مِثْلَ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: فَوَضَعُوهُ بِالْمَالِ وَهُوَ بِالصَّعِيدِ فَأَقْبَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهُ. فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَطَيَّبَهَا لَنَا» . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [١] . ويوشع هَذَا هُوَ الَّذِي حارب العماليق وعليهم السميدع بْن هوبر فالتقوا بأيلة فقتل السميدع وأكثر العماليق، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَن موسى حارب الجبارين، والله أعلم. أَنْبَأَنَا أَحْمَد بْن عَلِي المجلي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر الخطيب، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْن بْن بِشْرَان، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن صفوان، قَالَ: حدثنا عبد الله بن محمد القرشي، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الحُسَيْن، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن بسطام، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْن عَمْرو الصنعاني، قَالَ: أوحى اللَّه إِلَى يوشع بْن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم، وستين ألفا من شرارهم. قَالَ: يا رب فَمَا بال الأخيار؟ قَالَ: إنهم لَمْ يغضبوا لغضبي وكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم. وزعم هِشَام بْن مُحَمَّد الكلبي [٢] : أَن بقية بقيت من الكنعانيين بَعْد قتل يوشع من قتل مِنْهُم، وأن إفريقيش بْن قيس [٣] بْن صيفي بْن سبأ بْن كعب مرّ بهم متوجها إلى إفريقية، فاحتلها وقتل ملوكها وأسكنها البقية الَّتِي بقيت من الكنعانيين، فَهُمُ البرابرة، وإنما سموا بربرا لأن أفريقيش قَالَ لَهُمْ: مَا أَكْثَر بربرتكم، فسموا لِذَلِكَ بربرا. فَقَالُوا: ونهض يوشع إِلَى بَعْض الملوك فقاتله فغلبه وصلبه عَلَى خشبة وأحرق المدينة، وقتل من أهلها اثني عشر ألفا. واحتال أَهْل بلد آخر حَتَّى جعل لَهُمْ أمانا فظهر عَلَى باطنهم، فدعا اللَّه عَلَيْهِم أَن

стр. 358

يكونوا حطابين وسقاءين، فكانوا كَذَلِكَ. وهرب خمسة من الملوك فاختفوا فِي غار، فأمر يوشع بسد بَاب الغار حَتَّى فرغ من أعدائه، ثُمَّ أخرجهم فقتلهم وصلبهم. وتتبع سائر الملوك واستباح مِنْهُم واحدا وثلاثين ملكا، وقسم الأَرْض الَّتِي غلب عَلَيْهَا. ثُمَّ مَات يوشع ﵇، وَكَانَ عمره مائة سَنَة وعشر سنين، وقيل: مائة وعشرين سَنَة. ودفن فِي جبل إفراييم، وَكَانَ تدبيره أمر بَنِي إسرائيل بَعْد أَن توفي موسى إِلَى أَن توفي هُوَ سبعا وعشرين سَنَة، وَذَلِكَ كُلهُ من زمان منوشهر عشرين سَنَة، ومن زمان أفراسياب سبع سنين. [ذكر الأحداث] [١] الَّتِي حدثت بَعْد يوشع ﵇ [٢] قَالَ الزهري، ومحمد بْن كعب القرظي: لما حضرت يوشع الوفاة استخلف كالب بن يوفنا. قَالَ القرظي: وَلَمْ يكن لكالب نبوة، ولكنه كَانَ رجلا صالحا يودونه فوليهم زمانا يقيم فيهم من طاعة اللَّه مَا كَانَ يقيم يوشع حَتَّى قبضه اللَّه عَلَى منهاج يوشع. فاستخلف كالب ابنا لَهُ فأقام العدل فِي بَنِي إسرائيل أربعين سَنَة، فلما مَات اختلفت بنو إسرائيل، ودعى كُل إِلَى نَفْسه وإلى سبطه، ثُمَّ عملوا بالمعاصي وتشاحنوا عَلَى الدنيا وأحبوا الْمَلِك، فبعث اللَّه تَعَالَى حزقيل. [ذكر الملوك بَعْد يوشع بْن نون ﵇] [٣] فأما الملوك، فَإِن منوشهر هلك فِي زمن يوشع فملك أفراسياب، وكان يكثر

стр. 359

المقام ببابل وبمهرجان قذق، فأكثر الفساد فِي مملكة فارس، ودفن الأنهار والقنيّ، وقحط الناس فِي سَنَة خمس من [ملكه، إِلَى أَن خرج عَنْ] [١] مملكة [أَهْل فارس] [٢] ، وغارت المياه، وحالت الأشجار المثمرة إِلَى أَن ظهر عَلَيْهِ ملك يقال لَهُ: «زو» ، من أولاد منوشهر، وبينهما عدة آباء، فطرده عَنْ مملكة أَهْل فارس، وأصلح مَا كَانَ أفسد، ووضع عَنِ النَّاس الخراج سبع سنين، فعمرت البلاد فِي مملكته، وكثرت المياه فِيهَا، واستخرج بالسواد نهرا فسماه الزاب، وأمر فبنيت عَلَى حافتيه مدينة وَهِيَ الَّتِي تسمى المدينة العتيقة، وغرس فِيهَا الغروس، وَكَانَ من أَوَّل من اتخذ لَهُ ألوان الطبيخ، وَقَالَ يَوْم ملك وعقد التاج عَلَى رأسه: نحن متقدمون فِي عُمَارَة مَا أخربه الساحر فريساب. وَكَانَ جميع ملك زو ثَلاث سنين، ملك ابنه بعده كيقباد، وَكَانَ يشبه فرعون فِي الكبر. وجاء بأولاد جبابرة، وسمى المدن بأسمائها، وجرت بينه وبين الترك وغيرهم حروب كثيرة، وَكَانَ نازلا بالقرب من نهر بلخ ليمنع الترك أَن يتطرقوا إِلَى حدود فارس، وَكَانَ ملكه مائة سَنَة، وَكَانَ القيم بأمر بَنِي إسرائيل يوشع، ثُمَّ كالب بْن يوفنا، ثُمَّ حزقيل. [ذكر حزقيل بْن بوزي] [٣] وَهُوَ الَّذِي يقال لَهُ ابْن العجوز، ويقال إِن ابْن العجوز أشمويل، والله أعلم. قَالَ ابْن إِسْحَاق [٤] : هُوَ حزقيل بْن بوذي، وإنما قيل لَهُ ابْن العجوز لأنها سألت الله الولد بَعْد مَا كبرت وعقمت فوهبه اللَّه لَهَا، فلذلك قيل ابْن العجوز، وَهُوَ الَّذِي دعى للقوم الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ٢: ٢٤٣.

стр. 360

قَالَ وهب بْن منبه [١] : أصاب ناسا من بَنِي إسرائيل بلاء وشدة/ من الزمان فشكوا مَا أصابهم، وَقَالُوا: يا ليتنا متنا فاسترحنا مِمَّا نحن فِيهِ، فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى حزقيل: إِن قومك صاحوا من البلاء وزعموا أنهم ودوا لو مَاتُوا فاستراحوا، وأي راحة لَهُمْ فِي الْمَوْت، أيظنون أني لا أقدر أَن أبعثهم بَعْد الْمَوْت، فانطلق إِلَى جبانة كَذَا وكذا فَإِن فِيهَا أربعة آلاف- قَالَ وهب: وَهُمْ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ٢: ٢٤٣ [٢]- فقم فيهم فنادهم، وكانت عظامهم قَدْ تفرقت، فرقتها الطير والسباع، فناداها حزقيل، فَقَالَ: يا أيتها العظام، إِن اللَّه يأمرك أَن تجتمعي، فاجتمع عظام كُل إِنْسَان مِنْهُم، ثُمَّ نادى ثانية فَقَالَ: أيتها العظام إِن اللَّه يأمرك أَن تكتسي اللحم، فاكتست اللحم، وبعد اللحم جلدا، فكانت أجسادا، ثُمَّ نادى الثالثة أيتها الأرواح إِن اللَّه يأمرك أَن تعودي فِي أجسادك، فقاموا بإذن اللَّه وكبروا تكبيرة واحدة. وَقَالَ السدي عَنْ أشياخه [٣] : كانت قرية يقال لَهَا داوردان وقع بها الطاعون فهرب عامة أهلها، فهلك من بقي فِي القرية وسلم الآخرون، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فَقَالَ الَّذِين سلموا: أَصْحَابنا هَؤُلاءِ كَانُوا أحزم منا، لو صنعنا كَمَا صنعوا بقينا! ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم. فوقع فِي قابل فخرجوا [٤] وَهُمْ بضعة وستون ألفا حَتَّى نزلوا ذَلِكَ المكان، وَهُوَ واد أفيح، فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه: موتوا، فماتوا. فمر بهم نبي يقال لَهُ هزقيل [٥] ، فوقف عَلَيْهِم وجعل يفكر فيهم، فأوحى اللَّه إليه: أتريد أن أريك كَيْفَ أحييهم؟ قَالَ: نعم، فقيل لَهُ: ناد، فنادى: يا أيتها العظام إِن اللَّه يأمرك أَن تجتمعي، فجعلت العظام يطير بَعْضهَا إِلَى بَعْض حَتَّى كانت أجسادا من عظام، ثُمَّ أوحى إِلَيْهِ أَن ناد: يا أيتها العظام إِن اللَّه يأمرك أَن تكتسي لحما ودما، ثم قيل له: ناد، فنادى يا أيتها الأجساد إن الله يأمرك أَن تقومي، فقاموا.

стр. 361

قَالَ مجاهد [١] : قَالُوا حِينَ أحيوا: سبحانك ربنا ونحمدك لا إله إلا أَنْتَ فرجعوا إِلَى قومهم أحياء، سحنة الْمَوْت عَلَى وجوههم، لا يلبسون ثوبا إلا عاد دسما [٢] مثل الكفن. حَتَّى مَاتُوا لآجالهم الَّتِي كتبت لَهُمْ. [ذكر الملوك] [٣] الَّتِي كانت فِي زمن حزقيل إنه كان في زمن حزقيل] [٤] من الملوك: نصر البابلي، وَهُوَ الَّذِي أفنى ملوك أَهْل هَذَا الزمان، لأنه كَانَ يفتح الحصون ويقتل من فِيهَا، وَكَانَ فِي هَذَا الزمان عدة من الأنبياء، مِنْهُم: أرمياء، ودانيال، فلما هربت اليهود من نصر إِلَى مصر أخذوا معهم أرمياء ودانيال، فلما أهبطوه أرض مصر قتلوه، ومضى قوم مِنْهُم إِلَى أرض بابل فوثبوا بحزقيل فقتلوه وقبروه هناك. ولما قبض حزقيل- وَلَمْ يذكر مدة بقائه فِي بَنِي إسرائيل- كثرت فيهم الأحداث، فبعث اللَّه إليهم إلياس، وَبَعْض الْعُلَمَاء يجعل حزقيل بَعْد إلياس، فالاخْتِلاف فِي تقديم الأنبياء وتأخيرهم متفاوت بَيْنَ النقلة، ونحن نتخير الأصوب عندنا. [ذكر إلياس ﵇] [٥] قَالَ ابْن إِسْحَاق [٦] : لما قبض اللَّه حزقيل عظمت الأحداث فِي بَنِي إسرائيل فنسوا مَا كَانَ اللَّه عهد إليهم حَتَّى نصبوا الأوثان وعبدوها من دُونَ اللَّه بعث إليهم إلياس بْن ياسين بْن فنحاص بْن العيزار بْن هَارُون بْن عمران. وَقَالَ وهب: إلياس بْن العازر بْن العيزار بْن هارون.

