٤١/ أأدبتها وأنفقت/ عَلَيْهَا الأموال، وكانت حاذقة راوية للشعر، وكانت قد طلبت منها مَائة وخمسين ألف [درهم] [١] ، وكانت تتولى خدمة [٢] إبراهيم، وتقوم عَلَى رأسه، فهويها، وكره طلبها من عمته، فلمَا اشتد وجده بِهَا، أخذ عودا، وغنى بشعر لَهُ فيها، وهي واقفة عَلَى رأسه:
يَا غزالا لي إليه ... شافع من مقلتيه
والذي أجللت خديه ... فقبلت يديه
بأبي وجهك مَا أكثر ... حسادي عَلَيْهِ
أنا ضيف وجزاء الضيف ... إحسان إليه
فسمعت الجارية الشعر، وفطنت لمعناه لرقتها وظرفها [٣] ، وكانت مولاتها تسألها [٤] عن حالها معه [٥] وحاله كل يوم، فأخبرتها فِي ذلك اليوم بمَا فِي قلبه منها وبمَا سمعت منه من الشعر والغناء، فقالت [لها] [٦] مولاتها: اذهبي فقد وهبتك لَهُ. فعادت إليه فلمَا رآها أعاد الصوت فأكبت [٧] عَلَيْهِ الجارية فقبلت رأسه، فَقَالَ لها: كفي.
فقالت: قد وهبتني مولاتي لك، وأنا الرَّسُول، فَقَالَ: [أمَا] [٨] الآن فنعم.
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن محمد قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا الجوهري قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن العباس قَالَ: أنشدني عبيد الله بْن أحمد المروروذي قَالَ:
أنشدني إبراهيم بْن المهدي:
قد شاب رأسي وراس الحرص لم يشب ... إن الحريص عَلَى الدنيا لفي تعب
قد ينبغي لي مَعَ مَا حزت من أدب ... أن لا أخوض فِي أمر ينقص بي/
стр. 3537
لو كَانَ يصدقني دهري [١] بفكرته ... مَا اشتد غمي على الدنيا ولا نصبي ٤١/ ب
أسعى وأجهد فيمَا لست أدركه ... والموت يكدح فِي زندي وفي عصبي [٢]
باللَّه ربك كم بيت مررت به ... قد كَانَ يغمر باللذات والطرب
طارت عباب [٣] المنايا فِي جوانبه ... فصارت بعدها [٤] للويل والحرب
فامسك عنانك لا تجمح به طلع ... فلا وعينك مَا الأرزاق بالطلب
قد يرزق العبد لم يتعب رواحله ... ويحرم الرزق من لم يوف من طلب
مَعَ أنني واجد فِي الناس واحدة ... الرزق والنول مقرونان فِي سبب
وخطة ليس فيها من بيان غنى ... الرزق أروع شيء عن ذوي الأدب
يَا ثاقب الفهم كم أبصرت ذا حمق ... الرزق أعرى به من لازم الجرب [٥]
/ توفي إبراهيم بْن المهدي فِي رمضان هَذِهِ السنة [وصلى عَلَيْهِ المعتصم] [٦] .
١٢٧٤- سليمَان [٧] بْن حرب، أبو أيوب الأسدي [٨] الواشجي البصري [٩] .
ولد سنة أربعين ومَائة، سمع شعبة وجرير بْن حازم، والحمَادين، وغيرهم. ٤٢/ أروى عنه يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بْن حنبل، وابن راهويه، والبخاري، وغيرهم، وقرأ الفقه، وكان لا يدلس.
قَالَ أبو حاتم الرازي: حضرت مجلسه ببغداد عند قصر المأمون، فبني لَهُ شبه [١٠] منبر، فصعد، وحضر حوله جمَاعة من القواد عليهم السواد، والمأمون فوق قصره قد فتح
стр. 3538
باب القصر، وقد أرسل ستر يشف [١] وَهُوَ خلفه، يكتب مَا يملي، وحرز من حضر أربعين ألف رجل [٢] ، وكان لا يسأل عن حديث إلا حدث من حفظه، ولي قضاء مكة [فِي] [٣] سنة أربع عشرة ومَائتين، ثم عزل [عنها] [٤] فِي سنة تسع عشرة، فرجع إِلَى البصرة، فلم يزل بِهَا حَتَّى توفي فِي ربيع الآخر من هَذِهِ السنة.
١٢٧٥- شيبان المصاب
[٥] .
أَخْبَرَنَا عمر بْن ظفر، أخبرنا جعفر بن أحمد السراج، أخبرنا عبد العزيز بْن علي الأرخي، أَخْبَرَنَا علي بْن عبد الله بْن جهضم، حَدَّثَنَا أحمد بْن محمد بْن عيسى [الرازي] [٦] حَدَّثَنَا أحمد بْن سَلَمَة قَالَ: حَدَّثَنَا سالم قَالَ: بينمَا أنا سائر مَعَ ذي النون فِي جبل لبنان، إذ قَالَ: مكانك يَا سالم حَتَّى أعود إليك، فغاب فِي الجبل ثلاثة أيام، وأنا أنتظره، فإذا هاجت علي النفس أطعمتها من نبات الأرض وسقيتها من مَاء الغدران، فلمَا كَانَ بعد الثالث رجع إلي متغير اللون، ذاهب العقل، فقلت له [بعد ما رجعت إليه نفسه] [٧] : يَا أبا الفيض، أسبع [٨] عارضك؟ قَالَ: لا، دعني من تخويف البشرية، إني ٤٢/ ب دخلت كهفا من كهوف هَذَا الجبل، فرأيت رجلا أبيض الرأس واللحية شعثا/ أغبر، نحيفا نحيلا، كأنمَا أخرج من قبره، ذا منظر مهول وهو يصلي، فسلّمت عليه [٩] بعد ما سلم، فرد علي السلام وقال: الصلاة، فمَا زال راكعا وساجدا حَتَّى صلى العصر واستند إِلَى حجر بحذاء المحراب يسبح ولا يكلمني، فبدأته بالكلام وقلت لَهُ: رحمك الله توصني [١٠] بشيء ادع الله لي بدعوة. فَقَالَ: يَا بني، انسك الله بقربة، ثم سكت، فقلت: زدني. قَالَ: يَا بني من آنسه بقربه أعطاه أربع خصال: عزا من غير عشيرة، وعلمَا من غير طلب، وغنى من غير مَال وأنسا من غير جمَاعة. ثم شهق شهقة فلم يفق إلا بعد ثلاثة أيام حَتَّى توهمت أنه ميت، فلمَا كَانَ بعد ثلاثة أيام قام وتوضأ من عين مَاء إِلَى جنب الكهف، وقال لي: يَا بني [، كم فاتني] [١١] من الفرائض؟ صلاة أو
стр. 3539
صلاتان أو ثلاث [١] ؟ قلت: قد فاتتك صلاة [٢] ثلاثة أيام بلياليهن [٣] ، فَقَالَ:
إن حب [٤] الحبيب هيج شوقي ... ثم حب الحبيب أذهل عقلي [٥]
وقد استوحشت من ملامة [٦] المخلوقين، وقد أنست بذكر رب العالمين، انصرف عني بسلام، فقلت لَهُ: يرحمك الله وقفت عليك ثلاثة أيام رجاء الزيادة [وبكيت] [٧] .
فَقَالَ: أحبب مولاك ولا ترد بحبه بدلا، فالمحبون للَّه تعالى هم تيجان العباد، وعلم الزهاد، وهم أصفياء الله وأحباؤه. ثم صرخ صرخة عظيمة فحركته، فإذا هُوَ قد فارق الدنيا، فمَا كَانَ إلا هنيئة، وإذا بجمَاعة من العباد ينحدرون من الجبال [٨] حَتَّى واروه تحت التراب، فسألت: مَا اسم هَذَا الشيخ؟ قَالُوا: شيبان المصاب. قَالَ سالم: سألت أهل الشام عنه قالوا: كَانَ مجنونا. / قلت: تعرفون من كلامه شيئا؟ قالوا: نعم كلمة ٤٣/ أوجيزة [٩] كَانَ يغني بِهَا إذا ضجر [١٠] :
إذا بك يَا حبيبي ... لم أجن فبمن؟ [١١]
قَالَ سالم: فقلت: عمي والله عليكم.
١٢٧٦- عبد الله بْن عمرو بْن أبي الحجاج، أبو معمر المقري المقعد البصري [١٢] .
سَمِعَ عَبْدَ الْوَارِثِ [١٣] بْنَ سَعِيدٍ، والدراوَرْديّ. رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، وَالدُّورِيُّ.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ [قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر بْن ثابت] [١٤] الخطيب [١٥] قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَليّ بْن أَبِي عَلِيٍّ [١٦] الْبَصْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الْمُعَدَّلُ قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ الأَنْبَارِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَيَانٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ
стр. 3540
عَبْد الرَّحْمَنِ الرَّبَعِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ التُّوزِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْمَرٍ صَاحِبُ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ: كَانَ شُعْبَةُ يُحَقِّرُنِي [١] إِذَا ذَكَرْتُ شَيْئًا، فَحَدَّثَنَا عَنْ أَبِي عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أَنَّ كعب بن مالك بن قَالَ:
قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ رَيْبٍ ... بِخَيْبَرَ ثم أحمينا السيوفا
فسائلها وَلَوْ نَطَقَتْ لَقَالَتْ ... قَوَاطِعُهُنَّ دَوْسًا أَوْ ثَقِيفًا
فَلَسْتُ لِمَالِكٍ إِنْ لَمْ يَزَرْكُمْ ... بِسَاحَةِ دَارِكُمْ مِنَّا أُلُوفًا
وَتُنْتَزَعُ الْعُرُوشُ عُرُوشُ وَجٍّ ... وَتُصْبِحُ دَارُكُمْ مِنْكُمْ خُلُوفًا
فَقُلْتُ لَهُ: وَأَيُّ عُرُوشٍ كَانَتْ؟ ثُمَّ قَالَ: مِمَّا هِيَ، قُلْتُ: وَيُنْتَزَعُ الْعُرُوشُ عُرُوشُ وَجٍّ، وَذَلِكَ [٢] مِنْ قَوْلِ اللَّهِ : خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ٢: ٢٥٩ [٣] قَالَ: وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُنِي وَيَرْفَعُ مَجْلِسِي.
