← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

تجود بالنفس إذ ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود وأما الهجاء: فقوله: قبحت مناظره فحين خبرته ... حسنت مناظره بقبح المخبر وأما الرثاء، فقوله: أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر وبلغنا أن أعرابيا دخل على ثعلب فقال لَهُ: أنت الذي يزعم [الناس] [١] أنك أعلم الناس بالأدب؟ قَالَ: كذا يزعمون قَالَ: أنشدني أرق بيت قالته العرب وأسلمه. فقال: قول جرير/ إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلتنا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا فقال: هذا شعر رث، قد لاكه السفهاء [٢] بألسنتها، هات غيره. فقال ثعلب: أفدنا من عندك قال: قول مسلم بن الوليد صريع الغواني: نبارز أبطال الوغى فنصدهم [٣] ... وتقتلنا في السلم لحظ الكواعب وليست سهام الحرب تفني نفوسنا ... ولكن سهام فوقت في الحواجب فقال ثعلب اكتبوها على المحاجر ولو بالخناجر. ١١٦٧- معاذ بن المثنى [بن معاذ] ، [٤] أبو المثنى العنبري [٥] . سكن بغداد، وحدث بها عن مسدد، والقعنبي، روى عنه: صاعد بن مخلد، وكان ثقة.

стр. 3362

توفي في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن في مقابر [١] باب الكوفة إلى جنب الكديمي. ١١٦٨- أبو معاوية الأسود، واسمه: اليمان [٢] . أخبرنا أبو بكر العامري قال: أخبرنا ابن أبي صادق قال أخبرنا ابن باكويه قال: حدثنا عبد العزيز بن الفضل، حدثنا محمد بن أحمد المروروذي، حدثنا عبد الله بن سليمان/، حدثنا نصير بن الفرج قال: كان معاوية قد ذهب بصره، وكان إذا أراد أن يقرأ فتش المصحف [٣] وفتحه فيرد [٤] الله عليه بصره، فإذا أطبق المصحف ذهب بصره [٥] . أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ محمد العلاف، أخبرنا أبو الحسن الحمامي، أخبرنا إسماعيل بن علي الخطابي [٦] ، حدثنا أبو علي الحسين بن الفهم قال: سمعت يحيى بن معين يقول: رأيت أبا معاوية الأسود وهو يلتقط الخرق من المزابل فيلفقها ويغسلها، فقيل له: يا أبا معاوية، إنك تكسى. فقال: ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا جبر الله لهم بالجنة كل مصيبة. ١١٦٩- يعقوب بن إبراهيم بن سعد بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أبو يوسف الزهري [٧] . [سكن بغداد، و] [٨] حدّث عن أبيه عن شعبة [٩] ، روى عنه: أحمد، ويحيى، وعلي، وأبو خيثمة.

стр. 3363

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: [١] أخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا الأزهري، حدثنا محمد بن العباس، حدثنا أحمد بن معروف، حدثنا الحسين بن [٢] فهم، حدثنا محمد بن سعد. قال: يعقوب بن إبراهيم بن سعد كان ثقة مأمونا، تقدم على أخيه في الفضل والورع والحديث، ثم لم يزل ببغداد ثم خرج إلى الحسن بن سهل- وهو بفم الصلح- فلم يزل معه حتى توفي هناك في شوال سنة ثمان ومائتين، وكان أصغر من أخيه سعد بأربع سنين [٣] . ١١٧٠- يونس بن محمد بن مسلم، أبو مسلم المؤدب [٤] . سمع الحمادين والليث [٥] /. روى عنه: أحمد، وعلي، وأبو خيثمة، وكان ثقة صدوقا. توفي في صفر هذه السنة.

стр. 3364

ثم دخلت سنة تسع ومائتين فمن الحوادث فيها: أن عبد الله بن طاهر حاصر نصر بن شبث، [١] وضيق عليه حتى طلب الأمان، فكتب عبد الله بن طاهر [٢] إلى المأمون يخبره فكتب له كتاب أمان [٣] . وفيها: ولى المأمون صدقة بن علي المعروف بزريق أرمينية، وأذربيجان، ومحاربة بابك. [٤] وفيها: بويع لإبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس، وهو يعرف بابن عائشة، وهي عائشة بنت سليمان بن علي جدته أم أبيه، فولد عبد الوهاب ينتسبون إليها [٥] ، وأختها لأبيها وأمها زينب بنت سليمان بن [٦] علي، وكانت تحت محمد بن إبراهيم الإمام، فولده منها ينتسبون إليها، فبويع لإبراهيم ابن عائشة سرا في هذه السنة، بايع له جماعة من قواد المأمون منهم: محمد بن إبراهيم الإفريقي، ومالك بن شاهك، فسعي بهم وبه إلى المأمون.

стр. 3365

فحبسهم ثم أخرجهم في السنة التي تليها، فضرب أعناقهم وأمر بصلبهم، وكان ابن عائشة أول عباسي صلب في الإسلام [١] ، وحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد بن علي، وكان إذ ذاك واليا على مكة/ [٢] ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١١٧١- أحمد بن الرشيد، وقيل: اسمه صالح، ويكنى: أبا عيسى كان من أحسن الناس وجها، وكان إذا عزم على الركوب جلس الناس لرؤيته أكثر مما يجلسون لرؤية الخلفاء. وقال له الرشيد يوما [وهو صبي: [٣]] ليت حسنك لعبد الله- يعني المأمون- فقال له: على أن حظه منك لي [٤] . فعجب الرشيد من جوابه على صباه. وكان المأمون قد أعده للخلافة بعده، وكان شديد الحب له، حتى كان يقول: إنه ليسهل [٥] علي الموت وفقد الملك لمحبتي أن يلي أبو عيسى [الأمر بعدي] [٦] لشدة محبتي إياه. فمات أبو عيسى في خلافة المأمون هذه السنة، وصلى عليه المأمون ونزل قبره، وامتنع من الطعام أياما. قال أحمد بن أبي داود: دخلت على المأمون وقد توفي أخوه أبو عيسى- وكان محبا له- وهو يبكي، فقعدت إلى جانب عمر بن مسعدة، وتمثلت قول الشاعر: نقص من الدنيا ولذاتها ... نقص المنايا من بني هاشم فلم يزل يبكي ثم مسح عينيه وتمثل:

стр. 3366

سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغص ... فحسبك مني ما تجن الجوانح [١] كأن لم يمت حي سواك ولم تقم ... على أحد إلا عليك النوائح / ثم التفت إلي فقال: هيه. قال أحمد: فتمثلت بقول عبدة بن الطيب: عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما تحية من أوليته منك نعمة ... إذا زار عن سخط بلادك سلما فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما فبكى ساعة ثم التفت إلى عمرو بن مسعدة. فقال: هيه يا عمر. فقال: بكوا حذيفة لن تبكوا مثله ... حتى تعود قبائل لم تخلق قال: فإذا عريب وجوار معها، فسمعن ما يدور بيننا. فقالت: اجعلوا لي معكم في القول نصيبًا فقال المأمون: قولي: فقالت: كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر كأن بني العباس يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر فبكى المأمون وبكينا، ثم قال المأمون: نوحي به. فناحت، ورد عليها الجواري، فبكى المأمون حتى كادت [٢] نفسه تذهب [٣] . وكان سبب موته: أنه خرج إلى الصيد فوقع عن دابته فلم يسلم دماغه، فكان يصرع في اليوم مرات، فكان سبب موته. وفي رواية: أنه رأى هلال رمضان فقال: دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ... ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر فلو كان يعديني الإمام بقدره ... على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر

стр. 3367

فأصابه عقيب هذا القول صرع، فكان يصرع في اليوم مرات إلى أن مات، ولم يبلغ شهرا مثله. ١١٧٢- بشر بن منصور السليمي [١] . روى عن الثوري. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي الْقَاسِم، أَخْبَرَنَا حمد بْن أحمد الحداد، أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أخبرنا أحمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: حدثني العباس بن الوليد قال: أتينا بشر بن منصور بعد العصر فخرج إلينا وكأنه متغير، فقلت له: يا أبا محمد لعلنا شغلناك عن شيء، فرد ردا ضعيفا، ثم قال: ما أكتمكم- أو كلمة نحوها- كنت أقرأ في المصحف فشغلتموني. ثم قال: ما أكاد ألقى أحدا فأرتج عليه شيئا. ١١٧٣- الحسن بن موسى، أبو علي الأشيب [٢] . سمع شعبة، وحماد بن سلمة، روى عنه: أحمد، وأبو خيثمة. وكان أصله من خراسان فأقام ببغداد وحدث بها، وولي القضاء بالموصل وحمص للرشيد، ثم قدم بغداد في خلافة المأمون فولاه قضاء طبرستان، فتوجه إليها. فتوفي في الري في هذه السنة. قال يحيى بن معين: كان ثقة. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي الخطيب قال: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْعَلاءِ الْوَاسِطِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ [٣] بن العباس بن أحمد بن الفرات، حدثنا علي بن محمد بن سعيد الموصلي، حدثنا أبو أيوب [سليمان بن أيوب] [٤] الخياط، حدثنا أبو جعفر محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي قال: كان بالموصل بيعة للنصارى

