ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَرْمِيَا: أَنِّي عَامِرُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَأخْرُجْ إِلَيْهَا فَانْزِلْهَا، فَخَرَجَ حَتَّى قَدِمَهَا وَهِيَ خَرَابٌ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: مَتَى تُعْمَرُ هَذِهِ. فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ، وَقِيلَ هُوَ عُزَيْرُ ﵇.
[ذكر عُمَارَة بَيْت المقدس] [١]
اختلفوا عَلَى قولين: أحدهما: إنه أرميا. رَوَى عبد الصمد بْن معقل، عَنْ وهب بْن منبه، قَالَ: أقام أرميا بأرض مصر، فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: أَن الحق بأرض إيليا، فَإِن هذه ليست لَكَ بأرض، فقام فركب حماره حَتَّى إِذَا كَانَ ببعض الطريق وَقَدْ أخذ مَعَهُ سلة من عنب وسقاء جديدا أملاه ماء.
فلما بدا لَهُ شخص بَيْت المقدس وَمَا حوله من القرى نظر إِلَى خراب لا يوصف، فَقَالَ: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها ٢: ٢٥٩ [٢] ، ثُمَّ تبوأ منها منزله وربط حماره، فألقى اللَّه عَلَيْهِ السبات ونزع روحه مائة عام.
فلما مرت منها سبعون أرسل اللَّه ملكا إِلَى ملك من ملوك فارس، فَقَالَ: إِن اللَّه يأمرك أَن تنفر بقومك فتعمر بَيْت المقدس وإيليا وأرضها حَتَّى تعود أعمر مَا كانت. فَقَالَ الْمَلِك: انظرني ثلاثة أَيَّام حَتَّى أتأهب لِهَذَا العمل.
فندب ألف قهرمان [٣] ، مَعَ كُل قهرمان ثلاثة آلاف عامل، وَمَا يصلحه من أداة العمل، فسارت القهارمة فلما وقعوا فِي العمل رد اللَّه روح الحياة فِي عيني إرمياء، فنظر إِلَيْهَا تعمر.
قَالَ مجاهد: اسمه كورش، وَلَمْ يتم بناؤها إلا بَعْد الملك الرابع بعد كورش على سماعة بن أصيد، وهو من رهط داود.
стр. 390
[القول الثَّانِي] إِن أرمياء لبث فِي موته إلى أن هلك نصر، وكان قد عاش ثلاثمائة سَنَة، وهلك ببعوضة دخلت فِي رأسه، وهلك الْمَلِك الَّذِي فوقه، وَهُوَ لهراسب، وَكَانَ ملكه مائة وعشرين سَنَة.
وملك بعده ابنه بشاسب، فبلغه عَنْ بلاد الشام، خراب وإن السباع قَدْ كثرت فِي بلاد فلسطين فلم يبق فِيهَا من الإنس أحد، فنادى فِي أرض بابل فِي بَنِي إسرائيل: من شاء أَن يرجع إِلَى الشام فليرجع، وملك عَلَيْهِم رجلا من آل دَاوُد، وأمره أَن يعمر بَيْت المقدس ويبني مسجدها، فرجعوا فعمروها، ورد اللَّه الروح إِلَى أرمياء ﵇.
[القول الثالث] وعلى هَذَا أَكْثَر الْعُلَمَاء، وَهُوَ عزير بْن شرويق بْن عزيا بْن أيوب بْن زرحيا بْن عزي من ولد هَارُون.
أَخْبَرَنَا أَبُو الحصين، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طالب بْن غَيْلانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر الشَّافِعِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يعقوب الحربي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حذيفة النهدي، قال: حدثنا سفيان الثوري، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ٢: ٢٥٩ [١] قَالَ: هُوَ عزير.
قَالَ علماء السير: لما قال عزيز: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ الله بَعْدَ مَوْتِها ٢: ٢٥٩، أماته اللَّه مائة عام، وأول مَا خلق منه عيناه، فجعل ينظر إِلَى عظامه ينضم بَعْضهَا إِلَى بَعْض، ثُمَّ كسيت لحما ونفخ فِيهِ الروح.
قَالَ ابْن عَبَّاس: مَات وَهُوَ ابْن أربعين سَنَة، وابنه ابْن عشرين سَنَة.
ثُمَّ بعث وَهُوَ ابْن أربعين ومائة، وابنه ابْن مائة وعشرين، فأقبل حَتَّى أتى قومه فِي بَيْت المَقْدِس، فَقَالَ: أنا عزير، فَقَالُوا: حَدَّثَنَا آباؤنا أَن عزير مَات، فَقَالَ: أنا هو، أرسلني الله إليكم أجدد لكم توراتكم، وكانت قَدْ ذهبت فليس أحد يقرأها، فأملاها عليهم.
стр. 391
قَالَ وهب بْن منبه: كَانَ عزير من السبايا التي سباها نصر من بَيْت المقدس، فرجع إِلَى الشَّام يبكي عَلَى فَقَدِ التوراة، فجاء ملك، فَقَالَ: صم وتطهر وطهر ثيابك وتعالى إِلَى هَذَا المكان. ففعل، فأتاه بإناء فِيهِ ماء فسقاه، فمثلت التوراة فِي صدره، فرجع عَلَى بَنِي إسرائيل فتلاها عَلَيْهِم وأقام فيهم مقيما بحق اللَّه، ثُمَّ توفاه.
قَالَ أَحْمَد بْن جَعْفَر بْن المنادي: لما تلى عَلَيْهِم بَعْضهَا افتتنوا، فَقَالُوا مَا قَالُوا، فلما مَات بدلت، وَكَانَ المتولي لتبديلها ميخائيل تلميذ عزير، وَهُوَ رأس بابل كلها.
وقال غيره: لما خرب بَيْت المقدس أحرق التوراة وساق بَنِي إسرائيل إِلَى بابل، فذهبت التوراة، فجاء عزير فجددها لَهُمْ ودفعها إِلَى تلميذ لَهُ ومات، فذلك التلميذ زاد فِيهَا ونقص.
ويدل عَلَى تبديلها أَن فِيهَا أسفار موسى وَمَا جرى لَهُ، وكيف كَانَ موته ووصيته إِلَى يوشع، وحزن بَنِي إسرائيل عَلَيْهِ وغير ذَلِكَ مِمَّا لا يشكل عَلَى عاقل إنه لَيْسَ من كَلام اللَّه ولا من كَلام موسى، وَفِي أيدي السامرة توراة تخالف هذه الموجودة.
وَقَالَ دَاوُد بْن أَبِي هند: سأل عزير ربه عَنِ القدر، فأوحى اللَّه إِلَيْهِ: سألتني عَنْ علمي فعقوبتك أَن لا أسميك فِي الأنبياء، فلم يذكر من الأنبياء.
قَالَ علماء السير: لما بنى بَيْت المقدس أقام بنو إسرائيل أمرهم وكثروا إِلَى أَن غلبتهم الروم، فلم يكن لَهُمْ بَعْد ذَلِكَ جَمَاعَة.
[ذكر زراديشت] [١]
ويقال: زرتيشت بْن سقيمان، وَقِيلَ: ابْن حركان بَعْد ثلاثين سَنَة من ملك بشتاسب، وَهُوَ الَّذِي يزعم المجوس/ أَنَّهُ نبيهم.
وَقَدْ زعم بَعْض أَهْل الكتاب أَنَّهُ كَانَ خادما لبعض تلامذة أرمياء النَّبِي ﷺ ، وأنه كَانَ خاصا بِهِ، فخانه وكذب عَلَيْهِ، فدعى اللَّه عَلَيْهِ فبرص، فلحق بأذربيجان، وشرع بها دين المجوسية، ثُمَّ خرج منها متوجها نَحْو بشتاسب، وهو ببلخ [٢] .
стр. 392
فلما قدم عَلَيْهِ ادعى النبوة وأراده عَلَى قبول دينه فامتنع من ذَلِكَ ثُمَّ صدقه، وقبل مَا دعاه إِلَيْهِ، وأتاه بِهِ من كتاب ادعاه وحيا، فكتب فِي جلد اثني عشر ألف بقرة حفرا فِي الجلود، ونقشا بالذهب، وصير بشتاسب ذَلِكَ فِي موضع من إصطخر، ووكل به الهرابذة، ومنع تعليمه العامة، وألزم رعيته بقبول قَوْل زرادشت، وقتل مِنْهُم مقتله عظيمة حَتَّى قبلوا ذَلِكَ ودانوا بِهِ، وبنى بالهند بيوت النيران، وتنسك وتعبد.
وَقَالَ عَمْرو بْن بحر الجاحظ: جاء زرادشت من بلخ، وَهُوَ صاحب المجوس، وادعى أَن الوحي نزل عليه عَلَى جبل سيلان، فدعى [أَهْل] [١] تلك النواحي الباردة الَّذِينَ لا يعرفون إلا البرد، وجعل الوعيد يضاعف البرد، وأقر بأنه لَمْ يبعث إلا إِلَى أَهْل الجبال فَقَط، وشرع لأَصْحَابه التوضؤ بالأبوال، وغشيان الأمهات، وتعظيم النيران مَعَ أمور سمجة.
قَالَ: ومن قَوْل زرادشت: كَانَ اللَّه وحده ولا شَيْء مَعَهُ، فلما طالت وحدته فكر فتولد من فكره إِبْلِيس، فلما مثل بَيْنَ يديه أراد قتله فامتنع منه، فلما رأى امتناعه وادعه إِلَى مدة، وسالمه إِلَى غاية.
وَمَا زال مذهب زرادشت معمولا بِهِ إِلَى زمان كسرى أنوشروان، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي منع من اتباع ملة زرادشت، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ كَانَ للمجوس نبي وكتاب إلا أَنَّهُ لا يتحقق مَتَى كَانَ ذَلِكَ.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو زرعة طاهر بْن مُحَمَّد المقدسي، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِي بْن مَنْصُور بْن علان (ح) .
