مات سنة سبع عشرة. والّذي قاله أبو موسى أصح، ويدل عليه أن أبا العتاهية رثاه، وأَبُو العتاهية مات سنة إحدى عشرة.
وبلغ الأصمعي ثمانيا وثمانين سنة، وكانت وفاته بالبصرة] [١] .
١١٨٤- علية بنت المهدي
[٢] أمها أم ولد اسمها مكنونة، / اشتريت للمهدي بمائة ألف درهم، فغلبت عليه، وكانت الخيزران تَقُولُ: ما ملك أمة أغلظ علي منها فولدت له علية سنة ستين ومائة [٣] .
وكانت علية أجمل النساء وأطرفهن وأكملهن عقلا وأدبا ونزاهة وصيانة وظرفا، وكان في جبهتها سعة [٤] تشين، فاتخذت العصابة المكللة بالجوهر لتستر به جبهتها، فهي أول من اتخذها [٥] .
وكانت كثيرة الصلاة ملازمة للمحراب وقراءة القرآن، وكانت تتدين ولا تشرب النبيذ، وقالت: ما حرم الله شيئا إلا وقد جعل فيما أحل عوضا منه، فبماذا يحتج العاصي؟ وكانت تَقُولُ: اللَّهمّ لا تغفر لي حراما أتيته ولا عزما على حرام عزمته، ولا استفزعني [لهو] [٦] إلا ذكرت نسبي من رسول الله ﷺ فقصرت عنه، ولا أقول ما أقول في شعري إلا عبثا، وكانت تدخل على الرشيد فيكرمها [٧] ويأمرها بالجلوس معه على سريره فتأبى.
وكانت تحب أن تراسل بالأشعار من تختصه، فاختصت خادما يقال له «طلّ» من
стр. 3397
خدم الرشيد، فراسلته بالشعر، فلم تره أياما فمشت على ميزاب [١] حتى رأته وقالت:
قد كان ما كلفته زمنا ... يا طل من وجد بكم يكفي
حتى أتيتك [٢] زائرا عجلا ... أمشي على حتف إلى حتفي [٣]
فحلف عليها الرشيد أن لا تكلم طلا، ولا تسمي باسمه، فضمنت له ذلك فاستمع عليها يوما وهي تقرأ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ ٢: ٢٦٥ [٤] فقالت: فالذي نهى عنه أمير المؤمنين، فدخل عليها [٥] فقبل رأسها ووهب لها [٦] طلا.
وتزوجها موسى بن عيسى بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس ومن أشعارها الرائقة/:
أوقعت في قلبي الهوى ... ونجوت منه سالمة
وبدأتني بالوصل ثم ... قطعت وصلي ظالمة
ولها:
ليت سلمى تراني ... أو تنبّأ بشاني
كي تفك أسيرا ... متعب [٧] القلب عاني
يا ديار الغواني ... الملاح [٨] الحسان
جادك الغيث منه ... بالغوادي الرواني [٩]
ولها:
اليأس بين جوانحي يتردد ... ودموع عيني تستهل وتفقد
стр. 3398
إني لأطمع ثم أنهض بالمنى ... واليأس يجذبني إليه فأقعد
ولها:
شغف الفؤاد بجارة الجنب ... فظللت في حرب وفي كرب
يا جارتي أمسيت مالكة ... رقي وغالبتي على لبي
ولها:
فرجوا كربي قليلا ... فلقد صرت نحيلا
وافعلوا في أمر مشغوف ... بكم فعلا جميلا
ولها:
صرمت أسماء حبلي فانصرم ... ظلمتنا كل من شاء ظلم
واستحلت قتلنا عامدة ... وتجنت عللا لم تحترم
ولها:
أصابني بعدك ضر الهوى ... واعتادني شوق وإقلاق [١]
قد يعلم الله وحسبي به ... أني إلى وجهك مشتاق
ولها:
كتمت اسم الحبيب من العباد ... ورددت الصبابة في فؤادي
فيا شوقي [٢] إلى بلد خلي ... لعلي باسم من أهوى أنادي
ولها:
ليس يستحسن في وصف الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج
بني الحب على الجور فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج
لا تعيبا من محب ذلة ... ذلة العاشق مفتاح الفرج
ضم المأمون علية يوما وجعل يقبل رأسها، وكان وجهها مغطى فتأذت بذلك وشرقت وسعلت، ثم حمّت أياما.
стр. 3399
وماتت في هذه السنة عن خمسين سنة رحمها الله [١] .
١١٨٥- منصور بن سلمة بن عبد العزيز بن سلمة الخزاعي
[٢] .
سمع من مالك، والليث، وروى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى، قال الدارقطنيّ: هو أحد الثقات الحفاظ الرفعاء الذين كانوا يسألون عن الرجال ويؤخذ بقوله فيهم. أخذ عنه أحمد، ويحيى، وغيرهما علم ذلك [٣] .
توفي في هذه السنة بالمصيصة. وقيل: سنة تسع.
стр. 3400
ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائتين
فمن الحوادث فيها:
أن ابن طاهر سعي به إلى المأمون وقال رجل من إخوة المأمون للمأمون: يا أمير المؤمنين، إن عبد الله بن طاهر يميل إلى ولد أبي طالب، وكذا كان أبوه، فأنكر ذَلِكَ المأمون، ثم عاد لمثل هذا [١] / القول، فدس إليه رجلا وقال لَهُ: امض في هيئة القرّاء والنساك إلى مصر فادع جماعة من كبرائها إلى القاسم بن إبراهيم بن طباطبا، واذكر مناقبه وفضله، ثم صر من بعد ذلك إلى بطانة عبد الله بن طاهر، فادعه ورغبه في استجابته له، وابحث عن دفين نيته بحثا شافيا. ففعل الرجل، حتى إذا دعا جماعة من الرؤساء، قعد يوما ما بباب عبد الله بن طاهر، وقد ركب إلى عبيد الله بن السري بعد صلحه وأمانه، فلما انصرف قام إليه الرجل، فأخرج من كمه رقعة، فدفعها إليه، فأخذها بيده، فما هو إلا أن دخل خرج الحاجب إليه فأدخله، فقال لَهُ: قد فهمت ما في رقعتك، فهات ما عندك فقال: ولي أمانك وذمة الله؟ قال: لك ذلك، فأظهر ما أراد، ودعاه إلى القاسم، وأخبره بفضائله، فقال لَهُ عبد الله أتنصف؟ قال: نعم قَالَ: هل يجب شكر الله على العباد [٢] ؟ قال: نعم، قَالَ: فهل يجب شكر بعضهم لبعض عند الإحسان؟ قَالَ:
نعم، قال: فتجيء إلي وأنا على هذه الحال التي ترى لي خاتم في المشرق جائز وفي المغرب كذلك، وفيما [٣] بينهما أمري مطاع، ثم ما التفت يمينا ولا شمالا إلا رأيت نعمة
стр. 3401
لرجل أنعمها علي، فتدعوني إلى الكفر بهذه النعم [١] ، وهذا الإحسان، وتقول: اغدر بمن كان أولا لهذا وآخرا واسع في دمه، فسكت الرجل، فقال لَهُ: ارحل عن هذا البلد، فإني أخاف عليك، فلما آيس الرجل مما عنده، جاء إلى المأمون، فأخبره، فاستبشر، وقال: ذاك غرس يدي وإلف أدبي/ وترب تلقيحي [٢] ولم يظهر لأحد من ذلك شيئا [٣] .
وفي هذه السنة: قدم عبد الله بن طاهر مدينة السلام من المغرب، فتلقاه العباس ابن المأمون وأبو إسحاق المعتصم وسائر الناس، وقدم معه بالمتغلبين على الشام كابن [السرج، وابن] أبي الجمل، [وابن] [٤] أبي الصقر [٥] .
وفيها [٦] : أمر المأمون مناديا، فنادى: برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير أو فضّله على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ [٧] .