стр. 3368

قد خربت، فاجتمع النصارى إلى الحسن بن موسى الأشيب وجمعوا له مائة ألف درهم على أن يحكم بها/ حتى تبنى، فقال: ادفعوا المال إلى بعض الشهود. فلما حضروا الجامع قال للشهود: أشهدوا علي بأني حكمت بأن لا تبنى هذه البيعة. فانصرف النصارى، ورد عليهم مالهم، ولم يقبل منهم درهما واحدا والبيعة خراب. قال الخطيب: إنما فعل ذلك لثبوت البينة عنده أن البيعة محدثة بنيت في الإسلام [١] . ١١٧٤- سعيد بن وهب، أبو عثمان [٢] مولى بني أسامة بن لؤي [٣] . كان شاعرا من أهل البصرة، فأكثر القول في الغزل والخمر والمجون، وتصرف مع البرامكة، وتقدم عندهم، ودخل على الفضل بن يحيى يوما وقد جلس للشعراء فجعلوا ينشدونه ويأمر لهم بالجوائز حتى لم يبق منهم أحد ثم التفت إلى سعيد بن وهب كالمستنطق له. فقال له: أيها الوزير، إني ما كنت استعددت لهذه الحال، ولكن قد حضرني بيتان أرجو أن ينوبا عن قصيدة فقال: هاتهما، فرب قليل أبلغ من كثير. فقال: مدح الفضل نفسه بالفعال ... فعلا عن مديحنا بالمقال [٤] أمروني بمدحه قلت كلا ... كبر الفضل عن مديح الرجال [٥] فطرب الفضل وقال [له] [٦] : أحسنت والله وأجدت، ولئن قل القول وندر لقد اتسع المعنى وكثر، ثم أمر له بمثل ما أعطى كل من أنشده يومئذ، وقال: لا خير فيما يجيء بعد بيتيك وقام من المجلس، وخرج الناس لا يتناشدون إلا البيتين [٧] ، وكان لسعيد بن وهب عشرة بنين، وعشر بنات.

стр. 3369

وحكي عنه من التحرم واللعب أشياء، ثم أنه تاب وتنسك وترك قول الشعر/، وخرق جميع ما عنده منه وأحرقه [١] ، وصار كثير الصلاة وحج على قدميه. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد الصفار، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا قال: حدثني الحسين بن عبد الرحمن قال: حج سعيد بن وهب ماشيا فبلغ منه وجهد، فقال: قدمي اعتورا رمل الكثيب ... واطرقا الآجر من ماء القليب رب يوم رحتما فيه على ... زهرة الدنيا وفي واد خصيب وسماع حسن من حسن ... صخب المزهر كالظبي الربيب فاحسبا ذاك بهذا وأجرا ... وخذا من كل فن بنصيب إنما أمشي لأني مذنب ... فلعل الله يعفو عن ذنوبي [٢] روينا أن أبا العتاهية كان صديقا لسعيد بن وهب، فلما مات سعيد جاء رجل فسار أبا العتاهية بشيء. فقال له: ما قال لك؟ قال لي: مات سعيد بن وهب، رحم الله سعيد بن وهب: يا أبا عثمان أبكيت عيني ... يا أبا عثمان أوجعت قلبي قال: فعجب الناس من طبع أبي العتاهية حيث أراد أن يتكلم فجاء بالكلام شعرا. ١١٧٥- سعيد بن مسلم بن قتيبة بن مسلم بن عمرو بن الحصين، أبو محمد الباهلي [٣] . بصري الأصل، سمع عبد الله بن عون وطبقته. وقد كان سكن خراسان، وولاه السلطان بعض الأعمال بمرو. قدم بغداد وحدث بها [٤] ، روى عنه: ابن الأعرابي، وكان عالما بالحديث والعربية، / إلا أنه كان لا يبذل نفسه للناس.

стр. 3370

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الأزهري قال: أخبرنا علي بن عمر الحربي قال: أخبرنا حاتم بن الحسن الشاشي، حدثنا علي بن خشرم قال: حدثني سعيد بن مسلم بن قتيبة قال: خرجت حاجا ومعي قباب وكنائس، فدخلنا البادية فتقدمت القباب والكنائس على حمير لي، فمررت بأعرابي محتب على باب خيمة له، وإذا هو يرمق القباب والكنائس، فسلمت عليه فقال: لمن هذه القباب والكنائس؟ قال: قلت: لرجل من باهلة قال: تاللَّه ما أظن الله يعطي الباهلي كل هذا، قال: فلما رأيت إزراءه للباهلية دنوت منه فقلت: يا أعرابي، أتحب أن تكون لك هذه القباب والكنائس وأنت رجل من باهلة؟ فقال: لا ها الله. فقلت: أتحب أن تكون أمير المؤمنين وأنت رجل من باهلة؟ [قال: لا ها للَّه. قال: قلت: أتحب أن تكون من أهل الجنة وأنت رجل من باهلة؟ قال: بشرط] [١] قلت: وما ذلك الشرط؟ قال: أن لا يعلم أهل الجنة أني باهلي. قال: ومعي صرة دراهم، فرميت بها إليه فأخذها وقال: لقد وافقت مني حاجة فلما ضمها إليه قلت له: أنا رجل من باهلة، فرمى بها إلي وقال: لا حاجة لي فيها. فقلت: خذها إليك يا مسكين فقد ذكرت من نفسك الحاجة. فقال: لا أحب أن ألقى الله ولباهلي عندي يد. فقدمت فدخلت على المأمون، فحدثته حديث الأعرابي، فضحك حتى استلقى على قفاه وقال لي: يا أبا محمد، ما أصبرك. وأجازني بمائة ألف درهم [٢] /. ١١٧٦- عبد الله بن أيوب، [أبو محمد] التيمي [٣] . من تيم اللات بن ثعلبة أحد شعراء الدولة العباسية، مدح الأمين، فأمر له بمائتي ألف درهم، ومدح المأمون. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، أخبرني

стр. 3371

عليّ بن أيوب التيمي، أخبرنا محمد بن عمران الكاتب قال: أخبرني الصولي قال: حدثني عَبْد الله بن الحُسَين قَالَ: حدثني البختري، عن إبراهيم بن الحسن بن سهل قَالَ: كان المأمون يتعصب للأوائل من الشعراء ويقول: انقضى الشعر مع ملك بني أمية، وكان عمي الفضل بن سهل يقول لَهُ: الأوائل حجة وأصول، وهؤلاء أحسن تفريعا، إلى أن أنشده يوما عبد الله بْن أيوب التيمي شعرا مدحه فيه فلما بلغ قوله: ترى ظاهر المأمون أحسن ظاهر ... وأحسن منه ما أجن وأضمرا يناجي له نفسا تريع بهمة ... إلى كل معروف وقلبا مطهرا ويخشع إكبارا له كل ناظر ... ويأبى لخوف الله أن يتكبرا طويل نجاد السيف مضطمر الحشا ... طواه طراد الخيل حتى تحسرا رفل إذا ما السلم رفل ذيله ... وإن شمرت يوما له الحرب شمرا / فقال للفضل: ما بعد هذا مدح [١] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا المعافى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ منصور الحارثي قَالَ: حدثنا أَبُو إسحاق الطلحي قَالَ: حدثني عبد الله بن القاسم قال: عشق التيمي جارية عند بعض النخاسين فشكا وجده بها إلى أبي عيسى بن الرشيد فقال أبو عيسى للمأمون: يا أمير المؤمنين إن التَّيْمي يجد بجارية [٢] لبعض النخاسين وقد كتب إلي بيتين يسألني فيهما، فقال لَهُ: ما كتب إليك [٣] فأنشده: يا أبا عيسى إليك المشتكى ... وأخو الصبر [٤] إذا عيل بكى ليس لي صبر على هجرانها ... وأعاف المشرب المشتركا فأمر له بثلاثين ألف درهم فاشتراها [٥] .

