وسأل المعتصم مسرورا الخادم: أين كَانَ الرشيد يتنزه إذا ضجر [١] من المقام؟
فَقَالَ: بالقاطول، قَدْ كَانَ بنى هناك مدينة آثارها وسورها قائم، وقد كَانَ خاف من الجند أيضا، فلمَا وثب أهل الشام بالشام [٢] وعصوا خرج الرشيد إِلَى الرقة، فأقام بِهَا، وبقيت مدينة القاطول لم تستتم [٣] .
وَكَانَ بالبصرة في هذه السنة طاعون، مَات فيه خلق كثير، وَكَانَ لرجل سبع بنين فمَاتوا فِي يَوْمٍ واحد فعزي، فقال: سلم سلم/. ٢٥/ ب
[غضب المعتصم عَلَى وزيره الفضل بْن مروان]
وفي هذه السنة: غضب المعتصم عَلَى وزيره الفضل بْن مروان، وأخذ منه مَا قيمته عشرة آلاف ألف دينار، وَكَانَ الفضل فِي أول أمره متصلا برجل من العمَال يكتب لَهُ، وَكَانَ حسن الخط، ثم صار مَعَ كاتب للمعتصم يقال لَهُ يحيى الجرمقاني [٤] ، فلمَا مَات الجرمقاني صار الفضل فِي موضعه، ثم ترقى إِلَى الوزارة، وصارت الدواوين كلها تحت يده، وحل من المعتصم محلا زائدا في الحد، فحملته الدالة عَلَى أن كَانَ المعتصم يأمره بإعطاء المغني والملهي فلا ينفذ ذلك، فثقل [٥] عَلَى المعتصم، إِلَى أن أمر لرجل بشيء فلم يعطه الفضل، فلمَا كَانَ بعد مدة قال الرجل بالمداعبة للمعتصم:
ما لك من الخلافة إلا الاسم، وإنمَا الخليفة الفضل. قال: ولم [٦] ؟ قال: لأن أمرك لا ينفذ [تأمره بإعطاء المغني والملهي فلا ينفذ ذلك، و] [٧] أمرت لي بكذا منذ مدة فمَا أعطيت. فتغير المعتصم للفضل، فصير أحمد بْن عمَار الخراساني زمَامَا عَلَيْهِ فِي نفقات الخاصة، ونصر بْن منصور بْن بسام زمَامَا عَلَيْهِ فِي الخراج وجميع الأعمال، وكان محمد بن عبد الملك الزيات يتولى عمل الفساطيط وآلة الجمَازات وَكَانَ يلبس الدراعة السوداء، فَقَالَ لَهُ الفضل: إنما أنت تاجر فما لك والسواد [٨] .
أَخْبَرَنَا محمد بْن أبي طاهر قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بْن المحسن، عن أبيه قَالَ: حدثني أبو الحسن أحمد [٩] بْن يوسف، عن [١٠] الأزرق قَالَ: حدثني غير واحد من مشايخ الكتّاب:
стр. 3502
أن المعتصم قَالَ: أريد صرف عُبَيْد اللَّهِ بْن سليمَان عن الوزارة منذ دهر، فإذا فكرت فِي أني أصرفه ضاع من ارتفاعي فيمَا بين صرفه وولاية وزير آخر خمسمَائة ألف دينار/ ٢٦/ أفلم [١] أصرفه، قَالَ المحسن: هَذَا وإنمَا كَانَ فِي يد المعتصم قطعة من الدنيا بل قطعة يسيرة، عمَا كَانَ فِي يد [٢] غيره من الخلفاء.
ويحقق هَذَا الرأي مَا بلغنا فِي أيام المعتصم أنه أنكر عَلَى الفضل بْن مروان شيئا وهو يتقلد ديوان الخراج، فأنفذ إليه محمد بْن عبد الملك الزيات برسالة قبيحة، وكانت بَيْنَهُمَا عداوة، فجاء محمد حَتَّى وقف عَلَى باب الديوان [راكبا لم ينزل] [٣] وقال: قولوا لَهُ معي رسالة من أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فليخرج [إلي] [٤] حَتَّى أؤديها إليه فجاء الغلمَان فعرفوه وَهُوَ جالس يعمل، وفي حجره منديل ودواته مفتوحة، والعمَال بين يديه والكتاب، فترك ذلك وخرج وقال لمحمد: قل. قَالَ: وتبعه [٥] الناس [فِي خروجه] [٦] ، فَقَالَ لَهُ محمد بين أيديهم وَهُوَ راكب ولم ينزل: إن [٧] أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يقول لك كيت وكيت، وانصرف ودخل الفضل ولم يبن [٨] عَلَيْهِ تغير ولا اضطراب، وعاد فعمل، وركب فِي الليل إِلَى الخليفة فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، ديوان الخراج سلة خبزك، ومعاملي فيه مَعَ من يطمع فيك، وفي مَالك، وباليسير تنخرق الهيبة، وقد جرى اليوم مَا أذهب منك [فيه] [٩] خمس مَائة ألف دينار، قَالَ: ومَا هُوَ؟ قَالَ: جاء محمد بْن عبد الملك إِلَى باب الديوان وبحضرتي العمَال الذين عليهم الأموال، وخلفاء العمَال الذين فِي النواحي، وأنا أطالبهم، فلم ينزل إلي، وأخرجني إليه، وأدى إليّ الرسالة ظاهرا وهم يسمعون/ ٢٦/ ب فعدت وقد تقاعدني من كَانَ يريد الأداء، وكتب إِلَى العمَال بذلك، فتوقفوا [١٠] عن حمل مَا يريدون حمله، ووقع الإرجاف بصرفي، فوقف علي [١١] من الارتفاع خمس مَائة ألف دينار، وهي الآن كالتالف. فقال: ولم أدّى الرسالة ظاهرا [١٢] وما أمرته بذلك؟
стр. 3503
فَقَالَ: لمَا بيننا من العداوة. فَقَالَ لَهُ المعتصم: امض لشأنك، فقد زال مَا [كَانَ] [١] في نفسي عليك وسأبلغك فيه مَا تحب.
قَالَ المصنف: ثم إن المعتصم خرج إِلَى القاطول، فغضب عَلَى الفضل وأهل بيته وأمرهم برفع ما جرى عَلَى أيديهم، وأخذ الفضل يعمل حسابه ثم حبسه وحبس أصحابه، ثم نفاه إِلَى قرية في طريق الموصل يقال لها السن، وصير مكانه محمد بْن عبد الملك الزيات، فصار محمد وزيرا [٢] ، وجرى عَلَى يديه عامة مَا بنى المعتصم بسامراء، ولم يزل فِي مرتبته، إِلَى أن استخلف المتوكل [٣] .
وحج بالناس في هذه السنة: صالح بْن العباس بْن مُحَمَّد [٤] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٢٥٢- آدم بْن أبي إياس، [واسم] [٥] أبي إياس: ناهية [٦] .
وقال البخاري: هُوَ: آدم بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن محمد يكنى أبا الحسن.
مولى، أصله من خراسان، ونشأ ببغداد، ودخل إِلَى البلاد، وسمع من شعبة والليث، وخلق كثير، وكان من العلمَاء الثقات الصالحين، واستوطن عسقلان.
وتوفي بِهَا في هذه السنة.
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي/ بن ثابت، أخبرنا ٢٧/ أأحمد بْن عبد الواحد [٧] حَدَّثَنَا إسمَاعيل بْن سعيد بْن المعدل، حَدَّثَنَا الحسين بْن القاسم الكوكبي قَالَ [٨] : حدثني أَبُو علي المقدمي قَالَ: لمَا حضرت آدم بْن [أبي] [٩] إياس الوفاة ختم القرآن وَهُوَ مسجى، ثم قَالَ: بحبي لك إلا رفقت بي في هذا
стр. 3504
المصرع، كنت أؤملك لهذا اليوم، كنت أرجوك لهذا، ثم قَالَ [١] : لا إله إلا الله، ثم قضى [٢] .
١٢٥٣- خلف بْن أيوب، أبو سعيد العامري البلخي [٣] .
فقيه أهل بلخ وزاهدهم، أخذ الفقه عن أبي يوسف، وابن أبي ليلى. والزهد عن إبراهيم بْن أدهم [٤] .
وسمع الحديث من عوف بْن أبي جميلة، وإسرائيل، ومعمر، وغيرهم، روى عنه: أحمد، ويحيى، وأبو كُرَيْب.
أنبأنا زاهر بْن طاهر، أنبأنا أحمد بْن الحسين البيهقي، أنبأنا [٥] أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم قَالَ: سمعت أبا بكر مُحَمَّد بْن عبد العزيز المذكر يقول:
سمعت أبا عمرو محمد بْن علي الكندي [٦] يقول: سمعت مشايخنا يذكرون أن السبب [فِي] [٧] إثبات ملك آل ساسان أن أسد بْن نوح خرج إِلَى المعتصم، وَكَانَ أسد حسن المنظر شجاعا عالمَا فصيحا عاقلا فتعجبوا من حسنه وجمَاله وفصاحته [٨] . فَقَالَ لَهُ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ: هل فِي بيتك أشجع منك؟ قَالَ: لا. قَالَ: فهل فِي بيتك أعقل منك؟ قال:
٢٧/ ب لا. فلم يعجب الخليفة ذلك منه، فدخل عَلَيْهِ بعد ذلك فسأله مثل تِلْكَ المسألة، فأجابه/ بمثل ذلك الجواب، فلم يعجبه، ثم إنه كرر عليه السؤال فأجابه بمثله، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، هلا قلت ولم ذاك؟ قَالَ: ويحك، ولم ذلك [٩] ؟ قَالَ: لأنه ليس فِي أَهْل بيتي أحد وطئ بساط الخليفة وشاهد طلعته، وقابله بالمسألة التي قابلني بِهَا ورضي خلقه وخلقه غيري، فأنا أفضلهم إذا [١٠] فاستحسن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ذلك منه فتمكن موقعه لديه، ثُمّ إنه خيره بين أعمَال كور خراسان فاختار منها ولاية بلخ ونواحيها، فلمَا ورد بلخ بعهد أَمِير الْمُؤْمِنِينَ كَانَ يتولى الخطبة بنفسه، ثم إنه سأل عن علمَاء بلخ هل فيهم من لم يقصده. قالوا: نعم، خلف بْن أيوب أعلم أهل الناحية وأزهدهم وأورعهم وهو يتجنب
стр. 3505
السّلطان، ولا سبيل إليه فِي اختلافه إِلَى السلاطين [١] ، فاشتهى أسد بْن نوح لقاءه، فوكل بعض أصحاب الأخبار بخلف بْن أيوب وقال: إذا كَانَ يوم الجمعة فراقب [٢] خلفا، فإذا [٣] خرج من بيته، فبادر إلي وعرفني، فذهب صاحب الخبر فراقب خلف بْن أيوب حَتَّى خرج من بيته يقصد الجمعة، فبادر وأخبره، [فركب] [٤] فلمَا استقبله نزل عن دابته وقصد خلفا فلمَا رآه خلف قد قصده قعد مكانه، وغطى وجهه بردائه، فَقَالَ:
السلام عليكم. فأجابه جوابا مشفيا، فسلم المرة الثانية، فأجاب ولم يرفع رأسه، فرفع أسد بْن نوح رأسه إِلَى السمَاء، ثم قَالَ: اللَّهمّ إن هذا العبد الصالح يبغضنا/ فيك، ٢٨/ أونحن نحبه فيك، ثم ركب ومر، فأخبر بعد ذلك أن خلف بْن أيوب مرض فذهب إليه يعوده، فَقَالَ [لَهُ:] [٥] هل لك من حاجة؟ قال: نعم. قال: وما هي؟ قال [٦] : حاجتي أن لا تعود إليّ وإذا مرضت. قَالَ [٧] : وهل غير ذلك؟ قَالَ: إن مت فلا تصلي علي وعليك السواد، قَالَ: فلمَا توفي خلف شهد [أسد] [٨] بْن نوح جنازته راجلا، فلمَا بلغ المصلى نزع السواد وتقدم فصلى عَلَيْهِ، فسمع صوتا بالليل: بتواضعك وإجلالك لخلف بْن أيوب ثبتت الدولة فِي عقبك، ولا تنقطع أبدا.