وحج بالناس في هذه السنة: صالح بن العباس وهو والي مكة [٨]
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
[٩]
١١٨٦- إبراهيم بن رستم، أبو بكر الفقيه المروزي
[١٠] سمع من مالك، وسفيان، وشعبة، وغيرهم. وروى عنه: أحمد بن حنبل، وقال يحيى: هو ثقة.
أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا
стр. 3402
أحمد بن علي بن يعقوب [١] قَالَ: حدثنا محمد بن نعيم الضبي قَالَ: حدثنا أبو العباس السياري [٢] قَالَ: حدثنا عيسى بن محمد بن عيسى قَالَ: حدثنا العباس بن مصعب قَالَ: كان إبراهيم بن رستم من أهل كرمان، ثم نزل مرو، ثم سكة [٣] الدباغين، فاختلف إليه الناس، وعرض عليه القضاء فلم يقبل [٤] ، وأتاه ذو الرئاستين فلم يتحرك له، فقال لَهُ [أشكاب] [٥]- وكان رجلا متكلما: عجبا لك، يأتيك وزير الخليفة فلا تقوم له، وتقوم من أجل هؤلاء الدباغين [عندك] [٦] فقال رجل من أولئك المتفقهة: نحن من دباغي الدين الذي رفع إبراهيم بن رستم حتى جاءه وزير الخليفة، فسكت أشكاب [٧] .
توفي إبراهيم بنيسابور في هذه السنة وقيل: في/ سنة عشرة.
١١٨٧- إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، أبو إسحاق العنزي المعروف بأبي العتاهية الشاعر
[٨] .
ولد سنة ثلاثين ومائة، أصله من عين التمر، ومنشؤه الكوفة، ثم سكن بغداد، وكان يقول في الغزل والمديح والهجاء، ثم تنسك وصار قوله في الوعظ والزهد. وأبو العتاهية لقب.
قال أبو زكريا يحيى بن علي الزبيري: العتاهية من التعته وهو التحسن والتزين، قال: وقد كان يتحسن في زمن شبابه، ومن أسباب ذَلِكَ:
ما أخبرنا به [أَبُو] منصور القزاز [٩] قَالَ أَخْبَرَنَا الخطيب قَالَ: أخبرني علي بن أيوب القمي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عمران المرزباني قَالَ: أخبرنا محمد بن يحيى
стр. 3403
قَالَ: حدثني محمد بن موسى البربري قَالَ: أخبرني أبو عبد الله محمد بن علي الهاشمي، عَن أبي شعيب أحمد بن يزيد قَالَ: قلت لأبي العتاهية، حدثني بقصتك مع عتبة، فقال [لي] [١] : أحدثك إنا قدمنا من الكوفة ثلاثة فتيان شبابا أدباء، ليس لنا ببغداد من نقصده، فنزلنا غرفة بالقرب من الجسر، وكنا نبكر فنجلس في المسجد الذي بباب الجسر في كل غداة، فمرت بنا يوما امرأة راكبة معها خدم سود، فقلنا: من هذه؟ قالوا:
خالصة، فقال أحدنا: قد عشقت [خالصة] [٢] وعمل فيها شعرا. فأعناه عليه، ثم لم نلبث أن مرت أخرى راكبة معها خدم بيض، فقلنا: من هذه؟ قالوا: عتبة، فقلت: قد عشقت عتبة [٣] فلم نزل كذلك في كل يوم إلى أن التأمت لنا أشعار كثيرة فدفع صاحبي بشعره إلى خالصة، ودفعت أنا شعري إلى عتبة، وألححنا إلحاحا شديدا/ فمرة تقبل أشعارنا، ومرة نطرد، إلى أن جدوا في طردنا فجلست عتبة يوما في أصحاب الجوهر، ومضيت فلبست ثياب راهب، ودفعت ثيابي إلى إنسان كان معي، وسألت عن رجل كبير من أهل السوق، فدللت على شيخ صائغ، فجئت إليه فقلت: إني رغبت في الإسلام على يد هذه [٤] المرأة، فقام معي وجمع جماعة من أهل السوق وجاءها، فَقَالَ: إن الله ساق لك أجرا، هذا راهب قد رغب في الإسلام على يديك، قالت: هاتوه، فدنوت منها، فَقُلْتُ، أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وأن محمدا عبده ورسوله وقطعت الزنار، ودنوت فقبلت يدها، فلما فعلت ذلك رفعت البرنس فعرفتني، فقالت: نحوه لعنه الله، فقالوا:
لا تلعنيه فقد أسلم، فقالت: إنما فعلت لقذره، فعرضوا علي كسوة، فقلت: ليس بي [٥] حاجة [هذه] [٦] وإنما أردت أن أتشرف بولائها والحمد للَّه الذي منّ علي بحضوركم.
وجلست فجعلوا يعلمونني [٧] الحمد، وصليت معهم العصر، وأنا في ذَلِكَ بين يديها أنظر إليها لا تقدر لي على حيلة، فلما انصرفت لقيت خالصة فشكت إليها فقالت: ليس
стр. 3404
يخلو هذان من أن يكونا عاشقين أو مستأكلين، فصح عزمهما على امتحاننا بمال على أن ندع التعرض [١] لهما، فإن قبلنا المال فنحن مستأكلان، وإن لم نقبله فنحن عاشقان، فلما كَانَ الغد مرت خالصة، فعرض لها [٢] صاحبها، فقال له الخدم: اتبعنا فتبعهم، ثم مرت عتبة فقال لي الخدم: اتبعنا فتبعتهم، فمضت بي إلى منزل خليط بزاز، فلما جلست، دعت بي، فقالت [لي] [٣] : يا هذا، إنك شاب وأرى لك [٤] أدبا/ وأنا حرمة خليفة [وقد تأنيتك] [٥] فإن أنت كففت وإلا أنهيت أمرك [٦] إلى أمير المؤمنين، ثم لم آمن عليك، قُلْتُ: فافعلي بأبي أنت وأمي [فإنك] [٧] إن سفكت دمي أرحتني، فأسألك باللَّه إلا فعلت [٨] ذلك، إذ لم يكن لي فيك نصيب، فأما الحبس والحياة ولا أراك، فأنت في حرج من ذلك، فقالت: لا تفعل يا هذا وابق على نفسك، وخذ هذه الخمس مائة دينار واخرج من هذا البلد. فلما سمعت ذكر المال وليت هاربا، فقالت: ردوه، فلم تزل تزدني فقلت: جعلت فداك، ما أصنع بعرض [من] الدنيا و [أنا] [٩] لا أراك، وإنك لتبطئين يوما واحدا عن الركوب فتضيق بي الأرض بما رحبت. وهي تأبى إلا ذكر المال، حتى جعلت [لي] [١٠] ألف دينار، فأبيت وجاذبتها مجاذبة شديدة، وقلت: لو أعطيتيني جميع ما يحويه الخليفة ما كانت لي فيه حاجة، وأنا لا أراك [وأقنع بالفقد] [١١] بعد أن أجد السبيل إلى رؤيتك. وخرجت فجئت الغرفة التي كنا ننزلها، فإذا صاحبي مورم الأذنين، وقد امتحن بمثل ما امتحنت، فلما مد يده إلى المال صفعوه، وحلفت خالصة لئن رأته
стр. 3405
بعد ذلك اليوم لتودعنه الحبس، فاستشارني في المقام، فقلت: اخرج وإياك أن تقدر عليك [١] ، ثم التقتا فأخبرت كل واحدة صاحبتها الخبر، وأحمدتني عتبة [٢] ، وصح عندها أني محب محق [٣] ، فلما كان بعد أيام دعتني عتبة وقالت: بحياتي عليك إن كنت تعزها إلا أخذت [٤] ما يعطيك الخادم، فأصلح به شأنك فقد غمني سوء حالك، فامتنعت، فقالت: ليس هذا مما تظن، ولكني [٥] لا أحب أن أراك في هذا الزي، فقلت: / لو أمكنني أن تريني في زي المهدي لفعلت ذاك، فأقسمت عليّ، فأخذت الصرّة، فإذا فيها ثلاثمائة دينار فاكتسيت كسوة حسنة [٦] ، واشتريت حمارا [٧] .
