ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائتين
فمن الحوادث:
أن المأمون شخص من بغداد لغزو الروم في يوم السبت لثلاث بقين من المحرم، وكان ارتحاله من الشماسية إلى البردان يوم الخميس [بعد] [١] صلاة الظهر لست بقين/ من المحرم، واستخلف حين رحل عن بغداد عليها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وولاه مع ذلك السواد وحلوان وكور دجلة، فلما صار المأمون بتكريت قدم عليه محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب [كرم الله وجهه] [٢] من المدينة في صفر، فأجازه، وأمره [٣] أن يدخل بابنته أم الفضل، وكان زوجها منه، فأدخلت [٤] عليه في دار أحمد بن يوسف التي على شاطئ دجلة، فأقام بها، فلما جاءت أيام الحج خرج بأهله وعياله حتى أتى مكة، ثم أتى منزله بالمدينة، فأقام بها [٥] ثم سلك المأمون طريق الموصل، حتى صار إلى منبج، ثم إلى دابق [٦] ، ثم إلى أنطاكية، ثم إلى المصيصة، ثم خرج منها إلى طرسوس، ثم دخل إلى
стр. 3432
بلاد الروم، للنصف من جمادى الأولى، فافتتح حصنا فمن على أهله [١] ، ثم أقام على حصن فتحه عنوة، وأمر بهدمه، وذلك يوم الأحد لأربع بقين من جمادى الأولى ووجه أشناس إلى حصن، فأتاه برئيسه، ووجه عجيفا إلى صاحب حصن سنان، فسمع وأطاع [٢] .
وشخص المأمون إلى دمشق [٣] .
وولى علي بن هشام محاربة الخرمية، وندب عيسى بن يزيد الجلوذي في هذه السنة إلى محاربة الزط، وهم أول من سكن البطائح، والبطائح [٤] هي مغيص دجلة والفرات، وهما نهرا العراق، وكان الزط [٥] سبعة وعشرين ألفا ومائتين، منهم المقاتلة اثنا عشر ألفا/ فلما استوطنوا البطائح قطعوا الطريق ومنعوا المجتازين ما بين البصرة وواسط، فاستغاث الناس إلى المأمون، فندب إليهم عيسى بن يزيد، فجرت بينهم وبينه [٦] وقائع، ولم يظفر منهم بطائل، فاستظهروا عليه، وعادوا إلى ما كانوا عليه من الفساد، وقطع الطريق، فندب المأمون غيره، فلم يظفر منهم بشيء.
أخبرتنا شهدة بنت أحمد [٧] قالت: أخبرنا جعفر بن أحمد السراج قال: حدثنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري قال: حدثنا المعافى بن زكريا قال: حدثنا الحسين ابن القاسم الكوكبي [٨] قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن مالك النحوي قال: حدثنا يحيى بن أبي حماد، عن أبيه قال: وصفت للمأمون جارية بكل ما توصف به امرأة من الكمال والجمال، فبعث في شرائها، فأتي بها، فلما [٩] همّ ليلبس درعه [ذكرها و] [١٠]
стр. 3433
خطرت بباله، فأمر فأخرجت إليه، فلما نظر إليها أعجب بها وأعجبت به، فقالت: ما هذا؟ قال: أريد الخروج إلى بلاد الروم. قالت: قتلتني والله يا سيدي، وحدرت دموعها على خدها كنظام اللؤلؤ، وأنشدت [١] تقول:
سأدعو دعوة المضطر ربا ... يثيب على الدعاء ويستجيب
لعل الله أن يكفيك حربا ... ويجمعنا كما تهوى القلوب
فضمها المأمون إلى صدره، وأنشأ متمثلا يقول:
فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها ... وإذ هي تدري الدمع منها الأنامل/
صبيحة قالت في العتاب قتلتني ... وقتلي بما قالت هناك تحاول
ثم قال لخادمه: يا مسرور، احتفظ بها، وأكرم محلها، وأصلح لها كل ما تحتاج إليه من المقاصير والخدم والجواري إلى وقت رجوعي، فلولا قول الأخطل:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار
وخرج فلم يزل يتعاهدها، ويصلح لها ما أمر به، فاعتلت الجارية علة شديدة أشفق عليها منها، وورد نعي المأمون، فلما بلغها ذلك تنفست الصعداء وماتت [٢] .
وحج بالناس في هذه السنة عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بن محمد [٣] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٢١٢-[إسحاق بن عيسى بن نجيح، أبو يعقوب المعروف بابن الطباع
[٤] .
سمع مالك بن أنس، وشريك بن عبد الله وغيرهما. روى عنه: أحمد بن حنبل
стр. 3434
وكان صدوقا. وانتقل في آخر عمره إلى أدنه، فأقام بها حتى توفي في ربيع الأول من هذه السنة] [١] .
١٢١٣- سعيد بن أوس بن ثابت، أبو زيد الأنصاري
[٢] .
كان عالما بالنحو واللغة، وحدث عن شعبة، وأبي عمرو بن العلاء، روى عنه:
أبو عبيدة وغيره، وكان ثقة ثبتا من أهل البصرة، وقدم بغداد.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد بن علي البزاز [٣] قال: أخبرنا محمد [بن عمران بن موسى الكاتب قال: حدثني علي بن يحيى قال: حدثنا محمد بن عباس قال: حدثنا عمي الفضل بن محمد قال: حدثني أبو عثمان] [٤] المازني قال: كنا عند أبي زيد، فجاء الأصمعي فأكب على رأسه وجلس وقال: هذا عالمنا ومعلمنا منذ ثلاثين [٥] سنة [فبينا] [٦] نحن على ذلك [٧] إذ دخل خلف الأحمر، فأكب على رأسه وجلس وقال: هذا عالمنا ومعلمنا منذ/ عشر سنين [٨] .
أخبرنا عبد الرحمن [بن محمد] قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد [٩] بن يعقوب قال: حدثني محمد بن عبيد الله بن الفضل بن قفرجل [١٠] قال: حدثنا محمد بن يحيى النديم قال: حدثنا محمد بن يونس قال: حدثنا روح بن عبادة قال: كنا عند شعبة فضجر من الحديث، فرمى بطرفه، فرأى أبا زيد في أخريات الناس، فقال: يا أبا زيد:
стр. 3435
أستعجمت دار مي ما تكلمنا ... والدار لو كلمتنا ذات أخبار
إلي يا أبا زيد، فجعلا يتناشدان الأشعار. فقال بعض أصحاب الحديث لشعبة: يا أبا بسطام، نقطع إليك ظهور الإبل لنسمع منك حَدِيث رَسُول اللَّه ﷺ فتدعنا وتقبل على الأشعار؟ قال: فرأيت شعبة قد غضب غضبا شديدا، ثم قال: يا هؤلاء أنا أعلم بالأصلح لي أنا والله الّذي لا إله إلا هو أسلم مني في ذلك [١] .
[أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بَكْرِ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الواحد قال: أخبرنا محمد بن عمران الكاتب قال: حدثني محمد بن أحمد الجوهري قال: حَدَّثَنَا] [٢] العنزي قال: سمعت المازني يقول: سمعت أبا زيد النحوي يقول:
وقفت على قصاب وقد أخرج بطنين سمينين موفورين فعلقهما، فقلت: بكم البطنان؟
فقال: بمصفعان يا مضرطان فغطيت رأسي وفررت لئلا يسمع الناس فيضحكوا [٣] .
توفي أبو زيد في هذه السنة بالبصرة وله ثلاث وتسعون سنة، وقيل: سنة أربع عشرة.
١٢١٤- سهل بن محمود بن حليمة، أبو السري
[٤] .
حدث عن سفيان بن عيينة، روى عن عباس الدوري، وكان محدثا ثقة ناسكا.
وتوفي في هذه السنة.
١٢١٥- علي بن الحسن [٥] بن شقيق بن محمد بن دينار، أبو عبد الرحمن العبدي [المروزي]
[٦] .
قدم بغداد، وحدث بها عن إبراهيم بن طهمان/ وإبراهيم بن سعد، وحماد بن
стр. 3436
زيد، وشريك، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، وكان يحفظ كتب ابن المبارك وشاركه في كثير من رجاله.
روى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى، وأبو خيثمة وكان جامعا.
وتوفي بمرو في هذه السنة.
١٢١٦- قبيصة بن عقبة، أبو عامر السوائي
[١] .
من بني عامر بن صعصعة، سمع الثوري، وحماد بن سلمة، روى عنه: أحمد [ابن حنبل] [٢] وغيره وكان رجلا صالحا ثقة كثير الحديث [حافظا] [٣] .
تكلموا في سماعه عن سفيان [الثوري] [٤] فقالوا: كان حينئذ صغيرا.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا [أبو] منصور محمد بن [٥] عيسى البزاز قال: أخبرنا صالح بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الحافظ قَالَ:
سمعت القاسم بن أبي صالح يقول سمعت جعفر بن حمرويه [٦] يقول: كنا على باب قبيصة ومعنا دلف أبو عبد العزيز ومعه الخدم، فصار إلى قبيصة، فدق عليه الباب، فأبطأ قبيصة بالخروج فعاوده الخدم، وقيل: ابن ملك [الجبل] [٧] على الباب وأنت لا تخرج إليه؟ قال: فخرج وفي طرف إزاره كسر من الخبز وقال: رجل قد رضي من الدنيا بهذا، فما يصنع بابن ملك الجبل، والله لا حدثته. فلم يحدثه [٨] .
