← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

ثم دخلت سنة سبع ومائتين فمن الحوادث فيها: خروج عبد الرحمن بن أحمد بن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ علي بن أبي طالب ببلاد عك من اليمن يدعو إلى الرضى من آل مُحَمَّد، / وكان سبب خروجه أن العمال باليمن أساءوا السيرة، فبويع عبد الرحمن، فلما بلغ ذلك المأمون وجه إليه دينار بن عبد الله في عسكر كثيف [١] ، وكتب معه بأمانه، فحضر دينار الموسم، فلما فرغ من الحج سار إلى اليمن، فأتى عَبْد الرحمن فبعث إليه أمانه من المأمون، فقبل ودخل في الأمان، ووضع يده في يد دينار، فخرج به إلى المأمون، فمنع عند ذلك الطالبيين من الدخول عَلَيْهِ، [٢] ، وأمر [٣] بأخذهم بلبس السواد. وذلك في يوم الخميس لليلة بقيت من ذي القعدة. وفيها: توفي طاهر بن الحسين، فولي ولده طلحة بن طاهر، فأقام واليا على خراسان سبع [٤] سنين بعد موت أَبِيهِ، ثم توفي فولي عبد الله بن طاهر خراسان مع الشام، وكان يتولى حرب بابك، فأقام بالدينور، وبعث بالجيوش، فوجه المأمون إلى عبد الله بيحيى بن أكثم يعزيه عَن أخيه ويهنئه بولاية خراسان، وولى علي بن هشام حرب بابك.

стр. 3327

وقد قيل إنه [١] إنما ولى عبد الله بعد موت أبيه دون طلحة، وأن عبد الله وجّه أخاه طلحة إلى خراسان. أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْن الحسين البيهقي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم قَالَ: سمعت علي [بن أحمد] [٢] بن أسد الأديب [٣] يَقُولُ: حدثني غير واحد من مشايخنا بالعراق يسندونه إلى عبد الله بن طاهر: أنه كتب من خراسان إلى أمير المؤمنين المأمون: بسم الله الرحمن الرحيم. بعدت داري عن ظل أمير المؤمنين وإن كنت كيف تصرفت في الأمور لا أتفيأ إلا به، وقد اشتد إلى حضرة أمير المؤمنين شوقي لأتشرف بخدمته، وأتجمل بمجلسه، وأتزين بخطابه، وأنقح عقلي بحسن آدابه، فلا شيء آثر عندي من قربه، وإن كنت في سعة من عيش وهبه الله لي به، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن [لي] [٤] في ورود حضرته لأجدد/ عهدا بالمنعم علي،، وأتهنأ بنعمة أسداها إلي فعل محسنا إن شاء الله. فلما قرأ المأمون كتابه، وقع فيه: قربك يا أبا العباس إلي حبيب، وأنت مني حيث كنت قريب وإنما بعدت دارك نظرا لك، وسموا بك، ورغبة فيك، فاتبع قول الشاعر: رأيت دنو الدار ليس بنافع ... إذا كان ما بين القلوب بعيدا وفي هذه السنة: ولي موسى بن جعفر [٥] طبرستان، والرومان، ودوباوند. وغلا السعر ببغداد حتى بلغ القفيز من الحنطة أربعين درهما. وحج بالناس في هذه السنة أبو عيسى بن الرشيد.

стр. 3328

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١١٤٥- حذيفة بن قتادة المرعشي [١] . صحب الثَّورِي، وتوفي في هذه السنة. أخبرنا عمر بن ظفر، أخبرنا جعفر [٢] بن أحمد، أخبرنا عبد العزيز بْن عَلي أَخْبَرَنَا ابن جهضم، حدثنا الحسن بن إسحاق، حدثنا محمد بن المسيّب، حدّثنا عبد الله بن حنبق قَالَ: قال حُذيْفة المرعشي: إياكم وهدايا الفجار والسفهاء، فإنكم إن قبلتموها ظنوا بكم أنكم [٣] [قد] [٤] رضيتم فعلهم. ١١٤٦- زيد بن محمد بن عُبَيْد، أبو عبد الله الخزاعي الدمشقي . سمع مالك بن أنس، روى عنه: ابن عوف وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وكان ثقة مأمونا. وتوفى في هذه السنة بدمشق. ١١٤٧- عبد الرحمن بن غزوان، أبو نوح عبد الله بن مالك الخزاعي، ويعرف بقراد [٥] . سَمِعَ شعبة، وعكرمة بن عمار، والليث بن سعد روى عنه أحمد بن حنبل. وكان ثقة. توفي في هذه السنة. ١١٤٨- عمر بن حبيب العدوي [٦] من بني عدي بن مناة. من أهل البصرة. حدث عن داود بن أبي هند، وخالد الحذاء، وسليمان التيمي، وهشام بن عروة.

стр. 3329

روى عنه/ محمد بن عبيد الله المنادي. وكان قد قدم بغداد، وولي بها قضاء الشرقية، وولي قضاء البصرة [أيضا] [١] . أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد [القزاز] [٢] قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر بْن ثابت قَالَ: أخبرني الأزهري قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن حمدان العكبري قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ القاسم النَّحْوِي، حدثنا أبو العباس محمد بن يونس الكديمي، حدثنا يزيد بن مرة الدارع، حدثنا عمر بن حبيب قَالَ: حضرت مجلس هارون [الرشيد] [٣] فجرت مسألة فتنازعها الخصوم وعلت أصواتهم، واحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيّ ﷺ ، فدفع بعضهم الحديث، وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم: لا يحمل هذا الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فإن أبا هريرة متهم فيما يرويه، وصرحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم، ونصر قولهم، فقلت: إن الحديث [٤] صحيح النقل [٥] وأبو هريرة صحيح النقل عن رسول الله ﷺ [٦] ، صدوق فيما يرويه عن نبي الله وغيره. فنظر إلي الرشيد نظر مغضب، فقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل: صاحب البريد بالباب فدخل إلي، فَقَالَ: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول، وتحنط وتكفن فقلت: اللَّهمّ إنك [٧] تعلم أني دافعت [٨] عن صاحب نبيك، وأجللت نبيك ﷺ ، أن يطعن في أصحابه [٩] ، فسلمني منه. فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي، حاسر عن ذراعيه، بيده السيف وبين يديه النطع، فلما بصرني قال [لي] [١٠] : يا عمر بن حبيب، ما تلقاني أحد من الرد

стр. 3330

والدفع [لقولي] [١] بمثل ما تلقيتني به. فقلت: [٢] يا أمير المؤمنين، إن الذي قلته وجادلت عليّ فيه [٣] إزراء على رسول الله ﷺ [على ما جاء به] [٤] ، إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة/ باطلة، والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول. فرجع إلى نفسه، ثم قَالَ: أحييتني يا عمر بن حبيب [٥] . أحياك الله. وأمر لي بعشرة آلاف درهم. [٦] أخبرنا عَبْد الرَّحْمَنِ [بن مُحَمَّد أَبُو مَنْصور القزاز] [٧] قال: أخبرنا [أبو بكر] أَحْمَدُ [بْنُ عَلِيِّ] [٨] بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عبد العزيز بن أبي طاهر الصوفي، أخبرنا تمام بن محمد الرازي قَالَ: حَدَّثَني أَبِي قَالَ: أخبرني أَبُو الحسين عَلي بْن مُحَمَّد بْن أبي حسان الزيادي قَالَ: حدثنا أَبُو زيد الحارث بن أحمد العبدي قال: حدثني الحسين بن شداد قَالَ: كان عمر بن حبيب على قضاء الرصافة لهارون الرشيد، فاستعدى إليه رجل على عبد الصمد بن علي فأعداه عليه، فأبى عَبْد الصمد أن يحضر مجلس الحكم، فختم عمر بن حبيب قمطره وقعد في بيته. فرفع ذلك إلى هارون، فأرسل إليه، فَقَالَ: ما منعك أن تجلس للقضاء؟ فقال: أعدي على رجل فلم يحضر مجلسي. قال: ومن هُوَ؟ قال: عبد الصمد بن عليّ. فَقَالَ هارون: والله لا يأتي [٩] مجلسك إلا حافيا قَالَ: وكان عبد الصمد شيخا كبيرا قَالَ: فبسطت [له] [١٠] اللبود من باب قصره إلى مسجد الرصافة، فجعل يمشي ويقول: أتعبني أمير المؤمنين، أتعبني أمير المؤمنين. فلما صار إلى