كَانَ أَبُو مَعْمَرٍ ثِقَةً ثَبْتًا، لَكِنَّهُ كَانَ يقول بالقدر. توفي في هذه السنة.
٤٣/ ب
١٢٧٧- عَبْد الرَّحْمَنِ بْن يونس بْن هاشم، / أبو مسلم الرومي، مولى أبي جعفر المنصور [٤] .
ولد سنة أربع وستين [٥] ومَائة، وَكَانَ يستملي عَلَى سفيان بْن عيينة، ويزيد بْن هارون، روى عنه: الْبُخَارِيّ فِي صحيحه، والحربي [٦] ، وابن أبي الدنيا، وقال: أبو حاتم الرازي: صدوق [٧] .
وتوفي ببغداد فِي رجب هَذِهِ السنة.
١٢٧٨- علي بْن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَيْفٍ، أبو الحسن المدائني، مولى عبد الرحمن بن سمرة [٨] القرشي [٩] .
стр. 3541
وَهُوَ بصري هي مولده ونشأ بِهَا [١] ، وسكن المدائن، ثم انتقل عنها إِلَى بغداد، فسكن بها إلى أن توفي في هذه السنة، وقيل فِي سنة خمس وعشرين [٢] وله ثلاث وتسعون سنة، وَكَانَ عالمَا بأيام الناس وأخبار العرب والفتوح والمغازي، وله مصنفات [٣] .
[وقد] [٤] روى عنه الزبير بْن بكار وغيره، وَكَانَ من الثقات، أهل الخير، يسرد الصوم قبل موته ثلاثين سنة.
قَالَ أبو قلابة: حدثت أبا عاصم النبيل بحديث فَقَالَ: عمن هَذَا؟ فقلت ليس [لَهُ] [٥] إسناد ولكن حدثنيه أبو الحسن المدائني، فَقَالَ: سبحان الله، أبو الحسن إسناد [٦] .
أخبرنا [أبو منصور] [٧] القزاز، قال: أخبرنا أحمد بْن علي [٨] ، أَخْبَرَنَا الصيمري، حَدَّثَنَا علي بْن أَيُّوب، أَخْبَرَنَا محمد بْن عمران المرزباني قَالَ: قَالَ أبو عمر المطرز:
سمعت أحمد بْن يحيى النَّحْويّ يقول: من أراد أخبار الجاهلية فعليه بكتب أبي عبيدة، ومن أراد أخبار الإسلام فعليه بكتب المدائني [٩] .
١٢٧٩/- القاسم بْن سلام، أبو عبيد [١٠] .
٤٤/ أكان أبوه عبدا روميا لرجل من أهل هراة، وبها ولد أبو عبيد، ويحكي أن سلامَا خرج يوما وأبو عبيد مَعَ ابْن مولاه فِي الكتاب، فَقَالَ للمعلم: علمني القاسم فإنّها كسبه [١١] .
стр. 3542
طلب أبو عبيد [١] العلم، وسمع الحديث من إسمَاعيل بْن جعفر، وشريك، وهشيم، وابن عيينة، ويزيد بْن هارون، وخلق كثير، وروى اللغة عن البصريين والكوفيين، عن أبي زيد، وأبي عبيدة، والأصمعي، واليزيدي، وعن أبي عثمَان [٢] ، وأبي عمرو الشيباني، والكسائي، [والأحوص] [٣] ، والأحمر، والفراء. وصنف الكتب فِي فنون الفقه والقراءات، والغريب، [٤] وغير ذلك. وَكَانَ مؤدبا [٥] لآل هرثمة، وصار فِي ناحية عبد الله بْن طاهر وَكَانَ [٦] ذا فضل ودين وجود، ومذهب حسن [٧] .
أَخْبَرَنَا أبو منصور عبد الرحمن [٨] بن محمد، أخبرنا أبو بكر بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ [٩] ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو العلاء قَالَ: قَالَ أبو الحسن محمد بْن جعفر التَّمِيمِيّ: كَانَ طاهر بْن الحسين حين مضى إِلَى خراسان نزل بمرو، فطلب رجلا يحدثه ليله، فقيل:
ما هاهنا إلا رجل مؤدب، فأدخل عَلَيْهِ أبو عبيد، فوجده أعلم الناس بأيام الناس، والنحو، واللغة، والفقه، فَقَالَ لَهُ: من المظالم تركك أنت [١٠] بهذا البلد، فدفع إليه ألف دينار، وقال له: أنا متوجه إلى خراسان إلى حرب [١١] ، وليس أحب استصحابك شفقة عليك، ٤٤/ ب فأنفق هَذِهِ إِلَى أن أعود إليك قَالَ [١٢] أبو عبيد: [صنفت] [١٣] / «غريب المصنف» إِلَى أن عاد طاهر بْن الحسين من خراسان فحمله معه إلى سامراء [١٤] .
стр. 3543
قَالَ التميمي: وحَدَّثَنَا أبو علي النحوي، حَدَّثَنَا الفسطاطي قَالَ: كَانَ أبو عبيد مَعَ ابْن طاهر، فوجه إليه أبو دلف يستهديه أبا عبيد مدة [١] شهرين، فأنفذ أبا عبيد إليه فأقام شهرين، فَلَمَّا أراد الانصراف وصله أبو دلف بثلاثين ألف درهم، فلم يقبلها وقال:
أنا فِي جنبة [٢] رَجُل مَا يحوجني إِلَى صلة أحد ولا آخذ مَا فيه علي نقص، فلمَا عاد إِلَى طاهر وصله بثلاثين [٣] ألف دينار بدل مَا وصله أبو دلف، فَقَالَ لَهُ: أيها الأمير [قد قبلتها، ولكن] أنت [قد] [٤] أغنيتني بمعروفك وبرك وكفايتك عنها، وقد رأيت أن أشتري بِهَا سلاحا وخيلا، وأوجّه بها إلى الثغور ليكون الثواب متوفرا عَلَى الأمير ففعل [٥] .
أَخْبَرَنَا [أبو منصور] عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا [أبو بكر] [٦] أحمد بن علي بن ثابت [٧] ، حدثنا [٨] أبو القاسم الأزهري، حَدَّثَنَا أحمد بْن إبراهيم، حَدَّثَنَا عُبَيْد الله بْن عَبْد الرَّحْمَنِ السكري قَالَ: قَالَ أحمد بْن يوسف- إمَا سمعته منه أو [٩] حدثت به عنه- قَالَ: لمَا عمل أبو عبيد كتاب «غريب الحديث» عرضه عَلَى عبد الله بْن طاهر فاستحسنه وقال: إن عقلا بعث [١٠] صاحبه عَلَى عمل مثل هَذَا الكتاب لحقيق أن لا يحوج [١١] إِلَى طلب المعاش، فأجرى لَهُ عشرة آلاف درهم فِي كل شهر [١٢] .
وأول من سمع هَذَا الكتاب من أبي عبيد: يحيى بْن معين، وابن المديني [١٣] .
وَكَانَ الأصمعي يقول: لن يضيع الناس ما حيي أبو عبيد/. ٤٥/ أوقال إبراهيم [الحربي] [١٤] : مَا شبهت أبا عبيد إلا بجبل نفخ فيه روح.
وَكَانَ أبو عبيد يقسم الليل أثلاثا فينام ثلثه، ويصلي ثلثه، ويضع الكتب ثلثه [١٥] .
وتولي قضاء طرسوس، ثم حج سنة تسع عشر، ومَات بمكة سنة أربع وعشرين، وقيل فِي التي قبلها [١٦] ، وقد بلغ سبعا وستين سنة.
стр. 3544
ثُمّ دخلت سنة خمس وعشرين ومَائتين
فمن الحوادث فيها:
أن المعتصم أجلس [١] أشناس عَلَى كرسي وخلع عَلَيْهِ وتوجه ووشحه فِي شهر ربيع الأول [٢] .
[خلع المعتصم عَلَى محمد بْن عبد الملك الزيات واستوزره]
وفيها: خلع المعتصم عَلَى محمد بْن عبد الملك الزيات ووسمه [٣] بالوزارة، ورفع من قدره.
[غضب المعتصم على جعفر بن دينار]
وفيها: غضب المعتصم عَلَى جعفر بْن دينار من أجل وثوبه عَلَى من كَانَ معه من الشاكرية، وحبسه عند أشناس خمسين يومَا، وعزله عن اليمن وولاها إيتاخ، ثم رضي عن جعفر [ثم عزل الأفشين عن الحرس، ووليه إسحاق بن يحيى] [٤] .
[غضب المعتصم على الأفشين]
وفيها: غضب المعتصم عَلَى الأفشين، فحبسه لأنه رفع عنه أنه يريد قتل المعتصم.
وذكر الصولي أن أحمد بْن أبي دؤاد قَالَ للمعتصم: إن الأفشين قد كاتب المَازيار، وَكَانَ خارجيا، فَقَالَ المعتصم: فكيف [٥] أعلم حقيقة ذلك؟ قال: تبعث إلى
стр. 3545
كاتبه فِي الليل فتهدده [١] ، فإنه ضعيف القلب، وسيقر لك، ففعل وأعطاه أمَانا، فأقر لَهُ.
قَالَ لَهُ: فَمنْ كتب الكتاب؟ قَالَ: أنا. قَالَ: فمَا فيه؟ قَالَ: كتب إليه: لم يكن في العصر غير بابك وغيرك وغيري، فمشى [٢] بابك وقد جاءك جيش [٣] ، فإن هزمته كفيتك أنا الحضرة، وخلص لنا الدين الأبيض، قَالَ: فانصرف ولا تعلم [٤] أحدا بمَا جرى/، فإن ٤٥/ ب علم الأفشين بمجيئك إلي فقل: سألني عن خدمك [٥] ومئونتك وعيالك.
قَالَ أحمد بْن أبي دؤاد: فدخلت عَلَى المعتصم وَهُوَ يبكي، فأنكرت ذلك، فَقَالَ: يَا أبا عبد اللَّه، رجل أنفقت عليه ألف دينار، ووهبت لَهُ مثلها، يريد قتلي، وقد تصدقت بعشرة آلاف ألف درهم، فخذها فأنفدها، وَكَانَ الكرخ قد احترقت، حَتَّى كَانَ الرجل إذا قام من ضيعة الكرخ رَأَى أرقال السفن.