توفي قبيصة في هذه السنة. وقيل: في سنة عشرين والأول أصح.
стр. 3437
١٢١٧- محمد بن عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك، أبو عبد الله الأنصاري
[١] .
ولد سنة ثماني عشرة ومائة. سمع أباه [٢] ، وسليمان التيمي، وحميدا الطويل، ومالك بن دينار، وغيرهم.
روى عنه: أبو الوليد الطيالسي، وقتيبة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم [٣] /، وكان ثقة، وقد جالس في الفقه سوار بن عبد الله، وعبد الله بن حسن العنبري، وعثمان البتي، وأبا يوسف، وزفر.
وولي قضاء البصرة [٤] أيام الرشيد، وقدم بغداد فولي بها القضاء والمظالم، وحدث بها [٥] ، ثم رجع إلى البصرة فمات بها في رجب هذه السنة وهو ابن سبع وتسعين سنة، وقيل [توفي] [٦] سنة أربع عشرة.
[أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا الأزهري قال: أخبرنا محمد بن العباس قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد الكندي قال: أخبرنا أبو موسى محمد بن المثنى قال: سمعت] [٧] محمد بن عبد الله الأنصاري يقول: كان يأتي علي قبل اليوم عشرة أيام لا أشرب فيها الماء واليوم أشرب كل يومين، فقيل له:
كنت تشرب اللبن؟ قال: اللبن مثل الماء، قيل له: فعسل؟ قال: لا [٨] .
[أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا أبو طاهر محمد بن أحمد بن علي الدقاق وأبو الحسن علي بن أحمد بن المؤدب قالا: حدثنا أحمد بْن إسحاق النهاوندي، حَدَّثَنَا الحسن بْن عبد الرحمن بن خلاد قال:
стр. 3438
حدثني عبد الله بن محمد بن أبان حدثنا القاسم بن نصر المخرمي] [١] . حدثنا سليمان بن داود] [١] قال: وجه المأمون إلى محمد بن عبد الله الأنصاري خمسين ألف درهم وأمره أن يقسمها بين الفقراء بالبصرة، وكان هلال بن مسلم يتكلم على أصحابه، قال الأنصاري: وكنت أنا أتكلم على أصحابي، فقال هلال: هي لي ولأصحابي، وقلت أنا: هي لي ولأصحابي. فاختلفنا. فقلت لهلال: كيف تتشهد؟ فقال هلال: أو مثلي يسال عن التشهد؟ فتشهد على حديث ابن مسعود، فقال الأنصاري من حدثك [بهذا] [٢] ومن أين ثبت عندك؟ فبقي هلال لم يجبه، فقال الأنصاري: تصلي كل يوم وليلة خمس صلوات وتردد فيها هذا الكلام وأنت لا تدري من رواه عن نبيك ﷺ ؟ قد باعد الله بينك وبين الفقه، فقسمها الأنصاري في أصحابه [٣] .
١٢١٨- مكي بن إبراهيم بن بشر بن فرقد، أبو السكن البرجمي الحنظلي التميمي
[٤] .
من أهل بلخ، سمع بهز بن حكيم، وابن جريج، ومالك بن أنس، روى عنه:
أحمد/ بن حنبل، والقواريري، [والبخاري] [٥] والحسن بن عرفة، وغيرهم. وكان ثقة ثبتا.
[أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال] : أخبرنا أحمد بن علي [بن ثابت] [٦] قال:
أخبرنا عبيد الله بن عمر الواعظ قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الله بن عمرو العرمكي قال: سمعت عبد الصمد بن الفضل يقول: سمعت مكي يقول حججت ستين حجة، وتزوجت ستين امرأة، وجاورت بالبيت عشر سنين، وكتبت عن سبعة عشر نفسا من التابعين، ولو علمت أن الناس يحتاجون إلى ما كتبت ما كتبت دون التابعين عن أحد [٧] .
стр. 3439
[أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بن محمد بن علي أبو الوليد، حدثنا محمد بن أحمد بن سليمان الحافظ، حدثنا أبو نصر أحمد بن نصر بن أشكاب قال: سمعت الحسن بن أحمد بن مالك الزعفراني يقول: سمعت عمر بن مدرك يقول] [١] : سمعت مكي بن إبراهيم يقول: قطعت البادية من بلخ إلى مكة حاجا خمسين مرة، ودفعت في كراء بيوت مكة ألف دينار ومائتي دينار ونيفا [٢] .
توفي مكي ببلخ في نصف شعبان من هذه السنة، وقد قارب المائة سنة.
١٢١٩- الوليد بن أبان الكرابيسي
[٣] .
أحد المتكلمين، وهو أستاذ حسين الكرابيسي.
أخبرنا عبد الرحمن [مُحَمَّد] الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا [أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ علي بن ثابت] [٤] الخطيب قال: أخبرنا أَبُو منصور مُحَمَّد بْن عيسى بْن عبد العزيز البزاز قَالَ:
حَدَّثَنَا صالح بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الحافظ قال: أخبرنا أحمد بن عبيد بن إبراهيم قال:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ قال: سمعت أحمد بن سنان يقول: كان الوليد الكرابيسي خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أن أحدا أعلم [٥] بالكلام مني؟
قالوا: لا، قال: فتتهموني؟ قالوا: لا، قال: أني أوصيكم، تقبلون؟ قالوا: نعم. قال:
عليكم بما عليه أصحاب الحديث، فإني رأيت الحق معهم، لست أعني الرؤساء ولكن هؤلاء الممزقين/ ألم تر أحدهم يأتي إلى الرئيس منهم فيخطئه ويهجيه [٦] .
قال أبو بكر بن الأشعث: كان أعرف الناس بالكلام بعد حفص القرد الكرابيسي وكان حسين الكرابيسي [قد] [٧] تعلم منه الكلام [٨] .
стр. 3440
ثم دخلت سنة ست عشرة ومائتين
فمن الحوادث فيها:
رجوع المأمون إلى أرض الروم، وفي سبب ذلك قولان:
أحدهما: أنه ورد عليه الخبر بقتل ملك الروم قوما من أهل طرسوس، والمصيصة زهاء ألف وستمائة، فرجع فدخل أرض الروم يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة [١] بقيت من جمادى الأولى، فأقام بها إلى نصف شعبان.
والثاني: أن توفيل بن ميخائيل كتب إليه، فبدأ بنفسه، فلم يقرأ الكتاب وخرج، فوافته رسل توفيل بأدنة، ووجّه خمسمائة رجل من أسرى المسلمين، فنزل المأمون في أرض الروم على حصن، فخرج على صلح، وصار إلى هرقلة، فخرج على صلح [٢] ، ووجه أخاه أبا إسحاق، ففتح ثلاثين حصنا ومطمورة، ووجه يحيى بن أكثم، فأغار وقتل وحرق، وأصاب سبيا، ثم ارتحل المأمون [إلى دمشق] [٣] .
وفي هذه السنة: خرج عبدوس الفهري/ فوثب بمن تبعه على عمال أبي إسحاق بن الرشيد، فقتل بعضهم، وذلك في شعبان، فشخص المأمون من دمشق يوم الأربعاء لأربع عشرة بقيت من ذي الحجة إلى مصر [٤] .
وفيها: كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلّوا،
стр. 3441
فكانوا إذا صلوا وكانوا إذا قضوا [١] المكتوبة قاموا قياما، فكبروا ثلاث تكبيرات، وبدءوا بذلك في مسجد [رسول الله ﷺ ] بالمدينة، والرصافة يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من رمضان [٢] .
وفيها: غضب المأمون على علي بن هشام، فوجه إليه عنبسة بن عجيف، وأحمد بن هشام وأمر بقبض أمواله، وسلاحه [٣] .
وفيها: هرب جعفر بن داود القمي إلى قم وخلع بها [٤] .
واختلفوا بمن حج بالناس في هذه السنة، فقيل سليمان بن عبد الله بن سليمان [ابن علي] [٥] بن عَبْد اللَّهِ بن عباس. وقيل: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس، وكان المأمون ولاه اليمن، وجعل إليه ولاية كل بلدة دخلها حتى يصل إلى اليمن [٦] ، فخرج من دمشق حتى قدم بغداد، فصلى بالناس ببغداد يوم الفطر وشخص منها يوم الاثنين لليلة خلت من ذي القعدة، فأقام الحج للناس [٧] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٢٢٠-/ إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أبو الحسن
[٨] .
كان من وجوه بني هاشم وأفاضلهم، وكان طوالا من الرجال يخضب بالحناء.
وتوفي ببغداد في هذه السنة.
стр. 3442
١٢٢١- الحسن بن سوار، أبو العلاء البغوي
[١] .
حدث عن الليث والمبارك بن فضالة، روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازي، وكان ثقة. توفي بخراسان.
١٢٢٢- الحسين بن إبراهيم بن الحر، أبو علي، يلقب: أشكاب
[٢] .