стр. 3331

مجلس عمر [١] بن حبيب أراد أن يساويه في المجلس، فصاح [به] [٢] عمر وقال: اجلس مع خصمك. قال: فتوجه الحكم على عبد الصمد فحكم عليه، وسجل به. فقال له [٣] عبد الصمد: لقد حكمت علي بحكم لا يجاوز شحمة أذنك فقال له عُمَر: أما إني قد طوقتك بطوق لا يفكه عنك الحدادون. قم. قال الخطيب: كذا ذكر في هذا الحديث، أنه كان على [٤] الرصافة. والمحفوظ أنه/ كان عَلَى الشرقية [٥] . توفي عمر في هذه السنة بعد رجوعه إلى البصرة [٦] . ١١٤٩- طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن أسعد بن زادان، أبو طلحة الخزاعي، والي خراسان [٧] . بعثه المأمون إلى بغداد لمحاربة الأمين، وظفر به طاهر وقتله، ولقبه المأمون ذا اليمين. وحدث عَن ابن المبارك وغيره. وكان جوادا وقع يوما بصلات أحصيت ألف ألف وسبعمائة ألف. أنبأنا محمد بن ناصر الحافظ، عن أبي محمد السراج قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الواحد، حدثنا المعافى بن زكريّا حدثنا محمد بن القاسم [٨] الأنباري، حدثنا عبد الله بن بيان، حدثنا أبو جعفر مولى بني هاشم قَالَ: بينا طاهر بن الحسين في حراقته يوما وقد أدنيت إلى الشط لتخرج، إذ عرض له مقدس الخلوفي الشاعر فقال لَهُ: أيها الأمير، أريد أن تسمع مني أبياتا. فَقَالَ: قل. فأنشأ يَقُولُ:

стр. 3332

عجبت لحراقة ابن الحسين ... كيف تعوم ولا تغرق وبحران من تحتها واحد ... وآخر من فوقها مطبق وأعجب من ذاك عيدانها ... / وقد مسها كيف لا تورق فَقَالَ: أعطوه ثلاثة آلاف دينار. وقَالَ: زدنا حتى نزيدك. فَقَالَ: حسبي. أخبرنا أبو منصور القزاز قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا الجوهري قال: أَخْبَرَنَا محمد بن العباس قال: حدثنا أبو القاسم علان الوزان [١] قَالَ: حدثني أبو الحسن الجاماسي قَالَ: قَالَ رجل بخراسان: قال لي صديق لي: رأيت رجلا بمرو في يوم جمعة بحال [سيئة] [٢] ، ثم رأيته في الجمعة الأخرى على برذون، فقلت لَهُ: ما الخبر؟ فَقَالَ/: أنا على باب طاهر بن الحسين منذ ثلاث سنين ألتمس الوصول إليه فيتعذر علي ذلك حتى قال لي بعض أصحابه يومًا: إن الأمير [قد] [٣] يركب اليوم في الميدان يلعب بالصوالجة. فقلت: اليوم أصل إِلَيْهِ. فصرت إلى الميدان [فرأيت الوصول إليه متعذرا، وإذا فرجة في بستان، فالتمست الوصول إلى الميدان] [٤] فلما سمعت الحركة وصوت الصوالجة ألقيت نفسي من الثلمة، فنظر إلي فقال: من أنت؟ فقلت: أنا باللَّه وبك أيها الأمير، إياك قصدت، ومنك أطلب وقد قلت بيتي شعر فَقَالَ: هاتهما. وأقبل ميكال إلي فزجره عني، فأنشدته: أصبحت بين خصاصة وتجمل ... والمرء بينهما يموت هزيلا فامدد إلي يدا تعود بطنها ... بذل النوال وظهرها التقبيلا فأمر لي بعشرة آلاف درهم وقَالَ: هذه ديتك ولو كان ميكال أدركك لقتلك، وهذه عشرة آلاف لعيالك، امض لشأنك، ثم قَالَ: سدوا هذه الثلمة، لا يدخل إلينا منها أحد.

стр. 3333

وقد ذكرنا أن المأمون كان إذا ذكر أخاه الأمين وما فعل به طاهر جرت دموعه، وإن طاهرا [أعلم بذلك و] [١] طلب البعد عن الخليفة واحتال لذلك فولاه خراسان، فخرج، فلما كان بعد مدة من مقدمه خراسان قطع الدعاء للمأمون على المنبر يوم الجمعة، فقال له عون بْن مجاشع صاحب البريد: ما دعوت [٢] في هذه الجمعة لأمير المؤمنين فقال [لَهُ] [٣] : سهو وقع، فلا تكتب به [٤] ، ثم فعل ذلك في الجمعة الثانية والثالثة. فَقَالَ له عون: إن كتب التجارة لا تنقطع/ عن بغداد، وإن اتصل هذا بأمير المؤمنين من غيرنا لم نأمن أن يكون ذلك سبب زوال نعمتي فَقَالَ: اكتب بما أحببت. فكتب بالخبر إلى المأمون. فلما وصل كتابه دعا أحمد بن أبي خَالِد وقال له: إنه لم يذهب علي احتيالك في أمر [٥] طاهر وتمويهك له، وأنا أعطي الله عهدا إن لم يشخص حتى توافيني به [٦] كما أخرجته من قبضتي، وتصلح ما أفسدته علي من أمر ملكي ليدمين [٧] عقباك، فشخص أحمد وجعل يتلوم في الطريق ويقول لأصحاب البريد: اكتبوا بأخبار عله أحدها، فلما وصل إلى الري لقيته الأخبار بوفاة طاهر، ولقيه ولده طلحة فقال لَهُ: لا تريني وجهك، فإن أباك عرضني للغضب. قَالَ: قد مضى لسبيله، وأنا أحلف لك على الإخلاص. فكتب أحمد بالخبر، فلما بلغت وفاته المأمون قَالَ: لليدين وانعم [٨] : الحمد للَّه الذي قدمه وأخرنا. وكان قد أخذته حمى وحرارة، فوجدوه في فراشه ميتا. وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة بمرو. أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أحمد بْنِ عَلِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ [٩] بْنُ

стр. 3334

أَبِي الفتح قَالَ: حدثنا محمد بن جعفر الأديب، قَالَ أخبرنا أبو القاسم السكوني قَالَ: أنشدني جعفر بن الحسين لبعض المحدثين يرثي طاهر بن الحُسَين. فلئن كان للمنية رهنا ... إن أفعاله [١] لرهن الحياة ولقد أوجب الزكاة على قوم ... وقد كان عيشهم [٢] بالزكاة/ ١١٥٠- محمد بن أبي رجاء الخراساني [٣] . من أصحاب أبي يوسف القاضي. ولي القضاء ببغداد أيام المأمون وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة. ١١٥١- محمد بن عبد الله بن عبد الأعلى بن عبد الله، أبو يحيى الأسدي. ويعرف بابن كناسة لقب أبيه عبد الله. ومحمد هو: ابن أخت إبراهيم بن أدهم [٤] . وكان عالما بالشعر والعربية وأيام الناس، ورد بغداد، وحدث بها عن هشام بن عروة، والأعمش وغيرهما. روى عَنْه: أحمد بن حنبل وغيره. وقال يحيى وابن المَدِيني: ابن كناسة [٥] ثقة. أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن عليّ قَالَ: أخبرنا أحمد بن روح الهمداني [٦] قَالَ: أخبرنا المعافى زكريّا قَالَ: أخبرنا محمد بن القاسم الأنباري قال: حدثنا مُحَمَّد بْن المرزبان قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بن محمد قال: رأى رجل محمد بن كناسة يحمل بيده بطن شاة فقال لَهُ أعطني أحمله لك [٧] فقال:

стр. 3335

لا ينقص الكامل من كماله ... ما جر من نفع إلى عياله. [١] أخبرنا عبد الرَّحْمَن قال: أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: أخبرني الأزهري قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إبراهيم [بن شاذان قَالَ: حدثنا إبراهيم بن محمد النَّحْوِي قَالَ: حدثني الفضل الربيعي قَالَ: حَدَّثَنَا حماد بن إبراهيم] [٢] عن أَبِيهِ قال: أتيت محمد بن كناسة لأكتب عنه، فكثر عليه أصحاب الحديث، فضجر بهم وتجهمهم، فلما انصرفوا عنه دنوت منه، فهش إلي واستبشر بي، وبسط وجهه، فَقَلَت لَهُ: لقد تعجبت من تفاوت حالتيك!؟ فقال لي: أضجرني هؤلاء بسوء أدبهم، فلما جئتني أنت انبسطت إليك وقد حضرني في المعنى بيتان وهما: / في انقباض وحشمة فإذا ... صادفت أهل الوقار والكرم أرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت ما قلت غير محتشم فقلت: لوددت إن هذين البيتين لي بنصف ما أملك فَقَالَ: قد وفر الله عليك مالك، ما سمعهما أحد ولا قلتهما إلا [٣] الساعة. فقلت لَهُ: كيف لي بعلم نفسي أنهما ليسا لي [٤] . أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن عليّ قال: أخبرنا محمد بن الحسين القطان، أخبرنا جعفر الخلدي، أخبرنا محمد بن عبد الله الحضْرَمِيّ قَالَ: توفي محمد بن كناسة سنة سبع ومائتين [٥] . وقال ابن قانع: سنة تسع. والأول أصح.

