← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

وجعل إليه صلاتها وقضاءها وحربها. وكان جوادا، يعتذر إلى من يعطيه وإن كثر عطاؤه. فقال مادحه: هلا فعلت- هداك المليك ... - فينا كفعل أبي البختري [١] تتبع إخوانه في البلاد ... فأغنى المقل عن المكثر إلا أنه كان يضع الحديث ويسهر الليل في وضعه. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا القاضي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْنُ زكريا قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يحيى الصولي قَالَ: حَدَّثَنَا وكيع قَالَ: حدثنا محمد بن الحسين بن مسعود الزرقي قَالَ: حدثنا عثمان بن عثمان قال: حدثنا أبو سعيد العقيلي قال: لما قدم الرشيد المدينة أعظم أن يترقأ منبر النَّبيّ ﷺ في قباء أسود ومنطقة فقال أبو البختري حدثنا جعفر بن محمد، عن أَبِيهِ قَالَ: نزل جبريل على النَّبيّ ﷺ وعليه قباء ومنطقة مخنجرا فيها بخنجر، فقال المعافى التيمي هذه الأبيات: ويل وعول لأبي البختري ... إذا توافى الناس في المحشر / من قوله الزور وإعلانه ... بالكذب في الناس على جعفر والله ما خليت ساعة ... للفقه في بدو ولا محضر ولا رآه الناس في دهره ... يمر بين القبر والمنبر قاتل الله أبا وهب لقد ... أعلن بالزور وبالمنكر يزعم أن المصطفى أحمدا ... أتاه جبريل التقي البري عليه خف وقباء أسود ... مخنجرا في الحقو بالخنجر [٢] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن [علي] [٣] بن ثابت قال:

стр. 3257

أخبرنا التنوخي قَالَ: أخبرنا طلحة بْن محمد بن جعفر قَالَ: حدثني عمر بن الحسن الأشناني قَالَ: حدثنا جعفر الطيالسي، عن يحيى بن مَعِين: أنه وقف على حلقة أبي البختري، فإذا هو يحدث بهذا الحديث: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر. فَقَالَ له: كذبت يا عدو اللَّه عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ . قال: فأخذني الشرط، فقلت: هذا يزعم أن رسول رب العالمين نزل على النَّبيّ ﷺ وعليه قباء. قَالَ: فقالوا لي: هذا قاض كذاب فأفرجوا عني [١] . توفي أبو البختري ببغداد في هذه السنة.

стр. 3258

ثم دخلت سنة إحدى ومائتين فمن الحوادث فيها: مراودة أهل بغداد منصور بن المهدي على الخلافة، فأبى، فراودوه على الإمرة عليهم عَلَى أن يدعو للمأمون بالخلافة. وقالوا: لا نرضى/ بالمجوسي [١] ابن المجوسي يعنون الحسن بن سهل- فأجابهم المنصور لذلك [٢] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ قَالَ: أخبرنا عبد الله بن إسحاق بن إبْرَاهِيم قَالَ: حَدَّثَنَا الحارث بن مُحَمَّد قَالَ: حدثنا محمد بن سعد قَالَ: عسكر منصور بن المهدي في سنة إحدى ومائتين بكلواذي وسمي المرتضى، ودعي له على المنابر، وسلم عليه بالخلافة فأبى ذلك وقال: أنا خليفة أمير المؤمنين المأمون حتى يقدم أو يولي من يحب. وعزل سعد بْن إبراهيم عن الجانب الشرقي، وولاه قتيبة بن زياد، وأقر محمد بن سماعة على قضاء الجانب الغربي. وفي هذه السنة: تجردت المطوعة للإنكار على الفساق ببغداد، وكان رئيسهم خالد الدريوش، وسهل بن سلامة. وكان السبب في ذلك: أن فساق الجند والشطار أذوا الناس أذى شديدا، وأظهروا الفسق وقطع الطريق، وأخذوا النساء والغلمان علانية من الطرق، وكانوا يجتمعون

стр. 3259

فيأتون الرجل، فيأخذون ابنه، فيذهبون به، فلا يقدر على المنع منهم، وكانوا يجتمعون فيأتون القرى، فيأخذون ما قدروا عليه، ولا سلطان يمنعهم ولا سلطان يعثر بهم، وخرجوا في آخر أمرهم إلى قطربُّل فانتهبوها علانية، وجاءوا بما أخذوه يبيعونه علانية، وجاء أهلها فاستعدوا السلطان فلم يعدهم، وكان ذلك في آخر شعبان، فلما رأى الناس ذلك، قام صلحاء كل ربض ودرب/ ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما يكون في الدرب الواحد الفاسق والفاسقان إلى العشرة، فأنتم أكثر منهم وقد غلبوكم، فلو اجتمعتم لمنعتم هؤلاء الفساق. فقام رجل من ناحية طريق الأنبار يقال لَهُ: خالد الدريوش، فدعا جيرانه، وأهل محلته إلى معاونته على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأجابوه، فشد على من يليه من الفساق والشطار فمنعهم وحبسهم ورفعهم إلى السلطان لأنه كان لا يرى أن يغير على السلطان شيئا، ثم قام من بعده بيومين أو ثلاثة رجل يقال لَهُ: سهل بن سلامة الأنصاري من أهل خراسان، ويكنى: أبا حاتم، فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وعلق مصحفا في عنقه، ثم بدأ بأهل محلته وجيرانه، فأمرهم ونهاهم فقبلوا منه، ثم دعا الناس جميعا إلى ذَلِكَ وجعل لنفسه ديوانا يثبت فيه اسم من أتاه يبايعه على ذلك، لقتال من خالفه، فأتاه خلق كثير فبايعوه، إلا أن خالد الدريوش خالفه فَقَالَ: أنا لا أغير على السلطان شيئا ولا أقاتله. قال سهل: أنا أقاتل كل من خالف الكتاب والسنة، كائنا من كان، سلطانا أو غير سلطان، فمن بايعني على ذلك قبلته، ومن خالفني قاتلته. وقام سهل بذلك يوم الخميس لأربع خلون من رمضان، وقوتل من قبل السلطان، قاتله عيسى بن محمد بن أبي خالد، فقاتل/ فضرب ضربة بالسيف، فرجع إلى منزله، ثم اعتذر إليه عيسى أن يعود إلى الأمر بالمعروف، فعاد [١] . وفي هذه السنة: جعل المأمون علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ولي عهد المسلمين والخليفة من بعده، وسماه الرضي من آل مُحَمَّد ﷺ وأمر [٢] جنده أن يطرح السواد ولبس ثياب الخضرة، وكتب بذلك إلى الآفاق، وذلك يوم

стр. 3260

الأثنين لليلتين خلتا من رمضان هذه السنة. فكتب الحسن بن سهل إلى عيسى بن محمد يخبره أن أمير المؤمنين قد جعل علي بن موسى الرضا ولي عهده، وذلك أنه نظر في بني العباس وبني علي فلم يجد أحدا أفضل ولا أورع ولا أعلم منه، وأنه سماه الرضي من آل مُحَمَّد ﷺ ، وأمر أن يطرح السواد ولبس الخضرة، وأن يأمر من قبله من الجند والقواد وبني هاشم بالبيعة لَهُ، ويأخذهم بلبس الخضرة في أقبيتهم وقلانسهم وأعلامهم، ويأخذ أهل بغداد جميعا بذلك، فوصل الكتاب إلى عيسى يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي الحجة، فدعا أهل بغداد إلى ذلك، فاختلفوا، فقال قوم: نبايع، وقَالَ قوم: لا نخرج الأمر من ولد العباس، وإنما هذا دسيس من قبل الفضل بن سهل، وغضب ولد العباس من ذلك، واجتمع بعض إلى بعض، وتكلموا فيه وقالوا: نولي بعضنا ونخلع المأمون. وكان المتكلم في هذا والمختلف فيه والمتقلد له: إبراهيم ومنصور بن المهدي [١] . ذكر العهد الّذي كتبه المأمون بخطّه لعلي ابن موسى الرّضا [﵉] بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب كتبه عبد الله بن هارون الرشيد أمير المؤمنين بيده لعلي بن موسى بن جعفر ولي عهده. أما بعد: فإن الله اصطفى الإسلام دينا، واصطفى له عباده رسلا دالين عَلَيْهِ، وهادين إِلَيْهِ، يبشر أولهم بآخرهم، ويصدق تاليهم ماضيهم، حتى انتهت نبوة اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ على فترة من الرسل، ودروس من العلم، وانقطاع من الوحي، واقتراب من الساعة، فختم الله به النبيين، وجعله شاهدا لهم، ومهيمنا عليهم، وأنزل عليه كتابه العزيز الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ من حَكِيمٍ حَمِيدٍ ٤١: ٤٢ [٢] بما أحل وحرم، ووعد وأوعد، وحذر وأنذر، ليكون له الحجة البالغة على خلقه، لِيَهْلِكَ من ٨: ٤٢