سمع حماد بن زيد وشريك بن عبد الله، روى عنه: عباس الدوري، وكان ثقة.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ [بْنِ ثَابِتٍ] [٣] قَالَ:
أَخْبَرَنِي الأزهري قال: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ معروف قال:
أخبرنا الحسين بن الفهم قال: حدثنا محمد بن سعد قال: الحسين بن إبراهيم بن الحر من أبناء أهل خراسان من أهل نسا، وكان أبوه فيمن خرج في دعوة آل العباس مع أسد [٤] بن عبد الرحمن الذي ظهر بنسا، وسود، وولي أسد أصبهان سنة خمس وأربعين ومائة، ونشأ الحسين ببغداد، وطلب الحديث، ولزم أبا يوسف القاضي، فاتصل بالوالي [٥] ، ثم قعد عنهم، فلم يدخل في شيء من القضاء ولا غيره، فلم يزل ببغداد، يؤتى في الحديث والفقه، إلى أن مات سنة ست عشرة ومائتين في خلافة المأمون، وهو ابن إحدى/ وسبعين سنة [٦] .
١٢٢٣- زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور وتكنى أم جعفر وأمة العزيز
[٧] .
ولدت في زمان المنصور، وكان يرقصها ويقول: أنت زبدة وأنت زبيدة، فغلب ذلك الاسم عليها، وهي زوجة هارون الرشيد، وأم الأمين وليس في بنات هاشم عباسية ولدت خليفة إلا هي، وكان الرشيد [قد] [٨] شكى إلى عبد الله بن مصعب الزبيري أن زبيدة لا تحمل منه، فقال: أغرها فإن إبراهيم الخليل [﵇] كانت عنده سارة
стр. 3443
فلم تحمل منه، فحملت هاجر، فغارت فحملت بإسحاق [﵇] فغارت زبيدة من مراجل، فحملت بالأمين [١] ، وكانت معروفة بالخير والأنفال على العلماء والفقراء، ولها آثار كثيرة في طريق مكة، والمدينة، والحرمين، وساقت الماء من أميال حتى غلغلته بين الحل والحرم، ووقفت أموالها على عمارة الحرمين.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي الوراق قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عمران قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن سليمان قال: حدثنا هارون بن سليمان قال: أخبرنا رجل من ثقيف يقال له:
محمد بن عبد الله قال: سمعت إسماعيل بن جعفر بن سليمان يقول: حجت أم جعفر فبلغ إنفاقها [٢] في ستين يوما: أربعة وخمسين ألف ألف [دينار] [٣] ورفع إليها وكيلها حساب النفقة/ فنهته [عن ذلك] [٤] ، وقالت له [٥] : ثواب الله بغير حساب.
وبلغنا أن وكيل أم جعفر حبس رجلا كان ينظر في ضياعها، فأخذ من ارتفاعها مالا يبلغ مائتي ألف درهم، فبعث المحبوس إلى صديقين له يسألهما سؤال الوكيل في أمره، فلقيهما الفيض بن أبي صالح، فقال: إلى أين؟ قالا: نمضي [٦] إلى كذا وكذا، فقال:
أتحتاجان أن أساعدكما، قالا: نعم، فمضى معهما وكتب الوكيل إلى أم جعفر يخبرها بالحال، فقالت [٧] : لا سبيل إلى إطلاقه حتى يؤدي ما عليه، فعزما على النهوض، فقال الفيض: كأننا إنما جئنا لنؤكد حبس [٨] الرجل [وأخذ الدواة] [٩] وكتب إلى وكيله بأداء المال، فكتب وكيل أم جعفر إليها بالحال، فوقعت على ظهر رقعته: نحن أولى بهذه المكرمة من الفيض، فاردد إليه حظه وسلم إليه الرجل.
стр. 3444
أخبرنا عبد الوهاب [١] بن المبارك قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال:
أخبرنا أبو الطيب الطبري قال: حدثنا المعافى بن زكريا قال: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن جعفر بْن موسى البرمكي وحدثني ميمون بن هارون قال: حدثني عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع، عن جده الفضل بن الربيع [٢] قال: خرج أمير المؤمنين الرشيد [٣] من عند زبيدة وقد تغدى عندها ونام وهو يضحك، فقلت: قد سرني سرور أمير المؤمنين، فقال: ما أضحك، إلا تعجبا من هذه المرأة، أكلت/ عندها ونمت، فسمعت رنة، فقلت: ما هذه، قالوا: ثلاثمائة ألف دينار وردت من مصر، فقالت: هبها لي يا ابن عم، فرفعتها إليها، فما برحت حتى عربدت، وقالت: أي خير رأيت منك.
توفيت أم جعفر ببغداد في جمادى الأولى من هذه السنة.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ [٤] الْقَزَّازِ قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: حدثني الحسين بن محمد الخلال قال: وجدت بخط أبي الفتح القواس حدثنا صدقة [٥] ابن هبيرة الموصلي قال: حدثنا محمد بن عبد الله الواسطي قال: قال عبد الله بن المبارك الزمن:
رأيت زبيدة في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقالت: غفر لي بأول معول ضرب في طريق مكة، قلت: فما هذه الصفرة في وجهك؟ قالت: دفن بين ظهرانينا رجل يقال له بشر المريسي زفرت جهنم [٦] عليه زفرة اقشعر لها جسدي فهذه الصفرة من تلك الزفرة.
١٢٢٤- عبد الصمد بن النعمان، أبو محمد البزاز النسائي
[٧] سكن بغداد، وحدث بها عن ابن أبي ذئب، وشعبة، وحمزة الزيات [٨] ، وروى عنه: عباس الدوري، وكان ثقة.
стр. 3445
توفي في هذه السنة.
١٢٢٥- محمد بن الحجاج، مولى العباس بن محمد الهاشمي، يكنى أبا عبد الله. وقيل: أبا جعفر، ويعرف بالمصفر
[١] .
روى عن شعبة/ والدراوَرْديّ، ترك أحمد حديثه، وقال يحيى: وقال يحيى: ليس بثقة، وقال أبو زرعة: يروي أباطيل عن شعبة والدراوَرْديّ.
قال المصنف: كان يتشيع.
ومات في هذه السنة.
١٢٢٦- مُحَمَّد بن عَبَّادُ بْنُ عَبَّادِ [٢] بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْن أبي صفرة الأزدي الْبَصْرِيّ، واسم أبي صفرة: ظالم بن سراق
[٣] .
كان محمد يتولى الصلاة والإمارة بالبصرة، وقدم بغداد، فحدث عن أبيه، عن صالح المري، وهشيم.
روى عنه: إبراهيم الحربي، والكديمي وأبو العيناء، وغيرهم.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ [الْقَزَّازِ] قَالَ: أخبرنا أبو بكر بن ثابت [الخطيب] [٤] قال: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن أبي جعفر القطيعي قَالَ: حدثنا محمد بن العباس الخزاز قال:
حدثنا أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: قَدِمَ عَلَيْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ فَذَهَبْنَا إِلَيْهِ فَسَمِعْنَا مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ بَصِيرًا بِالْحَدِيثِ، حَدَّثَنَا بِحَدِيثٍ. فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى بِهِرَّةٍ. وَغَلِطَ. إِنَّمَا الْتَزَقَتِ الْبَاءُ بِالْقَافِ [٥] .
أَخْبَرَنَا [عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ] الْقَزَّازِ قَالَ: أخبرنا [أحمد بن علي بن ثابت] [٦]
стр. 3446
الخطيب قال: أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عمران المرزباني قَالَ: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى المكي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن خلاد قال: قال المأمون لمحمد بن عباد أردت أن/ أوليك فمنعني إسرافك في المال. فقال محمد: منع الموجود سوء ظن بالمعبود، فقال له المأمون: لو شئت أبقيت على نفسك فإن الذي تنفقه بعيد الرجوع، فقال له: يا أمير المؤمنين، من له مولى غني لا يفتقر، فاستحسن المأمون ذلك منه، وقال للناس: من أراد أن يكرمني فليكرم ضيفي محمد بن عباد. فجاءت الأموال إليه من كل ناحية، فما برح وعنده منها درهم، وقال: إن الكريم لا تحنكه التجارب [١] .
أخبرنا عَبْد الرَّحْمَن قَالَ: أخبرنا أَحْمَد قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي المحتسب قال: حدثنا إسماعيل بن سعيد قال: حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال: حَدَّثَني أبي عن المغيرة بن محمد وغيره قال: قال المأمون لمحمد بن عباد: يا محمد بلغني أنه لا يقدم أحد البصرة إلا دخل دار ضيافتك قبل أن ينصرف من حاجاته، فكيف تسع هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، منع الموجود سوء ظن بالمعبود [فاستحسنه منه] [٢] وأوصل إليه المأمون ما مبلغه ستة آلاف ألف درهم [٣] .
ومات وعليه خمسون ألف دينار، وقال المأمون: يا محمد ما أكثر الطاعنين على آل المهلب، فقال: يا أمير المؤمنين، هم كما [٤] قال الشاعر:
إن الغرانيق تلقاها محسدة ... ولا ترى للئام الناس حسادا/
قال المغيرة: هذا الشعر من قصيدة مدح بها عمر بن لجأ يزيد بن المهلب، وأول القصيدة:
آل المهلب قوم إن نسبتهم ... كانوا الأكارم آباء وأجدادا
كم حاسد لهم بغيا لفضلهم ... وما دنا من مساعيهم ولا كادا [٥]
стр. 3447
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الحافظ قال:
أخبرنا علي بن محمد المعدل قَالَ: [١] أَخْبَرَنَا ابْن صفوان قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الله بن محمد بن أبي الدنيا قال: حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن قال: لما احتضر محمد بن عباد [بن المهلب] [٢] دخل عليه نفر من قومه كانوا يحسدونه، فلما خرجوا قال متمثلا:
تمنى رجال أن أموت فإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
فما عيش من يبغي خلافي بضائري ... وما موت من يمضي أمامي بمخلدي
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد [٣]
[أخبرنا القزاز [٣] ، أخبرنا أبو بكر الخطيب، أخبرني أحمد بن علي بن عبد الله الطبري قال: أخبرنا عبد الله بن محمد البزاز، حدثنا محمد بن يحيى النديم، حدثنا الغلابي قال] : [٤] قيل للعتبي: مات محمد بن عباد فقال:
نحن متنا بفقده/ وهو حي بمجده [٥] .