وفي رواية أخرى: أن أسدا رأى النَّبِيّ ﵌ فِي المنام كأنه يقول لَهُ: يَا أسد بْن نوح، ثبت ملكك وملك بيتك بإجلالك لخلف بْن أيوب.
١٢٥٤- سليمَان بْن داود بْن داود بْن علي بْن عبد الله بْن العباس، أبو [٩] أيوب الهاشمي [١٠] .
كَانَ داود بْن علي قد مَات وابنه حمل، فلمَا ولد سمّوه باسمه داود، وسمع سليمان
стр. 3506
عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أبي الزياد، وإبراهيم بْن سعد، وسفيان بْن عيينة، وغيرهم. وروى عنه: أحمد بْن حنبل، وإبراهيم الحربي، وَكَانَ ثقة.
قَالَ الشافعي: مَا رأيت [١] أعقل من رجلين: أحمد بْن حنبل، وسليمَان بْن داود الهاشمي.
وقال أحمد بْن حنبل: لو قيل لي اختر للأمة رجلا استخلفه عليهم استخلفت سليمَان بْن دَاوُد الهاشمي [٢] .
توفي سليمَان في هذه السنة. وقيل: فِي سنة تسع عشرة.
١٢٥٥- عفان بْن مسلم أبو عثمَان الصفار، [البصري] [٣] ، مولى عزرة [٤] بْن ثابت الأنصاري [٥] .
ولد سنة أربع وثلاثين ومَائة، وحدث عن شعبة، والحمَادين، وخلق كثير. روى ٢٨/ ب عنه: أحمد، ويحيى، / وابن المديني، وغيرهم، وَكَانَ إمَامَا ثقة، صاحب سنة وورع، ضمن له عشرة آلاف دينار على أن يقف عن تعديل رجل [٦] ، ولا يقول عدل ولا غير عدل، فأبى وقال: لا أبطل حقا من الحقوق. وابتلي فِي المحنة فلم يجب.
أَخْبَرَنَا [عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ] [٧] الْقَزَّازِ قَالَ: أَخْبَرَنَا [أَحْمَدُ بْن عَلِيِّ بْن ثَابِتٍ] [٨] الْخَطِيبُ قَالَ: أخبرنا أَبُو منصور مُحَمَّد بْن عيسى بْن عبد العزيز، حَدَّثَنَا أبو الفضل صالح بْن أحمد التَّمِيمِيّ قال: سمعت القاسم بن أبي صالح يقول سمعت إبراهيم بْن الحسين ديزيل [٩] يقول: لمَا دعي عفان للمحنة كنت آخذا بلجام حمَاره فلما
стр. 3507
حضر عرض عَلَيْهِ القول فامتنع أن يجيب، فقيل لَهُ: يحبس عطاؤك قَالَ: وَكَانَ يعطى فِي كل شهر ألف دِرْهَم فَقَالَ: وَفي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ٥١: ٢٢ [١] قَالَ: فلمَا رجع [إِلَى داره] [٢] عذله نساؤه ومن فِي داره، وَكَانَ فِي داره نحو أربعين إنسانا، قَالَ: فدق عَلَيْهِ داق الباب، فدخل رجل شبهته بسمَان أو زيات، ومعه كيس فيه ألف درهم، فَقَالَ: يَا أبا عثمَان ثبتك الله كمَا ثبت هَذَا الدّين وهذا [لك] [٣] فِي كل شهر [٤] .
توفي أبو عثمَان في هذه السنة. وقيل: فِي سنة تسع عشرة، ولا يصح.
١٢٥٦- فتح الموصلي، أبو نصر [٥] .
ورد بغداد زائرا لبشر الحافي.
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن ثَابِت قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَلي بن ثابت قال: أخبرنا أبو عمر الْحَسَن بْن عثمَان بْن أحمد، أَخْبَرَنَا أحمد بْن جعفر بْن حمدان، حَدَّثَنَا العباس بْن يوسف، حَدَّثَنَا أَبُو جعفر البزار، حَدَّثَنَا أبو نصر ابْن أخت بشر الحافي [٦] قَالَ: كنت يومَا واقفا ببابنا، إذ أقبل رجل [٧] ثائر الرأس [٨] ، ملتف بالعباء، فَقَالَ لي: بشر فِي البيت؟ قلت: نعم، قَالَ: ادخل فقل لَهُ فتح بالباب. فدخلت فقلت: يَا خال، شيخ فِي عباء قَالَ لي: قل لبشر فتح بالباب، فخرج مسرعا فصافحه واعتنقه، فَقَالَ لَهُ الشيخ: يَا أبا نصر، ذكرتك البارحة/ واشتقت [٩] [إِلَى لقائك] [١٠] قَالَ: فدفع إليّ درهمَا، فقال: ٢٩/ أخذ بأربعة دوانيق خبزا ويكون جيدا وبدانقين تمرا، فقال الشيخ [١١] : قل له: يكون
стр. 3508
سهريزا [١] فجئته به. فَقَالَ الشيخ: قل لَهُ يأكل معنا [فَقَالَ: كل معنا] [٢] فأكلت معهم، فلما أكلت أخذ مَا فضل فِي طرف العباء ومضى، فخرج خالي معه فشيعه إِلَى باب حرب، فلمَا رجع قَالَ لي: [يَا بني] [٣] ، تدري من هَذَا؟ قلت: لا. قَالَ: هَذَا فتح الموصلي [٤] .
وفي رواية أخرى [٥] : أن بشرا قَالَ: تدرون لم حمل باقي الطعام؟ قالوا: لا. قَالَ:
إذا صح التوكل لم يضر الحمل.
[وقد ذكرنا فتحا الموصلي فِي سنة سبعين ومَائة، وذاك آخر] [٦] .
١٢٥٧- محمد بْن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أَبُو جعفر [٧] [رضوان الله عليهم] [٨] .
ولد سنة مَائة وخمس وتسعين، وقدم من المدينة إِلَى بغداد وافدا عَلَى المعتصم ومعه امرأته أم الفضل بنت المأمون، وَكَانَ المأمون قد زوجه إياها وأعطاه مالا عظيما، وذلك أن الرشيد كَانَ يجري عَلَى علي بْن موسى بن جعفر في كل سنة ثلاثمائة ألف درهم ولنزله عشرين ألف درهم فِي كل شهر، فَقَالَ المأمون لمحمد بْن علي بْن موسى لأزيدك عَلَى مرتبة أبيك وجدك. فأجرى لَهُ ذلك، ووصله بألف ألف درهم. وقدم بغداد فتوفي بِهَا يوم الثلاثاء لخمس ليال خلون من ذي الحجة في هذه السنة، وركب هارون بْن المعتصم وصلى عَلَيْهِ، ثم حمل ودُفِن فِي مقابر قريش عند جده موسى بْن جعفر [٩] ، وَهُوَ ابْن خمس وعشرين سنة، وثلاثة [١٠] أشهر، واثنى عشر [١١] يومَا، وحملت امرأته إِلَى قصر المعتصم فجعلت فِي جملة [١٢] الحرم.
وبلغنا عن بعض العلويين أنه قَالَ: كنت أهوى جارية بالمدينة، وتقصر يدي عن ثمنها، فشكوت ذلك إِلَى محمد بْن علي بْن موسى الرضا، فبعث فاشتراها سرا فلما
стр. 3509
بلغني أنها بيعت/ ولم أعلم أنه اشتراها زاد قلقي فأتيته فأخبرته ببيعها فَقَالَ: من ٢٩/ ب اشتراها؟ قلت: لا أعلم، قَالَ: فهل لك فِي الفرجة؟ قلت: نعم. فخرجنا إِلَى قصر لَهُ عنده ضيعه فيها نخل وشجر، وقد قدم إليه فرشا وطعامَا، فلمَا صرنا إِلَى الضيعة أخذ بيدي ودخلنا، ومنع أصحابه من الدخول، وأقبل يقول لي [١] : بيعت فلانة ولا تدري من اشتراها؟ فأقول: نعم وأبكي، حَتَّى انتهى إِلَى بيت عَلَى بابه ستر، وفيه جارية [٢] جالسة عَلَى فرض لَهُ قيمة، فتراجعت، فَقَالَ: والله لتدخلن، فدخلت، فإذا الجارية التي كنت أحبها بعينها، فبهت وتحيرت، فَقَالَ: أفتعرفها [٣] ؟ قلت: نعم، قَالَ: هي لك مَعَ الفرش والقصر والضيعة [والغلة] [٤] والطعام، وأقم بحياتي معها [٥] ، وابلغ وطرك [٦] فِي التمتع بِهَا، وخرج إِلَى أصحابه فَقَالَ: أمَا طعامنا فقد صار لغيرنا فجددوا لنا طعامَا، ثم دعا الأكار فعوضه [٧] عن حقه من الغلة حَتَّى صارت لي تامة ثم مضى.
стр. 3510
ثم دخلت سنة إحدى [وعشرين] [١] ومائتين
[الوقعة بين بابك وبغا الكبير]
فمن الحوادث فيها:
الوقعة بين بابك وبغا الكبير، فهزم بغا [٢] واستبيح عسكره، ثم واقع الأفشين بابك فهزمه الأفشين [٣] .