стр. 3261

هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ٨: ٤٢. [١] فبلغ عن الله رسالته، ودعا إلى سبيله بما أمره به من الحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ثم الجهاد والغلظة حتى قبضه الله إليه، واختار له ما عنده ﷺ ، فلما انقضت النبوة، وختم الله بمحمد الوحي والرسالة، جعل قوام الدين ونظام أمر المسلمين بالخلافة، وإتمامها وعزها، والقيام بحق الله فيها بالطاعة التي بها [٢] تقام فرائض الله وحدوده/ وشرائع الإسلام وسننه، ويجاهد بها عدوه، فعلى خلفاء الله طاعته فيما استخلفهم، واسترعاهم من أمر دينه وعباده، وعلى المسلمين طاعة خلفائهم ومعاونتهم على إقامة حق الله وعدله، وأمن السبل، وحقن الدماء، وإصلاح ذات البين، وجمع الألفة، وفي خلاف ذلك اضطراب أمر المسلمين، واختلاف ملتهم، وقهر دينهم، واستعلاء عدوهم، وتفرق الكلمة، وخسران الدنيا والآخرة، فحق على من استخلفه في أرضه، وائتمنه على خلقه أن يجهد للَّه نفسه، ويؤثر على ما فيه رضى الله وطاعته، ويعمل لما الله واقفه عَلَيْهِ [٣] ، وسائله عنه، ويحكم بالحق، ويعمل بالعدل فيما حمله الله وقلده، فإن الله يقول لنبيه داود ﵇: يَا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ٣٨: ٢٦ [٤] وقال تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ١٥: ٩٢- ٩٣ [٥] . وبلغنا أن عمر بن الخطاب قَالَ: لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات لتخوفت أن يسألني اللَّه عنها، وأيم الله إن المسئول عن خاصة نفسه على عمله فيما بين الله وبينه ليعرض أمر كبير على خطر عظيم، فكيف بالمسئول عن رعاية الأمة، وباللَّه الثقة، وإليه المفزع والرغبة في التوفيق والعصمة والتسديد والهداية إلى ما فيه ثبوت الحجة، والفوز من الله، والرضوان والرحمة، وأنظر الأئمة لنفسه وأنصحهم للَّه في دينه وعباده، وخلافته في أرضه من عمل بطاعته ودينه وسنة نبيه ﵇ في/ [مدة] [٦] أيامه وبعدها،

стр. 3262

فأجهد رأيه ونظره فيمن يوليه عهده، ويختاره لإمارة المسلمين ورعايتهم بعده، وينصبه علما لهم [١] ، ومفزعا في جمع ألفتهم، ولم شعثهم، وحقن دمائهم، والأمن بإذن الله من فرقتهم، وفساد ذات بينهم، واختلافهم، ورفع نزغ الشيطان وكيده عَنْهُمْ، وإن الله جعل العهد بعد الخلافة من تمام أمر الإسلام وكماله وعزه وصلاح أهله، وأنهم خلفاؤه من توكيده لمن يختارونه لهم من بعدهم ما عظمت به النعمة، وسلمت فيه العاقبة، وينقض [٢] الله بذلك الشقاق [٣] والعداوة، والسعي في الفرقة، والتربص للفتنة، ولم يزل أمير المؤمنين مذ أفضت إليه الخلافة، فاختبر بشاعة مذاقها، وثقل محملها، وشدة مئونتها، وما يجب على من تقلدها من ارتباط طاعة الله ومراقبته فيما حمله فيها وأنصب بدنه، وأسهر عينه، وأطال فكره فيما فيه عز الدين، وقمع المشركين، وصلاح الأمة، ونشر العدل، وإقامة الكتاب والسنة، ومنع ذلك من الخفض، والدعة، ومهنأ العيش، علما بما الله سائله عنه، ومحبته أن يلقى الله مناصحا في دينه وعباده، ومختارا لولاية عهده ورعاية الأمة من بعده أفضل ما يقدر عليه في دينه وورعه، وأرجاهم للقيام بأمر الله وحقه، مناجيا للَّه [٤] بالاستخارة في ذَلِكَ، ومسألته [٥] إلهامه ما فيه رضاه/ وطاعته في آناء ليله ونهاره، معملا في طلبه، والتماسه [٦] في أهل بيته من ولد عبد الله بن العباس وعلي بن أبي طالب، فكره ونظره، مقتصرا فيمن علم حاله، ومذهبه منهم على الحق علما بالغا في المسألة فيمن خفي عليه أمره، وجهده وطاقته، حتى استقضى أمورهم معرفة، وابتلى أخبارهم مشاهدة، وكشف ما عندهم مساءلة، فكانت خيرته بعد استخارته للَّه، وإجهاد نفسه في قضاء حقه في عباده من البيتين جميعا: علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، لما رأى من فضله البارع، وعلمه الناصع، وورعه الظاهر، وزهده الخالص، وتخلية من الدنيا،

стр. 3263

ومسلمته من الناس، فقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطئة، والألسن متفقة، والكلمة فيه جامعة، وما لم يزل يعرفه [به] [١] من الفضل، يافعا وناشئا، وحدثا ومكتهلا، فعقد له العهد والولاية من بعده، واثقا بخيرة الله في ذلك، إذ علم الله من فعله إيثارا لَهُ وللدين، ونظرا للمسلمين، وطلبا للسلامة، وثبات الحجة، والنجاة في اليوم الّذي يقوم الناس فيه لرب العالمين، ودعا أمير المؤمنين ولده وأهل بيته وخاصته وقواده وجنده، فبايعوه مسارعين مسرورين عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة الله على الهوى في ولده وغيرهم/ ممن هو أشبك رحما، وأقرب قرابة، وسماه الرضي، إذ كان رضا عند أمير المؤمنين، فبايعوه معشر بيت أمير المؤمنين، ومن بالمدينة المحروسة من قواده وجنده وعامة المسلمين لأمير المؤمنين والرضي من بعده على اسم الله وبركته وحسن قضائه لدينه وعباده، بيعة مبسوطة إليها أيديكم، منشرحة لها صدروكم، عالمين ما أراد أمير المؤمنين بها، وأثر طاعة الله، والنظر لنفسه ولكم فيها، شاكرين للَّه على ما ألهم أمير المؤمنين من قضاء حقه في رعايتكم، وحرصه على رشدكم وصلاحكم، راجين عائدة الله في [٢] جمع ألفتكم، وحقن دمائكم، ولم شعثكم، وسد ثغوركم، وقوة دينكم، وقمع عدوكم، واستقامة أموركم، فسارعوا إلى طاعة الله وطاعة أمير المؤمنين، فإنه الأمر إن سارعتم إليه، وحمدتم الله عليه، عرفتم الحظ فيه إن شاء الله، وكتب بيده لسبع خلون من شهر رمضان المعظم قدره سنة إحدى ومائتين. وكتب الرضي [﵇] [٣] كلمات منها أنه كتب عند قوله: اختار من البيتين جميعا علي بن موسى بن جعفر، كتب تحته: وصلتك رحم وجزيت خيرا. وكتب تحت مدحه إياه بقوله: وورعه وزهده: أثنى الله عليك فأجمل، / وأجزل لك الثواب فأكمل. وكتب تحت قوله: فعقد له العهد بعده: بل جعلت فداك

стр. 3264

وكتب تحت قوله: وسماه الرضي: رضي الله عنك وأرضاك وأحسن في الدارين جزاك. ثم كتب الرضي على ظهر العهد ما نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد للَّه رب العالمين، الفعال لما يريد، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وصلواته على نبيه وعلى آله الطيبين الطاهرين. أقول وأنا علي بن موسى بن جعفر إن أمير المؤمنين عضده الله بالسداد، ووفقه للرشاد عرف من حقنا ما جهله غيره، فوصل أرحاما قطعت، وأمن أنفسا فزعت، بل أحياها وقد تلفت، وأغناها وقد افتقرت، مبتغيا رضا رب العالمين، لا يرضى جزاء [١] من غيره، وسيجزي الله الشاكرين، ولا يضيع أجر المحسنين، وإنه جعل إلي عهده والإمرة الكبرى إن بقيت من بعده، فمن حل عقدة أمرها، وفصم عروة [أحب] [٢] إيثاقها، فقد أباح حريمه وأحل محرمه، إذ كان بذلك زاريا على الإمام، منتهكا حرمة الإسلام/ وقد جعلت للَّه على نفسي إن استرعاني أمير المؤمنين وقلدني خلافته العمل فيهم عامة، وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصة، بطاعته وسنة رسول الله ﷺ ، وأن لا أسفك دما حراما، ولا أبيح فرجا ولا مالا إلا ما سفكته حدوده، وأباحته فرائضه، وأن أتخير الكفاة جهدي وطاقتي، وقد جعلت بذلك على نفسي عهدا مؤكدا، يسألني الله عنه، فإنه يَقُولُ: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا ١٧: ٣٤ [٣] فإن حدت أو غيرت أو بدلت كنت للتغيير مستحقا، وللنكال متعرضا، فأعوذ باللَّه من سخطه وإليه أرغب في التوفيق لطاعته والحول بيني وبين معصيته في عافيته لي وللمسلمين. وقد امتثلت أمر أمير المؤمنين، وآثرت رضاه، والله يعصمني وإياه، وأشهدت الله على نفسي، وكفى باللَّه شهيدا. وكتبت خطي بحضرة أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، والفضل بن سهل،