стр. 362

وَقَالَ الطبري: إلياس بْن ياسين بْن فنحاص بْن العيزار بْن هَارُون. وَقَالَ أَحْمَد بْن جَعْفَر بْن المنادي: إلياس بْن يشين بْن العازر بْن هَارُون. نقلته من خطه وضبطه. قَالَ: وَهُوَ إلياس، وَهُوَ إلياسين، وَهُوَ إدراسين، وَهَذَا فِي قراءة ابْن مَسْعُود. وإنما كانت الأنبياء تبعث من بَنِي إسرائيل بَعْد موسى لتجديد مَا نسوا من التوراة وَقَدْ بعث اللَّه بَيْنَ موسى وعيسى ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم، وَلَمْ يكن بينهم فترة. وَكَانَ بنو إسرائيل قَدِ اتخذوا صنما يسمونه بعلا. قَالَ نعيم بْن أَبِي: مذ كَانَ رجل من الملوك يغزو فأطال الغيبة مرة عَنِ امرأته فاشتاقت إِلَيْهِ، فصاغت رجلا من ذهب وفضة، وألبسته ثياب زوجها وعممته وقلدته السَّيْف وأقعدته عَلَى سرير زوجها وحجبته وأقامت عَلَيْهِ الحرس، ثُمَّ جمعت أَهْل أرضها، وكانوا يعبدُونَ الأوثان، فَقَالَتْ: إِن هذه الأوثان الَّتِي فِي أيديكم باطل فاطرحوها، وإنما إلهكم البعل، فإذا كشفت لكم عَنْهُ فاسجدوا لَهُ، فكشفت لَهُمْ عَنْهُ فسجدوا وعبدوه، وكتبت إِلَى زوجها تخبره بِمَا صنعت. فكتب إِلَيْهَا: قَدْ أصبت، ثُمَّ قدم فعبد وسجد لَهُ، فبعث اللَّه إليهم إلياس يدعوهم إِلَى اللَّه سبحانه، وجعلوا لا يَسْمَعُونَ منه. قَالَ ابْن إِسْحَاق [١] : فأوحى اللَّه إِلَيْهِ: قَدْ جعلنا أمر أرزاقهم بيدك فدعا عَلَيْهِم أَن يمسك عَنْهُمُ القطر فحبس عَنْهُم ثَلاث سنين حَتَّى هلكت المواشي والهوام والشجر. وَكَانَ قَدِ استخفى خوفا عَلَى نَفْسه من أجل دعائه عَلَيْهِم، وَكَانَ حيث مَا كَانَ يوضع لَهُ رزقه، فمنع الرزق ثلاثا فبكى فنودي: أتبكي لجوع ثلاثة أَيَّام وقومك يموتون جوعا فارجع إليهم. وكانوا إِذَا وجدوا ريح الخبز فِي دار قَالُوا: لَقَدْ دَخَلَ إلياس هَذَا المكان فيلقى أَهْل ذَلِكَ المنزل مِنْهُم شرا. فأوى ليلة إِلَى امرأة من بَنِي إسرائيل لَهَا ابن يقال له: اليسع بن

стр. 363

أخطوب، بِهِ ضر، فآوته وأخفت أمره، فدعا لابنها فعوفي من الضر، واتبع إلياس فآمن به وصدقه ولازمه، فأوحى اللَّه إِلَى إلياس: إنك قَدْ أهلكت كثيرا من الخلق لَمْ يعص من الدواب والبهائم والطير، فَقَالَ: يا رب دعني أكن أنا الَّذِي أدعو لَهُمْ وآتيهم بالفرج لعلهم ينزعون عما هُمْ عَلَيْهِ، قيل لَهُ: نعم. فجاء إِلَى بَنِي إسرائيل، فَقَالَ: إنكم قَدْ هلكتم جهدا وهلكت البهائم والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم عَلَى باطل، فَإِن كنتم تحبون أَن تعلموا ذَلِكَ، وتعلموا أَن اللَّه عليكم ساخط، وإن الَّذِي أدعوكم إِلَيْهِ الحق. فاخرجوا بأصنامكم هذه الَّتِي تعبدُونَ فَإِن استجابت لكم فذلك كَمَا تَقُولُونَ، وإن لَمْ تفعل علمتم أنكم عَلَى باطل فنزعتم ودعوت اللَّه ففرج عنكم مَا أنتم فِيهِ من البلاء، قَالُوا: أنصفت. فخرجوا بأوثانهم فدعوها فلم تستجب لَهُمْ، فعرفوا مَا هُمْ فِيهِ من الضلالة، ثُمّ قَالُوا: ادع لنا، فدعا لَهُمْ بالفرج مِمَّا هُمْ فِيهِ وأن يسقوا. فخرجت سحابة وَهُمْ ينظرون، ثُمَّ أرسل اللَّه المطر فأغاثهم ففرج عَنْهُم مَا كَانُوا فِيهِ من البلاء، فلم يرجعوا وأقاموا عَلَى أخبث مَا كَانُوا عَلَيْهِ. فلما رأى ذَلِكَ إلياس من كفرهم دعا ربه أَن يقبضه إِلَيْهِ فيريحه مِنْهُم، فقيل لَهُ: انظر يَوْم كَذَا فاخرج فِيهِ إِلَى بلد كَذَا فَمَا جاءك من شَيْء فاركبه ولا تهبه. فخرج وخرج مَعَهُ إليسع حَتَّى إِذَا كَانَ بالبلد الَّذِي ذكر لَهُ، فِي المكان الَّذِي أمر بِهِ أقبل فرس من نار حَتَّى وقف بَيْنَ يديه، فوثب عَلَيْهِ فانطلق، فكساه الله الريش وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار فِي الْمَلائِكَة فكان إنسيا ملكيا سحابيا أرضيا، وسميت الأَرْض الَّتِي كَانُوا فِيهَا بعلبك باسم الصنم الَّذِي اسمه البعل. [ذكر من كَانَ بَعْد إلياس] [١] قَدِ اختلف الْعُلَمَاء فيمن كَانَ بَعْد إلياس. فَقَالَ الْحَسَن ووهب: نبي بَعْد إلياس اليسع، وَقَدْ عولنا/ على ذلك.

стр. 364

وَقَدْ حكى أَبُو الْحُسَيْن بْن المنادي: أَن قوما قَالُوا: بَل كَانَ بَعْد إلياس يُونُس. قال: وقالوا: ان يُونُس بَعْد سُلَيْمَان، وأيوب بَعْد سُلَيْمَان أَيْضًا. وذكر ابْن أَبِي خيثمة أَن أيوب كَانَ بَعْد سُلَيْمَان، وأن يُونُس بَعْد أيوب. ونحن نتخير من هَذَا الاخْتِلاف فِي الترتيب أقربه إِلَى الصواب. والله الموفق. وَهَذَا اليسع هُوَ اليسع بْن عدي بْن شويلخ بْن افرائيم بْن يُوسُف بْن يعقوب. وَقَالَ وهب بْن منبه: هُوَ اليسع بْن خطوب، ويقال: ابْن أخطوب. كَانَ يتيما مضرورا فانقطع إِلَى إلياس وآمن بِهِ، فدعي اللَّه لَهُ فكشف عَنْهُ ضره، وأتاه الحكمة والنبوة، فبعث إِلَى بَنِي إسرائيل، فمكث فيهم زمانا يدعوهم إِلَى التوحيد وأن يتمسكوا بمنهاج إلياس وشريعته، فلم يزل كَذَلِكَ حَتَّى قبضه اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ فرق بَعْض الْعُلَمَاء بَيْنَ إليسع الَّذِي صحب إلياس وبين ابْن أخطوب، فَقَالَ: هما اثنان، وابن أخطوب لَمْ يصحب إلياس، وَلَمْ يذكر فِي الْقُرْآن. [ذكر من كَانَ] [١] بَعْد اليسع قَالَ وهب: قام بَعْد إليسع شاب اسمه شمعون من أفاضل بَنِي إسرائيل، ثُمَّ استخلف عَلَيْهِم رجلا يقال لَهُ عيلوق وَهُوَ ابْن ستين سَنَة، فأقام لَهُمُ الحق أربعين سَنَة، فتمت لَهُ مائة سنة، وكان له ابنان يأخذان الرشوة ويفعلان الفسق فاستبدل اللَّه بِهِ أشموئيل. أَنْبَأَنَا ثَابِتُ بْنُ بِنْدَارِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ دوما، قَالَ: أَخْبَرَنَا مخلد بْن جَعْفَر، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إسماعيل بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَشِيرٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: إِنَّمَا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى عيلوق أَنَّهُ رأى ابنا لَهُ يتعاطى من أمر النِّسَاء مَا لا يحل لَهُ، فَقَالَ: مهلا يا بَنِي، فغضب عَلَيْهِ ربه

стр. 365

وَقَالَ: لَمْ يكن من غضبك حَتَّى انتهكت محارمي إلا أنك قُلْت مهلا يا بَنِي. فسقط عن سريره، فانقطع نخاعه وأسقطت إمارته. وقتل ابْن لَهُ فِي جيش كَانَ بعثه، وَكَانَ معهم التابوت، وَكَانَ عدوهم العمالقة فظهروا عَلَيْهِم وسبوا التابوت، وحولت النبوة والخلافة إِلَى أشموئيل. وَفِي رواية عَنْ وهب بْن منبه [١] قَالَ: لما قبض اللَّه أليسع عظمت الخطايا فِي بَنِي إسرائيل وعندهم التابوت يتوارثونه كابرا عَنْ كابر وفيه السكينة وبقية مِمَّا ترك آل موسى وآل هَارُون، وكانوا لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت ويزحفون بِهِ معهم إلا هزم اللَّه ذَلِكَ العدو. ثُمَّ خلف فيهم ملك يقال لَهُ إيلاف، فكانوا إِذَا نزل بهم عدو فخرجوا إِلَيْهِ وأخرجوا التابوت، فنزل بهم عدو فأخذ من أيدهم التابوت، فأخبر ملكهم إيلاف بأخذ التابوت فمات كمدا، ووطئهم عدوهم حَتَّى أصيب من أبنائهم ونسائهم، فمكثوا عَلَى اضطراب من أمرهم، واختلال من أحوالهم يتمادُونَ فِي غيهم وضلالهم فسلط عليهم من ينتقم منهم، ثم يراجعون التوبة فيكف [اللَّه] [٢] عَنْهُم شر من يبغيهم إِلَى أَن بعث اللَّه تَعَالَى أشموئيل. فبعث فِي زمانه طالوت ملكا، فاستخلص التابوت، وَكَانَ أمرهم من مدة وفاة يوشع تارة إلى ما ذَكَرْنَا من الأنبياء، وتارة إِلَى القضاة، وتارة إِلَى الساسة، وتارة إِلَى عدو يقهرهم، إِلَى أَن عاد الْمَلِك والنبوة إليهم بأشموئيل، فكانت تلك المدة أربعمائة وستين سَنَة. وَكَانَ أول من ملكهم فِي هذه المدة رجلا من نسل لوط يقال له «كوسان» ، فقهرهم وأذلهم ثماني سنين ثُمَّ أخذه من يده أخ لكالب الأصغر يقال لَهُ «عثانيل بْن يوفنا» [٣] ، فقام بأمرهم أربعين سَنَة، ثُمَّ سلط اللَّه عَلَيْهِم ملكا يقال لَهُ «جعلون» ويقال «أعلون» ، فملكهم [٤] ثماني عشرة سَنَة. ثُمَّ ملك بعده «أيلون» من ولد إفرائيم خمسا وخمسين سنة،