أخبرنا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو الطيب طاهر بن عبد الله قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن إبراهيم قال: حدثني علي بن محمد بن أبي عمرو البكري قال: حدثني علي بن عثمان قال: حدثني أشجع [٨] السلمي قال: أذن لنا المهدي وللشعراء في الدخول عليه، فدخلنا، فأمرنا بالجلوس، فاتفق أن جلس إلى جنبي بشار، فسمع حسًا، فقال: يا أشجع، من هذا؟ فقلت: أبو العتاهية، فقال لي: أتراه ينشد في هذا المحفل؟ فقلت: أحسبه سيفعل، فأمره المهدي أن ينشد، فأنشده:
ألا ما لسيدتي ما لها
قال: فنخسني بمرفقه، ثم قال لي [٩] : ويحك، رأيت أجسر [١٠] من هذا ينشد مثل هذا الشعر في مثل هذا الموضع حتى بلغ إلى قوله:
أتته [١١] الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها
стр. 3406
فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها
ولو لم تطعه بنات النفوس ... [١] لما قبل الله أعمالها
فقال بشار: [انظر] [٢] ويحك يا أشجع، انظر هل طار الخليفة عن فراشه [٣] ، قال: لا والله [٤] ما انصرف أحد من ذلك المجلس بجائزة غير أبي العتاهية [٥] .
أخبرنا عبد الرحمن [بن محمد] [٦] قال أخبرنا أحمد بن علي/ قال: أنبأنا أبو يعلى أَحْمَد بن عبد الواحد الوكيل قال: أنبأنا إسماعيل بن سعيد المعدل قال: أخبرنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال: قال لي أبو عبد الله محمد بن القاسم الكوكبي [٧] قال: أخبرني العتبي قال: رأيت مروان بن أبي حفصة واقفا بباب الجسر، كئيبا حزينا آسفا ينكت بسوطه [٨] في معرفة دابته، فقيل له: يا أبا السمط، ما الذي نراه بك؟ قال: أخبركم بالعجب، مدحت أمير المؤمنين فوصفت له ناقتي من خطامها إلى خفيها و [وصفت] [٩] الفيافي من اليمامة إلى بابه أرضا أرضا، ورملة رملة، حتى [إذا] [١٠] أشفيت منه على غنى النفس والدهر جاء ابن بياعة العجاجير [١١]- يعني أبا العتاهية- فأنشده بيتين فضعضع بهما شعري، وسواه بي في الجائزة، فقيل له: وما البيتان؟ فأنشد:
إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباسبا ورمالا
стр. 3407
فإذا رحلن بنا رحلن بخفة ... وإذا رجعن بنا رجعن ثقالا [١]
أَخْبَرَنَا إسماعيل بْن أحمد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو محمد أحمد بن علي بن أبي عثمان قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الصَّلْتِ قَالَ: حَدَّثَنَا أبو الحسن بن المنادي قال: أنشدني أبو بكر يوسف بن يعقوب لأبي العتاهية:
كم يكون الشتاء ثم المصيف ... وربيع يمضي ويأتي خريف
وانتقال من الحرور إلى الظل ... وسيف الردى عليك منيف
يا قليل البقاء في هذه الدار ... إلى كم يغرك التسويف/
عجبا لامرئ يذل لذي دنيا ... [٢] ويكفيه كل يوم رغيف
أخبرنا عبد الوهاب [٣] وأخبرنا ابن ناصر قالا: أنبأنا ابن عبد الجبار قال: أخبرنا الحسين بن النصيبي قال: حدثنا إسماعيل بن سويد قال: حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال:
حدثنا أَبُو بكر بْن خلف [٤] قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر الأموي قال: قال الرشيد لأبي العتاهية:
الناس يزعمون أنك زنديق، قال: يا سيدي، كيف أكون زنديقا، وأنا الذي أقول:
أيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وللَّه في كل تحريكة ... وفي كل تسكينة شاهد
وَفِي كُل شَيْء لَهُ آية ... تَدُل عَلَى أنه واحد
أَخْبَرَنَا [عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ] [٥] الْقَزَّازِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حنيفة المؤدب قال: حدثنا المعافى بْن زكريا قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْن القاسم الكوكبي قال: حدثنا عسل بن ذكوان قال: أخبرنا دماذ، بن [ذكوان عن] [٦] حماد بن شقيق قال:
стр. 3408
قال أبو سلمة الغنوي [١] : قلت لأبي العتاهية: ما الذي صرفك عن قول الغزل إلى قول الزهد؟ قال: إذا والله أخبرك، إني لما قلت:
الله بيني وبين مولاتي ... أهدت لي الصد والملامات [٢]
منحتها مهجتي وخالصتي ... فكان هجرانها مكافاتي
هيمني حبها وصيرني ... أحدوثة في جميع جاراتي
رأيت في المنام في تلك الليلة كأن آتيا أتاني فقال: ما أصبت [٣] أحدا تدخله بينك وبين عتبة يحكم لك عليها بالمعصية إلا الله تعالى. فانتبهت مذعورا وتبت إلى الله تعالى من ساعتي من قول الغزل [٤] /.
أخبرنا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قَالَ: أَخْبَرَنَا عثمان [بْن أحمد] [٥] قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد [٦] بن البراء قال:
أنشدني أحمد بن علي بن مرزوق لأبي العتاهية وهو يكيد بنفسه:
يا نفس قد مثلت حالي ... هذه لك منذ حين
وشككت أني ناصح ... لك فاستملت على الظنون
فتأملي ضعف الحراك ... وكله بعد السكون
وتيقني أن الذي ... بك من علامات المنون [٧]
توفي أبو العتاهية في جمادى الآخرة من هذه السنة ببغداد. وقيل: في سنة ثلاث عشرة، وقبره على نهر عيسى قبالة قنطرة [٨] الزياتين.
стр. 3409
أخبرنا أبو منصور [١] القزاز قال: أخبرنا أبو بكر [٢] بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: حدثني عبد العزيز بْن علي الوراق قال: سمعت عبد الله بن أحمد [بن علي] المقرئ [٣] يقول:
سمعت [محمد بن] مخلد العطار يقول: سمعنا [إسحاق بن] [٤] إبراهيم البغوي يقول:
قرأت على قبر أبي العتاهية:
أدن حتى تسمعي ... اسمعي ثم عي وعي
أنا رهن بمضجعي ... فاحذري مثل مصرعي
عشت تسعين [٥] حجة ... ثم فارقت مجمعي
ليس زاد سوى التقى ... فخذي منه أو دعي.
١١٨٨- أحمد بن أبي خالد، أبو العباس .
[وزير المأمون] [٦] وكان ذا رأي وفطنة، إلا أنه كانت له أخلاق وفظاظة، فقال له رجل: والله لقد أعطيت ما لم يعطه رسول الله ﷺ ، فقال: والله لئن لم تخرج مما قلت لأعاقبنك، فقال/ قال الله تعالى لنبيه ﷺ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ٣: ١٥٩ [٧] وأنت فظ غليظ القلب، ولا ينفضون من حولك.
وروى إبراهيم بن العباس قال: كنت أكتب لأحمد بن أبي خالد، فدخلت عليه يوما فرأيته مطرقًا مفكرا مغموما، فسألته عن خبره، فأخرج إلي رقعة، فإذا فيها أن حظية من أعز جواريه عليه، [كان] [٨] يختلف [٩] عليها غيره، ويستشهد على ذلك خادمين كانا ثقتين عنده [١٠] ، قال لي: فدعوت الخادمين وسألتهما عن ذلك، فأنكراه، فتهددتهما
стр. 3410
فأقاما على الإنكار فضربتهما، فاعترفا على الجارية بكل ما كان في الرقعة وإني لم أذق أمس ولا اليوم شيئا، وقد هممت بقتل الجارية. قال: فوجدت مصحفا بين يديه ففتحته، وكان أول ما وقعت عيني عليه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ [فَتُصْبِحُوا عَلى مَا فَعَلْتُمْ نادِمِينَ] ٤٩: ٦ [١] الآية.