стр. 3265

ويحيى بن أكثم، وعبد الله بن طاهر، وثمامة بن أشرس، وبشر بن المعتمر، وحماد بن النُّعْمان. في شهر رمضان سنة إحدى ومائتين. نسخة الشهادات رسم أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه وكبت أعداءه- قراءة مضمون هذه الصحيفة، ظهرها وبطنها بحرم سيدنا رسول الله ﷺ بين الروضة والمنبر، على رءوس الأشهاد، وبمرأى ومسمع من وجوه بني هاشم وسائر الأولياء والأجناد، بما أوجب أمير المؤمنين الحجة به عَلَى سائر المسلمين، وأبطل الشبهة التي كانت اعترضت آراء الجاهلين، وما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ٣: ١٧٩ [١] . وكتب الفضل بن سهل بحضرة أمير المؤمنين في التاريخ المذكور: عبد الله بن طاهر بن الحسين أثبت شهادته في تاريخه. شهد يحيى بن أكثم على مضمون هذا المكتوب، ظهره وبطنه [٢] ، وهو يسأل الله أن يعرف أمير المؤمنين وكافة المسلمين بركات هذا العهد، والميثاق، وكتب بخطه في التاريخ المبيّن. شهد حماد بن النعمان على مضمون ظهره وبطنه [٢] ، وكتب بيده في تاريخه. بشر بن المعتمر يشهد بذلك، وكتب بيده في التاريخ. ثمامة بن أشرس حضر وكتب خطه. قال هبة الله بن الفضل بن صاعد الكاتب: هذا العهد، رأيته بخط المأمون، ابتاعه خالي يحيى بن صاعد بمائتي دينار، وحمله إلى سيف الدولة صدقة بن منصور، وكان فيه خطوط جماعة من الكتاب، مثل: الصولي/ عبد الله بن العباس، والوزير المغربي.

стр. 3266

وفي هذه السنة: بويع لإبراهيم بن المهدي. وكان السبب ما ذكرناه، وهو أن المأمون لما بايع لعلي بن موسى الرضي [١] نفر العباسيون وأظهروا أنهم خلعوا المأمون، وبايعوا لإبراهيم [٢] بن المهدي، ومن بعده إسحاق بن موسى بن المهدي، وضمنوا للجند أشياء يعطونهم، وأمروا رجلا يقول يوم الجمعة حين يؤقت [٣] المؤذن: إنا نريد أن ندعو للمأمون، ومن بعده لإبراهيم يكون خليفة، ودسوا قوما فقالوا: إذا قام من يتكلم بهذا فقوموا وقولوا: لا نرضى إلا أن تبايعوا لإبراهيم، ومن بعده لإسحاق وتخلعوا [٤] المأمون، فلمّا قام من تكلم بهذا وأجيب بهذا، لم يصلوا في ذلك اليوم الجمعة، ولا خطب أحد، وصلى الناس أربع ركعات، وذلك في يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة [٥] . وفي هذه السنة: افتتح عبد الله بن خرداذبه والي طبرستان بلادا من بلاد الديلم، وزادها في بلاد الإسلام، وافتتح جبال طبرستان [٦] . وفيها: تحرك بابك الخرمي في الجاويذانية أصحاب جاويذان بن سهل، وادعى أن رَوْح جاويذان صاحب البذ دخلت فيه [٧] ، وأخذ في العيث والفساد [٨] . وفيها: أصاب أهل خراسان والري وأصبهان مجاعة، وعز الطعام، ووقع الموت [٩] /. وحج بالناس في هذه السنة إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي.

стр. 3267

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر . ١١٠١- الحسين بن الحسن بن عطية بن سعد بن جنادة أبو عبد الله [١] العوفي [٢] . من أهل الكوفة، ولي ببغداد قضاء الشرقية بعد حفص بن غياث، ثم نقل إلى قضاء عسكر المهدي في خلافة الرشيد أياما، ثم عزله. وحدث عن أبيه، وعن الأعمش، ومِسْعَر [٣] . روى عَنْه: عمر بن شبة وغيره، وكان ضعيفا في الحديث، ويصحف إذا رَوى، وكانت لحيته تبلغ إلى ركبته. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ بن الحسن الشَّاهِدُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَائِيُّ [٤] قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: وحدثني بعض أصحابنا قال: جاءت امرأة إلى العوفي قاضي هارون، ومعها صبي ورجل فقالت: هذا زوجي، وهذا ابني منه، فقال لَهُ: هذه امرأتك؟ قال: نعم، قَالَ: وهذا الولد منك؟ قَالَ: أصلح اللَّه القاضي، أنا خصي، قَالَ: فألزمه الولد فأخذ الصبي فوضعه على رقبته وانصرف، فاستقبله صديق له خصي والصبي/ على عنقه، فَقَالَ: من هذا الصبي؟ فَقَالَ: القاضي [٥] ، يفرق أولاد الزنا عَلَى النَّاسَ [٦] . توفي العوفي في هذه السنة.

стр. 3268

١١٠٢- سعد بن إبراهيم بن سعد بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أبو إسحاق الزُّهْرِيّ [١] . سمع أباه وغيره، روى عَنْه: أحمد بن حنبل، وخلف بن سالم، وكان صدوقا ثقة، ولي القضاء بواسط في خلافة هارون، ثم ولي قضاء العسكر للمهدي ببغداد، ثم عزل فلحق بالحسن بن سهل، وهو بفم الصلح فولاه قضاء عسكره. وتوفي بالمبارك في هذه السنة [٢] وهو ابن ثلاث وستين سنة. ١١٠٣- عبد الله بن الفرج، أبو محمد القنطري [٣] . كان أحد العباد [٤] ، وكان بشر الحافي يوده [٥] ويزوره. روى عَنْه: البرجلاني، وعلي بن الموفق. أخبرنا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي [٦] قال: أخبرنا العتيقي [٧] قال: حدثنا محمد بن الْعَبَّاس قَالَ: حدثنا العباس بن العباس الجوهري قَالَ: حدثنا عبد الله بن عمرو قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن بيان [٨] المكي قَالَ: حدثني صاعد قَالَ: لما مات عبد الله بن الفرج حضرت جنازته، فلمّا واريته رأيته في الليل في النوم جالسا على شفير قبره، ومعه صحيفة ينظر فيها [٩] فقلت [له] [١٠] : ما فعل الله بك قال: غفر لي ولكل من شيع جنازتي [قَالَ] : [١١] قلت لَهُ: أنا كنت معهم قَالَ: هُوَ ذا اسمك في الصحيفة [١٢] /.

стр. 3269

١١٠٤- علي بن عاصم بن صهيب، أبو الحسن، مولى قريبة بنت محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق [١] . من أهل واسط، ولد سنة ثمان ومائة، وقيل: سنة خمس ومائة، وسكن بغداد وحدث بها عن حصين بن عبد الرحمن ومحمد بن سوقة، وداود بن أبي هند وإسماعيل بن أبي خالد وابن جريج وحميد الطويل، روى عَنْه: أحمد بن حنبل، وغيره، إلا أنهم قالوا: كان يخطئ فضعفوه بذلك. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ [الْقَزَّازِ] [٢] قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أَخْبَرَنَا مسعود بن ناصر بن أبي زيد السُّكري قَالَ: حدثنا أبو الفضل محمد بن الفضيل المزكي قال: حدثنا أبو نصر أحمد بن الحسين المرواني قَالَ: سمعت زنجويه بن محمد اللباد يَقُولُ: سمعت عبد الله بن كثير البكري يَقُولُ: سمعت أحمد بن أعين يَقُولُ: سمعت علي بن عاصم يَقُولُ: دفع إليّ أبي مائة ألف درهم وقَالَ: اذهب فلا أرى وجهك إلا بمائة ألف حديث [٣] . أخبرنا عبد الرحمن (القزاز قَالَ] [٤] : أخبرنا الخطيب قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الوليد الحسن بْن مُحَمَّد الدربندي قَالَ: حدثنا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سليمان الحافظ قَالَ: حدثنا أحمد بن سهل [٥] بن حمدويه قَالَ: سمعت أبا نصر بن الليث بن حبرويه [٦] يَقُولُ: سمعت يحيى بن جعفر يَقُولُ: كان يجتمع عند علي بن عاصم أكثر من ثلاثين ألفا/، وكان يجلس على سطح، وكان له ثلاثة مستملين [٧] . أخبرنا عبد الرحمن [بن مُحَمَّد] [٨] قال: أخبرنا أحمد بن علي [بن ثابت] [٩] قال

стр. 3270

حَدَّثَني الحسن بن علي المقرئ قَالَ: حدثني أبو عمر [١] بن مهدي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ [قال: حدثني جدي قَالَ: حدثني يوسف بن يعقوب] [٢] الصَّفَّار [٣] قَالَ: سمعت عاصم بن علي [بن عاصم] [٤] يقول: قَالَ: أخبرنا أَبِي أنه صام ثمانين شهر رمضان ومات وهو ابن أربع وتسعين سنة [٥] .

