الَّذِي أمره الله به من وحدانيته فهو بمَا سواه أعظم [١] جهلا، وعن الرشد فِي غيره [٢] أعمى وأضل سبيلا [٣] .
فاقرأ عَلَى جعفر بْن عيسى وعَبْد الرَّحْمَنِ بْن إسحاق القاضي كتاب [٤] أمير المؤمنين [٥] ١١/ أإليك، وأنصصهمَا [٦] / عن علمهمَا فِي القرآن، وأعلمهمَا أن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لا يستعين عَلَى شيء من أمور المسلمين إلا بمن وثق بإخلاصه وتوحيده، وأنه لا توحيد لمن لا يقر بأن القرآن مخلوق فإن قالا بقول أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فِي ذلك، فتقدم إليهمَا فِي امتحان من يحضر [٧] مجالسهما بالشهادات عَلَى الحقوق، ونصهم عن قولهم فِي القرآن فمن لم يقل منهم إنه مخلوق أبطلا [٨] شهادته، ولم يقطعا حكمَا بقوله، وإن ثبت عفافه فِي أمره. وافعل [ذلك] [٩] بمن فِي سائر عملك من القضاة، وأشرف عليهم إشرافا يمنع المرتاب من إغفال دينه واكتب إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ بمَا يكون منك فِي ذلك إن شاء الله [١٠] .
فأحضر إسحاق بْن إبراهيم جمَاعة من الفقهاء والحكمَاء والمحدثين، وأحضر أبا حسان الزيادي وبشر بْن الوليد الكندي، وعلي بْن [أبي] [١١] مقاتل، والفضل بْن غانم، والذيال [١٢] بْن الهيثم، وسجادة، والقواريري، والإمَام [١٣] أحمد بْن حنبل، وقتيبة، وسعدويه الواسطي، وعلي بْن الجعد، وإسحاق بْن أبي إسرائيل، وابن علية، ويحيى بْن عَبْد الرَّحْمَنِ العمري، وأبا نصر التمار، وأبا معمر القطيعي، ومحمد بن
стр. 3467
حاتم بْن ميمون، ومحمد بْن نوح فِي آخرين، فأدخلوا جميعا عَلَى إسحاق، فقرأ عليهم كتاب أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مرتين حَتَّى فهموه، ثم قَالَ لبشر بْن الوليد: مَا تقول فِي القرآن؟ فقال أقول القرآن كلام الله. فَقَالَ: لم أسألك عن هَذَا، أمخلوق هُوَ؟ قَالَ: الله خالق كل شيء. قَالَ: القرآن شيء؟ قَالَ: هُوَ شيء. قَالَ: فمخلوق؟ قَالَ: ليس بخالق [١] . قَالَ: مَا أسألك [٢] عن هَذَا، أمخلوق هُوَ؟ قَالَ: مَا أحسن غير مَا قلت لك.
فأخذ إسحاق رقعة كانت بين يديه فقرأها عَلَيْهِ [٣] : / أشهد أن لا إله إلا الله، لم يكن قبله ١١/ ب شيء ولا بعده [٤] شيء، ولا يشبهه [شيء] [٥] من خلقه فِي معنى من المعاني، ولا وجه من الوجوه، فَقَالَ: نعم. فَقَالَ للكاتب اكتب مَا قَالَ.
ثم قَالَ لعلي بْن [أبي] [٦] مقاتل: مَا تقول يَا علي؟ فَقَالَ: قد أسمعت كلامي لأمير المؤمنين [٧] في هذا غير مرة، فامتحنه بالرقعة فأقر بمَا فيها، فَقَالَ لَهُ: القرآن مخلوق؟
فَقَالَ: القرآن كلام الله. قَالَ: لم أسألك عن هَذَا. قَالَ: هُوَ كلام الله [٨] وإن أمرنا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ بشيء سمعناه وأطعنا. فَقَالَ للكاتب: اكتب مقالته.
ثم قَالَ للذيال نحوا من مقالته لعلي [٩] بْن [أبي] مقاتل [١٠] ، فَقَالَ لَهُ مثل ذلك.
ثم قَالَ لأبي حسان الزيادي: مَا عندك؟ وقرأ عَلَيْهِ الرقعة، فأقر بمَا فيها، فَقَالَ لَهُ:
القرآن مخلوق؟ فَقَالَ لَهُ [١١] : القرآن كلام الله، والله خالق كل شيء، ومَا دون [١٢] الله
стр. 3468
مخلوق، وإن [١] أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إمَامنا، وقد سمع مَا لم نسمع، وإن أمرنا ائتمرنا، وإن دعانا أجبنا. فَقَالَ لَهُ: القرآن مخلوق [هُوَ] [٢] ؟ فأعاد أبو حسان [٣] مقالته، وقال: مرني آتمر [٤] . فَقَالَ: مَا أمرني أن آمركم، وإنمَا أمرني أن أمتحنكم.
ثم دعا أحمد بْن حنبل، فَقَالَ [لَهُ:] [٥] مَا تقول [فِي القرآن] [٦] ؟ قَالَ: القرآن كلام الله. قَالَ: مخلوق هُوَ؟ قَالَ: هُوَ كلام الله [لا أزيد] [٧] . فامتحنه بمَا فِي الرقعة، فلمَا أتى عَلَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ٤٢: ١١ قَالَ أحمد [٨] : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ٤٢: ١١ [٩] .
ثم امتحن الباقين، وكتب مقالتهم، وبعث [بِهَا] [١٠] إِلَى المأمون، فمكث القوم تسعة أيام [١١] ، ثم ورد كتاب المأمون فِي جواب الباقين، وكتبت مقالاتهم فِي جواب [١٢] مَا كتبه إسحاق، وَكَانَ في الكتاب [١٣] :
١٢/ أأما بعد، فقد بلغ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ/ جواب كتابه الذي كَانَ كتب إليك، فيمَا ذهب إليه متصنّعة أهل القبلة، وملتمسو الرئاسة فيمَا ليسوا لَهُ بأهل من القول فِي القرآن، ومسألتك إياهم [١٤] عن اعتقادهم، وأمرك [١٥] من لم يقل منهم إنه مخلوق بالإمساك عن
стр. 3469
التحديث [١] والفتوى، وبث الكتب إِلَى القضاة فِي نواحي عملك بالقدوم عليك لتمتحنهم:
فأمَا بشر بْن الوليد، فأنصصه عن قوله فِي القرآن، فإن تاب منها فأمسك عنه، وإن دفع عن أن يكون القرآن مخلوقا فاضرب عنقه، وابعث برأسه إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ.
وأمَا علي بْن أبي مقاتل، فقل لَهُ: ألست المكلم لأَمِير الْمُؤْمِنِينَ بمَا كلمته به من قولك له: أنت تحلل وتحرم.
وأما الذيّال، فأعلمه أنه كَانَ فِي الطعام الذي كَانَ يسرقه بالأنبار مَا يشغله عن [٢] [غيره] [٣] .
وأمَا أحمد بن زيد و [قوله] [٤] إنه لا يحسن الجواب فِي القرآن فسيحسنه إذا أخذه التأديب، فَإِن لم يفعل كَانَ السيف من وراء ذلك [٥] .
وأمَا أحمد بْن حنبل: فأعلمه أن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ قد عرف مقالته، واستدل عَلَى آفته.
وأمَا الفضل بْن غانم، فأعلمه أنه لم يخف عَلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ فيه بمصر، ومَا اكتسب من الأموال.
وأمَا الزيادي، فأعلمه أنه كَانَ منتحلا، ولا أول دعي فِي الإسلام خولف فيه حكم رسول الله ﵌، وَكَانَ جديرا أن يسلك مسلكه.
وأمَا أبو نصر التمَار، فإن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ شبه خساسة [٦] عقله بخساسة متجره [٧] .
وجعل يذكر لكل واحد منهم عيبا، وقال: من لم يرجع [٨] عن شركه ممن سميت لأَمِير الْمُؤْمِنِينَ وَلَم يقل القرآن مخلوق/ فاحملهم جميعا موثقين إِلَى عسكر أمير ١٢/ ب المؤمنين لينصّهم أمير المؤمنين [٩] ، فإن لم يرجعوا احملهم على السيف [١٠] .
стр. 3470
فأجاب القوم كلهم إلا أربعة: أحمد بْن حنبل، وسجادة، والقواريري، ومحمد بْن نوح، فأمر بهم إسحاق فشدوا فِي الحديد، فلمَا كَانَ من الغد دعاهم، فأعاد عليهم المحنة، فأجابه سجادة، فأمر بإطلاقه، وأصر الآخرون، فلمَا كَانَ بعد غد دعاهم فأجاب القواريري فأطلقه، وأمر أحمد بْن حنبل، ومحمد بْن نوح فشدا جميعا فِي الحديد، ووجها إِلَى طرسوس، وكتب معهمَا كتابا بإشخاصهمَا، فلمَا صارا إِلَى الرقة تلقتهم وفاة المأمون ، فردوا إِلَى إسحاق بْن إِبْرَاهِيم بمدينة السلام، فأمرهم إسحاق بلزوم منازلهم، ثم رخص لهم بعد ذلك فِي الخروج [١] .
وَكَانَ المأمون قد أمر ابنه العباس وإسحاق بْن طاهر أنه إن حدث به حدث الموت فِي مرضه فالخليفة من بعده أبو إسحاق بْن الرشيد، فكتب بذلك، فكتب [٢] أبو إسحاق فِي عشية إصابة المأمون إِلَى العمَال: من أبي إسحاق أخي أَمِير الْمُؤْمِنِينَ والخليفة بعد أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مُحَمَّد.
وصلى يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب إسحاق بْن يحيى بْن معاذ فِي مسجد دمشق فَقَالَ فِي خطبته بعد دعائه لأَمِير الْمُؤْمِنِينَ: وأصلح الأمير أخا أمير المؤمنين والخليفة من بعده أبا إسحاق الرشيد.
[وفاة المأمون]
وفي هذه السنة:
توفي المأمون وبويع للمعتصم [٣] .