قال: فشككت أنا في صحة الحديث، وأريته ما خرج به الفأل، وقلت له: دعني أتلطف في كشف هذا. فقال: افعل، فخلوت بأحد الخادمين ورفقت به وباحثته عن الأمر، فقال: النار ولا العار، وذكر أن امرأة أحمد بن أبي خالد وجهت إليه بكيس فيه ألف دينار وسألته الشهادة على الجارية وأمرته أن لا يذكر شيئا إلا بعد أن يوقع به المكروه لئلا يرتاب به [٢] ، ويكون أثبت للخبر، وأحضر الكيس مختوما بخاتم المرأة، ودعوت الآخر فاعترف بمثل ذلك، وأمرته أن لا/ يذكر شيئا، فأكتب إلى أحمد بالبيان، فما وصل إليه [٣] حتى وردت عليه رقعة الحرة [٤] تعلمه أن الرقعة الأولى من فعلها كانت غيرة عليه من الجارية، وأن جميع ما فيها باطل، وأنها حملت الخادمين على ذلك، وأنها تائبة إلى الله من هذا الفعل، فجاءته براءة الجارية من كل جهة، فسر بذلك وزال ما كان به، وأحسن إلى الجارية.
قال أبو بكر الصولي: مات أحمد بن أبي خالد وزير المأمون يوم الاثنين لعشر خلون من ذي الحجة [٥] سنة إحدى عشرة ومائتين، فصلى عليه المأمون، فلما دلي في قبره ترحم عليه وقال: كنت والله كما قال الشاعر:
أخو الجد إن جد الرجال وشمروا ... وذو باطل إن كان في القوم باطل
стр. 3411
١١٨٩- رويم بن يزيد [١] ، أبو الحسن المقرئ، مولى العوام بن حوشب الشيباني
[٢] .
[كان يسكن نهر القلايين، وله هناك مسجد معروف به] [٣] كان يقرئ فيه، حدث عن الليث بن سعد، روى عن محمد بن سعد كاتب الواقدي، وكان ثقة.
توفي في هذه السنة.
١١٩٠- زياد بن يونس [بن سعيد] [٤] بن سلامة بن الحضرمي الإسكندراني، يكنى أبا سلامة .
روى عن مالك، والليث، وابن لهيعة، وقرأ على نافع، وكان طالبا للعلم، وكان يسمى سوسة العلم، وهو أحد الأثبات الثقات.
توفي بمصر في هذه/ السنة.
١١٩١- عبد الله [٥] بن صالح [بن مسلم] [٦] العجلي الكوفي المقرئ
[٧] .
ولد سنة إحدى وأربعين ومائة وقرأ على حمزة الزيات، وسمع فضيل بن مرزوق، ونصر بن معاوية. وثقه يحيى، وأخرج عنه البخاري، وكان قاضيا بناحية شيراز.
توفي في هذه السنة وله ست وسبعون سنة.
١١٩٢- علي بن الحسين بن واقد المروزي
[٨] .
كان واقد مولى عبد الله بن عامر بن كريز، سمع علي أباه وأبا حمزة السكري.
وتوفي في هذه السنة.
стр. 3412
١١٩٣- موسى بن سليمان [أبو سليمان] [١] الجوزجاني
[٢] .
سمع ابن المبارك، وأبا يوسف، ومحمد. وكان فقيها بصيرا بالرأي، يذهب مذهب أهل السنة [في القرآن] [٣] ، وكان نعم الرجل، قال أبو حاتم الرازي: كان صدوقا.
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أخبرنا الحسين بن علي الصيمري قال: أخبرنا عمر بن إبراهيم المقرئ قال: حدثنا بكر بن أحمد قال: أخبرنا أحمد بن عطية قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد قال: أحضر المأمون موسى بن سليمان ومعلى الرازي، فبدأ بأبي سليمان لسنه وشهرته بالورع، فعرض عليه القضاء، فقال: يا أمير المؤمنين، احفظ حقوق الله في القضاء ولا تول على أمانتك مثلي، فإني والله غير مأمون الغضب، ولا أرضى نفسي للَّه أن أحكم في عباده. قال:
صدقت وقد أعفيناك [٤] .
١١٩٤- معلى بن منصور، أبو يعلى الرازي
[٥] .
حدث عن مالك، والليث بن سعد، وشريك، وغيرهم، روى عنه ابن المديني/ وأبو بكر بن أبي شَيْبة، وأبو خيثمة. وكان ثقة فقيها، أخذ عن أبي يوسف القاضي، طلبوه للقضاء مرارا فأبى.
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ [بْنُ عَلِيِّ] [٦] بْنِ ثَابِتٍ قَالَ:
أخبرنا الصيمري قال: أخبرنا عمر بن إبراهيم المقرئ قال: حدثنا بكر بن أحمد قال:
حدثنا أحمد بن عطية قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد قال: أحضر المأمون موسى بن سليمان ومعلى الرازي فعرض على موسى القضاء فامتنع، فأقبل على معلى فقال له مثل ذلك، قال: لا أصلح، قال: ولم؟ قال: إني رجل أداين، فأبيت مطلوبا وطالبا. قال:
стр. 3413
نأمر بقضاء دينك وتتقاضى ديونك، فمن أعطاك قبلنا منه ومن لم يعطك عوضناك [ما لك عليه] قال: ففي شكوك [في] [١] الحكم، وفي ذلك تلف أموال الناس، قال: يحضر مجلسك أهل الدين إخوانك، فما شككت فيه سألتهم عنه، وما صح عندك أمضيته.
قال: يا سبحان [٢] الله، أنا أرتاد رجلا أوصي إليه من أربعين سنة ما أجد [من أوصي إليه] [٣] فمن أين أجد من يعينني على حقوق الله الواجبة حتى آتمنه على ذلك فأعفاه [٤] .
أخبرنا الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ علي قال: أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال: حدثنا محمد بن العباس قال: حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال: حدثنا عمار بن بكار القافلاني قال: حدثنا محمد بن إسحاق والعباس بن محمد قالا: سمعنا يحيى بن معين يقول: كان المعلى بن منصور الرازي يوما يصلي فوقع على رأسه كور الزنابير، فما التفت ولا أنفتل [٥] / حتى أتم صلاته، فنظروا فإذا رأسه قد صار هكذا من شدة الانتفاخ [٦] .
توفي معلى في هذه السنة وكان ينزل الكرخ في قطيعة الربيع.
стр. 3414
ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائتين
فمن الحوادث فيها:
توجيه المأمون محمد بن حميد [الطوسي] [١] لمحاربة بابك، فمضى على طريق الموصل، وأخذ جماعة من المتغلبة بأذربيجان فبعث بهم إلى المأمون [٢] .
وفيها: خلع أحمد بن محمد العمريّ المعروف بالأحمر العين باليمن [٣] .
وفيها: ولّى المأمون محمد بن عبد الحميد اليمن [٤] .
وفيها: أظهر المأمون القول بخلق القرآن، وأن علي بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ، وذلك في شهر ربيع الأول [٥] .
وحج بالناس في هذه السنة عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بن محمد [٦] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١١٩٥- إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، يكنى أبا حيان، وقيل: أبا عبد الله
[٧] .
