← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

أفعل من [١] التراب [٢] ؟ قلت: أترب قَالَ: والطين [٣] ، قلت: أطين [٤] ، قَالَ: والكتاب ماذا؟ قُلْتُ: مترب ومطين. قال هذه أحسن من الأولى، وكتب لي بخمسين ألف درهم، ثم أمر الخادم أن يأتي به الفضل بن سهل ومضيت معه [فلما قرأ الكتاب] [٥] قَالَ: لحنت أمير المؤمنين [يا نضر] [٦] قُلْتُ: كلا ولكن هشيما لحانه. فأمر لي بثلاثين ألف درهم [٧] ، فخرجت إلى منزلي بثمانين ألف درهم.

стр. 3292

ثم دخلت سنة أربع ومائتين فمن الحوادث فيها: قدوم المأمون العراق وانقطاع مواد الفتن/ من بغداد. وكان المأمون لما توجه إلى العراق خلف غسان [١] بن عباد، فولى أحمد بن أسد الساماني [٢] فرغانة وأخاه نوح بن أسد سمرقند، وأخاه يحيى بن أسد: الشاس [٣] وأشروسنة، وأخاهم [٤] إلياس بن أسد هراة، وهؤلاء أولاد أسد بن سامان، وكان سامان من أصحاب أبي مسلم لما ظهر بخراسان، ثم توفي وخلف ابنه أسدا، ثم توفي فخلف هؤلاء وكان [٥] أحمد أحسنهم سيرة، وكان المأمون [٦] في سفره قد أقام بجرجان شهرا، ثم قدم الري، فأقام أياما، ثم جعل يسير فيقيم اليوم واليومين، فقال لَهُ أَحْمَد بن أبي خالد: يا أمير المؤمنين، نقدم بغداد وليس معنا سوى خمسين ألف درهم [٧] : فكيف حالنا [٨] إن هاج أمر!؟ فقال

стр. 3293

المأمون [١] : إنما نقدم على ظالم فلا يتوقع [إلا عفونا، ومظلوم فيتوقع] [٢] إنصافنا فمن كان لا ظالما ولا مظلوما فبيته يسعه. فلما وصل إلى النهروان وذلك يوم السبت أقام ثمانية أيام فخرج إليه أهل بيته والقواد ووجوه الناس، وكان قد كتب إلى طاهر بن الحسين أن يوافيه [٣] ، بالنهروان، فلقيه بها ثم دخل بغداد يوم السبت لأربع عشرة [ليلة] [٤] خلت [٥] من صفر سنة أربع ومائتين بعد ارتفاع النهار، ولباسه ولباس أصحابه قلانسهم وأعلامهم كلها الخضرة، ولبس أهل بغداد/ وبنو هاشم كلهم الخضرة وكانوا يخرقون كل شيء يرونه من السواد، فلما قدم نزل [٦] الرصافة، وأمر طاهرا بنزول الخيزرانية مع أصحابه، ثم تحول ونزل قصره على شاطئ دجلة، وقيل: بل أقام بالرصافة حتى بنى منازل على شاطئ دجلة عند قصره الأول في بستان مُوسَى، وأمر القواد بالإقامة في العسكر فكانوا يختلفون إلى دار المأمون كل يوم، فلما مضت ثمانية أيام تكلم بنو هاشم وولد العباس خاصة، وقالوا: يا أمير المؤمنين، تركت لباس أهل بيتك. وكان المأمون قد أمر طاهر بن الحسين أن يسأله حوائجه، فكان أول ما سأله أن يطرح لباس الخضرة ويرجع إلى لباس السواد وزي دولة الآباء، فلما رأى كراهية الناس للخضرة، دعا بسواد [٧] فلبسه، ودعى بخلعة سواد فألبسها طاهرا، ثم دعا قواده فألبسهم أقبية وقلانس سودا وطرح لباس الخضرة، وذلك يوم السبت لسبع بقين من صفر، فلم يلبس الخضرة ببغداد إلا ثمانية أيام [٨] . وروى الصولي: أن زينب بنت سليمان بن علي كلمت المأمون في ترك لباس الخضرة، والإضراب عما فعل من تولية أولاد علي ﵇ فقال [لها] [٩] : إن أبا

стр. 3294

بكر تولى فما ولى أحدا من بني هاشم، ثم عمر كذلك، ثم عثمان، فأقبل على بني عبد شمس وترك غيرهم، ثم ولي علي بن أبي طالب، فولى عبد الله بن العباس البصرة، وعبيد الله اليمن ومعبدا مكة، وقثما البحرين ما ترك منا أحدا إلا ولاه، وكانت هذه/ في أعناقنا فكافئيه بما فعل قَالَ: وقال المأمون: ألام على شكر الوصي أبي الحسن ... وذلك عندي من عجائب ذا الزمن خليفة خير الناس والأول الذي ... أعان رسول الله في السر والعلن ولولاه ما عدت لهاشم إمرة ... وكانت على الأيام تعصى وتمتهن فولى بني العباس ما اختص غيرهم ... ومن منه أولى بالتكرم والمنن فأوضح عبد الله بالبصرة الهدى ... وفاض عبيد الله جودا على اليمن وقسم عمال الخلافة بينهم ... فلا زلت مربوطا [١] بذا الشكر مرتهن أخبرنا [أبو] [٢] منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بْن علي بْن ثابت الخطيب [٣] قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن [٤] الجازري قَالَ: أَخْبَرَنَا المعافى بن زكريا قال: أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال: أخبرنا محمد بن زكريا الغلابي [٥] قَالَ: أخبرنا أبو [٦] سهل الرازي، قَالَ: لما دخل المأمون بغداد تلقاه أهلها فقال له رجل/ من الموالي: يا أمير المؤمنين، بارك الله لك في مقدمك [٧] ، وزاد في نعمك وشكرك عن رعيتك فقد فقت من قبلك، وأتعبت من بعدك، وآيست أن يعتاض عنك، لأنه لم يكن مثلك، ولا علم شبهك أما فيمن مضى فلا يعرفونه، وأما فيمن بقي فلا يرتجونه فهم بين دعاء لك، وثناء عليك، وتمسك بك، أخصب لهم جنابك،

стр. 3295

واحلولي [١] لهم ثوابك، وكرمت مقدرتك، وحسنت أثرتك، فجبرت الفقير وفككت الأسير، فأنت كما قال الشاعر: ما زلت في البذل للنوال ... وإطلاق لعان بحرمه علق حتى تمنى البراء أنهم ... عندك أمسوا في القيد والحلق فقال [له] [٢] المأمون: مثلك يعيب من لا يصطنعه، ويعز من يجهل قدره، فاعذرني في سالفك، فإنك ستجدنا في مستأنفك [٣] . أخبرنا ابن ناصر قَالَ: أخبرنا ثابت بن بندار قَالَ: أخبرنا عبد الوهاب بن علي الملحمي قَالَ: حدثنا المعافى بْن زكريا قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْن القاسم الكركي قَالَ: حدثني أبو جعفر محمد بن القاسم بن مهرويه قَالَ: حدثني حسن بن الربيع، عن أبيه، ربيع بن حباب مولى الرشيد قَالَ: لما دخل المأمون بغداد دخلت عليه زبيدة أم جعفر فقالت: الحمد للَّه الّذي لقبك بخلافة قد هنئت بها عنك قبل أن أراك [٤] ولئن كنت فقدت ابنا خليفة لقد اعتضت ابنا خليفة [٥] وما خسر من/ اعتاض مثلك، وما ثكلت [٦] أم ملأت يدها منك، وأنا أسأل الله أجرا على ما أخذ وإمتاعا بما وهب. فقال المأمون: ما تلد النساء مثل هذه، ماذا أبقت في هذا الكلام لبلغاء الرجال. وروى الصولي: أنه لما قدم المأمون بغداد من خراسان كتبت إليه أم جعفر بشعر عمله بعض [٧] شعرائها وهو: لخير إمام قام من خير عنصر ... وأفضل راق كان أعواد منبر ووارث علم الأولين وملكهم ... وللملك المأمون من أم جعفر