وشرح الحال: أن بغا لمَا تقدم [٤] بالمَال الذي تقدم ذكره من عند المعتصم تجهز [٥] بغا وحمل معه الزاد [٦] من غير أن يكون الأفشين أمره بذلك، فدخل قرية بابك، فخرج عسكر بابك فقتل من عسكره وأسر، واستباح، وجاء الخبر إِلَى الأفشين، فكتب إِلَى بغا [٧] إني فِي اليوم الفلاني أغزو بابك فاغزه [٨] أنت يومئذ لنجتمع عَلَيْهِ، فهاجت ريح، فرجع بغا إِلَى عسكره ولقيه الأفشين فهزمه، وأخذ عسكره وخيمه، ونزل في ٣٠/ أمعسكره/ ثم بيت بابك الأفشين ونقص عسكره، ثم عاد إلى بغا [فبيته] [٩] ، فخرج بغا
стр. 3511
راجلا حَتَّى نجا، وفرق الأفشين الناس فِي مشاتيهم تلك السنة، حَتَّى جاء الربيع من السنة المقبلة [١] .
[قتل قائد لبابك]
وفي هذه السنة: قتل قائد لبابك يقال لَهُ طرخان استأذنه أن يشتو فِي [٢] قرية لَهُ، فبعث إِلَيْهِ الأفشين من قتله وجاء برأسه [٣] .
[أتى أهل البصرة سيل من قبل البر]
وفيها [٤] : أتى أهل البصرة سيل من قبل البر، فغرق دورا كثيرة، وزاد المَاء حَتَّى خيف الغرق.
[انتقال المعتصم إلى سامراء]
وفيها: انتقل المعتصم إِلَى سامراء بعسكره لأن بغداد ضاقت بهم [٥] ، ونادى الناس بالعسكر فسميت سامراء العسكر.
فمن نسب [٦] من المحدثين فقيل العسكري فإنهم يختلفون، فمنهم من ينسب إِلَى [عسكر] [٧] سامراء، [وفيهم كثرة] [٨] .
ومنهم من ينسب إِلَى عسكر المهدي، منهم: محمد بْن عبد الله أبو بكر أحد فقهاء أصحاب الرأي كَانَ يتولى القضاء بعسكر المهدي، وَكَانَ عاقلا، إلا أنه اشتهر بالاعتزال.
ومنهم من ينسب إِلَى عسكر مصر، منهم: محمد بْن علي العسكري، مفتي مصر [٩] ، كَانَ ثقة عَلَى مذهب الشّافعيّ، وحدث بكتبه عن الربيع بْن سليمَان. وكذلك سليمَان بْن داود بْن سليمَان [١٠] أبو القاسم البزاز، حدث عن الربيع أيضا. وقيل لَهُ:
العسكري.
ومنهم من ينسب إِلَى عسكر مكرم من بلاد خوزستان، وفيهم كثرة، ومكرم باهلي، وَهُوَ أول من اختطها من العرب فتنسب البلدة إليه.
стр. 3512
[وحج بالناس في هذه السنة مُحَمَّد بن داود بْن عيسى، وَهُوَ والي مكة] [١] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٢٥٨- إبراهيم بن شماس، أبو إسحاق السمرقندي [٢] .
٣٠/ ب حدث عن إسمَاعيل بْن عياش، ومسلم بْن خالد الزنجي [٣] ، وفضيل/ بْن عياض، وابن المبارك، وغيرهم، روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وعباس الدوري.
وَكَانَ ثقة ثبتا صاحب سنة، وَكَانَ ضخمَا عظيم الهامة، فارسا شجاعا بطلا مبارزا، عالمَا فاضلا، قتلته الترك وَهُوَ جاء من ضيعته لم يشعر بهم، ولم يعرفوه، وذلك خارج سمرقند، فِي محرم هَذِهِ السنة، وقيل: سنة عشرين [٤] .
١٢٥٩- إبراهيم بْن سيار، أبو إسحاق البصري النظام [٥] .
كَانَ من كبار المتكلمين عَلَى مذهب المعتزلة، وله فِي ذلك تصانيف، والجاحظ يحكي عنه كثيرا [٦] .
أَخْبَرَنَا [أبو منصور] [٧] القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا [أحمد بن علي بن ثابت] الخطيب قال: أخبرني الحسن بْن علي الصيمري قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عمران المرزباني قَالَ:
أخبرني محمد بْن يحيى قَالَ: حَدَّثَنَا [محمد بْن يزيد] [٨] المبرد قَالَ: حدثني الجاحظ قَالَ: سمعت النظام يقول: العلم شيء [٩] لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإذا أعطيته كلك فأنت من إعطائه لك البعض عَلَى خطر.
قَالَ المرزباني: وَكَانَ لإبراهيم مذهب فِي ترقيق الشعر وتدقيق المعاني لم يسبق إليه، ذهب فِيهِ مذهب أهل الكلام المدققين [١٠] ، ومنه مَا أنشدنيه عبد الله بْن يحيى العسكري:
стр. 3513
وشادن ينطق بالطرف ... يقصر عنه منتهى الوصف
رق فلو بزت سرابيله [١] ... علقه الجو من اللطف
يجرحه اللحظ بتكراره ... ويشتكي الإيمَاء بالطرف
أفديه من مغرى بمَا ساءني ... كأنه يعلم مَا أخفي [٢]
١٢٦٠- عبد العزيز بْن يحيى بْن عبد العزيز بْن مسلم بْن ميمون [٣] الكناني/ المكي [٤] .
سمع سفيان بْن عيينة والشافعي، وصحبه طويلا وتفقه له، وخرج معه إلى ٣١/ أاليمن، وقدم بغداد في أيام المأمون، وجرى بينه وبين بشر المريسي مناظرات [٥] فِي القرآن، وَهُوَ صاحب كتاب «الحيدة» وَكَانَ من أهل الفضل والعلم، وله مصنفات عدة [٦] .
١٢٦١- عيسى بْن أبان بْن صدقة بْن موسى [٧] .
سمع إبراهيم من هشيم وغيره، وصحب محمد بْن الحسن، وتفقه لَهُ، واستخلفه يحيى بْن أكثم عَلَى القضاء بعسكر المهدي حين خرج يحيى مَعَ المأمون إِلَى فم الصلح، ثم تولى عيسى القضاء بالبصرة، فلم يزل عَلَيْهِ حَتَّى مَات وَكَانَ سخيا جدا، وَكَانَ يقول: والله لو أتيت برجل يفعل فِي مَاله كفعلي، لحجرت عَلَيْهِ، ويذكر عنه أنه كَانَ يذهب إِلَى القول بخلق القرآن.
أَخْبَرَنَا [أبو] [٨] منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بْن ثابت قَالَ: أَخْبَرَنَا القاضي أبو محمد الْحَسَن بْن الحسين بْن رامين، حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن محمد بْن جعفر حَدَّثَنَا محمد بْن يحيى بْن جَعْفَر البزاز، حَدَّثَنَا محمد بْن الرومي، حَدَّثَنَا محمد بْن داود بْن دينار الفارسي، حَدَّثَنَا محمد بْن الخليل، حَدَّثَنَا أبي- وكان صاحب سفيان الثوري-
стр. 3514
قَالَ: كنت بالبصرة فاختصم رجل مسلم ورجل يهودي عند القاضي، وَكَانَ قاضيهم [يومئذ] [١] عيسى بْن أبان، وَكَانَ يرى رأي القوم، فوقعت اليمين عَلَى المسلم، فَقَالَ لَهُ القاضي: قل والذي لا إله إِلَّا هُوَ، فَقَالَ لَهُ اليهودي: حلفه بالخالق لا بالمخلوق [٢] ، لأن لا إله إلا هُوَ فِي القرآن، وأنتم تزعمون أنه مخلوق، قَالَ: فتحير عيسى عند ذلك.
وقال: قوما حتى انظر في أمركما [٣] .
٣١/ ب توفي عيسى فِي محرم/ هَذِهِ السنة بالبصرة.
١٢٦٢- عاصم بْن علي بْن عاصم بْن صهيب، مولى قريبة بنت محمد بن أبي بكر الصديق، يكنى أبا الحسين، الواسطي [٤] .
حدث عن ابْن أبي ذئب [٥] ، وشعبة، والمسعودي، روى عنه: أحمد بْن حنبل، والبخاري فِي صحيحه، والحسن بْن محمد الزعفراني، وقال يحيى بْن معين: هُوَ سيد المسلمين، وعنه تضعيفه.
أَخْبَرَنَا [عَبْد الرَّحْمَنِ] الْقَزَّازُ أَخْبَرَنَا [أَحْمَد بْن عَلي] [٦] الخطيب، أَخْبَرَنَا أبو محمد الخلال قَالَ: ذكر أبو القاسم منصور بْن جعفر بْن ملاعب: أن إسمَاعيل بْن علي العاصمي حدثهم قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَر بْن حفص قَالَ: وجه المعتصم بمن يحرز [٧] مجلس عاصم بْن علي فِي رحبة النخل التي فِي جامع الرصافة، وَكَانَ عاصم يجلس عَلَى سطح المسقطات، وينتشر الناس فِي الرحبة ومَا يليها فيعظم الجمع جدا حَتَّى سمعته يومَا يقول: حَدَّثَنَا الليث بْن سعد، ويستعاد، فأعاد أربع عشرة مرة، والناس لا يسمعون، قَالَ: وَكَانَ هارون المستملي يركب نخلة معوجة ويستملي عَلَيْهَا، فبلغ المعتصم كثرة
стр. 3515
الجمع، فأمره بحرزهم [فوجه بقطاعي الغنم، فحرزوا] [١] المجلس مَائة ألف وعشرون ألفا [٢] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي، أَخْبَرَنَا الأزهري، أَخْبَرَنَا علي بْن محمد بْن لؤلؤ، أَخْبَرَنَا الهيثم [٣] الدوري، حَدَّثَنَا محمد بْن سويد الطحان قَالَ:
كنا عند عاصم بْن علي ومعنا أبو عبيد القاسم بْن سلام، وإبراهيم بْن أبي الليث، وذكر جمَاعة، وأحمد بْن حنبل يضرب ذلك اليوم، فجعل عاصم يقول: ألا رجل يقوم معي، فنأتي هَذَا الرجل فنكلمه؟ فمَا يجيبه أحد، قَالَ: فَقَالَ إبراهيم بْن أبي الليث: يَا أبا الحسين، أنا أقوم معك. فصاح: يَا غلام، خفي. فقال له إبراهيم: / يا أبا ٣٢/ أالحسين، أبلغ بناتي فأوصيهن وأجدد بهن عهدا. قَالَ: فظننا أنه ذهب يتكفن ويتحنط، ثم جاء فَقَالَ عاصم: يَا غلام، خفي فَقَالَ: يَا أبا الحسين، إني ذهبت إِلَى بناتي فبكين، قَالَ: وجاء كتاب ابنتي عاصم من واسط، يَا أبانا، إنه بلغنا أن هَذَا الرجل أَخَذَ أحمد بْن حنبل وضربه بالسوط عَلَى أن يقول القرآن مخلوق، فاتق الله ولا تجبه إن سألك، فو الله لئن يأتينا [٤] نعيك أحب إلينا من أن يأتينا أنك قلت [القرآن مخلوق] [٥] .