стр. 3271

ثم دخلت سنة اثنتين ومائتين فمن الحوادث فيها: أن أهل بغداد خلعوا المأمون، وبايعوا لإبراهيم بن المهدي بالخلافة، وسمّوه المبارك [وفي وقت فعلهم هذا قولان: أحدهما أنه أول يوم من المحرم والثاني لخمس خلون منه. وصعد إبْرَاهِيم المنبر] [١] فكان أول من بايعه عبيد الله بن محمد الهاشمي، ثم منصور بن المهدي، ثم سائر الناس، ثم [٢] بنو هاشم ثم القواد، وكان المتولي لأخذ البيعة المطلب بن عبد الله بْن مالك، وكان الذي سعى في ذلك وقام به: السندي، وصالح صاحب المصلى، ومنجاب [٣] ، ونصير الوصيف وسائر الموالي [إلا أن] [٤] الذين سميناهم كانوا الرؤساء والقادة، وإنما فعلوا ذلك غضبا على المأمون حين أراد إخراج الخلافة من ولد العباس إلى ولد علي، ولترك لباس آبائه من السواد ولبس الخضرة [٥] . ولما فرغ من البيعة وعد الجند أن يعطيهم أرزاقا لستة أشهر، فدافعهم بها، فلمّا رأوا ذلك شنعوا عَلَيْهِ، فأعطى كل رجل منهم مائتي درهم، وكتب لبعضهم إلى السواد بقيمة مالهم من الحنطة [٦] ، فخرجوا في قبضها، فلم يمروا بشيء إلا نهبوه وأخذوا

стр. 3272

النصيبين جميعا: / نصيب أهل البلاد ونصيب السلطان، وغلب إبراهيم مع [أهل] [١] بغداد على [أهل] [٢] الكوفة والسواد كله، وعسكر بالمدائن، وولى الجانب الشرقي من بغداد العباس، والجانب الغربي إسحاق بن موسى الهادي [٣] . وأمر أن يستتاب المريسي. أخبرنا أبو منصور قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر بْن ثابت قَالَ: أخبرنا علي بن أبي علي قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر قَالَ: هاجت العامة على بشر المريسي فسألوا إبراهيم بن المهدي أن يستتيبه [٤] ، وأمر إبراهيم قتيبة بن زياد القاضي أن يحضره مسجد الرصافة. فحدثني محمد بن أحمد بن إسحاق، عَن محمد بن خلف قَالَ: سمعت محمد بن عبد الرحمن الصيرفي يَقُولُ: شهدت المسجد الجامع بالرصافة وقد اجتمع الناس، وجلس [٥] قتيبة بن زياد، وأقيم بشر المريسي [٦] على صندوق من صناديق [٧] المصاحف عند باب الخدم [٨] ، وقام المستمليان أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس مستملي ابن عُيَيْنَة، وهارون بن موسى مستملي يزيد بن هارون يذكران: أن أمير المؤمنين إبراهيم بن المهدي أمر قاضيه قتيبة بن زياد أن يستتيب [٩] بشر بن غياث المريسي عن أشياء عددها منها: ذكر القرآن وغيره، وأنه تائب، فرفع بشر صوته يَقُولُ: معاذ الله، إني لست بتائب، فكثر الناس عليه حتى كادوا يقتلونه وأدخل إلى باب الخدم، وتفرّق الناس.

стр. 3273

وفي هذه السنة: خرج مهدي بن علوان الحروري فوجه/ إليه إبراهيم بن المهدي أبا إسحاق بن الرشيد [١] في جماعة من القواد فهزم مهديا [٢] . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ [٣] قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّهِ بْن عمر بْن أَحْمَد الواعظ قَالَ: أخبرنا أَبِي قَالَ: قال إسماعيل بن عليّ: وبايع أهل بغداد لأبي إسحاق [٤] إبراهيم بن المهدي ببغداد [٥] في داره المنسوبة إليه في ناحية سوق العطش وسموه المبارك، ويقال: سمي المرضي [٦] ، وذلك يوم الجمعة [٧] لخمس خلون من المحرم سنة اثنتين ومائتين وأمه أم ولد يقال لها: شكلة وبها يعرف، فغلب على الكوفة والسواد، وخطب له على المنابر وعسكر بالمدائن، ثم رجع إلى بغداد، فأقام بها، والحسن بن سهل مقيم في حدود واسط خليفة للمأمون، والمأمون ببلاد خراسان، فلم يزل إبراهيم مقيما ببغداد عَلَى أمره يدعى بأمير المؤمنين، ويخطب له على منبري بغداد، وما غلب عليه من السواد والكوفة، ثم رحل المأمون متوجها إلى العراق، وقد توفي [٨] علي بن موسى الرضي، فلما أشرف المأمون على العراق، وقرب من بغداد، ضعف أمر إبراهيم بن المهدي، وقصرت يده، وتفرق الناس عنه، فلم يزل على ذلك إلى أن حضر الأضحى من سنة ثلاث ومائتين. وفي هذه السنة [٩] : وثب أخو أبي السرايا بالكوفة فبيض، واجتمعت إليه جماعة، فلقيه غسّان بن الفرج في رجب، فقتله وبعث برأسه إلى إبراهيم بن المهدي. وفيها: ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل/ بن سلامة المطوعي، فحبسه وعاقبه،

стр. 3274

وقد ذكر عن سهل أنه كان يأمر بالمعروف، واجتمع إليه عامة أهل بغداد، وكان كل من أجابه يثني على بابه برجا بجص وآجر، وينصب عليه السلاح والمصحف، حتى بلغوا قرب باب الشّام، وكان سهل يذكر الولاة بأقبح أعمالهم ويقول: الفساق. فقاتله أصحاب إبراهيم بْن المهدي، وخذله العوام حتى أخذ، فأتى به إسحاق بن الهادي فقال لَهُ: حرضت علينا الناس وعبت أمرنا. فَقَالَ: إنما كنت أدعو إلى العمل بالكتاب والسنة. فقالوا [١] له: اخرج فقل إنما الّذي كنت أدعو إليه باطل: فخرج فَقَالَ: إن الذي كنت أدعو إليه من الكتاب والسنة أنا أدعو إليه اليوم. فوجئ عنقه وضربوه وقيد وحبس وخفي أمره [٢] . وفي هذه السنة [٣] : شخص المأمون من مرو يريد العراق. وكان سبب ذلك: أنه أخبر بالقتال والفتن منذ قتل الأمين، وأن أهل بيته قد غضبوا لمبايعة علي بن موسى وأنهم قد بايعوا لإبراهيم بن المهدي، وكان الفضل بن سهل يكتمه هذه الأحوال، فلما أخبر بها وبان [٤] أن هرثمة إنما جاء لنصحه، وأنه إن لم يتدارك الأمر خرجت الخلافة من يده، وأن طاهر بن الحسين لما وطأ له الخلافة أخرج من الأمر وصير في زاوية في الرقة، وأنه لو كان ببغداد لم يجترئ أحد على ما اجترأ عليه، وإنك لو خرجت عاد إليك بنو هاشم كلهم وأطاعوا، ولم يخبروا بهذا حتى [٥] أخذوا خطة بالأمان من الفضل بن سهل، لأنه كان لا يظهره على شيء من هذا/ فلما تحقق الأمر عنده، وأمر بالرحيل إلى بغداد، علم الفضل بن سهل ببعض أمورهم، فتعنتهم [٦] فضرب بعضهم بالسياط، وحبس بعضهم، ثم ارتحل من مرو، فلما دخل سرخس دخل أربعة نفر على الفضل بن سهل [٧] وهو في الحمام، فقتلوه وهربوا، فطلبهم المأمون

стр. 3275

فقتلهم، وبعث برءوسهم إلى الحسن بن سهل، وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل بْن سهل [١] ، وأنه صيره مكانه، ووصل الخبر بذلك إلى الحسن في رمضان، وجعل المطلب يدعو في السر للمأمون، وخلع إبراهيم، فأجابه منصور، وخزيمة، وقواد كثير، وعلم إبراهيم فبعث إلى المطلب، ومنصور، وخزيمة فاعتلوا عليه، ونهب ألفا من [٢] دار المطَّلِب [٣] . وفي هذه السنة: تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل، إلا أنه دخل بها في سنة عشر، وسنذكر هناك خبرها [٤] . وفي هذه السنة [٥] : زوج المأمون علي بن موسى الرضي ابنته أم حبيب، وزوج محمد بن علي بْن موسى ابنته أم الفضل [٦] . أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بَكْرٍ [٧] أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أجاز لي أبو نصر أحمد بن محمد بن حسنون النرسي وحدثنيه ثقة من أصحابنا عَنْه قَالَ: أخبرنا إبْرَاهِيم بن حامد بن شباب الأصبهاني قَالَ: أخبرنا أحمد بن يحيى [٨] قَالَ: سمعت يحيى بن أكثم يَقُولُ: لما أراد المأمون أن يزوج ابنته من الرضي، قال لي يا يحيى تكلم. قَالَ: فأجللته أن أقول له: أنكحت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت الحاكم الأكبر وأنت أولى بالكلام، فقال: الحمد للَّه الذي تصاغرت الأمور بمشيئته، ولا إله إلا الله/ إقرارا بربوبيته وصلى الله على سيدنا محمد عند ذكره، أما بعد: فإن الله جعل النكاح الذي رضيه سببا للمناسبة ألا وإني قد زوّجت ابنتي من