стр. 3336

١١٥٢- محمد بن عمر بن واقد، أبو عبد الله الواقدي المَدِيني [١] . ولد سنة ثلاثين ومائة. وسمع ابن أبي ذئب، ومعمر بن راشد، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وخلقا كثيرا. وقدم بغداد وولي قضاء الجانب الشرقي، وله الكتب المصنفة في المغازي، والسيرة، والأحداث، والحديث، والفقه. وكان كريما [٢] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، أخبرنا سلامة بن الحُسَين [٣] المقرئ، أخبرنا الدارقطني، أخبرنا محمد بن القاسم الأنباري قَالَ: حدثني أبي قَالَ: حَدَّثَنَا أبو عكرمة الضبي، قَالَ: حدثنا يحيى بن محمد العنبري، قال: قال الواقدي كنت حنّاطا بالمدينة في يدي مائة ألف درهم للناس أضارب بها، فتلفت [الدراهم] [٤] في يدي، فشخصت [٥] إلى العراق، فقصدت يحيى بن خالد، فجلست في دهليزه، وآنست بالخدم والحجاب، / وسألتهم أن يوصلوني إِلَيْهِ، فقالوا: إذا قدم الطعام إليه لم يحجب عنه أحد، ونحن ندخلك عليه ذَلِكَ الوقت. فلما حضر طعامه أدخلوني فأجلسوني معه على المائدة، فسألني: من أنت، وما قصتك؟ فأخبرته، فلما رفع الطعام وغسلنا أيدينا دنوت منه لأقبل رأسه، فاشمأز من ذلك، [٦] ، فلما صرت إلى الموضع الذي يركب منه لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار فَقَالَ: الوزير يقرأ عليك السلام ويقول لك: استعن بها [٧] على أمرك، وعد إلينا في غد [٨] . فأخذته وعدت في اليوم الثاني، فجلست معه على المائدة، فأنشأ يسألني كما سألني في اليوم الأول، فلما رفع الطعام دنوت منه لأقبل رأسه، فاشمأز

стр. 3337

مني، فلما صرت إلى الموضع الذي يركب منه لحقني الخادم [و] [١] معه كيس فيه ألف دينار، فَقَالَ: الوزير يقرأ عليك السلام ويقول لك: [٢] استعن بهذا على أمرك وعد إلينا في غد فأخذته وانصرفت، وعدت إليه في اليوم الثالث، فأعطيت مثلما أعطيت في اليوم الأول والثاني، فلما كان في اليوم الرابع أعطيت الكيس [كما أعطيت قبل ذَلِكَ] [٣] وتركني بعد ذلك أقبل رأسه وقَالَ: منعتك ذلك لأنه لم يكن وصل إليك من معروفي ما يوجب هذا، والآن قد لحقك بعض النفع مني، يا غلام، أعطه الدار الفلانية، [يا غلام] [٤] ، [افرشها] [٥] الفرش الفلاني، يا غلام، أعطه مائتي ألف درهم يقضي دينه بمائة ألف، ويصلح شأنه بمائة ألف. ثم قال لي: / الزمني وكن في داري. فقلت: أعز الله الوزير، لو أذنت لي بالشخوص [٦] إلى المدينة لأقضي للناس أموالهم ثم أعود إلى حضرتك كان ذلك أرفق بي [٧] . فَقَالَ: قد فعلت. وأمر بتجهيزي فشخصت إلى المدينة، فقضيت ديني، ثم رجعت إليه، فلم أزل في ناحيته [٨] قال أبو عِكْرِمة: وأخبرنا سليمان بن أبي شيخ قَالَ: أخبرنا الواقدي قَالَ: ضقت مرة وأنا مع يحيى بن خالد، وجاء عيد، وجاءتني الجارية فقالت لي: قد حضر العيد وليس عندنا من آلته شيء، فمضيت [٩] إلى صديق لي من التجار، فعرفته حاجتي إلى القرض، فأخرج لي كيسا مختوما فيه ألف ومائتا درهم، فأخذته وانصرفت إلى منزلي، فلما استقررت فيه جاءني صديق لي هاشمي، وشكا إلي تأخر غلته وحاجته إلى القرض، فدخلت إلى زوجتي فأخبرتها فقالت: على أي شيء عزمت؟ قلت: على أن أقاسمه الكيس. قالت: ما صنعت شيئا أتيت رجلا سوقة فأعطاك ألفا ومائتي درهم، وجاءك

стр. 3338

رجل له من رسول الله ﷺ رحم ماسة تعطيه نصف ما أعطاك السوقة، ما هذا شيئا، أعطه الكيس كله [فأخرجت الكيس كله] [١] فدفعته إليه ومضى صديقي التاجر إلى الهاشمي وكان صديقا لَهُ، فسأله القرض، فأخرج الهاشمي إليه الكيس، فلما رأى خاتمه عرفه وانصرف إلي فأخبرني بالأمر، وجاءني رسول يحيى بن خالد فركبت إليه فأخبرته/ خبر الكيس، فَقَالَ: يا غلام، هات تلك الدنانير، فجاءه بعشرة آلاف دينار. فَقَالَ: خذ ألفي دينار لك، وألفين لصديقك التاجر [٢] ، وألفين للهاشمي، وأربعة آلاف لزوجتك فإنها أكرمكم. [٣] وقال الواقدي: صار إليّ من السلطان ستمائة ألف درهم ما وجبت [علي] [٤] فيها زكاة [٥] . قال عباس الدُّوري: ومات الواقدي وما له كفن، فبعث المأمون بأكفانه. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا الحسين بن محمد بن جعفر الرافعي قال: أخبرنا القاضي أبو بكر بْنُ كامل قَالَ: حدثني مُحَمَّد بْن مُوسَى الترمذي قَالَ: قال المأمون للواقدي: أريد أن تصلي الجمعة غدا بالناس. قَالَ: فامتنع فَقَالَ: لا بد من ذلك. فَقَالَ: والله يا أمير المؤمنين ما أحفظ سورة الجمعة. قال: فأنا أحفظك قال: فافعل فأقبل المأمون يلقنه سورة الجمعة حتى بلغ النصف منها، فإذا حفظ ابتدأ بالنصف الثاني، فإذا حفظ النصف الثاني [٦] نسي الأول، فتعب المأمون ونعس، فقال لعلي بن صالح: يا علي حفظه أنت. قال: [٧] [عليّ] [٨] : ففعلت، ونام المأمون، فجعلت أحفظه النصف الأول [فيحفظه فإذا حفظته الثاني نسي

стр. 3339

الأول] [١] ، فاستيقظ المأمون، فقال لي: ما فعلت؟ فأخبرته فقال: هذا رجل يحفظ التأويل ولا يحفظ [٢] التنزيل، اذهب فصل بهم واقرأ أي سورة شئت [٣] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّه أَحْمَدُ بْن مُحَمَّدِ بن دوست/، حدثنا أبو الحسن علي بن محمد قال: أخبرنا أبو زيد عبد الرحمن بن حاتم المرادي قَالَ: حدثنا هارون بن عبد الله الزهري القاضي قَالَ: كتب الواقدي رقعة إلى المأمون يذكر فيها غلبة الدين وغمه بذلك، فوقع المأمون على ظهرها: فيك خلتان: السخاء والحياء، فأما السخاء فهو الذي أطلق ما ملكت، وأما الحياء فهو الذي منعك من إطلاعنا عَلَى ما أنت عليه، وقد أمرنا لك بكذا وكذا، فإن كنا أصبنا إرادتك في بسط يدك، فإن خزائن الله مفتوحة، وأنت كنت حدثتني وأنت على قضاء الرشيد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلزُّبَيْرِ: «يَا زُبَيْرُ، إِنَّ بَابَ الرِّزْقِ مَفْتُوحٌ بِبَابِ [٤] الْعَرْشِ، يُنْزِلُ اللَّهُ إِلَى الْعِبَادِ أَرْزَاقَهُمْ عَلَى قَدْرِ نَفَقَاتِهِمْ، فَمَنْ قَلَّلَ قَلَّلَ لَهُ، وَمَنْ كَثَّرَ كَثَّرَ لَهُ» . قال الواقدي: وكنت قد أنسيت الحديث، فكان تذكيره إياي أحب إلي من جائزته. [٥] قال هارون القاضي: بلغني أن الجائزة كانت مائة ألف وكان الحديث أحب إليه من المائة ألف [٦] أخبرنا عبد الرحمن [بن محمد] [٧] قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرني الحسن بن أبي طَالِب، أخبرنا محمد بن الْعَبَّاس، حدثنا أبو الحسين بن المغيرة [٨] قال:

стр. 3340

حَدَّثَني أبو جعفر أحمد بن محمد الضبعي قال: حدثني إسماعيل بن مجمع قَالَ: سمعت الواقدي يَقُولُ: ما أدركت رجلا من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء ولا مولى لهم إلا سألته: هَلْ سمعت أحدا من أهلك يخبرك عن مشهده وأين قتل، فإذا أعلمني/ مضيت إلى الموضع حتى أعاينه ولقد مضيت إلى المريسيع، فنظرت إليها، وما علمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع أعاينه [١] . قال الضبعي: وحدثني محمد بن خلاد قَالَ: سمعت محمد بن سلام الجمحيّ يقول: محمد بن [٢] عُمَر الواقدي عالم دهره [٣] . وقال يعقوب بن شيبة: انتقل [٤] الواقدي فحمل [٥] كتبه على عشرين ومائة وقر [٦] . وقال غيره: كان له [٧] ستمائة قمطر كتب، [٨] وكان الواقدي يَقُولُ: حفظي [٩] أكثر من كتبي. وقال: الدراوَرْديّ: ذاك أمير المؤمنين [في] [١٠] الحديث [١١] . وقال مصعب [١٢] الزبيري: هو ثقة مأمون، والله ما رأينا مثله قط [١٣] .