стр. 366

فقال إنه لما تمت لَهُ خمس وثلاثون سَنَة من ملكه عَلَيْهِم تمت للعالم أربعة آلاف سَنَة. ثُمَّ ملكهم رجل من سبط بنيامين يقال لَهُ «أهوز بْن حنو الأشل» [١] ، فقام بأمرهم ثمانين سنة، ثم سلط عَلَيْهِم ملك من الكنعانيين يقال لَهُ «يافين» فملكهم عشرين سَنَة. ثُمَّ استنقذتهم امْرَأَة نبي من أنبيائهم يقال لَهَا «ديوار» ، فدبر أمرهم من قبلها رجل يقال لَهُ «باراق» أربعين سَنَة، ثُمَّ سلط عَلَيْهِم قوم من نسل لوط فملكوهم سبع سنين. ثُمَّ أنقذهم مِنْهُم رجل من ولد نفثالي بْن يعقوب يقال لَهُ «جدعون بْن برانس» [٢] فدبر أمرهم أربعين سَنَة، ثُمَّ دبر أمرهم [من] [٣] بَعْد ابنه أبيملك [٤]- وقيل إنه ابْن عمه- ثلاثا وعشرين سَنَة، ثُمَّ دبرهم بعده رجل من بَنِي إسرائيل يقال لَهُ «بابين» [٥] اثنتين وعشرين سَنَة. ثُمَّ ملكهم بعده بنو عمون، وَهُمْ قوم من أَهْل فلسطين ثماني عشرة سَنَة، ثُمَّ قام بأمرهم رجل مِنْهُم يقال لَهُ «يفتح» ستّ سنين. ثُمَّ دبرهم من بعده «ألون» عشر سنين، ثُمَّ دبر أمرهم يحنون وَهُوَ رجل من بَنِي إسرائيل، ثُمَّ دبرهم من بعده «ليزون» ، ويسميه بَعْضهم عكرون ثماني سنين، ثم قهرهم أهل فلسطين وملكوهم أربعين سَنَة. ثُمَّ وليهم شمشون عشرين سَنَة ثُمَّ بقوا بغير رئيس ولا مدبر عشر سنين. ثُمَّ دبر أمرهم بَعْد ذَلِكَ عالي الكاهن، وَفِي أيامه غلب أَهْل غزة وعسقلان عَلَى التابوت، ثُمَّ مضى من وقت قيامه بأمرهم أربعون سَنَة بعث شمويل نبيا فدبر أمرهم عشر سنين. ثُمَّ سألوه حِينَ نالهم بالذل والهوان [بمعصيتهم ربهم] [٦] أعداؤهم أَن يبعث لَهُمْ ملكا معهم فِي سبيل اللَّه فبعث لهم طالوت.

стр. 367

[ذكر ذي الكفل] [١] اختلفوا هل كَانَ نبيا أم لا عَلَى قولين: أحدهما: إنه لَمْ يكن نبيا إِنَّمَا كَانَ عبدا صالحا. قاله أَبُو موسى الأشعري، ومجاهد فِي آخرين. ثُمَّ اختلف هَؤُلاءِ فِي علة تسميته بذي الكفل على ثلاثة أقوال: أحدها: أَن رجلا كَانَ يصلي كُل يَوْم مائة صلاة فتوفي فكفل هَذَا بصلاته، فسمي ذا الكفل. قاله أَبُو موسى. وَالثَّانِي: أَنَّهُ تكفل للنبي بقومه أَن يكفيه أمرهم وتعهد أَن يقضي بينهم بالعدل ففعل، فسمي ذا الكفل. قاله مجاهد. والثالث: أَن ملكا قتل في يوم ثلاثمائة نبي وفر منه مائة نبي فكفلهم ذو الكفل يطعمهم ويسقيهم حَتَّى أفلتوا. فسمي ذا الكفل، قاله ابْن السائب. والقول الثَّانِي: إنه كَانَ نبيا. قاله الْحَسَن وعطاء وأهل الكتاب. وَقَدْ رَوَى الضَّحَّاك عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَن ذا الكفل هُوَ يوشع بْن نون. وَفِي رواية عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ ذو الكفل من أولاد أيوب، فأرسله اللَّه تَعَالَى داعيا إِلَى توحيده بالشام. وَقَالَ غيره: هُوَ اليسع بْن أخطوب، وَكَانَ قبل دَاوُد. قَالَ وهب: كَانَ بَعْد اليسع. قَالَ عَطَاء: وإنما سمي بذي الكفل لأن اللَّه تَعَالَى أوحى إِلَى نبي من الأنبياء: إني أريد أَن أقبض روحك، فاعرض ملكك عَلَى بَنِي إسرائيل، فمن تكفل لَكَ بأنه يصلي الليل لا يفتر ويصوم النهار لا يفطر، ويقضي بَيْنَ النَّاس فلا يغضب فارفع ملكك إِلَيْهِ ففعل ذَلِكَ، فقام شاب، فَقَالَ: أنا أتكفل لَكَ بِهَذَا، فكفل بِهِ فوفى. وحكى بَعْض علماء السير: أَنَّهُ كَانَ فِي زمن ذي الكفل جبار من العماليق فدعاه ذو الكفل إِلَى الإيمان وضمن لَهُ الْجَنَّة، فَقَالَ: من كفل لي بِذَلِكَ، قَالَ: أنا، وكتب لَهُ كتابا تكفل لَهُ بالجنة إِن هُوَ آمن. فترك الْمَلِك ملكه ولحق بالنساك. فلما مَات دفن الكتاب مَعَهُ، فبعث اللَّه الكتاب إِلَى ذي الكفل وأخبره أَنَّهُ وَفِي الْمَلِك بِمَا ضمن لَهُ، فآمن بِهِ مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا وتكفل لَهُمْ بمثل مَا تكفل لملكهم، فسماه الله تعالى ذا

стр. 368

الكفل. وأقام ذو الكفل عمره بالشام حَتَّى مَات وَهُوَ ابْن خمس وسبعين/ سَنَة [١] . [ذكر خبر أسا بْن إبيا وزرح الهندي] [٢] قَالَ وهب بْن منبه: كَانَ ملك من ملوك بَنِي إسرائيل يقال لَهُ «أسا بْن [٣] أبيا» ، وَكَانَ رجلا صالحا. وَكَانَ [ملك] [٤] من ملوك الهند يقال لَهُ «زرح» ، وَكَانَ جبارا فاسقا يدعو النَّاس إِلَى عبادته. وَكَانَ أسا لما ملك بعث مناديا فنادى: ألا إِن الكفر قَدْ مَات وأهله، وعاش الإيمان وأهله، وانتكست الأصنام وعبادتها، وظهرت طاعة اللَّه وأعمالها، فليس كافر من بني إسرائيل يطلع رأسه بَعْد اليوم بكفر فِي ولايتي إلا قتلته. فَإِن الطوفان لَمْ يغرق الدنيا وأهلها، وَلَمْ يخسف القرى بمن فِيهَا، وَلَمْ تمطر الحجارة والنار من السماء إلا بترك طاعة اللَّه وإظهار معصيته، فمن أجل ذَلِكَ يعمل بها ولا تترك طاعة إلا أظهرنا جهدنا، حَتَّى تطهر الأَرْض من نجسها وننقيها من دنسها، ونجاهد من خالفنا فِي ذَلِكَ بالحرب والنفي من بلادنا. فلما سمع قومه ذَلِكَ ضجوا وكرهوا [٥] ، فأتوا أمه [٦] فشكوا إِلَيْهَا فعله، فأتته فعاتبته عَلَى ذَلِكَ ووبخته إذ دعا قومه إِلَى ترك دينهم. فغضب ودعاها إِلَى الصواب فأبت، فَقَالَ: إِن قولك هَذَا قَدْ قطع مَا بيني وبينك. ثُمَّ أمر بإخراجها وتغريبها، وَقَالَ لصاحب شرطته إِن هِيَ ألمت بِهَذَا المكان فاقتلها. فلما رأى قومه مَا فعل بأمه ذلوا وأذعنوا لَهُ بالطاعة واحتالوا لَهُ بكل حيلة، فحفظه

стр. 369

اللَّه من شرهم، فائتمروا أَن يهربوا من بلاده، فخرجوا متوجهين إِلَى زرح ملك الهند. فلما دخلوا عليه سجدوا وشكو إِلَيْهِ مَا جرى عَلَيْهِم، وَقَالُوا: أَنْتَ أولى بملكنا، فَقَالَ: مَا كُنْت مجيبكم ( [١] إِلَى مقاتلة قوم لعلكم أطوع لي منكم، حَتَّى أبعث إليهم أمناء، فإن كان الأمر على مَا قلتم نفعكم ذَلِكَ عندي وإلا أنزلت بكم العقوبة. فاختار من قومه جواسيس ليعلموا علم الْقَوْم ويبحثوا لَهُ عَنْ شأن تلك الأَرْض. فجهزهم وأعطاهم جواهر وكسوة ليبيعوا ذَلِكَ هنالك. فساروا كالتجار حتى فصلوا عَلَيْهِم ودعوا النَّاس إِلَى أَن يشتروا [٢] مِنْهُم. وَكَانَ أسا الْمَلِك قَدْ تقدم إِلَى نساء بَنِي إسرائيل إنه إِن رأى امرأة لا زوج لَهَا بهيئة امْرَأَة لَهَا زوج قتلها أَوْ نفاها، لأن إِبْلِيس لَمْ يدخل عَلَى أهل الدين في دينهم بأشد من مكيدة النِّسَاء. فكانت المرأة الَّتِي لا زوج لَهَا لا تخرج إلا فِي ثياب رثة، فكان النِّسَاء يشترين من هذه الأمتعة سرا بالليل، وَلَمْ يزل أولئك ينظرون فِي أحوال المدينة حَتَّى عرفوا جميع أخبارها، فكانوا قَدْ ستروا محاسن مَا معهم ليجعلوه هدية للملك، فَقَالُوا لِلنَّاسِ: مَا بال الْمَلِك لا يشتري منا شَيْئًا وعندنا من الطرائف، ثُمَّ نحن نعطيه بغير ثمن. فَقَالُوا لَهُمْ: إِن لَهُ من الخزائن مَا لا يقدر عَلَى مثله، إنه استفرغ الخزائن الَّتِي سار بها موسى من مصر، والحلي الَّذِي كَانَ بنو إسرائيل أخذوا، وَمَا جمع يوشع وسليمان والملوك. قَالُوا: فبماذا يقاتل عدوا إِن عرض لَهُ؟ فَقَالُوا لَهُمْ: إِن عدته للقتال قليلة، غَيْر أَن لَهُ صديقا لو استعان بِهِ عَلَى أَن يزيل ( [٣] الجبال أزالها، فَإِذَا كَانَ مَعَهُ صديقه فليس شَيْء من الخلق يطيقه. قَالُوا: ومن صديقه وكم عدد جنوده؟ قَالُوا: لا تحصى جنوده، وكل شَيْء من الخلق لَهُ، لو أمر البَحْر لطم [عَلَى البر] [٤] . فدخل بَعْض الجواسيس عَلَى أسا الْمَلِك، وَقَالَ: إِن معنا هدية نريد أَن نهديها لَكَ من طرائف، أَوْ تشتري منا فنرخصه عليك.