وأخبرتنا فاطمة بنت الْحُسَيْن بْن الْحَسَن الرازي، قَالَتْ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن عَلِي الخطيب، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن الْحَسَن الحيري، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو العباس الأصم، قال: حدثنا الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّافِعِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَان، عَنْ سَعِيد بْن المرزبان، عَنْ نصر بْن عَاصِم، قَالَ: قَالَ فروة بْن نوفل:
عَلَى مَا تؤخذ الجزية من المجوس وليسوا بأهل كتاب، فقام إِلَيْهِ المستورد فأخذ
стр. 393
يلبيه، وَقَالَ: يا عدو اللَّه، تطعن عَلَى أَبِي بَكْر وعمر وعلى أمِير الْمُؤْمِنيِنَ- يَعْنِي عليا- وَقَدْ أخذوا مِنْهُم الجزية، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى القصة، فخرج إليهم عَلِي ﵁، فقال: اتئدا! أنا أعلم النَّاس بالمجوس، كَانَ لَهُمْ علم يعلمونه، وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم سكر فوقع عَلَى ابنته أَوْ أمه فاطلع عَلَيْهِ بَعْض أَهْل مملكته، فلما صحا جاءوا يقيمون عَلَيْهِ الحد، فامتنع مِنْهُم، فدعا أَهْل مملكته، فَقَالَ: تعلمون دينا خيرا من دين آدَم، قَدْ كَانَ آدَم ينكح بنيه من بناته، فأنا عَلَى دين آدَم، وَمَا يرغب بكم عَنْ دينه.
فتابعوه وقاتلوا الَّذِينَ خالفوهم حَتَّى قتلوهم، فأصبحوا وَقَدْ أسرى عَلَى كتابهم فرفع بَيْنَ أظهرهم وهم أهل كتاب، وقد أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بَكْر وعمر مِنْهُم الجزية. أَنْبَأَنَا أَبُو غَالِبٍ الْمَاوَرْدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِي التُّسْتَرِيُّ، قال: أخبرنا أبو عمرو الهاشمي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سنان الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِلالٌ، عَنْ عِمْرَانَ الْقَطَّانِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
إِنَّ أَهْلَ فَارِسٍ لَمَّا مَاتَ نَبِيُّهُمْ كَتَبَ لَهُمْ إِبْلِيسُ الْمَجُوسِيَّةَ
. [ذكر الْخَبَر عَنْ ملوك اليمن] [١]
وصار الْمَلِك باليمن بَعْد بلقيس إِلَى ياسر بْن عَمْرو بْن يعفر، وَكَانَ يقال لَهُ: ياسر أنعم سموه بِذَلِكَ لأنعامه عَلَيْهِم، فسار نَحْو المغرب غازيا، فبلغ إِلَى وادي الرمل وَلَمْ يبلغه أحد قبله، فلم يقدر عَلَى الجواز، فبينا هُوَ مقيم انكشف الرمل، فأمر رجلا من أَهْل بيته أن يعبر هُوَ وأَصْحَابه، فعبروا فلم يرجعوا. فأمر حينئذ بصنم من نحاس، فنصب عَلَى صخرة عَلَى شفير الوادي، وكتب فِي صدره: هَذَا الصنم لياسر الحميري وليس وراءه مذهب، فلا يتكلف أحد ذلك فيعطب.
стр. 394
[ذكر قصة تبع] [١]
ثُمَّ ملك من بعده تبع بْن زَيْد بْن عَمْرو بْن تبع بْن أبرهة بْن ذي المنار بْن الرائش بْن قيس بْن صيفي بْن سبأ.
وَكَانَ تبع هَذَا فِي أَيَّام بشتاسب وبهمن، وأنه شخص متوجها من اليمن حَتَّى خرج عَلَى جبلي طيِّئ، ثُمَّ سار يريد الأنبار، فلما انتهى إِلَى موضع الحيرة تحير، وَذَلِكَ فِي الليل، فأقام مكانه فسمي ذَلِكَ الموضع الحيرة.
ثُمَّ سار وخلف بِهِ قوما من الأزد ولخم وجذام وعاملة وقضاعة، فبنوا وأقاموا بِهِ، ثُمَّ توجه إِلَى الأنبار، ثُمَّ إِلَى الموصل، ثُمَّ أذربيجان، فلقي الترك بها فهزمهم وقتل المقاتلة، وسبى الذرية، ثُمَّ انكفأ راجعا إِلَى اليمن، فهابته الملوك وأهدت إِلَيْهِ، ثُمَّ غزا الصين فاكتسح مَا فِيهَا، وقتل مقاتلتها.
أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ ثَابِتِ بْنِ بُنْدَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبي، قال: أخبرنا أبو علي بن دوما، قال: أخبرنا مخلد بن جعفر، قال: أخبرنا الحسن بن علي القطان، قال: أخبرنا إسماعيل بن عيسى العطار، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، قَالَ:
جَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَذكر تُبَّعًا فَلَمْ يَذُمَّهُ وَذَمَّ قَوْمَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، إِنَّ تُبَّعًا غَزَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَسَبَى أَوْلادَ الأَحْبَارِ، فَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى قَوْمِهِ، فَأُعْجِبَ بِفِتْيَةٍ مِنْهُمْ، فَجَعَلَ يُدْنِيهِمْ وَيَسْمَعُ مِنْهُمْ، وَجَعَلَ الْفِتْيَةُ يُخْبِرُونَهُ عَنِ الله وما في الآَخِرَةُ، فَأُعْجَبَ بِهِمْ فَتَكَلَّمَ قَوْمُهُ، فَقَالُوا: إِنَّ هَؤُلاءِ الْفِتْيَةَ قَدْ غَلَبُونَا عَلَى تُبَّعٍ وَنَخَافُ أَنْ يُدْخِلُوهُ فِي دِينِهِمْ. فَبَلَغَ تُبَّعًا مَا يَقُولُ قَوْمُهُ، فَأَعْلَمَ الْفِتْيَةَ بِذَلِكَ، فَقَالُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ النَّصِيفُ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالُوا: النَّارُ الَّتِي تَحْرِقُ الْكَاذِبَ وَيَبْرَأُ فِيهَا الصَّادِقُ.
فَأَرْسَلَ إِلَى أَحْبَارِ قَوْمِهِ فَأَدْخَلَهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اسْمَعُوا مَا يَقُولُ هَؤُلاءِ، قَالُوا: وَمَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ إِنَّ لَنَا رَبًّا خَلَقَنَا وَإِلَيْهِ نَعُودُ، وَإِنَّ بَيْنَ أَيْدِينَا جَنَّةً وَنَارًا، فَإِنْ أَبَيْتُمْ عَلَيْنَا فَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ النَّارَ الَّتِي تَحْرِقُ الكاذب. قالوا: قد رضينا.
стр. 395
فَمَرَّ الْفِتْيَةُ فِي النَّارِ وَخَرَجُوا مِنْهَا، فَاخْتَارَ تُبَّعٌ مِنْ قَوْمِهِ عدتهُمْ/ فَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَلَمَّا دَخَلُوهَا أَحْرَقَتْهُمْ، فَأَسْلَمَ تُبَّعٌ وَكَانَ رَجُلا صَالِحًا، فَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يَذِمَّهُ وَذَمَّ قَوْمَهُ.
وَرَوَى سُفْيَان، عَنْ قَتَادَة، قَالَ: كَانَ تبع رجلا من حمير سار بالجنود حَتَّى أتى الحيرة، ثُمَّ أتى سَمَرْقَنْد فهدمها.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا القطيعي، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، قَالَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو زرعة عَمْرِو بْنُ جَابِرٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول:
«لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ» [١] .
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن بْن المنادي: لَيْسَ ببعيد أَن يَكُون قوم تبع نسبوا إِلَيْهِ لأنه نبي.
وَقَدْ ذهب قوم إِلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الفترة بَعْد عيسى والله أعلم.
[ذكر خبر أردشير وابنته خماني] [٢]
قَالَ علماء السير: وجرت لبشتاسب حروب عظيمة مَعَ الترك وغيرهم، ومات، وَكَانَ ملكه مائة واثنتي عشرة سَنَة، وقيل مائة وخمسين.
وملك بَعْد بشتاسب ابْن ابنه «بهمن بْن إسفنديار بْن بشتاسب» ، فلما عقد التاج عَلَى رأسه، قَالَ: نحن محافظون عَلَى الوفاء، ودائنون برعيتنا بالخير، وَكَانَ يدعى أردشير الطويل الباع. وإنما قيل لَهُ ذَلِكَ لتناوله كُل مَا يمد يده إِلَيْهِ من الممالك الَّتِي حوله، حَتَّى ملك الأقاليم كلها.
وابتنى بالسواد مدينة وسماها آبادان، وابتنى الأبلة.
وَهُوَ أَبُو دارا الأكبر، وأبو ساسان أبي ملوك الفرس الآخر.
стр. 396
وكانت أم بهمن من أولاد طالوت وأم ولده من أولاد سُلَيْمَان بْن دَاوُد.
وتفسير بهمن بالعربية: الْحَسَن النية، وأنه ولي فِي زمانه عَلَى بَيْت المقدس جَمَاعَة، ثُمَّ ولي كيرش العيلمي من ولد عيلم بْن سام بْن نوح، وكتب إِلَيْهِ أَن يرفق ببني إسرائيل وأن يطلق لَهُمُ النزول حيث أحبوا، وأن يولي عَلَيْهِم من يختارونه، فاختاروا دانيال النَّبِي ﷺ [فولى أمرهم] [١] .
[ذكر دانيال ﵇] [٢]
لما تمت عُمَارَة بَيْت المقدس سأل أرميا ربه أَن يقبضه إِلَيْهِ، فمات، وأنقذ اللَّه بَنِي إسرائيل من أرض بابل عَلَى يدي دانيال. وكان دانيال ممن سباه نصر فِي تخريب بَيْت المقدس، فرمى بِهِ فِي جب مغلولا فِي فلاة من الأَرْض، وألقى معه سبعين وأطبق عليه الجب، فبقي تسعة أَيَّام.
فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى نبي من أنبياء بَنِي إسرائيل: انطلق فاستخرج دانيال من الجب، فَقَالَ: يا رب من يدلني عَلَيْهِ؟ قَالَ: يدلك عَلَيْهِ مركبك، فركب أتانا لَهُ، فخرج يطوف، فَقَالَ: يا صاحب الجب، فأجابه دانيال، فَقَالَ: قَدْ أسمعت فَمَا تريد؟ قَالَ: أنا رَسُول اللَّه إليك لأستخرجك من هَذَا الموضع، فَقَالَ دانيال: الحمد للَّه الَّذِي لا ينسى من ذكره، والحمد للَّه الَّذِي لا يكل من توكل عَلَيْهِ إِلَى غيره، والحمد للَّه الَّذِي يجزي بالإحسان إحسانا، وبالإساءة غفرانا. ثُمَّ استخرجه والسبعان يمشيان مَعَهُ، فعزم عليهما دانيال أَن يرجعا إِلَى الغيضة.
وقد روينا أن نصر اتخذ صنما وأمر بالسجود لَهُ فلم يسجد دانيال وأَصْحَابه فأمر بهم فألقوا فِي أتون فلم يحترقوا.
أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ ثَابِتِ بْنِ بُنْدَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبي، قال: أخبرنا ابْنُ دوما، قَالَ:
أَخْبَرَنَا مَخْلَد بْنُ جَعْفَرٍ، قال: أخبرنا الحسن بن علي القطان، قال: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عيسى العطار، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حذيفة القرشي، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيد بْن
стр. 397
بِشْر، عَنْ قَتَادَة، عَنْ كعب، قَالَ: [١] كَانَ سبب استنقاذ بَنِي إسرائيل من أرض بابل أن نصر لما صدر من بَيْت المقدس بالأسارى، وفيهم دانيال وعزير، فاتخذ بَنِي إسرائيل خولا زمانا طويلاً، وَإِنَّهُ رأى رؤيا فزع منها، فدعا كهنته وسحرته فأخبرهم بِمَا أصابه من الكرب فِي رؤياه، وسألهم أَن يعبروها، فَقَالُوا: قصها عَلَيْنَا، قَالَ: قَدْ أنسيتها، فأخبروني بتأويلها، قَالُوا: لا نقدر حَتَّى تقصها، فغضب وَقَالَ: قَدْ أجلتكم ثلاثة أَيَّام فَإِن أتيتموني بتأويلها وإلا قتلتكم.
وشاع ذَلِكَ فِي النَّاس، فبلغ دانيال وَهُوَ محبوس، فَقَالَ لصاحب السجن: هل لَكَ أَن تذكرني للملك، فَإِن عندي علم رؤياه، وإني أرجو أَن تنال بِذَلِكَ عنده منزلة، فَقَالَ لَهُ: إني أخاف عليك سطوة الْمَلِك، لعل غم السجن حملك عَلَى أَن تروح بِمَا لَيْسَ عندك فِيهِ علم، قَالَ دانيال: لا تخف عَلِي فَإِن لي ربا يخبرني بِمَا شئت من حاجتي.
فانطلق صاحب السجن فأخبر نصر بِذَلِكَ، فدعا دانيال فدخل، ولا يدخل عَلَيْهِ أحد إلا سجد لَهُ، فوقف دانيال وَلَمْ يسجد، فَقَالَ الْمَلِك لمن فِي الْبَيْت: اخرجوا، فخرجوا، فَقَالَ: مَا منعك أَن تسجد لي؟ قَالَ: إِن لي ربا أتاني هَذَا العلم عَلَى أَن لا أسجد لغيره، فخشيت أَن أسجد لَكَ فينسلخ عني العلم ثُمَّ أصير فِي يديك أميا لا تنتفع بي فتقتلني، فرأيت ترك السجدة أهون من القتل، وخطر سجدة أهون من الكرب الَّذِي أَنْتَ فِيهِ، فتركت السجود نظرا إِلَى ذَلِكَ.
فَقَالَ نصر: لَمْ يكن قط أوثق فِي نفسي منك حيث وفيت لإلهك، وأعجب الرجال عندي الَّذِين يوفون لأربابهم بالعهود، فهل عندك علم بِهَذِهِ الرؤيا الَّتِي رأيت؟
قَالَ: نعم عندي علمها وتفسيرها.
قَالَ: رأيت صنما عظيما، رجلاه فِي الأَرْض ورأسه يمس السماء، أعلاه من ذهب ووسطه من فضة، وأسفله من نحاس، وساقاه من حديد، ورجلاه من فخار، فبينا أَنْتَ تنظر إِلَيْهِ قَدْ أعجبك حسنه وإحكام صنعته قذفه اللَّه بحجر من السماء فوقع عَلَى قبة رأسه، فدقه حَتَّى طحنه، فاختلط ذهبه وفضته ونحاسه وحديده وفخاره حَتَّى يخيل إليك
стр. 398
أَنَّهُ لو اجتمع الإنس والجن عَلَى أَن يميزوا بعضه من بَعْض لَمْ يقدروا عَلَى ذَلِكَ، ولو هبت الريح لأذرته.
ونظرت إِلَى الحجر الَّذِي قذف بِهِ يربو ويعظم وينتشر حَتَّى ملأ الأرضين كلها فصرت لا ترى [إلا] [١] السماء والحجر.
قال له نصر: صدقت هذه الرؤيا الَّتِي رأيت، فَمَا تأويلها. قَالَ: أما الصنم فأمم مختلفة فِي أول الزمان وَفِي أوسطه وَفِي آخره.
وَأَمَّا الذهب فهذا الزمان وَهَذِهِ الأمة الَّتِي أَنْتَ فِيهَا وأنت ملكها. وَأَمَّا الفضة ابنك من بعدك يملكها، وَأَمَّا النحاس فَإِنَّهُ الروم، وَأَمَّا الحديد ففارس.
وَأَمَّا الفخار فأمتان تملكهما امرأتان إحداهما فِي مشرق اليمن، والأخرى فِي غربي الشام.
وَأَمَّا الحجر الَّذِي/ قذف بِهِ الصنم؟ حذف اللَّه بِهِ هذه الأمم فِي آخر الزمان، فيظهر عليها حتى يبعث نبي أمي من العرب فيدوخ بِهِ الأمم والأديان كَمَا رأيت الحجر دوخ أصناف الصنم، ويظهره عَلَى الأديان والأمم كَمَا رأيت الحجر ظهر عَلَى الأَرْض وانتشر فِيهَا حَتَّى ملأها فيحق اللَّه بِهِ الحق ويزهق بِهِ الباطل، ويعز بِهِ الأذلة، وينصر بِهِ المستضعفين.
فَقَالَ له نصر: مَا أعلم أحدا استفتيت بِهِ منذ وليت الْمَلِك عَلَى شَيْء غلبني غيرك، ولا لأحد عندي يد أَعْظَم من يدك، وأنا أجازيك بإحسانك، فاختر من ثَلاث خلال أعرضهن عليك: إِن أحببت أَن أردك إِلَى بلادك، وأعمر لَكَ كُل شَيْء خربته، وإن أحببت كتبت لَكَ أمانا تأمن بِهِ حيث مَا ملكت، وإن أحببت أَن تقيم معي فأواسيك.
قَالَ دانيال: أما قولك تردني إِلَى بلادي وتعمر لي مَا خربت، فإنها أرض كتب اللَّه عَلَيْهَا الخراب وعلى أهلها الفناء إِلَى أجل معلوم، فليس تقدر عَلِي أَن تعمر مَا خرب اللَّه ولا ترد أجلا أجله اللَّه حَتَّى يبلغ الكتاب أجله وينقضي هذا البلاء الّذي كتب الله على إيليا وأهلها.
وَأَمَّا قولك أَن تكتب لي أمانا آمن بِهِ حيث مَا توجهت، فَإِنَّهُ لا ينبغي لي أَن أطلب مَعَ أمان اللَّه أمان مخلوق.
стр. 399
وَأَمَّا مَا ذكرت من مواساتك، فَإِن ذَلِكَ ارفق لي يومي هَذَا حَتَّى يقضي فينا قضاء.
فجمع نصر ولده وحشمه وأهل العلم والرأي من أَهْل المملكة، فَقَالَ لَهُمْ:
هَذَا رجل حَكِيم قَدْ فرج اللَّه بِهِ عني الكرب الَّذِي عجزت عَنْهُ، وإني رأيت أَن أوليه أمركم، فخذوا من أدبه وحكمته وأعظموا حقه، فَإِذَا جاءكم رسولان أحدهما مني والآخر من دانيال فآثروا حاجته عَلَى حاجتي.
قَالَ: فنزل منه دانيال أفضل المنازل، فجعل تدبير ملكه إِلَيْهِ، فلما رأى ذَلِكَ عظماء أَهْل بابل حسدوا دانيال، فاجتمعوا إلى نصر، فَقَالُوا لَهُ: لَمْ يكن عَلَى الأَرْض ملك أعز من ملكنا، ولا قوم أهيب فِي صدور أَهْل الأَرْض منا حَتَّى دانت لنا الأَرْض، والآن قَدْ طمعوا فينا منذ قلدت ملكك هَذَا العبد الإسرائيلي، فَقَالَ: أتنقموني إني عمدت إِلَى أحكم أَهْل الأَرْض، فاستعنت به.
ثم ان نصر هلك ببعوضة سلطت عَلَيْهِ وملك مكانه ابنه «بلطا» فبطش بطش الجبارين، وَكَانَ يشرب الخمر فِي آنية مَسْجِد بَيْت المقدس الَّتِي غنمها أبوه، فنهاه دانيال ثُمَّ قَالَ لَهُ: إنك تقتل إِلَى ثلاثة، ويسلب اللَّه ملكك، فدخل بيته وأغلق بابه ودعى أوثق النَّاس عنده، وَقَالَ: الزم عتبة بابي فلا يمر بك أحد فِي هذه الأيام الثلاثة إلا قتلته، وإن قَالَ إني أنا الْمَلِك.