стр. 3296

كتبت وعيني تستهل دموعها ... إليك ابن عمي من جفوني ومحجري أصبت بأدنى الناس منك قرابة ... ومن هو لي زوج فعيل تصبري أبى طاهر لا طهر الله طاهرا ... فما طاهر في فعله بمطهر فأبرزني مكشوفة الوجه حاسرا ... وأنهب أموالي وأحرق آدري وعز على هارون ما قد لقيته ... وما مر بي من ناقص الخلق أعور تذكر أمير المؤمنين قرابتي ... فديتك من ذي قربة متذكر فإن يك ما أسدي لأمر أمرته ... صبرت لأمر من قدير مقدر وإن تكن الأخرى فغير مدافع ... إليك أمير المؤمنين فغبر فلما قرأ الأبيات بكى وقَالَ: أنا والله طالب بثأر [١] أخي، قتل الله قتلته [٢] وكتب إليها في ظهر رقعتها: يعز علي ما لاقيت فيه ... وأنت الأم خير الأمهات ولم أرض الذي فعلوا إليه ... من القتل المخالف والشتات أمرت بأخذ هذا الأمر منه ... وقبض يديه عن تلك الهنات [٣] / وإني مثله لك فاعلميه ... على ما كان ما بقيت حياتي وثأري بعد ثأر الله فيه ... سيذهب بالجبابرة العتاة بنى لك جعفر بيتا منيعا ... وشيده بأعلى المكرمات أمير المؤمنين ورثت حقا ... وأنت أميرة للمؤمنات ثم عبر [٤] إليها فعزاها، وأكثر البكاء معها، فقالت: يا أمير المؤمنين: إن دواء دائي وباب مسألتي في غدائك اليوم [٥] عندي، فأقام وقعد، فأخرجت إليه من جواري محمد من تغنيه وسألته [٦] أن يأخذ منهن من يرتضيه، فغنت واحدة:

стр. 3297

هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه فوثب مغضبا، فقالت زبيدة: يا أمير المؤمنين [١] ، حرمني الله أجره إن كنت علمتها أو دسست إليها فصدقها وعجب من ذَلِكَ. وفي هذه السنة: أمر المأمون بمقاسمة أهل السواد على الخمس، وكانوا يقاسمون عَلَى النصف [٢] . وفيها: ولى المأمون أبا عيسى بن الرشيد البصرة، وولى عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بْن العباس بن علي بن أبي طالب الحرمين، وهو الذي حج بالناس في هذه السنة [٣] . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١١١٩- أشهب بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم، أبو عمر العامري [٤] . ولد سنة أربعين ومائة، وكان أحد فقهاء مصر، وذوي رأيها. توفي في شعبان هذه السنة. قال محمد بن عاصم المغافري/: رأيت في المنام قائلا يَقُولُ: يا مُحَمَّد، فأجبته، فَقَالَ: ذهب الذين يقال عند فراقهم ... ليت البلاد بأهلها تتصدع وكان أشهب مريضا، فقلت: ما أخوفني أن يموت أشهب. فمات من مرضه ذَلِكَ.

стр. 3298

١١٢٠- بهلول بن حسان بن سنان، أبو الهيثم التنوخي [١] . من أهل الأنبار، سمع ببغداد، والبصرة، والكوفة، ومكة، والمدينة، وحدث عَن شيبان بن عَبْد الرَّحْمَن، وورقاء بن عمر، والفرج بن فضالة وإسماعيل بن عياش، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وحماد بن سَلَمَة، وهشيم، وغيرهم وكذا حدث [٢] عَن مالك، وابن عُيَيْنَة. أخبرنا [أبو منصور] القزاز قال: أخبرنا [أبو بكر بْنِ ثَابِتٍ] [٣] الخطيب قَالَ: حدثني عَلي بْن أَبِي عليّ، عن أحمد بن يوسف الأزرق قَالَ: أخبرني عمي البهلول بن إسحاق بن البهلول قَالَ: كَانَ جدي البهلول بن حسان قد طلب الأخبار، واللغة، والشعر، وأيام الناس، والتفسير، والسير، فأكثر من ذَلِكَ. ثم تزهد إلى أن مات بالأنبار سنة أربع ومائتين [٤] . ١١٢١- الحسن بن زياد، أبو علي اللؤلؤي [٥] . أحد أصحاب أبي حنيفة، حدث عنه فروى عَنْه ابن سماعة، ومحمد بن شجاع البلخي، وولي القضاء بعد حفص بن غياث، وكان إذا جاءه خصمان لم يدر كيف يحكم، فإذا ذهبا عرف الحكم [٦] ولم يوفق في القضاء، وكان يحكى عنه قلة دين. قال يحيى بن مَعِين: هو كذاب خبيث، وقال أبو ثور: ما رأيت أكذب منه، قال الدارقطنيّ: متروك توفي في هذه السنة/.

стр. 3299

١١٢٢- سليمان بن داود بن الجارود [أبو الوليد [١] الطيالسي مولى قريش [٢] . وأصله فارسي، سكن البصرة، وحدث عَن شعبة والثوري، وخلق كثير، وروى عنه: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وجماعة. وكان حافظا مكثرا ثبتا، كتبوا عنه أربعين ألف حديث، وليس معه كتاب. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا حمزة بن محمد بن طاهر [٣] قال: أخبرنا الوليد بن بكر قَالَ: أخبرنا علي بن أحمد [٤] بن زكريّا قَالَ: أخبرنا أَبُو مسلم [٥] صالح بن أحمد العجْلي قَالَ: حدثني أَبِي قَالَ: أبو داود الطيالسي بصري ثقة، وكان كثير الحفظ، وكان قد شرب البلاذر هو وعبد الرحمن بن مهدي، فجذم أبو داود، وبرص عبد الرَّحْمَن فحفظ أبو داود أربعين ألف حديث، وحفظ عبد الرحمن عشرة آلاف حديث [٦] . توفي أبو داود في صفر هذه السنة، وقيل في ربيع الأول وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وقيل: في سنة ثلاث. ١١٢٣- لهيعة بن عيسى بن لهيعة، أبو عقبة [٧] الحضرمي . يروي عن عمه عبد الله بن لهيعة، وكان قاضي مصر. توفي في ذي القعدة من هذه السنة. ١١٢٤- محمد بن عبيد بن أبي أمية- واسمه عبد الرحمن- ويكنى محمد أبا عبد الله الإيادي الطنافسي الكوفي [٨] . ولد سنة سبع وعشرين ومائة، وسمع هشام بن عروة، ومحمد بن إسحاق،

стр. 3300

والأعمش، وغيرهم. نزل بغداد دهرا، ثم رجع إلى الكوفة، فمات/ بها في هذه السنة وقيل: في سنة خمس. وقيل: في سنة ثلاث. [حدث عَنْه أحمد بن حنبل، وابن معين، وابن راهويه، وخلق كثير] [١] . أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بْن مُحَمَّد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن غالب قَالَ: سمعت أبا الحسن الدارَقُطْنيُّ يَقُولُ: يعلى، ومحمد، وعمر، وإدريس، وإبْرَاهِيم بنو عبيد كلهم ثقات، وإبراهيم ثقة [وأبوهم ثقة] [٢] . ١١٢٥- الإمام أبو عبد الله [٣] محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بْن عَبْد مناف بْن قصي بْن كلاب بْن مرة بْن كعب بْن لؤي بْن غالب، أبو عبد الله [٤] . أخبرنا عبد الرحمن القزاز قال: أخبرنا [أحمد بْنُ عَلِيٍّ] [٥] الْخَطِيبُ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاضِي أَبَا الطَّيِّبِ الطَّبَرِيَّ يَقُولُ: شَافِعُ بْنُ السَّائِبِ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ [٦] ﵁ لَقِيَ النبي ﷺ وهو مرتوع، وَأَسْلَمَ أَبُوهُ السَّائِبُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَ صاحب راية بني هاشم، فأسر وفدى نفسه، ثُمَّ أَسْلَمَ فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لَمْ تُسْلِمْ قَبْلَ أَنْ تُفْتَدَى؟ فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأَحْرِمَ المؤمنين طعما لهم فِيَّ. قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ وَصَفَ بَعْضُ أْهَلِ الْعِلْمِ بِالنَّسَبِ الشَّافِعِيَّ فَقَالَ: شَقِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في نسبه، وشريكه في حسبه، لم ينل رسول الله ﷺ طَهَارَةً فِي مَوْلِدِهِ، وَفَضِيلَةً فِي آبَائِهِ إِلا وَهُوَ قَسِيمَةُ فِيهَا إِلَى أَنِ افْتَرَقَا مِنْ عَبْدِ مَنَافٍ، فَزَوَّجَ الْمُطَّلِبُ ابْنَهُ هَاشِمًا الشَّفَا بِنْتَ/ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ يَزِيدَ جَدَّ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَ يُقَالُ لِعَبْدِ يَزِيدَ الْمَحْضُ لا قَذًى فِيهِ، فَقَدْ وَلَدَ الشافعيّ الهاشمان: هاشم بن المطلب،