стр. 370

قَالَ: ائتوني بِهِ، فلما أتوه بِهِ، قَالَ: هل يبقى هَذَا لأحد أَوْ يبقون لَهُ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فلا حاجة لي بِهِ، إِنَّمَا طلبي لما يتبقى. فساروا من بَيْت المقدس متوجهين إِلَى زرح ملكهم فأخبروه الْخَبَر، فَقَالَ: إِن صديق أسا لا يطيق أَن يَأْتِي بأكثر من جندي، ولا بأكمل من عدتي. ثُمَّ جمع العساكر ألف ألف ومائة ألف سِوَى أَهْل بلاده، ثُمَّ أمر بمائة مركب، فقرن لَهُ البغال، كُل أربعة أبغل جميعا عَلَيْهَا سرير وقبة، وَفِي كُل قبة منهن جارية، ومع كُل مركب عشرة من الخدم، وخمسة أفيال من فيلته، وجعل خاصته الَّذِي يركبون مَعَهُ مائة ألف. ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ صديق أسا؟ هل يستطيع أَن يعصمه مني، فبلغ الْخَبَر أسا، فدعى ربه فَقَالَ: اللَّهمّ أنت القوي أنظر إِلَى ضعفنا وقوة عدُونَا فغرق عدُونَا فِي اليم كَمَا غرقت فرعون. ثُمَّ نام فرأى فِي المنام: أني قَدْ سمعت كلامك، وأني إِن غرقته لَمْ يعلم بنو إسرائيل كَيْفَ صنعت بهم، ولكن سأظهر لَكَ ولمن اتبعك فيهم قدرة حَتَّى أكفيك مئونتهم، وأهب لَكَ غنيمتهم حَتَّى يعلم أعداؤك أَن صديق أسا لا يطاق وليه، ولا يهزم جنده. فأرسل أسا إليهم طليعته، فرجعوا يقولون: لَمْ تر عيون بَنِي آدَم مثلهم ولا مثل فيلهم، فَقَدِ انقطع رجاؤنا. وجاء أَهْل البلد إِلَى أسا، فَقَالُوا: إنا خارجون بأجمعنا إِلَى هَؤُلاءِ الْقَوْم لعلهم يرحمونا. فَقَالَ: أما معاذ اللَّه أَن نلقي بأيدينا فِي أيدي الكفرة، قَالُوا: فاحتل لنا حيلة، واطلب إِلَى صديقك الَّذِي كنت تعدنا بنصره، فَإِن الصديق لا يسلم صديقه عَلَى مثل هَذَا، فدخل أسا المصلى، ووضع تاجه وحل ثيابه ولبس المسوح وافترش الرماد، ثُمَّ أخذ فِي الدعاء وجعل يقول: اللَّهمّ رب السموات السبع ورب العرش العظيم إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، أَنْتَ الَّذِي لا يطيق كنه عظمتك بشر، أسألك بالمسألة الَّتِي سألك بها إِبْرَاهِيم خليلك فأطفأت بها عَنْهُ النار، وبالدعاء الَّذِي دعاك بِهِ نجيك موسى فأنجيت بَنِي إسرائيل من الظلمة وأعتقتهم من العبودية، وبالتضرع الَّذِي تضرع لَكَ عبدك دَاوُد فرفعته ونصرته عَلَى جالوت، أَنْتَ محيي الموتى، فَقَدْ حل بنا كرب عظيم لا يطيق كشفه غيرك ولا حول ولا قوة إلا بك.

стр. 371

وجعل علماء بَنِي إسرائيل يدعون اللَّه ويقولون: اللَّهمّ أجب اليوم عبدك فَإِنَّهُ قَدِ اعتصم بك وحدك ولا تخل بينه وبين عدوك، واذكر حبه إياك، وفراقه أمه. فألقى اللَّه عَلَيْهِم النوم وَهُوَ فِي مصلاه ساجدا ثُمَّ أتاه آت من اللَّه تَعَالَى، فَقَالَ لَهُ: يا أسا إِن الحبيب لا يسلم حبيبه، وإن اللَّه تَعَالَى يَقُولُ: إني قَدْ ألقيت عليك محبتي، ووجب لَكَ نصري، وأنا الَّذِي أكفيك عدوك، فَإِنَّهُ لا يهون [من توكل] [١] عَلِي، ولا يضعف من تقوى بي، كنت تذكرني فِي الرخاء، وأسلمك فِي الشدائد، وكنت تدعوني آمنا، وأسلمك خائفا، أقسم لو كايدتك السموات/ وَالأَرْض بمن فيهن لجعلت لَكَ من جميع ذَلِكَ مخرجا، فإني معك، ولن يخلص إليك ولا إلى من معك أحد. فخرج أسا من مصلاه وَهُوَ يحمد اللَّه، مسفرا وجهه، فأخبرهم بِمَا قيل لَهُ فصدقه المؤمنون وكذبه المنافقون. فقدم رسل من زرح فدخلوا إيلياء ومعهم كتب إِلَى أسا فِيهَا شتم لَهُ ولقومه، وتكذيب باللَّه، وكتب فِيهَا: أَن ادع صديقك فليبارزني بجنوده. فلما قرأها دَخَلَ مصلاه، ونشرها بَيْنَ يدي اللَّه تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ: اللَّهمّ لَيْسَ بي شَيْء من الأشياء أحب إلي من لقائك، غَيْر أني أتخوف أَن يطفأ هَذَا النور الَّذِي أظهرته فِي أيامي هذه. فأوحى اللَّه إِلَيْهِ أَنَّهُ لا تبديل لكلماتي، ولا خلف لموعدي، فأخرج من مصلاك، ثُمَّ مر خيلك أَن تجتمع، ثُمَّ أخرج بهم وبمن اتبعك حَتَّى تقفوا عَلَى نشز [من الأَرْض] [٢] . فخرج فأخبرهم الْخَبَر وَمَا قيل لَهُ، فخرج اثنا عشر رجلا من رءوسهم، مَعَ كُل رجل [مِنْهُم] [٣] رهط من قومه، وودعوا أهاليهم وداع من لا يرجع إِلَى الدنيا، ووقفوا عَلَى رابية من الأَرْض فأبصرهم زرح، قَالَ: إِنَّمَا نهضت من بلادي وأنفقت أموالي لمثل هَؤُلاءِ، ثُمَّ دعا بالنفر الَّذِينَ قدموا عَلَيْهِ يشكون من أسا وقومه، فَقَالَ: زعمتم أن قومكم

стр. 372

كثير عددهم، وكذبتموني، ثُمَّ أمر بهم وبالأمناء الَّذِينَ بعث ليخبروه خبرهم، فقتلوا جميعا، ثُمَّ قَالَ: مَا أدري مَا أصنع بهؤلاء الْقَوْم، إني لأستقلهم عَنِ المحاربة، وأرى إِن رادني أَن أقاتلهم. فأرسل إِلَى أسا، فَقَالَ: أين صديقك الَّذِي كنت تعدنا بِهِ، أفتضعون أيديكم في يدي فأمضي فيكم حكمي، أَوْ تلتمسون قتالي. فأجابه أسا فَقَالَ: يا شقي إنك لست تعلم مَا تقول، أتريد أَن تغالب ربك بضعفك، أم تريد أَن تكاثره بقلتك؟ فاجتهد يا شقي بجهدك حَتَّى تعلم ماذا يحل بك. فأمر زرح الرماة أَن يرموهم، فردتها الْمَلائِكَة عَلَيْهِم، فأصابت كل رام نشابته، وتراءت الملائكة للخلق، فلما رآهم زرح وقع الرعب فِي قلبه وقال: إن أسا لعظيم كيده، ماض سحره، وَكَذَلِكَ بنو إسرائيل، حيث كَانُوا لا يغلب سحرهم ساحر، وَبِهِ ساروا فِي البحر، ثُمَّ نادى فِي قومه: هلموا سيوفكم واحملوا عَلَيْهِم حملة واحدة. فسلوا سيوفهم فقتلتهم الْمَلائِكَة فلم يبق غَيْر زرح ونسائه ورقيقه. فلما رأى ذَلِكَ ولى مدبرا وَهُوَ يَقُول: إِن أسا ظهر علانية، وأهلكني صديقه سرا، إني كنت أنظر إِلَى أسا ومن مَعَهُ لا يقاتلون والحرب واقعة فِي قومي. فلما رأى أسا أَن زرحا قَدْ ولى، قَالَ: اللَّهمّ إنك إِن لَمْ تخل بيني وبينه استنفر عَلَيْنَا قومه ثانية. فأوحى اللَّه إِلَيْهِ: إنك لَمْ تقتل من قتل مِنْهُم ولكني قتلتهم، [فقف مكانك، فإني لو خليت بينك وبينهم أهلكوكم جميعا، إِنَّمَا يتقلب] [١] زرح فِي قبضتي، وإني قَدْ وهبت لَكَ ولقومك عساكره وَمَا فِيهَا من فضة ومتاع ودابة، فهذا أجرك إِذَا اعتصمت بي. فسار زرح حَتَّى ركب البحر فغرق ومن مَعَهُ. [ذكر من ملك بعده] [٢] ملك بعده ابنه «بهوشافاظ» [٣] خمسا وعشرين سنة.

стр. 373

ثُمَّ ملكت «عثليا» ، ويقال: «عزليا بنت عمرم» [١] ، كانت قتلت أولاد ملوك بَنِي إسرائيل، فلم يبق فيهم إلا «يواش [٢] بْن أخزيا» ، فإنها طلبته فتوارى عَنْهَا ثُمَّ قتلها، وَكَانَ ملكها سبع سنين. ثُمَّ ملك «يواش» أربعين سَنَة. ثُمَّ ملك ابنه أمصيا [٣] تسعا وعشرين سَنَة، ثُمَّ قتله أَصْحَابه. ثُمَّ ملك ابنه «عوزيا» -[٤] ويقال لعوزيا: [غوزيا] [٥] اثنتين وخمسين سَنَة. ثُمَّ ملك بعده ابنه «يوثام» [٦] ست عشرة سَنَة. ثُمَّ ملك ابنه «أحاز» [٧] ست عشرة سنة. ثم ملك ابنه «حزقيا» ، وقيل إنه صاحب «شعثا» الَّذِي أعلمه شعيا انقضاء عمره فتضرع إِلَى ربه فزاده وأمهله، وأمر شعيا بإعلامه بِذَلِكَ. قَالَ ابْن إِسْحَاق: صاحب شعيا الّذي هذه قصته اسمه «صديقه» .

стр. 374

[ذكر يُونُس ﵇] [١] كَانَ يُونُس بَعْد سُلَيْمَان. وَبَعْض الْعُلَمَاء تجعل بينهما أيوب، وتقديم أيوب عَلَى مَا اخترنا أوضح. وَهُوَ يُونُس بْن مَتَى، ومتى أبوه، وَهُوَ من ولد بنيامين بْن يعقوب. وَكَانَ قبل النبوة من عباد بَنِي إسرائيل، هرب بدينه فنزل شاطئ دجلة، فبعثه الله نبيا إلى أَهْل نينوي من أرض الموصل وَهُوَ ابْن أربعين سَنَة، وكانوا جبارين. قَالَ وهب بْن منبه: فضاق بالرسالة ذرعا وشكى إِلَى الْمَلِك الّذي أتاه ضيق ذرعه، فأعلمه انه إِن أبلغتهم الرسالة فلم يستجيبوا لَهُ عذبهم اللَّه، وإن لَمْ يبلغهم أصابه مَا يصيبهم من العذاب، وإن الأجل أربعون يوما، فأنذرهم وأعلمهم بِهَذَا الأجل، فَقَالُوا لَهُ: إِن رأينا أسباب العذاب أصابك. ثُمَّ انصرفوا عَنْهُ عَلَى ذَلِكَ، فلما مضى من الميقات خمسة وثلاثون يوما غامت السماء غيما أسود يدخن، واسودت سطوحهم، فأيقنوا بالعذاب وبرزوا من القرية بأهليهم وبهائمهم، وفرقوا بَيْنَ كُل ذَات ولد وولدها، ثُمَّ تضرعوا إِلَى ربهم فرحمهم اللَّه تَعَالَى وقبل توبتهم. ثُمَّ إِن يُونُس ساح فرأى راعيا فِي فلاة فسقاه لبنا وَهُوَ مستند إِلَى صخرة، فأعلمه إنه يُونُس وأمره أَن يقرأ عَلَى قومه السَّلام، فَقَالَ: يا نبي اللَّه لا أستطيع لأن من كذب منا قتل. قَالَ: فَإِن كذبوك فالشاة الَّتِي سقيتني من لبنها وعصاك والصخرة يشهدُونَ لَكَ. فأتاهم الراعي فأخبرهم فأنكروا قوله، فأنطق الشاة والعصى والصخرة فشهدوا لَهُ فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ خيرنا حِينَ نظرت إِلَى نبينا فملكوه عَلَيْهِم أربعين سَنَة. وَرَوَى عَمْرو بْن ميمون، عَنِ ابْن مَسْعُود، قَالَ: كَانَ يُونُس قَدْ وعد قومه العذاب،