стр. 3341

وكذلك قال يزيد بن هارون: الواقدي ثقة [١] . وكذلك قال [أبو] [٢] عبيد. وقال مجاهد بن مُوسَى: ما كتبت عن أحد قط [٣] أحفظ منه. وقال عباس العنبري: الواقدي أحب إلي من عبد الرزاق [٤] كان إبراهيم الحربي معجبا بِهِ، يَقُولُ: الواقدي آمن الناس على أهل الإسلام، وأعلم الناس بأمر الإسلام [وفقه أبو عُبَيْد من كتب الواقدي] [٥] ، ومن قال إن مسائل مالك وابن أبي ذئب تؤخذ عمن هو أوثق من الواقدي فلا يصدق. قال المصنف ﵀: وقد قدح فيه جماعة. كان علي بن المديني يَقُولُ: الواقدي ضعيف، لا يروى عَنْه. وقال يحيى بن مَعِين: ليس بشيء، ولا نكتب حديثه. وقال أحمد بن حنبل: هو كذاب، جعلت كتبه ظهائر للكتب منذ حين [٦] . وقال الشافعي: كتب الواقدي كذب. وقال بندار: ما رأيت أكذب شفتين من الواقدي. وقال البخاري والنسائي: هو متروك الحديث. وقال أبو زُرْعة/: ترك الناس حديثه. وقد ذكر إبراهيم الحربي: سبب طعن أحمد فيه واعتذر عَنْه. فأَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي [بن ثابت] [٧] الحافظ

стр. 3342

قال: أخبرني إبراهيم بن عمر البرمكي، حدثنا عبيد الله بن محمد بن حمدان، حدثنا محمد بْن أيّوب قَالَ: قال إبراهيم [الحربي] [١] : سمعت أحمد ذكر الواقدي فَقَالَ: ليس أنكر عليه شيئا إلا جمعه الأسانيد ومجيئه بمتن واحد على سياقة واحدة عن جماعة، وربما اختلفوا [٢] . قال إبراهيم: [ولم؟] [٣] وقد فعل هذا ابن إسحاق، والزهري وحماد بن سَلَمَة [٤] ؟ قال المصنف: لو كانت المحنة جمع الأسانيد لقرب الأمر، فإن الزهري [قد جمع] [٥] رجالا في حديث الإفك محمول على اختلاف اللفظ دون المعنى، وليس هذا يقع في كل ما يجمع [عَلَيْهِ] [٦] ، وإنما نقموا عليه ما هو أشد من هذا. فروى إسحاق الكوسج عن أحمد أنه قال: الواقدي يقلب الأحاديث كأنه يجعل ما لمعمر لابن أخي الزُّهْرِيّ، [وما لأبن أخي الزهري] [٧] لمعمر. وقال إسحاق بن راهويه: كان يفعل هذا، وكان ممن يضع الحديث. وقال اللاحي: الواقدي متهم. توفي الواقدي ليلة الثلاثاء لإحدى عشرة [ليلة] [٨] خلت من ذي الحجة من هذه السنة، ودفن في مقابر الخيزران وهو ابن ثمان وسبعين سنة. ١١٥٣- المظفر بن مدرك، أبو كامل الخراساني الأصل [٩] . سمع حماد بن سَلَمَة. وروى عنه أحمد بن حنبل.

стр. 3343

وقال يحيى: كنت آخذ منه [١] صنعة الحديث ومعرفة الرجال، وكان ثقة. توفي في هذه السنة/ ١١٥٤-[الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن، أبو عبد الرحمن الطائي . حدث عَن هشام بن عروة، وابن إسحاق، وشعبة، وغيرهم. وكان أحسن الناس وجها، وأنظفهم ثوبا، وأطيبهم ريحا] [٢] فوجد له مائتا قميص، ومائتا طيلسان، ومائة [رداء] [٣] ، وخمسين عمامة، ومائة سروال. [ولم يكن عند المحدثين بثقة، وتوفي في هذه السنة [٤]] وقيل: في سنة ست. ١١٥٥- هشام بن القاسم [٥] ، أبو النصر الكتاني . خراساني الأصل [٦] ، سمع شعبة، وليث بن سعد. روى عنه: أحمد بن حنبل. وقيل: كان من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. وقال يحيى: كان ثقة [٧] . توفي في هذه السنة، ودفن في مقابر عبد الله بن مالك بالجانب الشرقي. ١١٥٦- يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور، أبو زكريا الفراء، مولى بني أسد [٨] . من أهل الكوفة. حدث عَن قيس بن الربيع، ومندل بن علي، والكسائي، وأبي

стр. 3344

بَكْر بن عياش، وسفيان بن عُيَيْنَة وكان ثقة إماما. قال ثعلب: لولا الفراء ما كانت عربية، لأنه خلصها وضبطها. [١] أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا القاضي أَبُو العلاء الواسطي قَالَ: أخبرنا محمد بن جعفر بن محمد بن هارون التميمي، حدثنا الحسن بْن دَاوُد، حدثنا أبو جعفر عقدة، أخبرنا أبو بديل الوضاحي قَالَ: أمر أمير المؤمنين المأمون الفراء أن يؤلف ما جمع به أصول النحو وما سمع من العرب، وأمر أن يفرد في حجرة من حجر الدار، ووكل به جواري وخدما يقمن بما يحتاج إليه حتى لا يتعلق قلبه، ولا تتشوق نفسه إلى شيء حتى أنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصَّلاة، وصير له [٢] . الوراقين، وألزمه الأمناء والمنفقين، فكان يملي والوراقون يكتبون، حتى صنف الحدود في سنين، وأمر المأمون بكتبه في الخزائن، فبعد أن فرغ من ذلك خرج إلى الناس، وابتدأ يملي كتاب «المعاني» وكان وراقاه: سلمة وأبا نصر. قال: فأردنا ابن نعد الناس الذين اجتمعوا لإملاء كتاب «المعاني» فلم يضبط. قَالَ: فعددنا القضاة فكانوا ثمانين قاضيا، فلم يزل يمليه حتى أتمه، وله كتابان في المشكل، أحدهما أكبر من الآخر، قَالَ: فلما فرغ من إملاء كتاب «المعاني» خزنه الوراقون عن الناس ليكسبوا بِهِ [٣] ، وقالوا: لا نخرجه إلى أحد إلا من أراد أن ننسخه له على خمس أوراق بدرهم فشكى الناس [ذلك] [٤] إلى الفراء، [فدعا الوراقين] [٥] فَقَالَ لهم في ذلك، فقالوا: إنما صحبناك لننتفع بك وكل ما صنفته فليس بالناس إليه من الحاجة ما بهم إلى هذا الكتاب، فدعنا نعيش به. فَقَالَ: فقاربوهم تنتفعوا وتنتفعوا، فأبوا عليه، فقال: سأريكم. وقال للناس: إني ممل كتاب معان أتم شرحا وأبسط قولا من الذي أمليت. فجلس يملي، فأملى الحمد في مائة ورقة، فجاء [٦] الوراقون إليه [٧] فقالوا: نحن نبلغ للناس ما يحبون،