стр. 3372

١١٧٧- عثمان بن عمر بن فارس بن لقيط بن قيس [١] ، أبو محمد، وقيل: أبو عدي الْبَصْرِيّ . حدث عَن يونس بن يزيد، ومالك بن أنس، وشعبة. روى عَنْه: أحمد بن حنبل، وابن راهويه، وعباس الدوري. وكان ثقة صالحا ثبتا. توفي فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سَبْعٍ. وقيل: سنة ثمان. ١١٧٨- معمر بن المثنى، أبو عبيدة، التيمي البصري النحوي العلامة [٢] . ولد سنة عشر ومائة في الليلة التي مات فيها الحسن البصري. وأسند الحديث عَن هشام بْن عُرْوَة وغيره. وروى عَنْه: أبو عبيدة، وأبو عثمان المازني، وأبو حاتم، وغيرهم. وكان ثقة أثنى عليه ابن المديني وصحح روايته وقال: ما يحكي عن العرب [إلا الشيء] [٣] الصحيح [٤] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد/ قال: أخبرنا أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن أيّوب قَالَ: أخبرنا المرزباني قَالَ: أخبرني الصولي قَالَ: حدثنا محمد بن الفضل بن الأسود، حدّثنا علي بن محمد النوفلي قَالَ: سمعت أبا عبيدة معمر بن المثنى يَقُولُ: أرسل إلي الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه فقدمت عليه فدخلت وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه، وفي صدره فرش عالية، لا يرتقي إليها إلا [على] [٥] كرسي- وهو جالس عليها- فسلمت بالوزارة [٦] ، فرد وضحك [إلي] [٧] واستدناني، حتى جلست وسألني وبسطني وألطفني، وقَالَ: أنشدني: فأنشدته من عيون أشعار أحفظها جاهلية فَقَالَ: قد عرفت أكثر هذه، وأريد من صلح الشعر. فأنشدته، فطرب وضحك، وزاد نشاطه، ثم دخل رجل في زي الكتاب له

стр. 3373

هيئة فأجلسه إلى جانبي، وقال [له] [١] : أتعرف هذا؟ قال: لا. قَالَ: هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه، فدعا له الرجل وقرظه لفعله هذا. وقال [لي] [٢] : إني كنت إليك لمشتاق، وقد كنت سئلت عن مسألة أفتأذن لي أن [٣] أعرفك إياها؟ قلت: هات. قال: قوله تعالى: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ٣٧: ٦٥ [٤] وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله، وهذا لم يعرف. فَقَالَ: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرئ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال/ وهم [٥] لم يروا الغول قط، ولكنه لما كَانَ أمر الغول يهولهم أوعدوا [٦] به، فاستحسن الفضل ذَلِكَ. [واستحسنه] [٧] السائل أيضا [٨] واعتقدت من ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن لمثل هذا [وأشباهه] [٩] ، فلما رجعت عملت كتابي الذي سميته «المجاز» [١٠] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي الحافظ [١١] قَالَ: أخبرني علي بن أيّوب قَالَ: أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قَالَ: حدثني عبد الله بن جعفر، أخبرنا المبرد- أحسبه عن الثوري [١٢]- قَالَ: بلغ أبا عبيدة أن الأصمعي يعيب

стр. 3374

عليه تأليفه كتاب «المجاز» في القرآن وأنه قَالَ: يفسر كتاب الله [١] برأيه. قال: فسأل عن مجلس الأصمعي في أي يوم هُوَ؟ فركب حماره في ذلك [٢] اليوم ومر بحلقة [٣] الأصمعي فنزل عَن حماره، وسلم عليه، وجلس عنده وحادثه، ثم قال لَهُ: يا أبا سعيد، ما تقول في الخبز، أي شيء هُوَ؟ قال: هو هذا الذي نأكله ونخبزه، فقال له أبو عبيدة: قد فسرت كتاب الله برأيك، فإن الله تعالى يَقُولُ: أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً ١٢: ٣٦ [٤] فقال الأصمعي: هذا شيء بان لي فقلته [٥] ، لم أفسره برأيي. فقال أبو عبيدة: والذي تعيب علينا كله [شيء] [٦] بان لنا فقلناه ولم نفسره [٧] برأينا. ثم قام فركب حماره وانصرف [٨] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا حمزة بْن مُحَمَّد [٩] بْن طاهر الدقاق قَالَ: أخبرنا أبو الفضل محمد بن الحسن بن الفضل [١٠] بن المأمون، أخبرنا أبو بكر بْن الأنباري قَالَ: حَدَّثَني أبي، حدثنا الحسن [١١] بن عليل العنزي قَالَ: أخبرنا أبو عثمان المازني قال: سمعت أبا عبيدة يقول: دخلت على الرشيد/ فقال لي: يا معمر، بلغني أن عندك كتابا حسنًا في صفة «الخيل» [١٢] أحب أن أسمعه منك، فقال الأصمعي: وما تصنع بالكتاب؟ تحضر فرسا ونضع أيدينا على عضو عضو منه ونسميه ونذكر ما فيه، فقال الرشيد: يا غلام، فرس. فأحضر فرس، فقام الأصمعي فوضع يده على عضو عضو ويقول: هذا كذا، قال فيه الشاعر كذا، حتى انقضى قوله.

стр. 3375

فَقَالَ لي الرشيد: ما تَقُولُ فيما قَالَ؟ قُلْتُ: قد أصاب في بعض، وأخطأ في بعض، فالذي أصاب فيه مني تعلمه، والذي أخطأ فيه لا أدري من أين أتى به [١] . توفي أبو عبيدة بالبصرة في هذه السنة. وقيل: سنة ثمان. وقيل: سنة إحدى عشرة. وقيل: سنة ثلاث عشرة. وبلغ ثلاثا وتسعين سنة. ١١٧٩- ميخائيل صاحب الروم مات في هذه السنة، كان ملكه تسع سنين، وملّكت الروم ابنه تيوفيل.

стр. 3376

ثم دخلت سنة عشر ومائتين فمن الحوادث فيها: وصول نصر بن شبث إلى بغداد، وكان [١] المأمون قد أرسله في زمن محاربته بالطف فأذعن، فاشترط أن لا يطأ بساطه، فقال المأمون: لا والله حتى يطأ بساطي وما باله ينفر مني؟! فقيل: لأجل جرمه [٢] ، فَقَالَ: أتراه أعظم جرما عندي من الفضل بن الربيع، ومن عيسى بن أَبِي خالد؟! أما الفضل فأخذ قوادي وأموالي وجنودي وسلاحي وجميع ما أوصى لي أبي به، فذهب بِهِ إلى محمد وتركني بمرو وحيد فريدا، وأفسد علي أخي حتى كان من أمره ما كان/، وأما عيسى فطرد خليفتي من مدينتي، وذهب بخراجي، وخرب دياري، وأقعد إبراهيم خليفة. فقيل لَهُ: أما الفضل فصنيعتكم ومولاكم، وأما عيسى فمن أهل دولتكم وله ولسلفه [٣] سابقة، وأما نصر فلا يد له يحتمل لأجلها، ولا لسلفه، فَقَالَ: لا أقلع عنه حتى يطأ بساطي، فحضره عبد الله بْن طاهر حتى طلب الأمان وأقدمه على المأمون في يوم الثلاثاء لسبع خلون من صفر فأنزله مدينة المنصور ووكل به من يحفظه [٤] . وفيها: ظهر [٥] المأمون على جماعة كانوا يسعون في البيعة لإبراهيم بن المهدي، منهم: إبْرَاهِيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام، الّذي يقال له:

стр. 3377

ابن عائشة. ومحمد بن إبراهيم الإفريقي، ومالك بن شاهين، وفرج البغراوي، فأمر بإبراهيم بن عائشة، فأقيم في الحبس [١] ثلاثة أيام [في الشمس] [٢] ، ثم ضرب بالسياط وحبس، وضرب مالك بْن شاهين وأصحابه وحبسهم [٣] ، فرفع عليهم أهل السجن أنهم يريدون أن ينقبوا السجن [٤] ، فركب المأمون بنفسه فقتلهم وصلبهم [على الجسر] [٥] . قال أبو بكر الصولي: ركب المأمون ليلا إلى المطبق فقتل إبراهيم بن محمد بن عَبْد الوهاب بن إبراهيم الإمام المعروف بابن عائشة وصلبه، وابن عائشة هذا أول هاشمي صلب من ولد العباس، وزيد بن علي بن الحسين أول هاشمي صلب من ولد] علي بن أبي طالب، وقتل مع ابن عائشة: محمد بن إبراهيم وثلاثة نفر، وكانوا أرادوا الوثوب بالمأمون، ثم أنزل [٦] ابن عائشة فكفن [٧] وصلى عليه/، ودفن في مقابر قريش، ودفن الإفريقي في مقابر الخيزران، ووجد لابن عائشة صناديق فيها كتب القواد وغيرهم إليه [٨] ، فجلس في المسجد وأحضر الصناديق وقال للناس: أنا أعلم أن فيكم البريء الذي لا اسم له في هذه الصناديق، ومنكم الغائب والمستزيد، وإن نظرت فيها، لم أصف لكم ولم تصفوا إليّ، فتوبوا إلى الله. ثم أمر بإحراق الصناديق [٩] . وفي هذه السنة: أخذ إبراهيم بن المهدي ليلة الأحد على الجسر [١٠] لثلاث عشرة بقيت من ربيع الآخر، وهو متنقب مع امرأتين في زي امرأة، أخذه حارس أسود ليلا،