стр. 3301

وَهَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ. وَالشَّافِعِيُّ ابْنُ عَمِّ رسول الله ﷺ وابن عَمَّتِهِ، لأَنَّ الْمُطَّلِبَ عَمُّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالشَّفَا بِنْتَ هَاشِمٍ أُخْتُ عبد المطلب عمة رسول اللَّه ﷺ ، وَأَمَّا أُمُّ الشَّافِعِيِّ فَهِيَ أَزْدِيَّةٌ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الأَزْدُ جُرْثُومَةُ الْعَرَبِ» [١] . ولد بغزة من بلاد الشام، وقيل: باليمن، ونشأ بمكة وكتب العلم بها وبمدينة الرَّسُول ﷺ ، وكان خفيف العارضين يخضب بالحناء، وقدم بغداد مرتين وحدث بها، وسمي فيها ناصر الحديث، وخرج إلى مصر فنزلها إلى حين وفاته. وسمع من مالك بن أنس، وإبراهيم بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبد العزيز الدراوَرْديّ، ومسلم بن خالد الزنجي، وخلق كثير. وروى عنه أحمد بن حنبل وغيره من الأكابر [٢] . أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ رِزْقٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو علي الحسن بن محمد بن شيظم قال: أخبرنا نصر بن مكيّ قَالَ: حدثنا محمد بْن عبد الله بن عبد الحكم قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: ولدت بغزة سنة خمس، وحملت إلى مكة وأنا ابن سنتين. قَالَ: وأخبرني غيره، عن الشافعي قَالَ: لم يكن لي مال وكنت أطلب العلم في الحداثة، أذهب/ إلى الدواوين أستوهب الظهور، أكتب فيها [٣] . وفي رواية عن الشافعي أنه قَالَ: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ، وأنا ابن عشر سنين [٤] ، وما أفتيت حتى حفظت عشرة آلاف حديث، وكان الشافعي في أول أمره قليل التلاوة للقرآن لاشتغاله بالعلم ثم أكثر آخر عمره من القراءة. فروى عنه الربيع أنه كان يختم في كل ليلة ختمة، وإذا كان رمضان ختم ستين ختمة، وكان حسن الصوت، إذا سمعه الناس يتلو اشتد بكاؤهم، كان أول أمره ينام ثلث الليل،

стр. 3302

ويصلي ثلث الليل، ويطلب العلم ثلث الليل، ثم صار يحيي الليل، وأفتى وله خمس عشرة سنة [١] . كذلك أخبرنا عبد الرحمن القزاز قال: أخبرنا [أحمد بن على بن ثابت] [٢] الخطيب قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بن إبراهيم البيضاوي قَالَ: حدثنا أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود قَالَ: سمعت الربيع بن سُلَيْمَان يَقُولُ: كان الشافعي يفتي وله خمس عشرة سنة، وكان يحيي الليل إلى أن مات. وَذكر أَبُو بَكْرِ بْنُ بَدْرَانَ الْمَعْرُوفُ بِخَالوَيْهِ فِي كِتَابِ «فْضَائِلِ الشَّافِعِيِّ» : عَنِ الرَّبِيعِ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ عِنْدَ مَالِكٍ وَعِنْدَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَالزِّنْجِيُّ فَأَقْبَلَ رَجُلانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا الرَّبِيع [٣] الْقَمَارِيّ وَقَدْ بِعْتَ هَذَا قُمْرِيًّا، وَحَلَفْتَ لَهُ بِالطَّلاقِ أَنَّهُ لا يَهْدَأُ مِنَ الصِّيَاحِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَاعَةٍ أَتَانِي فَقَالَ: قَدْ سَكَتَ فَرُدَّ عَلَيَّ دَرَاهِمِي، وَقَدْ حَنِثْتَ، فَقَالَ مَالِكٌ: بَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ. فَمَرَّ [٤] الشَّافِعِيُّ، فَقَالَ لِلْبَائِعِ: أردت أنه لا يهدأ أبدا وأن كلامه أكثر من سكوته؟ فقال: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ يَنَامُ وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ كَلامُهُ أَكْثَرُ مِنْ سُكُوتِهِ، فَقَالَ: رُدَّ عَلَيْكَ امْرَأَتَكَ/ فَأَخْبَرَ مَالِكًا، فَقَالَ للشَّافِعِيِّ: مِنْ أَيْنَ؟ قُلْتَ؟ فَقَالَ: حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أن مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي فَقَالَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ صُعْلُوكٌ، وَإِنَّ أَبَا جَهْمٍ لا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ. وَقَدْ كَانَ يَنَامُ وَيَسْتَرِيحُ، وَإِنَّمَا خَرَجَ كَلامُهُ عَلَى الأَغْلَبِ، فَعَجِبَ مَالِكٌ فَقَالَ الزِّنْجِيُّ: أَفْتِ فَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَفْتِيَ. وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً [٥] . أخبرنا علي بن عبيد الله قَالَ: أنبأنا أبو محمد التميمي، عن عبد الرحمن السَّلَميّ قَالَ: سمعت أحمد بن الحسين الأصفهاني يَقُولُ: سمعت عبد الله بن محمد بن بشر [٦] . يَقُولُ: سمعت عبد اللَّه بن محمد بن هارون يَقُولُ: قال محمد بن إدريس الشافعيّ

стр. 3303

بمكة سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فقال له رجل: ما تقول في المحرم قتل زنبورا، فَقَالَ: قال الله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ٥٩: ٧ [١] . حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رَبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ» . وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مسلم، عن روق بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ الزُّنْبُورِ. أخبرنا يحيى بن علي قَالَ: أخبرنا أبو بكر الخياط، قَالَ: أخبرنا الحسن بن الحسين بن حمكان قَالَ: أخبرنا أبو بكر النقاش قَالَ: حدثنا أبو نعيم الأستراباذي قَالَ: حدثنا الربيع بْن سُلَيْمَان قَالَ: سمعت الشافعي يَقُولُ: أشد الأعمال ثلاثة: الجود من قلة والورع في خلوة وكلمة الحق عند من يرجى ويخاف. أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني قال: حدثنا أبو محمد بن حيان/ قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال: حدثنا الربيع قَالَ: سمعت الشافعي يَقُولُ: لوددت أن الخلق يتعلمون مني ولا ينسب إلي منه شيء. وسمعته يَقُولُ: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. وفي رواية أخرى عنه: ما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ بل أحب أن يوفق ويسدد، وما ناظرت أحدا إلا ولم أبال بين الله الحق على لساني أو لسانه. أخبرنا عبد الرحمن بن مُحَمَّد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قَالَ: أخبرنا ابن بُكَيْر قَالَ: حدثنا الحسين بن أحمد الصوفي قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد ابن زياد قَالَ: سمعت المُزَني يَقُولُ: سمعت الشافعي يقول: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل مقداره، ومن تعلم اللغة رق طبعه، ومن تعلّم الحساب

стр. 3304

جزل رأيه، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه. أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ [الأَصْبَهَانِيُّ] [١] قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن إبْرَاهِيم قَالَ: سمعت محمد بن عبد الرحيم بن عبد اللَّه يحكى عن المُزَني قَالَ: دخلت على الشافعي في علته التي مات فيها، فقلت كيف أصبحت قَالَ: أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، وكأس المنية شاربا، ولسوء أعمالي ملاقيا، وعلى الله تعالى واردا، فلا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها، ثم بكى، وأنشأ يقول: ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني لعفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما وما زلت ذا عفو عن الذنب لم نزل ... تجود وتعفو منة وتكرما أخبرنا ابن ناصر قال: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن قَالَ: حدثنا ابن أبي حاتم قَالَ: حدثنا الربيع قال: توفي الشافعي ليلة الجمعة بعد العشاء الأخرة آخر يوم من رجب، ودفناه يوم الجمعة، فانصرفنا فرأينا هلال شعبان. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا إسماعيل بن علي الأستراباذي قَالَ: سمعت طاهر بن محمد البكري يَقُولُ: حدثنا الحسن بن حبيب الدمشقي قَالَ: سَمِعْتُ الربيع بن سليمان يَقُولُ: رأيت الشافعي بعد وفاته في المنام فقلت: يا أبا عبد الله، ما صنع الله بك؟ قَالَ: اجلسني على كرسي من ذهب، ونثر علي اللؤلؤ الرطب [٢] . أخبرنا أبو ظفر بإسناد له، عن أبي بيان الأصفهاني يَقُولُ: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت: يا رسول الله، محمد بن إدريس الشافعي ابن عمك، هل نفعته بشيء؟ أو خصصته بشيء؟ قَالَ: نعم، سألت الله تعالى أن لا يحاسبه، فقلت: بماذا يا