توفي عاصم فِي رجب هَذِهِ السنة.
١٢٦٣- محمود الوراق الشاعر، ابْن الحسن الوراق [٦] .
أكثر القول فِي الزهد والأدب، روى عنه ابْن أبي الدنيا، وابن مسروق، وكان نخاسا يبيع الرقيق.
стр. 3516
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدَّلُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد بْن جعفر الجوزي [١] قَالَ:
قَالَ أبو بكر بْن أَبِي الدنيا: أنشدني محمود الوراق قوله:
رجعت إِلَى السفيه بفضل حلمي ... فكان الحلم عنه لي [٢] لجامَا
وظن بي السفاه فلم يجدني ... أسافهه وقلت لَهُ سلامَا
فقام يجر رجليه ذليلا ... وقد كسب المذلة والملامَا
وفضل الحلم أبلغ فِي سفيه ... وأحرى أن تنال به انتقامَا [٣]
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن [بن محمد] [٤] قال: أخبرنا أحمد بْن علي، أَخْبَرَنَا الجوهري، أَخْبَرَنَا محمد بْن الْعَبَّاس حَدَّثَنَا أبو الحسن علي بْن موسى الرزاز [٥] ، حَدَّثَنَا قاسم الأنباري قَالَ: حدثني أبو بكر الطالقاني، عن أبيه. قَالَ: كنت جالسا عند محمود الوراق والناس يعزونه عن جاريته نشو، وقد كَانَ أعطى، [بِهَا ألفا من الدنانير] [٦] وإذا ٣٢/ ب بعض/ المعزين يكرر ذكر [٧] فضلها عنده ليحزنه، ففطن لَهُ، فأنشأ يقول:
ومنتصح يكرر ذكر نشو ... ليحدث لي بذكراها اكتئابا
أقول وعد مَا كانت تساوي ... سيخلفها الذي خلق الحسابا
عطيته إذا أعطى سرورا ... وإن أخذ الذي أعطى أثابا
فأي النعمتين أعم فضلا ... وأكرم فِي عواقبها إيابا
أنعمته التي أهدت سرورا ... أم الأخرى التي أهدت ثوابا
بل الأخرى التي نزلت بكره ... أحق بصبر من صبر احتسابا [٨]
стр. 3517
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن علي بْن ميمون، أَخْبَرَنَا محمد بْن علي بْن عَبْد الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا جعفر بْن محمد بْن حاجب، حَدَّثَنَا الحسين بْن محمد الفزاري قَالَ: أنشدني الحسن بْن علي بْن بزيع قَالَ: أنشدني محمود الوراق [قَالَ:] [١] .
العمر ينقص والذنوب تزيد ... ويقال عثرته الفتى ويعود
أنى يطيق جحود ذنب موبق ... رجل جوارحه عَلَيْهِ شهود
/ والمرء يسأل عن سنيه فيشتهي ... تقليلها وعن الممات يحيد [٢] ٣٣/ أ
هيهات لا غلط وليس بدافع ... للموت تقريب ولا تبعيد
أَخْبَرَنَا محمد بْن ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا طراد بْن محمد قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو الحسين بْن بشوان [قَالَ] [٣] : حَدَّثَنَا أبو علي الْبَرْذَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحَمَّدِ القرشي قَالَ [٤] : سمعت محمود الوراق ينشد:
يمثل [٥] ذو اللب فِي نفسه ... مصيبته قبل أن تنزلا
فإن نزلت بغتة لم ترعه ... لمَا كَانَ فِي نفسه مثلا
رأى الأمر يفضي [٦] إِلَى آخر ... فصير آخره أولا
وذو الجهل يأمن أيامه ... وينسى مصارع من قد خلا
فإن بدهته [٧] صروف الزمَان ... ببعض مصائبه أعولا
ولو قدم الجرم فِي نفسه [٨] ... لعلمه الصبر حسن البلا
стр. 3518
أَخْبَرَنَا ابْن ناصر، عن أبي القاسم بْن البسري [١] ، عن أبي عبد الله بن بَطَّةَ [٢] قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيِّ قال: حَدَّثَني أبي. قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الأعرابي عن محمود الوراق:
بقيت مَالك ميراثا لوارثه ... فليت شعري مَا بقى لك المَال
القوم بعدك فِي حال تسرهم ... فكيف بعدهم دارت بك الحال
مَالت بهم عنك [٣] دنيا أقبلت بهم ... وأدبرت عنك والأيام أحوال
٣٣/ ب/ ملّوا البكاء فمَا يبكيك من أحد ... واستحكم القيل فِي الميراث والقال
١٢٦٤- أبو جعفر المخولي [٤] .
سكن باب مخول [٥] من بغداد فنسب إليه [٦] .
أَخْبَرَنَا [عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ] [٧] الْقَزَّازِ قَالَ: أَخْبَرَنَا [أَحْمَدُ بْن عَلِيِّ بْن ثَابِتٍ] [٧] الْخَطِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو الحسن محمد بْن محمد بْن مخلد قَالَ الخلدي:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ قَالَ: حدثنا محمد بن الحسين، وحدثني إسمَاعيل بْن إبراهيم الترجمَاني قَالَ: سمعت أبا جعفر المخولي وَكَانَ عابدا عالمَا [٨] يقول: حرام عَلَى قلب صحب الدنيا أن يسكنه [٩] الورع الخفي، وحرام عَلَى نفس عَلَيْهَا زبانية الناس أن تذوق حلاوة الآخرة، وحرام عَلَى كل عالم لم يعمل بعلمه أن يتخذه المتقون إماما [١٠] .
стр. 3519
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين
[توجيه المعتصم إِلَى الأفشين جعفر بْن دينار مددا لَهُ]
فمن الحوادث فيها:
أن المعتصم وجه إِلَى الأفشين جعفر بْن دينار مددا لَهُ، ثم أتبعه بإيتاخ، ووجه معه ثلاثين ألف ألف درهم عطاء للجند والنفقات، وذلك بعد انقضاء الشتاء، فوقعت وقعة بين أصحاب الأفشين، وقائد بابك [١] يقال لَهُ: آذين [٢] .
وانقض [٣] ليلة السبت لست خلون من ربيع الآخر نجم لم ير أعظم منه حَتَّى نودي بالنفير فِي الرقة وكور الجزيرة والسابات.
وظهر في هذه السنة من الفأر مَا لم يحط/ به الإحصاء، وأتى عَلَى غلات الناس، ٣٤/ أثم تفانى بوقوع الموت فيه.
فتح البذ وهي مدينة بابك
وفي هذه السنة: فتحت البذ وهي مدينة بابك، ودخلها المسلمون، فاستباحوها، وذلك فِي يوم الجمعة لعشر مضين من رمضان.
وشرح الحال: أن الأفشين لمَا عزم عَلَى الدنو من البذ جعل يزحف قليلا حَتَّى ضج الناس فقالوا: كم نقعد ها هنا [٤] فِي المضيق، أقدم بنا، فإمَا لنا وإمَا علينا، وَهُوَ مصابر، فأتاه رسول بابك ومعه قثاء وبطيخ وخيار، اعلم [٥] أنني قد علمت انك في جفاء
стр. 3520
بأكلك [١] الكعك والسويق ثم جاءت الخرمية فِي ثلاثة كراديس، وقد كمن لهم الأفشين فِي الأودية، فشد عليهم الخيل والرجالة، فتسلقوا فِي الجبال، وبقي الأفشين [٢] مدة يتقدم كل يوم [٣] ، فيقف بإزاء بابك، ثم يرجع من غير قتال إِلَى أن عبأ لهم كمينا فجاءهم من فوقهم، وجاء بمن معه فأخذ قوتهم، فأقبل بابك فَقَالَ: أريد الأمَان من أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أن أحمل عيالي وأذهب [٤] فاشتغل عنه بالحرب.
ودخل المسلمون البلدة وأحرقوا وقتلوا وهزموا، فأفلت بابك فِي جمَاعة، فاستتر فِي غيضة، وجاء كتاب المعتصم بالأمَان لبابك، فَقَالَ الأفشين لولد بابك وأصحابه:
هَذَا مَا لم أكن أرجوه من أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لبابك، فمن يذهب به إليه؟ فأخذه رجلان، وكتب معهمَا ولد بابك يَقُولُ لَهُ: صر إِلَى الأمَان فهو خير لك، فلمَا حملاه إليه قتل أحدهمَا ٣٤/ ب وقال للآخر: اذهب إِلَى/ ابْن الفاعلة يعني ابنه، وقل لَهُ لو كنت ابني لكنت [٥] قد لحقت بي، ثم خرج من ذلك المكان، وقد كمن لَهُ العسكر، فطلبوه فأفلت إِلَى جبال أرمينية، فلقيه رجل نصراني يقال لَهُ سهل الأرمني أحد بطارقة أرمينية، فَقَالَ لَهُ [٦] : انزل عندي. فنزل وكتب ذلك الرجل إِلَى الأفشين، ثم قَالَ الرجل لبابك: أنت ها هنا مكانك [٧] مغموم فِي جوف حصن، وها هنا واد طيب، فلو أخذنا [٨] معنا بازيا، وخرجنا [٩] نتفرج عَلَى الصيد [١٠] . فَقَالَ لَهُ بابك: إذا شئت فانفذ الغداة، وكتب الرجل يعلم أصحاب الأفشين بذلك ويأمرهم بالبكور، فبكروا فوجدوه فأخذوه فحملوه [إِلَى الأفشين] [١١] لعشر خلون من شوال.
وَكَانَ المعتصم قد جعل لمن جاء به حيا ألفي ألف ولمن جاء برأسه ألف ألف، فكتب الأفشين إِلَى المعتصم يخبره أنه قد أسر بابك وأخاه، فكتب المعتصم يأمره بالقدوم بهمَا عَلَيْهِ، فَقَالَ الأفشين لبابك [١٢] : إني أريد أن أسافر بك، فمَا الذي تشتهي
стр. 3521
من بلاد أذربيجان؟ فَقَالَ: أشتهي أن أنظر إِلَى مدينتي [البذ] [١] فوجه معه قومَا إِلَى البذ، فدار فيه ونظر إِلَى القتلى والبيوت، ثم رد.