стр. 3276

علي بن موسى الرضي، وأمهرتها عنه أربعمائة درهم. وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد ودعا لأخيه بعد المأمون بولاية العهد، ومضى إبراهيم بن موسى إلى اليمن، وكان قد غلب عليها حمدويه بن علي بن موسى بن ماهان [١] . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١١٠٥- الفضل بن سهل بن عبد الله، أبو العباس الملقب ذا الرئاستين [٢] . كان من أولاد ملوك المجوس، وأسلم أبوه سهل في أيام الرشيد، واتصل بيحيى بن خالد البرمكي، واتصل الفضل والحسن ابنا سهل بالفضل وجعفر ابنا يحيى بن خالد، فضم جعفر بْن يحيى الفضل بن سهل إلى المأمون وهو ولي عهد، وقيل: إن الفضل لما أراد أن يسلم كره أن يسلم على يد الرشيد والمأمون، فصار وحده إلى الجامع يوم الجمعة، فاغتسل ولبس ثيابه، ورجع مسلما، وغلب على المأمون لخلاله الجميلة من الكرم والوفاء والبلاغة والكتابة، فلما استخلف المأمون فوض إليه أموره كلها، وسماه ذا الرئاستين لتدبيره أمر السيف والقلم. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد بن عمر النرسي [٣] قَالَ: أخبرنا أحمد بن محمد بن المكتفي باللَّه قال: حَدَّثَنَا/ ابن الأنباري قَالَ: قال رجل للفضل بن سهل اسكتني عن وصفك تساوي أفعالك في السؤدد وحيرني فيها كثرة عددها، فليس [لي] [٤] إلى ذكرها جميعها [٥] سبيل، وإذا أردت وصف واحدة اعترضت أختها إذ كانت الأولى ليست بأحق

стр. 3277

في الذكر، فلست أصفها إلا بإظهار العجز عن وصفها [١] . أخبرنا عبد الرحمن [بن محمد] [٢] قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو بشر محمد بن أبي السري الوكيل قَالَ: حدثنا أبو عبيد الله محمد [٣] بن عمران المرزباني قال: أخبرني الصولي قال: [أنشدنا ثعلب قال:] [٤] أنشدنا إبراهيم بن العباس الصولي لنفسه في الفضل بن سهل: لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل فبسطتها للغنى ... وسطوتها للأجل وباطنها للندى ... وظاهرها للقبل فأخذه ابن الرومي فقال للقاسم بن عبيد الله: أصبحت بين خصاصة وتجمل ... والمرء بينهما يموت هزيلا فامدد إلي يدا تعود بطنها ... بذل النوال وظهرها التقبيلا [٥] أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ] [٦] قَالَ: أخبرنا أحمد بن محمد بن علي [ابن ثابت] [٧] قَالَ: أخبرني أَبُو بَكْرِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الواحد المنكدري قَالَ: حدثني [أبو] [٨] أحمد بن عبيد الله بن محمد بن أحمد المنقري قَالَ: أخبرنا الصولي قَالَ: أخبرنا القاسم بن إِسْمَاعِيل قَالَ [٩] : حدثني إبراهيم بن العباس الصولي قَالَ: اعتل

стр. 3278

الفضل بن سهل ذو الرئاستين علة بخراسان ثم برأ، فجلس [١] للناس فهنأوه [٢] بالعافية وتصرفوا في الكلام [٣] ، فلما فرغوا/ أقبل على الناس فَقَالَ: إن في العلل لنعما ينبغي للعقلاء أن يعرفوها بمحيص الذنوب، وتعرض لثواب الصبر، وإيقاظ من الغفلة، وإذكار بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء للتوبة وحض على الصدقة، فنسي الناس ما تكلموا به وانصرفوا بكلام الفضل [٤] . أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قَالَ: أخبرني الحسن بن أبي بَكْر قَالَ: كتب إلي محمد بن إبراهيم أن أحمد بن حمدان أخبرهم قَالَ: حدثنا أحمد بن [٥] يونس الضَّبُّي قَالَ: حدثنا أبو حسان الزيادي قَالَ: سنة اثنتين ومائتين فيها قتل ذو الرئاستين الفضل بْن سهل [٦] يوم الخميس لليلتين خلتا من شعبان بسرخس في الحمام، اغتاله نفر، فدخلوا عليه فقتلوه، فقتل به المأمون عبد العزيز بن عمران الطائي، ومؤنس بن عمران البصري، وخلف بن عمرو البصري، وعلي بن أبي سعيد، وسراجا الخادم [٧] . قال المصنف ﵀ [٨] : وفي رواية أخرى: أنه لما رحل المأمون من مرو ووصل [٩] إلى سرخس، شد أربع نفر من خواص المأمون وهم غالب المسعودي، وقسطنطين الرومي، وفرج الديلميّ، وموفق الصقلي على الفضل بن سهل وهو في الحمام فقتلوه وهربوا، وذلك في يوم الجمعة لليلتين [١٠] خلتا من شعبان هذه السنة، فجعل المأمون لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار، فجاء بهم العباس بن القاسم، فقالوا للمأمون: أنت أمرتنا بقتله فأمر بهم فضربت أعناقهم. وذكر الجاحظ أن عمر الفضل كان إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر. ١١٠٦- يحيى بن المبارك/ بن المغيرة، أبو محمد العدوي، المعروف باليزيدي صاحب أبي عمرو بن العلاء [١١] .

стр. 3279

حدث عن أبي عمرو وابن جُرَيْج، وأخذ عَن الخليل من اللغة أمرا عظيما، وجلس يوما إلى جانبه، فقال له: احسبني ضيقت عليك؟ فقال الخليل: ما ضاق شيء عن صاحبين، والدنيا ما تسع متباغضين. وإنما قيل له: اليزيدي، لأنه كان منقطعا إلى يزيد بن منصور الحميري يؤدب ولده، فنسب إِلَيْهِ. ثم اتصل بالرشيد فجعل المأمون في حجره، وكان يكلم الأمين والمأمون وهما صبيان بكلام بقصيدته تعلم الفصاحة: فأكلا يوما كمأة فتحمرا، فقال لهما اليزيدي: «فلأكلأكما كمأكما لا سوا أن سوالا سلا» [؟] . [١] . وكان الرشيد قد وكل بهما خادما يؤدي إليه ما يجري منهما، فمضى إلى الرشيد وقال له: إنه اليوم علمهما كلام الزنجية، فدعاه فَقَالَ: أحسنت الزنجية قط، قَالَ: كذا عرفني الخادم. فقال الخادم: بلى، قد كان ذلك وقت أكل الكمأة، فقال اليزيدي: إنما قلت كذا ليتفصحا، وأنا أفعل مثل هذا كثيرا. فقال الرشيد: لا تلم الخادم، فلولا التقدمة لظننته أنَا بالزنجية. وكان اليزيدي أحد القراء الفصحاء الشعراء، عالما بلغات العرب، ثقة، وكان يجلس في أيام الرشيد مع الكسائي ببغداد في مسجد واحد يقرئان الناس، وكان الكسائي يؤدب الأمين، واليزيدي يؤدب المأمون/ فأقر الرشيد الكسائي أن يأخذ على الأمين بحرف حمزة، وأمر اليزيدي أن يعلم المأمون حرف أبي عَمْرو. أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد البزاز، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيد السيرافي، قَالَ: أخبرنا محمد بن أبي الأزهر، قَالَ: أخبرنا الزُّبَيْر بن بكار قَالَ: أنشدني: إسحاق بن أبي إبْرَاهِيم، قَالَ: أنشدني أبو محمد اليزيدي: إذا نكبات الدهر لم تعظ الفتى ... وتفرغ منه، لم تعظه عواذله ومن لم يؤدبه أبوه وأمه ... تؤدبه روع [٢] الردى وزلازله فدع عنك ما لا تستطيع ولا تطع ... هواك ولا يغلب بحقك باطله

стр. 3280

توفي اليزيدي في هذه السنة. ١١٠٧- أبو إسحاق الدولابي [١] . من أهل الري، كان يقال إنه من الأبدال، وله كرامات. أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الخطيب، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن رزق، إجازة، حدثنا جعفر الجلدي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن منصور قَالَ: سمعت محمد بن منصور يَقُولُ: جئت مرة إلى معروف الكرخي، فغض أنامله وقَالَ: هاه، لو لحقت أبا إسحاق الدولابي كان ها هنا الساعة يسلم علي، فذهبت أقوم، فقال لي: اجلس، لعله قد بلغ منزله بالري. توفي أبو إسحاق الدولابي في هذه السنة، رحمة الله عليه.