فَقَالَ أحمد بْن أبي دؤاد: إن رأى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أن يجعل النصف من هَذَا المَال لأهل الحرمين والنصف [الآخر] [٦] لأهل الكرخ. قَالَ: أفعل. وكتب المعتصم إِلَى عبد الله بن طاهر أن يقبض عَلَى الحسن بْن الأفشين وامرأته أترجة بنت أشناس فِي يوم حده لَهُ، وقبض هُوَ عَلَى الأفشين فيه [٧] وحبسه.
وفي مستهل [٨] جمَادى الأولى: كانت رجفة بالأهواز عظيمة، تصدعت منها الجبال وخصوصا الجبل المطل عَلَى الأهواز، ودامت أربعة أيام بلياليها، وهرب أهل البلدة إِلَى البر وإلى السفن، وسقطت فيها دور كثيرة، وسقط نصف الجامع، ومكثت ستة عشر يومَا.
[إحراق الكرخ]
وفيها: أحرقت الكرخ فأسرعت [٩] النار فِي الأسواق، فوهب المعتصم للتجار وأصحاب العقار خمسة آلاف ألف درهم جرت عَلَى يد ابْن أبي دؤاد، وقدم بها إلى بغداد، ففرقها.
[إحراق المعتصم غناما المرتد]
وفيها [١٠] : أحرق المعتصم غناما المرتد.
стр. 3546
وفيها: أسر مَازيار فضرب خمسمَائة سوط، فمَات من يومه، وَكَانَ خلع بطبرستان [١]- وصلب إِلَى جانب بابك بسامراء.
وحج بالناس/ في هذه السنة مُحَمَّد بْن داود.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٢٨٠- إبراهيم بْن مهدي [٢] .
بغدادي نزل المصيصه، فقيل لَهُ: المصيصي، حدث عن إبراهيم بْن سعد، وحمَاد بْن زيد، وغيرهمَا. رَوَى عنه: أحمد بْن حنبل، وأبو داود، وعباس الدوري.
وَكَانَ ثقة.
وتوفي في هذه السنة.
١٢٨١- إبراهيم بْن أبي محمد يحيى بْن المبارك بْن المغيرة، أبو إسحاق العدوي، المعروف بابن اليزيدي البصري [٣] .
سكن بغداد، وله فضل وافر، وحظ من الأدب زائد [٤] ، سمع من أبي زيد والأصمعي، وجالس المأمون، وَكَانَ شاعرا مجيدا، وله كتاب مصنّف يفتخر به اليزيدون، وَهُوَ مَا اتفق لفظه واختلف معناه نحو من سبعمَائة ورقة، وذكر أنه بدأ بتصنيفه وَهُوَ ابْن سبع عشرة سنة، ولم يزل يعمله إِلَى أن أتت [٥] عَلَيْهِ ستون سنة، وله كتاب «معادن القرآن» [٦] وكتاب « [فِي] [٧] بناء الكعبة وأخبارها» .
стр. 3547
١٢٨٢- سعيد بْن سليمَان، أبو عثمَان الواسطي، المعروف بسعدويه البزار [١] .
سكن بغداد، وحدث بِهَا عن الليث بْن سعد، وزهير بْن معاوية، وحمَاد بْن سلمة وغيرهم. روى عَنْهُ: يحيى بْن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم، وَكَانَ ثقة مأمونا، حج ستين حجه، إلا أنه كَانَ يصحف، وامتحن فأجاب.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي، أخبرنا محمد بْن عبد الواحد/، أَخْبَرَنَا الْوَلِيد بْن بكر، حَدَّثَنَا علي بْن أحمد بْن زكريا [٢] الهاشمي، ٤٦/ ب حَدَّثَنَا أبو مسلم صالح بْن أحمد العِجْليّ قَالَ: حدثني أبي قَالَ: سعيد بْن سليمَان ويعرف بسعدويه ثقة، قيل له بعد ما انصرف من المحنة مَا فعلتم؟ قَالَ: كفرنا ورجعنا [٣] .
توفي سعدويه [٤] ببغداد في هذه السنة فِي ذي الحجة [٥] ، وله مَائة سنة.
١٢٨٣- صالح بْن إسحاق بْن عمرو الجرمي النحوي [٦] .
صاحب الكتاب «المختصر فِي النحو» وإنمَا قيل لَهُ الجرمي لأنه كَانَ ينزل فِي جرم [وقيل: بل كَانَ مولى لجرم] [٧] ، وجرم من قبائل اليمن، وأخذ النحو عن الأخفش وغيره، ولقي يونس بْن حبيب وَلَم يلق سيبويه، وأخذ اللغة عن أبي عبيدة، وأبي زيد، والأصمعي، وطبقتهم، وأسند الحديث عَنْ يزيد بْن زريع وغيره، وَكَانَ حسن الاعتقاد، غزير العلم، وناظر الفراء فأفحم الفراء.
توفي في هذه السنة.
стр. 3548
١٢٨٤- عبيد بْن غاضرة بْن فرقد، أبو عثمَان العبدي [١] .
قدم مصر وحدث بِهَا، وتوفي فِي شوال هَذِهِ السنة.
١٢٨٥- عَلي بْن رزين [٢] ، أبو الحسن الخراساني .
كَانَ أستاذ أبي عبد الله المغربي.
أَخْبَرَنَا عمر بْن ظفر، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو جعفر بْن أحمد بْن عبد الواحد [٣] ، أخبرنا عبد العزيز بْن عَلي، أَخْبَرَنَا ابن جهضم، حَدَّثَنَا أحمد بْن محمد بْن علي بْن هارون قَالَ: سمعت إبراهيم بْن شَيْبَان قَالَ: كَانَ علي بْن رزين قد شاع عنه [٤] فِي الناس أنه يشرب فِي كل أربعة أشهر شربة مَاء، فسأله رجل من أهل قرميسين [٥] عن هَذَا، فَقَالَ:
نعم، وأي شيء فِي هَذَا؟! سألت الله أن يكفيني مئونة بطني فكفاني.
عاش علي بْن رزين مَائة وعشرين سنة. وتوفي في هذه السنة، ودفن على جبل الطور.
٤٧/ أ
١٢٨٦- القاسم بْن عيسى بْن إدريس بْن معقل، أبو دلف/ العجلي أمير الكرج [٦] .
كَانَ سمحا جوادا، وبطلا شجاعا، وأديبا شاعرا.
أَخْبَرَنَا [أبو منصور بْن عَبْد الرَّحْمَنِ] القزاز، أَخْبَرَنَا [أبو بكر] [٧] الخطيب، أَخْبَرَنَا الأزهري، أَخْبَرَنَا أحمد بْن إبراهيم بْن الحسن، حَدَّثَنَا أحمد بْن مروان المكي، حَدَّثَنَا المبرد، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ الثوري قَالَ: استهدى المعتصم من أبي دلف كلبا أبيض [كان عنده] [٨] فجعل في عنقه قلادة كيمخت أقصر [٩] ، وكتب عليها:
стр. 3549
أوصيك خيرا به فإن لَهُ ... خلائقا لا أزال أحمدها [١]
يدل ضيفي علي فِي ظلم الليل ... إذا النار نام موقدها
قَالَ الأزهري: وفي كتابي عن سهل الديباجي، حَدَّثَنَا أحمد بْن محمد بْن الفضل الأهوازي قَالَ: أنشد بكر بْن النطاح أبا دلف:
مثال أبي دلف أمة ... وخلق أبي دلف عسكر
وإن المنايا إلى الدار عين ... بعيني أبي دلف تنظر
[قَالَ] [٢] : فأمر لَهُ بعشرة آلاف درهم، فمضى فاشترى بِهَا بستانا بنهر الأبلة، ثم عاد من قابل فأنشده:
[بك] [٣] ابتعت فِي نهر الأبلة جنة ... عَلَيْهَا قصير بالرخام مشيد
إِلَى لزقها [٤] أخت لها يعرضونها ... وعندك مَال للهبات [٥] عتيد
فَقَالَ أبو دلف: بكم الأخرى؟ قَالَ: بعشرة آلاف فَقَالَ: ادفعوها إليه، ثم قال له:
لا تجيني قابل، فتقول بلزقها [٦] أخرى، فإنك تعلم أن [٧] لزق أخرى إِلَى أخرى اتصل [٨] إِلَى مَا لا نهاية لَهُ [٩] .
/ أَخْبَرَنَا [أبو منصور] عَبْد الرحمن بن محمد قال: [أخبرنا أبو بكر] [١٠] بن ثابت، ٤٧/ ب أخبرنا الحسن بن محمد الخلال، حَدَّثَنَا أحمد بْن إبراهيم البزار، أَخْبَرَنَا أحمد بْن مروان المَالكي، حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن علي الربعي، حَدَّثَنَا أبي قَالَ: سمعت العتابي [١١] يقول: اجتمعنا عَلَى باب أبي دلف جمَاعة، فكان يعدنا بأمواله من الكرج وغيرها، فأتته الأموال، فبسطها على الأنطاع، وجلسنا حوله، ثم اتكأ عَلَى قائم سيفه وأنشأ يقول:
ألا أيها الزوار لا يد عندكم ... أياديكم عندي أجل وأكبر
فإن كنتم أفردتموني بالرجاء [١٢] ... فشكري لكم من شكركم لي أكثر
стр. 3550
كفاني من مَالي دلاص وسابح ... وأبيض من صافي الحديد مغفر
ثم أمر بنهب تلك الأموال، فأخذ كل واحد منا [١] عَلَى قدر قوته [٢] .
أَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بَكْر [أَحْمَد بْن عَلِي] [٣] بْن ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا أحمد بن عمر بن روح، أخبرنا المعافى بْن زكريا، حَدَّثَنَا الحسين بْن القاسم الكوكبي، حَدَّثَنَا أبو الْفَضْل الربعي، عن أبيه قَالَ: قَالَ المأمون يومَا- وَهُوَ مقطب- لأبي دلف:
أنت الذي يقول فيك الشاعر:
إنمَا الدنيا أبو دلف ... بين باديه [٤] ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، شهادة زور، وقول غرور، وملق معتف [٥] ، وطالب عرف، وأصدق منه قول [٦] ابْن أخت لي حيث يقول:
دعيني أجوب الأرض ألتمس الغنى ... فلا الكرج الدنيا ولا الناس قاسم
إذا كانت الأرزاق فِي كف قاسم ... فلا كانت الدنيا ولا كَانَ قاسم
٤٨/ أ/ فضحك المأمون وسكن غضبه [٧] .