стр. 3378

فَقَالَ: من أنتن؟ وأين تردن في هذا الوقت؟ فأعطاه إبراهيم خاتم ياقوت له قدر عظيم ليخليهن ولا يسألهن [١] فلما نظر إلى الخاتم استراب بهن وقَالَ: هذا خاتم رجل له [٢] شأن، فرفعهن إلى صاحب المسلحة، فأمر بهن أن يسفرن، فامتنع إبراهيم فجبذه [٣] صاحب المسلحة فبدت لحيته، فرفعه إلى صاحب الجسر فعرفه، فذهب به إلى باب المأمون، فاحتفظ به في الدار، فلما كانت غداة الأحد أقعد في دار المأمون لينظر إليه بنو هاشم والقواد والجند، وصيروا المقنعة التي كان متنقبا [٤] بها في عنقه، والملحفة في صدره ليراه الناس، ويعلموا كيف أخذ. فلما كان يوم الخميس حوله المأمون إلى منزل أحمد بن أبي خالد، فحبسه عنده/، ثم أخرجه المأمون حيث خرج إلى الحسن بن سهل بواسط، فذكر أن الحسن كلمه فيه، فرضي عنه وخلى سبيله، وصيره عند أحمد بن أبي خَالِد، وصير معه يحيى بن معاذ وخالد [٥] بن يزيد بن مرثد، يحفظانه إلا أنه موسع عليه، عنده أمه وعياله، ويركب إلى دار المأمون، وهؤلاء معه يحفظونه [٦] . ولما دخل على المأمون قال له: هيه يا إبراهيم. فقال: يا أمير المؤمنين، ولي الثأر محكم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشقاء أمكن [٧] عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب [٨] ، كما جعل كل ذي ذنب دونك، فإن تعاقب فبحقك، وإن تعف فبفضلك فقال: بل أعفو. فكبر ثم خر ساجدا [٩] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، أخبرنا

стр. 3379

محمد بن عبد الواحد، حدثنا محمد بن العباس الخزاز، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى المكي، حدثنا محمد بن القاسم بن خلاد قَالَ: لما طال على إبراهيم الاختفاء وضجر، كتب إلى المأمون: ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى، ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الرجاء أمكن عادية الدهر على نفسه، وقد جعل الله أمير المؤمنين فوق كل ذي عفو، كما جعل كل ذي ذنب دونه، فإن عفى فبفضله، وإن عاقب فبحقه، فوقع المأمون في قصته أمانه، وقال: القدرة تذهب الحفيظة، وكفى بالندم/ إنابة [١] ، وعفو الله أوسع من كل شيء. ولما دخل إبراهيم على المأمون قَالَ: إن أكن مذنبا فحظي ... أخطأت فدع عنك كثرة التأنيب قل كما قال يوسف لبني يعقوب ... لما أتوه: لا تثريب فَقَالَ: لا تثريب [٢] . وفي رواية: دخل عليه فأنشده: ديني إليك عظيم ... وأنت أعظم منه فخذ بحقك وإلا ... فاصفح بحلمك عنه إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكنه ثم قَالَ: أذنبت ذنبا عظيما ... وأنت للعفو أهل فإن عفوت فمن ... وإن جزيت فعدل فرق له المأمون، وأقبل على أخيه أبي إسحاق وابنه العباس والقواد، فقال: ما ترون في أمره؟ فقال بعضهم: نضرب عنقه، وقال بعضهم: نقصص لحمه إلى أن يتلف، وقال آخر: نقطع أطرافه، فَقَالَ المأمون لأحمد بن أبي خالد: ما تقول يا أَحْمَد؟ قال: يا أمير المؤمنين إن قتلته وجدت مثلك قد قتل مثله كثيرا [٣] ، وإن عفوت عنه لم

стр. 3380

تجد مثلك عفا عن [١] مثله، فأيما أحب إليك أن تفعل فعلا تجد لك [٢] فيه شريكا أو تنفرد فيه بالفضل. فأطرق طويلا ثم رفع رأسه فَقَالَ: أعد ما قلت يا أحمد [٣] . فأعاده فَقَالَ: بل ننفرد بالفضل ولا رأي لنا في الشركة فكشف إبراهيم القناع عن رأسه وكبر تكبيرة عالية وقال: عفا والله أمير المؤمنين. فَقَالَ: لا بأس عليك يا عم، وأمر بحبسه في دار أحمد بن أَبِي خالد، فلما كان/ بعد شهر أحضره وقال: اعتذر من ذنبك، فَقَالَ: ذنبي أجل من أن أتفوه [٤] فيه بعذر، وعفو أمير المؤمنين أعظم من أن أنطق معه بشكر ولكن أقول: يا خير من حملت يمانية به ... بعد الرسول لآيس أو طامع وأبر [٥] من عبد الإله على التقى ... عينا وأقوله [٦] بحق صادع تفديك نفسي أن تضيق بصالح ... والعفو منك بفضل حلم واسع ملئت قلوب الناس منك مخافة ... وتظل تكلأهم [٧] بقلب خاشع وعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع ورحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وحنين والدة بقلب جازع الله يعلم ما أقول وإنها ... جهد الأمية من حنيف راكع ما إن عصيتك والغواة تقودني [٨] ... أسنانها إلا بنية طائع لم أدر أن لمثل جرمي غافرا ... فوقفت أنظر أي حتف صارعي كم من يد لك لم تحدثني بها ... نفسي إذا لاكت [٩] إلي مطامعي

стр. 3381

إن أنت جدت بها علي تكن لها [١] ... أهلا وإن تمنع فأعدل مانع إن الذي قسم المكارم حازها ... في صلب آدم للإمام السابع فقال المأمون: ما أقول إلا كما [٢] قال يوسف لإخوته [٣] لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ١٢: ٩٢ [٤] وقد عفوت عنك، فاستأنف الطاعة متجردا عن الظنة يصف عيشك. وأمر بإطلاقه، ورد ضيعته إليه فقال: / يشكره: رددت مالي ولم تبخل علي به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمي وأبت عنك وقد خولتني نعما ... هما الحياتان من موت ومن عدم فلو بذلت دمي أبغي رضاك به ... والمال حتى أسل النعل من قدمي [٥] . ما كان ذاك سوى عارية رجعت ... إليك لو لم تعرها كنت لم تلم وقام علمك بي واحتج عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متهم. فقال المأمون: إن من الكلام كلاما كالدر، وهذا منه، وأمر له بخلعة، وقال: إن أبا إسحاق وأبا العباس أشارا علي بقتلك. فقال إبْرَاهِيم: ما قلت لهما يا أمير المؤمنين؟ قَالَ: قُلْتُ إن قرابته قريبة ورحمه ماسة، وقد ابتدأناه بأمر ينبغي أن نستنه، فإن نكث فاللَّه مغير ما به، فقال إبراهيم: أما أن يكونا نصحاك فقد لعمر الله فعلا، ولكن أبيت إلا ما أنت أهله، فدفعت ما خفت بما رجوت فقال المأمون: مات حقدي بحياة عدوك وقد عفوت عنك، وأعظم من عفوي أنني لم أجرعك مرارة الشافعين. أنبأنا أبو بكر بن عبد الباقي قَالَ: أنبأنا أبو القاسم [٦] على/ بن المحسن، عن أَبِيهِ قال: أخبرني أبو الفرج الأصفهاني، حدثنا علي بن سليمان الأخفش حدثني محمد بن يزيد المبرد، حَدَّثَنَا الفضل بن مروان قَالَ. لما دخل إبراهيم بن المهدي على