стр. 3305

رسول الله؟ قَالَ: إنه كان يصلي علي صلاة لم يصل بمثل تلك الصلاة أحد، فقلت: وما تلك الصَّلاة؟ قَالَ: كان يصلي علي اللَّهمّ صل على محمد كلما ذكره الذاكرون، وصل على محمد كلما غفل عنه الغافلون. كان أحمد بن حنبل كثير الثناء على الشافعي، قَالَ أبو سعيد القرماني: قَالَ أحمد بْن حنبل: إن الله يقيض للناس في رأس كل مائة سنة ما يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله ﷺ الكذب. فنظرنا فإذا في المائة عمر بن عبد العزيز في رأس المائتين/ الشافعي [١] . وفي رواية: عن أحمد قَالَ: ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو إلى الشافعي وأستغفر لَهُ، وقال له ابنه عبد اللَّه: يا أبه، أي رجل كان الشافعي؟ فإني أسمعك تكثر من الدعاء لَهُ، قَالَ: يا بني، كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو منهما من عوض [٢] . وقال أحمد لإسحاق بن راهويه: تعالى حتى أذهب بك إلى من لم تر عيناك مثله، فذهب بِهِ إلى الشافعي. وقال صالح بن أَحْمَد: مشى أبي مع بغلة الشافعي، فبعث إليه يحيى بن معين ما رضيت إلّا أن تمشي مع بغلته، فَقَالَ: يا أبا زكريا، لو مشيت من الجانب الآخر كان أنفع لك. وقال أبو دَاوُد: ما رأيت أحمد يميل إلى أحد ميله إلى الشافعي [٣] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بإسناد لَهُ، عن نهشل بن كثير، عن أَبِيهِ قَالَ: دخل الشافعي يوما إلى بعض حجر هارون الرشيد استأذن له عَلَيْهِ فأقعده الخادم عند أبي عبد الصمد مؤدب أولاد الرشيد، قال لَهُ: يا أبا عبد الله، هؤلاء أولاد أمير المؤمنين وهذا مؤدبهم، فلو أوصيته، فأقبل على أبي عبد الصمد، فقال لَهُ: ليكن أول ما نبدأ به من

стр. 3306

إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاحك نفسك، فإن أعينهم مغفورة بعينك، فالحسن عندهم ما تستحسنه، والقبيح عندهم ما تستقبحه، علمهم كتاب الله، ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم فيهجروه، ثم زدهم من الشعر أعفه/ ومن الحديث أشرفه، ولا تخرجنهم من علم إلى غيره حتى يتقنوه، فإن ازدحام الكلام في المسمع مصد للفهم [١] . ١١٢٦- هشام بن محمد بن السائب بن بشر، أبو المنذر الكلبي [٢] . صاحب سمر ونسب [٣] ، حدث عن أَبِيهِ، روى عَنْه ابنه، وخليفة بن خياط، ومحمد بن سعد، وهو من أهل الكوفة، قدم بغداد، وحدث بها. وكان أحمد يقول: ومن يحدث عنه إنما هو صاحب سمر ونسب، ما ظننت أن أحدا حدثني [٤] عَنْه. أخبرنا عَبْد الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا الحسن بن أبي طالب قال: أخبرنا عبيد الله بن أحمد بن علي المقرئ قَالَ: حدثنا علي بن محمد بن الْجَهْمُ الكاتب قَالَ: أخبرنا أبو العباس بن الفضل قَالَ: وحدثني محمد بن أبي السرى قَالَ: قال لي هشام الكلبي: حفظت ما لم يحفظه أحد، ونسبت ما لم ينسبه أحد، كان لي عم يعاتبني عَلَى حفظ القرآن، فدخلت بيتا وحلفت أن لا أخرج منه حتى أحفظ القرآن، فحفظته في ثلاثة أيام، ونظرت يوما في المرآة فقبضت على لحيتي لآخذ ما زاد على القبضة، فأخذت ما فوق القبضة [٥] . توفي هشام في هذه السنة. وقيل: سنة ست.

стр. 3307

ثم دخلت سنة خمس ومائتين فمن الحوادث فيها: تولية المأمون طاهر بن الحسين من مدينة السلام إلى أقصى عمل المشرق. ودخل طاهر عليه/ يوما فبكى المأمون فقال له طاهر: لم تبكي؟ لا أبكى الله عينك، والله لقد دانت لك البلاد وأذعن لك العباد، فصرت إلى المحبة في كل أمرك. فقال: أبكي لأمر ذكره ذل، وستره حزن، ولن يخلو أحد من شجو، فلما خرج طاهر أنفذ إلى حسين الخادم مائتي ألف درهم، وإلى كاتبه محمد بن هارون مائة ألف درهم [١] ، وسأله أن يسأل المأمون لم بكى. فلما تغدى المأمون قَالَ: يا حُسَين، اسقني [ماء] [٢] . قَالَ: لا والله لا أسقيك حتى تقول لي لم بكيت حين دخل عليك طاهر. قال: يا حسين، وكيف عنيت بهذا حتى سألت عَنْه!؟ قال لغمي بذلك [٣] قَالَ: يا حسين، أمر إن خرج [من رأسك] [٤] قتلتك قَالَ: يا سيدي، ومتى أخرجت لك سرا؟ قَالَ: إني ذكرت محمدا أخي وما ناله من الذل، فخنقتني العبرة فاستحرت إلى الإفاضة، ولن يفوت طاهر مني ما بكرة. قَالَ: فأخبر حسين طاهرا بذلك، فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد فقال

стр. 3308

لَهُ [١] : إن الثناء مني ليس برخيص، وإن المعروف عندي ليس بضائع فغيبني عن عينه، فقال لَهُ: سأفعل وبكر علي غدا [٢] . وركب ابن أبي خالد إلى المأمون، فلما دخل قال ما نمت البارحة. قال: ولم يحك؟ قَالَ: لأنك وليت غسان بن عباد خراسان، وهو ومن معه أكلة رأس فأخاف أن يخرج عليه خارج من الترك فتصطلحه. قال: فمن ترى؟ قال: طاهر بن الحسين فعقد له فشخص/ يوم الجمعة لليلة بقيت من ذي القعدة من سنة خمس [٣] . وفي هذه السنة: ولى المأمون يحيى بن معاذ الجزيرة لما قدم عليه. وولى عيسى بن محمد بن أبي خالد بلاد [٤] أرمينية، وأذربيجان، ومحاربة بابك. وولى بشر بن داود مصر على أن يحمل إليه في كل سنة ألف ألف درهم [٥] . وولى عيسى بن يزيد الجلوذي [٦] محاربة الزط [٧] . وحج بالناس فِي هذه السنة عبيد الله بن الحسن والي الحرمين وقد تقدم ذكره [٨] . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١١٢٧- إبراهيم بن عبد الله، أبو إسحاق الخفاف [٩] مولى بخيت . حدث عن عمران بن عبد الله بن بكير. توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.

стр. 3309

١١٢٨- إبراهيم بن إِسْحَاق بن إبراهيم بن إِسْحَاق بن عبد الرحمن، أبو إسحاق [١] القارئ . جمع له بمصر القضاء والقصص، وكان رجلا صالحا، حدث عن سعيد [٢] بن عُفَيْر. وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة. ١١٢٩- داود بن يزيد عامل السند . توفي في هذه السنة. ١١٣٠- روح بن عبادة بن العلاء بن حسان، أبو محمد القيسي [٣] . سَمِعَ عبد الله بن عوف، وسعيد بن أبي عروبة، وابن جريج، والأوزاعي، ومالك بن أنس، والثوري، وشعبة، والحمادين. كان من أهل البصرة، ثم قدم بغداد فحدث بها، فروى عَنْه أحمد، وعلي، وابن راهويه، والحسن بْن عرفة، وغيرهم، ثم انصرف إلى البصرة فمات بها/ في هذه السنة. وكان كثير الحديث، وصنف الكتب في الأحكام والسنن، وجمع التفسير، وكان ثقة. ١١٣١- السري بن الحكم، عامل مصر: توفي [٤] بها في هذه السنة. ١١٣٢- شجاع بن مخلد [٥] أبو الفضل البغوي [٦] . ولد سنة خمس ومائة سكن بغداد وحدث بها عَن هشيم، وابن علية، وابن عيينة، ووكيع، وأبي عاصم الفضل. روى عنه: إبراهيم الحربي، والبغوي، وقال يحيى: هو ثقة. [توفي في هذه السنة، ودفن في مقبرة باب التين] [٧] .