١٢٢٧- موسى بن داود، أبو عبد الله الضبي الحلفاني
[٦] .
كوفي الأصل، سكن بغداد، وحدث بها عن مالك، وشعبة، والثوري، والليث، روى عنه: أحمد بن حنبل وكان ثقة مأمونًا مصنفًا، وولي قضاء الثغور، فحُمد فيها.
وتوفي في هذه السنة بالمصيصة.
стр. 3448
خاتمة الناسخ آخر الجزء العاشر يتلوه في الجزء الّذي بعده:
ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائتين.
والحمد للَّه رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين.
وذلك في العشر الأخير من شهر رمضان المعظم قدره، سنة أربع وثمانمائة، أحسن الله تقضيتها بخير في عافية بمنه وكرمه، وغفر لمن استكتبه وكتبه ونظر فيه ودعا لهما وللمسلمين بالمغفرة والرحمة، وللمسلمين أجمعين آمين آمين آمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 3449
[المجلد الحادي عشر]
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله
ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائتين
[قتل المأمون علي بن هشام]
فمن الحوادث فيها:
ورود المَأمون إِلَى مصر [فِي المحرم] [١] ، فأتي بعبدوس الفهري فضرب عنقه وانصرف إِلَى الشام [٢] .
وفيها: قتل المَأمون علي بْن هشام، وأخاه حسينا بأدنة فِي جمَادى الأولى [٣] .
وَكَانَ السبب: أن المَأمون ولى علي بْن هشام كور الجبال، فرفع إليه قتله الرجال [٤] ، وأخذه الأموال، فوجه إليه عجيفا، فأراد أن يقتل عجيفا، ويلحق ببايك، فظفر به عجيف، فقدم به على المَأمون فقتله وأخاه، وبعث برأس علي بْن هشام إِلَى بغداد وخراسان، فطيف به، ثم ردّ إلى الشام والجزيرة فطيف به كورة كورة [٥] ، وقدم به دمشق فِي ذي الحجة، ثم ذهب به إِلَى مصر، ثم ألقي فِي البحر [٦] .
[دخول المأمون أرض الرّوم]
وفي هذه السنة: دخل المَأمون أرض [٧] الروم، فأناخ [٨] على لؤلؤة مائة
стр. 3450
يوم [١] ، ثم رحل عنها وخلف عَلَيْهَا عجيفا، فاختدعه أهلها، فأسروه، فمكث [٢] أسيرا فِي أيديهم ثمَانية أيام، ثم أخرجوه، وصار توفيل إِلَى لؤلؤة فأحاط بعجيف، فصرف المأمون الجنود إليه، فارتحل توفيل قبل موافاتهم [٣] ، وخرج أهل لؤلؤة إِلَى عجيف بأمَان [٤] .
وفيها: كتب توفيل إِلَى المأمون يسأله الصّلح [٥] .
٢/ ب
[حريق عظيم بالبصرة]
وفيها: وقع حريق عظيم/ بالبصرة.
فروى محمد بْن عمَار قَالَ: كنت فِي هَذَا الحريق، فإذا رجل قد جاء [٦] فَقَالَ:
أنا فلان بْن فلان تعرفوني، ولي فِي نهر كذا وكذا كذا وكذا [٧] جريبا وفي نهر كذا وكذا كذا وكذا جريبا [٨] ، وقد جعلت لمن يجيئني بابنتي عشرة أجربة من أي نهر شاء.
قال: فإذا رجل قد وثب فبل كساء، ثم ألقاه عَلَيْهِ، وغدا فِي النار، فَقَالَ الرجل: إنا للَّه، أمَا ابنتي [فقد] [٩] ذهبت وأحرقت هَذَا الرجل، إذ قيل: هُوَ ذاك، هُوَ ذاك، [وَهُوَ] [١٠] عَلَى الدرجة. فإذا [هُوَ] [١١] قد بل كساء فِي البيت، وأدخل بنت الرجل جوفه، ثم احتملها حَتَّى دخل النار، فقطعها وألقاها [١٢] ، فعمد الرجل فألقى عَلَيْهَا ثوبه وأحتملها، وغشي عَلَى [الرجل] الذي [كَانَ] [١٣] قد جاء بها. قال [١٤] : فجاء الأب وقد
стр. 3451
أفاق الرجل، فَقَالَ: اختر من أي نهر شئت. فقال: لا حاجة لي فيها، قَالَ: فلم يزل به وَهُوَ يأبى، إِلَى أن قَالَ: لو ذهبت للطمع [١] لاحترقت واحترقت ابنتك. ولم يقبل ذلك منه.
وحج بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي [٢] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٢٢٨- إبراهيم بْن تيم، أبو إسحاق مولى شرحبيل بْن حسنة .
كَانَ كاتبا فِي ديوان الخراج، ثم ولي خراج مصر، توفي في هذه السنة.
١٢٢٩- إبراهيم بْن الجراح بْن صبيح، مولى بني تميم .
وَهُوَ [٣] من أهل مروروذ، سكن الكوفة، وولي قضاء مصر، وعزل سنة [إحدى] [٤] عشرة ومَائتين. وروي عن يَحْيَى بن عقبة بْن العيزار أنه كَانَ يقول [٥] بخلق القرآن. / وتوفي بمصر في هذه السنة.
١٢٣٠- الخليل بْن أبي نافع المزني الموصلي
[٦] . نزل بغداد.
[أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: أخبرنا أبو الفرج محمد بن إدريس الموصلي- فِي كتابه إلي- قَالَ: حَدَّثَنَا أبو منصور المظفر بْن محمد الطوسي حَدَّثَنَا] أَبُو زكريا بْن يزيد بْن محمد [٧] بْن إياس الأزدي [٨] في الطبقة
стр. 3452
[الرابعة] [١] من علمَاء أهل الموصل، قَالَ: ومنهم الخليل بْن [أبي] نافع المزني [٢] ، كَانَ من العباد، وكتب الحديث، واختار الصمت والعزلة، وَكَانَ قد اتخذ لوحا يكتب فيه كل مَا يتكلم به، ويحصيه فِي [٣] آخر النهار فيجده بضع عشرة كلمة [٤] .
وتوفي ببغداد في هذه السنة.
١٢٣١- داود بْن مهران، أبو سليمَان الدباغ [٥] .
سمع عبد العزيز بْن أبي رواد، وسفيان بن عبد الله. روى عنه عباس الدوري.
وقال يعقوب بْن شيبة: كَانَ شيخا صدوقا ثقة. توفي فِي شوال هَذِهِ السنة.
١٢٣٢- سريج [٦] بْن النعمَان بْن مروان، أبو الحسن اللؤلؤي [٧] .
خراساني الأصل، بغدادي الدار. سمع حمَاد بْن سلمة [٨] ، وفليح [٩] بْن سليمَان. وصالحا المري، وسفيان بْن عيينة. وروى عنه أحمد بْن حنبل، وأبو خيثمة، والدوري، وأبو زرعة، وأبو حاتم. وَكَانَ ثقة، وَكَانَ منزله بعسكر المهدي.
وتوفي فِي يوم الأضحى من هَذِهِ السنة.
١٢٣٣- عمرو بْن مسعدة بْن سعيد بْن صول، أبو الفضل [١٠] .
كَانَ أحد كتاب المأمون، وَكَانَ لَهُ منزلان ببغداد، أحدهما بحضرة طاق
стр. 3453
الحراني- والحراني [١] هُوَ: إبراهيم بْن ذكوان- ومنزل آخر [٢] فوق الجسر، وَهُوَ المعروف بساباط/ عمرو بن مسعدة [٣] . ٣/ ب توفي بأذنة في هذه السنة، ورفع إِلَى المأمون أنه خلف ثمَانين ألف ألف درهم، فوقع: «هَذَا قليل لمن اتصل بنا وطالت خدمته لنا [٤] ، فبارك الله لولده فيه» .
ولعمرو بْن مسعدة حكايات ظريفة:
أنبأنا مُحَمَّد بْن عبد الباقي البزاز [٥] قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِي بْن المحسن التنوخي، عَنْ أَبِيهِ: أن عَمْرو بْن مسعدة قَالَ: كنت مَعَ المأمون عند قدومه من بلاد الروم، حَتَّى إذا نزل الرقة قال: يا عمرو، أوما ترى الرخجي قد احتوى عَلَى الأهوار، وجمع الأموال وطمع فيها، وكتبي تصل [٦] إِلَيْهِ فِي حملها، وَهُوَ يتعلل ويتربص بي الدوائر؟! فقلت: أنا أكفي أَمِير الْمُؤْمِنِينَ هَذَا، وأنقذ من يضطره إِلَى حمل مَا عَلَيْهِ.
فَقَالَ: مَا يقنعني هَذَا. قلت: فيأمر أَمِير الْمُؤْمِنِينَ بأمره. قَالَ: تخرج إليه بنفسك حَتَّى تصفده بالحديد وتحمله إِلَى بغداد، وتقبض عَلَى جميع مَا فِي يديه من أموالنا، وتنظر فِي العمل، وترتب فيه عمَالا.