توفي أبو دلف ببغداد في هذه السنة [٨] .
أَخْبَرَنَا [أبو منصور] القزاز قال: أخبرنا [أبو بكر] [٩] أحمد بن علي، أَخْبَرَنَا الحسن بْن أبي طَالِب، حَدَّثَنَا يوسف بْن عمر القواس، حَدَّثَنَا الحسين بْن إسمَاعيل، حَدَّثَنَا عبد الله بْن أبي سعد، حَدَّثَنَا محمد بْن سلمة البلخي، حَدَّثَنَا محمد بن علي
стр. 3551
القوهستاني حَدَّثَنَا دلف بْن أبي دلف قَالَ: رأيت كأن آتيا أتاني بعد موت أبي دلف فَقَالَ:
أجب الأمير، فقمت معه، فأدخلني دارا وحشة، وعرة سود الحيطان مقلعة السقوف والأبواب، ثم أصعدني درجا فيها، ثم أدخلني غرفة فإذا فِي حيطانها أثر النيران، وإذا فِي أرضها أثر الرمَاد، وإذا أبي عريان واضع رأسه بين ركبتيه، فَقَالَ لي كالمستفهم:
دلف؟ قلت: نعم، أصلح اللَّه الأمير. فأنشأ يقول:
أبلغن أهلنا ولا تخف عنهم ... مَا لقينا فِي البرزخ الخناق
قد سئلنا عن كل مَا قد فعلنا ... فارحموا وحشتي ومَا قد ألاقي
أفهمت؟ قلت: نعم، فأنشأ يقول:
فلو كنا [١] إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعد ذا عن كل شيء
انصرف، قَالَ: فانتبهت [٢] .
أَخْبَرَنَا [أبو منصور] القزاز قَالَ أَخْبَرَنَا [أبو بكر] الخطيب أَخْبَرَنَا [أبو يعلي أَحْمَد بْن] [٣] عبد الواحد الوكيل، أَخْبَرَنَا محمد بْن جعفر التميمي، أَخْبَرَنَا الصولي قَالَ: تذاكرنا يومَا عند المبرد الحظوظ وأرزاق الناس من حيث [٤] لا يحتسبون، فَقَالَ:
هَذَا يقع كثيرا فمنه قول ابْن أَبِي فنن فِي أبيات عملها المعنى أراده: / ٤٨/ ب
مَا لي ومَا لك قد كلفتني شططا ... حمل السلاح وقول الدارعين قف
أمن رجال المنايا خلتني رجلا ... أمسى وأصبح مشتاقا إِلَى التلف
تمشي المنون إِلَى غيري فأكرهها ... فكيف أمشي [٥] إليها بارز الكتف
أم هل حسبت سواد الليل شجعني ... أو أن قلبي فِي جنبي أبي دلف
فبلغ هَذَا الشعر أبا دلف فوجه إليه أربعة آلاف درهم جاءته على غفلة [٦] .
стр. 3552
بلغني عن الفضل بْن محمد بْن أبي محمد اليزيدي وَكَانَ من العلمَاء الأدباء الفضلاء [١] ، قَالَ: كَانَ لرجل حجازي جارية مغنية شاعرة، وَكَانَ مشغوفا بِهَا، فأملق فِي بلده، فسافر بِهَا طلبا للرزق، فقصد [٢] بغداد فسمع به جمَاعة من أهلها فقصدوه للمعاشرة، فلم يحظ منهم بطائل، ورآهم يلاحظون الجارية ويولعون بِهَا، فقطعهم عنه [٣] ، فاشتدت فاقته [٤] ، فقصد أبا دلف العجلي بالكرج، فمدحه ولم يك شعره بالطائل [٥] بحيث يقتضي كثرة الجائزة، فاضطر إِلَى بيع الجارية، فابتاعها منه أبو دلف بثلاثة آلاف دينار، وكساه ووصله وحمله، فانصرف وَهُوَ باك حزين، فوصل إِلَى بغداد، وَكَانَ يحضر عندي دائمَا ويشكو شوقه إِلَى الجارية شكوى تؤلمني [٦] ، فانصرف من عندي يومَا، ثم بعث إلي برقعة يقول فيها: إنه وصل إِلَى منزله فوجد الجارية وقد أهداها لَهُ أبو دلف، فتطلعت نفسي إِلَى معرفة الحال، فمضيت إليه فوجدت الجارية ٤٩/ أجالسة، وامرأة كهلة وخادمَا، فسألتها عن أمرها [٧] ، فقالت: إني لمَا فارقت/ مولاي عظم استيحاشي وحزني، حَتَّى امتنعت من الطعام والنوم، فاستدعاني أبو دلف، وطيّب نفسي بكل وعد جميل، وسامني الغنى، فكنت إذا هممت بإجابته خنقتني العبرة، فلم أستطع الكلام، وفعل ذلك دفعات، وأنا عَلَى حالي، فجفاني وبقيت [٨] فِي حجرة أفردت لي، لا أرى [٩] إلا خادمَا [ربمَا] [١٠] كَانَ برسم حفظي، وجارية وكلت بخدمتي، وكنت قلت أبياتا وعلقتها فِي رقعة، أنظر فيها وقت خلوتي، [وهي:] [١١]
لو يعلم القاسم العجلي مَا فعلا ... لعاد معتذرا أو مطرقا خجلا
مَاذا دعاه إِلَى هجر المروة فِي ... تفريق إلفين كانا فِي الهوى مثلا
فإن مولاي أصمته الخطوب بمَا ... لو مر بالطفل عاد الطفل مكتهلا
فباعني بيع مضطر وصيره ... فرط الندامة بعد البين مختبلا
وبت [١٢] عادمة للصبر باكية ... كأنني مدنف قد شارف الأجلا
стр. 3553
بين الضرائر أدعى بالغريبة إن ... هفوت لم ألق [١] لي فِي الناس محتملا
فمَا تبدلت إلفا بعد فرقته ... ولا تعوض مني غادر بدلا
فاتفق أنه اجتاز بباب الحجرة، فدخل لينظر هل خف مَا أجده، فجلس يعاتبني، ويرفق بي ويومئ فِي كلامه إِلَى تهديدي، فوجدني على حالتي الأولى، ولا حظ الرقعة، فأخذها فتأملها وقَالَ: الآن يئست [٢] منك، وإن رددتك عَلَى مولاك [٣] فمن يرد المَال علي؟ قلت: قانصه يرده عليك أو مَا [٤] بقي منه وَهُوَ الأكثر بلا شك والله [٥] / يخلف عليك باقيه. فأطرق ساعة ثم قَالَ: بل اللَّه يخلف [٦] ٤٩/ ب علي الأصل، وقد رددتك عَلَى مولاك، ووهبت لك مَا بقي عنده من ثمنك لحسن عهدك ورعايتك حق الصحبة، ومَا أفارق موضعي إلا وأنت عَلَى الطريق فاستتري مني [٧] ، فلست الآن فِي ملكي. فدخلت بيتا فِي الحجرة، فاستدعى كرسيا فجلس [عَلَيْهِ] [٨] ، وأحضر هَذِهِ العجوز وهي قهرمَانة داره، وهذا الخادم، وأوصاهمَا بحفظي حَتَّى يسلمَاني إِلَى صاحبي، وأزاح العلة فِي جميع مَا احتجت إليه من النفقة والكسوة والكراع، وحمل [٩] معي جميع مَا كَانَ جعله فِي داره من الأثاث والفرش، ومَا فارق الكرسي إلا وقد [١٠] خرجنا من بين يديه. فقلت: يَا مولاي، قد حضرني بيتان أسألك أن تأذن لي فِي إنشادهمَا. فأذن لي، فقلت:
لم يخلق الله خلقا صيغ من كرم ... إلا أمير الندى المكنى أبا دلف
رثى لمحزونة بالبين مدنفة ... فردها طالبا أجرا عَلَى دنف
فدمعت عيناه وقال: أحسنت، وأمر لي بخلعة ومَائة [١١] دينار، فحمل ذلك إلي وسرت قَالَ اليزيدي: فعجبت من ذلك، وكانت ليلة نوبتي فِي السمر عند المأمون، فقلت لَهُ: يَا أمير الْمُؤْمِنِين، عندي حديث مستطرف نادر [١٢] ، فقال: هات يا فضل.
стр. 3554
فأعدت عَلَيْهِ الحديث [١] عن آخره، فاستحسنه وعجب منه وقال: ما قصرت الجارية في ٥٠/ أحفظ عهد من رباها، ومَا قصر [٢] القاسم فِي فعله، ونحتاج أن/ نقوي عزمه فِي مثل هَذَا الفعل الجميل الذي هُوَ معدود فِي مفاخر أيامنا، فإذا أصبحت فاغد إِلَى أحمد بن أبي طاهر، وقل له احتسب للقاسم العجلي بثلاثة آلاف دينار من معاملاته وأنفذ لَهُ درزا يقبض المَال [٣] لذلك، واكتب أَنْت إليه وعرفه [٤] انتهاء الحال إلينا وإحمَادنا لمَا اعتمد ليزداد حرصا عَلَى انتهاز الفرص فِي مثل هَذِهِ المكرمة، فبادرت لمَا أمر به [٥] وتنجزت الدرز بالمَال وجعلته درج كتابي [٦] ، وسلمته إِلَى صاحب الحرس لينفده عَلَى البريد، فلم تمض [إلا] [٧] أيام حَتَّى عاد جوابه يشكرني، وَيَقُولُ: أمَا ثمن الجارية فوصل، واغتبطت بنعمة أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فِي تعويضي إلا أنه مَال أخرجته من فضل إحسانه، ومَا أحب ارتجاعه، لكني قبلته طاعة وحملت إليك منه ألفا لقضاء حقك [٨] ، وتقدمت بتفريق الباقي منه عَلَى من بهذه الديار من بني هاشم، وأعلمتهم أن كتاب [٩] أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ورد بأنه انتهى إليه اختلال أحوالهم، فأمر بتعهدهم بذلك، فأكثروا الشكر والدعاء.