стр. 3471
باب خلافة المعتصم [١]
واسمه محمد بْن هارون الرشيد ويكنى أبا إسحاق، وأمه أم ولد/ من مولدات ١٣/ أالكوفة، تسمى مَاردة، لم تدرك خلافته، وكانت أحظى النساء عند الرشيد. وَكَانَ أبيض أصهب اللحية طويلها، مربوعا مشرب اللون، حسن العينين، وَهُوَ يسمى الثمَاني [٢] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ [٣] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا ابْن رزق، أَخْبَرَنَا عثمَان بْن أحمد الدقاق، أَخْبَرَنَا أحمد بْن البراء قَالَ:
المعتصم باللَّه، أبو إسحاق محمد بْن الرشيد، ولد بالخلد فِي [٤] سنة ثمَانين ومَائة، فِي الشهر الثامن، وَهُوَ ثامن الخلفاء، والثامن من ولد العباس، وفتح ثمَانية فتوح، وولد [لَهُ] [٥] ثمَانية بنين، وثمَاني بنات، ومَات بالخاقاني من سر من رأى، وَكَانَ عمره ثمَانيا وأربعين سنة، وخلافته ثمَاني سنين، وثمَانية أشهر [ويومين. وقال أبو بكر الصولي] [٦] : وثمانية أيام. وخلف من العين ثمَانية آلاف ألف دينار ومثلها ورقا، وتوفي لثمَان بقين من ربيع الأول [٧] ، وفتوحه المشهورة ثمانية [٨] .
стр. 3472
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ [الْقَزَّازِ قَالَ:] [١] ، أخبرنا أحمد بن علي قال:
أخبرني عبد الله بن أبي الفتح، أخبرنا أحمد بن إبراهيم، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ: وَكَانَ المعتصم ثامن الخلفاء من بني العباس، وثامن أمراء المؤمنين من بني عبد المطلب [٢] ، وملك ثمَاني سنين وثمَانية أشهر، وفتح ثمَانية فتوح: بلاد بابك عَلَى يد الأفشين [٣] ، وفتح عموريه بنفسه، والزط بعجيف، وبحر البصرة، وقلعة الأحراف، وأعراب ديار ربيعة، والشاري، وفتح مصر، وقُتِل ثمَانية أعداء: بابك، ومَازيار، [وباطس، ورئيس الزنادقة، والأفشين، وعجيفا، وقارن وقائد الرافضة.
وينبغي أن يكون ثامن بني عبد المطلب لأنه هُوَ: المعتصم بْن الرشيد بْن المهدي بْن المَنْصُور بْن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس بن عبد المطلب] . [٤] وحكى [أبو بكر] [٥] الصولي: أنه لم تجتمع الملوك بباب أحد قط اجتماعها بباب ١٣/ ب المعتصم، ولا ظفر ملك كظفره، أسر بابك ملك أذربيجان، والمَازيار/ ملك طبرستان، وباطس [٦] ملك عمورية والأفشين ملك أشروسنة، وعجيفا- وَهُوَ ملك- وصار إِلَى بابه ملك فرغانة، وملك اسيشاب، وملك طخارستان، وملك أصبهان [٧] ، وملك الصغد، وملك كابل وباطيس ورئيس الزنادقة، والأفشين وعجيفا، وقارن، وقائد الرافضة.
أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: [أَخْبَرَنَا أبو] [٨] منصور بْن باي بْن [٩] جعفر الجيلي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بْن محمد بْن عمران، قَالَ: حدثني محمد بْن يحيى، حَدَّثَنَا محمد بْن سَعِيد الأصم، حَدَّثَنَا إبراهيم بن محمد بن
стр. 3473
إِسْمَاعِيل الهاشمي قَالَ: كَانَ مَعَ المعتصم غلام يتعلم معه فِي الكتاب [١] ، فمَات الغلام، فَقَالَ لَهُ [٢] الرشيد: يَا محمد، مَات غلامك. قَالَ: نعم يَا سيدي، واستراح من الكتاب! قَالَ الرشيد: وإن الكتاب ليبلغ منك هذا المبلغ؟ دعوه إلى حيث انتهى، لا تعلموه شيئا، وَكَانَ يكتب [كتابا] [٣] ضعيفا، ويقرأ [قراءة] ضعيفة [٤] .
ذكر بيعته
لمَا احتضر المأمون ببلاد الروم، كَانَ معه ولده العباس وأخوه المعتصم، فأراد الناس أن يبايعوا العباس، فأتى وسلم الأمر إِلَى المعتصم، وَكَانَ الجند قد شنعوا لأجله، وطلبوا الخلافة لَهُ، فبايع المعتصم، وخرج إِلَى الجند، فَقَالَ: مَا هَذَا الحب البارد! قد بايعت لعمي [٥] ، وسلمت الخلافة إليه فسكن الجند [وبايع الناس] [٦] وقبل إبراهيم بْن المهدي يد المعتصم، وَكَانَ [٧] المعتصم قبل يده قبل ذلك، ولا يعلم [٨] خليفة قبل يد خليفة ثم قبل الآخر/ يده [٩] غيرهمَا، وكانت المبايعة [١٠] يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة ١٤/ أبقيت من رجب سنة ثمَان عشرة، ثم خاف المعتصم من اختلاف الجند عَلَيْهِ، فأسرع إِلَى بغداد فدخلها [١١] فِي مستهل رمضان.
ذكر طرف من أخباره وسيرته
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن محمد قال: أخبرنا أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي
стр. 3474
الْحَسَن بْن علي الصيمري، أَخْبَرَنَا محمد بْن عمران بْن موسى قَالَ: أخبرني علي بْن هارون قَالَ: أَخْبَرَنِي عبيد الله [١] بْن أبي طاهر، عن أبيه [٢] قَالَ: ذكر ابْن أبي دؤاد المعتصم يومَا فأسهب فِي ذكره، وأكثر من وصفه، وأطنب فِي فضله، وذكر من سعة أخلاقه وكرم أعراقه، ولين جانبه، وكرم [٣] جميل عشرته، قَالَ: وقال [٤] لي يومَا وقد كنا [٥] بعمورية: مَا تقول يَا أبا عبد الله فِي البسر؟ فقلت: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، نحن ببلاد الروم والبسر بالعراق، قال: [وقد] [٦] وجّهت إلى مدينة السلام فجاءوني بكباستين، وقد علمت أنك تشتهيه [٧] ، ثم قَالَ: يَا إيتاخ، هات إحدى الكباستين. فجاء بكباسة بسر، فمد ذراعه وقبض عَلَيْهَا بيده، وقال: كل بحياتي عليك من يدي. فقلت: جعلني الله فداك يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، بل بعضها، فآكل كمَا أريد. قَالَ: لا والله إلا من يدي. فو الله مَا زال حاسرا ذراعه، ومَادا يده وأنا أجتني من العذق حَتَّى رمى به خاليا مَا فيه بسرة. قَالَ:
وكنت كثيرا مَا أزامله فِي سفره ذلك إِلَى أن قلت لَهُ يومَا: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، لو زاملك ١٤/ ب بعض مواليك/ وبطانتك واسترحت مني إليهم مرة، ومنهم إليّ أخرى، فإن ذلك أنشط لقلبك، وأطيب لنفسك وأرشد [٨] لراحتك؟ قَالَ: فإن سيمَا [٩] الدمشقي يزاملني اليوم، فمن يزاملك أَنْت؟ قلت: الحسن بْن يونس. قَالَ: فأنت وذاك. قَالَ: فدعوت بالحسن فزاملني [١٠] ، وتهيأ أن ركب [١١] بغلا، فاختار أن يكون منفردا، قَالَ: وجعل يسير بسير [١٢] بعيري، فإذا أراد أن يكلمني رفع رأسه، وَإِذَا أردت أن أكلمه خفضت رأسي، فانتهينا إِلَى واد [لم] [١٣] نعرف غور مَائه، وقد خلفنا العسكر وراءنا فَقَالَ لرحالي: مكانك [١٤] حَتَّى [أتقدم] [١٥] فأعرف غور المَاء، وأطلب قلته، واتبع أنت مسيري. قَالَ: وتقدم رجل فدخل الوادي، وجعل يطلب [قلة] [١٦] المَاء وتبعه المعتصم، فمرة ينحرف عن يمينه
стр. 3475
وأخرى عن شمَاله، وتارة يمضي لسننه ونتبع أثره حَتَّى قطعنا الوادي [١] .
أَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز [قال: أخبرنا أبو بكر] [٢] الخطيب قال: أخبرني الصيمري قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بْن عمران قال: حدثنا علي بن عبد الله قال: أخبرني الحسن بْن علي العباسي، عَنْ علي بْن الحسين الإسكافي قَالَ: قَالَ لنا ابْن أبي دؤاد:
كَانَ المعتصم يخرج ساعده إلي، وَيقول: يَا أبا عبد الله، عض ساعدي بأكثر قوتك. فأقول: [والله] [٣] يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مَا تطيب نفسي بذلك. فيقول افعل فإنه [٤] لا يضرني. فأروم ذلك، فإذا هُوَ لا تعمل فيه الأسنة [٥] [فضلا عن الأسنان] [٦] وانصرف يومَا من دار المأمون إِلَى داره، وَكَانَ شارع الميدان منتظمَا بالخيم فيها الجند، فمر المعتصم بامرأة تبكي وتقول: ابني ابني. وإذا بعض الجند قد أخذ ابنها. فدعاه المعتصم وأمره أن يرد ابنها عليها، فأبى، فاستدناه فدنا منه، فقبض عَلَيْهِ بيده، فسمع صوت عظامه، ثم أطلقه من يده فسقط وأمر بإخراج الصبي إلى أمه/. [٧] . ١٥/ أوقد [٨] بلغنا أن امرأة مسلمة ببلاد الروم أسرت [٩] فِي حرب جرت بينهم [وبين المسلمين] [١٠] ، فجعلت تنادي: وا معتصماه. فلمَا بلغه ذلك قَالَ عَلَى فوره: لبيك لبيك. وتقدم [١١] فركب من ساعته وَهُوَ [١٢] يقول: لبيك لبيك. فلحقه الناس حَتَّى دخل أرض الروم، وأنقذ المرأة ونكأ فِي الروم.
قَالَ الفضل بْن مروان: لم يكن فِي المعتصم أن يلتذ بتزيين البناء وَكَانَ غايته فيه إحكام [١٣] ، ولم يكن بالنفقة فِي شيء أسمح منه بالنفقة في الحرب.
[أمر المعتصم بهدم مَا كَانَ المأمون بناه بطوانة]
وفي هذه السنة: أمر المعتصم بهدم مَا كَانَ المأمون بناه بطوانة [١٤] ، وحمل مَا كَانَ بِهَا من السلاح والآلة وغير ذلك ممَا قدر عَلَى حمله [١٥] ، وإحراق مَا لم يقدر على حمله،
стр. 3476
وأمر بصرف من كَانَ المأمون أسكن ذلك من الناس إِلَى بلادهم [١] .