قَالَ الصولي: ووصل المعتصم سهلا النصراني بألفي ألف درهم، ووهب لَهُ جوهرا كثيرا، وترك لَهُ خراج عشرين سنة [٢] .
وحج بالناس في هذه السنة مُحَمَّد بْن داود [٣] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٢٦٥- حسان بْن عبد الله بْن سهل، أبو علي الكندي [٤] .
يروي عن الليث بْن سعد وغيره، وَكَانَ صدوقا، حسن الحديث.
توفي بمصر في هذه السنة.
١٢٦٦- عبد الله بن صالح بْن محمد بْن مسلم، أبو صالح [٥] / مولى جهينة [٦] . ٣٥/ أ [من أهل مصر] [٧] .
وَهُوَ كاتب الليث بْن سعد، ولد سنة تسع وثلاثين ومَائة، وسمع من جمَاعة، وروى عنه أئمة مثل أبي عبيدة، والبخاري، ومحمد بْن يحيى الذهلي، وغيرهم، وقد حدث عنه الليث بْن سعد.
قَالَ أحمد بْن حنبل: كَانَ عبد الله بْن صالح متمَاسكا فِي أول أمره، ثم فسد بآخره، وليس هو بشيء، وروي عن يحيى أنه كَانَ يوثقه.
وتوفي في هذه السنة.
стр. 3522
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين
[قدوم الأفشين على المعتصم ببابك وأخيه]
فمن الحوادث فيها:
قدوم الأفشين عَلَى المعتصم ببابك وأخيه، وذلك فِي ليلة الخميس لثلاث خلون من صفر في سامراء [١] .
وَكَانَ المعتصم يوجه كل يوم إِلَى الأفشين من حين فصل من برزند إِلَى أن وافى سامراء فرسا وخلعة، وأن المعتصم لعنايته بأمر بابك وأخباره، ولفساد [٢] الطريق بالثلج وغيره، جعل من سامراء إِلَى عقبة حلوان [خيلا] [٣] مضمرة عَلَى رأس كل فرسخ فرسا معه مجر مرتّب، فكان يركض بالخبر [ركضا] [٤] حَتَّى يؤديه واحد إِلَى واحد، وكانت خريطة الكتب تصل من عسكر الأفشين إِلَى سامراء فِي أربعة أيام وأقل، فلمَا صار الأفشين بقناطر حذيفة تلقاه هارون بْن المعتصم وأهل بيته، فلمَا دخل أنزل بابك فِي قصر، فجاء أحمد بْن أبي دواد متنكرا فِي الليل فأبصره وكلمه ورجع إِلَى المعتصم فوصفه لَهُ، فركب ودخل إليه متنكرا، فتأمله وبابك لا يعرفه، فلمَا كَانَ من الغد قعد لَهُ واصطف الناس، وأراد المعتصم أن يشهره ويريه الناس، فقال: على أيّ شيء يحمل ٣٥/ ب هَذَا وكيف يشهر؟ فَقَالَ حزام: / يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، لا شيء أشهر من الفيل. فَقَالَ:
стр. 3523
صدقت، فأمر بتهيئة [١] الفيل فأدخل عَلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، وأحضر جزار ليقطع يديه ورجليه، ثم أمر أن يحضر سياف بابك، فأمره أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أن يقطع يديه ورجليه فقطعهمَا فسقط، فأمر أَمِير الْمُؤْمِنِينَ بذبحه، ووجه برأسه إِلَى خراسان، وصلب بدنه بسامراء عند العقبة، فموضع خشبته مشهور، وأمر بحمل أخيه عبد الله إِلَى إسحاق بْن إبراهيم خليفته بمدينة السلام [٢] ، وأمره بضرب عنقه، وأن يفعل به [٣] مثل مَا فعل بأخيه، وصلبه، فَقَالَ للذي معه: اضرب لي فالوذجة فعملت لَهُ، فأكل وامتلأ [٤] ثم قَالَ: اسقيني نبيذا، فأعطاه فشرب أربعة أرطال، ثم قدم به عَلَى إسحاق فأمر بقطع [٥] يديه ورجليه، فلم ينطق ولم [٦] يتكلم، وصلب فِي الجانب الشرقي بين الجسرين بمدينة السلام، وتوج المعتصم الأفشين بتاج من الذهب، وألبسه وشاحين من الجوهر، ووصله بعشرين ألف ألف درهم منها عشرة آلاف [ألف] صلة [٧] . وعشرة آلاف [ألف] [٨] يفرقها في عسكره، وعقد لَهُ عَلَى السند، وأدخل [٩] عَلَيْهِ الشعراء يمدحونه، فأمر لهم بصلات، وذلك فِي يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر.
أَخْبَرَنَا [محمد] [١٠] بْن طاهر قَالَ: أنبأنا علي بْن المحسن، عن أبيه: أن أخا بابك الخرمي قال له لما أدخلا عَلَى المعتصم: يَا بابك، إنك قد عملت عملا لم [١١] يعمله أحد، فاصبر الآن صبرا لم يصبره أحد، فَقَالَ لَهُ: سترى صبري. فلمَا صار بحضرة المعتصم أمر بقطع [١٢] أيديهمَا بحضرته، فبدئ ببابك فقطعت يمناه، فلمَا جرى دمها مسح به وجهه كله، فَقَالَ المعتصم: سلوه لم فعل هَذَا؟ فسئل، فَقَالَ: قولوا للخليفة: إنك أمرت بقطع أربعتي وفي نفسك- ولا شك- إنك [١٣] لا تكويها وتمنع [١٤] دمي [حَتَّى] [١٥] ينزف إِلَى أن تضرب رقبتي، فخفت أن يخرج الدم مني فيبقى فِي/ ٣٦/ أوجهي صفرة يقدر لأجلها من حضر، أني قد فزعت من الموت، وأنها لذلك لا من
стр. 3524
خروج الدم، فغطيت وجهي لذلك [١] حَتَّى لا تبين الصفرة، فَقَالَ المعتصم: لولا أن فعاله لا توجب العفو عنه [٢] لكان حقيقا بالاستبقاء لهذا الفضل، وأمر بإمضاء أمره فيه [٣] ، فقطعت أربعته، ثم ضربت عنقه، وجعل عَلَى [٤] بطنه [حطب] [٥] ، وصب عَلَيْهِ النفط، وضرب بالنار، وفعل [مثل] [٦] ذلك بأخيه، فمَا فيهمَا من صاح ولا تكلم [٧] .
[إيقاع توفيل بْن ميخائيل صاحب الروم بأهل زبطرة]
وفي هذه السنة: أوقع توفيل بْن ميخائيل صاحب الروم بأهل زبطرة، فأسرهم وخرب بلدهم، ومضى من فوره إِلَى ملطية، فأغار عَلَى أهلها وعلى حصون من حصون المسلمين، وسبي من المسلمَات أكثر من ألف امرأة ومثل بمن صار فِي يده من المسلمين، وسمل أعينهم، وقطع آذانهم وآنافهم.
وَكَانَ السبب فِي ذلك تضييق الأفشين عَلَى بابك، فلمَا أشرف عَلَى الهلاك، وأيقن بالعجز عن الحرب، كتب إِلَى توفيل ملك الروم يعلمه أن ملك العرب قد وجه عساكره إليه حَتَّى وجه خياطه- يعني جعفر بْن دينار- وطباخه- يعني إيتاخ- ولم يبق عَلَى بابه أحد، فإن أردت الخروج إليه فاعلم أنه ليس فِي وجهك أحد يمنعك، وإنمَا كتب هَذَا ليتجرد ملك الروم لذلك فينكشف عَنْهُ بعض مَا هُوَ فيه برجوع العسكر أو بعضهم، فخرج توفيل فِي مَائة ألف، ومعه من المحمرة الَّذِين كانوا بالجبال، فلحقوا بالروم، ففرض لهم ملك الروم وزوّدهم [٨] وصيرهم مقاتلة يستعين بهم، فدخل ملك الروم زبطرة وقتل الرجال وسبي الذراري والنساء، فبلغ النفير إِلَى سامراء، وخرج أهل ثغور الشام والجزيرة واستعظم المعتصم ذلك، فصاح فِي قصره النفير، ثُمّ ركب دابته/ ٣٦/ ب وعسكر بغربي دجلة يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمَادى الأولى، ووجه عُجَيْف بْن عنبسة فِي جمَاعة من القواد إِلَى زبطرة، إعانة لأهلها، فوجدوا ملك الروم قد انصرف إِلَى بلاده بعد ما فعل مَا فعل، فوقفوا قليلا، حَتَّى تراجع الناس إِلَى قراهم، واطمَأنوا [٩] .
وقال المعتصم:
شفيت ببابك غل النفوس ... وأثلجت بالزط حر الصدور
стр. 3525
وأحضر القضاة والشهود، وأشهدهم عَلَى نفسه أنه [قد] [١] وقف جميع أمواله فجعل ثلثها لمواليه [٢] وثلثها لولده [٣] ، وثلثها للمساكين، ثم قَالَ: أي بلاد الروم أمنع وأحصن؟ فقيل: عمورية لم يعرض لها أحد من المسلمين منذ كَانَ الإسلام، وهي عين [٤] النصرانية، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية.
فخرج إِلَى بلاد الروم، وقيل: كَانَ ذلك فِي سنة اثنتين وعشرين. وقيل: سنة أربع وعشرين، وتجهز جهازا لم يتجهز مثله خليفة قبله من السلاح والعدد والآلة وحياض الأدم [والحمير] [٥] والبغال والروايا والقرب وآلة الحديد والنفط، وجعل عَلَى مقدمته أشناس، ويتلوه مُحَمَّد بْن إبراهيم، وعلى ميمنته إيتاخ، وعلى ميسرته جعفر بْن دينار، وعلى القلب عجيف، فدخل بلاد الروم، فأقام على سلوقية قريبا من البحر، وبعث الأفشين إِلَى سروج، فأمره بالدخول من درب الحدث [٦] ، سمى لَهُ يومَا [أمره أن] [٧] يكون دخوله فيه، وقدر [٨] لعسكره وعسكر أشناس اليوم الذي يدخل فيه الأفشين، ودبر النزول عَلَى أنقرة، فإذا فتحها الله تعالى صار إِلَى عمورية إذ لم يكن شيء ممَا يقصد له من بلاد/ الروم ٣٧/ أأعظم من هاتين [المدينتين] [٩] ولا أحرى أن تجعل غايته التي يؤمها [١٠] .