قَالَ اليزيدي: فأنهيت ذلك إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، فتهلل وجهه وقال: إنه ليسرني أن يكون مِمَّنِ [١٠] اتسع حظه من خير أيامي جمَاعة منهم [١١] القاسم بْن عيسى.
١٢٨٧- منصور بْن عمَار بْن كثير، أبو السري الواعظ [١٢] .
من أهل خراسان. وقيل: من أهل البصرة، سكن بغداد، وحدث بِهَا عن ليث بْن سعد، وابن لهيعة وغيرهما، روى عنه: أبو بكر بن علي بن حزم [١٣] .
٥٠/ ب أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ [١٤] ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أحمد بن علي [١٥] ، / أخبرنا محمد بن
стр. 3555
عَلِيّ الصوري، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ الأزدي، حَدَّثَنَا عبد الواحد بْن مُحَمَّد بْن مسرور، حَدَّثَنَا أَبُو سعيد [١] بْن يونس قَالَ: منصور بْن عمَار يكنى أبا السري، قدم مصر وجلس يقص عَلَى النّاس، فسمع كلامه الليث بْن سعد، فاستحسن قصصه وفصاحته، فذكر أن الليث قَالَ لَهُ: مَا الذي أقدمك إِلَى بلدنا؟ [٢] قَالَ: طلبت أن أكسب بِهَا ألف دينار فَقَالَ [لَهُ] [٣] الليث: فهي لك علي وصن كلامك هَذَا الحسن، ولا تتبذل. فأقام بمصر فِي جملة الليث بْن سعد فِي جرايته، إِلَى أن خرج عن مصر فدفع إليه الليث بْن سعد [٤] ألف دينار، ودفع إليه بنو الليث [أيضا] [٥] ألف دينار، فخرج وسكن بغداد [وتوفي بِهَا. وَكَانَ فِي قصصه وكلامه شيئا عجبا لم يقص عَلَى الناس مثله.
أَخْبَرَنَا أبو منصور، أَخْبَرَنَا أبو بكر] [٦] أخبرنا الأزهري، أنبأنا ابن بطة، أَخْبَرَنَا إبراهيم بْن جَعْفَر التستري قَالَ: سمعت أبا الحسن علي بْن الحسن الواعظ يقول:
سمعت أبا بكر الصَّيْدلانيّ يقول: سمعت سليم بْن منصور بْن عمَار يقول: رأيت أبي منصورا فِي المنام فقلت: مَا فعل بك ربك؟ فَقَالَ: إن الرب قربني وأدناني وقال [لي] [٧] : يَا شيخ السوء، تدري لم غفرت لك؟ قال: فقلت: لا يَا إلهي، قَالَ: إنك جلست للناس مجلسا فبكيتهم، فبكى فيهم عبد من عبادي لم يبك من خشيتي [٨] قط.
فغفرت لَهُ، ووهبت أهل المجلس كلهم لَهُ [٩] ، ووهبتك فيمن وهبت لَهُ [١٠] .
أَخْبَرَنَا محمد بْن [أبي] [١١] القاسم، أنبأنا رزق الله بْن عبد الوهاب عن أبي عَبْد الرَّحْمَنِ السُّلَمِيّ قَالَ: سمعت أبا بكر الرازي يقول [سمعت أبا العباس القاضي يقول:] [١٢] سمعت أبا الحسين [١٣] يَقُولُ: رأيت منصور بْن عمَار فِي المنام، فقلت لَهُ: مَا فعل الله بك؟ قَالَ: وقفت بين يديه فَقَالَ لي: أنت الذي كنت تزهد الناس فِي الدنيا وترغب عنها [١٤] ، قلت: قد كَانَ ذلك، ولكن مَا اتخذت مجلسا إلا وبدأت بالثناء عليك
стр. 3556
٥١/ أو [ثنيت] [١] بالصلاة عَلَى نبيك وثلثت/ بالنصيحة لعبادك. فَقَالَ: صدق، ضعوا [٢] لَهُ كرسيا فِي سمَائي فمجدني فِي سمَائي بين ملائكتي كمَا مجدتني فِي أرضي بين عبادي.
توفي منصور في هذه السنة ببغداد، وقبره ظاهر بمقبرة باب حرب قريبا من بشر الحافي.
١٢٨٨- مخة أخت بشر الحافي [٣] .
وَكَانَ لبشر ثلاث أخوات مخة، ومضغة وزبدة، والمشهور بذكر الورع [٤] مخة.
أَخْبَرَنَا [أبو منصور] عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا [أبو بكر] [٥] أحمد بن علي بن ثابت قال: حَدَّثَنِي [٦] عبد العزيز بْن أحمد الكتاني، حَدَّثَنَا عبد الوهاب بْن عبد الله المزني قَالَ: سمعت أبا بكر الأحنف يقول: سمعت عبد الله بْن أحمد يقول:
جاءت مخة أخت بشر الحافي إِلَى أبي فقالت لَهُ: إني امرأة رأس مَالي دانقين [٧] ، أشتري القطن فأغزله [٨] وأبيعه بنصف درهم وأتقوت بدانق من الجمعة إِلَى الجمعة، فمر ابْن طاهر الطائف ومعه مشعل، فوقف يكلم أصحاب المسالح فاستغنمت ضوء المشعل فغزلت طاقات، ثم غاب عني المشعل فعلمت أن للَّه فِي مطالبة [٩] ، فخلصني خلصك الله، فَقَالَ لها: تخرجين الدانقين ثم تبقين بلا رأس مَال حَتَّى [١٠] يعوضك اللَّه خيرا منه. قَالَ عبد الله: فقلت لأبي يَا أبه لو قلت لها: لو أخرجت [١١] الغزل [١٢] الذي فيه الطاقات، فَقَالَ: يَا بني، سؤالها لا يحتمل التأويل. ثم قَالَ: من هَذِهِ؟ قلت: مخة أخت بشر الحافي فقال: من هاهنا أتيت [١٣] .
стр. 3557
ثُمّ دخلت سنة ست وعشرين ومَائتين
فمن الحوادث فيها:
مَا ذكر ابْن حبيب الهاشمي فِي ليلة الاثنين النصف من جمَادى الآخرة/ مطر [١] ٥١/ ب أهل تيماء مطرا وبردا كالبيض، فقتل بها [٢] ثلاثمائة وسبعين [٣] إنسانا، وهدم دورا، وسمع فِي ذلك صوت يقول: ارحم عبادك، اعف عن عبادك، ونظروا إِلَى أثر قدم طولها ذراع بلا أصابع وعرضها شبرين [٤] ، من [٥] الخطوة إِلَى الخطوة خمسة أذرع أو ست، فاتبعوا الصوت، فجعلوا يسمعون صوتا ولا يرون شخصا.
وحج بالناس في هذه السنة مُحَمَّد بْن داود [بْن عيسى] [٦] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٢٨٩- الأفشين الأمير الكبير، واسمه حيدر بْن ساووس [٧] .
وقد سبقت أخباره، وأنه اتهم بدين المجوسية، واتهم بأنه أراد قتل المعتصم،
стр. 3558
وأن ينقل الملك إِلَى الأعاجم، وأن المعتصم غضب عَلَيْهِ، وحبسه وقيده، فبقي مدة ثم مات في هذه السنة.
وقيل: بل قتله وصلبه بإزاء بابك، وذلك فِي شوال هَذِهِ السنة.
وقال أبو بكر الصولي: مَات فِي الحبس، وصلب بعد ذلك [١] بباب العامة فِي شعبان [٢] ، وأحضرت أصنام كانت حملت إليه من أشروسنة، فضربت بالنار، وطرح الأفشين فيها، فأحرق وذرى [وذلك في [٣] شعبان] .
١٢٩٠- عبد الجبار بْن سعيد بْن سليمَان بْن نوفل [٤] بْن مَاحق [٥] .
ولي إمرة المدينة مرة بعد مرة، وولي قضاءها للمَامون، وَكَانَ أجمل قرشي وأحسنه وجها، وأجوده لسانا، وتوفي [٦] وَهُوَ شيخ قريش في هذه السنة. وَكَانَ [٧] قد بلغ ثلاثا وثمَانين سنة، وَكَانَ آخر ولد سعيد لأنهم انقرضوا.
١٢٩١- علي بْن الحكم [أبو الحسن] [٨] المروزي [٩] .
سمع أبا عوانة، وابن المبارك، والمبارك بْن فضالة/، وغيرهم، روى عنه أحمد بْن حنبل، والبخاري فِي الصحيح.
وتوفي في هذه السنة.
١٢٩٢- عنان .
مولدة من مولدات اليمَامة، وبها نشأت وتأدبت، واشتراها النطاف ورباها، وكانت صفراء جميلة الوجه شكلة، سريعة البديهة فِي الشعر، تجاوب فحول الشعراء، جاءها رجل فَقَالَ أجيزي [١٠] :
ومَا زال يشكو الحب حَتَّى حسبته ... تنفس من أحشائه أو تكلما
стр. 3559
فقالت [١] :
ويبكي فأبكي رحمة لبكائه ... إذا مَا بكى دمعا بكيت لَهُ دمَا
وَكَانَ الرشيد قد طلبها من مولاها، فَقَالَ: لا أبيعها بأقل من مائة ألف، فبعث الرشيد فأحضرها، ثم ردها، فتصدق الناطفي لمَا رجعت [٢] بثلاثين ألف درهم، فلما مات مولاها أخرجت إلى السوق، فبلغ بِهَا مسرور مَائتي ألف درهم [٣] ، فزاد رجل واشتراها، وأخرجها إِلَى خراسان، فمَاتت هناك.
١٢٩٣- غسان بْن الربيع بْن منصور، أبو محمد الغساني الأزدي [٤] .
من أهل الموصل، سمع حمَاد بْن سلمة، روى عنه أبو يعلى الموصلي [٥] .
وأحمد بْن حنبل، ويحيى بْن إِبْرَاهِيم الحربي، وَكَانَ نبيلا فاضلا ورعا.
توفي بالموصل في هذه السنة.
١٢٩٤- يحيى بْن يحيى بْن بكير بْن عَبْد الرَّحْمَنِ، أبو زكريا التميمي المنقري [٦] .
من ولد قيس بْن عاصم المنقري. وقال البخاري: ويقال: هُوَ مولى بني منقر من بني سعد.