وفيها: دخل جمَاعة من أهل همذان، وأصبهان، وماسبذان، ومهرجان قذق فِي دين الخرمية، وتجمعوا فعسكروا فِي عمل همذان، فوجه المعتصم إليهم عسكرا، وَكَانَ آخر عسكر وجّهه إليهم مع إسحاق بْن إبراهيم بْن مصعب، وعقد لَهُ عَلَى الجبال [٢] فِي شوال فشخص إليهم فِي ذي القعدة، وقرئ [٣] كتابه بالفتح يوم التروية، وقتل [٤] فِي عمل همذان ستين ألفا وهرب باقيهم إِلَى بلاد الروم [٥] .
وحج بالناس في هذه السنة: صالح بن العباس بن محمد، وضحى أهل مكة يوم الجمعة، وأهل بغداد يوم السبت [٦] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٢٣٤- إبراهيم بْن إسمَاعيل بْن إبراهيم بْن مقسم، أبو إسحاق المعروف بابن علية [٧] .
١٥/ ب كَانَ أحد المتكلمين القائلين [٨] بخلق القرآن.
أَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بَكْرٍ [أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ] بْنِ ثَابِتٍ [قَالَ: أخبرنا عمر بْن إبراهيم، ومحمد بْن عبد الملك قالا: أَخْبَرَنَا عياش بْن الحسن، حَدَّثَنَا الزعفراني قَالَ: أَخْبَرَنِي زكريا بْن يحيى قَالَ: أخبرني شباب بْن درست قَالَ:
سمعت] [٩] يعقوب بْن سفيان الفارسي يقول: خرج إبراهيم بْن إسمَاعيل بْن علية ليلة من مسجد مصر وقد صلى العتمة وَهُوَ فِي زقاق القناديل ومعه رجل، فقال له الرجل: إني
стр. 3477
قرأت البارحة سورة الأنعام، فرأيت بعضها ينقض بعضا. فَقَالَ لَهُ إبراهيم بْن إسمَاعيل مَا لَمْ تر أكثر [١] .
توفي إبراهيم ببغداد [٢] ليلة عرفة من هَذِهِ السنة بمصر، وَهُوَ ابْن سبع وستين سنة [٣] .
١٢٣٥- إبراهيم بْن أبي زرعة [٤] وهب الله، ابْن راشد المؤذن، يكنى أبا إسحاق .
كَانَ إمَام مسجد الجامع بالفسطاط، توفي في هذه السنة.
١٢٣٦- بشر بْن آدم، أبو عبد الله الضرير [٥] .
ولد سنة خمسين ومَائة، سمع أبا عبد الله [٦] حمَاد بْن سلمة، وغيره روى عنه:
ابْن راهويه، والدوري [٧] ، والحربي. وقال أبو حاتم الرازي: هُوَ صدوق.
وتوفي فِي ربيع الأول من هَذِهِ السنة.
١٢٣٧- بشر بْن غياث بْن أبي كريمة، أبو عَبْد الرَّحْمَنِ [المعروف] [٨] بالمريسي [٩] .
[كَانَ شيخا فقيرا فقيها، دميم المنظر، وسخ الثياب، يشبه اليهود] [١٠] كَانَ يسكن فِي الدرب المعروف به، ويسمى درب المريسي، وَهُوَ بين نهر الدجاج ونهر البزازين، سمع الفقه من أبي يوسف القاضي، إلا أنه اشتغل بالكلام، وجرد [١١] القول بخلق القرآن. وقد روى من الحديث شيئا يسيرا عن حمَاد بْن سلمة وسفيان بْن عيينة.
стр. 3478
١٦/ أوكان أبو زرعة [الرازي] [١] يقول: بشر بْن غياث/ زنديق. وقال يزيد بْن هارون: هُوَ كافر حلال الدم يقتل [٢] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ] [٣] قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا حمد بن أحمد بن أبي طاهر، أَخْبَرَنَا أبو بكر النجاد، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الدورقي قَالَ [٤] : حدثني محمد بْن نوح قَالَ:
سمعت هارون أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يقول: بلغني أن بشر المريسي يزعم أن القرآن [٥] مخلوق، للَّه علي إن أظفرني به [٦] لأقتلنه قتلة مَا قتلها [٧] أحد قط [٨] .
أَخْبَرَنَا [أبو] [٩] منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر [أحمد] [١٠] بن علي قَالَ:
أخبرني محمد بْن أحمد بْن يَعْقُوبَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْن نُعَيْمٍ الضَّبِّيُّ قَالَ: سمعت أبا جعفر محمد بْن صالح يقول: سمعت [أبا سُلَيْمَان داود بْن الحسين يقول: سمعت] [١١] إسحاق بْن إبراهيم الحنظلي يقول: دخل حميد الطوسي عَلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ وعنده بشر المريسي، فَقَالَ حميد: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا سيد الفقهاء، هَذَا [قد] [١٢] رفع عذاب القبر ومسألة منكر ونكير، والميزان، والصراط، [انظر هل يقدر أن يرفع الموت؟] [١٣] ثم نظر إِلَى بشر وقال لو رفعت الموت كنت سيد الفقهاء حقا [١٤] .
стр. 3479
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي [بن ثابت [١] قال:] أخبرني الحسن بن محمد الخلال قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن العباس الخزاز قَالَ:
أَخْبَرَنَا الحسين بن علي بن الحسين الأسدي، حَدَّثَنَا الفضل بْن يوسف بْن يعقوب بن القصباني، حدثنا محمد بن يوسف العباسي قال: وحدثني محمد بْن علي بْن ظبيان القاضي قَالَ: قال لي بشر المريسي: القول في القرآن قول من خالفني أنه غير مخلوق.
قلت فارجع عنه، قَالَ: أرجع عنه وقد قلته منذ أربعين سنة، ووضعت فيه الكتب، واحتججت فيه بالحجج [٢] .
أَخْبَرَنَا أبو منصور [عَبْد الرَّحْمَنِ] [٣] القزاز/ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ١٦/ ب ثابت [٤] ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عبد الملك [٥] القرشي قَالَ: أَخْبَرَنَا عباس بْن الحسن البندار حَدَّثَنَا محمد بْن الحسين [٦] الزَّعْفَرانيّ قَالَ: أخبرني زكريا بْن يحيى، حَدَّثَنَا محمد بْن إسمَاعيل قَالَ: سمعت الحسين بْن علي الكرابيسي قَالَ: جاءت أم بشر المريسي إِلَى الشافعي ﵁ فقالت: يَا أبا عبد اللَّه، أرى ابني يهابك ويحبك، وإذا ذكرت عنده أجلك، فلو نهيته عن هَذَا الرأي الذي هُوَ فِيهِ فقد عاداه الناس عَلَيْهِ [٧] ، ويتكلم فِي شيء يواليه [٨] الناس ويحبونه؟ فَقَالَ لها الشافعي: أفعل. فشهدت الشافعي وقد دخل عَلَيْهِ بشر، فَقَالَ لَهُ الشافعي: أخبرني عمَا تدعو إليه أكتاب ناطق أم فرض [٩] مفترض، أم سنة قائمة، أم وجوب عن السلف البحث فيه والسؤال عنه؟ فَقَالَ بشر: لَيْسَ فيه كتاب ناطق، ولا فرض مفترض، ولا سنة قائمة، ولا وجوب عن السلف البحث فيه والسؤال عنه [١٠] ، إلا أنه لا يسعنا خلافه. فَقَالَ الشافعي: أقررت عَلَى نفسك بالخطأ، فأين أنت عَنِ الكلام فِي الفقه والأخبار، يواليك [١١] الناس عَلَيْهِ وتترك هَذَا؟ قَالَ: لنا نهمة فيه فلمَا خرج بشر قَالَ الشافعي: لا يفلح [١٢] .
[أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ علي قال: أخبرنا الحسن بن محمد
стр. 3480
الخلَّال، حَدَّثَنَا يوسف بْن عمر القواس، حَدَّثَنَا أحمد بْن عيسى بْن السكين قَالَ:
سمعت أبا يعقوب إسحاق بْن إبراهيم يقول: مررت فِي الطريق، فإذا بشر المريسي والناس عَلَيْهِ مجتمعون، فمر يهودي، فأنا سمعته يقول: لا يفسد عليكم كتابكم كمَا أفسد أبوه علينا التوراة. يعني: أن أباه يهوديا] [١] .
توفي بشر فِي ذي الحجة من هَذِهِ السنة. وقيل: فِي سنة تسع عشرة، وَكَانَ الصبيان يتعادون بين يدي الجنازة ويقولون: من يكتب إِلَى مَالك، من يكتب إِلَى مَالك [٢] ؟
أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بْن علي بْن ثابت قَالَ: حَدَّثَنَا القاضي أبو محمد بْن الْحَسَن [٣] بْن الحسين بْن رامين، حَدَّثَنَا أبو محمد عَبْد الرَّحْمَنِ بْن محمد ١٧/ أالجرجاني/، أَخْبَرَنَا عِمْرَانَ بْن موسى، أَخْبَرَنَا الحسن بْن محمد بْن الأزهر قَالَ:
سمعت عثمَان بْن سعيد الرازي قَالَ: حَدَّثَنَا الثقة من أصحابنا قَالَ: لمَا مَات بشر المريسي لم يشهد جنازته من أهل العلم السنة أحد إلا [٤] عبيد الشونيزي، فلمَا رجع من جنازة المريسي لاموه، فَقَالَ: أنظروني حَتَّى أخبركم: مَا شهدت جنازة رجوت فيها من الأجر مَا رجوت فِي هَذِهِ، قمت فِي الصف، فقلت: اللَّهمّ إن [٥] عبدك هَذَا كَانَ لا يؤمن [برؤيتك فِي الآخرة، اللَّهمّ فاحجبه عن النظر إِلَى وجهك يوم ينظر إليك المؤمنون، اللَّهمّ عبدك هَذَا كَانَ لا يؤمن] [٦] بعذاب القبر، اللَّهمّ فعذبه اليوم فِي قبره عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين. اللَّهمّ عبدك هَذَا كَانَ ينكر [الميزان، اللَّهمّ فخفف ميزانه يوم القيامة، اللَّهمّ عبدك هَذَا كَانَ ينكر] [٧] الشفاعة اللَّهمّ ولا تشفع فيه أحدا من خلقك يوم القيامة، قال: فسكتوا عنه وضحكوا [٨] .