فلما مضت الأيام الثلاثة قام الْمَلِك فخرج من الباب فرحا، فمر بالحارس، فقام الحارس فضربه بالسَّيْف، وَهُوَ يَقُول: أنا الْمَلِك، فَيَقُول: كذبت فقتله.
ورجع بنو إسرائيل إِلَى بَيْت المقدس، فمكثوا بأحسن حال حَتَّى مَات دانيال، ثُمَّ كثرت فيهم الأحداث والبغي، فسلط اللَّه عَلَيْهِم أرطاصوس، فقتل وسبى.
وَهَذَا دانيال من بَنِي إسرائيل، وهو مدفون بالسوس، ولما ففتح أَبُو موسى السوس دل عَلَى جثة دانيال، فقام رجل إِلَى جثته، فكانت ركبة دانيال محاذية رأسه، وليس بدانيال الأكبر، فَإِن ذاك كَانَ بَيْنَ نوح وإبراهيم، وَقَدْ سبق ذكره
.
стр. 400
[ذكر الملوك بَعْد ذَلِكَ] [١]
وتوفي بهمن وَكَانَ ملكه مائة واثنتي عشرة سَنَة، وقيل ثمانين سَنَة.
ثُمَّ ملكت بعده ابنته خماني، واختلفوا فِي سبب تمليكها. فَقَالَ بَعْضهم: إِنَّمَا ملكوها لعقلها ونجدتها وإحسان أبيها إليهم.
وَقَالَ آخرون: كانت حاملا من أبيها بهمن بدار [١] الأكبر، فسألت أباها أَن يعقد لَهُ التاج وَهُوَ فِي بطنها، ففعل. وَكَانَ ساسان من امرأة أُخْرَى، وَكَانَ حينئذ رجلا ينتظر الْمَلِك لا يشك فِيهِ، فلما فعل أبوه ذَلِكَ لحق بإصطخر وتزهد وتعبد فِي رءوس الجبال، واتخذ غنيمة، فَكَانَ يتولاه بنفسه [٢] .
وقيل: إِن خماني ولدت بَعْد أشهر من ملكها، فأخفت من إظهار الولد، فجعلته فِي تابوت، وصيرت مَعَهُ جوهرا نفيسا، وأجرته تَحْتَ نهر من أنهار إصطخر، وقيل من أنهار بلخ، فوقع التابوت إِلَى رجل طحان من أَهْل إصطخر، فأخذه ورباه، وظهر أمره حِينَ شب، وأقرت خماني بإساءتها إِلَيْهِ وتعريضها إياه للتلف، فلما تكامل امتحن فوجد عَلَى غاية مَا يَكُون عَلَيْهِ أبناء الملوك، فحولت التاج عَنْ رأسها إِلَيْهِ، وتقلد أمر المملكة، وتنقلت خماني إِلَى فارس، وبنت مدينة إصطخر، وقمعت الأعداء، ومنعتهم من بلادها، وأغزت أرض الروم، فسبى سبي كثير، فأمرت أَن يبنى لَهَا فِي كُل موضع بنيانا منيفا، فأحد ذَلِكَ البنيان فِي مدينة إصطخر.
وَالثَّانِي عَلَى المدرجة الَّتِي يسلك فِيهَا إِلَى دار بجرد عَلَى فرسخ من المدينة [٣] .
[والثالث عَلَى أربعة فراسخ منها فِي المدرجة الَّتِي تسلك فِيهَا إِلَى خراسان.
وإنها أجهدت نفسها فِي طلب مرضاة اللَّه تَعَالَى.
وكان ملكها ثلاثين سنة] [٤] .
стр. 401
وَكَانَ بَعْض ملكها فِي زمن كيرش العيلمي، الَّذِي ذَكَرْنَا آنفا أَنَّهُ تولى بَيْت المقدس عَلَى بَنِي إسرائيل.
وعاشت خماني بَعْد هلاك كيرش ستا وعشرين سَنَة، وكانت مدة خراب بَيْت المقدس من لدن خربه نصر إِلَى أَن عُمَر سبعين سَنَة، بَعْضهَا فِي أَيَّام بهمن، وبَعْضهَا فِي أَيَّام خماني.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يدل عَلَى أَن التخريب لبيت المقدس كَانَ قبل ذَلِكَ، والله أعلم.
[ذكر دارا وأولاده] [١] .
فلما ملك «دارا بْن بهمن بْن إسفنديار بْن بشتاسب» ، وَكَانَ ضابطا لملكه، قاهرا لمن حوله من الملوك، فابتنى بفارس مدينة سماها «دارابجرد» ، وولد لَهُ ولد فأعجب بِهِ فسماه «دارا» باسم نَفْسه، وصير لَهُ الْمَلِك من بعده، فملك اثنتي عشرة سَنَة.
ثُمَّ ملك ابنه «دارا بْن دارا بْن بهمن» فأساء السيرة فِي رعيته، وقتل رؤساءهم، فغزاه الإسكندر بْن فيلبوس اليوناني، وَقَدْ مله أَهْل مملكته، فلحق كثير مِنْهُم بالإسكندر، فأطلعوه عَلَى عورة دارا، وقووه عَلَيْهِ، فالتقيا ببلاد الجزيرة، فاقتتلا سَنَة، ثُمَّ إِن رجالا من أَصْحَاب دارا وثبوا بِهِ فقتلوه وتقربوا برأسه إِلَى الإسكندر، فأمر بقتلهم، وَقَالَ: هَذَا جزاء من اجترأ عَلَى ملكه.
وتزوج ابنته «روشنك بنت دارا» ، وغزا الهند ومشارق الأَرْض، ثُمَّ انصرف وَهُوَ يريد الإسكندرية، فهلك بناحية السواد، فحمل إِلَى الإسكندرية فِي تابوت من ذهب.
وَكَانَ ملكه أربع عشرة سَنَة، وقيل كَانَ ملك دارا أربع عشرة سَنَة، أَيْضًا، واجتمع ملك الروم وَكَانَ قبل الإسكندر متفرقا، وتفرق ملك فارس/ وَكَانَ قبل الإسكندر مجتمعا.
стр. 402
[ذكر هلاك دارا بْن دارا] [١]
إِن دارا بْن دارا لما ملك، وَكَانَ فيلبوس أَبُو الإسكندر اليوناني قَدْ ملك بلادا من بلاد اليونانيين فصالح دارا عَلَى خراج يحمل إِلَيْهِ فِي كُل سَنَة ثُمَّ ملك ابنه الإسكندر فلم يحمل الخراج، فغضب دارا وكتب إِلَيْهِ يوبخه، وبعث إِلَيْهِ بصولجان وكرة وقفيز من سمسم، وَقَالَ فيما كتب إِلَيْهِ: أَنْتَ صبي ينبغي أَن تلعب بالصولجان، وإنك إِن استعصيت بعثت إليك من يأتيني بك فِي وثاق، وإن عدة جندي كعدة حب السمسم الَّذِي بعثت بِهِ.
فكتب إِلَيْهِ الإسكندر أَنَّهُ قَدْ فَهُمْ كتابه وتيمن بإرساله الصولجان والكرة لإلقاء الملقي الكرة إِلَى الصولجان، واحترازه إياها، ويشبه الأَرْض بالكرة، وَإِنَّهُ محيز ملك دارا إِلَى ملكه وبلاده إِلَى حيزه من الأَرْض. وَإِنَّهُ تيمن بالسمسم لدسمه وبعده عن المرارة والحرافة.
وبعث إِلَى دارا بصرة من خردل، فَهِيَ تجمع الكرة والحرافة [٢] والمرارة.
فلما وصل إِلَيْهِ الكتاب جمع جنده، وتأهب لمحاربة الإسكندر، وتأهب الإسكندر وسار نَحْو بلاد دارا. فالتقيا فاقتتلا أشد القتال، وصارت الدبرة عَلَى [جند] [٣] دارا.
فلما رأى ذَلِكَ رجلان من حرس دارا طعناه من خلفه فوقع، ليحظيا عِنْدَ الإسكندر. ونادى الإسكندر: أَن لا يقتل دارا. ثُمَّ سار حَتَّى وقف عَلَيْهِ، فرآه يجود بنفسه، فنزل الإسكندر عَنْ دابته وجلس عِنْدَ رأسه، وأخبره أَنَّهُ مَا هُمْ قط بقتله، وأن الَّذِي أصابه لَمْ يكن عَنْ رأيه، وَقَالَ لَهُ: سلني مَا بدا لَكَ، فَقَالَ دارا: إلي لَكَ حاجتان:
إحداهما أَن تنتقم لي من الرجلين اللذين فتكا بي، والأخرى أَن تتزوج ابنتي روشنك.
فأجابه وصلب الرجلين، وتوسط بلاد دارا، فكان له ملكه.
стр. 403
وَقَالَ آخرون: كَانَ ملك الروم فِي أَيَّام دارا الأكبر يؤدي إِلَى دارا الخراج، فلما هلك ملك الإسكندر، وَكَانَ ذا حزم ومكر، فمن مكره أَنَّهُ خرج فِي بَعْض الحروب من صف أَصْحَابه، وأمر من نادى: يا معشر الفرس، قَدْ علمتم مَا كتبنا لكم من الأمان، فمن كَانَ منكم عَلَى الوفاء فليعتزل العسكر وَلَهُ منا الوفاء.
فاتهمت الفرس بعضها بعضا، فكان أول اضطراب حدث فيهم.
وتلقاه بَعْض ملوك الهند بألف فيل عَلَيْهَا السلاح، وَفِي خراطيمها السيوف، فلم تقف دواب الإسكندر، فأمر باتخاذ قلة من نحاس مجوفة، وربط خيله بَيْنَ تلك التماثيل حَتَّى التقيا، ثُمَّ أمر فملئت نفطا وكبريتا، وألبسها الدروع وجرت عَلَى العجل إِلَى المعركة، وبين كُل تمثالين منها جَمَاعَة من أَصْحَابه.
فلما نشبت الحرب أمر بإشعال النيران فِي أجواف التماثيل فلما حميت انكشفت أَصْحَابه عَنْهَا، فغشيتها الفيلة فضربتها بخراطيمها، فتشيطت، فولت مدبرة راجعة عَلَى أَصْحَابها، فصارت الدبرة عَلَى ملك الهند.