سمع من مَالك، والليث بْن سعد، وابن لهيعة وغيرهم، وَكَانَ عالمَا خيرا ورعا [٧] ، وَكَانَ ابْن رَاهَوَيْه يقول: مَا رأيت مثل يحيى بْن يحيى، ومَا رأى مثل نفسه.
/ أنبأنا إسمَاعيل بْن أحمد قَالَ: أنبأنا أبو القاسم يوسف بْن الحسن التفكري ٥٢/ ب قَالَ: سمعت أبا علي الحسن بْن علي بْن بندار الريحاني يقول: كَانَ يحيى بْن يحيى يحضر مجلس مالك، فانكسر قلمه، فناوله المأمون قلمَا من ذهب- أو مقلمة من ذهب-
стр. 3560
فلم يقبل [١] ، فَقَالَ لَهُ المأمون: مَا اسمك؟ قَالَ: يحيى بْن يحيى النيسابوري قَالَ:
تعرفني؟ قَالَ: نعم، أَنْت المأمون ابْن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، قال: فكتب المأمون على ظهر جزوة [٢] : ناولت يحيى بْن يحيى النَّيْسابوريّ [٣] قلمَا فِي مجلس مَالك فلم يقبله، فلمَا أفضت الخلافة إليه بعث [٤] إِلَى عامله [٥] بنَيْسابور يأمره [٦] أن يولي يحيى بْن يحيى القضاء، فبعث إليه يستدعيه، فقال بعض الناس له [٧] : تمتنع من الحضور، وليته أذن للرسول، فأنفذ إليه كتاب المأمون، فقرئ عَلَيْهِ، فامتنع من القضاء، فرد إليه ثانيا، وقال: إن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يأمرك بشيء وأنت من رعيته، وتأبى عَلَيْهِ، فَقَالَ: قل لأَمِير الْمُؤْمِنِينَ ناولتني قلمَا وأنا شاب فلم أقبله، أفتجبرني [الآن] [٨] عَلَى القضاء وأنا شيخ.
فرفع الخبر إِلَى المأمون، فَقَالَ: قد علمت امتناعه، ولكن ول القضاء رجلا يختاره [٩] ، فبعث إليه العامل فِي ذلك [١٠] ، فاختار رجلا [١١] فولي القضاء، ودخل عَلَى يحيى وعليه سواد فضم يَحْيَى فرشا كَانَ جالسا عَلَيْهِ كراهية أن يجمعه وإياه، فقال: أيها الشيخ، ألم تخترني [١٢] ؟ قال: إنما قلت اختاروه، ومَا قلت لك تقلد القضاء.
أَخْبَرَنَا [١٣] زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن الحسين البيهقي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم قال: سمعت أبا سعيد بْن أبي بكر بْن أبي عثمَان يقول:
سمعت فاطمة بِنْت إبراهيم بْن عبد الله السعدية تقول: سمعت فاطمة امرأة يحيى بن ٥٣/ أيحيى تقول: قام يحيى [١٤] مرة لورده، فلمَا فرغ منه/ قعد يقرأ، إذ سمعت جلبة فَقَالَ لي: تعرفوا مَا هذه الجلبة؟ فنظرنا فإذا العسكر والمشاعل وهم يقولون: الأمير عبد الله بْن طاهر يزور أبا زكريا. فعرفناه الخبر، وَكَانَ ابْن طاهر يشتهي أن يراه، فمَا كَانَ بأسرع من أن استأذنوا عَلَيْهِ [١٥] ففتحنا [١٦] ، فدخل الأمير عبد الله بْن طاهر وحده، فلمَا قرب من أبي زكريا وسلم، قام إليه والمصحف فِي يده، ثم رجع إلى قراءته حتى ختم السورة
стр. 3561
التي كَانَ افتتحها، ثم وضع المصحف، واعتذر إِلَى الأمير وقال: لم أشتغل [عنه] [١] تهاونا بحقه، إِنَّمَا كنت افتتحت سورة فختمتها، فقعد عبد الله ساعة يحدثه، ثم قَالَ لَهُ:
ارفع إلينا حوائجك، فَقَالَ: قد [والله] [٢] وقعت لي حاجة فِي الوقت، فَقَالَ: مقضية [٣] مَا كانت. فَقَالَ: قد كنت أسمع محاسن [٤] وجه الأمير ولا أعاينها [٥] إلا ساعتي هَذِهِ، وحاجتي إليك أن لا ترتكب مَا يحرق هَذِهِ المحاسن بالنار. فأخذ الأمير عبد الله بْن طاهر فِي البكاء حَتَّى قام وَهُوَ يبكي.
توفي يحيى بْن يحيى [٦] فِي [صفر] [٧] هَذِهِ السنة وَهُوَ ابْن أربع وثمَانين سنة.
أَنْبَأَنَا زَاهِرُ بْن طَاهِرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا [٨] أَبُو بكر البيهقي، أنبأنا [٩] الحاكم أبو عبد الله [النيسابوري] [١٠] قال: سمعت أبا الحسن محمد بْن الحسن [١١] السراج الزاهد- وَكَانَ شديد العبادة- قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فِي المنام كأنه قد أقبل، إِلَى أن وقف عَلَى قبر يحيى بْن يحيى وتقدم، وصف خلفه جمَاعة من أصحابه، فصلى عَلَيْهِ، ثم التفت إِلَى أصحابه فَقَالَ: / هَذَا القبر لأمان [١٢] لأهل هذه المدينة. ٥٣/ ب وقد روى عن يحيى بْن يحيى خمس طبقات من كبار العلمَاء.
فالطبقة الأولى: إسحاق بْن راهويه، ومحمد بْن رافع، وعلي بْن غنام، ومحمد بن أسلم، ومحمد بن يحيى الذهلي، ونظراؤهم.
والطبقة الثانية: أحمد بْن الأزهر العبدي [١٣] ، وإبراهيم بْن عبد الله السعدي، ويحيى بن محمد الذهلي ونظراؤهم.
والطبقة الثالثة: مسلم بْن الحجاج، وسليمَان بْن داود، وإسمَاعيل بْن قتيبة السلمي، ونظراؤهم.
стр. 3562
والطبقة الرابعة: زكريا بْن داود الخفاف، وعصمة بن إبراهيم الزاهد، وإبراهيم بن علي الذهلي، ونظراؤهم.
والطبقة الخامسة: إسمَاعيل بْن الحجاج الميداني، ويحيى بْن عبد الله بْن سليمَان، والحسن [١] بْن معاذ، ونظراؤهم.
وقد روى عنه أئمة البلدان، منهم: إبراهيم بْن إسمَاعيل العنبري إمَام عصره بطرسوس [٢] ، ومُحَمَّد بْن مشكان إمَام عصره بسرخس، وعبد المجيد بْن إبراهيم القاضي [٣] إمَام عصره ببوشنج، وعثمَان بْن سعيد الدارمي إمَام عصره بهراة، ومحمد بْن الفضل البلخي إمَام عصره ببلخ، ومُحَمَّد بْن نصر المروروذي إمَام عصره بسمرقند، ومحمد بْن إسمَاعيل البخاري إمَام عصره ببخارى، ومحمد بْن عبد الله بْن أبي عرابة إمَام عصره بالشاش، ومحمد بْن إسحاق الشافعيّ إمام عصره بأبيورد، وحميد بْن زنجويه [٤] إمَام عصره بنسا/.
стр. 3563
ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين
[خروج أبي حرب المبرقع اليمانيّ بفلسطين]
فمن الحوادث فيها:
خروج أبي حرب المبرقع اليمَاني بفلسطين وخلافه للسلطان [١] .
وسبب ذلك [٢] : أن بعض الجند أراد النزول فِي داره وَهُوَ غائب عنها، وفيها إمَا زوجته وإمَا أخته فمَانعته فضربها، فلمَا رجع أبو حرب بكت وشكت مَا فعل بِهَا، وأرته أثر الضرب، فأخذ سيفه ومشى إِلَى الجندي وَهُوَ غار، فضربه [به حَتَّى] [٣] قتله، ثم هرب وألبس وجهه برقعا كي لا يعرف، فصار الرجل [٤] إِلَى جبل [من] جبال الأردن [٥] ، فطلبه السلطان فلم يعرف لَهُ خبر، وَكَانَ يظهر بالنهار فيقعد عَلَى الجبل الذي أوى إليه متبرقعا، فيراه الرائي فيأتيه، فيذكره ويحرضه عَلَى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويذكر السلطان ويعيبه، فاستجاب لَهُ خلق [من حراثي تلك الناحية وأهل القرى، وَكَانَ يزعم أنه أموي، فَقَالَ الذين استجابوا لَهُ:] [٦] هَذَا هُوَ السفياني، فلمَا كثرت غاشيته وأتباعه دعا أهل البيوتات من أهل تلك الناحية، فاستجاب لَهُ جمَاعة منهم حتى
стр. 3564
صاروا فِي زهاء مَائة ألف، فوجه إليه المعتصم جندا عليهم رجاء بْن أيوب فطاوله رجاء [١] حَتَّى إذا جاء أوان عمَارة الأرض، انصرف الحراثون، وبقي فِي نحو من ألف أو ألفين فناجزه الحرب، وأسره وجاء به إِلَى المعتصم.
وقيل كَانَ خروج هَذَا فِي سنة ست وعشرين.
أَخْبَرَنَا أَبُو منصور/ القزاز قَالَ أَخْبَرَنَا الخطيب [٢] أبو بكر، أَخْبَرَنَا الأزهري، حَدَّثَنَا علي بن عمر الْحَافِظ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَغَوِيُّ، أَخْبَرَنَا الحارث بْن أبي أسامة قال: سنة سبع وعشرين ومَائتين فيها وثب قوم يوم الجمعة لثلاث بقين من جمَادى الآخرة [٣] فِي مسجد الرصافة عَلَى رجلين من الجهمية فضربوهمَا وأذلوهمَا، ثم مضوا إِلَى مسجد شعيب بْن سهل القاضي يريدون محو كتاب كَانَ كتبه عَلَى مسجده، يذكر فيه أن القرآن مخلوق، فأشرف عليهم خادم شعيب، فرمَاهم بالنشاب، فوثبوا فأحرقوا باب شعيب، وانتهب ناس منزله، وأرادوا نفسه، فهرب منهم [٤] .
وَهُوَ أول قاض حرق بابه ونهب منزله فيمَا بلغنا، وَكَانَ يقول: جهم بْن صفوان مبغضا [٥] لأهل السنة، متحاملا عليهم، منتقصا لهم [٦] .
