الوقوف، وأظهر الصدقات، ووجه أموالا عظيمة إِلَى الحرمين، وفك أسرى [١] المسلمين من الترك، وبلغ مَا أنفقه عَلَى الأسرى ألفي ألف درهم، [وخلف أموالا كثيرة] [٢] ، وَكَانَ يوصف بالإنصاف.
١٣٣٦- علي بْن الجعد بْن عبيد، أبو الحسن الجوهري، مولى بني هاشم [٣] .
سمع سفيان الثوري، ومَالك بْن أنس، وشعبة، وابن أبي ذئب، وغيرهم، وكتب عنه: أحمد بْن حنبل، ويحيى، والبخاري، وأبو زرعة، وإبراهيم الحربي، وغيرهم [٤] ، والبغوي، وَكَانَ ثقة.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ [٥] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ محمد [٦] قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا عبيد الله بن أبي الْفَتْحِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمُقْرِئُ [٧] [قَالَ:] حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي عَلِيَّ بْنَ الْجَعْدِ [٨] يَقُولُ: لَمَّا أَحَضْرَ الْمَأْمُونُ أَصْحَابَ الْجَوْهَرِ، فَنَاظَرَهُمْ عَلَى مَتَاعٍ كَانَ مَعَهُمْ، ثُمَّ نَهَضَ الْمَأْمُونُ [٩] لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَامَ لَهُ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ إِلا ابْنَ الْجَعْدِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُمْ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ كَهَيْئَةِ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ اسْتَخْلاهُ، فَقَالَ [لَهُ:] [١٠] يَا شَيْخُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُومَ [لِي] [١١] كَمَا قَامَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: أَجْلَلْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْحَدِيثِ الَّذِي نَأْثِرُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﵌، قَالَ: ومَا هُوَ؟ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ [١٢] :
سَمِعْتُ الْمُبَارَكَ بْنَ فَضَالَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﵌: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ [١٣] قياما فليتبوَّأ مقعده من النار» . ٧٢/ أقال: فأطرق [المأمون] [١٤] / مفكرا فِي الحديث، ثم رفع رأسه [١٥] ، فقال: لا
стр. 3607
يشترى إلا من هَذَا الشيخ. قَالَ: فاشترى منه ذلك اليوم بقيمة [١] ثلاثين ألف دينار [٢] .
قَالَ المصنف: وَكَانَ أحمد قد نهى ابنه عبد الله أن يسمع من علي بْن الجعد، وذلك أنه بلغه [عنه] [٣] أنه يتناول بعض الصحابة، وأنه قَالَ: من قَالَ إن القرآن مخلوق لم أعنفه.
توفي ابْن الجعد فِي رجب هَذِهِ السنة، وقيل: سنة ثلاث وقيل: سنة أربع، وقد استكمل ستا وتسعين سنة، ودفن بباب حرب [٤] .
١٣٣٧- علي بْن جعفر بْن زياد الأحمر، [أبو الحسن] [٥] التميمي الكوفي [٦] .
قدم بغداد، وحدث بِهَا عن عبد الله بْن إدريس، وحفص بْن غياث، وأبي بكر بن عياش، و [٧] روى عنه: مُحَمَّد بْن عبد الله المنادي، وعبد الله بْن أحمد، وأبو حاتم الرازي، وقال [٨] : كَانَ ثقة صدوقا. وتوفي في هذه السنة.
١٣٣٨- محمد بْن إسمَاعيل بْن أبي سمينة، أبو عبد الله البصري [٩] .
سمع إسمَاعيل بْن علية، ومعتمر بْن سليمَان، ويزيد بْن زريع، وغيرهم، وحدث ببغداد فروى عنه: أَبُو بكر بْن أبي الدنيا وغيره [١٠] ، وَكَانَ ثقة.
توفي فِي ربيع الأول من هَذِهِ السنة، وَهُوَ متوجه إِلَى طرسوس [١١] .
١٣٣٩- محمد بْن سعد بْن منيع، أبو عبد الله مولى بني هاشم، كاتب الواقدي [١٢] .
стр. 3608
سمع سفيان بن عيينة، وإسماعيل بن عليه ويزيد بْن هارون، وخلقا كثيرا [١] ، وصنف كتاب «الطبقات» فذكر الصحابة والتابعين ومن بعدهم إِلَى زمَانه، وَكَانَ كثير العلم، كثير الحديث، كثير الرواية، كثير الكتب، من الثقات.
وتوفي في هذه السنة، ودفن فِي مقبرة باب الشام، وَهُوَ ابْن اثنتين وستين سنة.
١٣٤٠- مرة بْن عبد الواحد الكلاعي [٢] ، ويعرف بعبد الأعلى، وله اسمَان، ويكنى أبا يزيد [٣] .
يروي عن ضمَام بْن إسمَاعيل [٤] ، توفي بالبرلس [٥] في هذه السنة/.
стр. 3609
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين
٧٢/ ب فمن الحوادث فيها:
أن بغا الأمير كَانَ قد حبس بالمدينة نحوا من ألف وستمَائة من بني سليم، فنقبوا الدار ليخرجوا، فإذا قد وثب عليهم من يتوكل بهم فقتلوا من الموكلين [١] بهم رجلا أو رجلين، وخرج عامتهم، وأخذوا سلاح الموكلين بهم واجتمع أهل المدينة فمنعوهم من الخروج [٢] ، فقاتلوا فظهر عليهم أهل المدينة [٣] ، فقتلوهم أجمعين [٤] .
وفي هذه السنة: أخذ أحمد بْن نصر الخزاعي، وسنذكر قصته عند وفاته إن شاء الله تعالى [٥] .
وفيها: أراد الواثق الحج واستعد لَهُ [٦] ، فأخبر بقلة المَاء فِي الطريق فبدا لَهُ [٧] .
وفيها: ولي الواثق جعفر بْن دينار اليمن، فشخص إليها في شعبان في ستة آلاف [٨] .