стр. 3382

المأمون كلمه بكلام [١] كان سعيد بن العاص كلم به معاوية بن أبي سفيان في سخطة سخطها عَلَيْهِ، فاستعطفه به، وكان المأمون يحفظ الكلام، فقال المأمون [٢] هيهات يا إبْرَاهِيم، هذا كلام سبقك به فحل بني العاص وقارحهم سعيد بن العاص وخاطب به معاوية، فقال لَهُ إبراهيم: يا أمير المؤمنين، وأنت أيضا إن عفوت فقد سبقك فحل بني حرب وقارحهم إلى العفو، فلا يكن حالي عندك في ذاك أبعد من حال سعيد من معاوية، فأنت أشرف منه وأنا أشرف من سعيد، وأقرب إليك من سعيد إلى معاوية، وإن أعظم الهجنة أن يسبق أمية هاشما إلى مكرمة قال: صدقت يا عم، قد عفوت عنك. وفي هذه السنة: بنى المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل في رمضان، وكان المأمون قد مضى إلى معسكر الحسن بن سهل بفم الصلح للبناء ببوران وكان العباس بن المأمون قد تقدم أباه، فتلقاه الحسن خارج العسكر فثنى [٣] الحسن رجله لينزل، فقال له الْعَبَّاس: بحق أمير المؤمنين لا تنزل. فاعتنقه الحسن وهو راكب. ووافى المأمون وقت العشاء، فلما كان في الليلة الثالثة دخل على بوران وابتنى بها من ليلته، ونثرت عليه جدتها ألف درة كانت في صينية ذهب، وأقام المأمون عند الحسن سبع عشر يوما يعد له كل يوم ولجميع ما معه جميع ما يحتاج إِلَيْهِ، / وخلع الحسن على القواد عَلَى مراتبهم وحملهم ووصلهم، وكان يبلغ النفقة خمسين ألف ألف درهم، وأمر المأمون غسان بن عباد أن يدفع إلى الحسن عشرة آلاف ألف درهم [٤] من مال فارس، فحملت إليه ففرقها في أصحابه وأقطعه فم الصلح، فلما انصرف المأمون شيعه الحسن، ثم رجع إلى فم الصلح [٥] ، وكان ذهاب المأمون ومقامه ورجوعه أربعين يوما، ودخل إلى بغداد يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال. وقيل: خرج المأمون إلى الحسن لثمان خلون من رمضان، ورحل من فم الصلح لثمان بقين من شوال سنة عشر ومائتين.

стр. 3383

أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر [أَحْمَد بْن عَلي بْن ثَابِت] [١] الحافظ قَالَ: أخبرني أحمد بْن محمد بْن يعقوب الوزان قَالَ: حدثني جدي محمد بن عبيد الله بن الفضل قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن يحيى الصولي، حدثنا عون بن مُحَمَّد، حدثنا عبد الله بن أبي سهل قَالَ: لما بنى المأمون ببوران بنت الحسن فرش له يوم البناء حصير من ذهب مشفوف، ونثر عليه جوهر كثير، فجعل بياض الجوهر يشرف على صفرة الذهب، وما مسه أحد، فوجه الحسن إلى المأمون هذا النثار نحب أن نلتقطه، فقال المأمون لمن حوله من بنات الخلفاء: شرفن أبا مُحَمَّد، فمدت كل [٢] واحدة منهن يدها فأخذت درة، وبقي باقي الدر يلوح على الحصير. أخبرنا القزاز قَالَ: أخبرنا الخطيب قَالَ: وقيل إن الحسن نثر على المأمون نثر [٣] ألف حبة جوهر، وأشعل بين يديه شمعة عنبر وزنها مائة رطل، ونثر على القواد رقاعا فيها أسماء ضياع، فمن/ وقعت بيده رقعة أشهد له الحسن بالضيعة، وكان يجري مدة إقامة المأمون عنده على ستة وثلاثين ألف ملاح، فلما أراد المأمون أن يصاعد أمر له بألف ألف دينار، وأقطعه فم الصلح. وفِي هذه السنة: خرج [٤] عَبْد اللَّهِ بن طاهر من الرقة إلى مصر، وذلك أنه لما بعث نصر بن شيث العقيلي إلى المأمون كتب المأمون إليه يأمره بالمسير إلى مصر، فخرج وكان هناك عبيد اللَّه بن السري بن الحكم، فخرج يقاتل، فحمل [٥] أصحاب عبد الله عليه [٦] فهزم، فتساقط عامة أصحابه في النهر [٧] ودخل الفسطاط منهزما، فأغلق على نفسه وأصحابه الباب، فحاصره ابن طاهر، فبعث إليه ليلا ألف وصيف و [ألف] [٨]

стр. 3384

وصيفة، مع كل وصيف ألف دينار في كيس حرير فردها، وكتب إليه: لو قبلت هديتك ليلا لقبلتها نهارا بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها ٢٧: ٣٦- ٣٧ [١] فحينئذ طلب الأمان، وخرج إِلَيْهِ. وكتب إلى المأمون أن ابن طاهر لما فتح مصر في أسفل كتاب له. أخي أنت ومولاه ... ومن أشكر نعماه فما أحببت من شيء ... فإني الدهر أهواه وما تكره من شيء ... فإني لست أرضاه لك الله على ذاك ... لك الله لك الله وفي هذه السنة: فتح ابن طاهر الإسكندرية [٢] . وفيها: خلع أهل قم السلطان [٣] ، ومنعوا الخراج، فكان خراجهم ألفي ألف درهم. وسبب ذلك: أنهم استكثروا ما عليهم من الخراج [٤] ، وكان/ المأمون لما اجتاز بالري حين قصد بغداد حط عن أهل الري جملة من الخراج، فطمع هؤلاء في مثل ذلك، فسألوه الحط عنهم [٥] ، فلم يجب فامتنعوا من الأداء، فوجه إليهم المأمون علي بن هشام، ثم أمده بعجيف بن عنبسة، فظفر بهم وهدم سور قم، وجباها أربعة آلاف ألف ضعف ما تظلموا منه [٦] . وحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد وهو والي مكة [٧] .

стр. 3385

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١١٨٠- إسحاق بن مرار، أبو عمرو الشيباني [١] . صاحب العربية [٢] ، سمع حديثا كثيرا. كوفي نزل بغداد، وحدث بها، وروى عنه: أحمد بن حنبل، وكان يلازم مجلسه ويسأله ويكتب أماليه، وروى عنه: أبو عبيدة وغيره، وكان عالما باللغة، ثقة فيما يحكيه خيرا فاضلا، وجمع أشعار العرب ودونها. قال ابنه عَمْرو: لما جمع أبي أشعار العرب كانت نيفا وثمانين قبيلة، وكان كلما عمل منها قبيلة [وأخرجها إلى الناس] [٣] كتب مصحفا وجعله في مسجد الكوفة، حتى كتب نيفا وثمانين مصحفا [بخطه] [٤] . وقال أبو العباس ثعلب: كان مع أبي عمرو الشيباني من العلم والسماع عشرة أضعاف ما كَانَ مع أبي عبيدة/، ولم يكن من أهل البصرة مثل أبي عبيدة في السماع والعلم [٥] ، دخل إلى البادية ومعه دستجتان [٦] حبرا، فما خرج حتى أفناهما [٧] يكتب عن العرب، وعمر طويلا حتى أناف على التسعين. أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قَالَ: حدثنا علي بْن المحسن التنوخي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عبد الرحيم المازني قَالَ: حدثنا أبو علي الكوكبي قَالَ: حدثنا إبراهيم الحربي قَالَ: حدثنا عمرو [٨] بن أبي عمرو الشيبانيّ، عن أبيه: أنه كان يكثر من إنشاد هذا البيت: لا تهني بعد إكرامك لي ... فشديد عادة مترعه

стр. 3386

فقلت له: يا أبه، إنك تكثر إنشاد هذا البيت. قَالَ: يا بني، أنا والله أدعو به في صلاتي بالسحر. قال حنبل بن إسحاق: توفي أبو عمرو الشيباني سنة عشر ومائتين يوم الشعانين. ١١٨١- حميد بن عبد الحميد الطوسي . قال أبو بكر الصولي: كان خبازا، قال له رجل مرة: رأيت في منامي قصورا أو بساتين فقلت: ما هذه؟ قالوا: الجنة، أعدت لحميد الطوسي، فقال حميد: إن صدقت رؤياك فالحور. ثم أشد من هاهنا يكثر [١] . أخبرنا [٢] ابن ناصر قَالَ: أنبأنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْبُسْرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله بن مطر قال: حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال: أخبرنا أبو الحسن بن البراء قَالَ: حدثنا بعض أصحابنا قَالَ: مات حميد الطوسي سنة عشر ومائتين، فإنا لجلوس ننتظر إخراجه [٣] ، إذ أشرفت علينا من القصر جارية، فأنشأت تَقُولُ: من كان أصبح هذا اليوم مغتبطا ... فما غبطنا به والله محمود / أو كان منتظرا للفطر سيده ... فإن سيدنا في اللحد ملحود قال: فقتلتنا [٤] والله وأحزنتنا. ١١٨٢- عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيز، أبو العباس الزهري . يروي عن مالك، وابن عيينة. وولي الشرط في فسطاط مصر. توفي في رمضان هذه السنة. ١١٨٣- عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع، أبو سعيد الأصمعي [٥] . سمع عبد الله بن عون، وشعبة، والحمادين. وروى عنه: عبد الرحمن بن