стр. 375

وأخبرهم أَنَّهُ يأتيهم إِلَى ثلاثة أَيَّام، ففرقوا بَيْنَ كُل والدة وولدها يجاورون إِلَى اللَّه، فكف اللَّه عَنْهُم العذاب، فلم ير شَيْئًا، وَكَانَ من كذب وَلَمْ تكن لَهُ بينة قتل. فانطلق مغاضبا فركب سفينة فركدت والسفن تسير يمينا وشمالا، فَقَالُوا: مَا لسفينتكم؟ قَالُوا: مَا ندري، فَقَالَ يُونُس: إِن فِيهَا عبدا آبق من ربه، وإنها لا تسير بكم حتى تلقونه، قالوا: أما أَنْتَ يا نبي اللَّه فلا والله لا نلقيك، فَقَالَ: اقترعوا، فغلب ثَلاث مرات. فوقع فابتلعه الحوت وأهوى بِهِ إِلَى قرار الأَرْض، فسمع يُونُس تسبيح الحصى، فنادى فِي الظلمات، ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر، فنبذ بالعراء وَهُوَ سقيم كهيئة الطائر الممعوط الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ ريش، فأنبت اللَّه عَلَيْهِ شجرة من يقطين [١] ، فكان يستظل تحتها ويصيب منها/ فيبس فبكى فأوحى إِلَيْهِ: أتبكي عَلَى شجرة أَن يبست ولا تبكي عَلَى مائة ألف أَوْ يزيدُونَ أَن تهلكهم. أَخْبَرَنَا سعيد بن أحمد بن البناء، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نصر مُحَمَّد بْن مُحَمَّد الزينبي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن عُمَر الوراق، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن السري التمار، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَن بْن عرفة، قَالَ: حَدَّثَنَا عبيد الله بْن مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَش، عَنْ عَمْرو بْن مُرَّةَ، عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث، قَالَ: لما التقم الحوت يُونُس نبذه إِلَى قرار الأرضين، فسمع تسبيح الحصى فِي الحمأة، فذلك الذي نابه. فنادى: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ من الظَّالِمِينَ ٢١: ٨٧ [٢] . وَفِي قدر مكثه فِي بطن الحوت خمسة أقوال: أحدها: أربعون يوما. قاله أَنَس بْن مَالِك، وابن جريج، والسدي. وَالثَّانِي: سبعة أَيَّام. قاله عَطَاء، وابن جُبَيْر. والثالث: ثلاثة أَيَّام. قاله مجاهد، وقتادة.

стр. 376

والرابع: عشرون يوما. قاله الضَّحَّاك. والخامس: بَعْض يَوْم. قاله الشَّعْبِي. [ذكر قصة شعيا بْن أمصيا وخراب بَيْت المقدس] [١] وَقَدْ جعلوه بَعْد يُونُس وقبل زَكَرِيَّا، وَهُوَ الَّذِي بشر بعيسى ومحمد صلى اللَّه عَلَيْهِم. قَالَ ابْن إِسْحَاق [٢] : هُوَ الَّذِي قَالَ لإيليا وَهِيَ قرية ببيت المقدس، واسمها «أوري شلم» ، فقال: أبشري أوري شلم، يأتيك [٣] الآن راكب الحمار، يَعْنِي عيسى، ويأتيك بعده راكب البعير، يعني محمدا ﷺ . وَقَالَ: كَانَ فِي بَنِي إسرائيل ملك يدعى صديقه، وَكَانَ إِذَا ملك الملك عليهم بعث الله تعالى نبيا يسدده ويرشده ويكون فيما بينه وبين اللَّه ، ولا تنزل عَلَيْهِم الكتب، إِنَّمَا يؤمرون باتباع التوراة. فلما ملك ذَلِكَ الْمَلِك بعث اللَّه مَعَهُ شعيا، فملك ذَلِكَ الْمَلِك بَنِي إسرائيل وَبَيْت المقدس زمانا. فلما انقضى ملكه عظمت فيهم الأحداث وشعيا مَعَهُ، فبعث اللَّه سنحاريث [٤] معه ستمائة ألف راية، فأقبل سابيا حَتَّى نزل [حول] [٥] بَيْت المقدس والملك مريض، فِي ساقه قرحة، فجاءه النَّبِيّ شعيا، فَقَالَ لَهُ: يا ملك بَنِي إسرائيل، إِن سنحاريث ملك بابل قَدْ نزل بك هو وجنوده ستمائة ألف راية، فكبر ذَلِكَ عَلَى الْمَلِك، فَقَالَ: يا نبي اللَّه، هل أتاك وحي من الله كيف يفعل الله بنا وبسنحاريث وجنوده؟ قَالَ: لا. فبينا هُمْ عَلَى ذَلِكَ أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى شعيا: أرأيت ملك بَنِي إسرائيل فمره أَن يوصي وصيته ويستخلف عَلَى ملكه من يشاء من أَهْل بيته.

стр. 377

فأتى النَّبِي شعيا ملك بَنِي إسرائيل فأخبره، فأقبل عَلَى القبلة فصلى وسبح ودعا وبكى، وَقَالَ وَهُوَ يبكي ويتضرع إِلَى اللَّه: زدني فِي عمري، فأوحى اللَّه إِلَى شعيا أَن يخبر الْمَلِك أَن ربه قَدْ رحمه وَقَدْ أخر أجله خمس عشرة سَنَة، وأنجاه من عدوه. فقال الملك لشعيا: سل ربك أن يجعل لنا علما بِمَا هُوَ صانع بعدُونَا هَذَا. قَالَ: فَقَالَ اللَّه لشعيا: قل لَهُ إني قَدْ كفيتك عدوك وأنجيتك مِنْهُم وأنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنحاريث وخمسة من كتابه. فلما أصبح جاء صارخ فصرخ عَلَى بَاب المدينة: يا ملك بَنِي إسرائيل، إِن اللَّه قَدْ كفاك عدوك، فاخرج فَإِن سنحاريث ومن مَعَهُ قَدْ هلكوا. فلما خرج [الْمَلِك] [١] التمس سنحاريث فلم يوجد فِي الموتى، فبعث الْمَلِك فِي طلبه، فأدركه الطلب في مغارة هو وخمسة من كتابه أحدهم نصر، فجعلوهم فِي الجوامع، ثُمَّ أتوا بهم ملك بَنِي إسرائيل، فلما رآهم خر ساجدا، ثُمَّ قَالَ لسنحاريث: كَيْفَ ترى فعل ربنا بكم؟ ألم يقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم غافلون! فَقَالَ سنحاريث لَهُ: قَدْ أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته الَّتِي رحمكم بها قبل أَن أخرج من بلادي، فلم أطع مرشدا وَلَمْ يلقني فِي الشقوة إلا قلة عقلي. فَقَالَ ملك بَنِي إسرائيل: إِن ربنا إِنَّمَا أبقاك ومن معك لتخبروا من وراءكم بِمَا رأيتم من فعل ربنا، ولتنذروا من بعدكم. ثُمَّ أمر أمِير حرسه فقذف فِي رقابهم الجوامع، وطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس، وكان يرزقهم فِي كُل يَوْم خبزتين من شعير لكل رجل مِنْهُم. فَقَالَ سنحاريث لملك بَنِي إسرائيل: القَتْل خير مِمَّا تفعل بنا، فافعل مَا أمرت. فأمر بهم إِلَى سجن القتل، فأوحى اللَّه إِلَى شعيا النَّبِي: أَن قل لملك بَنِي إسرائيل يرسل سنحاريث ومن مَعَهُ لينذروا من وراءهم، وليكرمهم وليحملهم حَتَّى يبلغوا بلادهم. فبلغ النَّبِي شعيا ذَلِكَ الْمَلِك، ففعل، فخرج سنحاريث ومن مَعَهُ حَتَّى قدموا بابل، فلما قدموا جمع النَّاس فأخبرهم كَيْفَ فعل اللَّه بجنوده، ثُمَّ لبث سنحاريث بَعْد ذَلِكَ سبع سنين ثُمَّ مات.

стр. 378

وَقَدْ زعم بَعْض أَهْل الكتاب أَن هَذَا الْمَلِك من بَنِي إسرائيل الَّذِي سار إِلَيْهِ سنحاريث كَانَ أعرج، وَكَانَ عرجه من عرق النسا، وأن سنحاريث إِنَّمَا طمع فِي مملكته لزمانته وضعفه، وأنه قَدْ كَانَ سار إِلَيْهِ قبل سنحاريب ملك من ملوك بابل يقال لَهُ «ليفر» ، وكان نصر ابْن عمه وكاتبه، وأن اللَّه أرسل عَلَيْهِ ريحا أهلكت جيشه، وأفلت هُوَ وكاتبه، وأن هَذَا البابلي قتله ابْن لَهُ، وأن نصر غضب لصاحبه فقتل ابنه الَّذِي قتل أباه، وأن سنحاريث سار بَعْد ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَكَانَ مسكنه نينوى مَعَ ملك أذربيجان يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ يدعى سلمان الأعسر، وأن سنحاريث وسلمان اختلفا، فتحاربا حَتَّى تفانى جنداهما، وصار مَا كَانَ معهما غنيمة لبني إسرائيل. وَقَالَ بَعْضهم: بَل الَّذِي غزاه سنحاريث حزقيا صاحب شعيا، وأنه لما أحاط ببيت المقدس بجنوده بعث اللَّه تَعَالَى ملكا، فقتل من أَصْحَابه فِي ليلة واحدة مائة ألف وخمسة وثمانين ألفا. وَكَانَ ملكه إِلَى أَن توفي تسعا وعشرين سَنَة. ثُمَّ ملك بعده ابنه «منشا [١] بْن حزقيا» إِلَى أَن توفي خمسا وخمسين سَنَة. ثُمَّ ملك بعده ابنه «أمون» [٢] إِلَى أَن قتله أَصْحَابه اثنتي عشرة سَنَة. ثُمَّ ملك ابنه «يوشيا» [٣] إِلَى أَن قتله فرعون المقعد ملك مصر إحدى وعشرين سَنَة. ثُمَّ ملك بعده ابنه «ياهواحاز» فغزاه فرعون المقعد فأسره وأشخصه إلى مصر، وملك «يوثاقيم بن ياهواحاز» عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أبوه، ووظف عَلَيْهِ خراجا يؤديه إِلَيْهِ، فبقي كَذَلِكَ اثنتي عشرة سَنَة. ثُمَّ ملك بعده ابنه «يوثاحين» ، فغزاه نصر، فأسره وأشخصه إِلَى بابل بَعْد ثلاثة أشهر من ملكه، وملك مكانه «شيا» عمه وسماه «صديقيا» فخالفه، فغزاه فظفر