وأمر المعتصم أشناس أن يدخل من درب طرسوس، وأمره بانتظاره بالصفصاف، فكان شخوص أشناس يوم الأربعاء لثمَان بقيت من رجب، وقدم المعتصم وصيفا في أثر
стр. 3526
أشناس عَلَى مقدمَات [المعتصم] [١] ورحل المعتصم يوم الجمعة لست بقين من [٢] رجب.
فتقدم أشناس والمعتصم من ورائه، بينهم [٣] مرحلة، ينزل هَذَا ويرحل هَذَا، ولم يرد عليهم من الأفشين خبر، حَتَّى صاروا من أنقره عَلَى مسيرة ثلاث مراحل، وضاق عسكر المعتصم ضيقا شديدا من المَاء والعلف، وَكَانَ أشناس قد أسر عدة أسرى فِي طريقه، فأمر بهم، فضربت أعناقهم، وهرب أهل أنقرة [٤] وعظمَاؤها [٥] ، ونزل بِهَا المعتصم وأشناس والأفشين، فأقاموا بِهَا أيامَا [٦] .
ثم صير العسكر ثلاثة عساكر: عسكر فيه أشناس فِي الميسرة، والأفشين فِي الميمنة، والمعتصم فِي القلب، وبين كل عسكر وعسكر فرسخان، وأمر كل عسكر منهم أن يكون لَهُ ميمنة وميسرة، وأن يحرقوا القرى ويخربوها، ويأخذوا من لحقوا فيها من السبي، وإذا كَانَ وقت النزول توافى [كل] [٧] أهل [٨] عسكر إِلَى صاحبهم [٩] ورئيسهم، يفعلون ذلك فيمَا بين أنقرة إِلَى عمورية، وبينهم سبع مراحل، حَتَّى توافت العساكر بعمورية.
وَكَانَ أول من وردها أشناس، وردها يوم الخميس ضحوة، فدار حولها دورة، ثم ٣٧/ ب نزل بموضع فيه ماء وحشيش، فلمَا طلعت الشمس ركب المعتصم/ فدار حولها دورة، ثم جاء الأفشين فِي اليوم الثالث، فقسمها أَمِير الْمُؤْمِنِينَ بين القواد، فصير لكل واحد منهم أبراجا منها عَلَى قدر كثرة أصحابه وقلتهم، فصار لكل قائد مَا بين البرجين إِلَى عشرين برجا وتحصن أهل عمورية، وَكَانَ أهل عمورية [١٠] قد أسروا رجلا فتنصر [١١] وتزوج فيهم، وحبس نفسه، فلمَا رأى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ظهر، وجاء إِلَى المعتصم وأعلمه أن موضعا من المدينة حمل الوادي عَلَيْهِ من مطر شديد جاءهم، فوقع السور من ذلك
стр. 3527
الموضع، وكتب ملك الروم إِلَى [عامل] [١] عمورية أن يبني ذلك الموضع، فوقع التواني حَتَّى خرج الملك من القسطنطينية إِلَى بعض المواضع، فتخوف الوالي أن يمر الملك على تلك الناحية فلا يراها بنيت، فبنى وجه السور بالحجارة حجرا حجرا، وصيروا لَهُ [٢] من جانب المدينة حشوا، ثم عقد فوقه [٣] الشرف كمَا كَانَ، فوقف ذلك الرجل المعتصم عَلَى هَذِهِ الناحية التي وصف، فأمر المعتصم فضرب [٤] مضربه فِي ذلك الموضع، ونصب المجانيق عَلَى ذلك البناء، فانفرج السور من ذلك الموضع وسقط [٥] .
وَكَانَ المعتصم قد ساق غنمَا كثيرة، فدبر أن يدفع إِلَى كل رجل من العسكر شاة، فإذا أكلها حشى جلدها ترابا، ثم جاء به فطرحه فِي الخندق، وعمل دبابات تسع كل واحدة عشرة من الرجال، فطرحت الجلود وطرح فوقها التراب، وَكَانَ أول من بدأ بالحرب أشناس، وكانت [٦] الحرب فِي اليوم الثاني عَلَى الأفشين وأصحابه، فأجادوا الحرب، وَكَانَ المعتصم واقفا عَلَى دابته بإزاء الثلمة [٧] ، وأشناس وأفشين وخواص القواد معه، وَكَانَ باقي القواد الذين دون [٨] الخاصة/ وقوفا رجالة، فلما انتصف النهار ٣٨/ أانصرف المعتصم إِلَى مضربه فتغدى، وانصرف القواد إِلَى مضاربهم يتغدون [٩] ، فلمَا كَانَ فِي اليوم الثالث كانت الحرب عَلَى أصحاب أمير الْمُؤْمِنِين خاصة، والقيم بذلك إيتاخ، فقاتلوا فأحسنوا، وكثرت [١٠] فِي الروم الجراحات، فلما كان الليل مشى القائد الموكل بالثلمة إِلَى الروم [١١] ، فَقَالَ لهم: إن الحرب علي وعلى أصحابي، ولم يبق معي
стр. 3528
أحد إلا قد خرج، فصيروا أصحابكم عَلَى الثلمة يرمون قليلا، وإلا افتضحتم وذهبت المدينة. فأبوا أن يمدوه بأحد، فقالوا: سلم السور من ناحيتنا [١] ، ونحن مَا نسألك أن تمدنا فشأنك بناحيتك. فعزم هُوَ وأصحابه أن يخرجوا إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، فيسألونه الأمَان، ويسلموا إِلَيْهِ الحصن [٢] .
فلمَا أصبح وكل أصحابه بجنبي الثلمة، وخرج فَقَالَ: [إني] [٣] أريد أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، وأمر أصحابه أن لا يحاربوا حَتَّى يعود إليهم، فخرج حَتَّى وقف بين يدي المعتصم، والناس يتقدّمون إلى الثلمة، وقد أمسك الروم عن الحرب حَتَّى وصلوا إِلَى السور، والروم يقولون بأيديهم: لا تحيوا وهم يتقدمون، فدخل الناس المدينة، وأخذت الروم السيوف، وأقبل الناس بالأسرى والسبي من كل وجه حَتَّى امتلأ العسكر، فقتل ثلاثين ألفا وسبى مثلهم، وَكَانَ فِي سبيه ستون بطريقا، وطرح النار فِي عمورية من جميع نواحيها [٤] فأحرقها [٥] ، وجاء ببابها إلى العراق، وهو الباب المنصوب اليوم عَلَى دار الخليفة المجاور لباب الجامع، ويسمى «باب العامة» .
وروى أبو بكر الصولي قَالَ: حَدَّثَنَا الغلابي قَالَ: حدثني يعقوب بن ٣٨/ ب جعفر بْن سليمَان قَالَ: / غزوت مَعَ المعتصم عموريه فاحتاج الناس إِلَى مَاء، فمد لهم المعتصم حياضا من أدم عشرة أميال، وساق المَاء فيها إِلَى سور عمورية، فقام يومَا عَلَى السور رجل منهم فصيح بالعربية، فشتم النبي ﵌ باسمه ونسبه، فاشتد ذلك عَلَى المسلمين، ولم تبلغه النشابة، قَالَ يعقوب: وكنت أرمي، فاعتمدته فأصبت [٦] نحره فهوى وكبر المسلمون، وسر المعتصم، وقال: جيئوني بمن رمى هَذَا العلج. فأدخلوني عَلَيْهِ، فَقَالَ: من أنت؟ فانتسبت لَهُ، فقال: الحمد للَّه الذي جعل ثواب [٧] هَذَا السهم لرجل من أهل بيتي [٨] ، ثم قَالَ: بعني [٩] هَذَا الثواب، فقلت: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ الثواب ممَا يباع، فَقَالَ: إني أرغبك، فأعطاني مَائة ألف درهم [١٠] إلى أن بلغ خمسمائة
стр. 3529
ألف درهم، قلت: مَا أبيعه بالدينار، لكن أشهد الله أني [قد] [١] جعلت نصف ثوابه لك، فَقَالَ: قد رضيت بهذا، أحسن الله جزاك، فِي أي موضع تعلمت الرمي؟ فقلت:
[بالبصرة] [٢] فِي دار لي، فَقَالَ: بعنيها، فقلت: هي وقف عَلَى من يتعلم الرمي، وإن أحب أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فهي لَهُ وكل مَا أملك. فجزاني خيرا ووصلني بمَائة ألف درهم، وارتحل المعتصم [منصرفا] [٣] إِلَى [أرض] [٤] طرسوس، وكانت إناخة المعتصم عَلَى عمورية لست خلون من رمضان وقيل [٥] : بعد خمسة وخمسين يوما.
[حبس المعتصم العباس بن المأمون]
وفي هذه السنة: حبس المعتصم العباس بْن المأمون، وأمر بلعنه [٦] .
وَكَانَ السبب فِي ذلك: أن العباس دس رجلا يقال لَهُ: الحارث السمرقندي، وَكَانَ يأنس إِلَى القواد، فدار فِي العسكر حَتَّى تألف لَهُ جمَاعة منهم، وبايعه [٧] منهم خواصّ العسكر [٨] ، وسمّى لكل رجل من القواد رجلا من أصحابه ووكله به، وقال: إذا/ أمرنا فليثب كل رجل منكم عَلَى من ضمناه أن يقتله، فضمنوا لَهُ ذلك [٩] ، فوكل رجلا ٣٩/ أممن بايعه من خاصة الأفشين بالأفشين [١٠] ، ومن خاصة أشناس بأشناس [١١] ، ومن خاصة المعتصم بالمعتصم، فضمنوا ذلك جميعا، فلمَا أرادوا أن يدخلوا الدرب وهم يريدون أنقرة وعمورية، أشار عجيف عَلَى العباس أن يثب عَلَى المعتصم فِي الدرب وَهُوَ فِي قلة من الناس، فيقتله ويرجع إِلَى بغداد، فيفرح الناس بانصرافهم من الغزو [١٢] ، فأبى العباس وقال: لا أفسد هَذِهِ الغزاة. حَتَّى دخلوا بلاد الروم وافتتحوا عمورية، فَقَالَ عجيف للعباس: يَا نائم، كم تنام والرجل ممكن، دس قومَا ينتهبون هَذَا الحرثي، فإنه إذا بلغه ذلك ركب فِي سرعة، فتأمر بقتله هناك، فأبى العباس، وقال: انتظر حَتَّى نصير فِي الدرب. ونمى [١٣] حديث الحارث السمرقندي، فحمل إِلَى المعتصم، فأقر وأخبر بخبر العباس ومن بايعه، فأطلقه المعتصم وخلع عَلَيْهِ، ودعا بالعباس فأطلقه
стр. 3530
ومناه، وأوهمه أنه قد صفح عنه، فتغدى معه، ثم دعاه بالليل فاستحلفه أن لا يكتمه شيئا من أمره [١] [فشرح لَهُ قصته، وسمى لَهُ جميع من دب فِي أمره، ثم دعا الحارث] [٢] ، فقص عَلَيْهِ مثل مَا قص العباس فصفح عن الحارث، ودفع العباس إِلَى الأفشين، وتتبع المعتصم أولئك القواد، فأخذوا جميعا، وَكَانَ منهم أحمد بْن الخليل، فأمر به أن يحمل عَلَى بغل بإكاف بلا وطاء [٣] ، ويطرح فِي الشمس إذا نزل [٤] ، ويطعم كل يوم رغيفا واحدا، وَكَانَ منهم عجيف، فدفع إِلَى إيتاخ، فعلق عَلَيْهِ حديدا كثيرا، فلمَا نزل العباس ٣٩/ ب منبج- وَكَانَ العباس [٥] جائعا-/ سأل الطعام فقدم إِلَيْهِ، فأكل فلمَا طلب المَاء منع وأدرج فِي مسح، فمَات فيه بمنبج، وكذلك عجيف قدم إليه الطعام ومنع المَاء فمَات، وأهلك كل واحد من القوم بسبب ورود المعتصم سامراء [سالمَا] [٦] ، فسمى العباس يومئذ اللعين [٧] .