стр. 3345

فنسخوا كل عشرة أوراق بدرهم. قَالَ: وكان المأمون قد وكل الفراء يلقن ابنيه النحو، فلما كان يوما أراد [١] الفراء أن ينهض إلى بعض حوائجه، فابتدرا إلى نعل الفراء يقدمانه له، فتنازعا أيهما يقدمه، ثم اصطلحا [على] [٢] أن يقدم كل واحد منهما فردا، فقدماها، وكان المأمون له على كل شيء صاحب خبر، فرفع ذلك إليه في الخبر، فوجه إلى الفراء فاستدعاه، فلما دخل [٣] عليه قال لَهُ: [٤] من أعز النَّاسَ؟ قَالَ: ما أعرف أعز من أمير المؤمنين قَالَ: بلى، من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين، حتى/ رضي كل واحد منهما [٥] أن يقدم فردا. قَالَ: يا أمير المؤمنين، لقد أردت منعهما من ذلك، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقًا إليها، أو أكسر نفوسهما عن شريفة حرصا عليها. وقد يروى عن ابن عباس أنه أمسك للحسن والحسين ركابيهما حين خرجا من عنده، فقال له بعض من حضر: أتمسك لهذين الحديثين ركابيهما وأنت أشرف [٦] منهما؟ قال لَهُ: اسكت يا جاهل، لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل، [وأنا ذو فضل] [٧] فقال له المأمون: لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوما وعتبا، وألزمتك ذنبًا، وما وضع ما فعلاه من شرفهما، بل رفع من قدرهما وبين عن جوهرهما، ولقد تبينت لي مخيلة الفراسة بفعلهما، فليس يكبر الرجل وإن كان كبيرا [عن ثلاث] : [٨] عن تواضعه لسلطانه، ولوالده، ولمعلمه العلم، ولقد عوضتهما عما فعلاه عشرين ألف دينار، ولك عشرة آلاف درهم على حسن [٩] أدبك لهما [١٠] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قَالَ: أخبرنا الأزهري قَالَ: أخبرنا علي بن عمر الحافظ قَالَ: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد،

стр. 3346

حَدَّثَنَا بيان بن يعقوب الرقومي قال: سمعت عبد الله بن الوليد [١] صعودا يَقُولُ: كان محمد بْن الحسن الفقيه ابن خالة الفراء، وكان الفراء يوما [٢] عنده [٣] جالسا، فقال الفراء: قل رجل أمعن [٤] النظر في باب من العلم فأراد غيره إلا سهل عليه، فقال له مُحَمَّد: يا أبا زكريّا، فأنت الآن قد أمعنت [٥] النظر في العربية فنسألك عن باب من الفقه؟ قال: هات على بركة اللَّه. قال: ما تقول في رجل صلى/ وسها فسجد سجدتي [٦] السهو فسها فيهما؟ ففكر الفراء ساعة، ثم قَالَ: لا شيء عَلَيْهِ قال له محمد: ولم؟ [قال:] [٧] لأن التصغير عندنا لا تصغير له [٨] [وإنما السجدتان إتمام الصلاة فليس للتمام تمام] [٩] . فقال محمد: ما ظننت أن آدميا يلد مثلك [١٠] . توفي الفراء ببغداد في هذه السنة. وقد بلغ ثلاثا وستين سنة. وقيل: مات في طريق مكة.

стр. 3347

ثم دخلت سنة ثمان ومائتين فمن الحوادث فيها: أن الحسن بن الحسين بن مصعب مضى من خراسان إلى كرمان ممتنعا، فمضى إليه أحمد بْن أبي خالد حتى أخذه، فقدم به على المأمون فعفا عَنْه [١] . وفيها: ولى المأمون محمد بن عبد الرحمن المخزومي قضاء عسكر المهدي في المحرم، ثم عزله في ربيع الأول وولى بشر بن الوليد الكندي [٢] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، أخبرنا أَحْمَد بْن عَلِي بْن ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا الأَزْهَرِيُّ، حدثنا علي بن عمر الحافظ، أخبرنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا الحارث بن مُحَمَّد، حدثنا محمد [بن سعد] [٣] قَالَ: سنة ثمان ومائتين فيها استعفى محمد بن سماعة القاضي من القضاء، فأعفي وأقره المأمون في صحابته، وولى مكانه القضاء بمدينة السلام إسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة وولى مكان إسماعيل حمادا [٤] على قضاء الشرقية [٥] والكرخ: عكرمة بن طارق، ولبس خلعتين. وحج بالناس في هذه السنة صالح بن الرشيد [٦] .

стр. 3348

وجاء سيل إلى مكة حتى نال الماء الحجر [١] والباب، وهدم أكثر من ألف دار، ومات ألف إنسان/. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١١٥٧- أسود بن عامر، أبو عبد الرَّحْمَن المعروف بشاذان [٢] . أصله من الشام، وسمع سفيان الثوري، وشعبة، والحمادين، وابن المبارك وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، ووثقه. توفي ببغداد هذه السنة. ١١٥٨- ثابت بن نصر بن الهيثم، الخزاعي [٣] كان يتولى إمارة الثغور. ويذكر عنه فضل وصلاح [٤] وحسن أثر فيما ولي. توفي في هذه السنة بالمصيصة. ١١٥٩- صالح بن عبد الكريم العابد [٥] حدث عَن فضيل بن عياض، وابن عُيَيْنَة. حدث عنه البرجلاني. أخبرنا أبو منصور [٦] القزاز قَالَ: أخبرنا أبو بكر بن ثابت، أخبرنا أبو طاهر محمد بْن أحمد بن أبي الصقر [٧] ، أخبرنا عبد الرحمن بن عثمان الدمشقيّ، حدثنا

стр. 3349

خيثمة بن سليمان الأطرابلسي [١] ، حدثنا أبو العباس النسائي قال: سمعت بعض الأشياخ يقول: قال لي صالح بن عبد الكريم يوما أيش في كمك يا أبا يوسف؟ قُلْتُ: حديث قَالَ: يا أصحاب الحديث، ما كان ينبغي أن يكون أحد أزهد منكم، إنما تقلبون ديوان الموتى، لعل ليس بينك وبين النَّبيّ ﷺ في كتابك أحد إلا وقد مات. ١١٦٠- عبد الله بن بكر بن حبيب، أبو وهب الباهلي الْبَصْرِيّ [٢] . سكن بغداد، وحدث بها عَن حميد الطويل، وحاتم بن أبي صغيرة، وسعيد بن أبي عروبة روى عَنْه أحمد بن حنبل وأبو خيثمة، والحسن بن عرفة/ وكان ثقة صدوقا. توفي في محرم هذه السنة. ١١٦١- عمر بن عبد العزيز، أبو حفص الشطرنجي . كان أبوه من موالي المنصور، ونشأ أبو حفص في دار المهدي [٣] ومع أولاده، وتأدب، وكان محبًا للشطرنج فلقب بِهِ، ثم انقطع إلى علية وكان يقول لها الأشعار فيما تريده وكان نديمًا مستحسنا ومؤنسا لطيفا. روى محمد بن المرزبان عن أبي العباس الكاتب قَالَ: كان الرشيد يحب ماردة جاريته، وكان قد خلفها بالرقة، فلما قدم بغداد اشتاقها فكتب إليها: سلام على النازح المغترب ... تحية صب به مكتئب سأستر والستر من شيمتي ... هوى من أحب بمن لا أحب فلما ورد الكتاب أمرت أبا حفص الشطرنجي بإجابته عنها فأجاب: أتاني كتابك يا سيدي ... وفيه العجائب كل العجب أتزعم أنك لي عاشق ... وأنك بي مستهام وصب

стр. 3350

فلو كان هذا كذا لم تكن ... لتتركني نهزة للكرب وأنت ببغداد ترعى بها ... نبات اللذاذة مع من تحب فيا من جفاني ولم أجفه ... ويا من شجاني بما في الكتب كتابك قد زادني صبوة ... وأشعر قلبي بحر اللهب فهبني نعم قد كتمت الهوى ... فكيف بكتمان دمع سرب ولولا اتقاؤك يا سيدي ... لوافتك بي الناجيات النحب فلما قرأ الرشيد كتابها أنفذ من وقته خادما على البريد/ حتى حدروها [١] إلى بغداد في الفرات. وروينا أن الرشيد غضب على علية، فأمرت أبا حفص الشطرنجي أن يقول شعرا يعتذر فيه عنها فَقَالَ: لو كان يمنع حسن العقل صاحبه ... من أن يكون له ذنب إلى أحد كانت علية أيدي الناس كلهم ... من أن تكافى بسوء آخر الأبد ما لي إذا غبت لم أذكر بواحدة ... وإن سقمت وطال القسم لم أعد ما أعجب الشيء أرجوه فأكرمه ... قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي فغنى بها الرشيد فأحضرها وقبل رأسها وقَالَ: لا أغضب عليك أبدا. وقال عبد الله بن الفضل بن الربيع: دخلت على أبي حفص الشطرنجي أعوده في علته التي مات فيها، فأنشدني لنفسه: نعى لك ظل الشباب المشيب ... ونادتك باسم سواك الخطوب فكن مستعدا لداعي الفنا ... فإن الذي هو آت قريب ألسنا نرى شهوات النفوس ... تفنى وتبقى علينا الذنوب وقبلك داوى المريض الطبيب ... فعاش المريض ومات الطبيب يخاف على نفسه من يتوب ... فكيف ترى حال من لا يتوب