حدث عن أبيه، وعن مالك بن مغول وعنهما، وكان فقيها على مذهب جده،
стр. 3415
وتولى/ قضاء الرصافة سنة أربع وتسعين بعد محمد بن عبد الله الأنصاري، فأقام مدة ثم انصرف، وولي قضاء البصرة سنة عشر ومائتين لما عزل عنه يحيى بن أكثم، وأقام به سنة، ثم عزل بعيسى بن أبان.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا [أحمد بن علي] الخطيب [قال:
أخبرنا] أبو الطيب الطبري قال: حدثنا المعافى بن زكريا [قال: حدثنا] [١] محمد بن [٢] أحمد بن إبراهيم الحكمي قال: قال أبو عبد الله محمد بن القاسم: لما عزل إسماعيل بن حماد عن البصرة شيعوه فقالوا: عففت عن أموالنا وعن دمائنا. فقال: وعن أبنائكم! يعرض بيحيى بن أكثم [في اللواط] [٣] .
أَخْبَرَنَا [عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ] الْقَزَّازِ قَالَ: أخبرنا [أحمد بن علي] [٤] الخطيب قال: حدثنا الصيمري قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عمران المرزباني قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن أَحْمَد الكاتب قال: حدثنا أبو العيناء قال: قال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: ما ورد علي مثل امرأة تقدمت إلي فقالت: أيها القاضي، ابن عمي زوجني من هذا ولم أعلم، فلما أعلمت رددت، فقلت لها: ومتى رددت؟ قالت: وقت علمت، قلت: ومتى علمت؟ قالت: وقت رددت [٥] . فما رأيت مثلها [٦] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ مُحَمَّدِ] الْقَزَّازِ قَالَ: أخبرنا أَحْمَد بْن عَلي قَالَ: أَخْبَرَنَا البرقاني قَالَ: حدثني محمد بن أحمد بن محمد الأدمي قال: حدثنا محمد بن علي الأيادي قال: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي قال: حدثني أبو حاتم الرازي قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ قَالَ: سمعت سعيد بن موسى [٧] الباهلي يقول: سمعت
стр. 3416
إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة في دار المأمون يقول: القرآن مخلوق وهو ديني/ ودين أبي وجدي [١] .
توفي [إسماعيل] [٢] في هذه السنة [٣] .
١١٩٦- خلف بن الوليد، أبو جعفر الجوهري
[٤] .
سمع ابن أبي ذئب، وشعبة، وهشيما. وروى عنه: أحمد بن حنبل [٥] ، وانتقل إلى مكة فنزلها.
قال يحيى بن معين: هو ثقة.
توفي في هذه السنة.
стр. 3417
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائتين
فمن الحوادث فيها:
موت [طلحة بن] طاهر بخراسان [١] ، فولى المأمون أخاه [أبا إسحاق] [٢] الشام ومصر، وولى ابنه العباس بن المأمون الجزيرة والثغور والعواصم، وأمر لهما ولعبد الله بن طاهر، لكل منهم بخمسمائة ألف دينار، وولى غسان بن عباد السنة [٣] .
وحج بالناس في هذه السنة عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بن محمد [٤] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١١٩٧- أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح، أبو جعفر الكاتب مولى بني عجل
[٥] .
كان من أفاضل كتاب المأمون وأذكاهم، وأفطنهم وأجمعهم للمحاسن، وكان فصيحا مليح الخط يقول الشعر، وزر للمأمون بعد أحمد بن [أبي] [٦] خالد.
أخبرنا [أبو] منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ:
стр. 3418
أخبرنا علي بن محمد بن بشران قال: [أخبرنا الحسين بن صفوان، حدثنا عبد الله بن أبي الدنيا قال] [١] : أخبرنا الحسين بن عبد الرحمن قال: أشرف أحمد بن يوسف وهو يموت على بستان له [على] [٢] شاطئ دجلة، فجعل يتأمله/ ويتأمل دجلة، ثم تنفس وقال متمثلا:
ما أطيب العيش لولا موت صاحبه ... ففيه ما شئت من عيب لعائبه
قال: فما أنزلناه حتى مات [٣] .
وكانت وفاته في هذه السنة.
١١٩٨- أسد بن الفرات بن سنان، أبو عبد الله الفقيه .
قاضي إفريقية مغربي صاحب الكتب على مذهب مالك المعروفة بالأسدية. ولد سنة أربعين ومائة، وكان عنده الموطأ عن مالك، وأقام بالكوفة، فكتب عن أهلها وكتب بالري عن جرير بن عبد الله بن عبد الحميد.
وتوفي بصقلية في ربيع الآخر [٤] من هذه السنة. وهو محاصر بسرقوسة، وهو أمير تلك السرية.
١١٩٩- أسود بن سالم، أبو محمد العابد
[٥] .
سمع حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وإسماعيل بن علية، وغيرهم، وكان ثقة ورعا فاضلا. وكان بينه وبين معروف الكرخي مؤاخاة ومودة.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ على [بْن ثابت] [٦] قَالَ:
حَدَّثَنَا عبد الله بن أبي الحسن بن محمد الخلال قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عمران
стр. 3419
قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن مجاهد قال: حدثنا أبو عيسى الختلي قال: حدثنا أبو يوسف القاضي قال: كنا عند أسود بن سالم وقد كان يستعمل من الماء شيئا كثيرا [ثم ترك ذاك] [١] فجاء رجل فسأله عن ذلك فقال: هيهات ذهب [٢] ذاك، كنت ليلة باردة قد قمت في السحر فأنا أستعمل ما كنت أستعمله، فإذا هاتف هتف بي فقال: يا أسود ما/ هذا يحيى بن سعيد الأنصاري حدثنا عن سعيد بن المسيب «إذا جاوز الوضوء ثلاثا لم ترتفع إلى السماء» . قال: قلت: أجني؟ ويحك من تكون؟ قال: ما هو إلا ما تسمع.
فقلت: من أنت عافاك الله؟ قال: يحيى بن سعيد الأنصاري قال: حدثنا عن سعيد بن المسيب إذا جاوز الوضوء ثلاثا لم ترتفع إلى السماء. قال: قلت [٣] : لا أعود [لا أعود] فأنا اليوم يكفيني كف من ماء [٤] .
أخبرنا منصور القزاز قال: أخبرنا أحمد بن على قال: أخبرنا أبو القاسم بن عبد المنذر القاضي قال: حدثنا عبد الصمد بن علي الطوسي قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن زياد قال: حدثني أحمد بن الحاكم الصاغاني قال: جاء رجل إلى ابن حميد فقال: إني اغتبت أسود بن سالم، فأتيت في منامي فقيل لي: تغتاب وليا من أولياء الله لو ركب حائطا ثم قال له سر لسار [٥] .
١٢٠٠- بشر بن أبي الأزهر القاضي [النيسابوري] [٦] . واسم أبي الأزهر: يزيد، وكنية بشر: أبو سهل .
كان من أعيان فقهاء الكوفيين وزهادهم. سمع ابن المبارك، وابن عيينة، وأبا معاوية، وغيرهم. وتفقه على أبي يوسف.
أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن الحسين البيهقي قال: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، أخبرني محمد بن الحسن بن الحسين بن منصور قال: حدثنا
стр. 3420
أبي قال: حدثنا [١] محمد بن عبد الوهاب قال: سمعت بشر بن أبي الأزهر وسأله رجل عن مسألة فأخطأ فيها/ فقال: كنت هممت أن آتي الطاهري- يعني عبد الله بن طاهر- فأسأله أن يأمر الحراس فينادوا في البلد في الناس: من سأل بشر بن أبي الأزهر عن مسألة في النكاح فأنه قد أخطأ فيها، فقال له رجل: أنا أعرف الرجل الذي سألك عن المسألة [٢] هو في مكان كذا وكذا. فأتى به فرجع عن قوله ذلك وبصره بالصواب.
توفي في رمضان في هذه السنة.
١٢٠١- ثمامة بن أشرس أبو معين النميري
[٣] .
أحد المعتزلة البصريين، ورد بغداد، واتصل بالرشيد وغيره من الخلفاء، وحكى عنه الجاحظ وغيره.