[وفاة المعتصم]
وفي هذه السنة: توفي المعتصم، وبويع الواثق.
стр. 3565
باب ذكر خلافة الواثق
اسمه هارون بْن المعتصم، ويكنى أبا جعفر، ولد بطريق مكة سنة تسعين ومَائة، وأمه أم ولد [رومية] تسمى [١] قراطيس، وَكَانَ أبيض يعلوه صفرة، وقيل: كَانَ مشربا بحمرة [٢] ، جميلا ربعة، حسن الجسم، قاتم العين، فيها نكتة بياض.
بويع الواثق بسامراء يوم توفي المعتصم، وذلك يوم الأربعاء لثمَان ليال خلون من ربيع الأول سنة سبع وعشرين.
أَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز [٣] قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر بْن أحمد بْن علي، حَدَّثَنَا [٤] أحمد بْن علي المقرئ، أَخْبَرَنَا علي بْن أبي قيس قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن أبي الدنيا قَالَ: بويع هارون بْن محمد فِي اليوم الذي توفي فيه أبوه [٥] المعتصم بسامراء، وَهُوَ يومئذ ابْن تسع وعشرين سنة، وورد رسوله بغداد يوم الجمعة [٦] / عَلَى إسحاق بن ٥٥/ أإبراهيم، فلم يظهر ذلك، ودعا للمعتصم عَلَى منبري بغداد وَهُوَ ميت، فلمَا كَانَ من الغد يوم السبت، أمر إسحاق بن إبراهيم الهاشمي والقواد والناس [٧] بحضور دار أمير
стр. 3566
الْمُؤْمِنِين فحضروا، فقرأ كتابه [١] عَلَى الناس بنعي أبيه، وأخذ البيعة، فبايع الناس [٢] .
ذكر طرف من أخباره وسيرته
أنبأنا [أَبُو مَنْصُورٍ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ [٣] قَالَ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت [٤] قال: حدثني [٥] الحسن بْن أبي طالب، حدثني [٦] أحمد بْن محمد بْن عروة حَدَّثَنَا محمد بْن يحيى قَالَ: حدثني عَلي بْن مُحَمَّد قَالَ: سمعت خالي أحمد بْن حمدون يقول: دخل هارون بْن زياد- مؤدب الواثق- عَلَى الواثق، فأكرمه وأظهر من بره مَا شهر به، فقيل لَهُ: من هَذَا يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ الذي فعلت بِهِ مَا فعلت؟ قَالَ: هَذَا أول من فتق لساني بذكر الله، وأدناني من رحمة الله [٧] .
أَخْبَرَنَا [أبو منصور] عبد الرحمن بن محمد [القزاز] قال أخبرنا أحمد بن على بن ثابت [٨] قال أخبرنا أبو منصور بْن أبي جعفر الجيلي أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عمران قال: أخبرنا مُحَمَّد بْن يحيى قَالَ: سمعت الحسين بْن فهم يقول: سمعت يحيى بْن أكثم يقول: مَا أحسن أحد إِلَى آل أبي طالب من خلفاء بني العباس، مَا أحسن إليهم الواثق، مَا مَات وفيهم فقير [٩] .
قَالَ محمد بْن يحيى: وحدثني عنه عبد الله [١٠] بْن المعتز، حَدَّثَنَا عبد الله بْن هارون النحوي، عَنْ محمد بْن عطية قَالَ: قَالَ محمد بن المهتدي: كنت أمشي مع
стр. 3567
الواثق فِي صحن داره فَقَالَ لي/: يَا محمد، ادع [لي] بدواة [١] وقرطاس، فدعوت له، ٥٥/ ب فقال: اكتب. فكتبت:
تنح عن القبيح ولا ترده ... ومن أوليته حسنا [٢] فزده
ستكفي من عدوك كل كيد ... إذا كاد [٣] العدو ولم تكده
ثم قَالَ: اكتب:
هي المقادير تجري فِي أعنتها ... فاصبر فليس لها صبر عَلَى حال
ثم فكر طويلا، فلم يأته شيء [آخر] [٤] فَقَالَ: حسبك [٥] .
أَخْبَرَنَا [أبو منصور] عَبْد الرحمن بن محمد قال: [أخبرنا أبو بكر] أحمد بن علي [٦] قال: أخبرني علي بن أيوب القمي [أَخْبَرَنَا أبو عبد الله المرزباني، أخبرني محمد بْن يحيى حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن محمد بْن نصر بْن بسام، حدثني خالي أحمد بْن حمدون قَالَ:] [٧] كَانَ بين الواثق وبين بعض جواريه شيء، فخرج كسلان، فلم أزل أنا والفتح [بْن خاقان] نحتال لنشاطه [٨] ، فرآني أضاحك [٩] الفتح بْن خاقان، فَقَالَ: قاتل الله العباس بْن الأحنف حيث يقول:
عدل من الله أبكاني وأضحككم ... فالحمد للَّه عدل كل مَا صنعا
اليوم أبكي عَلَى قلبي وأندبه ... قلب ألح عليه الحب [١٠] فانصدعا
стр. 3568
للحب فِي كل عضو لي عَلَى حدة ... نوع تفرق عنه الصبر واجتمعا
فَقَالَ الفتح: أنت والله يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فِي وضع التمثل موضعه أشعر منه [وأعلم] [١] وأظرف [٢] .
قَالَ المصنف: كَانَ الواثق قد أعاد الامتحان فِي القرآن، وحمله ابن أبي دواد عَلَى التشدد فِي ذلك، وقد قيل إن الواثق تاب من القول بخلق القرآن قبل موته، والله أعلم.
[أَخْبَرَنَا أبو منصور، أَخْبَرَنَا أبو بكر، أخبرني عبيد الله بْن أبي الفتح، أَخْبَرَنَا أحمد بْن إِبْرَاهِيم بْن الحسن، حَدَّثَنَا إبراهيم بْن الحسن بْن محمد بْن عرفة، حدثني حامد بْن العباس، عن رَجُل، عن المهتدي، أن الواثق مَات وقد تاب من القول بخلق القرآن] [٣] .
وحج بالناس في هذه السنة جعفر بْن المعتصم.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٢٩٥-/ بشر بْن [الحارث بْن] [٤] عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عطاء بن هلال بن ماهان، أبو ٥٦/ أنصر، المعروف بالحافي [٥] .
مروزي ولد بمرو، وسكن بغداد، وفاق أهل عصره فِي الورع والزهد وحسن الطريقة، وسمع إِبْرَاهِيم بْن سعد، ومَالك، وحمَاد بْن زيد، وابن المبارك، وخلقا كثيرا، وشغله التعبد عن الرواية، فلم يتنصب لها.
أَخْبَرَنَا [أبو منصور] عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال
стр. 3569
أخبرنا [١] عبد العزيز بن علي قال: حدثنا علي بْن عبد الله الهمداني، حَدَّثَنَا القاسم بن الحسن بْن جرير، حَدَّثَنَا محمد بْن أبي عتاب [٢] ، عن محمد بْن المثنى قَالَ: قلت لأحمد بْن حنبل مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرجل؟ فَقَالَ: أي الرجال؟ فقلت: بشر، قَالَ: سألتني عن رابع سبعة من الأبدال، ما مثله عندي إلا مثل رجل ركز [٣] رمحا فِي الأرض، ثم قعد منه عَلَى السنان، فهل ترك لأحد موضعا يقعد فيه؟ [٤] .
أَخْبَرَنَا [أبو منصور] عَبْد الرَّحْمَنِ بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي، أَخْبَرَنَا [٥] الأزهري قَالَ: أَخْبَرَنَا عبيد الله بْن إبراهيم القزاز قَالَ: حَدَّثَنَا جعفر الخالدي، حدثني أبو حامد بْن خَالِد الحذاء قَالَ: سمعت إبراهيم الحربي يقول: مَا أخرجت بغداد أتم عقلا ولا أحفظ للسانه [من بشر بْن الحارث] ، كَانَ فِي كل شعرة منه عقل، وطئ الناس عقبه خمسين سنة، مَا عرف له غيبة لمسلم، لو قسم عقله عَلَى أهل بغداد صاروا عقلاء، ومَا نقص من عقله شيء [٦] .
أَخْبَرَنَا [أبو منصور] القزاز قَالَ: [أَخْبَرَنَا أبو بكر] الخطيب أحمد قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بْن محمد بْن عبد الله المقرئ، أَخْبَرَنَا أحمد بن جعفر بن محمد بن محمد بن مسلم [٧] / ٥٦/ ب الختلي، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عبد الخالق، حَدَّثَنَا أبو بكر المروزي قَالَ: سمعت أبا عمران الوركاني يقول: تخرق إزار بشر، فقالت لَهُ أخته: يَا أخي، قد تخرق إزارك، وهذا البرد، فلو جئت بقطن حَتَّى أغزل لك، قَالَ: فكان يجيء بالأستارين والثلاثة فقالت لَهُ: إن الغزل قد اجتمع، أفلا تسلم إزارك إن أردت السرعة؟ فَقَالَ لها هاتيه، فأخرجته إليه، فوزنه وأخرج ألواحه وجعل يحسب الأساتير، فلمَا رآها قد زادت فيه قَالَ: كمَا أفسدتيه فخذيه.
قَالَ المروزي: وسمعت بعض القطانين يقول: أهدى إلي أستاذ لي رطبا وكان بشر
стр. 3570
يقيل [١] فِي دكاننا فِي الصيف [٢] ، فَقَالَ لَهُ أستاذي: يَا أبا نصر، هَذَا من وجه طيب، فإن رأيت أن تأكله، قَالَ: فجعل يمسه بيده، ثم ضرب بيده إِلَى لحيته، وقال: ينبغي أن أستحي من الله، إني [عِنْد الناس] [٣] تارك لهذا وآكله فِي السر [٤] .