стр. 3481
أخبرنا القزاز قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا علي بن محمد الْمُعَدَّلُ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا الحسن بْن عمرو المروزي قَالَ: سمعت بشر بْن الحارث يقول: جاء موت هَذَا الذي يقال لَهُ المريسي وأنا فِي السوق، فلولا أنه كَانَ موضع شهرة لكان موضع شكر وسجود، والحمد للَّه الذي أمَاته هكذا [١] .
أَخْبَرَنَا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي [قال: أخبرنا] [٢] الحسين بْن علي الطناجيري [٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن علي بْن سويد، حَدَّثَنَا عثمَان بْن إسمَاعيل السكري قَالَ: سمعت أبي يقول سمعت أحمد [بْن الدورقي] [٤] يقول: مَات رجل من جيراننا شاب فرأيته فِي النوم وقد شاب، فقلت لَهُ: مَا قصتك؟ قَالَ: دفن/ بشر فِي مقبرتنا ١٧/ ب فزفرت جهنم زفرة شاب منها [٥] كل من فِي المقبرة [٦] .
وقد ذكرنا فِي أخبار زبيدة مثله.
١٢٣٨- عبد الله أَمِير الْمُؤْمِنِينَ المأمون بْن الرشيد [٧] .
كَانَ سبب مرضه أنه أكل رطبا فحم، وَكَانَ سبب وفاته [٨] ، وصار به مَادة فِي حلقه، وكانت كلمَا بلغت فتحت فبطت قبل أن تبلغ وقت تمَامها فمَات [٩] .
كَانَ فِي وصيته: أنه لا إله إلا الله، وإني مقر مذنب، أرجو وأخاف، ثم انظروا مَا كنت فيه من عز الخلافة هل أغنى ذلك شيئا إذ جاء أمر الله [، لا والله، ولكن أضعف علي به الحساب، فيا ليت عبد الله بْن هارون لم يكن بشرا، بل ليته لم يكن خلقا!] [١٠] يا
стр. 3482
أبا إسحاق، أدن مني، واتعظ بمَا ترى، وخذ [١] بسيرة أخيك فِي القرآن، واعمل فِي الخلافة إذا طوقكها [٢] الله عمل المريد للَّه الخائف من عقابه ولا تغتر باللَّه وبمهلته فكان قد نزل بك الموت ولا تغفل عن أمر الرعية.
فلمَا اشتد الأمر به دعا أبا إسحاق فَقَالَ: يَا أبا إسحاق، عليك عهد الله وميثاقه، وذمة رسوله ﵌، لتعملن بحق [٣] الله فِي عباده، ولتؤثرن طاعة الله عَلَى معصيته. قَالَ:
نعم، قَالَ: فأقر عَبْد الله بْن طاهر عَلَى عمله، وإسحاق بْن إبراهيم، فأشركه فِي ذلك، فإنه أهل [لَهُ] [٤] . وأهل بيتك، فالطف بهم، وبنو عمك من ولد علي بْن أبي طالب، فأحسن صحبتهم، ولا تغفل عن صلتهم [٥] .
وتوفي فِي يوم الخميس وقت الظهر، عَلَى نهر البدندون لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب [بعد العصر] [٦] من هَذِهِ السنة.
فلمَا توفي صلى عَلَيْهِ أبو إسحاق المعتصم، وحمله ابنه العباس وأخوه محمد بن ١٨/ أالرشيد إِلَى طرسوس، فدفناه/ فِي دار كانت لخاقان خادم الرشيد، وَكَانَ عمره سبعا وأربعين سنة، وقيل: ثمان وأربعين سنة، وكانت خلافته عشرين سنة، وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوما، وكان له عثمان عشر ذكرا، وتسع بنات [٧] .
واستأذنت المعتصم حظية كانت للمَامون اسمها تزيف أن تزور قبره، فأذن لها فضربت فسطاطا وجعلت تبكي وتنوح بشعر لها وَهُوَ:
يَا ملكا لست بناسيه ... نعى إلي العيش ناعيه
والله مَا كنت أرى أنني ... أقوم فِي الباكين أبكيه
والله لو يقبل فيه الفداء ... لكنت بالمهجة أفديه
стр. 3483
عاذلتي فِي جزعي أقصري ... قد علق الدهر بمَا فيه
فمَا بقي أحد فِي العسكر إلا بكى [١] .
١٢٣٩- عبد الملك بْن هشام بْن أيوب، أبو محمد الذهلي البصري النحوي [٢] .
يروي مغازي ابْن إسحاق، عن زياد بْن عبد الله البكائي عنه، وَكَانَ ثقة.
توفي بمصر في ربيع الآخر من هذه السنة.
١٢٤٠- عبد الأعلى بْن مسهر، أبو مسهر [٣] الدمشقي الغساني [٤] .
ولد سنة أربعين ومَائة، وسمع مَالك بْن أنس وغيره، وَكَانَ ثقة، عالمَا بالمغازي وأيام النّاس، حمله المأمون إِلَى بغداد أيام المحنة.
قَالَ أبو داود السجستاني: رحم الله أبا مسهر، لقد كَانَ من الإسلام بمكان [٥] ، حمل عَلَى المحنة، وحمل عَلَى السيف، فمد رأسه وجرد السيف، فأبى أن يجيب، فلمَا رأوا ذلك حمله [٦] إِلَى السجن، وسمعت أحمد بْن حنبل يقول: رحم الله أبا مسهر لقد كَانَ [٧] من الإسلام بمكان، مَا كَانَ [٨] أثبته.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بْن علي قَالَ: حدثني الأزهري، حَدَّثَنَا محمد بن العباس، أَخْبَرَنَا أحمد [٩] بْن معروف الخشاب [١٠] أَخْبَرَنَا الحسين بن ١٨/ ب الفهم [١١] ، حَدَّثَنَا محمد بْن سعد قَالَ: شخص أبو مسهر من دمشق إِلَى عبد الله بن
стр. 3484
هَارُون وَهُوَ بالرقة، فسأله عن القرآن فَقَالَ: كلام الله وأبى أن يقول مخلوق، فدعى لَهُ بالسيف والنطع ليضرب عنقه، فلمَا رأى ذلك قَالَ: مخلوق، فتركه من القتل وقال: أمَا إنك لو قُلْتُ ذلك قبل أن أدعو لك بالسيف لقبلت منك ورددتك [١] إِلَى بلادك وأهلك [٢] ، ولكنك تخرج [الآن] [٣] فتقول: قلت ذلك فرقا من القتل، أشخصوه إِلَى بغداد، فاحبسوه بِهَا [٤] حَتَّى يموت. فأشخص من الرقة إِلَى بغداد فِي شهر ربيع الآخر من سنة ثمَان عشرة ومَائتين [٥] ، فحبس فلم يلبث إلا يسيرا حَتَّى مَات فِي غرة رجب سنة ثمَاني عشرة [٦] .
قَالَ المصنف: ودفن بباب التين، وَهُوَ ابْن تسع وسبعين سنة.
١٢٤١- علي الجرجرائي [٧] .
كَانَ ينزل جبل لبنان.
أَخْبَرَنَا محمد بْن أبي القاسم قَالَ: أَخْبَرَنَا رزق الله بْن عبد الوهاب، عن أبي عَبْد الرَّحْمَنِ السُّلَمِيّ قَالَ: سمعت عبد الواحد بْن علي يقول سمعت القاسم بْن القاسم يقول: بلغني أن بشرا الحافي يقول: لقيت [عليا] الجرجرائي [٨] بجبل لبنان عَلَى عين مَاء، قَالَ فلمَا أبصرني قَالَ: بذنب مني لقيت اليوم إنسيا، فعدوت خلفه، وقلت:
أوصني فالتفت إلي وقال: أمستوص أنت؟ عانق الفقر، وعاشر الصبر، وعاد الهوى، وعاف الشهوات، واجعل بيتك أخلى من لحدك يوم تنقل إليه على هذا طاب المسير/ ١٩/ أإلى الله .
стр. 3485
١٢٤٢- محمد بْن أبي الخصيب الأنطاكي [١] .
سمع مَالك بْن أنس، وابن لهيعة، وغيرهما. روى عنه: عباس [٢] الدوري، وإبراهيم الحربي، وغيرهما. وكان ثقة.
وتوفي في بغداد في هذه السنة.
١٢٤٣- محمد بن نوح بن ميمون بن عبد الحميد [العجلي] [٣] .
كان أحد المشتهرين بالسنة والدين والثقة. وكان المأمون قد كتب وهو بالرقة إلى إسحاق بن إبراهيم صاحب الشرطة [٤] أن يحمل [أحمد] [٥] بن حنبل و [محمد] [٦] بْن نوح إليه بسبب المحنة، فأخرجا من بغداد عَلَى بعير متزاملين، فمرض محمد بْن نوح فِي طريقه، ومَات في هذه السنة [٧] .
فأَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ رزق أَخْبَرَنَا عثمَان بْن أحمد الدقاق، حَدَّثَنَا حنبل بْن إسحاق قَالَ: سمعت أبا عبد الله- يعني أحمد بْن حنبل- يقول: مَا رأيت أحدا عَلَى حداثة سنه وقلة علمه أقوم بأمر الله من محمد بْن نوح، وإني لأرجو أن يكون الله قد ختم لَهُ بخير، قَالَ لي ذات يوم وأنا معه جلوس: يَا أبا عبد اللَّه إنك لست مثلي أنت رجل يقتدى بك، وقد مد هَذَا الخلق أعناقهم إليك لمَا يكون منك، فاتق الله، واثبت لأمر الله. ونحو هَذَا، فانظر هَذَا [٨] الكلام، فعجبت منه من موعظته لي وتقويته [٩] إياي، فصار فِي بعض الطريق فمات،
стр. 3486
فصليت عَلَيْهِ ودفنته. أظنه قَالَ: بعانة [١] . فانظر بمَاذا ختم لَهُ [٢] .
١٢٤٤- معاوية بْن عبد الله بْن أبي يحيى الأسواني [٣] أبو سفيان مولى بني أمية .
روى عن مَالك، والليث، وابن لهيعة، وَكَانَ ثقة، وكانت القضاة تقبله.
توفي في هذه السنة.