стр. 3281

ثم دخلت سنة ثلاث ومائتين فمن الحوادث فيها: أن المأمون شخص من سرخس حتى صار إلى طوس، فأقام عند قبر أبيه أياما، ثم إن علي بْن موسى بن جعفر أكل عنبا فأكثر منه فمات فجأة، وذلك في آخر صفر فصلى عليه المأمون وأمر بدفنه عند قبر أبيه الرشيد، وكتب في شهر ربيع الأول إلى الحسن بن سهل يعلمه بوفاته، ويعلمه ما دخل عليه من الغم به، وكتب إلى بني العباس والموالي وأهل بغداد يعلمهم موت علي، وإنهم إنما نقموا بيعته من بعده، ويسألهم الدخول في طاعته فكتبوا إِلَيْهِ بأغلظ كتاب [١] . ورحل المأمون من طوس يريد بغداد، فلما صار إلى الري أسقط من وظيفتها ألف ألف درهم [٢] . وفي هذه السنة: غلبت السوداء على الحسن بن سهل فتغير بذلك المرض عقله حتى قيد، وكتب بذلك قواد الحسن [٣] إلى المأمون، فكتب أن يكون على عسكره دينار بن عبد الله [٤] . وفيها: ضرب إبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد بن أبي خالد، وحبسه. وسبب ذلك: أنه كان يكاتب حميدا والحسن، ويظهر لإبراهيم الطاعة، فإذا قال

стр. 3282

له إبْرَاهِيم: تهيأ للخروج لقتال حميد، اعتل بأن الجند يريدون أرزاقهم، وتارة يَقُولُ/: حتى تدرك الغلة، فلما توثق فيما بينه وبين الحسن وحميد فارقهم على أن يدفع إليهم إبراهيم يوم الجمعة لانسلاخ شوال، فبلغ ذلك إبراهيم، فأخذ الحذر، وبعث إليه ليأتي، فاعتل، فأعاد الرَّسُول فأمر به، فضرب وحبس، وأخذ جماعة من قواده فحبسهم وحبس أم ولده وصبيانه، فنهض أهل بيت عيسى وأصحابه فحرضوا الناس على إبراهيم، فشدوا على عامل إبراهيم فطردوه، وطردوا جميع عماله، فلما كان يوم الجمعة صلوا أربع ركعات بغير خطبة، فأخرج إبراهيم عيسى من الحبس، وسأله المدافعة عنه فأبى، وأخرج إبراهيم أصحابه ليقاتلوا، فهزمهم حميد، فلما رأى إبراهيم هذه الحال اختفى في ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة، وبعث المطلب إلى حميد يعلمه أنه قد أحاط بدار إبْرَاهِيم، فإن كان يريده فليأته، فأتوا فلم يجدوه في الدار [١] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: حدثنا عبيد الله بن عمر الواعظ قال: حدثنا أبي قال: إسماعيل بن عليّ لما حضر الأضحى من سنة ثلاث ومائتين: ركب إبراهيم في زي الخلافة، فصلى بالناس صلاة الأضحى، ومضى من يومه إلى داره المعروفة، فلم يزل فيها إلى آخر النهار، ثم خرج منها بالليل، فاستتر وانقضى أمره، وكانت مدته منذ بويع/ له بمدينة السلام إلى أن استتر سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيام، ثم ظفر به المأمون، فعفا عنه، فلم يزل ظاهرا مكرما إلى أن تُوُفِّي. وفي هذه السنة: انكسفت الشمس لليلة بقيت من ذي الحجة حتى ذهب ضوؤها، وغاب أكثر من ثلثيها، فلم تزل كذلك حتى قرب الظهر ثم انجلت [٢] . وصار المأمون إلى همذان في ذي الحجة في آخرها [٣] . وحج بالناس في هذه السنة: سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي [٤] .

стр. 3283

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١١٠٨- أحمد بن أبي طيبة بن عيسى بن سليمان بن دينار الدارمي [١] . حدث عن مالك بن أنس، وولاه المأمون قضاء جرجان، ثم ولاه قضاء قومس، فأقام بها يقضي حتى توفي في هذه السنة. ١١٠٩- حسين بن عليّ [أبو عبد الله] [٢] الجعفي: كان عالما عابدا، قال أحمد بن حنبل: ما رأيت بالكوفة أفضل من حسين الجعفي كان يشبه بالرهبان. أخبرنا ابن ناصر قال: أخبرنا عبد القادر بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن عمر البرمكي قَالَ: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر قَالَ: أخبرنا أبو بكر الخلال قَالَ: حدثني مُحَمَّد بن عبيد الرَّحبي قَالَ: سمعت أبا بكر بن سماعة يَقُولُ: كنا عند ابن أبي عمر العدني [٣] بمكة، فسمعناه يَقُولُ/: قدم علينا هارون قدمة إلى هذا المسجد، فأخبرني الخادم الذي كان معه قَالَ: كنت معه ومعه جعفر بن يحيى، فخرجنا جميعا حتى صرنا إلى الثنية فقال لي: سل عَن حسين بن علي [٤] الجعفي فلقيت رجلا، فقلت لَهُ [٥] : حسين بن علي الجعفي؟ فَقَالَ: هو ذا يطلع عليك راكبا حمارا وخلفه أسود يقود أحمالا له، فإذا هو قد طلع، فقلت: هو ذا يا أمير المؤمنين، فلما حاذاه قام إليه، فقبل يده أو قال رجله- فقال له جعفر: أتدري من المسلم عليك يا شَيْخ؟ [٦] هو أمير المؤمنين [هارون] [٧] فالتفت إليه حسين فقال له: أنت يا حسن الوجه مسئول عن هذا الخلق كلهم. فقعد يبكي وأتانا آت ونحن عند ابن عيينة، فقال لسفيان [٨] قدم [حسين بن علي]

стр. 3284

الجعفي، فقام إليه يتلقاه وخرجنا معه، فلما صار في الطريق إلى باب بني شيبة لقيه فضيل بن عياض فقال له: أين تريد يا أبا مُحَمَّد؟ فَقَالَ: قدم حسين الجعفي فأردت لقاءه، فقال: أنا معك، فخرجا يمشيان جميعا ونحن خلفهما، فلما صرنا في أصحاب اللؤلؤ إذا حسين راكب حمارا [١] ، فتقدم إليه فضيل فقبل رجله، وتقدم سفيان فقبل يده أو قبل سفيان رجله وفُضَيْل يده، فقال له فضيل: بأي رجل تعلمت القرآن على يديه أو علمني الله القرآن على يديه. ثم دخل المسجد فطاف بالكعبة، وجاء إلى الأسطوانة الحمراء فقعد عندها، فأكب الناس عَلَيْهِ. توفي الجعفي في هذه السنة. ١١١٠- الحسين بن الوليد، أبو عبد الله القرشي/ النيسابوري [٢] . سَمِعَ ابن جريج، وابن أبي ذئب [٣] ، ومالك بن أنس [٤] وابن لهيعة، والثوري، والحمادين. روى عَنْه: أحمد بن حنبل، وابن راهويه، ويحيى بن يحيى، وكان ثقة فقيها قارئا للقرآن، قرأ عَلَى الكسائي، وكان يغزو الترك في كل ثلاث سنين ويحج في كل خمس وكان له مال، وكان سخيا، وكان يَقُولُ: من تعشى عندي فقد أكرمني. توفي في هذه السنة، وقيل في التي قبلها. ١١١١- خزيمة بن خازم النهشلي القائد [٥] . كان له تقدم ومنزلة عند الخلفاء، ودرب خزيمة ببغداد ينسب إليه، وقد أسند الحديث عن ابن أبي ذئب. توفي في شعبان هذه السنة بعد أن عمي.