وروى أبو بكر الصولي قال: حدثني المقدمي قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: حدثني الوليد بن عباس قال: خرج ثمامة بن أشرس من منزله بعد المغرب وهو سكران، فإذا هو بالمأمون [٤] قد ركب في نفر، فلما رأى ثمامة عدل عن طريقه وبصر به المأمون فضرب كفل دابته وحاذاه، فوقف ثمامة، فقال له المأمون: ثمامة، قال: إي والله، قال: سكران أنت؟ قال: لا. قال: أفتعرفني؟ قال: إي والله،. قال: من أنا؟
قال: لا أدري، فضحك المأمون حتى انثنى عن دابته، قال: عليك لعائن الله، قال:
تترى يا أمير المؤمنين، فعاد في الضحك.
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بَكْرٍ [أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ] [٥] بْنِ ثَابِتٍ قَالَ:
أخبرنا الصميري قال: حدثنا/ أبو عبيد الله المرزباني قال: أخبرني الصولي قال: قال الجاحظ قال ثمامة: دخلت إلى صديق لي أعوده وتركت حماري على الباب فخرجت،
стр. 3421
وإذا فوقه صبي [١] ، فقال: حفظته لك، قلت: لو ذهب كان أعجب إلي قال: فاحسبه قد ذهب وهبه لي واربح شكري، فلم أدر ما أقول [له] [٢] .
قال المرزباني وأخبرني أبو بكر الجرجاني قال: حدثنا محمد بن يزيد المبرد، عن الحسن بن رجاء: أن الرشيد لما غضب على ثمامة دفعه إلى سلام [٣] الأبرش، وأمره أن يضيق عليه، ويدخله بيتا ويطبق عليه [٤] ويترك فيه ثقبا، ففعل دون ذلك، وكان يدس إليه [٥] الطعام، فجلس سلام عشية يقرأ في المصحف فقرأ: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ٧٧: ١٥ [٦] .
فقال له ثمامة: إنما هو للمكذّبين، وجعل يشرحه ويقول: المكذَّبون هم الرسل، والمكذِّبون هم الكفار، فقال: قد قيل لي إنك زنديق ولم أقبل، ثم ضيق عليه أشد الضيق! ثم رضي الرشيد عن ثمامة [٧] وجالسه. فقال: أخبروني من أسوأ الناس حالا؟
فقال كل واحد شيئا. قال ثمامة: فبلغ القول إلي، فقلت: عاقل [٨] يجري عليه حكم جاهل فتبينت الغضب في وجهه، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما أحسبني وقعت بحيث أردت؟ قال: لا والله فاشرح لي، فحدثته بحديث سلام، فجعل يضحك حتى استلقى، وقال: صدقت والله، لقد كنت أسوأ الناس حالا/ [٩] .
قال أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي [١٠] : قتل ثمامة بن أشرس النميري
стр. 3422
وهو زعيم المعتزلة [١] بين الصفا والمروة من أجل [بدعة ومن أجل] [٢] سعيه في دم أبي أحمد الخزاعي، قتله بنو خزاعة.
١٢٠٢- عبد الله بن داود الهمذاني
[٣] .
تحول من الكوفة فنزل الخربية بناحية البصرة، وكان ثقة ناسكا، سمع الأعمش وغيره.
أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر بن ثابت قال: حدثني أبو القاسم الأزهري قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن يحيى الدقاق قال: حدثنا إسماعيل الحطبي قال: سمعت أبا مسلم إبراهيم بن عبد الله يقول: كتبت الحديث وعبد الله بن داود حي، ولم أقصده لأني كنت في بيت عمتي ولها بنون أكبر مني، فلم أرهم، فسألت عنهم، فقالوا: قد مضوا إلى عبد الله بن داود، فأبطئوا ثم جاءوا يذمونه [٤] ، وقالوا:
طلبناه في منزله فلم نجده، وقالوا: هو في بسيتينة له بالقرب فقصدناه، فإذا هو فيها فسلمنا عليه وسألناه أن يحدثنا، فقال: متعت بكم أنا في شغل عن هذا هذه البسيتينة لي فيها معاش وتحتاج أن تسقى، وليس لي من يسقيها. فقلنا نحن ندير الدولاب ونسقيها قال: فافعلوا [٥] ، قال: فتسلحنا وأدرنا الدولاب حتى سقينا البستان، ثم قلنا له: حدثنا الآن، قال: متعت بكم، ليس لي نية في أن أحدثكم، وأنتم كان لكم نية تؤجرون عليها.
توفي الجرمي في شوال هذه السنة.
١٢٠٣- عبد الله بن سنان الهروي
[٦] .
نزيل البصرة، حدث عن ابن المبارك/ والفضيل، وسفيان بن عيينة.
стр. 3423
روى عنه: ابن المديني، وابن خيثمة، وأبو زرعة. وقال أبو داود: هو ثقة.
توفي في هذه السنة.
١٢٠٤- علي بن جبلة بن مسلم، أبو الحسن الشاعر، المعروف بالعكوك الضرير
[١] .
ولد سنة ستين ومائة، وذهب بصره في الجدري، وهو ابن سبع سنين، مدح المأمون وأبا دلف وندرت من شعره نوادر، وسارت عنه أمثال. روى عنه: الجاحظ.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن أيوب الكاتب قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عمران المرزباني قَالَ: حدثني علي بن هارون قال: أخبرني أبي قال: من مختار شعر علي بن جبلة:
لو أن لي صبرها أو عندها جزعي ... لكنت أعلم ما آتي وما أدع
لا أحمل اللوم فيها والغرام بها ... ما حمل الله نفسا فوق ما تسع
إذا دعى باسمها داع فأسمعني ... كادت له شعبة من مهجتي تقع [٢]
ولما مدح [٣] أبا دلف بقصيدته التي أولها:
زاد زور الغي عن صدره [٤] ... وارعوى واللهو من وطره
[وأبت إلا البكاء له ... ضاحكات الشيب في شعره
جبل عزت مناكبه ... آمنت عدنان في ثغره
إنما الدنيا أبو دلف ... بين ناديه ومحتضره
فإذا ولي أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
يا دواء الأرض إن فسدت ... وبديل اليسر من عسره
كل من في الأرض من عرب ... بين باديه إلى حضره
مستعين منه مكرمة ... يكتسيها يوم مفتخره [٥]]
стр. 3424
ولما أنشد هذه القصيدة أمر له [١] بمائة ألف درهم وبكى وقال: لم أقض حقه والله لو أعطيته مائة ألف دينار ما كنت قاضيه حقه.
قال علي بن جبلة: وكنت لا أدخل على أبي دلف إلا يلقاني ببر/ فلما أفرط انقطعت عنه حياء منه، فبعث إلي أخاه يقول: لم هجرتنا؟ فكتبت إليه:
هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة ... وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر
ولكنني لما أتيتك زائرا ... فأفرطت في بري عجزت عن الشكر
من الآن لا آتيك إلا مسلما ... أزورك في الشهرين يوما وفي الشهر
فإن زدتني برا تزايدت [٢] جفوة ... ولم تلقني طول الحياة إلى الحشر
فلما وصلت إليه كتب إلي:
ألا رب ضيف طارق قد بسطته ... وآنسته قبل الضيافة بالبشر
أتاني يرجيني فما حال دونه ... ودون القرى من نائلي عنده ستري
وجدت [٣] له فضلا علي بقصده ... إلي [٤] وبرا يستحق به شكري
فلم يعد أن أدنيته وابتدأته ... ببشر وإكرام وبر على بر [٥]
وزودته مالا قليلا بقاؤه ... وزودني مدحا يدوم على الدهر
ثم وجه الأبيات مع وصيف يحمل كيسا فيه ألف دينار.