стр. 379

بِهِ، فذبح ولده بَيْنَ يديه، وسمل عينيه وحمله إِلَى بابل، وخرب المدينة وسبى بَنِي إسرائيل وحملهم إِلَى بابل، فمكثوا بها إِلَى أَن ردهم إِلَى بَيْت/ المقدس كيرش بْن جاما سب» لقرابة كانت بينه وبينهم من قبل أمه، فكان جميع مَا ملك «صديقيا» إحدى عشرة سَنَة وثلاثة أشهر. ثُمَّ صار ملك بَيْت المقدس والشام «لأشتاسب بْن بهراسب» ، وعامله على ذلك كله نصر. وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق [١] : لما قبض اللَّه صديقه ملك بَنِي إسرائيل الّذي قد تقدم خبره، مرج أمر بين إسرائيل وتنافسوا الْمَلِك حَتَّى قتل بَعْضهم بَعْضًا ونبيهم شعيا معهم لا يقبلون منه. فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: قم فِي قومك أوح عَلَى لسانك، فلما قام أنطق اللَّه لسانه بالوحي فوعظهم وخوفهم الغير، بعد ما عدد عَلَيْهِم نعم اللَّه عَلَيْهِم. فلما فرغ من مقالته عدوا عَلَيْهِ، فهرب مِنْهُم، فلقيته شجرة، فانفلقت، فدخل فِيهَا وأدركه الشَّيْطَان، فأخذ بهدبة من ثوبه، فأراهم إياه، فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه فِي وسطها. [ذكر ملوك فارس] [٢] قَدْ ذَكَرْنَا ملوك بَنِي إسرائيل فِي ذَلِكَ الزمان، فأما ملوك فارس فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ ملك إقليم بابل والمشرق من ملوك فارس «كيقباذ» ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الملوك قبله فِي قصة يوشع. ثُمَّ ملك بعده «كيقابوس» ، وَكَانَ يسكن بلخ، وولد لَهُ ولد لَمْ ير أَحْسَن منه ولا أكمل، فسماه سياوخش، وَكَانَ قَدْ تزوج بنت «فراسياب» ملك الترك، فهويت سياوخش ودعته إِلَى نفسها، فامتنع فأفسدت مَا بينه وبين أَبِيهِ، فبعثه أبوه لحرب «فراسياب» لأمر جرى بينهما، فلما صار إِلَى هناك جرى بينه وبين ملك الترك صلح، فكتب إِلَى أَبِيهِ

стр. 380

يخبره، فكتب إِلَيْهِ أبوه يأمره بمناهضة «فراسياب» ، فرأى أَن الحرب بَعْد الصلح لا يحسن، فراسل فراسياب فِي أخذ الأمان منه، فأجابه وزوجه ابنته، فحملت منه فأشفق عَلَى ملكه منه لَمَّا رأى من كماله، وحرض عَلَيْهِ فقتله. فبلغ الْخَبَر أباه، فبعث من غزا الترك وأثخن فيهم، وجاء بزوجة ابنه وولدها، واسمه «كيخسرو» ، فقام بالملك بَعْد جده كيقابوس. ثُمَّ نهض طالبا بثأر أَبِيهِ، فلقي «فراسياب» ، فقتل بينهما مائة ألف، ثُمَّ ظفر «بفراسياب» فقتله. ثُمَّ زهد فِي الْمَلِك وتنسك بَعْد أَن ملك مملكة الفرس ستين سَنَة، وأعلم الوجوه من أهله بذلك، فجزعوا وتضرعوا إِلَيْهِ أَن لا يفعل، فلم يقبل منهم. قَالُوا: فسم لنا من يملك. وَكَانَ «لهراسب» حاضرا، فأشار إِلَيْهِ، فلما ولي الأمر بنى مدينة بَلْخ وأقام بها يقاتل الترك. ودُونَ الدواوين، وعمر الأَرْض، وجبى الخراج، وَكَانَ بعيد الهمة، محمود السيرة، تقر لَهُ الملوك بأنه ملكهم، وفي زمانه بعث «أرميا» . [ذكر قصة أرمياء] [١] وَهُوَ أرمياء الألف مضمومة، كَذَلِكَ قرأته عَلَى شيخنا أَبِي مَنْصُور اللغوي. أنبأنا يَحْيَى بْنُ ثَابِتِ بْنِ بُنْدَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبي، قال: أخبرنا أبو علي بن دوما، قال: أخبرنا مخلد بن جعفر، قال: أخبرنا الحسن بن علي القطان، قال: أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عيسى العطار، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حذيفة إِسْحَاق بْن بشر القرشي، قَالَ: حَدَّثَنَا إدريس، عن وهب: أَن أرمياء كَانَ غلاما من أبناء الملوك، وَكَانَ زاهدا، وَلَمْ يكن لأبيه ابْن غيره، وكان أبوه يعرض النكاح، وَكَانَ يأبى مخافة أَن يشغله عَنْ عُبَادَة ربه، فألح عَلَيْهِ أبوه وزوجه في أهل بَيْت من عظماء أَهْل مملكته، فلما دخلت عَلَيْهِ امرأته، قَالَ لَهَا: يا هذه، إني مسر إليك أمرا فَإِن كتمته عَلِي وسترته سترك اللَّه فِي الدنيا والآخرة، وإن أَنْتَ أفشيته قصمك

стр. 381

اللَّه فِي الدنيا والآخرة. قَالَتْ: فإني سأكتمه عليك، قَالَ: فإني لا أريد النِّسَاء. فأقامت مَعَهُ سَنَة، ثُمَّ إِن أباه أنكر ذَلِكَ، فسأله فَقَالَ: يا أبه مَا طال ذَلِكَ بَعْد، فدعى امرأته فسألها، فَقَالَتْ مثل ذَلِكَ، ففرق بينهما وزوجه امرأة فِي بَيْت أشرافهم فأدخلت عَلَيْهِ فاستكتمها أمره، فلما مضت سَنَة سأله أبوه مثل مَا سأل، فَقَالَ: مَا طال ذَلِكَ، فسأل المرأة فَقَالَتْ: كَيْفَ تحمل امرأة من غَيْر زوج مَا مسني؟ فغضب أبوه، فهرب منه. فبعثه اللَّه نبيا مَعَ «ناشية» ، و «ناشية» ملك. وَذَلِكَ حِينَ عظمت الأحداث فِي بَنِي إسرائيل وعملوا بالمعاصي، وقتلوا الأنبياء، وأوحى إِلَيْهِ: إني مهلك بَنِي إسرائيل ومنتقم مِنْهُم، فقم عَلَى صخرة بَيْت المقدس يأتيك أمري، فقام وجعل الرماد عَلَى رأسه وخر ساجدا، وَقَالَ: يا رب، وددت أَن أمي لَمْ تلدني حِينَ جعلتني آخر أنبياء بَنِي إسرائيل، فيكون خراب بَيْت المقدس وبوار بَنِي إسرائيل من أجلي، فقيل لَهُ: ارفع رأسك، فرفع رأسه وبكى ثُمّ قَالَ: يا رب من تسلط عَلَيْهِم؟ قَالَ: عبدة النيران لا يخافون عذابي ولا يرجون ثوابي، قم يا أرميا فاستمع حَتَّى أخبرك خبرك وخبر بَنِي إسرائيل: من قبل أَن أصورك قَدْ نبيتك، من قبل أَن أخرجك من بطن أمك طهرتك، ومن [قبل] [١] أَن تبلغ الأشد اخترتك، ولأمر عظيم اجتبيتك، فقم مَعَ الْمَلِك «ناشية» فسدده وأرشده فكان مَعَهُ يرشده، ويأتيه الوحي حَتَّى عظمت الأحداث ونسوا إنجاء اللَّه إياهم من عدوهم سنحاريث، فأوحى اللَّه إِلَى أرميا: قم فقص عَلَيْهِم مَا أمرتك بِهِ، وذكرهم نعمتي عَلَيْهِم، وعرفهم أحداثهم. فَقَالَ أرميا: يا رب إني ضعيف إِن لَمْ تقوني، عاجز إِن لَمْ تبلغني، مخطئ إِن لَمْ تسددني، مخذول إِن لَمْ تنصرني، ذليل إِن لَمْ تعزني. فَقَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُ: أولم تعلم أَن الأمور كلها تصدر عَنْ مشيئتي، وأن الخلق والأمر كُلهُ لي، وأن القلوب والألسنة كلها بيدي أقلبها كَيْفَ شئت فتطيعني، وأنا الله الّذي ليس شيء مثلي، قامت السموات وَالأَرْض وَمَا فيهن بكلمتي، وَلَمْ تتم المقدرة إلا لي، وَلَمْ يعلم مَا عندي غيري، وأنا الَّذِي كلمت البحار ففهمت قولي وأمرتها فعقلت

стр. 382

أمري، وحددت عَلَيْهَا حدودا فلا تعدو حدي، وإني معك ولن يصل إليك شَيْء معي، وإني بعثتك إِلَى خلق عظيم من خلقي لتبلغهم رسالاتي، مستوجبا بِذَلِكَ أجر من اتبعك مِنْهُم، ولا ينقص من أجورهم شَيْء، انطلق إِلَى قومك فقم فيهم وقل لَهُمْ إِن اللَّه ﵎ ذكركم بصلاح آبائكم، فلذلك استقاكم يا معشر أبناء الأنبياء ونسلهم، كيف وجد آباؤهم مغبة طاعتي، وكيف وجدوا هُمْ مغبة معصيتي، وهل وجدوا أحدا عصاني فسعد بمعصيتي، وهل علموا أحدا طاعني فشقي بطاعتي، إِن الدواب إِذَا ذكرت أوطانها/ الصالحة نزعت إِلَيْهَا، وإن هَؤُلاءِ الْقَوْم رتعوا فِي مروج الهلكة وتركوا الأمر الَّذِي بِهِ أكرمت آباءهم، وابتغوا الكرامة من غَيْر وجهها. أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادتي خولا يتعبدُونَهم [دُونَي] [١] ، ويحكمون فيهم بغير كتابي، حَتَّى أنسوهم ذكري، و [غيروا] [٢] سنني، فأدان لَهُمْ عبادي بالطاعة الَّتِي لا تنبغي إلا لي، فهم يطيعونهم فِي معصيتي. وَأَمَّا ملوكهم وأمراؤهم فبطروا نعمتي، وأمنوا مكري، وغرتهم الدُّنْيَا حَتَّى نبذوا كتابي، ويفترون عَلَى رسلي جرأة مِنْهُم عَلِي وغرة بي. فسبحان جلالي، وعلو مكاني، وعظمة شأني! وهل ينبغي لي أَن يَكُون لي شريك فِي ملكي؟ وهل ينبغي لبشر أَن يطاع فِي معصيتي؟ وهل ينبغي لي أَن أخلق عبادا أجعلهم أربابا من دُونَي، وآذن بطاعة لأحد لا تنبغي لأحد إلا لي. وَأَمَّا قراؤهم وفقهاؤهم فيدرسون مَا يتخيرون، فينقادُونَ للملوك فيتابعونهم عَلَى البدع الَّتِي يبتدعون فِي ديني، ويطيعونهم فِي معصيتي، ويوفون بعهودهم الناقضة لعهدي. وَأَمَّا أولاد النبيين فمقهورون ومفتونون، يخوضون مَعَ الخائضين، فيتمنون عَلِي مثل نصري أباءهم، والكرامة الَّتِي أكرمتهم بها، ويزعمون أَنَّهُ لا أحد أولى بِذَلِكَ مِنْهُم [مني] [٣] بغير صدق مِنْهُم، ولا تفكر، ولا يذكرون كَيْفَ كَانَ نصر آبائهم، وكيف كَانَ جهدهم فِي أمري، حين اغتر المغترون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم، فصبروا وصدقوا حَتَّى عز أمري، وظهر ديني، فتأنّيت بهؤلاء القوم لعلهم يستحيون مني