стр. 3310

١١٣٣- شجاع بْن الوليد بْن قيس، أبو بدر السكوني الكوفي . سكن بغداد، وحدث عن عطاء بن السائب، والأعمش، وغيرهم. روى عَنْه: يحيى بن مَعِين [١] ، وأحمد بن حنبل، وابن المَدِيني، وغيرهم، وكان ثقة. وقال سفيان الثَّورِي: ليس بالكوفة أعبد من شجاع بن الوليد. توفي في هذه السنة. وقيل: سنة أربع. وقيل: [سنة] [٢] ثلاث. ١١٣٤- عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام، أبو محمد الدارمي، السمرقندي [٣] ولد سنة إحدى وثمانين ومائة. وسمع بخراسان من عثمان بن جبلة، ومحمد بن سلام، وطبقتهما. وبالعراق من عبيد الله بن موسى، وأبي نعيم، وروح [وعبدان وطبقتهم] [٤] . وبمصر من سعيد بن أبي مريم، وأبي صالح، وطبقتهما. وبالحجاز من الحميدي، وابن أبي أويس، وطبقتهما. وبالشام من محمد بن يوسف الفريابي، وأبي اليمان، وأبي مسهر، وطبقتهم. روى عنه: محمد بن يحيى الذهلي [٥] ، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم، ومسلم بن حَجَّاج في الصحيح، وكان أحمد بن حنبل يثني عليه ويقول: ذلك السيد عرض علي الكفر فلم يقبل [٦] ، وعرضت عَلَيْهِ الدنيا- يعني القضاء فلم يقبل، فألح عليه السلطان في القضاء. فجلس فقضى قضية واحدة ثم استعفى، وكان ﵀

стр. 3311

على غاية من الفضل والديانة، والرواية [١] ، والزهد، والعفاف. وله مصنفات كثيرة من التفسير وغيره، وله المسند حدثنا به أبو الوقت [٢] . وتوفي في يوم التروية أو يوم عرفة من هذه السنة. ١١٣٥- عَبْد الرَّحْمَن بْن أَحْمَد بْن عطية، أبو سليمان الداراني [٣] من أهل داريا . وهي ضيعة إلى جانب [٤] دمشق [٥] . جالس سفيان الثَّورِي، وغيره، وكان من كبار الصالحين. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد [قال: أخبرنا أحمد بن علي] [٦] بن ثابت قال أخبرنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدَّلُ قَالَ أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق قال: حدثنا إِسْحَاق بن إبراهيم بْن أبي حسان [٧] الأنماطي قال حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان [الداراني] [٨] يَقُولُ سمعت أبا جعفر يبكي في خطبته يوم الجمعة فاستقلني [٩] الغضب وحضرتني نيّة أن أقوم فأعظه بما أعرف من فعله إذا نزل. قَالَ: فتفكرت أن أقوم إلى خلفه فأعظه والناس جلوس يرمقوني بأبصارهم فيعرض لي فيأمر بي فأقتل على غير تصحيح، فجلست وسكت [١٠] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا القاسم/ [١١]

стр. 3312

عبد الرحمن بن عبد الله [١] بن محمد الحربي [٢] قَالَ أخبرنا أحمد بن سليمان [٣] النجاد قَالَ حَدَّثَنَا أبو إسحاق إبراهيم الأنماطي قال حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يَقُولُ: لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا [ولا أحب البقاء في الدنيا] لتشقيق الأنهار ولا لغرس الأشجار [٤] . مات أبو سليمان [٥] في هذه السنة [٦] وقيل: في سنة خمس عشرة، ولا يصح. ١١٣٦- نمير الكوفي المجنون . أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، قال أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال أخبرنا أبو محمد الجوهري قَالَ حدثنا أبو عبد الله المرزباني قَالَ أخبرنا محمد بن مخلد العطار قال: حدثنا العباس بن محمد بن عبد الرحمن الأشهلي قَالَ: حدثني أبي، عن ابن نمير قَالَ: كان لي ابن أخت سمته أختي باسم أبي نمير، وكان من فتاك أهل الكوفة، وكان [٧] قد سمع سماعا حسنا، وكان حسن الطهور، حسن الصلاة، يراعي الشمس للزوال، فعرض له فذهب عقله، وكان لا يأويه سقف بيت، إذا كان النهار فهو في الجبانة، وإذا كان الليل ففي السطح قائما على رجليه [٨] في البرد والمطر والريح، فنزل يوما يريد المقابر، فقلت: يا نمير، تنام؟ قَالَ: لا. قلت: أي [شيء] [٩] العلة التي تمنعك [من] [١٠] النوم؟ قَالَ: هذا البلاء الّذي تراه قلت: يا نمير، أما تخاف الله عز

стр. 3313

وجلَّ؟ قَالَ: بلى. وقال: أليس أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل!؟ قَالَ: قلت [لَهُ] [١] : أنت أعلم مني، قَالَ: كلام مضى. قَالَ: وصعدت إليه ليلة باردة وهو قائم على السطح/ [٢] ، وأمه قائمة تبكي. فقلت يا نمير بقي منك شيء لم ننكره؟ قَالَ: نعم. قلت: ما هُوَ؟ قَالَ: حب الله ، وحب رسوله ﷺ . قال: وصعدت [إليه] [٣] ليلة في رمضان فقلت لَهُ: يا نمير، لم أفطر [٤] . قَالَ: ولم؟. قلت: أحب أن تراك أختي تأكل معي قَالَ: أفعل. قَالَ: فأصعد إلينا السطح طعام. فجعل يأكل معي حتى فرغت وفرغ، فلما أردت أن أقوم [٥] رحمته من أن يراني موليا وهو في الظلمة [والريح. فبكيت فَقَالَ: ويحك رحمك الله. قلت لَهُ: كيف أنزل إلى الكن والضوء وأدعك في الظلمة/ [٦] والبرد فغضب وقال: إن لي ربا هو أرحم بي منك وأعلم بما يصلحني، فدعه يصرفني كيف شاء فإني لا أتهمه في قضائه. فقلت لَهُ: لئن كنت في ظلمة الليل فإن جدك في ظلمة اللحد أريد أن أعزيه وأطيب نفسه. فقال لي: أجعل روح رجل صالح مثل روح رجل متلون. ثم قال لي: أتاني البارحة أبي وأبوك عبد الله بن نمير، فوقف، ثم أشار إلى موضع كان أبي يصلي فيه فقال لي: يا نمير أما أنك ستأتينا يوم الجمعة شهيدا. قَالَ: فدعوت أمه فصعدت إلي فأخبرتها، بما قَالَ: فقالت: والله ما جربت [٧] عليه كذبا ولا هذا مما يتحدث [٨] بِهِ، ولا قال إلا حقا، وقال هذه المقالة عشية الأربعاء فجعلنا نتعجب ونقول غدا الخميس وبعد غد الجمعة فهبه مرض غدا ومات [٩] بعد غد، فأين الشهادة؟ فلما كان ليلة الجمعة في وسط الليل سمعنا هذه، فإذا هو قد هاج به ما كان يهيج فبادر الدرجة فزلت قدمه، فسقط منها، فاندقت عنقه فحفرت له إلى/ جنب أبي

стр. 3314

ودفنته وانكببت على قبر أَبِي فقلت: يا أبي قد أتاك نمير وجاورك، فو الله ما قلت هذه المقالة إلا لما كان في قلبي من الغم، ثم انصرفت، فلما كان الليل رأيت أبي في النوم كأنه قد دخل علي من باب البيت فقال لي: يا بني، جزاك الله خيرا الذي جاورتني [١] بنمير، اعلم أنه منذ أتيتنا [٢] به إلى أن جئتك تزوج بالحور [٣] .

стр. 3315

ثم دخلت سنة ست ومائتين فمن الحوادث فيها المد الذي غرق منه السواد وكسكر [١] وقطيعة أم جعفر، وقطيعة العباس فذهبت غلات كثيرة، وامتلأت الآبار، وفسد الزرع [٢] ، ووقع الجراد واليرقان [٣] . وفيها: ولى المأمون عبد الله بن طاهر الرقة لحرب نصر بن شبث، ومضر، وذلك أن المأمون دعا عبد الله بن طاهر في رمضان سنة ست- وقيل: سنة خمس، وقيل: سنة سبع- فقال: يا عبد الله، إني أستخير الله منذ شهر، وأرجو [٤] أن يخير الله لي، وقد رأيت الرجل يصف ابنه ليطريه لرأيه فيه، وليرفعه، ورأيتك فوق ما قال أبوك فيك، وقد مات يحيى بن معاذ، واستخلف الله [أحمد بن] يحيى [٥] ، وليس بشيء، وقد رأيت توليتك مضر ومحاربة [٦] نصر بن شبث، فَقَالَ: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين، وأرجو أن يجعل الله لأمير المؤمنين الخيرة وللمسلمين/ [٧] . فعقد له وخرج إلى مصر بعد خروج أبيه إلى خراسان.