ومدح حميد الطوسي فبالغ في مدحه [٦] ، فقيل له: ما بلغت في مدح أحد، ما بلغت في مدح حميد فقال: وكيف لا أفعل؟ وأدنى ما وصل إلي منه أني أهديت إليه قصيدة في يوم نيروز فسر بها وأمر أن يحمل إلي كلما أهدي له، فحمل إلي ما قيمته مائة ألف درهم.
стр. 3425
وقد روينا أن المأمون لما بلغه ما بلغ فيه [علي] [١] بن جبلة من مدح أبي دلف طلبه فجيء به، فقال له: فضلت أبا دلف/ على العرب كلها، وأدخلت في ذلك قريشا وآل رسول الله ﷺ وعترته، وأنا لا [٢] أستحل دمك بهذا بل بكفرك في شعرك حيث تقول:
أنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتنقل الدهر من حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحد ... إلا قضيت بأرزاق وآجال
ما يقدر على ذلك إلا الله سلوا لسانه من قفاه ففعل به ذلك.
والصحيح أنه هرب من المأمون فمات في تواريه بغداد في هذه السنة، ولم يقدر عليه.
١٢٠٥- علي بن إسحاق، أبو الحسن [٣] السلمي ثم الداركاني
[٤] :
وهي قرية بمرو ينزلها [٥] الحاج إذا خرجوا من مرو.
وكان من أصحاب ابن المبارك. وروى عنه أحمد بن حنبل. [وكان ثقة صدوقا.
توفي في هذه السنة.
١٢٠٦- محمد بن سابق، أبو جعفر. وقيل: أبو سعيد البزاز، مولى بني تميم
[٦] .
حدث عن مالك بن مغول وغيره. روى عنه: أحمد بن حنبل] [٧] وأبو خيثمة، وعباس الدوري في آخرين، وقد اختلفوا فيه.
أخبرنا القزاز قال: أخبرنا أبو بكر [٨] الخطيب قال: أخبرني الصيمري قال: حدثنا
стр. 3426
علي بن الحسن الداري قال: حدثنا محمد بن الحسين الزعفراني قال: حدثنا أحمد بن زهير قال: سئل يحيى بن معين، عن محمد بن سابق فقال: ضعيف [١] .
أخبرنا القزاز قال: أخبرنا الخطيب قال: حدثنا هبة الله [٢] بن الحسن بن منصور قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ القاسم قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ قال:
أخبرنا جدي قال: محمد بن سابق كان ثقة صدوقا [٣] .
قال المصنف: وعلى هذا الأكثرون في توثيقه.
توفي في هذه السنة. وقيل: في سنة أربع عشرة.
١٢٠٧- محمد بن يوسف، أبو عبد الله الفريابي .
روى عن سفيان، والأوزاعي، وزائدة. وسكن قيسارية.
وتوفي فِي ربيع الأول من هذه السنة.
روى السري بن معاذ أمير الري قال: كنت مع أبي وكان قائدا من قواد عبد الله بن طاهر وأنا غلام فوجه/ عبد الله بن طاهر إلى ناحية الشام فخرج أبي فكنت معه، وكان قريبا من شهر رمضان، فقال عبد الله بن طاهر: هاهنا أحد من العلماء نسأله عن الصيام والإفطار؟ فأنا على ظهر سفر، فقيل له: ها هنا بالقرب منك محمد بن يوسف الفريابي، صاحب سفيان الثوري، قال: فضرب بعسكره إلى باب داره. قال: وكان له حاجبان أحدهما عزير، والآخر ميكال، وكانا على مقدمته، فتقدما إلى الباب، فأومأ إليهما عبد الله بن طاهر أن يرفقا [٤] في قرع الباب، فقرعا ثم وقفا مليا، فخرجت جارية. تخدم الفريابي، فقالا لها: قولي للشيخ الأمير عبد الله بن طاهر بالباب، قال: فمضت، ثم أطالت، ثم جاءت [٥] فقالت: يقول لكم الشيخ ما حاجته؟ قال: فتذمرا فأومأ إليهما
стр. 3427
عبد الله بن طاهر أن اسكتا، فقال عبد الله بن طاهر: قولي للشيخ: إنا على [ظهر] [١] سفر، وقد أظلنا شهر رمضان، فما ترى في الصيام أو الإفطار؟ قال: فمضت، ثم رجعت بعد هوي فقالت: يقول لكم الشيخ إن كنتم على سفر في طاعة الله فأنتم مخيرون بين الصيام [٢] والإفطار، وإن كنتم على سفر في معصية الله فلا تجمعوا بين العصيان والإفطار، فلما انصرفا نظر عبد الله بن طاهر [٣] إلى عزير وميكال، فقال: هذا العز لا الذي نحن فيه.
стр. 3428
ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائتين
فمن الحوادث فيها: / خروج بلال الضبابي شاريا، فشخص المأمون إلى العلث، ثم رجع إلى بغداد، ووجه ابنه عباسا في جماعة من القواد، فيهم [١] هارون بن أبي خالد، فقتله هارون [٢] .
وفيها: خرج عبد الله بن طاهر [إلى] الدينور [٣] ، فبعث المأمون إليه إسحاق بن إبراهيم، ويحيى بن أكثم يخيرانه بين خراسان والجبال وأرمينية والجبال وأذربيجان [٤] ، ومحاربة بابك، فاختار خراسان، فشخص إليها [٥] .
وفيها: ولي علي بن هشام الجبل، وقم، وأصبهان، وأذربيجان، وعزل عكرمة بن طارق عن قضاء الشرقية [٦] .
وحج بالناس في هذه السنة إسحاق بن العباس بن محمد [٧] .
стр. 3429
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٢٠٨- إسحاق بن حسان أبو يعقوب [١] الشاعر المعروف بالخريمي
[٢] .
أصله من خراسان من أبناء السغد [٣] ، واتصل بخريم بن عامر المري فنسب إليه، وقيل: بل كان اتصاله بعثمان بن خريم وكان عثمان قائدا جليلا وسيدا شريفا فنسب [٤] إليه.
وأبو خريم الموصوف بالناعم، وأما يعقوب فشاعر محسن وكان يتدين.
قال أبو حاتم السجستاني: هو أشعر المولدين. روى عنه الحافظ.
حدثنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر [أحمد] [٥] بن علي قال أخبرني علي بن أيوب القمي قال: حدثنا محمد بن عمران الكاتب/ قال: أخبرنا الصولي قال:
أنشدني عون بن محمد لأبي يعقوب الخريمي:
باحت ببلواه جفونه ... وجرت بأدمعه عيونه [٦]
لما رأى شيئا علاه ... ولم يحن في الغد حينه
فعلا على فقد الشباب ... وفقد من يهوى أنينه
ما كان أنجح سعيه ... وشبابه فيه معينه
واللهو يحسن بالفتى ... ما لم يكن شيب يشيننه [٧]
١٢٠٩- الحسين بن محمد بن بهرام، أبو محمد التميمي، المؤدب، مروروذي؟ الأصل
[٨] .
كان ببغداد، وحدث عن جماعة، وروى عنه: أحمد بن حنبل، وعباس الدوري، والحربي وكان ثقة.
стр. 3430
توفي في هذه السنة. وقيل: في سنة ثلاث عشرة.
١٢١٠- محمد بن عبد الله بن قيس، أبو محرز الكناني .
[كان] [١] فاضلا، ولي قضاء إفريقية فامتنع، فأمر الأمير أن يحمل بضيعته حتى يقعد في الجامع لينظر بين الناس، فلما قعد، نظر بين الخصوم.
سمع مالك [بن أنس] [٢] .
وتوفي في هذه السنة.
١٢١١- محمد بن حميد الطوسي .
قتله بابك يوم السبت لخمس بقين من ربيع الأول، وقتل جماعة كانوا معه في عسكره.