стр. 3610
وعقد محمد بْن عبد الملك الزيات [١] لإسحاق بْن إبراهيم بْن أبي خميصة مولى بني قشير عَلَى اليمَامة والبحرين وطريق مكة، ممَا يلي البصرة فِي دار الخلافة، ولم يعرف أحد عقد لأحد [٢] فِي دار الخلافة غير محمد بن عبد الملك [٣] .
[نقبت اللصوص بيت المَال الذي فِي دار العامة]
وفيها: نقبت [٤] اللصوص بيت المَال الذي فِي دار العامة فِي جوف القصر، وأخذوا اثنين وأربعين ألف درهم وشيئا من الدنانير، فتتبعوا وأخذوا، أخذهم يزيد بن الحلواني صاحب الشرطة خليفة إيتاخ [٥] .
[خروج محمد بن عمرو الخارجيّ]
وفيها: خرج محمد بْن عمرو الخارجي فِي ثلاثة عشر رجلا فِي ديار ربيعة، فخرج إليه غانم بن أبي مسلم الطوسي، وَكَانَ عَلَى حرب الموصل، فقتل من أصحابه أربعة، وأخذ محمد بْن عمرو أسيرا فبعث به إِلَى سامراء، فبعث به إلى حبس بغداد، ٧٣/ أونصبت [٦] رءوس أصحابه/ عند خشبة بابك [٧] .
[قدوم وصيف التركيّ]
وفيها: قدم وصيف التركي من ناحية أصبهان والجبال وفارس، وَكَانَ قد شخص فِي طلب الأكراد [٨] ، لأنهم كانوا قد تطرقوا إِلَى هَذِهِ النواحي، وقدم معه بنحو خمس مَائة نفس في قيود، فحبسوا، وأجيز وصيف [٩] بخمسة وسبعين ألف دينار وقلّد سيفا وكسي [١٠] .
[جرى الفداء بين المسلمين وصاحب الرّوم]
وفيها: جرى الفداء بين المسلمين وصاحب الروم. وجه الواثق فِي الفداء فِي آخر سنة ثلاثين، فالتقوا فِي يوم عاشوراء سنة إحدى وثلاثين، وأمر بامتحان المسلمين، فمن قَالَ: القرآن مخلوق وأن الله لا يرى فِي الآخرة [١١] فودي، ومن أبى ترك مَعَ الروم، وأمر من يعطي من يقول القرآن مخلوق دينارين، فكان الذين فودوا ثلاثة آلاف رجل وخمسمَائة امرأة، وقيل: أربعة آلاف وستمَائة وفيهم من أهل الذمة أقل من خمسمائة [١٢] .
стр. 3611
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٣٤١- أحمد بْن نصر بْن مَالك بْن الهيثم بْن عوف بْن وهب بْن عميرة، من ولد عمرو بْن لحي [الخُزَاعيّ] [١] .
الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قَصْبَهُ فِي النَّارِ» لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ بَحَّرَ الْبَحِيرَةَ، وَسَيَّبَ السائبة [٢] ..
ومالك بن الهيثم كان أحد نقباء بني العباس فِي ابتداء دولتهم، وسويقة نصر ببغداد تنسب إِلَى أبيه نصر.
وَكَانَ أحمد بْن نصر من كبار العلمَاء، أمَارا [٣] بالمعروف، فعالا للخير [٤] ، قوالا للحق [٥] ، سمع مَالِك بْن أنس، وحمَاد بْن زيد، وهشيم بْن بشير [٦] ، وغيرهم، روى عنه: يحيى بْن معين، وغيره [٧] .
وأخبرنا أَبُو منصور القزاز [٨] قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن ثابت، حدثني القاضي أبو عبد الله الصيمري، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عمران المرزباني قَالَ: أخبرني محمد بْن يحيى الصولي/ قَالَ: كَانَ أَحْمَد بْن نصر وسهل بْن سلامة- حين كَانَ المأمون بخراسان- بايعا ٧٣/ ب للناس عَلَى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إِلَى أن دخل المأمون بغداد فرفق بسهل حَتَّى لبس السواد، وأخذ الأرزاق، ولزم أحمد بيته، ثم إن أمره تحرك ببغداد فِي آخر أيام الواثق، فاجتمع إليه خلق من الناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر [٩] إِلَى أن ملكوا بغداد، وتعدى رجلان من أصحابه يقال لأحدهمَا: طالب فِي الجانب الغربي،
стр. 3612
ويقال للآخر: أبو هارون فِي الجانب الشرقي، وكانا موسرين فبذلا مَالا [١] وعزمَا عَلَى الوثوب ببغداد فِي آخر أيام الواثق فِي [٢] شعبان سنة إحدى وثلاثين ومَائتين، فنم عليهم قوم إِلَى إِسْحَاق بْن إبراهيم، فأخذ جمَاعة منهم فيهم أحمد بْن نصر وصاحباه طالب وأبو هارون طالبا وأبا هارون فقيدهمَا [٣] ، ووجد فِي منزل أحدهمَا أعلامَا، وضرب خادمَا لأحمد بْن نصر، فأقر أن هؤلاء كانوا يصيرون إليه ليلا فيعرفونه مَا عملوا، فحملهم [٤] إسحاق مقيدين إِلَى سامراء، فجلس لهم الواثق وقال لأحمد ابن نصر: دع مَا أخذت لَهُ، مَا تقول فِي القرآن؟ قَالَ: هُوَ كلام الله، قَالَ: أفمخلوق هُوَ؟ قَالَ: هُوَ كلام الله، قَالَ: [٥] أفترى ربك فِي القيامة؟ قَالَ: كذا جاءت الرواية. قَالَ: ويحك [٦] ، يرى كمَا يرى أفمخلوق هُوَ؟ قَالَ: هُوَ كلام الله، قَالَ المحدود المجسوم، ويحويه مكان ويحصره الناظر، أنا أكفر برب هَذِهِ صفته، مَا تقولون فِيهِ؟ فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن إسحاق- وَكَانَ قاضيا عَلَى الجانب الغربي ببغداد وعزل- هُوَ حلال الدم، وقال جمَاعة الفقهاء: كمَا قَالَ، فأظهر ابْن أبي دؤاد أنه كاره لقتله [٧] فَقَالَ للواثق: [٨] يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، شيخ مختل، لعل به عاهة أو تغير عقله، يؤخر أمره ويستتاب، فقال الواثق: [٨] يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، شيخ مختل، لعل به عاهة أو تغير عقله، يؤخر أمره ويستتاب، فَقَالَ الواثق: مَا أراه إلا مؤذنا بالكفر [٩] ، قائمَا بمَا يعتقده منه. ودعا بالصمصامة وقال: إذا قمت [إليه] [١٠] فلا يقومن أحد معي فإنّي أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الّذي يعبد ربا لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بِهَا، ثم أمر بالنطع فأجلس ٧٤/ أعليه [وهو مقيد] [١١] ، وأمر بشد رأسه بحبل، وأمرهم أن يمدوه. / ومشى إليه حتى
стр. 3613
ضرب عنقه وأمر بحمل رأسه إِلَى بغداد، فنصبت فِي الجانب الشرقي أيامَا، وفي الجانب الغربي أيامَا، وتتبع رؤساء أصحابه [١] ، فوضعوا فِي الحبوس [٢] .