وغزا الإسكندر [١] بَعْض ملوك المغرب فظفر بِهِ، فآنس لِذَلِكَ من نفسه القوة فنشز على دارا الأصغر، وامتنع عما كَانَ يحمله إِلَيْهِ، وَكَانَ الخراج الَّذِي يؤديه آل الإسكندر إِلَى ملوك الفرس بيضا من ذهب، ألف ألف بيضة، فِي كُل بيضة مائة مثقال.
فلما امتنع الإسكندر أَن يبعث كتب إِلَيْهِ دارا يطالبه. فكتب إِلَيْهِ: إني قَدْ ذبحت تلك الدجاجة الَّتِي كانت تبيض ذَلِكَ البيض وأكلت لحمها. فالتقيا للقتال بناحية خراسان مِمَّا يلي الحرز.
[ذكر نبذ من أحوال الإسكندر] [٢] .
قَدْ ذَكَرْنَا أَن هَذَا الإسكندر هُوَ ابْن فيلبوس، وبعضهم يَقُول: ابن بيلبوس بن مطريوس. ويقال: ابْن مصريم بْن هرمس بْن هردس بن مسطون [٣] بن رومي بن
стр. 404
يلظي [١] بْن يونان بْن يافث بْن توبة بْن سرحون بْن رومية بْن يرثط بْن توفيل بْن زوفي [٢] بْن الأصفر بْن أليفز بْن العيص بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيمَ الخليل ﵇.
ولما هلك دارا ملك الإسكندر ملك دارا، فملك العراق والروم والشام ومصر، وعرض جنده بَعْد هلاك دارا فوجدهم ألف ألف وأربع مائة ألف رجل، مِنْهُم من جنده ثمانمائة ألف، ومن جند دارا ستمائة ألف. فجلس عَلَى سريره، وَقَالَ: أدالنا اللَّه من دارا، ورزقنا خلاف مَا كَانَ يتوعدنا بِهِ، وهدم مَا كَانَ ببلاد الفرس من المدن والحصون وبيوت النيران، وقتل الهرابذة، وأحرق كتبهم ودواوين دارا، واستعمل عَلَى مملكة دارا رجلا من أَصْحَابه، وسار إِلَى أرض الهند، فقتل ملكها وفتح مدينتها.
ثُمَّ سار منها إِلَى الصين وصنع بها كصنيعه بالهند، ودانت له عامة الأرض، وملك الصين والتبت.
أنبأنا مُحَمَّد بْن عبد الباقي البزاز، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِي بْن المحسن التنوخي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الفرج الأصفهاني، قَالَ:
قرأت فِي بَعْض كتب الأوائل أَن الإسكندر لما انتهى إِلَى ملك الصين أتاه صاحبه وَقَدْ مضى من الليل شطره، وَقَالَ لَهُ: هَذَا رَسُول ملك الصين بالباب يستأذن عليك، فَقَالَ: احضروه. فوقف بَيْنَ يديه وسلم ثُمَّ قَالَ: إِن رأى الْمَلِك أَن تخليني، فأمر الإسكندر من بحضرته من أَصْحَابه فانصرفوا، وبقي صاحبه، فَقَالَ: الَّذِي جئت فِيهِ لا يحتمل أَن يسمعه غيرك. فَقَالَ الإسكندر فتشوه، ففتش فلم يصب مَعَهُ حديد [٣] ، فوضع الإسكندر بَيْنَ يديه سَيْفا وَقَالَ لَهُ: كن بمكانك وقل مَا شئت، وخرج كُل مَا كَانَ عنده، فَقَالَ: قل.
فَقَالَ لَهُ: إني أنا الْمَلِك لا رسوله، وَقَدْ جئتك أسألك عما تريد مِمَّا يمكن عمله ولو عَلَى أصعب الأمور فإني أعمله فأغنيك عَنِ الحرب، فَقَالَ لَهُ الإسكندر: مَا آمنك مني؟ قَالَ: علمي بأنك رجل عاقل وليس بيننا عداوة ولا مطالبة قَدْ حل. وأنت تعلم انك
стр. 405
إِن قتلتني لَمْ تحظ بطائل، وَلَمْ يكن سببا لأخذ مملكة الصين، وَلَمْ يمنعهم قتلي أن ينصبوا لأنفسهم ملكا، ثُمَّ تنسب أَنْتَ إِلَى غَيْر الجميل وصيد الحريم.
فأطرق الإسكندر وعلم أَنَّهُ رجل عاقل، فَقَالَ: الَّذِي أريد منك ارتفاع مملكتك لثلاث سنين عاجلا، ونصف ارتفاع مملكتك فِي كُل سَنَة، فَقَالَ: هل غَيْر ذَلِكَ شَيْء؟
قَالَ: لا، قَالَ: قَدْ أجبتك، قَالَ: كَيْفَ يَكُون حالك حينئذ؟ قَالَ: أكون قتيلا وأكلة كُل مفترس. قَالَ: فَإِن قنعت منك بارتفاع سنتين كَيْفَ يَكُون حالك؟ قَالَ: أصلح مِمَّا كانت، قَالَ: فَإِن قنعت منك بارتفاع سَنَة، قال: يكون ذلك كمالا لأمر ملكي ومذهبا جميع/ أذاني قَالَ: فَإِذَا اقتصرت منك عَلَى النصف من ارتفاع السنة، قَالَ: يَكُون الْمَلِك ثابتا وأسبابه مستقيمة، قَالَ: فَإِذَا اقتصرت منك عَلَى ارتفاع الثلث؟ قال: يكون السدس وقفا، ويكون الباقي لجيشي وأسباب الْمَلِك. قَالَ: فَقَدِ اقتصرت منك عَلَى هَذَا، فشكره وانصرف.
فلما طلعت الشمس أقبل جيش الصين حَتَّى طبق الأَرْض وأحاط بجيش الإسكندر حَتَّى خافوا الهلاك، فتواثب أَصْحَابه فركبوا الْخَيْل واستعدوا للحرب.
فبينما هُمْ كَذَلِكَ إذ طلع وعليه التاج فلما رأى الإسكندر ترجل لَهُ، فَقَالَ له الإسكندر: غدرت، قَالَ: لا والله، قَالَ: فَمَا هَذَا الجيش؟ قَالَ: أردت أَن أريك أنني لَمْ أطعك عَنْ قلة وضعف، وَأَنْتَ ترى الجيش وَمَا غاب عنك أكثره، ولكن رأيت العالم الكبير مقبلا فملكنا لَكَ مِمَّن هُوَ أقوى منك وأكثر من عددك، ومن حارب العالم الكبير غلب، وأردت طاعته بطاعتك، والذلة بأمره بالذلة لَكَ.
فَقَالَ الإسكندر: لَيْسَ مثلك من يؤخذ منه خراج، فَمَا رأيت بيني وبينك أحدا يستحق الفضل والوصف بالعدل غيرك، فَقَدْ أعفيتك من جميع مَا أردته منك، وأنا منصرف عنك.
فَقَالَ لَهُ ملك الصين: أما إِذَا فعلت ذَلِكَ فليس بحسن. ثُمَّ انصرف الإسكندر فبعث إِلَيْهِ ملك الصين هدايا أضعاف مَا كَانَ قرر مَعَهُ.
وَكَانَ أرسطاطاليس مؤدب الإسكندر فِي صغره، فَقَالَ لَهُ ولصبيان مَعَهُ: أي شيء
стр. 406
تعملون إِذَا ملكتم، فَكُل واحد بذل من نَفْسه شَيْئًا، فَقَالَ الإسكندر: أعمل حسب مَا يوجبه الوَقْت، ويقتضيه العقل، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ أحرى بالرئاسة والملك.
فلما ملك الإسكندر كَانَ أرسطاطاليس لَهُ كالوزير يكاتبه ويعمل برأيه، فكتب إِلَيْهِ:
إِن فِي عسكري جَمَاعَة لا آمنهم عَلَى نفسي لبعد هممهم وشجاعتهم، ولا أرى لَهُمْ عقولا تفي بتلك الفضائل.
فكتب إِلَيْهِ: أما مَا ذكرت من بَعْد هممهم، فَإِن الوفاء من بَعْد الهمة. وَأَمَّا شجاعتهم ونقص عقولهم فمن هذه حاله فرفهه فِي معيشته، وأخصصه بحسان النِّسَاء، فَإِن رفاهية العيش توهي العزم، وتحبب السلامة، وليكن خلقك حسنا تخلص لَكَ النيات، ولا تتناول من لذيذ العيش مَا لا يمكن أوساط رعيتك مثله، فليس مَعَ الاستئثار محبة، ولا مَعَ المواساة بغضة.
واعلم أَن المملوك إِذَا اشتري لا يسأل عَنْ مال سيده، وإنما يسأل عَنْ خلقه.
وَهَذَا أرسطاطاليس كَانَ من كبار الحكماء، قَالَ يوما أفلاطون لأَصْحَابه: مَا العجب؟ فتكلموا، فَقَالَ أرسطاطاليس: مَا ظهر وخفيت علته، قَالَ: أَنْتَ أفضل الْجَمَاعَة.
وَكَانَ أرسطاطاليس يَقُول: لكل شَيْء صناعة وصناعة العقل حسن الاختيار.
وَقَالَ: اعص الهوى وأطع من شئت.
وقيل لَهُ: ألا تجتمع الحكمة والمال؟ فَقَالَ: آخر الكمال.
وكتب إِلَى بَعْض ملوك يونان وَكَانَ مستهترا باللعب: إِذَا علمت الرعايا تسليط الهوى عَلَى الْمَلِك تسلطت عَلَيْهِ، فاقهر هواك تفضل حكمتك، والسلام.
فكتب الْمَلِك: أيها الحكيم إِذَا كانت بلادنا عامرة، وسبلنا آمنة، وعمالنا عادلة، فلم تمنع لذة عاجلة.