стр. 3285

١١١٢- زيد بن الحباب بن الريان، أبو الحسن التيمي العكلي [الكوفي] [١] . سمع [٢] مالك بن مغول، وسفيان الثوري، وشعبة، ومالك بن أنس، وابن أبي ذئب. روى عنه: يزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، وقال فيه: كان صاحب حديث كيسا صدوقا، وقد رحل إلى مصر وخراسان في الحديث [٣] ، وما كان أصبره على الفقر. توفي في هذه السنة. ١١١٣- عمرو بن شعيب [٤] أبو داود الجعفري، وجفر موضع . أخبرنا ابن ناصر قال: أنبأنا الحسن بن أحمد قَالَ: أخبرنا أبو محمد الخلال قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بكر أَحْمَد بن مُحَمَّد بن غالب قَالَ: قرأت على أبي بكر محمد بن أحمد بن جعفر القاضي، حدثكم محمد بن العباس المستملي قَالَ: حدثنا أبو بكر/ المروزي قَالَ: سمعت أحمد بن حنبل يَقُولُ: رأيت أبا داود الجفري وعليه جبة مخرقة قد خرج القطن منها يصلي بين المغرب والعشاء وهو يترجج من الجوع، وبلغني عن عباس الدُّوري [٥] قَالَ: لو رأيت أبا داود لرأيت رجلا كأنه أطلع على النار فرأى ما فيها. أسند أبو داود عن الثوري وغيره. وتوفي في هذه السنة. ١١١٤- علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب- ﵈ أبو الحسن الرضي [٦] . سَمِعَ أَبَاهُ، وعمومته، وغيرهم، وكان يفتي في مسجد رسول الله ﷺ وهو ابن نيف

стр. 3286

وعشرين سنة، وكان المأمون قد أمر بإشخاصه من المدينة، فلما قدم نيسابور [خرج] [١] وهو في عماريه على بغلة شهباء فخرج علماء البلد في طلبه [مثل] [٢] يحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن رافع [٣] ، وأحمد بن حرب، وغيرهم. فأقام بها مدة، والمأمون بمرو إلى أن أمر [٤] بأخراجه إليه، وجعله ولي عهده على ما سبق ذكره، فلما رأوا أن الخلافة قد خرجت إلى أولاد علي بن أبي طالب ﵁ سقوا علي بن موسى. فتوفي بطوس في قرية يقال لها سناباذ في رمضان هذه السنة. فقال الصولي: ومدحه أبو نواس فَقَالَ [٥] : قيل لي أنت واحد الناس في كل ... ل كلام من المقال بديه لك في جوهر الكلام بديع ... يثمر الدر في يدي مجتنيه/ فعلى من تركت مدح ابن موسى ... والخصال التي تجمعن فيه قلت لا أهتدي لمدح إمام ... كان جبريل خادما لأبيه ١١١٥- محمد بن بكر، أبو عثمان [٦] ، وقيل: أبو عبد الله البصري البرساني، وبرسان من الأزد [٧] . سمع ابن جريج، وسعيد بن أبي عروبة، وشُعْبة. وقدم بغداد وحدث بها فروى عنه أَحْمَد بْن حنبل، ويحيى بْن معين، وغيرهما. وقال يحيى: كان ثقة ظريفا. وتوفي بالبصرة في ذي الحجة من هذه السنة وقيل: في سنة أربع. ١١١٦- محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أَبُو جعفر [١] ، ويعرف: بالديباج لقب به لحسن وجهه، وهو أخو إسحاق وموسى وعلي بن جعفر

стр. 3287

[٢] . حدث عن أبيه، روى عنه جماعة وكان محمد قد خرج بمكة في أيام المأمون، ودعا إلى نفسه فبايعه أهل الحجاز وتهامة بالخلافة يوم الجمعة لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة مائتين، فلم يزل يسلم [٣] عليه بالخلافة منذ بويع [٤] إلى يوم الثلاثاء خامس جمادى الأول [٥] . فحج بالناس المعتصم، وبعث إليه من حاربه وقبض عليه، وأورده بغداد في صحبته، والمأمون إذ ذاك بخراسان، فوجه به إليه، فعفا عنه، ولم يمكث إلا يسيرا حتى توفي عنده، فقيل إنّه جامع وافتصد ودخل الحمام في يوم واحد، فكان سبب موته. أخبرنا [عبد الرحمن] القزاز قال: أخبرنا [أحمد بن على بن] [٦] ثابت قال: أخبرنا الحسن بن أَبِي بَكْر قال: أخبرنا أبو الحسن بن محمد بْن يحيى/ بْن الْحَسَن العلوي قَالَ: حدثنا جدي قَالَ: كَانَ محمد بن جعفر شجاعا عاقلا فاضلا، وكان يصوم يوما. ويفطر يوما، وكانت زوجته خديجة ابنة عبد اللَّه بن الحسين تَقُولُ: ما خرج من عندنا في ثوب قط فرجع حتى يكسوه [٧] . قَالَ أبو مُحَمَّد: وحدثنا جدي قَالَ: حدثنا داود بن المبارك قَالَ: توفي محمد بن جعفر بخراسان مع المأمون، فركب المأمون لشهوده حتى دخل به القبر فلم يزل فيه حتى بنى عليه، ثم خرج فقام على القبر فدعا له [٨] عبد الله وقَالَ [٩] : يا أمير المؤمنين، إنك قد تعبت فلو ركبت فقال له المأمون: هذه رحم قطعت من مائتي سنة.

стр. 3288

١١١٧- مصعب بن المقدام، أبو عبد الله الخثعمي الكوفي [١] . سمع مسعرا، وسفيان الثَّورِي، روى عنه: أبو كريب، وابن راهويه، وكان ثقة [صدوقا] [٢] . توفي في هذه السنة. ١١١٨- النضر بن شميل، أبو الحسن المازني المروزي [٣] . سكن مرو، وسمع من ابن عون، وعوف، وشعبة، وغيرهم. وكان راوية للشعر، وله المعرفة بالنحو واللغة وأيام النَّاسَ. توفي بخراسان [في هذه السنة] [٤] . أخبرنا ابن نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ علي بن ميمون قال: أخبرنا عبد الله بن محمد العلوي وأبو الفرج محمد بن أحمد بن علان الشاهد قالا: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن عبد الله الهرواني قَالَ: وحدثني أبو القاسم الحسن بن محمد السكوني قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي قَالَ: وحدثني الزبير بن بكار قَالَ: حَدَّثَني النضر بن شميل قَالَ: دخلت على المأمون بمرو وعلي أطمار مرعبله؟ [٥] فقال لي: يا نضر/ تدخل عَلَى أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب، فقلت: يا أمير المؤمنين إن حر مرو لا يدفع إلّا بمثل هذه الأخلاق فقال: لا ولكنك متقشف، فتجارينا الحديث، فقال المأمون: حَدَّثَنِي هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابن عباس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، «إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ لِدِينِهَا وَجَمَالِهَا كَانَ ذَلِكَ سَدَادٌ مِنْ عِوَزٍ» [قُلْتُ: صَدَقَ فُوكَ عَنْ هُشَيْمٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، حَدَّثَنِي عَوْفٌ الأَعْرَابِيُّ عَنِ الْحَسَنِ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ إِلَى الْمَرْأَةِ لِدِينِهَا وَجَمَالِهَا كَانَ

стр. 3289

فِي ذَلِكَ سَدَادٌ مِنْ عِوَزٍ» . وكان المأمون متكئا] [١] فاستوى المأمون [٢] جالسا وقَالَ: السداد لحن يا نضر، قُلْتُ: نعم ها هنا، وإنما لحن هشيم وكان لحانة، فَقَالَ: ما الفرق بينهما؟ قلت: السداد: القصد [٣] في الدين والسبيل. والسداد: البلغة، وكلما سددت به شيئا فهو سداد قَالَ: فتعرف العرب ذَلِكَ، قُلْتُ: نعم، هذا العرجي من ولد عثمان بن عفان يَقُولُ: أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... اليوم كريهه وسداد ثغر قَالَ: فأطرق المأمون مليا ثم قَالَ: قبح الله من لا أدب له، ثم قَالَ: أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب، قُلْتُ: قول ابن بيض يا أمير المؤمنين [٤] في الحكم بن مروان: تقول لي والعيون هاجعة ... أقم علينا يوما فلم أقم أي الوجوه انتجعت قلت لها ... وأي وجه إلا إلى الحكم متى يقل حاجبا سرادقه ... هذا ابن بيض بالباب يبتسم قد كنت أسلمت فيك مقتبلا ... فهات ادخل أعطى سلمي قال المأمون للَّه درك لكأنما شق لك عن قلبي أنشدني/ أنصف بيت قالته العرب، قلت قول ابن أبي عروبة [المديني] [٥] : إني وإن كان ابن عمي غائبا ... لمزاحم من خلفه وورائه ومفيده نصري وإن كان أمرأ ... متزحزحا في أرضه وسمائه وأكون واري سره فأصونه ... حتى يحن علي وقت أدائه [٦] وإذا الحوادث أجحفت بسوامه ... قربت صحيحهما إلى جريان [٧]