стр. 3351

١١٦٢- الفضل بن الربيع بن يونس بن محمد بن أبي فروة، واسم أبي فروة: كيسان، وكنية الفضل: أبو الْعَبَّاس [١] . وكان حاجب [٢] الرشيد والأمين. وكان أبو العباس أبوه حاجب [٣] المنصور والمهدي. وأسند الحديث عَن حميد الطويل، ولما أفضت الخلافة إلى الأمين قدم الفضل عليه من خراسان بالأموال/ والقضيب والخاتم، وكان في صحبة الرشيد إلى أن مات الرشيد [٤] بطوس، فأكرمه الأمين وقربه وألقى إليه [٥] أن دبر الأمور، وعول عليه في المهمات، وفوض إليه ما وراء بابه، فكان هو الَّذِي يولي ويعزل وتخلى الأمين مستريحا، واحتجب عن الناس فقال أبو نواس: لعمرك ما غاب الأمين محمد ... عن الأمر يعنيه إذا شهد الفضل ولولا مواريث الخلافة أنها ... له دونه ما كان بينهما فضل [٦] وإن كانت الأخبار فيها تباين ... فقولهما قول وفعلهما فعل أرى الفضل للدنيا وللدين جامعا ... كما السهم فيه الفوق والريش والنصل [٧] فلما خلع الأمين، وجاء المأمون إلى بغداد لمحاربته هرب الفضل بن الربيع، فلما قتل الأمين نفى الفضل وطاهر بن الحسين ببغداد فثنى عنانه معه وقَالَ: إن هذا العنان ما ثني إلا لخليفة، فقال له طاهر: صدقت، فسل ما شئت فَقَالَ: تكلم لي أمير المؤمنين فكلمه، فصفح عنه. وله في هربه قصة طريفة. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو القاسم علي بن المحسن التنوخي، عن

стр. 3352

أَبِيهِ قَالَ: حدثني علي بن هشام الكاتب قَالَ: حدثنا علي بن مقلة قَالَ: حدثني أبو عيسى بْن سعيد الديناري، عن أبي أيوب سليمان بن وهب، عن ابن طالوت كاتب ابن وهب [١] قَالَ: سَمِعْتُ الفضل بن الربيع يَقُولُ: لما استترت عن المأمون أخفيت نفسي عن عيالي وولدي، وكنت أستقل وحدي، فلما قرب المأمون من بغداد زاد حذري وخوفي على نفسي فشددت في الاحتياط والتواري وأفضيت إلى منزل بزاز كنت أعرفه بباب الطاق، وشدد المأمون في/ طلبي، فلم يعرف لي خبرا، فتذكرني يوما واغتاظ وجد بإسحاق بن إبراهيم في طلبي وأغلظ له، فخرج إسحاق من حضرته، فجد بأصحاب الشرط حتى أوقع ببعضهم المكاره، ونادى في الجانبين بأن من جاء بي فله عشرة آلاف درهم وأقطاع بثلاثة آلاف دينار كل سنة، وأن من وجدت عنده بعد النداء ضرب خمسمائة سوط، وهدمت داره، وأخذ ماله، وحبس طول عمره، فما شعرت إلا بصاحب الدار قد دخل علي فأخبرني بخبر النداء، وقال: والله ما أقدر بعد هذا على سترك ولا آمن زوجتي ولا جاريتي ولا غلامي، تشره نفوسهم إلى المال فيدلون عليك فأهلك بهلاكك، فإن صفح الخليفة [عنك] [٢] لم آمن أن تتهمني [أنت] [٣] أني دللت عليك، فيكون ذلك أقبح، وليس الرأي لي ولك إلا أن تخرج عني. فورد علي أعظم مورد وقلت: إذا جاء الليل خرجت عنك فَقَالَ: ومن يطيق الصبر على هذا إلى الليل، فإن وجدت عندي قبل الليل فكيف يكون حالي؟ وهذا وقت حار، وقد طال عهد الناس بك، فتنكر واخرج فقلت: وكيف أتنكر؟ قَالَ: تأخذ أكثر لحيتك، وتغطي رأسك، وتلبس قميصا ضيقا. ففعلت ذلك، وخرجت في أول أوقات العصر وأنا ميت جزعا، فمشيت في الشارع حتى بلغت الجسر فوجدته خاليا فتوسطته، فإذا بفارس من الجند الذين كانوا يتناوبون في داري أيام وزارتي قد قرب مني وعرفني فَقَال: طلبة أمير المؤمنين والله وعدل إلي ليقبض علي، فمن حلاوة النفس دفعته ودابته، فوقع في بعض سفن البحر، وأسرع الناس لتخليصه وظنوا أنه/ قد زلق لنفسه فزدت أنا المشي من غير عدو لئلا ينكر حالي، إلى أن عبرت الجسر، ودخلت درب سليمان، فوجدت امرأة على باب دار

стр. 3353

مفتوح، فقلت لها: يا امْرَأَة، أنا خائف من القتل فأجيريني واحفظي دمي. قالت: ادخل فأومأت إلى غرفة فصعدتها. فلما كان بعد ساعة إذا بالباب قد دق، فدخل زوجها فتأملته، فإذا هو صاحبي على الجسر، وهو مشدود الرأس يتأوه من شجة لحقته، فسألته المرأة عن خبره، فأخبرها بالقصة وقال لها: قد زمنت دابتي، وقد نفذت بها تباع للحم، وقد فاتني الفتى وجعل يشتمني وهو لا يعلم أني في الدار، فأقبلت [١] المرأة ترقق به حتى [يهدأ] [٢] قالت: أَحْمَد الله الذي حفظك ولم تكن سببا [٣] لسفك دمه. فلما اختلط الظلام صعدت المرأة إلي فقالت: أظنك صاحب القصة مع هذا الرجل فقلت: نعم فقالت: قد سمعت ما عنده فاتق الله في نفسك. واخرج فدعوت لها وخرجت، فوجدت الحراس قد أغلقوا الدروب [٤] . فتحيرت، ثم رأيت رجلا يفتح بابا بمفتاح رومي. فقلت: هذا غريب [ليس عنده أحد] [٥] ، فدنوت منه، فقلت: استرني سترك اللَّه قَالَ: ادخل فأقمت [عنده] [٦] ليلتي، فخرج من الغد وعاد ومعه حمالان: على رأس أحدهما حصير، ومخدة، وجرار، وكيزان، وغضائر جدد، وقدر جديدة، وعلى الآخر: خبز، وفاكهة، ولحم، وثلج. فدخل فترك ذاك عندي وأغلق الباب، فنزلت وعدلته وقلت لَهُ: لم تكلفت هذا؟ فقال: أنا رجل مزين [٧] ، وأخاف أن تستقذرني، وقد أفردت هذا لك، فاطبخ وأطعمني في غضارة أجيء بها من عندي، فأقمت عنده ثلاث ليال، وقلت له في الرابعة: الضيافة ثلاث، وقد أحسنت، وأريد الخروج/ فَقَالَ: لا تفعل، فإني وحيد ولست ممن يطرق بيته أحد ولا تحذر أن يفشو [لك] خبر [٨] من عندي أبدًا، فأقم [٩] إلى أن يفرج الله عنك. فأبيت، وخرجت فمشيت حتى بلغت باب التين أريد

стр. 3354

عجوزا من موالينا، فدققت عليها الباب، فخرجت فلما رأتني بكت وحمدت الله تعالى على سلامتي، وأدخلتني الدار ثم بكرت وسعت بي، فما شعرت إلا بإسحاق بخيله ورجله قد أحاط بالدار، فأخرجني حتى وقفني بين يدي المأمون حافيا حاسرا، فلما بصرني المأمون سجد طويلا ثم رفع رأسه. فَقَالَ: يا فضل، تدري لم سجدت؟ فقلت: شكرا للَّه إذ أظفرك الله بعدو [١] دولتك والمغري بينك وبين أخيك. فَقَالَ: ما أردت هذا، ولكني سجدت شكرا للَّه تعالى على أن أظفرني بك وألهمني [من] [٢] العفو عنك، حدثني بخبرك. فشرحته من أوله إلى آخره فأمر بإحضار المرأة مولاتنا، وكانت في الدار تنتظر الجائزة فقال لها: ما حملك على ما فعلت مع إنعامه [٣] وإنعام أهله عليك؟ قالت: رغبت في المال قال: فهل لك من ولد أو زوج أو أخ؟ قالت: لا فأمر بضربها مائتي سوط، وأن تخلد الحبس، ثم قال لإسحاق: أحضر الساعة الجندي وامرأته والمزين فأحضروا، فسأل الجندي عن السبب الذي حمله على فعله، فقال: الرغبة في المال. فَقَالَ: أنت أولى [٤] أن تكون حجاما ليس يحسن أن يكون مثلك [٥] من أوليائنا وأمر بأن يسلموه [٦] إلى المربين في الدار [٧] ويوكل به من يسومه تعلم الحجامة، وأمر باستخدام زوجته في قهرمة دور حرمه. وقَالَ: هذه امرأة عاقلة دينة، وأمر بتسليم دار/ الجندي وقماشه [٨] إلى المزين، وأن يجعل رزقه لَهُ، ويجعل [٩] جنديا مكانه. وأطلقني إلى داري فرجعت آمنا مطمئنا [وفي رواية أخرى: أن المأمون أمر لتلك المرأة التي أمرته أن يخرج مخافة شر زوجها بثلاثين ألف درهم، فقالت: لست آخذ على فعل فعلته له جزاء إلا منه. وردت المال. وتوفي الفضل في ذي القعدة من هذه السنة] [١٠] .