فقلت: السمع والطاعة. فلمَا كَانَ من الغد، دخلت إليه فاستعجلني، فانحدرت فِي زلال أريد البصرة، واستكثرت من الثلج لشدة الحر، فلمَا صرت بين جرجرايا وجيل سمعت صائحا من الشاطئ يصيح: يَا ملاح، فرفعت سجف الزلال، فإذا شيخ كبير السن، حاسر، حافي القدمين، خلق القميص.
فقلت للغلام: / أجبه فأجابه، فَقَالَ: يَا غلام، أنا شيخ كبير السن، على هذه ٤/ أالصورة التي ترى، وقد أحرقتني الشمس وكادت تتلفني، وأريد جيل، فاحملوني معكم، فإن الله يأجركم. فشتمه الملاح وانتهره، فأدركتني عَلَيْهِ رقة [٧] ، فقلت للغلام: خذوه معنا. فحملناه، فتقدمت بدفع قميص ومنديل إليه [فغسل وجهه
стр. 3454
واستراح] [١] ، وحضر وقت الغداء. فقلت للغلام: هاته يأكل معنا. فجاء فأكل معنا أكل أديب، إلا أن [٢] الجوع قد بين عَلَيْهِ، فلمَا أكل قلت: يَا شيخ، أي شيء صناعتك؟ قَالَ: حائك، فتناومت عَلَيْهِ، ومددت رجلي. فَقَالَ: وأنت أعزك الله، أي شيء صناعتك؟ فأكبرت ذلك وقلت: أنا جنيت عَلَى نفسي، أتراه لا يرى زلالي وغلمَاني ونعمتي، وأن مثلي لا يقال لَهُ هَذَا، ثم قلت: ليس إلا الزهد بِهَذَا، فقلت:
كاتب. فَقَالَ [لي] [٣] أصلحك الله، إن الكتاب خمسة، فأيهم أنت؟ فسمعت كلمة أكبرتها، وكنت متكئا فجلست، ثم قلت: فصل [٤] الخمسة.
قَالَ [٥] : نعم، كاتب خراج: يحتاج أن يكون عالمَا بالشروط، والطسوق، والحساب، والمساحة [٦] ، [والبثوق] [٧] ، والفتوق، والرتوق.
وكاتب أحكام: يحتاج أن يكون عالمَا بالحلال والحرام، والاختلاف، والأصول، والفروع.
وكاتب معونة: يحتاج أن يكون عالمَا بالقصاص، والحدود، والجراحات.
٤/ ب وكاتب/ جيش: يحتاج أن يكون عالمَا بحلي الرجال، وسمات الدواب [٨] ، ومداراة [٩] الأولياء، وشيء من العلم بالنسب، والحساب.
وكاتب رسائل: يحتاج أن يكون عالمَا بالصدور والفصول، والإطالة، والإيجاز، وحسن الخط، والبلاغة.
قلت لَهُ: فإني كاتب رسائل. فَقَالَ: أصلحك الله، لو أن رجلا من إخوانك تزوجت أمه، وأردت [أن] [١٠] تكاتبه مهنئا لَهُ، كيف تكاتبه؟ ففكرت فِي الحال فلم يخطر ببالي شيء، فقلت: اعفني. فَقَالَ: قد فعلت [١١] . فقلت: ما أرى للتهنئة
стр. 3455
وجها، قَالَ: فتكتب [١] إليه تعزية. ففكرت، فلم يخطر ببالي [أيضا] [٢] شيء، فقلت: اعفني [٣] . قَالَ: قد فعلت، ولكن [لست] [٤] بكاتب رسائل. قلت: فأنا كاتب خراج. قَالَ: لو أن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ولاك ناحية، وأمرك فيها [٥] بالعدل واستيفاء حق السلطان، فتظلم بعضهم من مساحتك، وأحضرتهم للنظر بينهم وبين رعيتك، فحلف المساح باللَّه لقد أنصفوا، وحلفت الرعية باللَّه لقد ظلموا، فقالت الرعية: قف معنا عَلَى مسحه، فخرجت لتقف، فوقفوك عَلَى قراح [كذا وكذا- لشيء وصفه- كيف تكتب؟ قلت: لا أدري، قَالَ: فلست بكاتب خراج] [٦] فمَا زال يذكر فِي حق كل كاتب حاله، فلا أعلمها [٧] إِلَى أن قلت: فاشرح أنت [٨] . فشرح الكل، فقلت: يَا شيخ، أليس زعمت أنك حائك. فَقَالَ: أنا حائك كلام ولست بحائك [٩] نساجة، ثم أنشأ يقول: / ٥/ أ
مَا مر بي شر [١٠] ولا نعيم ... إلا ولي فيهمَا نصيب
قد ذقت حلوا وذقت مرا ... كذاك عيسى الفتى ضروب
نوائب الدهر أدبتني ... وإنمَا يوعظ الأديب
فقلت: فمَا الذي أرى بك [١١] من سوء الحال؟ فَقَالَ: أنا رجل دامت عطلتي، فخرجت أطلب البصرة [١٢] فقطع علي الطريق، فتركت كمَا ترى، [فمشيت عَلَى وجهي] [١٣] فلمَا رأيت الزلال [١٤] ، استغثت بك. قلت: فَإِنِّي قد خرجت إِلَى تصرف جليل أحتاج فيه إِلَى جمَاعة مثلك، وقد أمرت لك عاجلا بخلعة حسنة وخمسة آلاف درهم تصلح بِهَا من أمرك، وتنفذ منها إِلَى عيالك، وتصير معي إِلَى عملي فأوليك أجله. قَالَ: أحسن الله جزاك، إذا تجدني بحيث مَا يسرّك [١٥] ، فانحدر معي فجعلته
стр. 3456
المناظر للرخجي والمحاسب لَهُ، فقام بذلك أحسن قيام، فحسنت حاله معي، وعادت نعمته.
أنبأنا أبو بكر بْن عبد الباقي، عن أبي القاسم التنوخي، عن أبيه، عن أشياخ لَهُ: أن عمرو بن مسعدة كَانَ مصعدا من واسط إِلَى بغداد فِي حر شديد، وَهُوَ [١] فِي زلال، فناداه رجل: يَا صاحب الزلال بنعمة الله عليك ألا نظرت إلي فكشفت [٢] سجف الزلال فإذا شيخ ضعيف حاسر، فَقَالَ [٣] : قد ترى مَا أنا فيه، ولست أجد من ٥/ ب يحملني، / فابتغ [٤] الأجر فِي، وتقدم إِلَى ملاحيك يطرحوني بين مجاذيفهم إِلَى أن أبلغ بلدا يطرحوني فيه.
فَقَالَ عمرو بْن مسعدة: خذوه، فأخذوه، وقد كاد يموت من الشمس والمشي [٥] ، فَقَالَ لَهُ: يَا شيخ، مَا قضيتك، [٦] ومَا قصتك؟
قَالَ: قصة [٧] طويلة. وبكى، قَالَ: فسكنته ثم قلت: حدثني.
فَقَالَ [٨] : أنا رجل كانت للَّه [ ] [٩] علي نعمة، وكنت صيرفيا، فابتعت جارية بخمسمَائة دينار، فشغفت بِهَا، وكنت [١٠] لا أقدر أفارقها ساعة [١١] ، فإذا خرجت إِلَى الدكان أخذني الهيمَان حَتَّى أعود إليها [١٢] ، فدام ذلك علي حَتَّى تعطل كسبي، وأنفقت من رأس المَال، حَتَّى لم يبق منه قليل ولا كثير، وحملت الجارية، فأقبلت أنقض داري وأبيع [١٣] الأنقاض، حَتَّى فرغت من ذلك، ولم يبق لي حيلة، فأخذها الطلق، فقالت: يَا هَذَا، أموت فاحتل لي [١٤] بمَا تبتاع به عسلا ودقيقا وسرجا [١٥] وإلا مت. فبكيت وجزعت [١٦] ، وخرجت عَلَى وجهي، وجئت لأغرق نفسي فِي دجله، فخفت العقاب، فخرجت عَلَى وجهي إِلَى النهروان، ومَا زلت أمشي من قرية إِلَى
стр. 3457
قرية، حَتَّى بلغت خراسان، فصادفت من عرفني وتصرفت [١] فِي صناعتي، ورزقني الله مَالا عظيمَا، وكتبت [٢] ستة وستين كتابا [٣] لأعرف خبر منزلي فلم يعد لي [٤] جواب، فلم أشك أن/ الجارية مَاتت، وتراخت السنون، حَتَّى حصل معي ما قيمته ٦/ أعشرون ألف دينار، فقلت: قد صارت لي نعمة، فلو رجعت إِلَى وطني، فابتعت بالمَال كله متاعا من خراسان، وأقبلت أريد العراق، فخرج عَلَى القافلة اللصوص فأخذوا [٥] مَا فيها ونجوت [٦] بثيابي، وعدت فقيرا كمَا خرجت من بغداد، فدخلت الأهواز متحيرا، فكشفت خبري لبعض أهلها، فأعطاني مَا كملت [٧] به إِلَى واسط، وفقدت نفقتي، فمشيت إِلَى هَذَا الموضع، وقد كدت أتلف، فاستغثت بك، ولي مذ فارقت بغداد ثمَان وعشرون سنة.