وفي رواية أخرى: أن طالبا وأبا هارون السراج [٣] فرقا عَلَى قوم [٤] مَالا، ووعدوهم ليلة يضربون فيها الطبل فيجتمعون [٥] فِي صبيحتها بالوثوب [٦] على السلطان [٧] ، وكان الوعد ليلة الخميس لثلاث خلون [٨] من شعبان، وأعطيا رجلين من بني أشرس [العابد] [٩] دنانير يفرقانها فِي جيرانهم، فاجتمع قوم منهم عَلَى نبيذ، فثملوا فضربوا الطبل ليلة الأربعاء وهم يحسبونها ليلة الخميس، فأكثروا الضرب، فلم يجتمع إليهم أحد [١٠] ، فوجّه إليهم صاحب الشرطة، وقررهم فأقروا، وأخذ أحمد بْن نصر [١١] ، فقيد وبعث [به] [١٢] إِلَى الواثق، فلم يذكر لَهُ مَا قيل عنه فِي الخروج [عَلَيْهِ] [١٣] ، لكنه قَالَ: مَا تقول فِي القرآن؟ وهل ترى ربك؟ فذكر نحو مَا تقدم إِلَى أن قَالَ: فدعا [١٤] الواثق بسيف عمرو بن معديكرب، ومشى إليه وضربه ضربة وقعت [١٥] عَلَى حبل العاتق، ثم ضربه أخرى عَلَى رأسه، ثم انتضى سيمَا [١٦] الدمشقي سيفه فضرب عنقه، وجز رأسه، ثم صلب فِي الحظيرة التي فيها بابك، وفي رجليه قيود، وعليه سراويل وقميص، وحمل رأسه إِلَى مدينة السَّلَام، فنصب فِي الجانب الشرقي أيامَا وفي [الجانب] [١٧] الغربي أيامَا، ثم حول إِلَى الشرقي، وحظر عَلَى الرأس حظيرة، وضرب عَلَيْهِ فسطاط، وأقيم عَلَيْهِ الحرس [١٨] .
أَخْبَرَنَا عَبْد الرحمن بن محمد قال أخبرنا [أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيبُ] [١٩] أَخْبَرَنَا
стр. 3614
مُحَمَّد بْن علي بْن يعقوب [١] ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن نعيم الضبي قَالَ: سمعت أبا العباس السياري يقول: سمعت أبا العباس بْن سعيد [٢] المروزي قال: ضربت عنق أحمد بن ٧٤/ ب نصر/، وهذه نسخة الرقعة معلقة فِي أذنه [٣] :
بسم الله الرحمن الرحيم: هَذَا رأس أحمد بْن نصر بْن مَالك، دعاه عبد الله الإمَام هارون [٤] الواثق باللَّه أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إِلَى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فأبى إلا المعاندة [٥] فعجله الله إِلَى ناره، وكتب محمد بْن عبد الملك [٦] .
فلمَا جلس المتوكل فدخل عَلَيْهِ عبد العزيز بْن يحيى المكي، فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، ما رئي أعجب من أمر الواثق، قتل أحمد بْن نصر، وَكَانَ لسانه يقرأ القرآن إِلَى أن دفن. قَالَ: فوجد المتوكل من ذلك، وساءه مَا سمعه فِي أخيه، إذ دخل عَلَيْهِ محمد بْن عبد الملك الزيات فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن عبد الملك، فِي قلبي [شيء] [٧] من قتل أحمد بْن نصر، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، أحرقني اللَّه بالنار إن كَانَ [٨] قتله أَمِير الْمُؤْمِنِينَ الواثق إلا كافرا، قَالَ: ودخل هرثمة فَقَالَ: يَا هرثمة، فِي نفسي [شيء] [٩] من قتل أحمد ابن نصر [١٠] فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، قطعني الله إربا إربا إن كَانَ [١١] قتله أَمِير الْمُؤْمِنِينَ الواثق إلا كافرا، قَالَ: ودخل عَلَيْهِ أحمد بْن أبي دؤاد، فَقَالَ: يَا أحمد، فِي قلبي من قتل أحمد بْن نصر [شيء] [١٢] فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، ضربني الله بالفالج إن كان [١٣] قتله
стр. 3615
أَمِير الْمُؤْمِنِينَ الواثق [١] إلا كافرا، قَالَ المتوكل: أمَا [ابْن] [٢] الزيات فأنا أحرقته بالنار، وأمّا هرثمة فإنه هرب، فاجتاز بقبيلة من خزاعة [٣] فقطعوه إربا إربا، وأمَا ابْن أبي دؤاد فقد [٤] سجنه الله فِي جلده [٥] .