стр. 3355

١١٦٣- كلثوم بن عمرو [بن أيوب] [١] ، العتابي [٢] . كان خطيبا شاعرا بليغا، وكان منقطعا إلى البرامكة، فوصفوه للرشيد ووصلوه به، فبلغ عنده [كل] [٣] مبلغ، ومدح الرشيد وغيره من الخلفاء، ثم كان يتجنب غشيان السلاطين، ويلبس الصوف زهدا. ومن أشعاره في الزهد: ألا قد نكس [٤] الدهر ... فأضحى حلوه مرا وقد جربت من فيه ... فلم أحمدهم طرا فألزم نفسك اليأس ... من الناس تعش حرا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [٥] بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلي مُحَمَّد بْن الحسين الجازري [قال:] حَدَّثَنَا المعافى بْن زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بن منصور الحارثي، حدثنا أحمد بْن أبي طاهر قَالَ: حدثني أبو دعامة الشاعر قال: كتب طوق بن مالك إلى العتابي يستزيره ويدعوه إلى أن يصل القرابة بينه وبينه، فرد عليه: إن قريبك من قرب منك خيره وإن عمك من عمك نفعه، وإن عشيرتك من أحسن عشرتك، وإن أحب الناس إليك أجداهم بالمنفعة عليك، ولذلك أقول: ولقد بلوت الناس ثم سبرتهم ... وخبرت من وصلوا من الأسباب فإذا القرابة لا تقرب قاطعا ... وإذا المودة أكبر [٦] الأنساب [٧] / أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي، أخبرنا العتيقي، أخبرنا محمد بْن الْعَبَّاس، أخبرنا علان بن أَحْمَد [٨] ، حدثنا قاسم الأنباري، قال: قال

стр. 3356

أَحْمَد بن يحيى: قيل للعتابي: [١] إنك تلقى العامة ببشر وتقريب، فَقَالَ: رفع ضغينة بأيسر مئونة، واكتساب إخوان بأهون مبذول [٢] . أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا الحسن بن الحسين النعالي قال: أخبرنا أبو الفرج الأصبهاني قَالَ: أخبرني علي بن سليمان، عن محمد بن يزيد قَالَ: كتب المأمون في إشخاص كلثوم بن عمرو العتابي فلما دخل عليه قَالَ: يا كلثوم، بلغتني وفاتك فساءتني، ثم بلغتني وفادتك فسرتني فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، لو قسمت هاتان الكلمتان على أهل الأرض لوسعتاهم فضلا وإنعاما، وقد خصصتني منهما بما لا يتسع له أمنية، ولا ينبسط لسواه [٣] أمل، لأنه لا دين إلا بك ولا دنيا إلا معك. قَالَ: سلني [ما شئت] [٤] ، قَالَ: يدك بالعطاء أطلق [٥] من لساني بالسؤال [٦] فوصله صلات [٧] سنية، بلغ به من التقديم والإكرام أعلى محل [٨] . أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ، أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَبْد الجبار، أَخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد الجوهري، أخبرنا محمد بن عبد الرحيم المازني، أخبرنا أبو بكر الأنباري، حدثنا الحسن بْن علي العنزي، حدثنا النضر العجلي قَالَ: كتب إلي عبد الجبار بن كثير يَقُولُ: حدثنا حسن الصوفي قَالَ: قال لي العتابي كلثوم بن عمرو: قدمت مرة [على أبي عمار بوقر كتبا، فقال: ما عليه؟ قلت: كتب. قَالَ: والله ما ظننته إلا مالا فعدلت] [٩] إلى يعقوب بن صالح، فدخلت عليه فأنشدته: / حسن ظني إليك أصلحك الله ... دعاني فلا عدمت الصلاحا ودعاني إليك قول رسول الله ... ان قال مفصحا إفصاحا

стр. 3357

إن أردتم حوائجا من أناس ... فتنقوا لها الوجوه الصباحا فلعمري لقد تنقيت وجها ... ما به خاب من أراد النجاحا فَقَالَ: ما حاجتك يا كُلْثُوم؟ قُلْتُ: بدرتان، فَقَالَ: أعطوه بدرتين، فانصرفت بهما إلى أبي وقلت: هذا بالكتب التي أنكرت. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ علي [بن حسين] [١] المحتسب، أخبرنا المعافى بن زكريا، أخبرنا أبو بكر بن دريد قَالَ: قال مالك بن طوق للعتابي: رأيتك كلمت فلانا فأقللت كلامك؟ قال: نعم، كان معي حيرة الداخل، وفكرة صاحب الحاجة، وذل المسألة، وخوف الرد مع شدة الطمع [٢] . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ الحُسَين النعالي، أخبرنا أبو الفرج الأصفهاني قَالَ: ذكر أحمد بن أبي طاهر بن عبد الله بن أَبِي سَعِيد: أن عبد الله بن سعيد بن زرارة حدثه عن محمد بن إبراهيم السيادي قَالَ: لما قدم العتابي مدينة السلام على المأمون أذن لَهُ، فدخل عليه وعنده إسحاق الموصلي، وكان العتابي/ شيخا جليلا، فسلم فرد عليه فأدناه فقبل يده، ثم أمره بالجلوس، فجلس وأقبل عَلَيْهِ فسأله عن حاله وهو يجاوبه بلسان طلق [٣] فاستظرف المأمون ذلك منه، وأقبل عليه يداعبه ويمزح [٤] ، فظن الشيخ أنه استخف به، فقال: يا أمير المؤمنين، الإيناس قبل الإبشاش فاشتبه على المأمون قوله، فنظر إلى إسحاق مستفهما، فأومأ إليه بعينه، وغمزه حتى فهم، ثم قال: يا غلام، ألف دينار. فأتي بذلك فوضعه بين يدي العتابي، وأخذوا في الحديث، ثم غمز المأمون إسحاق عليه، فجعل العتابي لا يأخذ في شيء إلا عارضه فيه إسحاق، فبقي العتابي متعجبا، ثم قَالَ: يا أمير المؤمنين، أتأذن في مسألة هذا الشيخ عن اسمه، قال: نعم سله. فقال [لإسحاق] : [٥]

стр. 3358

يا شيخ، من أنت، وما اسمك؟ فَقَالَ: أنا من الناس، واسمي كل بصل فتبسم العتابي، ثم قال: أما النسب فمعروف، وأما الاسم فمنكر فقال له إسحاق: إنما قل إنصافك، أتنكر أن يكون اسمي كل بصل، واسمك كل ثوم، وما كلثوم في الأسماء أو ليس البصل أطيب من الثوم؟ فقال لَهُ العتابي: للَّه درك، ما أرجحك أيأذن لي أمير المؤمنين أن أصله بما وصلني بِهِ. فقال لَهُ المأمون: ذلك موفر عليك، ونأمر له بمثله، فقال له إسحاق أما إذ أقررت بهذه فتوهمني تجدني. فقال لَهُ: ما أظنك إلا إسحاق الموصلي الذي يتناهى/ إلينا خبره [١] ؟ قَالَ: أنا حيث ظننت، وأقبل عليه بالتحية [٢] والسلام، فقال له المأمون وقد طال الحديث بينهما- أما [٣] إذا اتفقتما على المودة فانصرفا. فانصرف العتابي إلى منزل إسحاق فأقام عنده [٤] . وقد روينا أن العتابي دخل على عبد الله بن طاهر فأنشده: حسن ظني وحسن ما عودني الله ... سواء منك الغداة أتى بي أي شيء يكون أحسن من ... حسن يقين حدا إليك ركابي فأمر له بصلة، ثم دخل عليه من الغد فأنشده: ودك يكفيني في حاجتي ... ورويتي كافية عن سؤالي وكيف أخشى الفقر ما عشت لي ... وإنما كفاك رأس مالي [٥] فأمر له بجائزة، ثم [٦] دخل عليه في اليوم الثالث [٧] فأنشده: بهجات الشباب يخلقها الدهر ... وثوب الثناء غض جديد

стр. 3359

فاكسني ما يبيد أيدك [١] الله ... فإني أكسوك ما لا يبيد فأجازه وخلع عليه، وكان قد سعي بالعتابي إلى الرشيد [وطلبه] [٢] فأخفاه جعفر بن يحيى وجعل يصلح [٣] قلب [٤] الرشيد عليه [٥] حتى آمنه فَقَالَ: / ما زلت في غمرات الموت منطرحا ... قد ضاق عني فسيح الأرض من حيلي فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يد الأجل ١١٦٤- القاسم بن الرشيد [٦] . سماه الرشيد [٧] المؤتمن، وخطب له بالخلافة بعد الأمين والمأمون، وعقد فيما [٨] عقد له أن الأمر إذا صار إلى المأمون كان أمر [٩] المؤمنين مفوضا إليه، إن شاء أقره وإن شاء [عزله] [١٠] واستبدل به من أراد [١١] من أخوته وولده، فلما صار الأمر [١٢] إلى المأمون خلعه المأمون [١٣] في سنة ثمان وتسعين، وكتب بخلعه إلى الآفاق وترك الدعاء له على المنابر.