стр. 3431
ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائتين
فمن الحوادث:
أن المأمون شخص من بغداد لغزو الروم في يوم السبت لثلاث بقين من المحرم، وكان ارتحاله من الشماسية إلى البردان يوم الخميس [بعد] [١] صلاة الظهر لست بقين/ من المحرم، واستخلف حين رحل عن بغداد عليها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وولاه مع ذلك السواد وحلوان وكور دجلة، فلما صار المأمون بتكريت قدم عليه محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب [كرم الله وجهه] [٢] من المدينة في صفر، فأجازه، وأمره [٣] أن يدخل بابنته أم الفضل، وكان زوجها منه، فأدخلت [٤] عليه في دار أحمد بن يوسف التي على شاطئ دجلة، فأقام بها، فلما جاءت أيام الحج خرج بأهله وعياله حتى أتى مكة، ثم أتى منزله بالمدينة، فأقام بها [٥] ثم سلك المأمون طريق الموصل، حتى صار إلى منبج، ثم إلى دابق [٦] ، ثم إلى أنطاكية، ثم إلى المصيصة، ثم خرج منها إلى طرسوس، ثم دخل إلى
стр. 3432
بلاد الروم، للنصف من جمادى الأولى، فافتتح حصنا فمن على أهله [١] ، ثم أقام على حصن فتحه عنوة، وأمر بهدمه، وذلك يوم الأحد لأربع بقين من جمادى الأولى ووجه أشناس إلى حصن، فأتاه برئيسه، ووجه عجيفا إلى صاحب حصن سنان، فسمع وأطاع [٢] .
وشخص المأمون إلى دمشق [٣] .
وولى علي بن هشام محاربة الخرمية، وندب عيسى بن يزيد الجلوذي في هذه السنة إلى محاربة الزط، وهم أول من سكن البطائح، والبطائح [٤] هي مغيص دجلة والفرات، وهما نهرا العراق، وكان الزط [٥] سبعة وعشرين ألفا ومائتين، منهم المقاتلة اثنا عشر ألفا/ فلما استوطنوا البطائح قطعوا الطريق ومنعوا المجتازين ما بين البصرة وواسط، فاستغاث الناس إلى المأمون، فندب إليهم عيسى بن يزيد، فجرت بينهم وبينه [٦] وقائع، ولم يظفر منهم بطائل، فاستظهروا عليه، وعادوا إلى ما كانوا عليه من الفساد، وقطع الطريق، فندب المأمون غيره، فلم يظفر منهم بشيء.
أخبرتنا شهدة بنت أحمد [٧] قالت: أخبرنا جعفر بن أحمد السراج قال: حدثنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري قال: حدثنا المعافى بن زكريا قال: حدثنا الحسين ابن القاسم الكوكبي [٨] قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن مالك النحوي قال: حدثنا يحيى بن أبي حماد، عن أبيه قال: وصفت للمأمون جارية بكل ما توصف به امرأة من الكمال والجمال، فبعث في شرائها، فأتي بها، فلما [٩] همّ ليلبس درعه [ذكرها و] [١٠]
стр. 3433
خطرت بباله، فأمر فأخرجت إليه، فلما نظر إليها أعجب بها وأعجبت به، فقالت: ما هذا؟ قال: أريد الخروج إلى بلاد الروم. قالت: قتلتني والله يا سيدي، وحدرت دموعها على خدها كنظام اللؤلؤ، وأنشدت [١] تقول:
سأدعو دعوة المضطر ربا ... يثيب على الدعاء ويستجيب
لعل الله أن يكفيك حربا ... ويجمعنا كما تهوى القلوب
فضمها المأمون إلى صدره، وأنشأ متمثلا يقول:
فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها ... وإذ هي تدري الدمع منها الأنامل/
صبيحة قالت في العتاب قتلتني ... وقتلي بما قالت هناك تحاول
ثم قال لخادمه: يا مسرور، احتفظ بها، وأكرم محلها، وأصلح لها كل ما تحتاج إليه من المقاصير والخدم والجواري إلى وقت رجوعي، فلولا قول الأخطل:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار
وخرج فلم يزل يتعاهدها، ويصلح لها ما أمر به، فاعتلت الجارية علة شديدة أشفق عليها منها، وورد نعي المأمون، فلما بلغها ذلك تنفست الصعداء وماتت [٢] .
وحج بالناس في هذه السنة عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بن محمد [٣] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٢١٢-[إسحاق بن عيسى بن نجيح، أبو يعقوب المعروف بابن الطباع
[٤] .
سمع مالك بن أنس، وشريك بن عبد الله وغيرهما. روى عنه: أحمد بن حنبل
стр. 3434
وكان صدوقا. وانتقل في آخر عمره إلى أدنه، فأقام بها حتى توفي في ربيع الأول من هذه السنة] [١] .
١٢١٣- سعيد بن أوس بن ثابت، أبو زيد الأنصاري
[٢] .
كان عالما بالنحو واللغة، وحدث عن شعبة، وأبي عمرو بن العلاء، روى عنه:
أبو عبيدة وغيره، وكان ثقة ثبتا من أهل البصرة، وقدم بغداد.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد بن علي البزاز [٣] قال: أخبرنا محمد [بن عمران بن موسى الكاتب قال: حدثني علي بن يحيى قال: حدثنا محمد بن عباس قال: حدثنا عمي الفضل بن محمد قال: حدثني أبو عثمان] [٤] المازني قال: كنا عند أبي زيد، فجاء الأصمعي فأكب على رأسه وجلس وقال: هذا عالمنا ومعلمنا منذ ثلاثين [٥] سنة [فبينا] [٦] نحن على ذلك [٧] إذ دخل خلف الأحمر، فأكب على رأسه وجلس وقال: هذا عالمنا ومعلمنا منذ/ عشر سنين [٨] .
أخبرنا عبد الرحمن [بن محمد] قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد [٩] بن يعقوب قال: حدثني محمد بن عبيد الله بن الفضل بن قفرجل [١٠] قال: حدثنا محمد بن يحيى النديم قال: حدثنا محمد بن يونس قال: حدثنا روح بن عبادة قال: كنا عند شعبة فضجر من الحديث، فرمى بطرفه، فرأى أبا زيد في أخريات الناس، فقال: يا أبا زيد:
стр. 3435
أستعجمت دار مي ما تكلمنا ... والدار لو كلمتنا ذات أخبار
إلي يا أبا زيد، فجعلا يتناشدان الأشعار. فقال بعض أصحاب الحديث لشعبة: يا أبا بسطام، نقطع إليك ظهور الإبل لنسمع منك حَدِيث رَسُول اللَّه ﷺ فتدعنا وتقبل على الأشعار؟ قال: فرأيت شعبة قد غضب غضبا شديدا، ثم قال: يا هؤلاء أنا أعلم بالأصلح لي أنا والله الّذي لا إله إلا هو أسلم مني في ذلك [١] .
[أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بَكْرِ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الواحد قال: أخبرنا محمد بن عمران الكاتب قال: حدثني محمد بن أحمد الجوهري قال: حَدَّثَنَا] [٢] العنزي قال: سمعت المازني يقول: سمعت أبا زيد النحوي يقول:
وقفت على قصاب وقد أخرج بطنين سمينين موفورين فعلقهما، فقلت: بكم البطنان؟
فقال: بمصفعان يا مضرطان فغطيت رأسي وفررت لئلا يسمع الناس فيضحكوا [٣] .
توفي أبو زيد في هذه السنة بالبصرة وله ثلاث وتسعون سنة، وقيل: سنة أربع عشرة.
١٢١٤- سهل بن محمود بن حليمة، أبو السري
[٤] .
حدث عن سفيان بن عيينة، روى عن عباس الدوري، وكان محدثا ثقة ناسكا.
وتوفي في هذه السنة.
١٢١٥- علي بن الحسن [٥] بن شقيق بن محمد بن دينار، أبو عبد الرحمن العبدي [المروزي]
[٦] .
قدم بغداد، وحدث بها عن إبراهيم بن طهمان/ وإبراهيم بن سعد، وحماد بن