стр. 3316

أخبرنا محمد بن ناصر، قال أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الواحد بن محمد قال: أخبرنا أبو عمرو [بن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بْن الرحمن السُّكري قَالَ: حدثنا أبو عَبْد اللَّهِ] [١] بْن عَمْرو بْن عَبْد الرَّحْمَنِ البلخي قال: حَدَّثَني عبد الله بن يحيى بن فرقد قَالَ: حدثني محمد بن الفضل بن محمد بن منصور قَالَ: لما افتتح عَبْد اللَّه بن طاهر مضر ونحن معه سوغه المأمون خراجها سنة، فصعد المنبر، فلم ينزل حتى أجاز بها كلها ثلاثة آلاف دينار أو نحوها، فقبل أن ينزل أتاه معلى الطائي، وقد أعلموه بما صنع عبد الله بن طاهر [بالناس] [٢] في الجوائز، فوقف بين يديه تحت المنبر فَقَالَ: أصلح الله الأمير- وكان واجدا عليه-: أنا معلى الطائي، ما كان من جفاء وغلظة، فلا يغلظ عَلَى قلبك، أصلح الله الأمير، وأنا الذي أقول: يا أعظم الناس عفوا عند مقدرة ... وأظلم الناس عند الجود بالمال لو أصبح النيل يجري ماؤه ذهبا ... لما أشرت إلى خزن بمثقال يغني بما فيه رق الحمد تملكه ... وليس شيء أعاض الحمد بالغالي تفك باليسر كف العسر من زمن ... إذا استطال على قوم بإقلال لم يخل كفك من جود لمحتبط ... أو مرهف قاتل من رأس قتال وما تبث رحيل الخيل في بلد ... إلا عصفن بأرزاق وآجال هل من سبيل إلى إذن فقد ظمئت ... نفسي إليك فما تروى على حال إن كنت منك على بال منيت به ... فإن شكرك من حمدي على بال/ ما زلت مقتضبا لولا مجاهرة ... من ألسن خضن في صبري بأقوال قال: فضحك عبد الله، وسر بما كان منه، فَقَالَ: يا أبا الشمر باللَّه أقرضني عشرة آلاف دينار، فو الله ما أصبحت أملكها، فأقرضه إياها، فدفعها إِلَيْهِ. وحج بالناس فِي هذه السنة عبيد الله بن الحسن، وهو والي الحرمين [٣] .

стр. 3317

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١١٣٧- إسحاق بن بشر [بن محمد] [١] بن عبد الله بن سالم، أبو حذيفة البخاري. مولى بني هاشم [٢] . ولد ببلخ، واستوطن بخارى فنسب إليها، وهو صاحب كتاب «المبتدأ» ، وكتاب «الفتوح» . حدث عن ابن إسحاق، وابن جريج، وابن أبي عروبة، وجويبر، ومقاتل بن سليمان، [ومالك] [٣] ، والثَّورِي، وجماعة من العلماء بأحاديث باطلة. وكان يروي عن أقوام قد ماتوا قبل أن يولد، فلم يلتفت المحدثون إلى روايته. وتوفي في رجب هذه السنة ببخارى. ١١٣٨- بهيم العجلي، يكنى أبا بكر . يروي عن أبي إسحاق الفزاري. كان زاهدا في الدنيا كثير التعبد، غزير البكاء، عليه أثر الحزن والكآبة. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال: أخبرنا علي بن أحمد الملطي قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف [٤] قال: أخبرنا الحسين بْنُ صَفْوَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد القرشي قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الحُسَيْن قال: حدثني عبيد الله/ بن محمد بن حفص قَالَ: حدثنا معاذ بن زياد قَالَ: لما اتخذت عبادان سكنها قوم نساك فيهم، رَجُل يقال له: بهيم، وكان رجلا حزينا، يزفر الزفرة فيسمع زفيره. قال مُحَمَّد: وحدثني مخول قَالَ: جاءني بهيم يوما فقال لي: تعلم [٥] رجلا من

стр. 3318

إخوانك وجيرانك [١] يريد الحج، ترضاه يرافقني؟ قُلْتُ: نعم، فذهبت به إلى رجل من الحي، له صلاح ودين، فجمعت بينهما وتواطئا على المرافقة [٢] . ثم انطلق بهيم إلى أهله، فلما كان بعد، أتاني الرجل فَقَالَ: يا هذا، أحب أن تزوي عني صاحبك ويطلب رفيقا غيري. فقلت: ويحك، ولم؟ [٣] فو الله ما أعلم بالكوفة [٤] له نظير في حسن الخلق والاحتمال. ولقد ركبت معه البحر فلم أر إلا خيرا. فَقَالَ: ويحك، حدثت أنه طويل البكاء، ولا يكاد يفتر، فهذا ينغص علينا العيش [في] [٥] سفرنا كله. قَالَ: قلت: ويحك، إنما يكون البكاء أحيانا عند التذكرة، يرق القلب فيبكي الرجل، أو ما تبكي أنت أحيانا؟ قَالَ: بلى، ولكن [قد] [٦] بلغني عنه أمر عظيم جدا من كثرة بكائه. قَالَ: قُلْتُ: اصحبه فلعلك أن تنتفع بِهِ. قَالَ: أستخير الله فلما كان اليوم الذي أرادا أن يخرجا فيه جيء بالإبل، ووطئ لهما، فجلس بهيم في ظل حائط، فوضع يده تحت لحيته، وجعلت دموعه تسيل على خديه، ثم على لحيته، ثم على صدره، حتى والله رأيت دموعه [عَلَى] [٧] الأرض. قَالَ: يقول لي صاحبي: يا مخول، قد ابتدأ صاحبك، ليس هذا لي برفيق. قال: قلت: أرفق، فلعله ذكر عياله ومفارقته إياهم فرق. فسمعنا بهيم فَقَالَ: والله يا أخي [٨] ما هو ذاك، ولكني ذكرت [٩] بها الرحلة/ إلى الآخرة. قَالَ: وعلا صوته بالنحيب. قَالَ: يقول لي صاحبي، والله ما هي بأول عداوتك لي وبغضك إياي، أنا ما لي ولبهيم، وإنما كان ينبغي أن ترافق بين بهيم وبين داود الطائي وسلام أبي الأحوص، حتى يبكي بعضهم إلى بعض، يشفون أو يموتون جميعا قَالَ: فلم أزل أرفق به. قلت: ويحك، لعلها خير سفرة سافرتها.

стр. 3319

قَالَ: وكان كثير الحج، رجلا صالحا، إلا أنه كان تاجرا موسرا مقبلا على شأنه، ولم يكن صاحب حزن ولا بكاء. قَالَ: فقال لي: قد وقعت مرتي هذه، ولعلها أن تكون خيرة. قَالَ: وكل هذا الكلام لا يعلم به بهيم، ولو علم بشيء منه ما صحبه. قَالَ: فخرجا جميعا حتى حجا ورجعا، ما يدري كل واحد منهما أن له أخا غير صاحبه، فلما جئت أسلم على جاري قال لي: جزاك الله يا أخي عني خيرا ما ظننت أن في هذا الخلق مثل أبي بَكْر، كان والله يتفضل علي في النفقة وهو معدم وأنا موسر، ويتفضل علي في الخدمة وأنا شاب قوي وهو شيخ ضعيف، ويطبخ لي وأنا مفطر وهو صائم. قَالَ: فقلت [لَهُ] : كيف كان أمرك معه في الذي تكرهه من طول بكائه قَالَ: ألفت والله ذَلِكَ البكاء وسر قلبي حتى كنت أساعده عليه حتى يتأذى بنا أهل الرفقة. قَالَ: ثم والله ألفوا ذلك، فجعلوا إذا سمعونا [١] نبكي وبكوا، وجعل بعضهم يقول لبعض: ما الذي جعلهم أولى بالبكاء منا والمصير واحد. قَالَ: فجعلوا والله يبكون ونبكي قَالَ: ثم خرجت من عنده فأتيت بهيما، فسلّمت عليه وقلت: كيف رأيت صاحبك؟ قال: خير صاحب [٢] ، / كثير الذكر للَّه ، طويل التلاوة للقرآن، سريع الدمعة، محتمل لهفوات الرفيق، جزاك الله عني خيرا. ١١٣٩- جارود بن يزيد أخو الضحاك النيسابوري [٣] . حدث عن بهز بن حكيم، وعمر بن ذر. روى عنه الحسن بن عرفة، وقد ضعفوه. توفي في هذه السنة.