أَخْبَرَنَا [أبو منصور] القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر بن علي [بن ثابت] قال: [٥] أخبرني عبد الله بن يحيى السكري، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الصواف، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حدثني أبو حفص عمر ابْن أخت بشر الحافي قَالَ:
حدثتني أمي قالت: جاء رجل إلى الباب فدقه فأجابه بشر: من هَذَا؟ قَالَ: أريد بشرا، فخرج إليه فَقَالَ لَهُ: حاجتك. قَالَ: عافاك الله، أنت بشر؟ قَالَ: نعم، حاجتك [٦] ، قَالَ: إني رأيت رب العزة [تعالى] فِي المنام وَهُوَ يقول: اذهب إِلَى بشر فقل لَهُ: يَا بشر، لو سجدت عَلَى الجمر مَا أديت [٧] شكري فيمَا قد بثثت لك-[أو نشرت لك] [٨]- في ٥٧/ أالناس/. فَقَالَ لَهُ: أنت رأيت ذلك [٩] ؟ قَالَ: نعم رأيته مرتين [١٠] ، ليلتين متواليتين [١١] فَقَالَ: لا تخبر به أحدا، ثم دخل وولي وجهه إِلَى القبلة، وجعل يبكي ويضطرب، وجعل [١٢] يقول: اللَّهمّ إن كُنْت شهرتني فِي الدنيا، ونوهت باسمي، ورفعتني فوق قدري عَلَى أن تفضحني [١٣] فِي القيامة، فعجّل الآن عقوبتي [١٤] ، خذ مني بمقدار ما يقوى عليه بدني [١٥] .
стр. 3571
قَالَ المصنف: [١] وقد جمعت كتابا فيه فضائل بشر الحافي وأخباره، فلهذا اقتصرت [٢] عَلَى مَا ذكرت ها هنا كراهية للإعادة [والتطويل] [٣] .
توفي بشر في هذه السنة [٤] عشية الأربعاء لعشر بقين من ربيع الأول من سنة سبع وعشرين، قبل موت المعتصم بستة أيام، وقد بلغ من السن خمسا [٥] وستين سنة.
أَخْبَرَنَا [أبو منصور] القزاز قال: أخبرنا [أبو بكر] أحمد بن علي [٦] ، أخبرنا الفاضي أبو الْعَلاء الواسطي، أَخْبَرَنَا محمد بْن يوسف [٧] بْن يعقوب، حَدَّثَنَا أبو الفتح محمد بْن أحمد النحوي قَالَ: سمعت الحسين [٨] بْن أحمد بْن صدقة يقول: سمعت أحمد بْن زهير يقول: سمعت يحيى بن عبد الحميد الحمَاني [٩] يقول: رأيت أبا نصر التمَار، وعلي بْن المديني فِي جنازة بشر بْن الحارث [١٠] يصيحان فِي الجنازة: هَذَا شرف والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة، وذلك أن بشر بْن الحارث [١١] [وَقَدْ] [١٢] أخرجت جنازته بعد صلاة الصبح، ولم يجعل فِي قبره إلا فِي الليل، وَكَانَ نهارا صائفا، ولم يستقر فِي القبر إِلَى العتمة [١٣] .
١٢٩٦- توفيل ملك الروم .
ملك اثنتي عشرة سنة، / وهلك في هذه السنة، وملكت بعده امرأة اسمها [١٤] ٥٧/ ب
стр. 3572
بدور، وابنها ميخائيل بْن توفيل [صبي] [١] .
١٢٩٧- عريب [٢]
ولدت فِي سنة إحدى وثلاثين ومَائة، وكانت أمها تسمى فاطمة، وكانت يتيمة، فتزوجها جعفر بْن يحيى بْن خالد، فأنكر عَلَيْهِ أبوه وقال [لَهُ:] [٣] أتتزوج من لا يعرف لَهُ أب ولا أم [٤] ، اشتر مكانها ألف جارية، فأخرجها وأسكنها دارا فِي ناحية الأنبار سرا من أبيه، ووكل بِهَا من يحفظها، وَكَانَ يتردد إليها، فولدت عريب، ومَاتت أم عريب فِي حياة جعفر، فدفعها إِلَى امرأة نصرانية وجعلها داية لها، فلمَا [٥] حدثت بالبرامكة تلك الحادثة باعتها من سنبس النخاس، فباعها، فاشتراها الأمين وافتضها ولم يوف الثمن، حَتَّى قتل [٦] ، فرجعت إِلَى سيدها، ثم اشتراها المأمون، فمَات الذي اشتريت منه عشقا لها، ثم بيعت فِي ميراث المأمون، فاشتراها المعتصم بمَائة ألف وأعتقها فهي مولاته، وكانوا إذا نظروا إِلَى قدمي عريب شبهوها [٧] بقدم جعفر بْن يَحْيَى، وكانت عريب شاعرة، ومليحة الخط، وغاية فِي الجمَال والظرف [٨] ، ثم كانت [٩] مغنية محسنة، صنعت ألف صوت، وكانت شديدة الفطنة والذكاء، كتبت إِلَى بعض الناس: أردت، ولولا، ولعل.
٥٨/ أفكتب تحت أردت: ليت، وتحت لولا: مَاذا، وتحت لعل: أرجو، / فقامت ومضت إليه.
توفيت عريب في هذه السنة.
١٢٩٨-[قراطيس، أم الواثق .
خرجت إِلَى الحج، فمَاتت بالحيرة، لأربع خلون من ذي القعدة، ودفنت بالكوفة فِي دار داود بن عيسى] [١٠] .
١٢٩٩- محمد بْن حيان، أبو الأحوص البغوي [١١] .
حدث عن إسمَاعيل بْن علية، وهشيم، وغيرهمَا وروى عنه: أحمد بن حنبل
стр. 3573
وغيره، وآخر من روى عنه عبد الله بْن محمد البغوي، وَكَانَ ثقة.
توفي في هذه السنة فِي ذي الحجة [١] .
١٣٠٠- محمد بْن الصباح، أبو جعفر البزاز، ويعرف بالدولابي [٢] .
سمع إبراهيم بْن سعد، وهشيم بْن بشير، وغيرهمَا، روى عنه: أحمد بْن حنبل ووثقه، ولم يختلفوا فِي ذلك.
وتوفي يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت [٣] من شهر الله [٤] المحرم من هذه السنة، وقد جاوز السبعين.
١٣٠١- محمد المعتصم بْن الرشيد [٥] .
كَانَ بدو مرضه أنه احتجم أول يوم من المحرم [٦] من هَذِهِ السنة [٧] ، واعتل.
أَخْبَرَنَا [أَبُو مَنْصُورٍ] الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا [أَبُو بَكْرٍ] أحمد بن علي [٨] ، أَخْبَرَنَا الأزهري، أَخْبَرَنَا [محمد] بْن العباس الخزاز، أَخْبَرَنَا علان بْن أحمد الرزاز، حَدَّثَنَا علي بْن أحمد بْن العباس، حَدَّثَنَا أَبُو الحسن الطويل قَالَ: سمعت عيسى بْن أبان بْن صدقة، عن علي بْن يحيى المنجم قَالَ: لمَا استتم المعتصم عدة غلمَانه الأتراك بضعة عشر [٩] ألفا، وعلق لَهُ خمسون ألف مخلاة [١٠] على فرس، وبرذون، وبغل، وذلل العدو [١١] بكل النواحي، أتته المنية، عَلَى غفلة، فقيل لي إنه قَالَ فِي حمّاه التي مات فيها حَتَّى إِذا ٦: ٤٤
стр. 3574
٦٨/ ب فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً/ فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ٦: ٤٤ [١] .
أَخْبَرَنَا محمد بْن ناصر، أَخْبَرَنَا عبد المحسن بْن محمد بْن علي، أَخْبَرَنَا أحمد بْن عمر بْن روح النهرواني، أَخْبَرَنَا المعافى بْن زكريا، حَدَّثَنَا الحسين بْن القاسم الكوكبي قَالَ: سمعت القاسم بْن زرزور [٢] يقول: حدثني زنام الزامر [٣] قَالَ: لمَا اعتل [٤] المعتصم علته التي مَات فيها [٥] وجد يومَا إفاقة، فَقَالَ هيئوا لي الزلال حَتَّى أركب فهيئ لَهُ، فركب وأنا معه، فمر بدجلة بإزاء منازلة [٦] فَقَالَ: [يَا] زنام [٧] . قلت:
لبيك يا أمير المؤمنين [٨] ، قال: أزمر:
يَا منزلا لم تبل أطلاله ... حاشى لأطلالك أن تبلى
والعيش أولى مَا بكاه الفتى ... لا بد للمحزون أن يسلى
لم أبك أطلالك لكنني ... بكيت عيشي فيك إذ ولى
قال: فزمرته ومَا زلت أردده وَهُوَ [٩] ينتحب ويبكي، إِلَى أن خرج من الزلال [١٠] ، ثم توفي بعد خمسة أيام.
قَالَ علمَاء السير: لمَا احتضر [١١] جعل يقول: ذهبت الحيل ولا حيلة، ولو علمت أن عمري قصير هكذا مَا فعلت.
توفي يوم الخميس لثمَان عشرة ليلة مضت [١٢] من ربيع الأول، لساعتين مضتا من النهار، وقيل: لأربع، ودفن بسامراء، فكانت خلافته ثمَان سنين وثمَانية أشهر، وقيل:
ويومين، وكان [١٣] عمره ستا وأربعين سنة وسبعة أشهر وثمَانية عشر يومَا. وقيل: سبعا وأربعين وشهرين [١٤] وثمَانية عشر يومَا.
стр. 3575
ثُمّ دخلت سنة ثمَان وعشرين ومَائتين
فمن الحوادث فيها:
أن الواثق توج أشناس، وألبسه وشاحين/ بالجواهر وذلك في رمضان [١] . ٥٩/ أوفيها: غلا السعر بطريق مكة، فبلغ رطل [خبز] [٢] بدرهم، وراوية [مَاء] [٣] بأربعين درهم، وأصاب النّاس بالموقف حر شديد، ثم مطر شديد فيه برد، فأصابهم الحر [٤] ، ثم أضر بهم البرد، وذلك كله فِي ساعة، ومطروا بمنى مطرا شديدا لم يروا [٥] مثله، وسقطت قطعه من الجبل عند جمرة العقبة فقتلت عدة من الحاج [٦] .
وحج بالناس في هذه السنة: مُحَمَّد بْن داود [٧] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٣٠٢- إسحاق بن بشر بن مقاتل، أبو يعقوب الكاهلي [٨] .
من أهل الكوفة، ويروي عن [٩] مَالك، وأبي معشر، وكامل أبي العلاء، وغيرهم أحاديث منكرة.