أَخْبَرَنَا [عَبْد الرحمن] القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا الخطيب [أَحْمَد بْن عَلي بْن ثابت] [٦] أَخْبَرَنَا إبراهيم بْن هبة الله الجرباذقاني، أَخْبَرَنَا معمر بْن أحمد الأصبهاني قَالَ: أخبرني أبو عمرو عُثْمَان بْن محمد العثمَاني إجازة قَالَ: حدثني علي بْن محمد بْن إبراهيم [حَدَّثَنَا إبراهيم] [٧] بْن إِسْمَاعِيل بْن خلف قَالَ: كَانَ أحمد بْن نصر خلي/، فلما قتل ٧٥/ أفي المحنة وصلب رأسه، أخبرت أن الرأس يقرأ القرآن، فمضيت فبت بقرب من الرأس مشرفا عَلَيْهِ، وَكَانَ عنده رجالة وفرسان يحفظونه، فلمَا هدأت العيون سمعت الرأس يقرأ: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ٢٩: ١- ٢ [٨] الآية، فاقشعر جلدي، ثم رأيته بعد ذلك فِي المنام وعليه السندس والإستبرق وعلى رأسه تاج، فقلت: مَا فعل الله بك يَا أخي؟ قَالَ: غفر لي وأدخلني الجنة، إلا أني كنت مغمومَا ثلاثة أيام، فقلت: ولم؟ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مر بي، فلمَا بلغ خشبتي [٩] حول وجهه عني، فقلت لَهُ بعد ذلك: يَا رَسُول اللَّهِ، قتلت عَلَى الحق أم عَلَى الباطل؟ قَالَ: أنت عَلَى الحق، ولكن قتلك رجل من أهل بيتي، فإذا بلغت إليك أستحي منك [١٠] .
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن محمد، أَخْبَرَنَا الخطيب قَالَ: قرأت عَلَى أبي بكر البرقاني، عن أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسحاق السراج قال: سمعت أبا بكر المطوعي قَالَ: لمَا جيء برأس أحمد بْن نصر صلبوه عَلَى الجسر، فكانت الريح تديره قبل القبلة، فأقعدوا لَهُ رجلا معه قصبة أو رمح، فكان إذا دار نحو القبلة أداره إِلَى خلاف القبلة [١١] .
قَالَ السراج: قتل أحمد بْن نصر يوم السبت غرة رمضان سنة إحدى وثلاثين،
стр. 3616
وأنزل رأسه وأنا حاضر ببغداد يوم الثلاثاء لثلاث خلون من شوال سنة سبع وثلاثين [١] .
أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا الخطيب [أحمد بْن علي قَالَ:] [٢] لم يزل رأس أحمد بْن نصر منصوبا ببغداد وجسده مصلوبا بسامراء ست سنين [٣] إِلَى أن حط، وجمع بين رأسه وبدنه، ودفن فِي [٤] الجانب الشرقي فِي المقبرة المعروفة بالمَالكية [٥] .
١٣٤٢- إبراهيم بْن محمد بْن عرعرة بن اليزيد، أبو إسحاق الشامي البصري [٦] .
٧/ ب سكن بغداد، وحدث بِهَا/ عن يحيى بْن سعيد القطان، وابن مهدي، وغندر، وغيرهم. قَالَ أبو حاتم الرَّازيّ: هُوَ صدوق، وقال يحيى: هُوَ [٧] ثقة.
توفي فِي رمضان هَذِهِ السنة.
١٣٤٣- إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ مولى بني مخزوم [٨] .
دمشقي [٩] ، ولي أمر إفريقية لعمر بْن عبد العزيز [١٠] توفي في هذه السنة.
١٣٤٤- خالد بْن مرداس، أبو الهيثم السراج [١١] .
حدث عن إسمَاعيل بْن عياش، وابن المبارك، روى عنه: البغوي، وكان ثقة.
توفي في شعبان هَذِهِ السنة.
١٣٤٥- خلف بْن سالم، أبو محمد المخرمي مولى المهالبة [١٢] .
وَكَانَ سنديا، سمع أبا بكر بْن عياش وهشيمَا، وابن مهدي، وابن علية، وأبا
стр. 3617
نُعَيم، ويزيد بْن هارون، روى عنه: يعقوب بْن شيبة، وأحمد بْن خيثمة. وقال أحمد بن حنبل: [١] لا نشك فِي صدقه.
توفي فِي رمضان هَذِهِ السنة.
١٣٤٦- سليمَان بْن داود بْن الرشيد، أبو الربيع الأحول الختلي البغدادي [٢] .
وليس هَذَا داود بْن رشيد المشهور [٣] ، هَذَا آخر، حدث عنه مسلم بْن الحجاج، وأبو زرعة الرازي، وأَبُو يعلى الموصلي، وَكَانَ ثقة.
توفي يوم السبت أول يوم من رمضان هَذِهِ السنة.
ولمسلم شيخ آخر حدث عنه فِي صحيحه، يقال لَهُ: سليمَان بْن داود أبو الربيع الزهراني توفي فِي سنة أربع، وسيأتي ذكره، فلا تظن أنهمَا واحد، فقد ادعى هَذَا أبو بكر أحمد بْن عَلِيّ الأصفهاني الحافظ، فإنه خرج شيوخ مسلم وجعلهما واحدا، وخطأ أبا يعلى الموصلي، لأنه حدَّث عنهمَا فِي معجم مشايخه، وفرق بينهمَا، وأورد لكل واحد حديثا منفردا [٤] ، وأبو يعلى أعلم بمشايخه.
يدل عَلَى صحة هَذَا أن أبا القاسم هبة الله/ بْن أحمد الحريري [٥] أنبأنا عن ٧٦/ أالعشاري، عن الدار الدارَقُطْنيّ أنه ذكر مشايخ مسلم الذين أخرج عنهم فِي الصحيح، فَقَالَ:
سليمَان بْن داود أبو الرَّبِيع الزهراني، وسليمَان بْن داود أبو الربيع الأحوال البغدادي.
وقال البغوي: مَات سليمَان بْن داود [أبو الربيع] [٦] سنة إحدى وثلاثين ومَائتين، [ومَات سليمَان بْن داود أبو الربيع الزهراني سنة أربع وثلاثين ومَائتين] [٧] فبان وهم أبي بكر الأصبهاني.