стр. 3487
ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائتين
[خروج محمد بْن القاسم بْن علي بْن عمر بْن الحسين بْن علي بْن أبي طالب بالطالقان]
فمن الحوادث فيها: / خروج محمد بْن القاسم بْن علي بْن عمر بْن الحسين بْن علي بْن أبي طالب بالطالقان من خراسان [١] يدعو إِلَى الرضا من آل محمد واجتمع إليه بها [٢] ناس كثير ١٩/ ب وكانت بينه وبين قواد عَبْد الله بْن [٣] طاهر وقعات بناحية الطالقان وجبالها [٤] ، فهزم هُوَ وأصحابه، فخرج هاربا يريد بعض كور خراسان وكانوا قد كاتبوه، فدل العامل عَلَيْهِ، فأخذه واستوثق منه، وبعث به إِلَى عبد الله بن طاهر، فبعث به إلى المعتصم، فقدم به عَلَيْهِ يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة [٥] خلت من ربيع الآخر، فحبس عند مسرور الكبير الخادم [٦] فِي محبس ضيق يكون طوله [٧] ثلاث أذرع فِي ذراعين، فمكث فيه ثلاثة أيام ثم حول [٨] إِلَى موضع أوسع من ذلك، وأجري عَلَيْهِ طعام، ووكل به قوم يحفظونه، فلمَا كانت ليلة الفطر واشتغل الناس بالعيد هرب من الحبس، وذلك أنه دلي إليه حبل من أعلى البيت من كوة يدخل منها الضوء، فعلق به، فذهب، فلم يعرف له خبر [٩] .
стр. 3488
[قدوم إسحاق بن إبراهيم من الجبل]
وفي هذه السنة: قدم إسحاق بْن إبراهيم من الجبل، فدخل بغداد [١] يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من جمَادى الأولى، ومعه الأسرى من الخرمية والمستأمنة، وَكَانَ قد قتل منهم في المحاربة مائة ألف [٢] .
[توجيه المعتصم عجيف بن عنبسة لحرب الزّطّ]
وفيها: وجه المعتصم عجيف بْن عنبسة [فِي جمَادى الآخرة] [٣] لحرب الزط الذين كانوا قد عاثوا فِي طريق البصرة، وقطعوا الطريق، واحتملوا [٤] الغلات من البيادر بكسكر ومَا يليها من البصرة، وأخافوا السبيل، فرتب الخيل فِي كل سكة من سكك البرد ٢٠/ أتركض بالأخبار [٥] ، فكان الخبر يخرج من عند عجيف فيصير إِلَى المعتصم فِي يومه، وحصرهم عجيف من كل وجه/ وحاربهم وأسر منهم خمسمائة [٦] ، وقتل في المعركة ثلاثمائة، وبعث بالرءوس إلى المعتصم، وأقام بإزاء الزّطّ خمسة عشر شهرا [٧] يقاتلهم [٨] منها تسعة أشهر، وَكَانَ فِي خمسة عشر ألفا، فظفر منهم بخلق كثير، وخرجوا إليه بالأمَان عَلَى دمَائهم وأموالهم فحملهم إلى بغداد [٩] .
[كانت ظلمة شديدة بين الظهر والعصر وامتحان المعتصم أحمد بن حنبل]
وفي هذه السنة: كانت ظلمة شديدة [بين الظهر والعصر] [١٠] . وفي رمضان [من] [١١] هَذِهِ السنة امتحن [١٢] المعتصم أحمد [بْن حنبل] [١٣] فضربه بين يديه بعد أن حبسه مدة، ووطن أحمد نفسه عَلَى القتل، فَقِيل لَهُ: إن عرضت عَلَى القتل تجيب قَالَ:
لا. ولقيه خالد الحداد فشجعه، وقال لَهُ: [١٤] إني ضربت فِي غير الله فصبرت [١٥] ، فاصبر أنت إن ضربت فِي الله ، وَكَانَ خالد يضرب المثل بصبره، فَقَالَ لَهُ المتوكل: مَا بلغ من جلدك؟ فَقَالَ: أملئ لي جراب [١٦] عقارب، ثم أدخل [١٧] يدي فيه، وإنه ليؤلمني [١٨] مَا يؤلمك، وأجد لآخر سوط من الألم مَا أجد لأول سوط، ولو وضعت في
стр. 3489
فمي [١] خرقة وأنا أضرب لاحترقت من حرارة مَا يخرج من جوفي، ولكني وطنت نفسي عَلَى الصبر، فَقَالَ لَهُ الفتح: ويحك مَعَ هَذَا اللسان والعقل، مَا يدعوك إِلَى مَا أنت فيه من [٢] الباطل؟ قَالَ: أحبّ الرئاسة، فَقَالَ المتوكل: ونحن خليفة [٣] ، فَقَالَ لَهُ رجل: يَا خالد، مَا أنتم لحوم ودمَاء فيؤلمكم الضرب؟ قَالَ: بلى، يؤلمنا ولكن معنا عزيمة صبر ليست معكم. وقال داود بْن علي: لمَا قدِم بخالد اشتهيت أن أراه، فمضيت إليه فوجدته جالسا غير ممكن لذهاب [لحم] [٤] إليتيه من الضرب، وإذا حوله فتيان، فجعلوا يقولون ضرب فلان وفعل بفلان، فَقَالَ: لم تتحدثون [٥] عن غيركم، افعلوا أنتم/ حَتَّى يتحدث ٢٠/ ب عنكم.
قصة ضرب الإمَام أحمد ﵁
أَخْبَرَنَا محمد بْن أبي منصور قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو الحسن بْن أحمد الفقيه، أنبأنا [٦] عُبَيْدُ اللَّهِ بْن أحمد، أَخْبَرَنَا أبو بكر أحمد [٧] بْن عُبَيْدِ اللَّهِ الكاتب، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَان القسري [٨] قَالَ: حدثني داود بْن عرفة قَالَ: حَدَّثَنَا ميمون بْن الأصبع قَالَ: كنت ببغداد فسمعت ضجة، فقلت: مَا هَذَا؟ قالوا: أحمد بْن حنبل يمتحن، فدخلت [٩] فلمَا ضرب سوطا، قَالَ: بسم الله، فَلَمَّا ضرب الثاني قَالَ:
لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فلمَا ضرب الثالث قَالَ: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، فلمَا ضرب الرابع قَالَ: لن يصيبنا إلا مَا كتب الله لنا، فضرب تسعا وعشرين سوطا [وكانت تكة أحمد حاشية ثوب فانقطعت فنزل السراويل إِلَى عانته] [١٠] فرمى أحمد بطرفه إِلَى السمَاء، وحرك شفتيه، فمَا كَانَ بأسرع من أن بقي السراويل [كأن] [١١] لم ينزل، فدخلت إِلَيْهِ بعد سبعة أيام، فقلت: يَا أبا عبد الله، رأيتك تحرك شفتيك، فأي شيء قلت؟ قال:
стр. 3490
قُلْتُ: اللَّهمّ إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش، إن كنت تعلم أني عَلَى الصواب فلا تهتك لي سترا.
وفي رواية أخرى: أنه ضرب ثمَانية عشر سوطا. وفي رواية: ثمَانين سوطا. ولمَا بالغوا فِي ضربه ولم يجب أظهروا أنه قد عفي عنه وترك.
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ [١] قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عبد الجبار قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ [٢] اللَّه بْن عُمَر بْن شَاهِينَ قَالَ: حَدَّثَنَا أبي قَالَ: سمعت عثمَان [٣] بْن عبد ربه يقول:
سمعت إبراهيم الحربي يقول: أحل [٤] أَحْمَد بْن حنبل من حضر ضربه وكل من شايع فيه والمعتصم، وقال: لولا أن ابْن أبي دواد داعية لأحللته.
٢١/ أوحج بالناس في هذه السنة: صالح بْن العباس بْن مُحَمَّد/ [٥] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٢٤٥- جعفر بْن [عيسى] [٦] بْن عبد الله بْن الحسن بْن أبي الحسن البصري، ويعرف بالحسنى [٧] .
ولي القضاء بالجانب الشرقي من بغداد فِي أيام المأمون والمعتصم، وحدث عن حماد بن زيد، وجعفر بن سليمان، وغيرهمَا [٨] ، وقال أبو زرعة الرازي: ولي قضاء الري، وَهُوَ صدوق. وقال أَبُو حاتم الرازي: جهمي ضعيف.
أَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز قَالَ: أخبرنا أبو بَكْر [أَحْمَد] [٩] بْن عَلِي بْن ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا عَلي بْن الْحَسَن أَخْبَرَنَا طلحة بْن مُحَمَّد بْن جعفر [١٠] قَالَ: شخص المأمون عن مدينة السلام [١١] فيمَا أخبرني بِهِ [١٢] محمد بْن جرير إجازة يعني إِلَى بلد الروم ومعه يحيى بن
стр. 3491
أكثم يوم السبت لثلاث بقين من المحرم سنة خمس عشرة ومَائتين، فاستخلف يحيى بْن أكثم عَلَى الجانب الشرقي [١] جعفر بْن عيسى [٢] البصري الحسني [٣] ، ثم أشخص المأمون الحسني إليه، فاستخلف مكانه هارون بْن عبد الله الزهري، ثم عزل الزهري وأعاد الحسني [٤] .
توفي الحسني وَهُوَ قاضي المعتصم [٥] فِي رمضان هَذِهِ السنة، وأوصى أن يدفن فِي مقابر الأنصار، فدفن هنالك، وصلى عَلَيْهِ أبو علي ابْن هارون الرشيد.
١٢٤٦- صالح بْن نصر بْن مَالك بْن الهيثم، أبو الفضل الخزاعي [٦] .
وَهُوَ أخو أحمد بْن نصر الشهيد. سمع ابْن أبي ذئب، وشعبة، وشريك بْن عبد الله، وإسمَاعيل بْن عَيَّاش [٧] ، روى عنه: خالد بْن خداش، والدوري، وأحمد بْن أبي خيثمة، وَكَانَ ثقة.
توفي ببغداد في هذه السنة.
١٢٤٧- عَبْد الرَّحْمَنِ بْن محمد بن المغيرة/ أبو محمد [٨] .
٢١/ ب كَانَ ثقة فاضلا خيرا كثير [٩] المَال، حدث بمصر. وتوفي بِهَا فِي ربيع الآخر من هَذِهِ السنة.
١٢٤٨- علي بْن عبيدة، أبو الحسن الكاتب، المعروف بالريحاني [١٠] .