стр. 3360

وتوفي المؤتمن ببغداد في [صفر] [١] هذه السنة، وله خمس وثلاثون سنة، وحضره المأمون وصلى عَلَيْهِ. ١١٦٥- محمد بن إسماعيل [بن يوسف، أبو إسماعيل السلمي [٢]] التِّرْمِذِيّ [٣] سمع محمد بن عبد الله الأنصاري، وأبا نعيم وقبيصة، وغيرهم، وكان ثقة فهما متقنا مشهورًا بمذاهب السنة، سكن بغداد وحدث بها، فروى عنه: أبو بكر بن أبي الدنيا، وابن صاعد، والمحاملي، وروى عنه: أبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن النسائي في كتابيهما. وقال أبو بكر الخلال: هو رجل [٤] ثقة كثير العلم. قال [ابن] [٥] المنادي: توفي بمدينتنا لأيام مضت من رمضان سنة ثمان ومائتين. ١١٦٦- مسلم بن الوليد، أبو الوليد الأنصاري، مولى أسعد بن زرارة الخزرجي [٦] . [شاعر] [٧] قدم على الرشيد/ ومدحه، فسماه صريع الغواني، لقوله: هل العيش إلا أن تروح مع الصبا ... وتغدو صريع الكأس والأعين النجل [٨] أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ [أَحْمَدُ] [٩] بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أبو بكر [١٠] التنوخي، أَخْبَرَنَا محمد بن عبد الرحيم المازني، حدثنا أبو بكر بن الأنباري، حدثنا أبو الحَسَن البراء عن شيخ لَهُ قَالَ: قال مسلم بن الوليد ثلاثة أبيات تناهى فيها وزاد على كل الشعراء: أمدح بيت، وأرثى بيت، وأهجى بيت. وأما المدح: فقوله:

стр. 3361

تجود بالنفس إذ ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود وأما الهجاء: فقوله: قبحت مناظره فحين خبرته ... حسنت مناظره بقبح المخبر وأما الرثاء، فقوله: أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر وبلغنا أن أعرابيا دخل على ثعلب فقال لَهُ: أنت الذي يزعم [الناس] [١] أنك أعلم الناس بالأدب؟ قَالَ: كذا يزعمون قَالَ: أنشدني أرق بيت قالته العرب وأسلمه. فقال: قول جرير/ إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلتنا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا فقال: هذا شعر رث، قد لاكه السفهاء [٢] بألسنتها، هات غيره. فقال ثعلب: أفدنا من عندك قال: قول مسلم بن الوليد صريع الغواني: نبارز أبطال الوغى فنصدهم [٣] ... وتقتلنا في السلم لحظ الكواعب وليست سهام الحرب تفني نفوسنا ... ولكن سهام فوقت في الحواجب فقال ثعلب اكتبوها على المحاجر ولو بالخناجر. ١١٦٧- معاذ بن المثنى [بن معاذ] ، [٤] أبو المثنى العنبري [٥] . سكن بغداد، وحدث بها عن مسدد، والقعنبي، روى عنه: صاعد بن مخلد، وكان ثقة.

стр. 3362

توفي في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن في مقابر [١] باب الكوفة إلى جنب الكديمي. ١١٦٨- أبو معاوية الأسود، واسمه: اليمان [٢] . أخبرنا أبو بكر العامري قال: أخبرنا ابن أبي صادق قال أخبرنا ابن باكويه قال: حدثنا عبد العزيز بن الفضل، حدثنا محمد بن أحمد المروروذي، حدثنا عبد الله بن سليمان/، حدثنا نصير بن الفرج قال: كان معاوية قد ذهب بصره، وكان إذا أراد أن يقرأ فتش المصحف [٣] وفتحه فيرد [٤] الله عليه بصره، فإذا أطبق المصحف ذهب بصره [٥] . أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ محمد العلاف، أخبرنا أبو الحسن الحمامي، أخبرنا إسماعيل بن علي الخطابي [٦] ، حدثنا أبو علي الحسين بن الفهم قال: سمعت يحيى بن معين يقول: رأيت أبا معاوية الأسود وهو يلتقط الخرق من المزابل فيلفقها ويغسلها، فقيل له: يا أبا معاوية، إنك تكسى. فقال: ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا جبر الله لهم بالجنة كل مصيبة. ١١٦٩- يعقوب بن إبراهيم بن سعد بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أبو يوسف الزهري [٧] . [سكن بغداد، و] [٨] حدّث عن أبيه عن شعبة [٩] ، روى عنه: أحمد، ويحيى، وعلي، وأبو خيثمة.

стр. 3363

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: [١] أخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا الأزهري، حدثنا محمد بن العباس، حدثنا أحمد بن معروف، حدثنا الحسين بن [٢] فهم، حدثنا محمد بن سعد. قال: يعقوب بن إبراهيم بن سعد كان ثقة مأمونا، تقدم على أخيه في الفضل والورع والحديث، ثم لم يزل ببغداد ثم خرج إلى الحسن بن سهل- وهو بفم الصلح- فلم يزل معه حتى توفي هناك في شوال سنة ثمان ومائتين، وكان أصغر من أخيه سعد بأربع سنين [٣] . ١١٧٠- يونس بن محمد بن مسلم، أبو مسلم المؤدب [٤] . سمع الحمادين والليث [٥] /. روى عنه: أحمد، وعلي، وأبو خيثمة، وكان ثقة صدوقا. توفي في صفر هذه السنة.

стр. 3364

ثم دخلت سنة تسع ومائتين فمن الحوادث فيها: أن عبد الله بن طاهر حاصر نصر بن شبث، [١] وضيق عليه حتى طلب الأمان، فكتب عبد الله بن طاهر [٢] إلى المأمون يخبره فكتب له كتاب أمان [٣] . وفيها: ولى المأمون صدقة بن علي المعروف بزريق أرمينية، وأذربيجان، ومحاربة بابك. [٤] وفيها: بويع لإبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس، وهو يعرف بابن عائشة، وهي عائشة بنت سليمان بن علي جدته أم أبيه، فولد عبد الوهاب ينتسبون إليها [٥] ، وأختها لأبيها وأمها زينب بنت سليمان بن [٦] علي، وكانت تحت محمد بن إبراهيم الإمام، فولده منها ينتسبون إليها، فبويع لإبراهيم ابن عائشة سرا في هذه السنة، بايع له جماعة من قواد المأمون منهم: محمد بن إبراهيم الإفريقي، ومالك بن شاهك، فسعي بهم وبه إلى المأمون.

стр. 3365

فحبسهم ثم أخرجهم في السنة التي تليها، فضرب أعناقهم وأمر بصلبهم، وكان ابن عائشة أول عباسي صلب في الإسلام [١] ، وحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد بن علي، وكان إذ ذاك واليا على مكة/ [٢] ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١١٧١- أحمد بن الرشيد، وقيل: اسمه صالح، ويكنى: أبا عيسى كان من أحسن الناس وجها، وكان إذا عزم على الركوب جلس الناس لرؤيته أكثر مما يجلسون لرؤية الخلفاء. وقال له الرشيد يوما [وهو صبي: [٣]] ليت حسنك لعبد الله- يعني المأمون- فقال له: على أن حظه منك لي [٤] . فعجب الرشيد من جوابه على صباه. وكان المأمون قد أعده للخلافة بعده، وكان شديد الحب له، حتى كان يقول: إنه ليسهل [٥] علي الموت وفقد الملك لمحبتي أن يلي أبو عيسى [الأمر بعدي] [٦] لشدة محبتي إياه. فمات أبو عيسى في خلافة المأمون هذه السنة، وصلى عليه المأمون ونزل قبره، وامتنع من الطعام أياما. قال أحمد بن أبي داود: دخلت على المأمون وقد توفي أخوه أبو عيسى- وكان محبا له- وهو يبكي، فقعدت إلى جانب عمر بن مسعدة، وتمثلت قول الشاعر: نقص من الدنيا ولذاتها ... نقص المنايا من بني هاشم فلم يزل يبكي ثم مسح عينيه وتمثل:
следующие страницы →