стр. 383

ويرجعون، فطولت عَلَيْهِم وصفحت عَنْهُم، فأكثرت ومددت لَهُمْ فِي العمر وأعذرت لعلهم يتذكرون، وكل ذَلِكَ أمطر عَلَيْهِم السماء، وأنبت لَهُمُ الأَرْض، وألبسهم العافية، وأظهرهم عَلَى العدو، فلا يزدادُونَ إلا طغيانا وبعدا مني. فحتى مَتَى، أَبِي يتمرسون، أم إياي يخادعون، أم علي يتجرءون، فإني أقسم بعزتي لأقيمن لَهُمْ فتنة يتحير فِيهَا الحكيم، ويضل فِيهَا رأي ذو الرأي، وحكمة الحكيم، ثُمَّ لأسلطن عَلَيْهِم جبارا قاسيا عاتيا، ألبسه الهيبة، وأنزع من صدره الرحمة والبيان، يتبعه عد وسواد مثل الليل المظلم [١] ، لَهُ فِيهِ عساكر مثل قطع السحاب، ومراكب مثل العجاج، كأن حفيف راياته طيران النسور، وحجل فرسانه كصوت العقبان [٢] ، يعيدُونَ العمران خرابا، والقرى وحشا، ويبعثون فِي الأَرْض فسادا، ويتبرون مَا علوا تتبيرا، قاسية قلوبهم لا يكترثون ولا يرقون ولا يرحمون، يجولون فِي الأسواق بأصوات مرتفعة مثل زئير الأسد تقشعر من هيبتها الجلود. فو عزتي لأعطلن بيوتهم من كتبي وقدسي ولأخلين مجالسهم من حَدِيثها ودروسها، ولأوحشن مساجدهم من عمارها وزوارها الَّذِينَ كَانُوا يتزينون بعمارتها لغيري، ويتعبدُونَ فِيهَا لكسب الدنيا بالدين، ويتفقهون فِيهَا لغير الدين، ويتعلمون فِيهَا لغير العمل. لأبدلن ملوكها بالعز الذل، وبالأمن الخوف، وبالغنى الفقر، وبالنعمة الجوع، وبطول العافية والرخاء ألوان البلاء، وبلباس الحرير مدارع الوبر، والعباء بالأرواح الطيبة والأدهان جيف القتلى، وبلباس التيجان أطواق الحديد والسلاسل والأغلال. ثُمَّ لأعيدن فيهم بَعْد القصور الواسعة والحصون الحصينة الخراب، وبعد البروج المشيدة مساكن السباع، وبعد صهيل الْخَيْل عواء الذئاب، وبعد ضوء السراج دخان الحريق، وبعد الأنس الوحشة والقفار. ثُمَّ لأبدلن نساءها بالأسورة الأغلال، وبقلائد الدر والياقوت سلاسل الحديد، وبألوان الطيب والأدهان النقع والغبار، وبالمشي عَلَى الزرابي عبور الأسواق والأنهار، وبالخدور والستور الحسور عَنِ الوجوه والسوق والأسفار.

стр. 384

ثُمَّ لأدوسنهم بألوان العذاب حَتَّى لو كَانَ الكائن مِنْهُم فِي خالق لوصل ذَلِكَ إِلَيْهِ، إني إِنَّمَا أكرم من أكرمني، وإنما أهين من هان عَلَيْهِ أمري، ثُمَّ لآمرن السماء خلال ذَلِكَ فلتكونن طبقا من حديد، ولآمرن الأَرْض فلتكونن سبيكة من نحاس، فلا سماء تمطر ولا أرض تنبت. فَإِن أمطرت خلال ذَلِكَ شَيْئًا سلطت عَلَيْهِ الآفة، فَإِن خلص مِنْهُم شَيْء نزعت منه البركة، وإن دعوني لَمْ أجبهم، وإن سألوني لَمْ أعطهم، وإن بكوا لَمْ أرحمهم، وإن تضرعوا إلي صرفت وجهي عَنْهُم، وإن قَالُوا: اللَّهمّ أَنْتَ الَّذِي ابتدأتنا وآباءنا من قبلنا برحمتك وكرامتك، وَذَلِكَ بأنك اخترتنا لنفسك، وجعلت فينا نبوتك وكتابك، ثُمَّ مكنت لنا فِي البلاد واستخلفتنا فِيهَا وربيتنا وآباءنا من قبلنا بنعمتك صغارا وحفظتنا وإياهم برحمتك كبارا، فأنت أحق المنعمين أَن لا تغير إِن غيرنا، ولا تبدل إِن بدلنا، وأن يتم نعمه وإحسانه. فَإِن قَالُوا ذَلِكَ قُلْت لَهُمْ: إني ابتدئ عبادي بنعمتي ورحمتي، فَإِن قبلوا أتممت، وإن استزادوا زدت، وإن شكروا ضاعفت، وإن بدلوا غيرت، وإذا غيروا غضبت، وإذا غضبت عذبت، وليس يقوم لغضبي شَيْء. وَقَالَ كعب: قَالَ أرمياء: برحمتك أصبحت أتكلم بَيْنَ يديك، وهل ينبغي لي ذَلِكَ وأنا أذل وأضعف من أَن ينبغي لي أَن أتكلم بَيْنَ يديك، ولكن برحمتك أبقيتني لِهَذَا اليوم، وليس أحد أحق من يخاف هَذَا العذاب وَهَذَا الوعيد مني بِمَا رضيت بِهِ مني طولا والإقامة فِي دار الخاطئين وَهُمْ يعصونك حولي بغير نكير ولا تغير مني، فَإِن تعذبني فبذنبي، وإن ترحمني فذلك ظني بك. ثُمَّ قَالَ: يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت ربنا وتعاليت إنك المملك هذه القرية وَمَا حولها وَهِيَ مساكن أنبيائك، ومنزل وحيك، يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت إنك لمخرب هَذَا الْمَسْجِد وَمَا حوله من المساجد ومن البيوت الَّتِي رفعت لذكرك، يا رب وإنك لتعذب هذه الأمة وَهُمْ ولد إِبْرَاهِيم خليلك، وأمة موسى نجيك، وقوم دَاوُد صفيك، يا رب أي القرى يأمن عقوبتك بَعْد أوري شلم، وأي الْعِبَاد يأمنون سطوتك بَعْد ولد خليلك إِبْرَاهِيم، وأمة نجيك موسى، وقوم خليفتك دَاوُد تسلط عَلَيْهِم عبدة النيران.

стр. 385

فَقَالَ اللَّه تَعَالَى: يا أرميا، من عصاني فلا يستنكر نقمتي، فإني إِنَّمَا أكرمت هَؤُلاءِ الْقَوْم عَلَى طاعتي، ولو أنهم عصوني لأنزلتهم دار العاصين إلا أَن تداركهم رحمتي. قَالَ أرميا: يا رب اتخذت إِبْرَاهِيم خليلا وحفظتنا بِهِ، وموسى نجيا فنسألك أَن تحفظنا ولا تسلط عَلَيْنَا عدُونَا، فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: يا أرميا إني قدستك فِي بطن أمك وأخرتك إِلَى هَذَا اليوم، فلو أَن قومك حفظوا اليتامى والأرامل/ والمساكين وابن السبيل، وكنت الداعم لهم، وكانوا عندي بمنزلة جنة ناعم شجرها طامر، لا يغور ماؤها، ولا يبور ثمرها، إني كنت لَهُمْ بمنزلة الراعي الشفيق، أجنبهم كُل قحط وكل عزة، واتبع بهم الخصب حَتَّى صاروا كباشا ينطح بَعْضهَا بَعْضًا. فيا ويلهم ثُمَّ يا ويلهم إِنَّمَا أكرم من أكرمني، وأهين من هان عَلَيْهِ أمري إِن من كَانَ قبل هَؤُلاَءِ الْقَوْم من القرون يستخفون بمعصيتي، وإن هَؤُلاءِ الْقَوْم يظهرون معصيتي فِي المساجد والأسواق وعلى رءوس الجبال، وظلال الأشجار حَتَّى عجت السماء إلي منها، وَالأَرْض والجبال، ونفرت منها الوحوش، فِي كل ذلك ينتهون ولا ينتفعون بِمَا علموا من الكتاب. قَالَ: فلما بلغهم أرميا رسالة ربهم وسمعوا مَا فِيهَا من الوعيد عصوه وكذبوه، وَقَالُوا: أعظمت عَلَى اللَّه الفرية، وتزعم أَن اللَّه معطل أرضه ومساجده من كتابه وعباده وتوحيده، فمن يعبده حِينَ لا يبقى لَهُ فِي الأَرْض عابد ولا مَسْجِد ولا كتاب، لَقَدْ أعظمت الفرية، واعتراك الجنون. فأخذوه وقيدوه وسجنوه، فعند ذَلِكَ بعث اللَّه عَلَيْهِم نصر. [ذكر خبر نصر البابلي] [١] لما ولي لهراسب وتمكن ملكه بعث نصر، وَهُوَ رجل من الأعاجم، فأتى دمشق وصالح أهلها، ووجه قائدا لَهُ، فأتى بَيْت المقدس فصالح ملك بَنِي إسرائيل، وأخذ منه رهائن وانصرف. فلما بلغ طبرية وثب بنو إسرائيل عَلَى ملكهم، فَقَالُوا: داهنت

стр. 386

أهل بابل وخذلتنا، فقتلوه، فكتب قائد نصر إِلَيْهِ بِمَا كَانَ، فكتب إِلَيْهِ أَن يقيم بموضعه حَتَّى يوافيه، وأن يضرب أعناق الرهائن الذين معه. فسار [١] نصر حَتَّى أتى بَيْت المقدس، فهدمه وهدم المساجد، ورمى فِيهَا الكنائس، وخرب الحصون، وحرق التوراة، وأخذ الأَمْوَال، وقتل المقاتلة، وسبى الذرية، وكانوا سبعين ألف غلام، ووجد فِي سجن بَنِي إسرائيل أرميا النَّبِي ﷺ ، فقال له نصر: مَا خطبك؟ فأخبره أَن اللَّه تَعَالَى بعثه إِلَى قومه ليحذرهم الَّذِي حل بهم فكذبوه وحبسوه، فقال نصر: بئس الْقَوْم قوم عصوا رَسُول ربهم! فخلى سبيله، وأحسن إِلَيْهِ. فاجتمع إِلَيْهِ من بقي من ضعفاء بَنِي إسرائيل، فَقَالُوا: إنا قَدْ أسأنا وظلمنا، ونحن نتوب مِمَّا صنعنا، فادع اللَّه أَن يقبل توبتنا. فدعا ربه، فأوحى إِلَيْهِ: أنهم غَيْر فاعلين، فَإِن كَانُوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلد، فأخبرهم، فَقَالُوا: كَيْفَ نقيم ببلدة قَدْ خربت. فخرجوا يستجيرون بملك مصر، فغزا نصر أرض [مِصْر] [٢] فقتل ملكها وقتلهم، ثُمَّ بلغ أقصى ناحية المغرب، وانصرف بسبي كثير من أَهْل فلسطين والأردن، فيهم دانيال وغيره من الأنبياء . [ذكر خبر غزو نصر للعرب] [٣] إن نصر إِنَّمَا حارب بَنِي إسرائيل لقتلهم يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا، وليس بصحيح عَلَى مَا سيأتي بيانه، ثُمَّ حارب العرب فِي زمن معد بْن عدنان، فجمع من فِي بلاده من تجار العرب فبنى لَهُمْ حيرا عَلَى النجف وضمهم فِيهِ، ووكل بهم من يحفظهم، ثُمَّ تأهب للخروج إِلَى قتال العرب، فأقبلت طوائف مِنْهُم مسالمين، فأنزلهم عَلَى شاطئ الفرات، فابتنوا موضع معسكرهم فسموه الأنبار وخلى عَنْ أَهْل الحيرة، فاتخذوها منزلا في حياة نصر.