قَالَ: فعجبت من محبته، ورققت لَهُ، وقلت: إذا صرنا إِلَى بغداد فصر إلي، فإني [٨] أتقدم بتصريفك فيمَا يصلح لمثلك، فدعى لي ودخلنا [إِلَى] [٩] بغداد، ومضت مدة فنسيته فيها، فبينا أنا يومَا قد ركبت أريد دار المأمون، إذا أنا بالشيخ عَلَى بابي [١٠] راكبا بغلا فارها بمركب ثقيل، وغلام أسود بين يديه، وثياب رفيعة فرحبت به [١١] ، فقلت: مَا الخبر؟ قَالَ: طويل. قلت: عد إلي. فلمَا كَانَ من الغد جاءني.
فقلت: عرفني خبرك، فقد سررت بحسن حالك.
فَقَالَ: إني لمَا صعدت [١٢] من زلالك قصدت داري، فوجدت/ حائطها الّذي ٦/ ب عَلَى الطريق كمَا خلفته، غَيْر أن باب الدار مجلو نظيف، وعليه بواب وبغال مَعَ شاكرية، فقلت: إنا للَّه مَاتت جاريتي، وتملك الدار بعض الجيران، فباعها عَلَى رجل من أصحاب السلطان، ثم تقدمت إِلَى بقال كنت أعرفه فِي المحلة [١٣] ، فإذا فِي دكانه غلام حدث، فقلت: من تكون من فلان البقال؟ قَالَ: ابنه. قلت: ومتى مَات أبوك؟ قَالَ: مذ
стр. 3458
عشرين سنة. قلت: لمن هَذِهِ الدار؟ قَالَ: لابن داية أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ الآن جهبذه وصاحب بيت مَاله. قلت: بمن يعرف؟ قَالَ: بابن فلان الصيرفي. فأسمَاني قلت: هَذِهِ الدار من باعها عَلَيْهِ؟ قَالَ: هَذِهِ دار أبيه. قلت: فهل يعيش أبوه؟ قَالَ: لا. قلت:
أفتعرف من حديثهم شيئا؟ قَالَ: نعم، حَدَّثَنِي أبي أن هَذَا الرجل كَانَ صيرفيا جليلا فافتقر، وأن أم هَذَا الصبي ضربها الطلق [١] ، فخرج أبوه يطلب لها شيئا، ففقد وهلك قَالَ لي أبي: فجاءني رسول أم هَذَا تستغيث بي، فقمت لها [٢] بحوائج الولادة، ودفعت إليها عشرة دراهم فأنفقتها، حَتَّى قيل: [قد] [٣] ولد لأمير الْمُؤْمِنِين [الرشيد] [٤] مولود ذكر، وقد عرض عَلَيْهِ [جميع] [٥] الدايات فلم يقبل لثدي أحد منهن [٦] ، وقد طلب له ٧/ أالحرائر فجاءوا بغير واحدة، فمَا أخذ ثدي واحدة [٧] منهن/، وهم فِي طلب مرضع، فأرشدت الَّذِي طلب الداية إِلَى أم هَذَا، فحملت إِلَى دار أم أَمِير الْمُؤْمِنِينَ [٨] الرشيد، فحين وضع فم الصبي عَلَى ثديها قبله فأرضعته، وَكَانَ الصبي المأمون، وصارت عندهم فِي حالة جليلة، ووصل إليها منهم خير عظيم، ثم خرج المأمون إِلَى خراسان، فخرجت هَذِهِ المرأة وابنها هَذَا معه، ولم نعرف من أخبارهم شيئا إلا من قريب، لمَا عاد المأمون وعادت حاشيته، رأينا هَذَا قد جاء رجلا وأنا لم أكن رأيت هَذَا قط قبل هَذَا، فقيل [٩] : هَذَا ابْن فلان الصيرفي وابن داية أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، فبنى هَذِهِ الدار وسواها، قلت: أفعندك علم من أمه؟ أحية هي أم ميتة؟ قَالَ: حية تمضي إِلَى دار الخليفة أيامَا وتكون عند ابنها أيامَا [وهي الآن ها هنا] [١٠] . فحمدت الله عَلَى هَذِهِ الحالة، وجئت فدخلت الدار مَعَ الناس، فرأيت الصحن فِي نهاية العمَارة والحسن، وفيه مجلس كبير مفروش [بفرش فاخر] [١١] ، وفي صدره شاب وبين يديه كتاب وجهابذة وحساب، وَفِي صفاف الدار جهابذة بين أيديهم الأموال والتخوت والشواهين يقضون ويقبضون وبصرت بالفتى فرأيت شبهي فيه، فعلمت أنه ابني، فجلست في غمار الناس إلى أن لم
стр. 3459
يبق فِي المجلس غيري، فأقبل علي فَقَالَ: يَا شيخ، هل من حاجة تقولها؟ قلت: نعم ولكنها [١] أمر لا يجوز [أن] [٢] يسمعه غيرك. فأومَا إِلَى غلمَان كانوا قيامَا حوله فانصرفوا، / وقال: قل قلت: أنا أبوك. فلمَا سمع ذلك تغير وجهه ولم يكلمني بحرف، ٧/ ب ووثب مسرعا وتركني فِي مكاني، فلم أشعر إِلَّا بخادم قد جاءني فَقَالَ لي: قم يَا سيدي، فقمت أمشي معه إِلَى أن [٣] بلغنا إِلَى ستارة منصوبة فِي دار لطيفة وكرسي بين يديها والفتى جالس خلف [٤] الستارة عَلَى كرسي آخر، فَقَالَ: أجلس [٥] أيها الشيخ.
فجلست [٦] عَلَى الكرسي، ودخل الخادم، فإذا بحركة خلف الستارة، فقلت: أظنك تريد تختبر [٧] صدق قولي من جهة فلانة. وذكرت اسم جاريتي أمه، فإذا بالستارة قد هتكت والجارية قد خرجت إلي فجعلت تقبلني وتبكي وتقول: مولاي والله. قَالَ:
فرأيت الصبي قد تسور وبهت وتحير، فقلت للجارية: ويحك مَا خبرك؟ قالت: دع خبري، ففي مشاهدتك [٨] لمَا تفضل الله به كفاية إِلَى أن أخبرك، وقل لي [٩] مَا كَانَ من خبرك أنت؟ قَالَ: فقصصت عليها خبري من يوم خروجي إِلَى يوم [١٠] ذلك، وقصة مَا كَانَ قصه علي ابْن البقال وأشرح [كل] [١١] ذلك بحضرة من الفتى ومسمع [١٢] منه، فلمَا استوفى الكلام [١٣] خرج وتركني فِي مكاني، فإذا بالخادم، فَقَالَ: تعال يَا مولاي [١٤] يسألك ولدك أن تخرج إليه. قَالَ: فخرجت، فلمَا رآني من بعد [١٥] قام قائمَا عَلَى رجليه [١٦] ، وقَالَ: المعذرة إِلَى الله وإليك يَا أبت من تقصيري فِي حقك، فإنه فاجأني [١٧] مَا لم أكن [١٨] أظن مثله يكون، والآن [١٩] فهذه النعمة لك، وأنا [ولدك] [٢٠] / وأَمِير الْمُؤْمِنِينَ يجهد بي [٢١] منذ دهر طويل أن أدع الجهبذة، وأتوفر عَلَى ٨/ أ
стр. 3460
خدمته، فلم [١] أفعل طلبا للتمسك بصناعتي، والآن فأنا أسأله أن يرد إليك [٢] عملي وأخدمه أنا فِي غيره [٣] ، قم عاجلا فأصلح أمرك فأدخلت [إِلَى] [٤] الحمَام وتنظفت وجاءني بخلعة فلبستها، وخرجت إِلَى حجرة والديه فجلست فيها، ثم أنه أدخلني عَلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ وحدثه حديثي، فأمر لَهُ بخلعة [٥] فهي هَذِهِ، ورد إلي العمل الذي كَانَ إِلَى ابني، وأجرى لي من الرزق [٦] كذا وكذا، وقلدني أعمَالا هي أجل من عمله، فجئتك [٧] أشكرك عَلَى مَا عاملتني به من الجميل، وأعرفك تجدد النعمة.
قَالَ عمرو: فلمَا أسمي لي الفتى عرفته، وعلمت أنه ابن داية أمير المؤمنين.
стр. 3461
ثُمّ دخلت سنة ثمَان عشرة ومَائتين
فمن الحوادث فيها:
[أمر المأمون بتفريغ الرّافقة]
أن المأمون أمر بتفريغ الرافقة لينزلها حشمه، فضج من ذلك أهلها، فأعفاهم.
والرافقة: رقة الشام [١] .