стр. 3320

١١٤٠- حجاج بن محمد أبو محمد الأعور، مولى سليمان بن مجالد، مولى أبي جعفر المنصور. ترمذي الأصل . سَمِعَ ابن جريج، وابن أبي ذئب، وشعبة، وحمزة الزيات، والليث بن سعد [١] . روى عنه أحمد بن حنبل، ويحيى، وابن أبي خيثمة، وكان ضابطا ثقة، إلا أنه تغير في آخر عمره، وكان قد تحول إلى المصيصة بولده وعياله، فأقام بها سنين، ثم قدم بغداد فتوفي بها. ١١٤١- داود بن المحبر بن قحذم بن سليمان [٢] بن ذكوان، أبو سليمان الطائي البصري [٣] . نزل بغداد، وحدث بها عن شعبة، وحماد بن سلمة، وصالح المري، ومقاتل بن سليمان، وإسماعيل بن عياش، وغيرهم. روي عنه: البرجلاني وغيره. كان يحيى بن معين يثني عليه ويقول: هو ثقة، وإنما صحب قوما من المعتزلة فأفسدوه. وقال أحمد بن حنبل: هو شبه لا شيء وكذلك قال البخاري: هو شبه [٤] لا شيء، لا يدري ما الحديث. أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: حدثني محمد بن عليّ الصوري قَالَ: سمعت عبد الغني بن سعيد الحافظ يَقُولُ: قال لنا أبو الحسن/ علي بن عمر: كتاب [٥] «العقل» وضعه أربعة، أولهم ميسرة بن عبد ربه، ثم سرقه منه [داود بن المحبر، وركّبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة، وسرقه] [٦] عبد العزيز بن أبي رجاء وركّبه

стр. 3321

بأسانيد أخرى، ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي فركبه [١] بأسانيد أخرى. أو كما قَالَ الدارقطني. توفي داود [٢] ببغداد في جمادى الأولى من هذه السنة. ١١٤٢- شبابة بن سوار، أبو عمرو الفزاري، مولاهم [٣] . أصله من خراسان، نزل المدائن، وحدث بها وببغداد عن شعبة، وجرير بن عثمان، وابن أبي ذئب، والليث. وروى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة. واسم أبيه مروان، وإنما غلب عليه سوار، وكان شبابة كثير الحديث. وكان أحمد بن حنبل يحمل عليه. وكان مرجئا، لكنه رجع عن ذَلِكَ. وتوفي بمكة في هذه السنة. ١١٤٣ [- أبو جعفر، محمد بن جعفر المدائني [٤] . سَمِعَ ورقاء بن عُمَر، وشعبة، وغيرهما. وروى عنه أحمد بن حنبل، وعباس الدوري في آخرين. وقال أحمد وأبو داود: وليس به بأس. وتوفي في هذه السنة] . ١١٤٤- يزيد بن هارون بن زاذي بن ثابت، أبو خالد السّلَميّ [٥] . من أهل واسط، ولد سنة ثماني عشرة ومائة، وسمع يحيى بن سعيد الأنصاري، وسُلَيْمَان التميمي، وعاصما الأحوال، وحميدا الطويل، وخلقا كثيرا.

стр. 3322

وكان ثقة [ثبتا] [١] حافظا، حدث ببغداد فحرر مجلسه تسعين ألفا. قال علي بن المديني: [٢] لم أر أحفظ من يزيد بن هارون بن زاذي بن ثابت. أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي قال: أخبرنا الأزهري قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بْن عمر الخلال قَالَ: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا جدي قَالَ: سمعت أحمد/ بن أبي الطيب يَقُولُ سمعت يزيد بن هارون، وقيل له إن هارون المستملي يريد أن يدخل عليك- يعني في حديثك- فتحفظ منه، فبينما [٣] هو كذلك إذ دخل هارون فسمع يزيد نغمته، فَقَالَ: يا هارون، بلغني أنك تريد أن تدخل علي في حديثي، فأجهد جهدك لا أرعى الله عليك إن أرعيت، أحفظ ثلاثة وعشرين ألف حديث ولا بغي، لا أقامني الله إن كنت لا أقوم بحديثي [٤] أخبرنا عبد الرحمن بن مُحَمَّد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرني الخلال قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان قَالَ: أخبرنا الحسين بن محمد بن عفير قال: قال أبو جعفر أحمد [٥] بن سنان: ما رأيت عالما قط [٦] أحسن صلاة من يزيد بن هارون، يقوم كأنه أسطوانة، كَانَ يصلي بين المغرب والعشاء، وبين [٧] الظهر والعصر، ولم يكن يفتر من صلاة الليل والنهار هُوَ وهشيم جميعا معروفين بطول الصلاة بالليل والنهار [٨] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي [قال: أخبرنا] [٩]

стр. 3323

العتيقي قال: أخبرنا أبو مسلم محمد بن أحمد بن علي الكاتب قال: أخبرنا الحسن بن حبيب بْن عبد الملك قَالَ: سمعت أبا جعفر محمد بن إسماعيل الصائغ يَقُولُ: قَالَ رجل ليزيد بن هارون: كم حزبك [من الليل] [١] ؟ قَالَ: وأنام من الليل شيئا؟ إذا لا أنام الله عيني [٢] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا علي بن أحمد الرزاز قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن يحيى النيسابوري قَالَ: أخبرنا أحمد بن محمد بْن الأزهر قَالَ: سمعت الحسن [٣] بن عرفة يَقُولُ: / رأيت يزيد بن هارون بواسط وهو من أحسن الناس عينين، ثم رأيته بعين واحدة، ثم رأيته وقد ذهبت عيناه، فقلت: يا أبا خَالِد، ما فعلت العينان الجميلتان؟ فَقَالَ: ذهب بهما بكاء الأسحار [٤] . أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أحمد [بْن علي بْن ثابت] [٥] الخطيب قَالَ: أَخْبَرَنَا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن [٦] الحيزي وأبو سعيد الصيرفي قالا: حَدَّثَنَا أبو الْعَبَّاس محمد بن يعقوب الأصم قَالَ: حدثنا يحيى بن أبي طالب قَالَ: أخبرني الحسن بن شاذان الواسطي [٧] قَالَ: حدثني ابن عرعرة قَالَ: حدثني ابن أكثم قَالَ: قال لنا المأمون: لولا مكان يزيد بن هارون لأظهرت أن القرآن مخلوق فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين [٨] ، ومن يزيد حتى يتقى [٩] ؟ قَالَ: ويحك، إني أخاف أن يرد علي، فيختلف الناس وتكون فتنة، وأنا أكره الفتنة. فقال له الرجل [١٠] : فأنا أخبر لك [١١] ذلك منه.

стр. 3324

فَقَالَ له: نعم قال: فخرج إلى واسط، فجاء إلى يزيد بن هارون، فدخل عليه المسجد، وجلس إليه فَقَالَ لَهُ: يا أبا خَالِد، إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك إني أريد أن أظهر أن القرآن مخلوق. فَقَالَ: كذبت على أمير المؤمنين، أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه، فإن كنت صادقا فعد غدا إلى المجلس [١] ، فإذا اجتمع الناس فقل، قَالَ: فلما كان الغد اجتمع الناس فقام، فَقَالَ: يا أبا خَالِد، رضي الله عنك، [٢] إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك: إني أريد [٣] أن أظهر أن القرآن مخلوق، فما عندك في ذلك؟ قَالَ: كذبت في ذلك على [٤] أمير/ المؤمنين، أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه وما لم يقل له أحد قَالَ: فقدم فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، كنت أنت أعلم. [قَالَ:] [٥] وكان من القصة كيت وكيت. فقال له: ويحك، تلعب بك. [٦] توفي يزيد بواسط غرة ربيع الآخر من هذه السنة. أخبرنا عبد الرحمن [من محمد] [٧] قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا الحسين بْن عَبْد الله بن أحمد بن أبي علاثة حدثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان قَالَ: حدثنا أبو محمد السُّكري قَالَ: حدثنا يحيى بن إسحاق بن إبراهيم بن سافري قَالَ: حدثني أبو نافع ابن بنت يزيد بن هارون قال: كنت عند أحمد بن حنبل وعنده رجلان، فَقَالَ أحدهما: [٨] يا أبا عبد الله، رأيت يزيد بن هارون في المنام فقلت لَهُ: يا أبا خالد، ما فعل الله بك؟ قَالَ: غفر لي وشفعني وعاتبني. فقلت لَهُ [٩] : غفر لك

стр. 3325

وشفعك، قد عرفت، ففيم عاتبك؟ قَالَ: قال لي: [يا يزيد] [١] ، أتحدث عن جرير بن عثمان. قَالَ: قلت: يا رب [٢] ، ما علمت إلا خيرا. قَالَ: يا يزيد، إنه كان يبغض أبا الحسن علي بن أبي طالب. قَالَ: وقَالَ الأخر: وأنا والله [٣] رأيت يزيد بن هارون في المنام. فقلت [لَهُ] [٤] : هل أتاك منكر ونكير. قَالَ: إي والله، وسألاني من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فقلت: ألمثلي يقال هذا؟ وأنا كنت أعلم الناس بهذا في الدنيا فقالا لي: صدقت، فنم نومة العروس [لا بأس عليك] [٥] .