стр. 3387

عَبْد الله أخيه، وأبو عبيد، وأبو حاتم، والرياشي، وخلق كثير. كان يعرف النحو واللغة، والغريب، والملح [١] . كان المبرد يَقُولُ: الأصمعي بحر في اللغة لا نعرف مثله فيها، وفي كثرة الرواية، وكان دون أبي زيد في النَّحْو [٢] . وقيل لأبي يونس: قد أشخص الأصمعي إلى الرشيد فَقَالَ: هو بلبل يطربهم بنغماته [٣] . وكان أحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعِين يثنيان على الأصمعي في السنة. وقال يحيى: هو ثقة [٤] . وقال الشافعي: ما رأيت بذلك العسكر أصدق لهجة من الأصمعي، [وما غير أحد بعبارة أحسن منه [٥] . قال نصر بن عليّ: كان الأصمعي [يتقي أن يفسر حَدِيث رَسُول اللَّه ﷺ ] [٦] كما يتقي أن يفسر القرآن [٧] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو العلاء الواسطي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن جعفر التميمي قَالَ: أخبرنا عبد الرحمن بن حامد البلخي قَالَ: سَمِعْتُ محمد بن سعد يَقُولُ: سمعت عمر بن شبة يَقُولُ [٨] : سمعت/ الأصمعي يَقُولُ: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة [٩] .

стр. 3388

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرني الأزهري قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن المأمون الهاشمي قال: حدثنا محمد بن الأنباري قَالَ: حدثنا محمد بْن أحمد المقدمي قال: حدثنا أبو محمد التميمي قَالَ: حدثنا محمد بن عبد الرحمن مولى الأنصار، قَالَ: حدثنا الأصمعي قَالَ: أمر الرشيد بحملي إليه، فحملت، فأدخلني عليه الفضل بْن الربيع وهو منفرد، فسلمت، فاستدناني وأمرني بالجلوس فجلست، فقال لي: يا عبد الملك وجهت إليك بسبب [١] جاريتين أهديتا إلي، وقد أخذتا طرفا من الأدب، فأحببت أن تبور [٢] ما عندهما، وأن تشير علي فيهما بما هو الصواب عندك، ثم قَالَ: ليمض إلى عاتكة، فيقال لها: احضري الجاريتين، فحضرت جاريتان ما رأيت مثلهما قط، فقلت لإحداهما [٣] : ما اسمك؟ قالت: فلانة. قُلْتُ: ما عندك من العلم؟ قالت: ما أمر الله به في كتابه، ثم ما ينظر الناس فيه من الأشعار والآداب والأخبار، فسألتها عن حرف من القرآن فأجابتني كأنها تقرأ الجواب من كتاب، وسألتها عن النحو والعروض [والأخبار] [٤] ، فما قصرت، فقلت: بارك الله فيك، فما قصرت في جوابي في كل فن أخذت فيه [٥] ، فإن كنت تقرضين شيئا [٦] من الشعر فأنشدينا شيئا، فاندفعت في هذا الشعر: يا غياث العباد في كل محل ... ما يريد العباد إلا رضاكا لا ومن شرف الإمام وأعلى ... ما أطاع الإله عبد عصاكا/ ومرت في الشعر إلى آخره. فقلت: يا أمير المؤمنين ما رأيت امرأة في مسك رجل مثلها. وسألت الأخرى فوجدتها دونها ما تبلغ منزلتها. إلا أنها إن؟ ووظب عليها [٧] .

стр. 3389

لحقت. قَالَ: يا عباسي، فقال الفضل [١] : لبيك يا أمير المؤمنين، فَقَالَ: ليردا إلى عاتكة، ويقال لها تصنع هذه التي وصفت بالكمال [٢] لتحمل إلي الليلة. ثم قال لي: يا عبد الملك، أنا ضجر. وقد جلست أحب أن أسمع حديثا أتفرج به، فحدثني بشيء. فقلت: لأي الحديث يقصد أمير المؤمنين. قَالَ: لما شاهدت وسمعت من أعاجيب الناس، وطرائف أخبارهم. فقلت: يا أمير المؤمنين صاحب لنا في بدو بني [٣] فلان كنت أغشاه وأتحدث إليه، وقد أتت عليه ست وتسعون سنة أصح الناس ذهنا وأجودهم عقلا [٤] وأكلا، وأقواهم بدنا فغبرت [٥] عنه زمانا، ثم [٦] قصدته فوجدته ناحل البدن، كاسف البال، متغير الحال، فقلت لَهُ ما شأنك؟ أأصابتك مصيبة؟ قَالَ: لا. قُلْتُ: أفمرض عراك؟ قَالَ: لا. قُلْتُ: فما سبب هذا التغيير الذي أراه بك؟ قَالَ: قصدت بعض القرابة في حي بني فلان فألفيت عندهم جارية قد لاثت رأسها، وطلت بالورس ما بعض القرابة في حي بني فلان فألفيت عندهم جارية قد لاثت رأسها، وطلت بالورس ما بين قرنها إلى قدمها، عليها قميص وقناع مصبوغان، وفي عنقها طبل توقع عليه وتنشد: محاسنها سهام للمنايا ... مريشة بأنواع الخطوب برى ريب الزمان لهن سهما ... تصيب بفضله مهج القلوب فأجبتها: ففي شفتي في موضع الطبل ترتقي ... كما قد أبحت الطبل في جيدك الحسن هبيني عودا أجوفا تحت شنة ... تمتع فيها بين نحرك والذقن/ فلما سمعت الشعر مني نزعت الطبل فرمت به في وجهي، وبادرت إلى الخباء فدخلت فلم أزل واقفا حتى حميت الشمس على مفرق رأسي لا تخرج إليّ ولا ترجع

стр. 3390

[إليّ] جوابا. فقلت: أنا [معها] [١] والله كما قال الشاعر: فو الله يا سلمى لقد طال موقفي [٢] ... على غير شيء يا سليمى أراقبه فضحك الرشيد حتى استلقى. وقَالَ: ويحك يا عبد الملك، ابن ست وتسعين سنة يعشق؟ قُلْتُ: قد كان هذا يا أمير المؤمنين، فَقَالَ: يا عباسي، أعط عبد الملك مائة ألف درهم ورده إلى مدينة السلام، فانصرفت، فإذا خادم يحمل شيئا ومعه جارية تحمل شيئا [٣] فقال: أنا رسول بنتك- يعني الجارية التي وصفتها- وهذه جاريتها [٤] ، وهي تقرأ عليك السلام وتقول لك [٥] : إن أمير المؤمنين أمر لي بمال وثياب [٦] وهذا نصيبك منهما. فإذا المال ألف دينار، وهي تقول: لن نخليك من المواصلة بالبر، فلم تزل تتعهدني بالبر الواسع حتى كانت فتنة محمد، فانقطعت أخبارها عني. وأمر لي الفضل ابن الربيع من ماله بعشرة آلاف درهم [٧] . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين المازني قَالَ: حدثنا المعافى بن زكريا الجريري، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْن القاسم الكوكبي قَالَ: حدثنا محمد بن القاسم بن خلاد قَالَ: قال الأصمعي: دخلت عَلَى جعفر بن يحيى بن خالد يوما فقال لي: يا أصمعي، هل لك من زَوْجَة؟ قلت: لا، قَالَ: فجارية؟ قلت: جارية للمهنة. قَالَ: هل لك أن أهبك جارية نظيفة، قُلْتُ: إني لمحتاج إلى جارية [٨] فأمر بإخراج جارية في غاية الحسن والجمال والظرف، فقال لها: قد وهبتك لهذا، وقال: يا أصمعي خذها، فشكرته، فبكت الجارية، وقالت: يا سيدي، / تدفعني إلى هذا الشيخ مع ما أرى من سماجته