لَهُ أدب وفصاحة وبلاغة، وحسن عبارة [١١] ، وله كتب فِي الحكم والأمثال، رأيت منها جملة، وكان له اختصاص بالمَأمون. وحكى أبو بكر الخطيب أنه كَانَ يرمى بالزندقة.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا
стр. 3492
الجوهري، أَخْبَرَنَا محمد بْن عمران بْن موسى [١] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْن محمد بْن أبي سعيد، حدثنا أحمد بْن أبي طاهر، حَدَّثَنَا علي بْن عبيدة الريحاني قَالَ: التقى أخوان متوادان، فَقَالَ أَحَدهمَا لصاحبه: كيف ودك لي؟ قَالَ: حبك متوشح بفؤادي، وذكرك سمير سهادي، فَقَالَ الآخر: أمَا أنا فأحب أن [٢] أوجز فِي وصفي، ما أحب أن يقع عَلَى سواك طرفي [٣] .
١٢٤٩- غسان بْن المفضل، أبو معاوية الغلابي البصري [٤] .
سكن بغداد، وحدث بِهَا عن: سفيان بْن عيينة، روى عنه: ابنه المفضل، وَكَانَ ثقة من عقلاء النّاس، دخل عَلَى المأمون فاستعقله.
وتوفي في هذه السنة.
١٢٥٠- الفضل بْن دكين، أبو نعيم. ودكين: لقب، واسمه عمرو بْن حمَاد بْن زهير [٥] بْن درهم، مَوْلَى طلحة بْن عُبَيْد اللَّهِ التيمي [٦] .
ولد سنة ثلاثين ومَائة، وأبو نعيم كوفي، كَانَ شريكا لعبد السلام [بْن حرب في دكان واحد يبيعان الملاء. وسمع أبو نعيم من الأعمش، ومسعر، وزكريا] [٧] بْن أبي زائدة، وابن أبي ليلى، والثوري، ومَالك، وشعبة فِي آخرين.
وقال: كتبت عن نيف ومَائة شيخ ممن [٨] كتب عنه سفيان، وسمع منه ابْن المبارك، وروى عنه أَحْمَد بْن حنبل [٩] ، والبخاري، وأبو زرعة، وغيرهم، وكان ثقة.
٢٢/ أوامتحن بالكوفة أيام/ المحنة، فأحضره واليها وسأله عن القرآن، فقال: أدركت الكوفة
стр. 3493
وبها أكثر من سبعمَائة شيخ [الأعمش] [١] فمن دونه يقولون القرآن كلام الله، وعنقي أهون عندي من زري هَذَا [٢] .
وقال أبو بكر بْن أبي شيبة: لقيت أبا نعيم أيام المحنة بالكوفة فَقَالَ: لقيت ثلاثمَائة شيخ كلهم يقولون القرآن كلام الله ليس بمخلوق [٣] .
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بْن علي أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ قَالَ: سمعت أحمد بْن يعقوب يقول: سمعت عبد الله بْن الصلت يقول: كنت عند أبي نُعَيم، فجاءه ابنه يبكي [٤] ، فَقَالَ لَهُ: مَالك، فَقَالَ: الناس يقولون إنك [٥] متشيع، فأنشأ يقول:
ومَا زال كتمَانيك حَتَّى كأنني ... يرجع [جواب] السائلي عنك أعجم
لأسلم من قول الوشاة وتسلمي ... سلمت وهل حي عَلَى الناس يسلم [٦]
قَالَ المصنف: وفي رواية أخرى أنه سئل: أتتشيع؟ فَقَالَ: سمعت الحسن بْن صالح يقول: سمعت جَعْفَر بْن محمد يقول: حب علي عبادة، وأفضل العبادة مَا كتم.
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بْن ثابت قَالَ: قرأت عَلَى علي بْن أبي علي الْبَصْرِيّ، عن علي بْن الحسن الجراحي قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن محمد بْن الجراح قَالَ: سمعت أحمد بْن منصور يقول: خرجت مَعَ أحمد بْن حنبل ويحيى بْن معين إِلَى عبد الرزاق خادمَا لهمَا، فلمَا عدنا إِلَى الكوفة قَالَ يحيى بْن معين لأحمد بْن حنبل: أريد أختبر أبا نعيم، فَقَالَ لَهُ أحمد [٧] : لا تزد، الرجل ثقة. فَقَالَ يحيى بْن معين:
لا بد لي. فأخذ ورقة وكتب فيها ثلاثين حديثا من حديث أبي نعيم وجعل على رأس كل
стр. 3494
٢٢/ ب عشرة منها [١] حديثا ليس من حديثه، ثم جاءا إِلَى/ أبي نعيم فدقا [٢] عَلَيْهِ الباب، فخرج فجلس على دكان طين حذاء بابه، فأخذ أحمد بْن حنبل فأجلسه عن يمينه، وأخذ يحيى بْن معين فأجلسه عن يساره، ثم جلست أسفل الدكان، فأخرج يحيى بْن معين الطبق، فقرأ عَلَيْهِ عشرة أحاديث، وأَبُو نعيم ساكت، ثم قرأ الحديث [٣] الحادي عشر، فَقَالَ لَهُ [٤] أبو نعيم: ليس من حديثي فاضرب عَلَيْهِ، ثم قرأ العشر الثاني وأبو نعيم ساكت فقرأ الحديث الثاني، فَقَالَ أبو نعيم: ليس من حديثي فاضرب عَلَيْهِ ثم قرأ العشر الثالث، وقرأ الحديث الثالث [٥] فتغير أبو نعيم وانقلبت عيناه وأقبل عَلَى يحيى بْن معين فَقَالَ لَهُ [٦] : أمَا هَذَا- وذراع أحمد فِي يده- فأورع من أن يعمل هَذَا، وأمَا هَذَا- يريدني- فأقل من أن يفعل مثل [٧] هَذَا، ولكن هَذَا من فعلك يَا فاعل، ثم أخرج رجله فرفس يحيى بْن معين، فرمى به من الدكان وقام فدخل داره، فَقَالَ أحمد ليحيى: ألم أمنعك من الرجل وأقل [٨] لك إنه ثبت؟! فَقَالَ: والله لرفسته لي [٩] أحب إلي من سفري [١٠] .
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر [أحمد] [١١] بْن ثابت، أَخْبَرَنَا عبد الباقي بن عبد الكريم المؤدب، أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عمر الخلال، حَدَّثَنَا محمد بْن أحمد بْن يعقوب [١٢] ، حَدَّثَنَا جدي، قَالَ: حَدَّثَنَا بعض أصحابنا: أن أبا نعيم
стр. 3495
خرج عليهم فِي شهر [١] ربيع الأول من سنة سبع عشرة ومَائتين، يومَا بالكوفة، فجاء ابن لمحاضر بْن المورع [٢] ، فَقَالَ لَهُ أبو نعيم [٣] : إني رأيت أباك البارحة [فِي النوم] [٤] فكأنه أعطاني درهمين ونصفا، فما تؤولون هَذَا؟ فقلنا: خيرا [رأيت] [٥] فَقَالَ: أمَا أنا فقد أولتهمَا أني أعيش يومين [٦] ونصفا، أو شهرين ونصفا، أو سنتين ونصفا، ثم ألحق [بأبيك] [٧] .
فتوفي بالكوفة ليلة الثلاثاء لانسلاخ [٨] شعبان سنة تسع عشرة/ ومائتين [٩] . ٢٣/ أقالوا [١٠] : وذلك بعد هَذِهِ الرؤيا بثلاثين شهرا تامة، وقيل: توفي سنة ثمَان عشرة.
١٢٥١- محمد بْن عبد الله بْن محمد بْن عبد الملك، أبو عبد الله الرقاشي [١١] .
سمع مَالك بْن أنس، وحمَاد بْن زيد في آخرين، وروى عنه: البرجلاني، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبو حاتم الرازي، وكان متقنا ثقة، وكان يصلي في اليوم والليلة أربعمائة ركعة.
стр. 3496
ثم دخلت سنة عشرين ومائتين
[مضى المعتصم إلى سرمن رأى فابتنى بها]
فمن الحوادث فيها:
أن المعتصم مضى إِلَى سرمن رأى، فابتنى بِهَا، وَكَانَ سبب ذلك كثرة عسكره، وضيق بغداد عنه، وتأذي الناس به.
[دخول عجيف بالزّط بغداد]
ومن الحوادث: دخول عجيف بالزط بغداد، وقهره إياهم، حَتَّى طلبوا منه الأمَان، فآمنهم، فخرجوا إليه [١] فِي ذي الحجة سنة تسع عشرة عَلَى أنهم آمنون عَلَى دمَائهم وأموالهم، وكانت [٢] عدّتهم سبعة وعشرين ألفا، المقاتلة منهم اثنا عشر ألف رجل، فجعلهم عجيف في السفن، وأقبل بهم حَتَّى نزل الزعفرانية [٣] ، فأعطى أصحابه دينارين دينارين، وأقام بها يوما، ثم عبّأهم فِي زواريقهم عَلَى هيئتهم فِي الحرب، معهم البوقات، حَتَّى دخل بهم بغداد يوم عاشوراء سنة عشرين، والمعتصم بالشمَاسية فِي سفينة، فمر به الزط عَلَى تعبئتهم ينفخون بالبوقات، فكان أولهم بالقفص [٤] ، وآخرهم بحذاء [٥] الشمَاسية، فأقاموا فِي سفنهم [٦] ثلاثة أيام، ثم عبر بهم إِلَى الجانب الشرقي، فدفعوا إِلَى بشر بْن السميدع، فذهب بهم إِلَى [٧] خانقين، ثم نقلوا من [٨] الثغر إلى
стр. 3497
عين زربة، فأغارت عليهم الروم بعد مدة/ فاجتاحوهم [١] ، فلم يفلت منهم أحد [٢] . ٢٣/ ب
[عقد المعتصم للأفشين على الجبال]
وفي هذه السنة: عقد المعتصم للأفشين عَلَى الجبال، وحرب بابك، وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من جمَادى الآخرة، فعسكر ببغداد، ثم صار إِلَى برزند.
ذكر خبر بابك
روى عن رجل من الصعاليك يقال لَهُ مطران [٣] ، قَالَ: بابك ابني فقيل لَهُ: كيف؟ قَالَ: كانت أمه تخدمني وتغسل ثيابي، فوقعت يومَا عَلَيْهَا، ثم غبنا عنها [٤] ، ثم قدمنا، فإذا هي تطلبني، فقالت: حين ملأت بطني تركتني فقلت لها: والله لئن ذكرتيني [٥] لأقتلنك. فسكتت، فهو والله ابني [٦] .