ولمَا فتح المعتصم عمورية، قَالَ محمد بْن عبد الملك الزيات:
أقام الإمَام منار الهدى ... وأخرس [٨] ناقوس عموريه
فقد أصبح الدين مستوسقا ... وأضحت زياد الهدى واريه [٩]
[حصول جارية محمود الوراق فِي يد المعتصم بعد موت سيدها]
ومن الحوادث: حصول جارية محمود الوراق فِي يد المعتصم [١٠] بعد موت سيدها محمود الوراق [١١] .
أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أحمد [بن عَلِيِّ] [١٢] بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الأَزْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جعفر النجار، أَخْبَرَنَا أبو محمد العتكي، حَدَّثَنَا يموت بْن المزرع، عن الجاحظ قَالَ: طلب المعتصم جارية كانت لمحمود الوراق، وَكَانَ نخاسا، بسبعة آلاف دينار [فامتنع محمود من بيعها، فلمَا مَات محمود اشتريت للمعتصم من ميراثه بسبعمَائة دينار] [١٣] ، فلمَا دخلت عَلَيْهِ، قَالَ [لها] [١٤] : كيف رأيت تركتك [حتى
стр. 3531
اشتريتك] [١] من سبعة آلاف دينار بسبعمَائة؟ قالت: أجل، إذا كَانَ الخليفة ينتظر بشهواته المواريث، فإن سبعين دينارا كثيرة فِي ثمني فضلا عن سبعمَائة. فأخجلته.
[وحج بالناس في هذه السنة مُحَمَّد بْن داود] [٢] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٢٦٧- عجيف بْن عنبسة [٣] .
قائد كبير من القواد، قد ذكرنا في الحوادث [٤] أنه خامر عَلَى الخليفة، فأخذ ومنع المَاء حَتَّى مَات. وروي أنه قتل وطرح [٥] تحت حائط.
[أنبأنا محمد بْن عبد الباقي، أنبأنا التنوخي، عن أبيه روى عن محمد بْن الفضل الجرجاني أَنَّهُ تحدث فِي وزارته للمعتصم قَالَ: كنت أتولى ضياع عجيف- وَهُوَ أحد القواد- فرفع عليّ أنني جئت وأخرجت الضياع، فأنفذ إلي، فأدخلت عَلَيْهِ وَهُوَ يطوف فِي داره عَلَى ضياع فيها، فلمَا رآني شتمني وقال: أخربت الضياع، ونهبت الارتفاع والله لأقتلنك، هاتوا السياف [٦] . فأحضرت ونحيت للضرب، فلمَا رأيت ذلك ذهب عقلي وبلت عَلَى ساقي، فنظر كاتبه إلي فَقَالَ: أعز الله الأمير، أنت مشتغل القلب بهذا البناء وضرب هَذَا أو قتله فِي أيدينا ليس يفوت فتأمر بحبسه، وانظر فِي أمره، فإن كانت الرقعة صحيحة فليس يفوتك عقابه، وإن كانت باطلة لم تستعجل الإثم وتنقطع عمَا أنت بسبيله من المهم. فأمر بي إِلَى الحبس فمكثت أياما، وقتل المعتصم عجيفا، فاتصل الخبر بكاتبه فأطلقني، فخرجت ومَا أهتدي إِلَى حبة فضة فمَا فوقها، فقصدت صاحب الديوان بسر من رأى فسر بإطلاقي، وقلدني عملا فنزلت دارا، فرأيت مستحمها غَيْر نظيف، فإذا تل فجلست أبول عَلَيْهِ، وخرج صاحب الدار فَقَالَ لي: أتدري عَلَى أي شيء بلت؟
قُلْتُ: عَلَى تل تراب. فضحك وقال: هَذَا رجل من قواد السلطان يعرف بعجيف سخط عَلَيْهِ، وحمله مقيدا، فلمَا صار ها هنا قتل، وطرح فِي هَذَا المكان تحت حائط، فلما
стр. 3532
انصرف العسكر طرحنا الحائط ليواريه من الكلاب، فهو والله تحت هَذَا التل التراب.
قَالَ: فعجبت من بولي خوفا منه ومن بولي عَلَى قبره] [١] .
١٢٦٨- أحمد بْن الحكم أبو علي العبدي [البغدادي] [٢] .
روى عن مَالك بْن أنس، وإبراهيم بْن سعد، وشريك بْن عبد الله. قال ٤٠/ أالدار الدارقطني: هُوَ متروك الْحَدِيث. قَالَ أبو سعيد بْن يونس/: قدم مصر وتوفي بِهَا فِي ذي القعدة من هَذِهِ السنة.
١٢٦٩- حسان بْن غالب بْن نجيح، أبو القاسم الرعيني [٣] .
يروي عن مالك، والليث، وابن لهيعة، وكان ثقة. توفي في رجب هذه السنة.
١٢٧٠- خالد بن خداش بن عجلان، أبو الهيثم المهلبي، مولى آل المهلب بن أبي صفرة [٤] .
حدث عن مَالك، وحمَاد بْن زيد، وخلق كثير. روى عن أحمد بْن حنبل، وغيره. وَكَانَ ثقة صدوقا.
توفي فِي جمَادى الآخرة من هَذِهِ السنة، وَكَانَ يخضب بالحناء.
١٢٧١- عبد الله بْن محمد [٥] بْن حميد بْن الأسود، أبو بكر البصري، ابْن أخت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مهدي [٦] .
كَانَ ضامن همذان، ويعرف بابن أبي الأسود، وأبو الأسود هو حميد جده. سمع
стр. 3533
مالك بن أنس، وحماد بن زيد وأبا عوانة. روى عنه: إبراهيم الحربي، وابن أبي الدنيا- وكان حافظا متقنا.
توفي فِي جمَادى الآخرة من هَذِهِ السنة.
١٢٧٢- العباس بْن المأمون .
قد ذكرنا [فِي الحوادث] [١] أنه بويع فِي السر، وأراد قتل المعتصم، وذكرنا كيفية هلاكه.
стр. 3534
ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائتين
[دفع المعتصم خاتم الخلافة إلى ابنه هارون]
فمن الحوادث فيها:
أن [١] المعتصم دفع [٢] خاتم الخلافة إِلَى ابنه هارون، وأقام مقام الخلافة [٣] عنه واستكتب لَهُ سُلَيْمَان [بْن محمد] [٤] بْن عبد الملك، [وفيها أجرى المعتصم الخيل، وَكَانَ يومَا مشهودا] [٥] .
وفيها تزوج الحسن بْن أفشين أترجة بنت أشناس، ودخل بِهَا فِي [٦] قصر المعتصم فِي جمَادى الآخرة ودخل قصرها [٧] وحضر عرسها المعتصم وعامة أهل سامراء، وكانوا يغلفون العامة بالغالية [من تغار] [٨] .
стр. 3535
وفي شوال: زلزلت مدينة فرغانة، فمَات منها أكثر من خمسة عشر ألفا/.
وحج بالناس في هذه السنة مُحَمَّد بن داود [١] . ٤٠/ ب
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٢٧٣- إبراهيم بْن المهدي:
ويكنى أبا إسحاق، وأمه أم ولد يقال لها: شكلة. ولد سنة ست وستين ومَائة، وَكَانَ أسود اللون، شديد السواد [٢] ، عظيم الجثة، ولم ير فِي أولاد الخلفاء أفصح منه، ولا أجود شعرا، وَكَانَ كريمَا، بويع لَهُ بالخلافة من أيام المأمون فِي سنة اثنتين ومَائتين، وَهُوَ يومئذ ابْن تسع وثلاثين سنة وشهرين وخمسة أيام، وقد ذكرنا السبب، وأن المأمون بايع لعلي بن موسى الرضى بولاية العهد، فغضب بنو العباس، وقالوا: لا نخرج الأمر من أيدينا، فبايعوا إِبْرَاهِيم، فلمَا قدم المأمون من خراسان استتر إبراهيم، فأقام فِي استتاره ست سنين وأربعة أشهر وعشرة أيام، وَكَانَ ينتقل فِي المواضع، حَتَّى نزل بقرب جبلة [٣] ، ثم ظفر به المأمون لثلاث عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة عشر ومَائتين.
وقد ذكرنا قصته معه، وعفوه عنه فِي حوادث تلك السنة، ولم يزل بعد أن عفا عنه إِلَى أن توفي.
أخبرتنا شهدة بنت أحمد الكاتبة قَالَتْ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّد بْن السراج، أَخْبَرَنَا أبو القاسم عَبْد العزيز بْن بندار الشيرازي، أَخْبَرَنَا أحمد بْن علي بْن لال قَالَ: أخبرني أحمد بْن عَلِيّ بْن حرب، عن بعض مشايخه قَالَ اختفى إبراهيم بْن المهدي زمن المأمون عند أخته علية [٤] ، وكانت تكرمه غاية [٥] الكرامة، وقد [٦] وكّلت به جارية قد
стр. 3536
٤١/ أأدبتها وأنفقت/ عَلَيْهَا الأموال، وكانت حاذقة راوية للشعر، وكانت قد طلبت منها مَائة وخمسين ألف [درهم] [١] ، وكانت تتولى خدمة [٢] إبراهيم، وتقوم عَلَى رأسه، فهويها، وكره طلبها من عمته، فلمَا اشتد وجده بِهَا، أخذ عودا، وغنى بشعر لَهُ فيها، وهي واقفة عَلَى رأسه:
يَا غزالا لي إليه ... شافع من مقلتيه
والذي أجللت خديه ... فقبلت يديه
بأبي وجهك مَا أكثر ... حسادي عَلَيْهِ
أنا ضيف وجزاء الضيف ... إحسان إليه
فسمعت الجارية الشعر، وفطنت لمعناه لرقتها وظرفها [٣] ، وكانت مولاتها تسألها [٤] عن حالها معه [٥] وحاله كل يوم، فأخبرتها فِي ذلك اليوم بمَا فِي قلبه منها وبمَا سمعت منه من الشعر والغناء، فقالت [لها] [٦] مولاتها: اذهبي فقد وهبتك لَهُ. فعادت إليه فلمَا رآها أعاد الصوت فأكبت [٧] عَلَيْهِ الجارية فقبلت رأسه، فَقَالَ لها: كفي.