стр. 3391

وقبح منظره، وجزعت [١] جزعا شديدا، فقال لي: يا أصمعي، هل لك أن أعوضك عنها ألف دينار، قُلْتُ ما أكره ذلك فأمر لي بألف دينار، ودخلت [٢] الجارية، فقال لي: يا أصمعي إني أنكرت على هذه الجارية أمرا، فأردت عقوبتها بك، ثم رحمتها منك [٣] ، قلت: أيها الأمير فهلا [٤] أعلمتني قبل ذَلِكَ، فإني لم آتك حتى سرحت لحيتي، وأصلحت عمتي، ولو عرفت الخبر لصبرت على هيئة خلقتي، فو الله لو رأتني كذلك ما عاودت شيئا تنكره منها أبدا ما بقيت [٥] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: أخبرنا القاضي أبو العلاء قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو القاسم السكونيّ قال: حدثنا أحمد بن أَبِي مُوسَى قَالَ: حدثنا أبو العيناء قَالَ: قال الأصمعي: دخلت أنا وأبو عبيدة على الفضل بْن الربيع. فَقَالَ: يا أصمعي كم كتابك في الخيل؟ قَالَ: قُلْتُ: جلد، قال: فاسأل أبا عبيدة عن ذلك، قَالَ: خمسون جلدا، فأمر بإحضار الكتابين، ثم أمر بإحضار فرس، فقال لأبي عُبَيْدة: أقرأ كتابك حرفا حرفا وضع يدك على موضع موضع [٦] . فقال أبو عُبَيْدة: ليس أنا بيطار، إنما ذا شيء [أخذته] [٧] وسمعته من العرب وألفته، فقال لي: يا أصمعي، ثم فضع يدك على موضع موضع من الفرس، فقمت فحسرت عن ذراعي وساقي، ثم وثبت فأخذت بأذن الفرس، ثم وضعت يدي على ناصيته، فجعلت أقبض منها بشيء شيء/ وأقول: هذا كذا، وأنشد فيه حتى بلغت حافره [٨] ، فأمر لي بالفرس، فكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عبيدة ركبت الفرس وأتيته [٩] .

стр. 3392

ونقلت من خط أبي عبيد، عبيد الله محمد بن عمران المرزباني قَالَ: حكى أبو الحسين بْن محمد [١] بن بكير، عن أبيه قال: كنا يوما عند الحسن بن سهل وبحضرته جماعة من أهل العلم منهم الأصمعي، وأبو عبيدة، والهيثم بن عدي وخلق كثير من الناس، وحاجب الحسن يعرض عليه الرقاع إلى أن وقع في خمسين رقعة، فلما فرغ من ذلك أقبل علينا فقال: قد فعلنا في يومنا خيرا كثيرا، ووقعنا في القصص بما فيه فرح لأهلها [وصلاح] [٢] ، ونحن نرجو أن نكون في ذَلِكَ مثابين فحدثونا [٣] في حق أنفسنا [فجعلنا] نذاكره [٤] العلم، فتكلم أبو عبيدة، والأصمعي وجرير بن حازم، والتج المجلس بالمذاكرة إلى أن بلغوا إلى ذكر الحفاظ من أصحاب الحديث، فأخذوا في [ذكر] [٥] الزهري، والشعبي، وقتادة، وسفيان. فقال أبو عُبَيْدة: وما حاجتنا إلى ذكر هؤلاء، وما ندري أصدق الخبر عنهم أم كذب، وبالحضرة رجل يزعم أنه ما أنسي شيئا قط [٦] ، وأنه ما يحتاج أن يعيد نظره في دفتر، إنما هي نظرة، ثم يحفظ ما فيه فعرض بالأصمعي، فَقَالَ الحسن: نعم والله يا أبا سعيد، إنك لتجيء من هذا بما ينكر جدا، فقال الأصمعي: نعم، ما أحتاج أن أعيد النظر في دفتر، وما أنسيت شيئا قط، فقال الحسن: فنحن نجرب هذا القول بواحدة/، يا غلام هات [٧] الدفتر الفلاني، فإنه جامع لكثير مما أنشدتناه وحدّثناه، فمضى الغلام ليحضر الدفتر، فقال الأصمعي: فأنا أريك ما هو أعجب من هذا، أنا أعيد القصص التي مرت وأسماء أهلها وتوقيعاتك فيها كلها، وامتحن ذلك بالنظر إليها. قال: وقد كَانَ الحسن قَالَ: عارضت [٨] بتلك التوقيعات لأنها أثبتت في دفتر الإثبات [٩] ، فأكبر ذلك من حضر واستضحكوا، فاستدعى الحسن

стр. 3393

القصص بأعيانها من الحاجب فردت بأسرها، فابتدأ الأصمعي [١] فَقَالَ: القصة الأولى لفلان الفلاني قصته كذا وكذا وقعت أعزك الله بكذا وكذا حتى أتى على هذا السبيل على سبعة وأربعين قصة. فقال له [٢] الحسن: يا هذا، حسبك الساعة، والله تقتلك الجماعة بأعينها، يا غلام، خمسين ألف درهم فأحضرت خمس بدر، ثم قَالَ: يا غلمان احملوها معه إلى منزله، فتبادر الغلمان لحملها، فَقَالَ: تنعم بالحامل كما أنعمت بالمحمول، قال: نعم لك ولست تنتفع بهم وقد اشتريتهم منك بعشرة آلاف درهم احمل يا غلام مع أبي سعيد ستين ألف درهم، قَالَ: فحملت والله معه وانصرف الباقون بالخيبة. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: [أخبرنا أبو نصر أحمد بْن عَبْد اللَّه قال:] [٣] أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى القرشي قَالَ: أخبرنا محمد بن يحيى قَالَ: حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي، حدثنا حماد بن إسحاق الموصلي، عن أبيه قَالَ: سأل الرشيد عن بيت الراعي: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ... ودعا فلم أر مثله مخذولا ما معنى محرما؟ قال الكسائي: إحرام بالحج، فقال الأصمعي: والله ما كان أحرم بالحج، ولا أراد الشاعر أنه أيضا في شهر [٤] حرام، يقال: أحرم إذا دخل فيه، كما يقال أشهر إذا دخل في الشهر، وأعام إذا دخل في العام. فقال الكسائي: ما هو غير هذا؟ وإلا فما أراد؟ فَقَالَ الأصمعي: ما أراد عدي بن زيد بقوله: قتلوا كسرى بليل محرما ... فتولى لم يمتع بكفن أي إحرام لكسرى؟ فقال الرشيد: ما تطاق [٥] فما المعنى؟ قال: كل من لم يأت شيئا يوجب [عَلَيْهِ] [٦] عقوبة فهو محرم لا يحل شيء منه، فقال الرشيد: ما تطاق في الشعر يا أصمعي [٧] .

стр. 3394

أخبرنا الحافظان: عبد الوهاب بن المبارك ومحمد بن ناصر قالا: أنبأنا المبارك بن عَبْد الجبار قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري قال: أنشدنا أبو عمرو بن حيوية قَالَ: أنشدنا [أبو دريد قَالَ: أنشدنا] [١] أبو حاتم قَالَ: أنشدنا الأصمعي: إذا جاء يوم صالح فاقبلنه ... فأنت على يوم الشقاء قدير فَقَالَ: أتدرون من أين أخذت هذا؟ أخذته من قول العيارين أكثر من الشحم، فإنك على الجوع قادر [٢] . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ أخبرنا أبو الحسين محمد بن علي بن صخر قَالَ: حدثنا أبو القاسم عمر بن محمد بن سيف [٣] ، حدثنا مُحَمَّد بن القاسم الأنباري قَالَ: حدثنا عبد الله بن بيان، عن الأصمعي/ قال: بينا أنا بالجبانة بالبصرة في يوم [صائف] [٤] شديد حره، إذا أنا بجارية واضعة يدها على قبر وهي تقول بصوت حزين من قلب قرح: هل أخبر القبر سائليه ... أم قر عينا بزائريه أم هل تراه أحاط علما ... بالجسد المستكن فيه لو يعلم القبر ما يواري ... تاه على كل من يليه يا جبلا كان لامتناع ... وركن عز لآمليه ونخلة طلعها نضيد ... يقرب من كف مجتنيه ويا مريضا [٥] على فراش ... تؤذيه أيدي ممرضيه ويا صبورا على بلاء ... كان به الله مبتليه يا موت لو تقبل افتداء ... كنت بنفسي سأفتديه يا موت ماذا أردت مني ... خفقت ما كنت أتقيه