وذكر بعض المؤرخين أن أم بابك كانت عجوزا [٧] فقيرة [فِي قرية] [٨] من قرى الأدعان [٩] فشغف بها رجل من النبط [١٠] فِي السواد [١١] يقال لَهُ عبد الله [بْن محمد بْن منبه] [١٢] فحملت منه، وقتل الرجل، وبابك [١٣] حمل، فوضعته وجعلت تكتسب له، إلى
стр. 3498
أن بلغ، وصار أجيرا لأهل قريته [١] عَلَى سرحهم بطعامه وكسوته، وَكَانَ فِي تلك الجبال من الخرّمية قوم [٢] وعليهم رئيسان يتكافحان، يقال لأحدهمَا جاوندان والآخر عمران، فمر جاوندان بقرية بابك، فتفرس فيه الجلادة، فاستأجره من أمه، وحمله إلى ناحيته ٢٤/ أفمالت إليه امرأته وعشقته، فأفشت إليه أسرار زوجها/، وأطلعته على دفائنه، فلم يلبث إلا قليلا حتى وقعت بين جاوندان وعمران حرب [٣] ، فأصابت جاوندان جراحة فمَات منها [٤] ، فزعمت امرأة جاوندان أنه قد استخلف بابك عَلَى أمره، فصدقوها، فجمع بابك أصحابه وأمرهم أن يقوموا بالليل، وأن يقتلوا من لقوا من [٥] رجل أو صبي، فأصبح الناس قتلى، لا يدرون من قتلهم [٦] ، ثم انضوى إليه الذّعار وقطاع الطريق وأرباب الزيغ، حَتَّى اجتمع إليه جمع كثير [٧] ، واحتوى على مدن وقرى، وقتل، ومثل، وحرق، وانهمك فِي الفساد، وَكَانَ يستبيح المحظورات، وَكَانَ من رؤساء الباطنية.
(وَكَانَ ظهور بابك فِي سنة إحدى ومَائتين، بناحية أذربيجان [٨] ، وهزم من جيوش السلطان وقواده خلقا كثيرا، وبقي عشرين سنة عَلَى ذلك [٩] ، فقتل مَائتي ألف وخمسة وخمسين ألف وخمسمَائة إنسان. وَكَانَ إذا علم عند أحد بنتا جميلة، أو أختا طلبها منه، فإن بعثها إليه وإلا بيته وأخذها، فاستنقذ من يده لمَا أخذه [١٠] المسلمون سبعة آلاف وستمائة إنسان) [١١] .
стр. 3499
ولمَا ولي المعتصم، بعث إليه أبا سعيد محمد بْن يوسف إِلَى أردبيل، وأمره أن يبني الحصون التي خرّبها بابك فيها بين زنجان وأردبيل، ويجعل فيها الرجال مسالح لحفظ الطريق لمن يجلب الميرة إِلَى أردبيل، فتوجه [١] أبو سعيد لذلك، وبنى الحصون، فوجه بابك سريّة [٢] لَهُ فِي بعض غاراته، وجعل أميرهم رجلا يقال لَهُ:
معاوية، فخرج فأغار عَلَى بعض النواحي ورجع منصرفا، فبلغ ذلك أبا سعيد محمد بْن يوسف، فجمع الناس، وخرج إليه، فعرض له في بعض الطريق، فواقعه [٣] ، فقتل من أصحابه جمَاعة، وأسر منهم جمَاعة، واستنقذ مَا كَانَ حواه، فهذه أول هزيمة كانت عَلَى أصحاب بابك، وبعث أبو سعيد الأسرى والرءوس [٤] إِلَى المعتصم [٥] .
ثم كانت أخرى لمحمد بْن البعيث، وَكَانَ فِي قلعة حصينة، وَكَانَ مصالحا لبابك إذا توجهت سراياه نزلت به، فأضافهم، فوجه بابك رجلا يقال لَهُ: عصمة فِي سرية، فنزل بابن البعيث، فأقام لَهُ الضيافة عَلَى العادة، وبعث إلى عصمة/ أن يصعد إليه في ٢٤/ ب خاصته ووجوه أصحابه، فصعد فغداهم وسقاهم حَتَّى أسكرهم، ثم وثب عَلَى عصمة فاستوثق منه، وقتل من كَانَ معه من أصحابه، وأمره أن يسمي رجلا رجلا [٦] من أصحابه باسمه، فكان يدعى [٧] الرجل باسمه [٨] فيصعد، فيضرب عنقه، حَتَّى علم الباقون فهربوا، ووجه بعصمة إِلَى المعتصم، فلم يزل محبوسا إلى أيام الواثق [٩] .
فندب المعتصم الأفشين للقاء بابك، وعقد لَهُ عَلَى الجبال كلها، ووصف [١٠] لَهُ كل يوم يركب فيه عشرة آلاف درهم صلة [١١] ، ويومَا لا يركب خمسة آلاف درهم، سوى الأرزاق والأنزال والمعاون ومَا يتصل إليه من أعمَال الجبال، وأجازه عند خروجه بألف ألف درهم فقاومه الأفشين سنة، وانهزم من بين يديه غير مرة، ولمَا وصل [١٢] الأفشين إِلَى برزند عسكر بِهَا، ورمّ الحصون مَا بين برزند، وأردبيل، وأنزل محمد بْن يوسف بموضع
стр. 3500
يُقَالُ لَهُ خش، واحتفر حوله خندقا، وَكَانَ إذا وقع بجاسوس لبابك [١] أضعف لَهُ مَا يعطيه بابك، وَيَقُولُ لَهُ: كن جاسوسا لنا [٢] .
فوجه المعتصم مَعَ بغا الكبير بمَال إِلَى الأفشين لجنده وللنفقات، فبلغ الخبر إِلَى بابك، فتهيأ ليقطع الطريق عَلَيْهِ ويأخذ المَال، فعرف الأفشين، فكتب إِلَى بغا [٣] بأن يقيم بأردبيل حتى يأتيه رأيه، وركب الأفشين فِي سر، فجاء وبابك قاعد عَلَى غفلة، وأصحابه قد تفرقوا، فاشتبكت الحرب، فلم يفلت من رجال بابك أحد، وأفلت هُوَ فِي نفر يسير إِلَى موقان، ورجع الأفشين إِلَى معسكره ببرزند، ثم بعث إِلَى البذ فجاءه في ٢٥/ أالليل عسكر فيه/ رجّالة، فرحل بهم من موقان حَتَّى دخل البذ، وهي مدينة بابك [٤] .
[خروج المعتصم إلى القاطول]
وفي هذه السنة: خرج المعتصم إِلَى القاطول، وذلك فِي ذي القعدة، واستخلف الواثق [ابنه ببغداد] [٥] وَكَانَ السبب فِي ذلك [٦] : خوفه من جنوده [٧] ، وَكَانَ قد قَالَ لأحمد بْن أبي خالد: يا أحمد [٨] ، اشتر لي بناحية سامراء موضعا أبني فيه مدينة، فإني أتخوف أن يصيح هؤلاء الحربية صيحة فيقتلوا غلمَاني، حَتَّى أكون فوقهم، فإن رابني منهم ريب أتيتهم فِي البر والبحر، حَتَّى آتي عليهم، وقال لي: خذ مَائة ألف دينار. فَقَالَ آخذ خمسة آلاف دينار، فكلمَا احتجت إِلَى زيادة بعثت فاستزدت. قَالَ: نعم. قَالَ:
[فأتيت الموضع] [٩] فاشتريت سامراء بخمسمَائة درهم من النصارى أصحاب الدير، واشتريت موضع البستان الخاقاني بخمسة آلاف درهم، واشتريت عدة مواضع، حَتَّى أحكمت مَا أردت، ثم انحدرت فأتيته بالصكاك، فعزم عَلَى الخروج إليها فِي سنة عشرين، فخرج حَتَّى إذا قاربها وقارب القاطول، ضربت [لَهُ] [١٠] فيه القباب والمضارب، وضرب الناس الأخبية، ثم لم يزل يتقدم [وتضرب] لَهُ القباب حَتَّى [١١] وضع البناء بسامراء فِي سنة إحدى وعشرين.
стр. 3501
وسأل المعتصم مسرورا الخادم: أين كَانَ الرشيد يتنزه إذا ضجر [١] من المقام؟
فَقَالَ: بالقاطول، قَدْ كَانَ بنى هناك مدينة آثارها وسورها قائم، وقد كَانَ خاف من الجند أيضا، فلمَا وثب أهل الشام بالشام [٢] وعصوا خرج الرشيد إِلَى الرقة، فأقام بِهَا، وبقيت مدينة القاطول لم تستتم [٣] .
وَكَانَ بالبصرة في هذه السنة طاعون، مَات فيه خلق كثير، وَكَانَ لرجل سبع بنين فمَاتوا فِي يَوْمٍ واحد فعزي، فقال: سلم سلم/. ٢٥/ ب
[غضب المعتصم عَلَى وزيره الفضل بْن مروان]
وفي هذه السنة: غضب المعتصم عَلَى وزيره الفضل بْن مروان، وأخذ منه مَا قيمته عشرة آلاف ألف دينار، وَكَانَ الفضل فِي أول أمره متصلا برجل من العمَال يكتب لَهُ، وَكَانَ حسن الخط، ثم صار مَعَ كاتب للمعتصم يقال لَهُ يحيى الجرمقاني [٤] ، فلمَا مَات الجرمقاني صار الفضل فِي موضعه، ثم ترقى إِلَى الوزارة، وصارت الدواوين كلها تحت يده، وحل من المعتصم محلا زائدا في الحد، فحملته الدالة عَلَى أن كَانَ المعتصم يأمره بإعطاء المغني والملهي فلا ينفذ ذلك، فثقل [٥] عَلَى المعتصم، إِلَى أن أمر لرجل بشيء فلم يعطه الفضل، فلمَا كَانَ بعد مدة قال الرجل بالمداعبة للمعتصم:
ما لك من الخلافة إلا الاسم، وإنمَا الخليفة الفضل. قال: ولم [٦] ؟ قال: لأن أمرك لا ينفذ [تأمره بإعطاء المغني والملهي فلا ينفذ ذلك، و] [٧] أمرت لي بكذا منذ مدة فمَا أعطيت. فتغير المعتصم للفضل، فصير أحمد بْن عمَار الخراساني زمَامَا عَلَيْهِ فِي نفقات الخاصة، ونصر بْن منصور بْن بسام زمَامَا عَلَيْهِ فِي الخراج وجميع الأعمال، وكان محمد بن عبد الملك الزيات يتولى عمل الفساطيط وآلة الجمَازات وَكَانَ يلبس الدراعة السوداء، فَقَالَ لَهُ الفضل: إنما أنت تاجر فما لك والسواد [٨] .