стр. 3618
١٣٤٧- سليمَان بْن داود أبو داود المباركي [١] .
سمع يحيى بْن أبي زائدة، روى عنه: مسلم بْن الحجاج، وأبو زرعة، وقال: هُوَ ثقة.
وتوفي في ذي القعدة [٢] من هذه السنة.
١٣٤٨- محمد بْن زياد، أبو عبد الله، مولى بني هاشم، ويعرف بابن الأعرابي [٣] .
كَانَ الغاية فِي علم اللغة [٤] ، ومعرفة الأنساب والأيام، وحدث عن أبي معاوية الضرير، رَوَى عَنْهُ: إبراهيم الحربي، وثعلب، وغيرهمَا، وَكَانَ ثقة، وَكَانَ ليله أحسن ليل.
وتوفي بسامراء في هذه السنة، وَهُوَ ابْن ثمَانين سنة، وقيل: توفي سنة ثلاثين، والأول أصح.
١٣٤٩- محمد بْن سعدان، أبو جعفر النحوي الضرير [٥] .
كَانَ أحد القراء، وله كتاب فِي القراءات، وَكَانَ ثقة، وله كتاب فِي النحو أيضا.
توفي يوم عرفة في هذه السنة.
١٣٥٠- محمد بْن سلام [٦] بْن عبيد الله، أبو عبد الله البصري، مولى قدامة بْن مظعون [٧] .
كَانَ من أهل الأدب، وصنف كتابا فِي طبقات الشعراء، وحدث عن حمَاد بن
стр. 3619
سَلَمَة وغيره، وروى عنه: عبد الله بْن أحمد [١] ، وثعلب، قَالَ صالح جزرة الحافظ:
كَانَ محمد بْن سلام صدوقا. وقال أبو خيثمة: يرمى بالقدر، لا نكتب عنه الحديث، إنمَا نكتب عنه الشعر [٢] .
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن محمد، قال: أخبرنا أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أحمد بن [بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن] يعقوب [قَالَ:] [٣] حدثني جدي محمد بن عبيد الله بن الفضل، حدثنا محمد/ بن يحيى النديم قَالَ أَخْبَرَنَا حسين [٤] بْن الفهم: كَانَ ٧٦/ ب قدم علينا [٥] محمد بْن سلام سنة اثنتين وعشرين ومَائتين، فاعتل علة شديدة، فمَا تخلف عنه أحد، وأهدى إليه الأجلاء أطباءهم، وَكَانَ ابْن مَاسويه ممن أهدي إليه، فلمَا جسه ونظر إليه قَالَ لَهُ: مَا أرى بك [٦] من العلة مثل مَا أرى بك [٧] من الجزع فَقَالَ: والله مَا ذاك لحرص عَلَى الدنيا مع اثنتين وثمانين سنة، ولكن الإنسان فِي غفلة حَتَّى يوقظ بعلة [٨] ، ولو وقفت [٩] بعرفات وقفة وزرت قبر رَسُول اللَّهِ ﵌ زورة، وقضيت أشياء فِي نفسي، لرأيت [١٠] مَا اشتد علي من هَذَا الجزع [١١] قد سهل، فَقَالَ [لَهُ] [١٢] ابْن مَاسويه فلا تجزع فقد رأيت فِي عرقك من الحرارة الغريزية وقوتها، مَا إن سلمك الله من العوارض بلغك عشر سنين أخرى، قَالَ حسين [بْن الفهم] : [١٣] فوافق كلامه قدرا، فعاش محمد عشر سنين بعد ذَلِكَ، ومَات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين [١٤] .
стр. 3620
قَالَ النديم: وأخبرنا الفضل بْن الحباب قَالَ: ابيضت لحية محمد بْن سلام ورأسه وله سبع وعشرون سنة، وسمعته يقول: أفنيت ثلاثة أهلين تزوجت وأطفلت [١] فمَاتوا، ثم فعلت مثل ذلك فمَاتوا، ثم فعلت الثالثة فمَاتوا، وها أنا ذا فِي الرابعة [٢] ولي أولاد [٣] .
توفي [محمد بْن سلام] [٤] في هذه السنة ببغداد.
١٣٥١- هارون بْن معروف، أبو علي المروزي [٥] .
سكن بغداد، وحدث بِهَا عن عبد العزيز الدراوَرْديّ، وابن عيينة، وهشيم، روى عنه: أحمد بْن حنبل، والبغوي، وكان ثقة.
وتوفي في رمضان هذه السنة.
١٣٥٢- يوسف بْن يحيى، أبو يعقوب البويطي [٦] .
منسوب إِلَى قرية يقال لها: بويط، وَكَانَ الشافعي ﵁ يقرّبه ويؤثره [٧] ، ٧٧/ أوجلس بعده فِي مكانه وَكَانَ فقيها/ ثقة، وَكَانَ متعبدا [٨] زاهدا، وحمل فِي أيام المحنة إِلَى بغداد فلم يجب، فحبس فمَات فِي الحبس في هذه السنة [٩] .
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أحمد بْن إِسْمَاعِيل بْن علي الأستراباذي، أَخْبَرَنَا أبو الحسن علي بْن محمد الطيبي [١٠] ، حَدَّثَنَا أبو نعيم عَبْد الملك بْن محمد [قَالَ: سمعت الربيع] [١١] قَالَ: سمعت أبا الوليد بْن أبي الجارود يقول: كان أبو يعقوب البويطي جاري، فمَا كنت أنتبه [١٢] ساعة من الليل إلا وأسمعه [١٣] يقرأ ويصلي. قَالَ الرَّبِيع: كَانَ أبو يعقوب أبدا يحرك شفتيه بذكر الله تعالى- أو نحو مَا قَالَ [١٤] .