فكتب إِلَيْهِ: إِنَّمَا تمهدت الأمور عَلَى مَا ذكرت بيقظتك بالحكمة دُونَ غفلتك باللذة، فَمَا أخوفني أَن تهدم مَا بنته الحكمة مَا جنته الغفلة. فأقبل الْمَلِك عَلَى السياسة.
стр. 407
وَقَدْ ذكر بَعْض من لا يعلم
إِن الإسكندر هُوَ الَّذِي دَخَلَ الظلمات، وَهَذَا غلط، وإنما أشكل عَلَيْهِم لاشتراك الاثنين فِي الاسم والتسمية بالإسكندر. وَقَدْ ذَكَرْنَا خبر ذاك فِي زمن إِبْرَاهِيم الخليل، وَإِنَّهُ عاش ألف سَنَة وستمائة سَنَة، وَهَذَا اليوناني عاش ستا وثلاثين سَنَة. وملك ثَلاث عشرة سَنَة وأشهرا، وبنى مدنا كثيرة، وتوفي في بعض قرى بابل
.
стр. 408
[المجلد الثاني]
بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه نستعين
[تتمة ذكر نبذ من أحوال الإسكندر]
فصل [١]
ولما مات الإسكندر عرض ملكه عَلَى ابنه، وكان ابنه يقال له: «اسكندروس» .
فأبى واختار البعد [٢] ، فملكت اليونانية [٣] عليهم بطلميوس فملك ثلاثا وثلاثين [٤] سنة، ولم تزل المملكة لليونانية، والديانة والرئاسة لبني إسرائيل ببيت المقدس إِلَى أن خرب بلاد بني إسرائيل الفرس والروم، وطردوهم عنها بعد قتل يحيى بْن زكريا.
فملك اليونانية بعد بطلميوس دميانوس [٥] أربعين سنة، ثم أودغاطس [٦] أربعا وعشرين سنة، ثم فيلافط [٧] إحدى وعشرين سنة، ثم أفلايانس [٨] اثنتين وعشرين سنة، ثم أوداغاطس [٩] تسعا وعشرين سنة، ثم ساطر سبع عشرة سنة، ثم الإخشيد [١٠] إحدى عشرة سنة، ثم ملكهم ملك [١١] فاختفى عَنْ ملكه ثماني سنين، ثم ملكهم دوسوس ست
стр. 409
عشرة سنة، ثم من بعده كليوباترا [١] سبع عشرة سنة.
وهؤلاء كلهم يونانيون، وكل من ملك منهم يدعى: «بطلميوس» ، كما كانت الفرس يدعون «أكاسرة» .
ثم ملك الشام الروم: فكان أول من ملك منهم جايوس يوليوس خمس سنين، ثم ملك بعده أغوسطوس ستا وخمسين سنة، فلما مضى من ملكه اثنتان وأربعون سنة ولد عِيسَى بْن مَرْيَمَ ﵇ وبين مولده وغلبة الإسكندر عَلَى أرض بابل ثلاثمائة سنة وثلاث سنين. وزعمت الفرس أن بينهما خمسا وستين سنة، وهذا تفاوت عظيم. وعاش أغوسطوس بعد ولادة المسيح بقية ملكه، فكان جميع ملكه ستا وخمسين سنة.
فصل [٢]
قَالَ مؤلف الكتاب: وقد كان بعض الأطباء [٣] والحكماء فِي أزمنة لم تثبت لنا ولادتهم، ذكروا أن جالينوس قصد عِيسَى ﵇، وأنه مات فِي الطريق، وعاش جالينوس سبعا/ وثمانين سنة. وقد كان أفلاطن عاش ستين سنة.
فأما بقراط فقد ذكر أن البقارطة أربعة، كل [يقال] [٤] له: بقراط، وأول من كتب الطب بقراط الأول [٥] ، وبين وفاته إِلَى ظهور جالينوس ستمائة وخمس وستون سنة، وخلف بقراط من تلاميذه وأهل بيته وستة، فأفرد أحدهم: بالحكم على الأمراض، والآخر بتدبير الأبدان، والثالث: بالفصد والكي، والرابع: بعلاج الجراحات، والخامس: بعلاج العين، والسادس: بجبر العظام المكسورة، وردّ الأعضاء المخلوعة.
стр. 410
باب ذكر زكريا ﵇ [١]
وهو زكريا بْن أدي [٢]- وقيل: ابن برخيا- من أولاد سليمان بْن داود [﵉] [٣] ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا القطيعي، قال:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أن رسول الله ﷺ ، قَالَ:
«كَانَ زَكَرِيَّا نَجَّارًا» [٤] .
ذكر الأحداث فِي زمن زكريا
وجود نذر حنة بنت فاقود، فإنها لما حملت نذرت حملها محررا للَّه تعالى ليكون فِي المسجد متعَبْدا. فلما وضعت مريم جاءت بها إِلَى العباد، فاقترعوا عَلَى كفالتها، فرموا أقلامهم مع جرية الماء فرسبت وصعد قلم زكريا فكفلها، وكانت أخت مريم عند زكريا، فلما رأى رزقها يأتي من غير كلفة، سأل ربه ولدا، وكانت زوجته اسمها: أشياع [٥] بنت عِمْرَانَ- وهي أخت مريم- فجاءته بيحيى، وطلب آية عَلَى وجود
стр. 411
الحمل، لأن الحمل لا يتحقق بأوله ليبادر بالشكر، فأمسك لسانه عَنْ كلام الناس من غير مرض، ولم يمسك عَنِ الذكر للَّه .
قَالَ الربيع بْن أنس: لما سمع اليهود كلام عِيسَى فِي المهد حسدوا زكريا وعادوه وكان أخبرهم قبل ذلك بحبل مريم، فتغامزوا به، وقد وجدوا ذلك مكتوبا عندهم كيف يكون، وأخبرهم به سليمان، فالتمسوا زكريا ليقتلوه، فهرب حَتَّى انتهى إِلَى شجرة عظيمة، فتجوفت لَهُ ودخل فيها فجاءوا يطيفون بالشجرة فرأوا هدبة من ثوبه، فقطعوا الشجرة حَتَّى خلصوا إِلَيْهِ فقتلوه [١] .
وَقَالَ السدي: اتهموا زكريا وَقَالُوا: هو أحبل مريم فطلبوه، فهرب إِلَى الشجرة.
قَالَ أحمد بْن جعفر المنادي: وكان له من العمر أقل من مائة سنة.
стр. 412
باب ذكر يحيى ﵇ [١]
قَالَ مؤلف الكتاب: ولد يحيى قبل عِيسَى بستة [أشهر] [٢] .
وقيل: قبل أن يرفع عِيسَى ﵇، وكان يحيى قد رزق الفطنة والفهم فِي زمن الصبا من الصغر [٣] .
قَالَ قتادة [فِي قوله] [٤] : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ١٩: ١٢ [٥] . قَالَ: ابن ثلاث سنين.
قَالَ علماء السير: نبّئ يحيى صغيرا. فساح ثم دخل الشام يدعو الناس، وكان طعامه الجراد وقلوب الشجر. وكان يحيى كثير العبادة غزير الدمعة.
أَخْبَرَنَا المُحَمَّدان: ابن ناصر، وابن عبد الباقي، قالا: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، قَالَ: عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الحسين، قَالَ: حدثني [سَعِيد] [٦] بن شرحبيل، قال: حدّثنا سعيد بن عطارة، عَنْ وهيب بْن الورد، قَالَ:
كان ليحيى بْن زكريا خطان فِي خديه من البكاء، فَقَالَ له أبوه زكريا: إني إنما سألت اللَّه ولدا تقر به عيني، فَقَالَ: يا أبت، إن جبريل ﵇ أخبرني أن بين الجنة والنار مفازة لا يقطعها إلّا كل بكّاء.
стр. 413
ذكر سبب قتل يحيى بْن زكريا [١]
رَوَى الأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
بَعَثَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا فِي اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ، وَكَانَ فِيمَا نَهَوْهُمْ عَنْهُ نِكَاحُ ابْنَةَ الأَخِ، وَكَانَ لِمَلِكِهِمُ ابْنَةُ أَخٍ تُعْجِبُهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَكَانَ لَهَا كُلُّ يَوْمٍ حَاجَةٌ يَقْضِيهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ أُمَّهَا، فَقَالَتْ لَهَا: إِذَا دَخَلْتِ عَلَى الْمَلِكِ فَسَأَلَكِ مَا حَاجَتُكِ، فَقُولِي: حَاجَتِي أَنْ تَذْبَحَ لِي يَحْيَى، فَقَالَتْ لَهُ: فَقَالَ: سَلِي غَيْرَ هَذَا، قالت: ما أسأل غيره.
فدعا يَحْيَى وَدَعَا بِطِسْتٍ فَذَبَحَهُ فَنَدَرَتْ قَطْرَةٌ مِنْ دَمِهِ عَلَى الأَرْضِ، فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتَّى بعث الله بُخْتَ نَصَّرَ [عَلَيْهِمْ] [٢] فَجَاءَتْهُ عَجُوزٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَدَلَّتْهُ عَلَى ذَلِكَ الدَّمَ، فَأَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِهِ أَنْ يَقْتُلَ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْكُنَ، فَقَتَلَ سَبْعِينَ أَلْفًا [مِنْهُمْ] [٣] فَسَكَنَ [٤] .
وَرَوَى الوليد بْن مسلم، عَنْ سَعِيد بْن عَبْد العزيز التنوخي، عَنْ مشيم مولى معاوية:
أن ملكا فِي بني إسرائيل كانت له امرأة، وكان لها بنية يحبها أبوها، وكان لها عليه كل يوم حاجة، فقالت لها أمها: إذا سألك ما حاجتك فقولي: رأس يحيى بْن زكريا، فلما جاءته وسقته ووقفت بين يديه، قَالَ لها: ما حاجتك؟ قالت: رأس يحيى بْن زكريا، فزجرها وأغضبه [٥] ذلك، فولت عنه، فَقَالَ له من حوله من المنافقين: وما يحيى وما رأس يحيى، فَقَالَ: ادفعوا إليها رأس يحيى.