أَخْبَرَنَا محمد بْن أبي طاهر قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بْن المحسن، عن أبيه قَالَ: حدثني أبو الحسن أحمد [٩] بْن يوسف، عن [١٠] الأزرق قَالَ: حدثني غير واحد من مشايخ الكتّاب:
стр. 3502
أن المعتصم قَالَ: أريد صرف عُبَيْد اللَّهِ بْن سليمَان عن الوزارة منذ دهر، فإذا فكرت فِي أني أصرفه ضاع من ارتفاعي فيمَا بين صرفه وولاية وزير آخر خمسمَائة ألف دينار/ ٢٦/ أفلم [١] أصرفه، قَالَ المحسن: هَذَا وإنمَا كَانَ فِي يد المعتصم قطعة من الدنيا بل قطعة يسيرة، عمَا كَانَ فِي يد [٢] غيره من الخلفاء.
ويحقق هَذَا الرأي مَا بلغنا فِي أيام المعتصم أنه أنكر عَلَى الفضل بْن مروان شيئا وهو يتقلد ديوان الخراج، فأنفذ إليه محمد بْن عبد الملك الزيات برسالة قبيحة، وكانت بَيْنَهُمَا عداوة، فجاء محمد حَتَّى وقف عَلَى باب الديوان [راكبا لم ينزل] [٣] وقال: قولوا لَهُ معي رسالة من أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فليخرج [إلي] [٤] حَتَّى أؤديها إليه فجاء الغلمَان فعرفوه وَهُوَ جالس يعمل، وفي حجره منديل ودواته مفتوحة، والعمَال بين يديه والكتاب، فترك ذلك وخرج وقال لمحمد: قل. قَالَ: وتبعه [٥] الناس [فِي خروجه] [٦] ، فَقَالَ لَهُ محمد بين أيديهم وَهُوَ راكب ولم ينزل: إن [٧] أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يقول لك كيت وكيت، وانصرف ودخل الفضل ولم يبن [٨] عَلَيْهِ تغير ولا اضطراب، وعاد فعمل، وركب فِي الليل إِلَى الخليفة فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، ديوان الخراج سلة خبزك، ومعاملي فيه مَعَ من يطمع فيك، وفي مَالك، وباليسير تنخرق الهيبة، وقد جرى اليوم مَا أذهب منك [فيه] [٩] خمس مَائة ألف دينار، قَالَ: ومَا هُوَ؟ قَالَ: جاء محمد بْن عبد الملك إِلَى باب الديوان وبحضرتي العمَال الذين عليهم الأموال، وخلفاء العمَال الذين فِي النواحي، وأنا أطالبهم، فلم ينزل إلي، وأخرجني إليه، وأدى إليّ الرسالة ظاهرا وهم يسمعون/ ٢٦/ ب فعدت وقد تقاعدني من كَانَ يريد الأداء، وكتب إِلَى العمَال بذلك، فتوقفوا [١٠] عن حمل مَا يريدون حمله، ووقع الإرجاف بصرفي، فوقف علي [١١] من الارتفاع خمس مَائة ألف دينار، وهي الآن كالتالف. فقال: ولم أدّى الرسالة ظاهرا [١٢] وما أمرته بذلك؟
стр. 3503
فَقَالَ: لمَا بيننا من العداوة. فَقَالَ لَهُ المعتصم: امض لشأنك، فقد زال مَا [كَانَ] [١] في نفسي عليك وسأبلغك فيه مَا تحب.
قَالَ المصنف: ثم إن المعتصم خرج إِلَى القاطول، فغضب عَلَى الفضل وأهل بيته وأمرهم برفع ما جرى عَلَى أيديهم، وأخذ الفضل يعمل حسابه ثم حبسه وحبس أصحابه، ثم نفاه إِلَى قرية في طريق الموصل يقال لها السن، وصير مكانه محمد بْن عبد الملك الزيات، فصار محمد وزيرا [٢] ، وجرى عَلَى يديه عامة مَا بنى المعتصم بسامراء، ولم يزل فِي مرتبته، إِلَى أن استخلف المتوكل [٣] .
وحج بالناس في هذه السنة: صالح بْن العباس بْن مُحَمَّد [٤] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٢٥٢- آدم بْن أبي إياس، [واسم] [٥] أبي إياس: ناهية [٦] .
وقال البخاري: هُوَ: آدم بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن محمد يكنى أبا الحسن.
مولى، أصله من خراسان، ونشأ ببغداد، ودخل إِلَى البلاد، وسمع من شعبة والليث، وخلق كثير، وكان من العلمَاء الثقات الصالحين، واستوطن عسقلان.
وتوفي بِهَا في هذه السنة.
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي/ بن ثابت، أخبرنا ٢٧/ أأحمد بْن عبد الواحد [٧] حَدَّثَنَا إسمَاعيل بْن سعيد بْن المعدل، حَدَّثَنَا الحسين بْن القاسم الكوكبي قَالَ [٨] : حدثني أَبُو علي المقدمي قَالَ: لمَا حضرت آدم بْن [أبي] [٩] إياس الوفاة ختم القرآن وَهُوَ مسجى، ثم قَالَ: بحبي لك إلا رفقت بي في هذا
стр. 3504
المصرع، كنت أؤملك لهذا اليوم، كنت أرجوك لهذا، ثم قَالَ [١] : لا إله إلا الله، ثم قضى [٢] .
١٢٥٣- خلف بْن أيوب، أبو سعيد العامري البلخي [٣] .
فقيه أهل بلخ وزاهدهم، أخذ الفقه عن أبي يوسف، وابن أبي ليلى. والزهد عن إبراهيم بْن أدهم [٤] .
وسمع الحديث من عوف بْن أبي جميلة، وإسرائيل، ومعمر، وغيرهم، روى عنه: أحمد، ويحيى، وأبو كُرَيْب.
أنبأنا زاهر بْن طاهر، أنبأنا أحمد بْن الحسين البيهقي، أنبأنا [٥] أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم قَالَ: سمعت أبا بكر مُحَمَّد بْن عبد العزيز المذكر يقول:
سمعت أبا عمرو محمد بْن علي الكندي [٦] يقول: سمعت مشايخنا يذكرون أن السبب [فِي] [٧] إثبات ملك آل ساسان أن أسد بْن نوح خرج إِلَى المعتصم، وَكَانَ أسد حسن المنظر شجاعا عالمَا فصيحا عاقلا فتعجبوا من حسنه وجمَاله وفصاحته [٨] . فَقَالَ لَهُ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ: هل فِي بيتك أشجع منك؟ قَالَ: لا. قَالَ: فهل فِي بيتك أعقل منك؟ قال:
٢٧/ ب لا. فلم يعجب الخليفة ذلك منه، فدخل عَلَيْهِ بعد ذلك فسأله مثل تِلْكَ المسألة، فأجابه/ بمثل ذلك الجواب، فلم يعجبه، ثم إنه كرر عليه السؤال فأجابه بمثله، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، هلا قلت ولم ذاك؟ قَالَ: ويحك، ولم ذلك [٩] ؟ قَالَ: لأنه ليس فِي أَهْل بيتي أحد وطئ بساط الخليفة وشاهد طلعته، وقابله بالمسألة التي قابلني بِهَا ورضي خلقه وخلقه غيري، فأنا أفضلهم إذا [١٠] فاستحسن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ذلك منه فتمكن موقعه لديه، ثُمّ إنه خيره بين أعمَال كور خراسان فاختار منها ولاية بلخ ونواحيها، فلمَا ورد بلخ بعهد أَمِير الْمُؤْمِنِينَ كَانَ يتولى الخطبة بنفسه، ثم إنه سأل عن علمَاء بلخ هل فيهم من لم يقصده. قالوا: نعم، خلف بْن أيوب أعلم أهل الناحية وأزهدهم وأورعهم وهو يتجنب
стр. 3505
السّلطان، ولا سبيل إليه فِي اختلافه إِلَى السلاطين [١] ، فاشتهى أسد بْن نوح لقاءه، فوكل بعض أصحاب الأخبار بخلف بْن أيوب وقال: إذا كَانَ يوم الجمعة فراقب [٢] خلفا، فإذا [٣] خرج من بيته، فبادر إلي وعرفني، فذهب صاحب الخبر فراقب خلف بْن أيوب حَتَّى خرج من بيته يقصد الجمعة، فبادر وأخبره، [فركب] [٤] فلمَا استقبله نزل عن دابته وقصد خلفا فلمَا رآه خلف قد قصده قعد مكانه، وغطى وجهه بردائه، فَقَالَ:
السلام عليكم. فأجابه جوابا مشفيا، فسلم المرة الثانية، فأجاب ولم يرفع رأسه، فرفع أسد بْن نوح رأسه إِلَى السمَاء، ثم قَالَ: اللَّهمّ إن هذا العبد الصالح يبغضنا/ فيك، ٢٨/ أونحن نحبه فيك، ثم ركب ومر، فأخبر بعد ذلك أن خلف بْن أيوب مرض فذهب إليه يعوده، فَقَالَ [لَهُ:] [٥] هل لك من حاجة؟ قال: نعم. قال: وما هي؟ قال [٦] : حاجتي أن لا تعود إليّ وإذا مرضت. قَالَ [٧] : وهل غير ذلك؟ قَالَ: إن مت فلا تصلي علي وعليك السواد، قَالَ: فلمَا توفي خلف شهد [أسد] [٨] بْن نوح جنازته راجلا، فلمَا بلغ المصلى نزع السواد وتقدم فصلى عَلَيْهِ، فسمع صوتا بالليل: بتواضعك وإجلالك لخلف بْن أيوب ثبتت الدولة فِي عقبك، ولا تنقطع أبدا.
وفي رواية أخرى: أن أسدا رأى النَّبِيّ ﵌ فِي المنام كأنه يقول لَهُ: يَا أسد بْن نوح، ثبت ملكك وملك بيتك بإجلالك لخلف بْن أيوب.
١٢٥٤- سليمَان بْن داود بْن داود بْن علي بْن عبد الله بْن العباس، أبو [٩] أيوب الهاشمي [١٠] .
كَانَ داود بْن علي قد مَات وابنه حمل، فلمَا ولد سمّوه باسمه داود، وسمع سليمان