стр. 3621
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو منصور مُحَمَّد بْن عيسى [١] بْن عبد العزيز، حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أحمد [٢] الأنمَاطي، حَدَّثَنَا محمد بْن حمدان الطرائقي، حَدَّثَنَا الربيع بْن سليمَان قَالَ: رأيت البويطي عَلَى بغل، وفي عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد [٣] سلسلة حديد، وفيها طوبة [٤] وزنها أربعون رطلا، وَهُوَ يقول: إنمَا خلق اللَّه الخلق بكن، فإذا كانت كن مخلوقة، فكان مخلوقا [٥] خلق مخلوقا [٦] ، فو الله لأموتن [٧] فِي حديدي هَذَا حَتَّى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه قد مَات فِي هَذَا الشأن قوم فِي حديدهم، ولئن أدخلت إليه لأصدقنه- يعني الواثق- قَالَ الربيع: وكتب إلي من [٨] السجن [يقول:] [٩] إنه ليأتي علي أوقات لا أحس بالحديد أنه عَلَى بدني حَتَّى تمسه يدي فإذا [١٠] قرأت كتابي هَذَا فأحسن خلقك مَعَ أهل حلقتك، واستوص بالغرباء خاصة خيرا، فكثيرا [١١] مَا كنت أسمع الشافعي ﵀ [١٢] يتمثل بهذا البيت:
أهين لهم نفسي لكي يكرمونها ... ولا تكرم النفس التي لا تهينها [١٣]
توفي البويطي فِي رجب هَذِهِ السنة. وقيل: سنة اثنتين وثلاثين ومائتين [١٤] ، / ٧٧/ ب والأول أصح.
стр. 3622
ثُمّ دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومَائتين
فمن الحوادث فيها:
[مسير بغا الكبير إِلَى بني نمير]
مسير بغا الكبير إِلَى بني نمير حَتَّى أوقع بهم.
وسببه: أنهم كانوا يعيثون [١] فِي الأرض، وَكَانَ قد انكشف عسكر بغا، ثم اجتمع فكشفوا بني نُمَيْر، ثم طلبوا الأمَان فأعطاهم، ثم قيدهم وساربهم [٢] .
[جاء السودان إلى البصرة]
[وفيها: جاء السودان إِلَى البصرة.
وفيها: ولي محمد بْن إبراهيم بْن مصعب فارس] [٣] .
وفيها: أمر الواثق بترك جباية أعشار البحر [٤] .
وفيها: اشتد البرد فِي نيسان حَتَّى جمد المَاء لخمس خلون منه [٥] .
[كثرة الزلازل في المغرب]
وكثرت الزلازل فِي المغرب، وكانت زلزلة بدمشق هدمت [٦] منها المنازل [والدور] [٧] ، ومَات خلق من النّاس، وكذلك بحمص، وعظم ذلك فِي قرى أنطاكية
стр. 3623
والموصل، ويقال: إنه مَات فيها [١] عشرون ألفا.
وفيها: أصاب الحاج فِي العود عطش شديد فِي أربعة منازل إِلَى الربذة [٢] ، فبلغت الشربة دنانير كثيرة [٣] ، ومَات خلق كثير من العطش [٤] .
[موت الواثق]
وفيها: مات الواثق، وبويع للمتوكل [٥] .
стр. 3624
باب خلافة المتوكل [١]
واسمه: جعفر بْن محمد بْن هارون الرشيد، ويكنى أبا الفضل، وأمه أم ولد، اسمها شجاع، ولد سنة سبع ومَائتين بفم الصلح، ونزل سامراء، وَكَانَ أسمر حسن العينين، خفيف العارضين، نحيفا إلى القصر، ولا تعرف امرأة رأت ابنها خليفة وَهُوَ جد وله ثلاثة أولاد ولاة عهود إلا أم المتوكل، وَكَانَ المتوكل جدا ومَا كمل لَهُ ثلاثون سنة.
وسلم عَلَى المتوكل بالخلافة ثمَانية كلهم ابْن خليفة: محمد بْن الواثق، وأحمد بن ٧٨/ أالمعتصم، وموسى بْن المأمون، وعبد اللَّه بْن الأمين، / وأبو أحمد بْن الرشيد، والعباس بْن الهادي، ومنصور بْن المهدي، والمنصور بْن المتوكل.
ذكر بيعة المتوكل [وشيء من سيرته] [٢]
أَخْبَرَنَا عَبْد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي الحسن بن عَلِيّ الصيمري، حَدَّثَنَا محمد بْن عمران بْن موسى قَالَ: حدثني أبو عبد الله الحكيمي قَالَ: حَدَّثَنِي ميمون عن جمَاعة [٣] سمَاهم، أن الواثق لمَا مَات اجتمع وصيف التركي، وأحمد بْن أبي دؤاد، ومحمد بْن عبد الملك، وأحمد بْن خالد المعروف بأبي الوزير وعمر بْن فرج [٤] ، فعزم أكثرهم عَلَى تولية محمد بْن الواثق، فأحضروه وَهُوَ غلام أمرد قصير، فَقَالَ [أحمد] [٥] بْن أبي دؤاد: أمَا تتقون الله، كيف
стр. 3625
[تولون مثل] [١] هَذَا الخلافة؟ فأرسلوا بغا الشرابي إِلَى جعفر بْن المعتصم فأحضروه، فقام ابْن أَبِي دؤاد فألبسه الطويلة ودراعة، وعممه بيده عَلَى الطويلة، وقبل بين عينيه، وقال: السَّلَام عليكم يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ. ثم غسل الواثق، وصلى عَلَيْهِ المتوكل ودفن.
قَالَ ميمون: فحدثني سعيد [٢] الصغير قَالَ: كَانَ المتوكل قد رأى فِي منامه [٣] كأن سكرا [٤] سليمَانيا قَدْ نزل [٥] عَلَيْهِ من السمَاء مكتوب عَلَيْهِ: «جعفر المتوكل عَلَى الله» .
قَالَ ميمون: فلمَا صلى عَلَى الواثق قَالَ محمد بْن عبد الملك: نسميه المنتصر، وخاض الناس فِي ذلك، فحدث المتوكل أحمد بْن أبي دؤاد بمَا رأى [فِي منامه] [٦] فوجده موافقا، فأمضى وكتب [به] [٧] إِلَى الآفاق [٨] .