فقالت: قد وهبتني مولاتي لك، وأنا الرَّسُول، فَقَالَ: [أمَا] [٨] الآن فنعم.
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن محمد قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا الجوهري قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن العباس قَالَ: أنشدني عبيد الله بْن أحمد المروروذي قَالَ:
أنشدني إبراهيم بْن المهدي:
قد شاب رأسي وراس الحرص لم يشب ... إن الحريص عَلَى الدنيا لفي تعب
قد ينبغي لي مَعَ مَا حزت من أدب ... أن لا أخوض فِي أمر ينقص بي/
стр. 3537
لو كَانَ يصدقني دهري [١] بفكرته ... مَا اشتد غمي على الدنيا ولا نصبي ٤١/ ب
أسعى وأجهد فيمَا لست أدركه ... والموت يكدح فِي زندي وفي عصبي [٢]
باللَّه ربك كم بيت مررت به ... قد كَانَ يغمر باللذات والطرب
طارت عباب [٣] المنايا فِي جوانبه ... فصارت بعدها [٤] للويل والحرب
فامسك عنانك لا تجمح به طلع ... فلا وعينك مَا الأرزاق بالطلب
قد يرزق العبد لم يتعب رواحله ... ويحرم الرزق من لم يوف من طلب
مَعَ أنني واجد فِي الناس واحدة ... الرزق والنول مقرونان فِي سبب
وخطة ليس فيها من بيان غنى ... الرزق أروع شيء عن ذوي الأدب
يَا ثاقب الفهم كم أبصرت ذا حمق ... الرزق أعرى به من لازم الجرب [٥]
/ توفي إبراهيم بْن المهدي فِي رمضان هَذِهِ السنة [وصلى عَلَيْهِ المعتصم] [٦] .
١٢٧٤- سليمَان [٧] بْن حرب، أبو أيوب الأسدي [٨] الواشجي البصري [٩] .
ولد سنة أربعين ومَائة، سمع شعبة وجرير بْن حازم، والحمَادين، وغيرهم. ٤٢/ أروى عنه يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بْن حنبل، وابن راهويه، والبخاري، وغيرهم، وقرأ الفقه، وكان لا يدلس.
قَالَ أبو حاتم الرازي: حضرت مجلسه ببغداد عند قصر المأمون، فبني لَهُ شبه [١٠] منبر، فصعد، وحضر حوله جمَاعة من القواد عليهم السواد، والمأمون فوق قصره قد فتح
стр. 3538
باب القصر، وقد أرسل ستر يشف [١] وَهُوَ خلفه، يكتب مَا يملي، وحرز من حضر أربعين ألف رجل [٢] ، وكان لا يسأل عن حديث إلا حدث من حفظه، ولي قضاء مكة [فِي] [٣] سنة أربع عشرة ومَائتين، ثم عزل [عنها] [٤] فِي سنة تسع عشرة، فرجع إِلَى البصرة، فلم يزل بِهَا حَتَّى توفي فِي ربيع الآخر من هَذِهِ السنة.
١٢٧٥- شيبان المصاب
[٥] .
أَخْبَرَنَا عمر بْن ظفر، أخبرنا جعفر بن أحمد السراج، أخبرنا عبد العزيز بْن علي الأرخي، أَخْبَرَنَا علي بْن عبد الله بْن جهضم، حَدَّثَنَا أحمد بْن محمد بْن عيسى [الرازي] [٦] حَدَّثَنَا أحمد بْن سَلَمَة قَالَ: حَدَّثَنَا سالم قَالَ: بينمَا أنا سائر مَعَ ذي النون فِي جبل لبنان، إذ قَالَ: مكانك يَا سالم حَتَّى أعود إليك، فغاب فِي الجبل ثلاثة أيام، وأنا أنتظره، فإذا هاجت علي النفس أطعمتها من نبات الأرض وسقيتها من مَاء الغدران، فلمَا كَانَ بعد الثالث رجع إلي متغير اللون، ذاهب العقل، فقلت له [بعد ما رجعت إليه نفسه] [٧] : يَا أبا الفيض، أسبع [٨] عارضك؟ قَالَ: لا، دعني من تخويف البشرية، إني ٤٢/ ب دخلت كهفا من كهوف هَذَا الجبل، فرأيت رجلا أبيض الرأس واللحية شعثا/ أغبر، نحيفا نحيلا، كأنمَا أخرج من قبره، ذا منظر مهول وهو يصلي، فسلّمت عليه [٩] بعد ما سلم، فرد علي السلام وقال: الصلاة، فمَا زال راكعا وساجدا حَتَّى صلى العصر واستند إِلَى حجر بحذاء المحراب يسبح ولا يكلمني، فبدأته بالكلام وقلت لَهُ: رحمك الله توصني [١٠] بشيء ادع الله لي بدعوة. فَقَالَ: يَا بني، انسك الله بقربة، ثم سكت، فقلت: زدني. قَالَ: يَا بني من آنسه بقربه أعطاه أربع خصال: عزا من غير عشيرة، وعلمَا من غير طلب، وغنى من غير مَال وأنسا من غير جمَاعة. ثم شهق شهقة فلم يفق إلا بعد ثلاثة أيام حَتَّى توهمت أنه ميت، فلمَا كَانَ بعد ثلاثة أيام قام وتوضأ من عين مَاء إِلَى جنب الكهف، وقال لي: يَا بني [، كم فاتني] [١١] من الفرائض؟ صلاة أو
стр. 3539
صلاتان أو ثلاث [١] ؟ قلت: قد فاتتك صلاة [٢] ثلاثة أيام بلياليهن [٣] ، فَقَالَ:
إن حب [٤] الحبيب هيج شوقي ... ثم حب الحبيب أذهل عقلي [٥]
وقد استوحشت من ملامة [٦] المخلوقين، وقد أنست بذكر رب العالمين، انصرف عني بسلام، فقلت لَهُ: يرحمك الله وقفت عليك ثلاثة أيام رجاء الزيادة [وبكيت] [٧] .
فَقَالَ: أحبب مولاك ولا ترد بحبه بدلا، فالمحبون للَّه تعالى هم تيجان العباد، وعلم الزهاد، وهم أصفياء الله وأحباؤه. ثم صرخ صرخة عظيمة فحركته، فإذا هُوَ قد فارق الدنيا، فمَا كَانَ إلا هنيئة، وإذا بجمَاعة من العباد ينحدرون من الجبال [٨] حَتَّى واروه تحت التراب، فسألت: مَا اسم هَذَا الشيخ؟ قَالُوا: شيبان المصاب. قَالَ سالم: سألت أهل الشام عنه قالوا: كَانَ مجنونا. / قلت: تعرفون من كلامه شيئا؟ قالوا: نعم كلمة ٤٣/ أوجيزة [٩] كَانَ يغني بِهَا إذا ضجر [١٠] :
إذا بك يَا حبيبي ... لم أجن فبمن؟ [١١]
قَالَ سالم: فقلت: عمي والله عليكم.
١٢٧٦- عبد الله بْن عمرو بْن أبي الحجاج، أبو معمر المقري المقعد البصري [١٢] .
سَمِعَ عَبْدَ الْوَارِثِ [١٣] بْنَ سَعِيدٍ، والدراوَرْديّ. رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، وَالدُّورِيُّ.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ [قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر بْن ثابت] [١٤] الخطيب [١٥] قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَليّ بْن أَبِي عَلِيٍّ [١٦] الْبَصْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الْمُعَدَّلُ قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ الأَنْبَارِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَيَانٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ
стр. 3540
عَبْد الرَّحْمَنِ الرَّبَعِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ التُّوزِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْمَرٍ صَاحِبُ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ: كَانَ شُعْبَةُ يُحَقِّرُنِي [١] إِذَا ذَكَرْتُ شَيْئًا، فَحَدَّثَنَا عَنْ أَبِي عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أَنَّ كعب بن مالك بن قَالَ:
قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ رَيْبٍ ... بِخَيْبَرَ ثم أحمينا السيوفا
فسائلها وَلَوْ نَطَقَتْ لَقَالَتْ ... قَوَاطِعُهُنَّ دَوْسًا أَوْ ثَقِيفًا
فَلَسْتُ لِمَالِكٍ إِنْ لَمْ يَزَرْكُمْ ... بِسَاحَةِ دَارِكُمْ مِنَّا أُلُوفًا
وَتُنْتَزَعُ الْعُرُوشُ عُرُوشُ وَجٍّ ... وَتُصْبِحُ دَارُكُمْ مِنْكُمْ خُلُوفًا
فَقُلْتُ لَهُ: وَأَيُّ عُرُوشٍ كَانَتْ؟ ثُمَّ قَالَ: مِمَّا هِيَ، قُلْتُ: وَيُنْتَزَعُ الْعُرُوشُ عُرُوشُ وَجٍّ، وَذَلِكَ [٢] مِنْ قَوْلِ اللَّهِ : خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ٢: ٢٥٩ [٣] قَالَ: وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُنِي وَيَرْفَعُ مَجْلِسِي.
كَانَ أَبُو مَعْمَرٍ ثِقَةً ثَبْتًا، لَكِنَّهُ كَانَ يقول بالقدر. توفي في هذه السنة.
٤٣/ ب
١٢٧٧- عَبْد الرَّحْمَنِ بْن يونس بْن هاشم، / أبو مسلم الرومي، مولى أبي جعفر المنصور [٤] .
ولد سنة أربع وستين [٥] ومَائة، وَكَانَ يستملي عَلَى سفيان بْن عيينة، ويزيد بْن هارون، روى عنه: الْبُخَارِيّ فِي صحيحه، والحربي [٦] ، وابن أبي الدنيا، وقال: أبو حاتم الرازي: صدوق [٧] .
وتوفي ببغداد فِي رجب هَذِهِ السنة.
١٢٧٨- علي بْن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَيْفٍ، أبو الحسن المدائني، مولى عبد الرحمن بن سمرة [٨] القرشي [٩] .