стр. 387

فلما مَات انضموا إِلَى أَهْل الأنبار وبقي ذلك الحير خرابا [١] . وقال قوم: خرج نصر فالتقى هو وعدنان، ورجع نصر بالسبايا فألقاهم بالأنبار، فَقِيلَ: أنبار العرب، ثُمَّ مَات عدنان وبقيت بلاد العرب خرابا. فلما مات نصر خرج معد بن عدنان ومعه أنبياء بَنِي إسرائيل حَتَّى أتى مَكَّة، فأقام أعلامها وحج، وحج مَعَهُ الأنبياء وأفنى أَكْثَر جرهم، وتزوج معانة بنت جوشم، فولدت لَهُ نزار بْن معد، وولد لنزار مضر وربيعة وأياد وأنمار، فقسم ماله بينهم [٢] . وَأَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّيَّاسٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو جعفر بن المسلمة، قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن سليمان الطوسي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني عقبة الْمُكْرَمُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ ميمون بن مهران، عن ابن عباس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تَسُبُّوا مُضَرَ وَرَبِيعَةَ فَإِنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ» [٣] . أنبأنا مُحَمَّد بْن عبد الباقي البزاز، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلِ بْنِ شَجَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ محمد بن موسى بن حمار الْبَرْبَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أبي السري، قال: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُمَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ وَلَدِ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍّ، قَالَ: «هُمْ أَرْبَعَةٌ: مُضَرُ، وَرَبِيعَةُ، وِإِيَادٌ، وَأَنْمَارُ، بَنُو نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، فَكَثُرَ أَوْلادُ مَعَدٍّ وَنَمَوا وَتَلاحَقَوا، وَمَنَازِلُهُمْ مَكَّةُ وَمَا وَالاهَا مِنْ تِهَامَةَ، فَانْتَشَرُوا وَتَنَافَسُوا فِي الْمَنَازِلِ وَالْمَحَالِ، وَأَرْضُ الْعَرَبِ يَوْمَئِذٍ خَاوِيَةٌ لَيْسَ فِيهَا كَبِيرُ أَحَدٍ إِلا خراب نَصْرَ وَإِيَّاهَا، وَأَجْلَى أَهْلَهَا إِلا مَنْ كَانَ اعْتَصَمَ بِرُءُوسِ الْجِبَالِ وَلَجَأَ إِلَى أَوْدِيَتِهَا وَشِعَابِهَا، ولحق بالمواضع التي لا يقدر عَلَيْهِ فِيهَا مُتَنَكَّبًا [٤] لِمَسَالِكِ جُنْدِهِ، فَاقْتَسَمُوا الْغَوْرَ، غَوْرَ تِهَامَةَ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ لِمَنَازِلِهِمْ وَمَسَارِحَ أَنْعَامِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِلادُ الْعَرَبِ الْجَزِيرَةَ

стр. 388

لإِحَاطَةِ الْبَحْرِ وَالأَنْهَارِ بِهَا، فَصَارُوا فِي مِثْلِ الْجَزِيرَةِ مِنَ جَزَائِرِ الْبَحْرِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْفُرَاتَ أَقْبَلَ مِنْ بِلادِ الرُّومِ، فَظَهَرَ بِنَاحِيَةِ قِنّسْرِينَ، ثُمَّ انْحَطَّ عَلَى الْجَزِيرَةِ وَسَوَادِ الْعِرَاقَ حَتَّى وَقَعَ فِي الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَصْرَةِ وَالأَيْلَةِ، فَامْتَدَّ الْبَحْرُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مُطيفًا بِبِلادِ الْعَرَبِ، فَأَتَى مِنْهَا عَلَى صَفْوَانَ وَكَاظِمَةَ، وَنَفَذَ إِلَى الْقطيفِ وَهَجَرَ وَعُمَانَ وَالشَّحَرِ، وَمَالَ مِنْهُ عُنُقٌ إِلَى حَضْرَمَوْتَ وَنَاحِيَةِ أَبْيَنَ وَعَدَنَ، وَاسْتَطَالَ ذلك العنق فطعن في تهائم الْيَمَنِ، وَمَضَى إِلَى سَاحِلِ جِدَّةَ. وَأَقْبَلَ النِّيلُ فِي غَرْبِيِّ هَذَا الْعُنُقِ مِنْ أَعْلَى بِلادِ السودان مستطيلا معارضا للبحر معه حتى وقع فِي بَحْرِ مِصْرَ وَالشَّامِ. ثُمَّ أقبلَ ذَلِكَ الْبَحْرُ مِنْ مِصْرَ حَتَّى بَلَغَ بِلادَ فِلَسْطِينَ، فَمَرَّ بِعَسْقَلانَ وَسَوَاحِلِهَا، وَأَتَى عَلَى بَيْرُوتَ وَنَفَذَ إلى سواحل حمص و/ قنسرين حَتَّى خَالَط النَّاحِيةَ الَّتِي أَقْبَلَ مِنْهَا الْفُرَاتُ فَخَطَا عَلَى أَطْرَافَ قِنّسْرِينَ وَالْجَزِيرَةِ إِلَى سَوَادِ الْعِرَاقِ. وَأَقْبَلَ جَبَلُ الصَّرَاةِ مِنْ قَعْرِ الْيَمَنِ حَتَّى بَلَغَ أَطْرَافَ الشَّامِ، فَسَمَّتْهُ الْعَرَبُ حِجَازًا، لأنَّهُ حَجَزَ بَيْنَ الْغَوْرِ وَنَجْدٍ، فَصَارَ مَا خَلْفَ ذَلِكَ الْجَبَلِ فِي غَرْبِيِّهِ الْغَوْرُ وَمَا دُونَهُ فِي شَرْقِيِّهِ النَّجْدُ. فَصَارَ لِعَمْرُو بْنُ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، وَهُوَ قُضَاعَةُ جِدَّةَ وَمَا دُونَهَا إِلَى مُنْتَهَى ذَاتِ عرقٍ إِلَى حَيِّزِ الْحَرَمِ، فَانْتَشَرُوا فِيهَا، وَكَانَ لِجَنَادَةَ بْنِ مَعَدٍّ الْغَمْرَ. وَصَارَ لِمُضَرَ بْنِ نِزَارٍ حَيِّزُ الْحَرَمِ إِلَى السروَاتِ. وَصَارَ لِرَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ مَهْبِطُ الْجَبلِ مِنْ غَمْرِ ذِي كِنْدَةَ وَبَطْنِ ذَاتِ عرقٍ إِلَى عمرةَ وَمَا صَاقَبَهَا مِنْ بِلادِ نَجْدِ الْغَوْرِ مِنْ تِهَامَةِ. وَصَارَ لإِيَادٍ وَأَنْمَارٍ مَا بَيْنَ حَذَّاءِ مِنْ مِصْرَ إِلَى أَرْضِ نَجْرَانَ وَمَا قَارَبَهَا. وَصَارَ لِبَاقِي وَلَدِ مَعَدٍّ أَرْضُ مَكَّةَ وَأَوْدِيَتُهَا وِشِعَابُهَا وَجِبَالُهَا وَبطَاحُهَا وَمَا صَاقَبَهَا مِنَ الْبِلادِ، فَأَقَامُوا بِهَا مَعَ مَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ مِنْ جُرْهُمٍ. وَسَنَذكر أَحْوَالَ بني نزار في نسب نبينا ﷺ . وَفِي ذَلِكَ الزَّمَانِ تَفَرَّقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَنَزَلَ بَعْضُهُمْ أَرْضَ الْحِجَازِ بيثرب، ووادي القرى وغيرهما.

стр. 389

ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَرْمِيَا: أَنِّي عَامِرُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَأخْرُجْ إِلَيْهَا فَانْزِلْهَا، فَخَرَجَ حَتَّى قَدِمَهَا وَهِيَ خَرَابٌ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: مَتَى تُعْمَرُ هَذِهِ. فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ، وَقِيلَ هُوَ عُزَيْرُ ﵇. [ذكر عُمَارَة بَيْت المقدس] [١] اختلفوا عَلَى قولين: أحدهما: إنه أرميا. رَوَى عبد الصمد بْن معقل، عَنْ وهب بْن منبه، قَالَ: أقام أرميا بأرض مصر، فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: أَن الحق بأرض إيليا، فَإِن هذه ليست لَكَ بأرض، فقام فركب حماره حَتَّى إِذَا كَانَ ببعض الطريق وَقَدْ أخذ مَعَهُ سلة من عنب وسقاء جديدا أملاه ماء. فلما بدا لَهُ شخص بَيْت المقدس وَمَا حوله من القرى نظر إِلَى خراب لا يوصف، فَقَالَ: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها ٢: ٢٥٩ [٢] ، ثُمَّ تبوأ منها منزله وربط حماره، فألقى اللَّه عَلَيْهِ السبات ونزع روحه مائة عام. فلما مرت منها سبعون أرسل اللَّه ملكا إِلَى ملك من ملوك فارس، فَقَالَ: إِن اللَّه يأمرك أَن تنفر بقومك فتعمر بَيْت المقدس وإيليا وأرضها حَتَّى تعود أعمر مَا كانت. فَقَالَ الْمَلِك: انظرني ثلاثة أَيَّام حَتَّى أتأهب لِهَذَا العمل. فندب ألف قهرمان [٣] ، مَعَ كُل قهرمان ثلاثة آلاف عامل، وَمَا يصلحه من أداة العمل، فسارت القهارمة فلما وقعوا فِي العمل رد اللَّه روح الحياة فِي عيني إرمياء، فنظر إِلَيْهَا تعمر. قَالَ مجاهد: اسمه كورش، وَلَمْ يتم بناؤها إلا بَعْد الملك الرابع بعد كورش على سماعة بن أصيد، وهو من رهط داود.

стр. 390

[القول الثَّانِي] إِن أرمياء لبث فِي موته إلى أن هلك نصر، وكان قد عاش ثلاثمائة سَنَة، وهلك ببعوضة دخلت فِي رأسه، وهلك الْمَلِك الَّذِي فوقه، وَهُوَ لهراسب، وَكَانَ ملكه مائة وعشرين سَنَة. وملك بعده ابنه بشاسب، فبلغه عَنْ بلاد الشام، خراب وإن السباع قَدْ كثرت فِي بلاد فلسطين فلم يبق فِيهَا من الإنس أحد، فنادى فِي أرض بابل فِي بَنِي إسرائيل: من شاء أَن يرجع إِلَى الشام فليرجع، وملك عَلَيْهِم رجلا من آل دَاوُد، وأمره أَن يعمر بَيْت المقدس ويبني مسجدها، فرجعوا فعمروها، ورد اللَّه الروح إِلَى أرمياء ﵇. [القول الثالث] وعلى هَذَا أَكْثَر الْعُلَمَاء، وَهُوَ عزير بْن شرويق بْن عزيا بْن أيوب بْن زرحيا بْن عزي من ولد هَارُون. أَخْبَرَنَا أَبُو الحصين، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طالب بْن غَيْلانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر الشَّافِعِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يعقوب الحربي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حذيفة النهدي، قال: حدثنا سفيان الثوري، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ٢: ٢٥٩ [١] قَالَ: هُوَ عزير. قَالَ علماء السير: لما قال عزيز: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ الله بَعْدَ مَوْتِها ٢: ٢٥٩، أماته اللَّه مائة عام، وأول مَا خلق منه عيناه، فجعل ينظر إِلَى عظامه ينضم بَعْضهَا إِلَى بَعْض، ثُمَّ كسيت لحما ونفخ فِيهِ الروح. قَالَ ابْن عَبَّاس: مَات وَهُوَ ابْن أربعين سَنَة، وابنه ابْن عشرين سَنَة. ثُمَّ بعث وَهُوَ ابْن أربعين ومائة، وابنه ابْن مائة وعشرين، فأقبل حَتَّى أتى قومه فِي بَيْت المَقْدِس، فَقَالَ: أنا عزير، فَقَالُوا: حَدَّثَنَا آباؤنا أَن عزير مَات، فَقَالَ: أنا هو، أرسلني الله إليكم أجدد لكم توراتكم، وكانت قَدْ ذهبت فليس أحد يقرأها، فأملاها عليهم.
следующие страницы →