وفي رواية أخرى: أنهم بعد ذلك صاروا إِلَى دار العامة [٩] فبايعوا حين زالت الشمس يومئذ/ وذلك يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين، وكتب/ ٧٨/ ب لَهُ بالبيعة محمد بْن عبد الملك الزيات وَهُوَ إذ ذاك عَلَى ديوان الرسائل، وسنه إذ ذاك ستة [١٠] وعشرون سنة.
أَخْبَرَنَا [أبو منصور] القزاز قال: أخبرنا أبو بَكْرٍ [أَحْمَدُ] بْنُ عَلِيِّ [بْنِ ثَابِتٍ قَالَ] أخبرني [الحسن] [١١] بْن شهاب العكبري فِي كتابه إلي قَالَ: حَدَّثَنَا عبيد الله بْن عبد الله بْن أبي سمرة البُنْدار، أَخْبَرَنَا معاوية بْن عثمَان، حَدَّثَنَا علي بْن حاتم، حَدَّثَنَا علي الجهم [١٢] قَالَ: وجه إلي أَمِير الْمُؤْمِنِينَ المتوكل، فأتيته فَقَالَ لي: يَا علي، رأيت النَّبِيّ ﵌ فِي المنام فقمت إليه، فَقَالَ لي: تقوم إلي وأنت خليفة؟ فقلت لَهُ: أبشر يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أمَا قيامك إليه فقيامك بالسنة، وقد عدك من الخلفاء. فسر بذلك [١٣] .
أخبرنا القزاز قال أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو منصور محمد بْن علي بْن إسحاق الخازن، أَخْبَرَنَا أحمد بْن بشر بْن سعيد الخرقي [١٤] ، حَدَّثَنَا أبو روق الهزاني
стр. 3626
قَالَ: سمعت محمد بْن خلف يقول: كَانَ إبراهيم بْن محمد التيمي قاضي البصرة [١] يقول: الخلفاء ثلاثة، أبو بكر الصديق قاتل أهل الردة حَتَّى استجابوا، وعمر بْن عبد العزيز رد مظالم بني أمية، والمتوكل محا البدع [وأظهر السنة] [٢] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي [بن ثابت] قال: حدثني القاضي أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْن الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي أبو الفتح بْن أحمد بْن علي بن هارون المنجم، عن أبيه وعمه، عن أبيهمَا أبي القاسم علي بْن يحيى: أنه كانت عنده ٧٩/ أ [كل] [٣] نوبة/ من نوب الفراشين فِي دار المتوكل عَلَى [الله] [٤] أربعة آلاف فراش قالا: فذهب عنا [٥] أن نسأله كم نوبة كانوا.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا [أبو بكر] أحمد بن علي بن ثابت، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن الجازري [٦] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا المعافى بْن زكريا الجريري، حَدَّثَنَا أبو النضر العُقَيْليّ، حَدَّثَنَا أبو أحمد يحيى بْن علي المنجم [قَالَ:] حدثني أبي قَالَ: خرجنا [٧] مَعَ المتوكل إِلَى دمشق فلحقنا ضيقة بسبب المؤن والنفقات التي كانت تلزمنا، قَالَ: فبعثت إِلَى بختيشوع وَكَانَ [لي] صديقا [أسأله] [٨] أن يقرضني عشرين ألف درهم، قَالَ: فأقرضنيها، فلمَا كَانَ بعد يوم أو يومين دخلت مَعَ الجلساء إِلَى المتوكل، فلمَا جلسنا بين يديه قَالَ: يَا علي، لك عندي ذنب وَهُوَ عظيم، قلت: يَا سيدي، ومَا هُوَ، فإني لا أعرف لي ذنبا ولا جناية [٩] ؟ قال: بلى، أضقت [١٠] فاستقرضت
стр. 3627
من بختيشوع عشرين ألف درهم، أفلا أعلمتني؟ قلت: يَا مولاي، صلات [١] أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عندي متواترة، وأرزاقه وأنزاله علي دارة، فاستحييت مَعَ مَا قد أنعم الله به علينا من [هذا] [٢] التفضل أن أسأله، قَالَ: ولم؟ إياك أن تستحي فِي مسألتي أو الطلب مني، وأن [٣] تعاود مثل [٤] مَا كَانَ منك [٥] ، ثم قَالَ: مَائة ألف درهم- بغير صروف- فأحضرت عشر بدر، فَقَالَ: خذها واتسع بِهَا [٦] .
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أحمد بن عبد الواحد [٧] الوكيل قال: حدثنا إسماعيل بن سعيد [٨] المعدل، أخبرنا الحسين بن القاسم الكوكبي، أَخْبَرَنَا محرز الكاتب قَالَ: اعتل عبيد الله بْن يحيى بْن خاقان فأمر المتوكل الفتح أن يعوده، فأتاه فَقَالَ: أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يسأل عن علتك، فَقَالَ عبيد الله:
عليل من مكانين ... من الأسقام والدين
وفي هذين لي شغل ... وحسبي شغل هذين
/ فأمر لَهُ المتوكل بألف درهم [٩] . ٧٩/ ب أخبرنا عبد الرحمن بن محمد [قال: أخبرنا] أَحْمَدُ بْنُ على [بْن ثابت] [١٠] قَالَ:
حَدَّثَنَا عبد الله بن على بن حمويه، أخبرنا أحمد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ الشيرازي، أَخْبَرَنَا أبو الحسين محمد بْن علي شاه التميمي، أَخْبَرَنَا أحمد بْن عبد الله العبسي [١١] قَالَ:
حدثني أبو بكر محمد بن إسحاق قال: حدثني الأعثم قَالَ: دخل علي بْن الجهم عَلَى جعفر المتوكل [١٢] وبيده درتان يقلبهمَا، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
وإذا مررت ببئر عروة ... فاسقني من مَائها
قَالَ: فدحا بالدرة التي فِي يمينه، فقلبتها فَقَالَ [لي] [١٣] : تستنقص بِهَا؟ هي والله
стр. 3628
خير من مَائة ألف، قلت: لا والله مَا استنقصت بِهَا، ولكن فكرت فِي أبيات أعملها لآخذ التي في يسارك، فَقَالَ: قل. فأنشأت أقول:
بسر من رأى إمَام عدل ... تغرف من بحره البحار
يرجى ويخشى لكل خطب ... كأنه جنة ونار
الملك فيه وفي بنيه ... مَا اختلف الليل والنهار
يداه فِي الجود ضرتان ... عَلَيْهِ كلتاهمَا تغار
لم تأت منه اليمين شيئا ... إلا أتت مثلها اليسار
قَالَ: فدحا [إليه] بالتي فِي يساره [وقال: خذها لا بارك الله لك فيها] [١] .