وفيها:
[توجيه المأمون ابنه العباس إلى أرض الرّوم]
وجه المأمون ابنه العباس إِلَى أرض الروم فِي أول يوم من جمَادى، وأمره بنزول الطوانة [٢] ، وبنائها، وَكَانَ قد وجه الفعلة فابتدأ فِي بنائها [٣] وفرضها [٤] ميلا فِي ميل، وجعل لها أربعة أبواب، وبنى عَلَى كل/ باب حصنا [٥] . ٨/ ب
وفي هذه السنة:
[كتابة إلى إسحاق بن إبراهيم بامتحان القضاة]
كتب المأمون إِلَى إِسْحَاق بْن إبراهيم فِي امتحان القضاة، وأمر بإشخاص جماعة منهم إليه بالرقة، وَكَانَ هَذَا أول كتاب كتب فِي ذلك، ونسخة كتابه إليه [٦] :
أمَا بعد فإن حق الله عَلَى أئمة المسلمين وخلفائهم الاجتهاد فِي إقامة دين الله الذي استحفظهم عَلَيْهِ [٧] ، ومواريث النبوة التي ورثهم [٨] ، وأثر العلم الّذي استودعهم،
стр. 3462
والعمل بالحق فِي رعيتهم والتشمير لطاعة الله فيهم، والله يسأل أمير المؤمنين أن يوفقه لعزيمة الرشد وصريمته، والإقساط فيمَا ولاه الله من رعيته برحمته ومنته، وقد عرف أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أن السواد [١] الأعظم من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر لَهُ ولا روية ولا استدلال لَهُ بدلالة الله وهدايته ولا استضاء [٢] بنور العلم وبرهانه فِي جميع الأقطار والآفاق، أهل جهالة باللَّه، وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإيمَان بِهِ، ونكوب عن واضحات أعلامه، وواجب سبيله، وقصور أن يقدروا الله حق قدره، ويعرفونه كنه معرفته [٣] ، ويفرقوا بينه وبين خلقه، لضعف آرائهم، ونقص عقولهم ٩/ أوجفائهم عن التفكير والتذكير [٤] ، وذلك [٥] أنهم ساووا [٦] بين الله/ وبين مَا أنزل من القرآن، فاطبقوا مجتمعين، واتفقوا غير متعاجمين، عَلَى أنه قديم أول لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه، وقد قَالَ تعالى [٧] فِي محكم كتابه: الذي جعله لمَا فِي الصدور شفاء، وللمؤمنين رحمة وهدى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ٤٣: ٣ [٨] فكل مَا [٩] جعله الله فقد خلقه.
وقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ٦: ١ [١٠] .
وقال : كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ ٢٠: ٩٩ [١١] فأخبر أنه قصص لأمور تلا به متقدّمها.
وقال: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ من لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ١١: ١ [١٢] وكل محكم [١٣] مفصّل فله محكم ومفصّل [١٤] ، والله محكم كتابه ومفصّله فهو خالقه ومبتدعه.
стр. 3463
ثم هم [١] الذين جادلوا بالباطل [ليدحضوا به الحق] [٢] فدعوا إِلَى قولهم ونسبوا أنفسهم إِلَى السنة فِي كل فصل من كتاب الله قصص من تلاوته، ومبطل قولهم، ومكذب دعواهم، ثم أظهروا مَعَ ذلك أنهم أهل الحق والدين والجمَاعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر والفرقة، فاستطالوا بذلك وغروا [٣] الجهال حَتَّى مَال [٤] قوم من أهل السمت الكاذب [٥] ، والتخشع لغير الله، والتعسف [٦] لغير الدين إِلَى موافقتهم عَلَيْهِ، ومواطأتهم عَلَى آرائهم تزيّنا بذلك عندهم وتصنعا للرئاسة والعدالة فيهم، فتركوا الحق إِلَى الباطل [٧] ، واتخذوا دين الله وليجة [٨] إِلَى ضلالتهم. وقد أخذ [الله] [٩] عليهم فِي الكتاب [١٠] ألا يقولوا عَلَى الله إلا الحق أولئك الذين أصمهم الله وأعمى أبصارهم أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ٤٧: ٢٤ [١١] . ٩/ ب فرأى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أن أولئك شر الأمة، ورءوس الضلالة، المنقوصون من التوحيد حظا، والمبخوسون [١٢] من الإيمَان نصيبا، وأوعية الجهالة [١٣] ، وأعلام الكذب، ولسان إبليس الناطق فِي أوليائه.
فاجمع من بحضرتك من القضاة، واقرأ عليهم كتاب أَمِير الْمُؤْمِنِينَ هَذَا إليك، وابدأ بامتحانهم فيمَا يقولون، واكشفهم [١٤] عمَا يعتقدون فِي خلق الله وإحداثه، وأعلمهم أن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ غير مستعين فِي عمله، ولا واثق فيمَا قلده الله، واستحفظه من أمور رعيته بمن لا يوثق بدينه، وخلوص توحيده [١٥] ويقينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ [فيه] [١٦] ، وكانوا عَلَى سبيل الهدى، فمرهم بمساءلة من يحضرهم من الشهود عن علمهم في القرآن، وترك إثبات شهادة من لم يقر أنه مخلوق محدث والامتناع من توقيعها عنده، واكتب لأمير [١٧] الْمُؤْمِنِين بمَا يأتيك من قضاة عملك فِي مسألتهم، والأمر
стр. 3464
لهم بمثل ذلك، ثم تفقد أحوالهم حَتَّى لا تنفذ أحكام الله إلا بشهادة أهل البصائر فِي الدّين والإخلاص فِي التوحيد [١] ، واكتب إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ بمَا يكون منك فِي ذلك إن شاء الله.
وكتب فِي شهر [٢] ربيع الأول سنة ثمَان عشرة ومَائتين [٣] .
وكتب المأمون إِلَى إسحاق بْن إبراهيم فِي إشخاص سبعة نفر، منهم: محمد بْن سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم [٤] مستملي يزيد بْن هارون، ويحيى بن معين، ١/ أوزهير [٥] بْن حرب أبو خيثمة، وإسمَاعيل بْن داود [٦] ، وإسمَاعيل/ بْن مسعود [٧] ، وأحمد الدورقي، فاشخصوا إليه، فامتحنهم وسألهم [جميعًا] [٨] عن خلق القرآن، فأجابوا جميعا أن القرآن مخلوق، فأشخصهم إِلَى مدينة السلام، وأحضرهم إسحاق بْن إبراهيم داره فشهر أمرهم وقولهم [٩] بحضرة الفقهاء والمشايخ من أهل [١٠] الْحَدِيث، وأقروا بمثل مَا أجابوا به المأمون، فخلى سبيلهم، وذلك بأمر المأمون.
ثم كتب المأمون بعد ذلك لإسحاق بْن إبراهيم [١١] :
أمَا بعد، فإن حق الله عَلَى خلفائه فِي أرضه، وأمنائه عَلَى عباده، الذين ارتضاهم لإقامة دينه، وحملهم رعاية خلقه وإمضاء حكمه وسننه، الائتمَام بعدله [١٢] فِي بريته أن يجهدوا للَّه أنفسهم، وينصحوا لَهُ فيمَا استحفظهم وقلدهم، ويدلوا عَلَيْهِ- ﵎ بفضل العلم الذي أودعهم، والمعرفة التي جعلها فيهم [١٣] ، ويهدوا إليه من زاغ عنه، ويردوا من أدبر عن أمره، ومَا توفيق أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إلا باللَّه وحده وحسبه [١٤] الله، وكفى، وممَا تبينه [١٥] أَمِير الْمُؤْمِنِينَ برويّته، وطالعه بفكره، فتبين عظيم خطره، وجليل مَا
стр. 3465
يرجع فِي الدين من ضرره مَا ينال [١] المسلمين من القول فِي القرآن، فقد تزين فِي عقول أقوام أنه ليس بمخلوق، فضاهوا قول النصارى فِي عيسى إنه ليس/ بمخلوق ١٠/ ب والله تعالى يقول: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ٤٣: ٣ [٢] وتأويل ذلك: إنا خلقناه، كمَا قَالَ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها ٧: ١٨٩ [٣] .
وقال: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ٧٨: ١٠- ١١ [٤] وَجَعَلْنا من الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ٢١: ٣٠ [٥] .
وقال: في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٨٥: ٢٢ [٦] فدل عَلَى إحاطة اللوح بالقرآن، ولا يحاط إلا بمخلوق.
وقال: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ٢١: ٢ [٧] .
وقال: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا من خَلْفِهِ ٤١: ٤٢ [٨] فجعل لَهُ أولا وآخرا، فدل عَلَى أَنَّهُ محدود مخلوق.
وقد عظم هؤلاء الجهلة بقولهم فِي القرآن الثلم فِي دينهم، وسهلوا السبيل لعدو الْإِسْلَام، واعترفوا بالتبديل والإلحاد عَلَى أنفسهم [٩] ، حتى وصفوا خلق الله وأفعاله [١٠] بالصّفة التي هي للَّه وحده، وشبهوه [١١] به والاشتباه أولى بخلقه [١٢] ، وليس يرى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لمن قَالَ بهذه المقالة حظا فِي الدين، ولا نصيبا من الإيمَان [واليقين] [١٣] ولا يرى أن يحلّ أحدا منهم [١٤] محل الثقة فِي أمَانة، ولا عدالة ولا شهادة، ولا تولية لشيء من أمر [١٥] الرعية، وإن ظهر قصد بعضهم، وعرف بالسداد مسدد فيهم، فإن الفروع مردودة إِلَى أصولها، ومحمولة فِي الحمد والذم عَلَيْهَا، ومن كَانَ جاهلا بأمر دينه
стр. 3466
الَّذِي أمره الله به من وحدانيته فهو بمَا سواه أعظم [١] جهلا، وعن الرشد فِي غيره [٢] أعمى وأضل سبيلا [٣] .