стр. 3290

وإذا دعى باسمي لأركب مركبا ... صعبا قعدت [١] له على سيسائه وإذا أتى من وجهه بطريقه ... لم أطلع مما وراء خبائه وإذا ارتدى ثوبا جميلا لم أقل ... يا ليت أن علي فضل ردائه قَالَ: أحسنت يا نضر، أنشدني الآن أقنع بيت للعرب، فأنشدته قول ابن عبدل [٢] : إني امرؤ لم أزل وذاك من ... الله أديب أعلم الأدبا أقيم بالدار ما أطمأنت بي الدار ... وإن كنت نازحا طربا لا أجتري خلة الصديق ولا ... أنفع نفسي شيئا إذا ذهبا أطلب ما يطلب الكرام من الر ... زق بنفسي وأجمل الطلبا وأحلب الترة الصفي ولا ... أجهد أخلاف غيرها حلبا / إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغبته في صنيعه رغبا والعبد لا يطلب الفلاة ولا ... يعطيك شيئا إلا إذا رهبا مثل الحمار الموقع السوء لا ... يحسن مشيا إلا إذا ضربا ولم أجد عروة الخلائق إلا ... الدين إذ اخترت والحسبا قد يرزق الخافض المقيم وما ... شد [٣] لعيس رجلا ولا قتبا ويحرم الرزق ذو المطية و ... الرحل ومن لا يزال مغتربا قَالَ: أحسنت ما شئت يا نضر فعندك ضد هذا، قلت: نعم أحسن منه قَالَ: هات، فأنشدته: يد المعروف غيم حيث كانت ... تحملها كفور أو شكور قَالَ: أحسنت يا نضر، فكتب شيئا لا أدري ما هُوَ [٤] ، ثم قَالَ: كيف تقول [٥] :

стр. 3291

أفعل من [١] التراب [٢] ؟ قلت: أترب قَالَ: والطين [٣] ، قلت: أطين [٤] ، قَالَ: والكتاب ماذا؟ قُلْتُ: مترب ومطين. قال هذه أحسن من الأولى، وكتب لي بخمسين ألف درهم، ثم أمر الخادم أن يأتي به الفضل بن سهل ومضيت معه [فلما قرأ الكتاب] [٥] قَالَ: لحنت أمير المؤمنين [يا نضر] [٦] قُلْتُ: كلا ولكن هشيما لحانه. فأمر لي بثلاثين ألف درهم [٧] ، فخرجت إلى منزلي بثمانين ألف درهم.

стр. 3292

ثم دخلت سنة أربع ومائتين فمن الحوادث فيها: قدوم المأمون العراق وانقطاع مواد الفتن/ من بغداد. وكان المأمون لما توجه إلى العراق خلف غسان [١] بن عباد، فولى أحمد بن أسد الساماني [٢] فرغانة وأخاه نوح بن أسد سمرقند، وأخاه يحيى بن أسد: الشاس [٣] وأشروسنة، وأخاهم [٤] إلياس بن أسد هراة، وهؤلاء أولاد أسد بن سامان، وكان سامان من أصحاب أبي مسلم لما ظهر بخراسان، ثم توفي وخلف ابنه أسدا، ثم توفي فخلف هؤلاء وكان [٥] أحمد أحسنهم سيرة، وكان المأمون [٦] في سفره قد أقام بجرجان شهرا، ثم قدم الري، فأقام أياما، ثم جعل يسير فيقيم اليوم واليومين، فقال لَهُ أَحْمَد بن أبي خالد: يا أمير المؤمنين، نقدم بغداد وليس معنا سوى خمسين ألف درهم [٧] : فكيف حالنا [٨] إن هاج أمر!؟ فقال

стр. 3293

المأمون [١] : إنما نقدم على ظالم فلا يتوقع [إلا عفونا، ومظلوم فيتوقع] [٢] إنصافنا فمن كان لا ظالما ولا مظلوما فبيته يسعه. فلما وصل إلى النهروان وذلك يوم السبت أقام ثمانية أيام فخرج إليه أهل بيته والقواد ووجوه الناس، وكان قد كتب إلى طاهر بن الحسين أن يوافيه [٣] ، بالنهروان، فلقيه بها ثم دخل بغداد يوم السبت لأربع عشرة [ليلة] [٤] خلت [٥] من صفر سنة أربع ومائتين بعد ارتفاع النهار، ولباسه ولباس أصحابه قلانسهم وأعلامهم كلها الخضرة، ولبس أهل بغداد/ وبنو هاشم كلهم الخضرة وكانوا يخرقون كل شيء يرونه من السواد، فلما قدم نزل [٦] الرصافة، وأمر طاهرا بنزول الخيزرانية مع أصحابه، ثم تحول ونزل قصره على شاطئ دجلة، وقيل: بل أقام بالرصافة حتى بنى منازل على شاطئ دجلة عند قصره الأول في بستان مُوسَى، وأمر القواد بالإقامة في العسكر فكانوا يختلفون إلى دار المأمون كل يوم، فلما مضت ثمانية أيام تكلم بنو هاشم وولد العباس خاصة، وقالوا: يا أمير المؤمنين، تركت لباس أهل بيتك. وكان المأمون قد أمر طاهر بن الحسين أن يسأله حوائجه، فكان أول ما سأله أن يطرح لباس الخضرة ويرجع إلى لباس السواد وزي دولة الآباء، فلما رأى كراهية الناس للخضرة، دعا بسواد [٧] فلبسه، ودعى بخلعة سواد فألبسها طاهرا، ثم دعا قواده فألبسهم أقبية وقلانس سودا وطرح لباس الخضرة، وذلك يوم السبت لسبع بقين من صفر، فلم يلبس الخضرة ببغداد إلا ثمانية أيام [٨] . وروى الصولي: أن زينب بنت سليمان بن علي كلمت المأمون في ترك لباس الخضرة، والإضراب عما فعل من تولية أولاد علي ﵇ فقال [لها] [٩] : إن أبا

стр. 3294

بكر تولى فما ولى أحدا من بني هاشم، ثم عمر كذلك، ثم عثمان، فأقبل على بني عبد شمس وترك غيرهم، ثم ولي علي بن أبي طالب، فولى عبد الله بن العباس البصرة، وعبيد الله اليمن ومعبدا مكة، وقثما البحرين ما ترك منا أحدا إلا ولاه، وكانت هذه/ في أعناقنا فكافئيه بما فعل قَالَ: وقال المأمون: ألام على شكر الوصي أبي الحسن ... وذلك عندي من عجائب ذا الزمن خليفة خير الناس والأول الذي ... أعان رسول الله في السر والعلن ولولاه ما عدت لهاشم إمرة ... وكانت على الأيام تعصى وتمتهن فولى بني العباس ما اختص غيرهم ... ومن منه أولى بالتكرم والمنن فأوضح عبد الله بالبصرة الهدى ... وفاض عبيد الله جودا على اليمن وقسم عمال الخلافة بينهم ... فلا زلت مربوطا [١] بذا الشكر مرتهن أخبرنا [أبو] [٢] منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بْن علي بْن ثابت الخطيب [٣] قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن [٤] الجازري قَالَ: أَخْبَرَنَا المعافى بن زكريا قال: أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال: أخبرنا محمد بن زكريا الغلابي [٥] قَالَ: أخبرنا أبو [٦] سهل الرازي، قَالَ: لما دخل المأمون بغداد تلقاه أهلها فقال له رجل/ من الموالي: يا أمير المؤمنين، بارك الله لك في مقدمك [٧] ، وزاد في نعمك وشكرك عن رعيتك فقد فقت من قبلك، وأتعبت من بعدك، وآيست أن يعتاض عنك، لأنه لم يكن مثلك، ولا علم شبهك أما فيمن مضى فلا يعرفونه، وأما فيمن بقي فلا يرتجونه فهم بين دعاء لك، وثناء عليك، وتمسك بك، أخصب لهم جنابك،

стр. 3295

واحلولي [١] لهم ثوابك، وكرمت مقدرتك، وحسنت أثرتك، فجبرت الفقير وفككت الأسير، فأنت كما قال الشاعر: ما زلت في البذل للنوال ... وإطلاق لعان بحرمه علق حتى تمنى البراء أنهم ... عندك أمسوا في القيد والحلق فقال [له] [٢] المأمون: مثلك يعيب من لا يصطنعه، ويعز من يجهل قدره، فاعذرني في سالفك، فإنك ستجدنا في مستأنفك [٣] . أخبرنا ابن ناصر قَالَ: أخبرنا ثابت بن بندار قَالَ: أخبرنا عبد الوهاب بن علي الملحمي قَالَ: حدثنا المعافى بْن زكريا قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْن القاسم الكركي قَالَ: حدثني أبو جعفر محمد بن القاسم بن مهرويه قَالَ: حدثني حسن بن الربيع، عن أبيه، ربيع بن حباب مولى الرشيد قَالَ: لما دخل المأمون بغداد دخلت عليه زبيدة أم جعفر فقالت: الحمد للَّه الّذي لقبك بخلافة قد هنئت بها عنك قبل أن أراك [٤] ولئن كنت فقدت ابنا خليفة لقد اعتضت ابنا خليفة [٥] وما خسر من/ اعتاض مثلك، وما ثكلت [٦] أم ملأت يدها منك، وأنا أسأل الله أجرا على ما أخذ وإمتاعا بما وهب. فقال المأمون: ما تلد النساء مثل هذه، ماذا أبقت في هذا الكلام لبلغاء الرجال. وروى الصولي: أنه لما قدم المأمون بغداد من خراسان كتبت إليه أم جعفر بشعر عمله بعض [٧] شعرائها وهو: لخير إمام قام من خير عنصر ... وأفضل راق كان أعواد منبر ووارث علم الأولين وملكهم ... وللملك المأمون من أم جعفر
следующие страницы →