فأتوه وإنه لقائم يصلي فِي ناحية كنيسة جيرون بدمشق، فاجتزوا رأسه فجعلوه فِي طبق، وأمر بدفعه إِلَى جارية ابنته، فولت به ذاهبة إِلَى أمها، فلما كانت عند المطهرة
стр. 414
التي عَلَى درج دمشق خسف بها، فقيل لأمها: أدركي ابنتك، فخرجت حاسرة عَنْ وجهها حتى وقفت عليها وقد ذهبت الأرض بجثتها، فلم يبق منها إلا رأسها، فقالت:
اجتزوا الرأس نغسله ونكفنه ونبكي عَلَيْهِ، ففعلوا فلما صار بأيديهم نفضت [١] الأرض الجثة فألقتها إليهم.
قَالَ الربيع بْن أنس: كانت للملك ابنه [٢] شابة، فكانت تأتي أباها فتغني عنده حَتَّى إذا أرادت الرجوع، قَالَ لها: سلي حاجتك؟ وأن أمها رأت يحيى قد أعطي حسنا وجمالا، فأرادته عَلَى نفسه [٣] ، فأبى عليها، فقالت له: إني قاتلتك أو تأتي حاجتي، فَقَالَ: معاذ اللَّه. فقالت لابنتها: إذا أتيت أباك الليلة فَقَالَ: سلي حاجتك، فقولي:
أسألك رأس يحيى.
فلما جاءت وَقَالَ: سلي حاجتك، قالت: رأس يحيى، فَقَالَ: ارجعي إِلَى أمك فتأمرك بما هو خير لك مِنْ هَذَا. فرجعت إِلَى أمها فحدثتها، فقالت لا تسأليه إلا رأس يحيى.
فلما جاءت فِي الليلة الثانية فغنته، قَالَ: سلي حاجتك، قالت: رأس يحيى.
فَقَالَ: ارجعي إِلَى أمك فتأمرك بما هو أنفع لك من هَذَا، فرجعت إليها، فقالت: لا تسأليه إلا رأس يحيى.
فلما جاءت فِي الليلة الثالثة فغنته [٤] ، قَالَ: سلي حاجتك [٥] ، قالت: رأس يحيى، فَقَالَ: ارجعي إِلَى أمك فتأمرك بما هو أنفع لك من هَذَا. فرجعت إليها، فقالت:
لا تسأليه إلا رأس يحيى [٦] .
فَقَالَ: لك ما سألت، فرجعت إِلَى أمها فرحة فأخبرتها. فأرسلت إلى يحيى،
стр. 415
فقالت إني [قد] [١] أعطيت رأسك إن لم تأت حاجتي، فأبى عليها، فقالت [له] [٢] إني ذابحتك. فذبحته ثُمَّ ندمت، وجعلت تنادي: ويل لها، ويل لها. حَتَّى ماتت، فهي أول امرأة [٣] تدخل النار [٤] ، وأن الدم صار يغلي ولا يسكن، وإن بخت نصر جاز عَلَيْهِ فسأل عنه، فقالوا: هَذَا دم يحيى بْن زكريا قتلته امرأة خيارهم.
وكان عَبْد اللَّه بْن الزبير يقول: من أنكر الباقلاني لا أنكره، لقد ذكر لي أنه إنما قتل يَحْيَى بْن زكريا فِي زانية [٥] كانت جارة له.
وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَسْلَمَ الْعِجْلِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ ﵄:
أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا: «رَبَّةٌ» قَتَلَتْ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، فَأُتِيَتْ بِرَأْسِهِ فِي طَسْتٍ، فَأُمِرَتِ الأَرْضُ فَأَخَذَتْهَا.
وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عمر: وقتلت تلك المرأة فِي يوم سبعين نبيا، وهي مكتوبة فِي التوراة: مقتلة الأنبياء، وأنها عَلَى منبر فِي النار [يسمع صراخها أقصى أهل النار] [٦] .
أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن ناصر، قَالَ: أَنْبَأَنَا جعفر بْن أحمد السراج/، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو القاسم: عَبْد اللَّهِ بْن عمر بْن شاهين، قَالَ: حَدَّثَنَا أبي، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسين بْن مُحَمَّد بْن عقبة [٧] الْأنْصَارِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو تمام، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن وهب، قَالَ: أخبرني ابن لهيعة، عَنْ عمارة بْن غزية، عَنْ عروة بْن الزبير، قَالَ:
اسم المرأة التي قتلت يحيى بْن زكريا «أزبيل» ، وأنها قتلت سبعين نبيا آخرهم يحيى بن زكريا.
стр. 416
وَرَوَتْ فَاطِمَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ﵉ مَكَثَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً» . قَالَ قتادة: قتل بدمشق.
ذكر ما عوقب به بنو إسرائيل لقتلهم يحيى بْن زكريا [١]
[قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا قَتَلَتْهُ امْرَأَةٌ» ] [٢] .
زعم السدي، عَنْ أشياخه: أن رجلا رأى فِي المنام أن خراب بيت المقدس وهلاك بني إسرائيل عَلَى يدي غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل يدعى «نصر» ، فأقبل يسأل عنه حَتَّى نزل عَلَى أمه وهي تحتطب، فلما جاء عَلَى رأسه حزمة حطب ألقاها ثم قعد فِي البيت، فكلمه ثم أعطاه ثلاثة دراهم، فاشترى بها طعاما وشرابا، فلما كان فِي اليوم الثاني فعل به ذلك، وكذلك في اليوم الثالث، ثم قَالَ له: إني أحب أن تكتب لي أمانا إن أنت ملكت يوما من الدهر. قَالَ: تسخر بي؟!. قَالَ: لا، ولكن ما عليك أن تتخذ عندي بها يدا. قالت له أمه: وما عليك إن كَانَ، وإلا لم ينقصك شيئا. فكتب له أمانا، فَقَالَ: أرأيت إن جئت والناس حولك قد حالوا بيني وبينك فاجعل لي آية تعرفني بها. قَالَ: ترفع صحيفتك عَلَى قصبة فأعرفك بها، فكساه وأعطاه.
فلما قتل يحيى أصبح دمه يغلي، فلم يزل يلقى عَلَيْهِ التراب ويغلي إِلَى أن بلغ سور [٣] المدينة، وخرج نصر من قبل صيحائين الملك، فتحصن القوم منه فِي مدائنهم، فلما اشتد عَلَيْهِ المقام هم بالرجوع، فخرجت إليه عجوز من عجائز بني إسرائيل، فقالت: إن فتحت لك المدينة أتعطيني ما أسألك فتقتل من آمرك بقتله، وتكفئ إذا أمرتك؟ قَالَ: نعم. قالت: إذا أصبحت فأقسم جندك أربعة أرباع، ثم أقم
стр. 417
على كل زاوية ربعا، ثم ارفعوا أيديكم إِلَى السماء فنادوا: إنا نستفتحك باللَّه بدم يحيى [ابن زكريا [١] ، فإنها سوف تتساقط.
ففعلوا فتساقطت المدينة ودخلوا من جوانبها، فقالت: أقتل عَلَى هَذَا الدم حَتَّى يسكن، فقتل سبعين ألفا، فلما سكن الدم، قالت: كف يدك، فإنه إذا قتل نبي لم يرض اللَّه حَتَّى يقتل من قتله، ومن رضي قتله.
فأتاه صاحب الصحيفة بصحيفة فكف عنه وعن أهل بيته، وخرب بيت المقدس، وأمر أن يطرح فِيهِ الجيف، وَقَالَ: من طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة، وأعانه عَلَى إخرابه [٢] الروم من أجل بني إسرائيل إذ قتلوا يحيى.
فلما خربه بخت نصر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل، منهم: دانيال، فلما قدم أرض بابل وجد صيحائين قد مات، فملك مكانه، فَقَالَ له المجوس: إن الذين قدمت بهم دانيال وأصحابه لا يعَبْدون إلهك، ولا يأكلون من ذبيحتك، [فدعاهم، فسألهم، فقالوا: أجل [إن] [٣] لنا ربا نعَبْده ولا نأكل من ذبحتكم] فأمر بخد فخد لهم، فألقوا فيه وهم ستة وألقي معهم سبع ضار ليأكلهم، فلما راحوا إليهم وجدوهم جلوسا، والسبع مفترش ذراعيه، ووجدوا معهم رجلا فعدوهم فوجدوهم سبعة، فقالوا: إنما كانوا ستة، فخرج السابع وكان ملكا فلطم نصر لطمة، فصار فِي الوحش فكان فيهم سبع سنين [٤] .
قال أبو جعفر ابن جرير الطبري: وقول من قَالَ إن بخت نصر هو الذي غزا بني إسرائيل عِنْدَ قتلهم يحيى غلط عند أهل العلم بأمور الماضين، لأنهم أجمعوا عَلَى أن بخت نصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم نبيهم شعيا فِي عهد إرمياء، وبين أرمياء وتخريب بخت نصّر بيت المقدس إلى مولد يحيى أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة،
стр. 418
وهذا مما يتفق عَلَيْهِ اليهود والنصارى، ويذكرون أن ذلك فِي أسفارهم مبين، وذلك أنهم يعدون من لدن تخريب بخت نصر بيت المقدس إِلَى حين عمرانها [١] فِي عهد كيرش أصبهبذ بابل من قبل بهمن، ثم من قبل خماني سبعين سنة، ثم من بعد عمرانه إِلَى ظهور الإسكندر عليها وحيازة مملكها [٢] إِلَى مملكته ثمانيا وثمانين سنة، ثم من بعد مملكة الإسكندر [٣] إلى مولد يحيى ثلاثمائة وثلاث سنين، فذلك على قولهم أربعمائة وإحدى وستون سنة.
وأما المجوس: فإنها توافق اليهود والنصارى فِي مدة خراب بيت المقدس وأمر بخت نصّر، وما كَانَ من أمره وأمر بني إسرائيل [إِلَى غلبة الإسكندر عَلَى بيت المقدس والشام وهلاك دارا، وتخالفهم فِي مدة ما بين ملك الإسكندر] [٤] ومولد يحيى، فتزعم أن مدة ذلك إحدى وخمسون سنة [٥] .
وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق: لما رجع بنو إسرائيل من بابل إِلَى بيت المقدس ما زالوا يحدثون الأحداث، ويبعث إليهم [٦] الرسل، فريقا يكذبون وفريقا يقتلون حَتَّى كان من آخر من بعث إليهم زكريا ويحيى وعيسى، وكانوا من بيت آل داود، فلما رفع اللَّه عِيسَى، وقتلوا يَحْيَى- وبعض [الناس] [٧] يقول: وقتلوا زكريا- ابتعث اللَّه إليهم ملكا من ملوك بابل [يقال له: خردوس، فسار إليهم بأهل بابل] [٨] ، حَتَّى دخل عليهم [الشام] [٩] ، فَقَالَ لصاحب شرطته: إني كنت حلفت بإلهي: لئن [١٠] أنا ظهرت عَلَى أهل بيت المقدس لأقتلنهم حَتَّى تسيل دماؤهم فِي وسط عسكري، إِلَى ألَّا أجد أحدا أقتله،
стр. 419
فدخل بيت المقدس، فوجد دما يغلي، فَقَالَ: ما بال هَذَا الدم يغلي؟ فقالوا: هَذَا دم قربان قربناه فلم يقبل منا. فَقَالَ: ما صدقتموني.
فقتل منهم خلقا كثيرا عَلَى ذلك الدم فلم يسكن. فَقَالَ: ويلكم أصدقوني قبل ألّا أترك منكم أحدا، فقالوا: هَذَا دم نبي منا قتلناه، فَقَالَ: لهذا ينتقم منكم ربكم، فأمر وذبح من الخيل والبقر والبغال والغنم حَتَّى سال الدم إِلَى خردوس، فأرسل إليه:
حسبك.
وهذه الوقعة الأخيرة التي قَالَ اللَّه تعالى فيها: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ١٧: ٧ [١] .
فكانت الوقعة الأولى بخت نصر وجنوده، ثم رد اللَّه له الكرة عليهم، ثم كانت الوقعة الأخيرة/ خردوس وجنوده، وهي كانت أعظم الوقعتين، فيها كان خراب بلادهم، وقتل رجالهم، وسبي ذراريهم ونسائهم، يقول اللَّه تعالى: وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً ١٧: ٧ [٢]
. فصل
قَالَ مؤلف الكتاب: وقد بعث اللَّه بين موسى وعيسى ﵉ خلقا كثيرا من الأنبياء، أكثرهم لم يذكر اسمه، وقليل منهم يذكر.
قَالَ ابن مسعود: كان بنو إسرائيل يقتلون في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق نعلهم [٣] آخر النهار.
وَرَوَى أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا صُدِّقَ نَبِيٌّ مَا صُدِّقْتُ إِنَّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ» . فمن الأنبياء أصحاب الرس، قَالَ علي بْن أبي طالب ﵁: كان
стр. 420
أصحاب الرس يعَبْدون شجرة، فبعث اللَّه تعالى إليهم نبيا من ولد يهوذا بْن يعقوب، فحفروا له بئرا وألقوه فيها فهلكوا. وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْرٍ: كان لهم نبي يقال له: «حنظلة بْن صفوان» قتلوه فأهلكهم اللَّه.
فأما قتادة ووهب، فقالا: هم قوم شعيب.
وَقَالَ السدي: هو حبيب النجار. والله أعلم
.
стр. 421
باب ذكر عِيسَى ابن مريم ﵇
[١] أخبرنا محمد ابن عَبْدِ الْبَاقِي- أَوْ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمرو ابن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف، قَالَ: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ. [٢] ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ [٣] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
كان بين مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَعِيسَى ﵉ أَلْفُ سَنَةٍ وَسَبْعُ مِائَةِ سَنَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فترة، وَأَنَّهُ أُرْسِلَ بَيْنَهُمَا أَلْفُ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سِوَى مَنْ أُرْسِلَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَانَ بين ميلاد عيسى والنبي ﷺ خمس مائة [و] تسع وَسِتُّونَ سَنَةً، بُعِثَ فِي أَوَّلِهَا ثَلاثَةُ أَنْبِيَاءَ وَهُوَ قَوْلُهُ : إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ ٣٦: ١٤ [٤] وَالَّذِي عُزِّزَ بِهِ سَمْعُونَ. وَكَانَتِ الْفَتْرَةُ الَّتِي لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ فِيهَا رَسُولا أَرْبَعُ مِائَةِ سنة وأربع وثمانين.
قَالَ علماء السير: مات عمران بْن ماثان بْن اليعازار بْن اليوذ بْن أحين بْن صادوق بْن عازور بْن إلياقيم بْن أبيوذ بْن زربابل بْن شلتيل بْن يوحنا بْن يوشيا بن أمون بن منشا بن حزقيا بْن أحاز بْن يوثام بْن عوزيا بْن يورام بْن يوشافاظ بْن أسا بْن أبيا بْن رحبعم بْن سليمان بْن داود ﵉ [٥] . وكانت امرأة عمران حين
стр. 422
مات- واسمها: حنة- حاملا بمريم، وكان زكريا زوج أشياع أخت مريم، فجعلت حنة ما فِي بطنها محررا للكنيسة التي فِي جبل أصبهيون [١] ، فلما ولدت إذا هي أنثى فكفلها زكريا، فلما فطمتها أمها تركتها فِي محرابها، ولحقت بأهلها، فغذيت بثمار الجنة، فكان زكريا يجد عندها الثمار الرطبة التي تكون فِي الشتاء، فيقول: يا مريم، أنى لك هَذَا؟ فتقول: هو من عِنْدَ اللَّه، فهنالك دعا زكريا ﵇ ربه أن يرزقه ولدا.
ذكر حمل مريم
[٢] لما بلغت خمس عشرة سنة خرجت يوما تستعذب الماء من مغارة، فإذا جبريل من عند اللَّه ينفخ فِي جيبها نفخة فوصلت إِلَى الرحم، فاستمر بها الحمل [٣] .
وَقَالَ قوم: حملت به لثلاث عشرة سنة، وأن جبريل ﵇ نفخ ما بين جيبها ودرعها [٤] .
وَأَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ ابْنِ المُذْهِبِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الدَّمَّامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ رَفِيعٍ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ [٥] :
«أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ جِبْرِيلَ إِلَى مَرْيَمَ فَدَخَلَ مِنْ فِيهَا» .
стр. 423
فصل
قَالَ مؤلف الكتاب [١] : وقد اختلف العلماء فِي المدة التي حملت به.
فَقَالَ ابن عباس: حين حملت وضعت.
وعنه: ثمانية أشهر.
وَقَالَ عكرمة: وليس أحد يولد لثمانية أشهر فيعيش إلا يشبه عِيسَى بْن مَرْيَمَ.
[وَقَالَ الحسن: تسع ساعات] [٢] .
وَقَالَ مُقَاتِل: ثلاث ساعات.
وَقَالَ ابن جُبَيْرٍ: تسعة أشهر.
وَقَالَ نوف البكالي [٣] : مكثت حاملا قدر ما تمكث النساء [٤]
. ذكر ما جرى له فِي حال الحمل
[٥] روى ابن [أبي] نجيح، عَنْ مجاهد، قَالَ: قالت مريم: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثني وحدثته، فإذا شغلني عنه شاغل سبح فِي بطني وأنا أسمع
[٦] .
ذكر ولادتها
[٧] قَالَ نوف البكالي [٨] : خرجت هاربة من قومها نحو المشرق، وخرجوا فِي طلبها، فجعلوا لا يلقون أحدا إلا قالوا: هل رأيت فتاة من حالها كذا وكذا؟ فيقول: لا. حتى
стр. 424
أتوا راعي بقر، فقالوا له، فَقَالَ: لا، ولكني رأيت من بقري شيئا لم أره، رأيتها سجدت نحو هَذَا الوادي.
قَالَ: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ، قالَتْ: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا ١٩: ٢٣ [١] فناداها جبريل: لا تحزني، فوضعته، وقطعت سرته ولفته فِي خرقة وحملته.
قَالَ وهب بْن منبه: لما كانت الليلة التي ولد فيها عِيسَى أصبحت الأصنام فِي جميع الأرض منكسة عَلَى رءوسها، كلما ردوها عَلَى قوائمها انقلبت، فحارت الشياطين لذلك ولم تعلم السبب، فشكت إِلَى إبليس فطاف الأرض ثم عاد، فَقَالَ: رأيت مولودا والملائكة قد حفت به، فلم أستطع أن أدنو إليه، ومن أعظم أمره أن اللَّه [٢] كتمني أمره، ولم تضع أم [٣] إلا وأنا حاضرها [٤] .
أَخْبَرَنَا ابْنُ الحصين، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن عَلِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْن أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قال: حدثني أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ إِلا ابْنُ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ» . قَالَ أَبُو هريرة: اقرأوا إِنْ شِئْتُمْ: وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ٣: ٣٦ [٥] .
أخرجاه في الصحيحين [٦] .
стр. 425
ذكر ما جرى لها مع قومها حين لقوها
[١] قَالَ نوف: أقبل قومها يطوفون عليها، فلما رأوها قعدت ووضعت عِيسَى فِي حجرها وأعطته ثديها، فوقفوا وقالُوا: يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ١٩: ٢٧. فأشارت إليه أن كلمهم ف قالُوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ من كانَ في الْمَهْدِ ١٩: ٢٩ فنزع فمه من ثديها، وجلس واتكأ عَلَى يساره، وقال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ١٩: ٣٠ [٢] .
ذكر صفة عِيسَى ﵇
[٣] رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى أُمَّتِي، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ» [٤]
. ذكر مسكنه [﵇]
[٥] قَالَ مؤلف الكتاب: كان عِيسَى ﵇ يسكن من ساعير أرض الخليل ﵇ بقرية تدعى ناصرة [٦] .
ذكر ما جرى له فِي الصغر فِي المكتب
[٧] قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْرٍ: لما ترعرع عِيسَى جاءت به أمه إِلَى معلم الكتاب فدفعته