فاقرأ عَلَى جعفر بْن عيسى وعَبْد الرَّحْمَنِ بْن إسحاق القاضي كتاب [٤] أمير المؤمنين [٥] ١١/ أإليك، وأنصصهمَا [٦] / عن علمهمَا فِي القرآن، وأعلمهمَا أن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لا يستعين عَلَى شيء من أمور المسلمين إلا بمن وثق بإخلاصه وتوحيده، وأنه لا توحيد لمن لا يقر بأن القرآن مخلوق فإن قالا بقول أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فِي ذلك، فتقدم إليهمَا فِي امتحان من يحضر [٧] مجالسهما بالشهادات عَلَى الحقوق، ونصهم عن قولهم فِي القرآن فمن لم يقل منهم إنه مخلوق أبطلا [٨] شهادته، ولم يقطعا حكمَا بقوله، وإن ثبت عفافه فِي أمره. وافعل [ذلك] [٩] بمن فِي سائر عملك من القضاة، وأشرف عليهم إشرافا يمنع المرتاب من إغفال دينه واكتب إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ بمَا يكون منك فِي ذلك إن شاء الله [١٠] .
فأحضر إسحاق بْن إبراهيم جمَاعة من الفقهاء والحكمَاء والمحدثين، وأحضر أبا حسان الزيادي وبشر بْن الوليد الكندي، وعلي بْن [أبي] [١١] مقاتل، والفضل بْن غانم، والذيال [١٢] بْن الهيثم، وسجادة، والقواريري، والإمَام [١٣] أحمد بْن حنبل، وقتيبة، وسعدويه الواسطي، وعلي بْن الجعد، وإسحاق بْن أبي إسرائيل، وابن علية، ويحيى بْن عَبْد الرَّحْمَنِ العمري، وأبا نصر التمار، وأبا معمر القطيعي، ومحمد بن
стр. 3467
حاتم بْن ميمون، ومحمد بْن نوح فِي آخرين، فأدخلوا جميعا عَلَى إسحاق، فقرأ عليهم كتاب أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مرتين حَتَّى فهموه، ثم قَالَ لبشر بْن الوليد: مَا تقول فِي القرآن؟ فقال أقول القرآن كلام الله. فَقَالَ: لم أسألك عن هَذَا، أمخلوق هُوَ؟ قَالَ: الله خالق كل شيء. قَالَ: القرآن شيء؟ قَالَ: هُوَ شيء. قَالَ: فمخلوق؟ قَالَ: ليس بخالق [١] . قَالَ: مَا أسألك [٢] عن هَذَا، أمخلوق هُوَ؟ قَالَ: مَا أحسن غير مَا قلت لك.
فأخذ إسحاق رقعة كانت بين يديه فقرأها عَلَيْهِ [٣] : / أشهد أن لا إله إلا الله، لم يكن قبله ١١/ ب شيء ولا بعده [٤] شيء، ولا يشبهه [شيء] [٥] من خلقه فِي معنى من المعاني، ولا وجه من الوجوه، فَقَالَ: نعم. فَقَالَ للكاتب اكتب مَا قَالَ.
ثم قَالَ لعلي بْن [أبي] [٦] مقاتل: مَا تقول يَا علي؟ فَقَالَ: قد أسمعت كلامي لأمير المؤمنين [٧] في هذا غير مرة، فامتحنه بالرقعة فأقر بمَا فيها، فَقَالَ لَهُ: القرآن مخلوق؟
فَقَالَ: القرآن كلام الله. قَالَ: لم أسألك عن هَذَا. قَالَ: هُوَ كلام الله [٨] وإن أمرنا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ بشيء سمعناه وأطعنا. فَقَالَ للكاتب: اكتب مقالته.
ثم قَالَ للذيال نحوا من مقالته لعلي [٩] بْن [أبي] مقاتل [١٠] ، فَقَالَ لَهُ مثل ذلك.
ثم قَالَ لأبي حسان الزيادي: مَا عندك؟ وقرأ عَلَيْهِ الرقعة، فأقر بمَا فيها، فَقَالَ لَهُ:
القرآن مخلوق؟ فَقَالَ لَهُ [١١] : القرآن كلام الله، والله خالق كل شيء، ومَا دون [١٢] الله
стр. 3468
مخلوق، وإن [١] أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إمَامنا، وقد سمع مَا لم نسمع، وإن أمرنا ائتمرنا، وإن دعانا أجبنا. فَقَالَ لَهُ: القرآن مخلوق [هُوَ] [٢] ؟ فأعاد أبو حسان [٣] مقالته، وقال: مرني آتمر [٤] . فَقَالَ: مَا أمرني أن آمركم، وإنمَا أمرني أن أمتحنكم.
ثم دعا أحمد بْن حنبل، فَقَالَ [لَهُ:] [٥] مَا تقول [فِي القرآن] [٦] ؟ قَالَ: القرآن كلام الله. قَالَ: مخلوق هُوَ؟ قَالَ: هُوَ كلام الله [لا أزيد] [٧] . فامتحنه بمَا فِي الرقعة، فلمَا أتى عَلَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ٤٢: ١١ قَالَ أحمد [٨] : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ٤٢: ١١ [٩] .
ثم امتحن الباقين، وكتب مقالتهم، وبعث [بِهَا] [١٠] إِلَى المأمون، فمكث القوم تسعة أيام [١١] ، ثم ورد كتاب المأمون فِي جواب الباقين، وكتبت مقالاتهم فِي جواب [١٢] مَا كتبه إسحاق، وَكَانَ في الكتاب [١٣] :
١٢/ أأما بعد، فقد بلغ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ/ جواب كتابه الذي كَانَ كتب إليك، فيمَا ذهب إليه متصنّعة أهل القبلة، وملتمسو الرئاسة فيمَا ليسوا لَهُ بأهل من القول فِي القرآن، ومسألتك إياهم [١٤] عن اعتقادهم، وأمرك [١٥] من لم يقل منهم إنه مخلوق بالإمساك عن
стр. 3469
التحديث [١] والفتوى، وبث الكتب إِلَى القضاة فِي نواحي عملك بالقدوم عليك لتمتحنهم:
فأمَا بشر بْن الوليد، فأنصصه عن قوله فِي القرآن، فإن تاب منها فأمسك عنه، وإن دفع عن أن يكون القرآن مخلوقا فاضرب عنقه، وابعث برأسه إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ.
وأمَا علي بْن أبي مقاتل، فقل لَهُ: ألست المكلم لأَمِير الْمُؤْمِنِينَ بمَا كلمته به من قولك له: أنت تحلل وتحرم.
وأما الذيّال، فأعلمه أنه كَانَ فِي الطعام الذي كَانَ يسرقه بالأنبار مَا يشغله عن [٢] [غيره] [٣] .
وأمَا أحمد بن زيد و [قوله] [٤] إنه لا يحسن الجواب فِي القرآن فسيحسنه إذا أخذه التأديب، فَإِن لم يفعل كَانَ السيف من وراء ذلك [٥] .
وأمَا أحمد بْن حنبل: فأعلمه أن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ قد عرف مقالته، واستدل عَلَى آفته.
وأمَا الفضل بْن غانم، فأعلمه أنه لم يخف عَلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ فيه بمصر، ومَا اكتسب من الأموال.
وأمَا الزيادي، فأعلمه أنه كَانَ منتحلا، ولا أول دعي فِي الإسلام خولف فيه حكم رسول الله ﵌، وَكَانَ جديرا أن يسلك مسلكه.
وأمَا أبو نصر التمَار، فإن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ شبه خساسة [٦] عقله بخساسة متجره [٧] .
وجعل يذكر لكل واحد منهم عيبا، وقال: من لم يرجع [٨] عن شركه ممن سميت لأَمِير الْمُؤْمِنِينَ وَلَم يقل القرآن مخلوق/ فاحملهم جميعا موثقين إِلَى عسكر أمير ١٢/ ب المؤمنين لينصّهم أمير المؤمنين [٩] ، فإن لم يرجعوا احملهم على السيف [١٠] .
стр. 3470
فأجاب القوم كلهم إلا أربعة: أحمد بْن حنبل، وسجادة، والقواريري، ومحمد بْن نوح، فأمر بهم إسحاق فشدوا فِي الحديد، فلمَا كَانَ من الغد دعاهم، فأعاد عليهم المحنة، فأجابه سجادة، فأمر بإطلاقه، وأصر الآخرون، فلمَا كَانَ بعد غد دعاهم فأجاب القواريري فأطلقه، وأمر أحمد بْن حنبل، ومحمد بْن نوح فشدا جميعا فِي الحديد، ووجها إِلَى طرسوس، وكتب معهمَا كتابا بإشخاصهمَا، فلمَا صارا إِلَى الرقة تلقتهم وفاة المأمون ، فردوا إِلَى إسحاق بْن إِبْرَاهِيم بمدينة السلام، فأمرهم إسحاق بلزوم منازلهم، ثم رخص لهم بعد ذلك فِي الخروج [١] .
وَكَانَ المأمون قد أمر ابنه العباس وإسحاق بْن طاهر أنه إن حدث به حدث الموت فِي مرضه فالخليفة من بعده أبو إسحاق بْن الرشيد، فكتب بذلك، فكتب [٢] أبو إسحاق فِي عشية إصابة المأمون إِلَى العمَال: من أبي إسحاق أخي أَمِير الْمُؤْمِنِينَ والخليفة بعد أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مُحَمَّد.
وصلى يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب إسحاق بْن يحيى بْن معاذ فِي مسجد دمشق فَقَالَ فِي خطبته بعد دعائه لأَمِير الْمُؤْمِنِينَ: وأصلح الأمير أخا أمير المؤمنين والخليفة من بعده أبا إسحاق الرشيد.
[وفاة المأمون]
وفي هذه السنة:
توفي المأمون وبويع للمعتصم [٣] .