стр. 3395

موت رماني بفقد ألفي ... أذم دهري وأشتكيه أمنك الله كل روع ... وكل ما كنت تتقيه قال الأصمعي: فدنوت منها، فقلت لها: يا جارية أعيدي عليّ لفظك، قالت: أو سمعت ذلك مني؟ فأنشدتها شعرها عن آخره، فقامت تنفض ثيابها وهي تقول: إن كان في عبادك [١] أصمعي فهو هذا. قال المازني: سمعت الأصمعي يَقُولُ: بينا أنا أطوف بالكعبة إذا رجل على قفاه [٢] / كارة وهو يطوف، فقلت لَهُ: أتطوف وعليك كارة، فقال: هذه والدتي التي حملتني أريد أن أؤدي حقها، فقَلَت له: ألا أدلك على ما تؤدي به حقها، قَالَ: وما هُوَ؟ قلت: تزوجها، قَالَ: يا عدو الله، تستقبلني في أمي بمثل هذا؟ فرفعت يدها وصفعت قفا ابنها، وقالت: إذا قيل لك الحق تغضب؟! أخبرنا القزاز قال أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا الأزهري قَالَ: أخبرنا محمد قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن العباس قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد الكندي قَالَ: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى قَالَ: مات الأصمعي سنة عشر ومائتين، وقد بلغ ثمانيا وثمانين سنة، وكانت وفاته بالبصرة [٣] . قال محمد بن العباس: وحدثنا محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر قَالَ: حدثني محمد بن أبي العتاهية قَالَ: لما بلغ أبي موت الأصمعي جزع عليه ورثاه فَقَالَ: لهفي على فقد الأصمعي لقد مضى ... حميدا له في كل مصلحة سهم نقصت بشاشات المحاسن بعده ... وودعنا إذ ودع الأنس والعلم وقد كان نجم العلم فينا حياته ... فلما انقضت أيامه أفل النجم [قال المصنف: وقد ذكر أبو العتاهية أنه مات سنة خمس عشرة. وقال الكديمي:

стр. 3396

مات سنة سبع عشرة. والّذي قاله أبو موسى أصح، ويدل عليه أن أبا العتاهية رثاه، وأَبُو العتاهية مات سنة إحدى عشرة. وبلغ الأصمعي ثمانيا وثمانين سنة، وكانت وفاته بالبصرة] [١] . ١١٨٤- علية بنت المهدي [٢] أمها أم ولد اسمها مكنونة، / اشتريت للمهدي بمائة ألف درهم، فغلبت عليه، وكانت الخيزران تَقُولُ: ما ملك أمة أغلظ علي منها فولدت له علية سنة ستين ومائة [٣] . وكانت علية أجمل النساء وأطرفهن وأكملهن عقلا وأدبا ونزاهة وصيانة وظرفا، وكان في جبهتها سعة [٤] تشين، فاتخذت العصابة المكللة بالجوهر لتستر به جبهتها، فهي أول من اتخذها [٥] . وكانت كثيرة الصلاة ملازمة للمحراب وقراءة القرآن، وكانت تتدين ولا تشرب النبيذ، وقالت: ما حرم الله شيئا إلا وقد جعل فيما أحل عوضا منه، فبماذا يحتج العاصي؟ وكانت تَقُولُ: اللَّهمّ لا تغفر لي حراما أتيته ولا عزما على حرام عزمته، ولا استفزعني [لهو] [٦] إلا ذكرت نسبي من رسول الله ﷺ فقصرت عنه، ولا أقول ما أقول في شعري إلا عبثا، وكانت تدخل على الرشيد فيكرمها [٧] ويأمرها بالجلوس معه على سريره فتأبى. وكانت تحب أن تراسل بالأشعار من تختصه، فاختصت خادما يقال له «طلّ» من

стр. 3397

خدم الرشيد، فراسلته بالشعر، فلم تره أياما فمشت على ميزاب [١] حتى رأته وقالت: قد كان ما كلفته زمنا ... يا طل من وجد بكم يكفي حتى أتيتك [٢] زائرا عجلا ... أمشي على حتف إلى حتفي [٣] فحلف عليها الرشيد أن لا تكلم طلا، ولا تسمي باسمه، فضمنت له ذلك فاستمع عليها يوما وهي تقرأ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ ٢: ٢٦٥ [٤] فقالت: فالذي نهى عنه أمير المؤمنين، فدخل عليها [٥] فقبل رأسها ووهب لها [٦] طلا. وتزوجها موسى بن عيسى بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس ومن أشعارها الرائقة/: أوقعت في قلبي الهوى ... ونجوت منه سالمة وبدأتني بالوصل ثم ... قطعت وصلي ظالمة ولها: ليت سلمى تراني ... أو تنبّأ بشاني كي تفك أسيرا ... متعب [٧] القلب عاني يا ديار الغواني ... الملاح [٨] الحسان جادك الغيث منه ... بالغوادي الرواني [٩] ولها: اليأس بين جوانحي يتردد ... ودموع عيني تستهل وتفقد

стр. 3398

إني لأطمع ثم أنهض بالمنى ... واليأس يجذبني إليه فأقعد ولها: شغف الفؤاد بجارة الجنب ... فظللت في حرب وفي كرب يا جارتي أمسيت مالكة ... رقي وغالبتي على لبي ولها: فرجوا كربي قليلا ... فلقد صرت نحيلا وافعلوا في أمر مشغوف ... بكم فعلا جميلا ولها: صرمت أسماء حبلي فانصرم ... ظلمتنا كل من شاء ظلم واستحلت قتلنا عامدة ... وتجنت عللا لم تحترم ولها: أصابني بعدك ضر الهوى ... واعتادني شوق وإقلاق [١] قد يعلم الله وحسبي به ... أني إلى وجهك مشتاق ولها: كتمت اسم الحبيب من العباد ... ورددت الصبابة في فؤادي فيا شوقي [٢] إلى بلد خلي ... لعلي باسم من أهوى أنادي ولها: ليس يستحسن في وصف الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج بني الحب على الجور فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج لا تعيبا من محب ذلة ... ذلة العاشق مفتاح الفرج ضم المأمون علية يوما وجعل يقبل رأسها، وكان وجهها مغطى فتأذت بذلك وشرقت وسعلت، ثم حمّت أياما.

стр. 3399

وماتت في هذه السنة عن خمسين سنة رحمها الله [١] . ١١٨٥- منصور بن سلمة بن عبد العزيز بن سلمة الخزاعي [٢] . سمع من مالك، والليث، وروى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى، قال الدارقطنيّ: هو أحد الثقات الحفاظ الرفعاء الذين كانوا يسألون عن الرجال ويؤخذ بقوله فيهم. أخذ عنه أحمد، ويحيى، وغيرهما علم ذلك [٣] . توفي في هذه السنة بالمصيصة. وقيل: سنة تسع.

стр. 3400

ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائتين فمن الحوادث فيها: أن ابن طاهر سعي به إلى المأمون وقال رجل من إخوة المأمون للمأمون: يا أمير المؤمنين، إن عبد الله بن طاهر يميل إلى ولد أبي طالب، وكذا كان أبوه، فأنكر ذَلِكَ المأمون، ثم عاد لمثل هذا [١] / القول، فدس إليه رجلا وقال لَهُ: امض في هيئة القرّاء والنساك إلى مصر فادع جماعة من كبرائها إلى القاسم بن إبراهيم بن طباطبا، واذكر مناقبه وفضله، ثم صر من بعد ذلك إلى بطانة عبد الله بن طاهر، فادعه ورغبه في استجابته له، وابحث عن دفين نيته بحثا شافيا. ففعل الرجل، حتى إذا دعا جماعة من الرؤساء، قعد يوما ما بباب عبد الله بن طاهر، وقد ركب إلى عبيد الله بن السري بعد صلحه وأمانه، فلما انصرف قام إليه الرجل، فأخرج من كمه رقعة، فدفعها إليه، فأخذها بيده، فما هو إلا أن دخل خرج الحاجب إليه فأدخله، فقال لَهُ: قد فهمت ما في رقعتك، فهات ما عندك فقال: ولي أمانك وذمة الله؟ قال: لك ذلك، فأظهر ما أراد، ودعاه إلى القاسم، وأخبره بفضائله، فقال لَهُ عبد الله أتنصف؟ قال: نعم قَالَ: هل يجب شكر الله على العباد [٢] ؟ قال: نعم، قَالَ: فهل يجب شكر بعضهم لبعض عند الإحسان؟ قَالَ: نعم، قال: فتجيء إلي وأنا على هذه الحال التي ترى لي خاتم في المشرق جائز وفي المغرب كذلك، وفيما [٣] بينهما أمري مطاع، ثم ما التفت يمينا ولا شمالا إلا رأيت نعمة
следующие страницы →