стр. 3326

ثم دخلت سنة سبع ومائتين فمن الحوادث فيها: خروج عبد الرحمن بن أحمد بن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ علي بن أبي طالب ببلاد عك من اليمن يدعو إلى الرضى من آل مُحَمَّد، / وكان سبب خروجه أن العمال باليمن أساءوا السيرة، فبويع عبد الرحمن، فلما بلغ ذلك المأمون وجه إليه دينار بن عبد الله في عسكر كثيف [١] ، وكتب معه بأمانه، فحضر دينار الموسم، فلما فرغ من الحج سار إلى اليمن، فأتى عَبْد الرحمن فبعث إليه أمانه من المأمون، فقبل ودخل في الأمان، ووضع يده في يد دينار، فخرج به إلى المأمون، فمنع عند ذلك الطالبيين من الدخول عَلَيْهِ، [٢] ، وأمر [٣] بأخذهم بلبس السواد. وذلك في يوم الخميس لليلة بقيت من ذي القعدة. وفيها: توفي طاهر بن الحسين، فولي ولده طلحة بن طاهر، فأقام واليا على خراسان سبع [٤] سنين بعد موت أَبِيهِ، ثم توفي فولي عبد الله بن طاهر خراسان مع الشام، وكان يتولى حرب بابك، فأقام بالدينور، وبعث بالجيوش، فوجه المأمون إلى عبد الله بيحيى بن أكثم يعزيه عَن أخيه ويهنئه بولاية خراسان، وولى علي بن هشام حرب بابك.

стр. 3327

وقد قيل إنه [١] إنما ولى عبد الله بعد موت أبيه دون طلحة، وأن عبد الله وجّه أخاه طلحة إلى خراسان. أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْن الحسين البيهقي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم قَالَ: سمعت علي [بن أحمد] [٢] بن أسد الأديب [٣] يَقُولُ: حدثني غير واحد من مشايخنا بالعراق يسندونه إلى عبد الله بن طاهر: أنه كتب من خراسان إلى أمير المؤمنين المأمون: بسم الله الرحمن الرحيم. بعدت داري عن ظل أمير المؤمنين وإن كنت كيف تصرفت في الأمور لا أتفيأ إلا به، وقد اشتد إلى حضرة أمير المؤمنين شوقي لأتشرف بخدمته، وأتجمل بمجلسه، وأتزين بخطابه، وأنقح عقلي بحسن آدابه، فلا شيء آثر عندي من قربه، وإن كنت في سعة من عيش وهبه الله لي به، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن [لي] [٤] في ورود حضرته لأجدد/ عهدا بالمنعم علي،، وأتهنأ بنعمة أسداها إلي فعل محسنا إن شاء الله. فلما قرأ المأمون كتابه، وقع فيه: قربك يا أبا العباس إلي حبيب، وأنت مني حيث كنت قريب وإنما بعدت دارك نظرا لك، وسموا بك، ورغبة فيك، فاتبع قول الشاعر: رأيت دنو الدار ليس بنافع ... إذا كان ما بين القلوب بعيدا وفي هذه السنة: ولي موسى بن جعفر [٥] طبرستان، والرومان، ودوباوند. وغلا السعر ببغداد حتى بلغ القفيز من الحنطة أربعين درهما. وحج بالناس في هذه السنة أبو عيسى بن الرشيد.

стр. 3328

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١١٤٥- حذيفة بن قتادة المرعشي [١] . صحب الثَّورِي، وتوفي في هذه السنة. أخبرنا عمر بن ظفر، أخبرنا جعفر [٢] بن أحمد، أخبرنا عبد العزيز بْن عَلي أَخْبَرَنَا ابن جهضم، حدثنا الحسن بن إسحاق، حدثنا محمد بن المسيّب، حدّثنا عبد الله بن حنبق قَالَ: قال حُذيْفة المرعشي: إياكم وهدايا الفجار والسفهاء، فإنكم إن قبلتموها ظنوا بكم أنكم [٣] [قد] [٤] رضيتم فعلهم. ١١٤٦- زيد بن محمد بن عُبَيْد، أبو عبد الله الخزاعي الدمشقي . سمع مالك بن أنس، روى عنه: ابن عوف وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وكان ثقة مأمونا. وتوفى في هذه السنة بدمشق. ١١٤٧- عبد الرحمن بن غزوان، أبو نوح عبد الله بن مالك الخزاعي، ويعرف بقراد [٥] . سَمِعَ شعبة، وعكرمة بن عمار، والليث بن سعد روى عنه أحمد بن حنبل. وكان ثقة. توفي في هذه السنة. ١١٤٨- عمر بن حبيب العدوي [٦] من بني عدي بن مناة. من أهل البصرة. حدث عن داود بن أبي هند، وخالد الحذاء، وسليمان التيمي، وهشام بن عروة.

стр. 3329

روى عنه/ محمد بن عبيد الله المنادي. وكان قد قدم بغداد، وولي بها قضاء الشرقية، وولي قضاء البصرة [أيضا] [١] . أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد [القزاز] [٢] قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر بْن ثابت قَالَ: أخبرني الأزهري قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن حمدان العكبري قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ القاسم النَّحْوِي، حدثنا أبو العباس محمد بن يونس الكديمي، حدثنا يزيد بن مرة الدارع، حدثنا عمر بن حبيب قَالَ: حضرت مجلس هارون [الرشيد] [٣] فجرت مسألة فتنازعها الخصوم وعلت أصواتهم، واحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيّ ﷺ ، فدفع بعضهم الحديث، وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم: لا يحمل هذا الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فإن أبا هريرة متهم فيما يرويه، وصرحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم، ونصر قولهم، فقلت: إن الحديث [٤] صحيح النقل [٥] وأبو هريرة صحيح النقل عن رسول الله ﷺ [٦] ، صدوق فيما يرويه عن نبي الله وغيره. فنظر إلي الرشيد نظر مغضب، فقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل: صاحب البريد بالباب فدخل إلي، فَقَالَ: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول، وتحنط وتكفن فقلت: اللَّهمّ إنك [٧] تعلم أني دافعت [٨] عن صاحب نبيك، وأجللت نبيك ﷺ ، أن يطعن في أصحابه [٩] ، فسلمني منه. فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي، حاسر عن ذراعيه، بيده السيف وبين يديه النطع، فلما بصرني قال [لي] [١٠] : يا عمر بن حبيب، ما تلقاني أحد من الرد

стр. 3330

والدفع [لقولي] [١] بمثل ما تلقيتني به. فقلت: [٢] يا أمير المؤمنين، إن الذي قلته وجادلت عليّ فيه [٣] إزراء على رسول الله ﷺ [على ما جاء به] [٤] ، إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة/ باطلة، والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول. فرجع إلى نفسه، ثم قَالَ: أحييتني يا عمر بن حبيب [٥] . أحياك الله. وأمر لي بعشرة آلاف درهم. [٦] أخبرنا عَبْد الرَّحْمَنِ [بن مُحَمَّد أَبُو مَنْصور القزاز] [٧] قال: أخبرنا [أبو بكر] أَحْمَدُ [بْنُ عَلِيِّ] [٨] بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عبد العزيز بن أبي طاهر الصوفي، أخبرنا تمام بن محمد الرازي قَالَ: حَدَّثَني أَبِي قَالَ: أخبرني أَبُو الحسين عَلي بْن مُحَمَّد بْن أبي حسان الزيادي قَالَ: حدثنا أَبُو زيد الحارث بن أحمد العبدي قال: حدثني الحسين بن شداد قَالَ: كان عمر بن حبيب على قضاء الرصافة لهارون الرشيد، فاستعدى إليه رجل على عبد الصمد بن علي فأعداه عليه، فأبى عَبْد الصمد أن يحضر مجلس الحكم، فختم عمر بن حبيب قمطره وقعد في بيته. فرفع ذلك إلى هارون، فأرسل إليه، فَقَالَ: ما منعك أن تجلس للقضاء؟ فقال: أعدي على رجل فلم يحضر مجلسي. قال: ومن هُوَ؟ قال: عبد الصمد بن عليّ. فَقَالَ هارون: والله لا يأتي [٩] مجلسك إلا حافيا قَالَ: وكان عبد الصمد شيخا كبيرا قَالَ: فبسطت [له] [١٠] اللبود من باب قصره إلى مسجد الرصافة، فجعل يمشي ويقول: أتعبني أمير المؤمنين، أتعبني أمير المؤمنين. فلما صار إلى
следующие страницы →