[قَالَ المصنف] [٢] : وقد رويت هَذِهِ الأبيات للبحتري فِي المتوكل.
أَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا محمد بن جعفر بن علان قال: حَدَّثَنَا أبو الفتح محمد بْن الحسين الأزدي، حَدَّثَنَا محمد بْن إبراهيم الأنطاكي، أَخْبَرَنَا الْحَارِث بْن أحمد العبدي، حَدَّثَنَا أحمد بْن يزيد [٣] المؤدب قَالَ: سمعت الفتح بْن خاقان يقول: دخلت يومَا عَلَى المتوكل فرأيته مطرقا [٤] يتفكر فقلت له: ما هذا الكفر يا أمير المؤمنين؟ فو الله مَا عَلَى الأرض أطيب منك عيشا ولا أنعم ٨٠/ أمنك بالا، فَقَالَ: / يَا فتح، أطيب عيشا مني رجل لَهُ دار واسعة [٥] ، وزوجة صالحة، ومعيشة حاضرة، لا يعرفنا [٦] فنؤذيه، ولا يحتاج إلينا فنزدريه [٧] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٣٥٣- إسمَاعيل بْن عيسى [٨] العطار [٩] .
سمع إسمَاعيل بْن زكريا الخلقاني، والمسيب بْن شريك، وغيرهمَا، وروى عن
стр. 3629
أَبِي حذيفة إسحاق بْن بشر كتاب «المبتدأ» و «الفتوح» ، وَكَانَ ثقة.
توفي في رمضان هذه السنة.
١٣٥٤- الحكم بْن موسى بْن أبي زهير [١] ، أبو صالح القنطري [٢] .
نسائي الأصل، رأى مَالك بْن أنس، وسمع من [إسمَاعيل] [٣] بْن عياش، وابن المبارك، روى عنه: أحمد بْن حنبل، وعلي بْن المديني، وابن أبي الدنيا، والبغوي قَالَ يحيى: هُوَ ثقة. وقال ابْن المَدِينيّ: الشيخ الصالح.
توفي فِي شوال [٤] هَذِهِ السنة.
١٣٥٥- عبد الله بْن عون الخراز [٥] .
سمع مَالك بْن أنس، وشريك بْن عبد الله، وإبراهيم بْن سعيد وغيرهم، روى عنه، خلق كثير منهم البغوي، وكان ثقة.
قَالَ البغوي [٦] : حَدَّثَنَا عبد الله بْن عون قَالَ- وَكَانَ من الأبدال.
توفي في هذه السنة.
١٣٥٦- عَبْد الرَّحْمَنِ بْن إسحاق بْن إبراهيم [٧] بْن سلمة، الضبي مولاهم [٨] .
كَانَ عَلَى رأي أبي حنيفة، وتقلد القضاء [عَلَى الرقة، ثم ولي القضاء] [٩] بمدينة المنصور وبالشرقية، كَانَ جمَاعا للمَال، ثم عزل فِي صفر سنة ثمَان وعشرين ومَائتين [١٠] ، وتوجه إِلَى [١١] مكة من سنة اثنتين وثلاثين، فمَات بفيد فِي ذي القعدة وبها دفن [١٢] .
١٣٥٧- عيسى بْن سالم الشاشي [١٣] .
قدم بغداد، وحدث بِهَا عن ابْن المبارك، روى عنه: البغوي، وكان ثقة.
стр. 3630
وتوفي بطريق حلوان في هذه السنة، [وَكَانَ من المحدثين الفقهاء] [١] .
١٣٥٨- عمر بْن محمد بْن بكير، أبو عثمان الناقد [٢] .
(٨/ ب/ سمع سفيان بْن عيينة، وهشيمَا، وروى عنه: البغوي، وَكَانَ من المحدثين الفقهاء الحفاظ، وقال أَحْمَد بْن حنبل: هُوَ يتحرى الصدق [٣] .
توفي فِي ذي الحجة من [٤] هَذِهِ السنة.
١٣٥٩- مغيرة بْن عبد الله [بْن المغيرة بْن عبد الله] [٥] الفزاري .
كَانَ أمير مصر لمروان بْن محمد الجعدي، وَكَانَ حسن السيرة [٦] .
توفي فِي رمضان [٧] هَذِهِ السنة.
١٣٦٠- هارون بْن عبد الله بْن محمد بْن كثير، أبو يحيى الزهري [٨] .
قدم مصر واليا عَلَى القضاء [٩] سنة سبع عشرة ومَائتين، فأقام قاضيا، ثم [١٠] خرج إِلَى العراق، فتوفي بسامراء فِي رمضان [١١] هَذِهِ السنة.
١٣٦١- هارون الواثق باللَّه ابْن المعتصم [١٢] .
ولي الخلافة سنة سبع وعشرين ومَائتين، وتوفي في هذه السنة.
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا
стр. 3631
أَبُو حاتم أحمد بْن الحسين بْن محمد الرازي فِي كتابه إلينا بخطه، حَدَّثَنَا محمد بْن عبد الواحد بْن محمد المعدل، أَخْبَرَنَا محمد بْن أحمد بْن علي أبو الحسن الحافظ، حدثنا الحسين بن عبد الله بْن يحيى البرمكي، أَخْبَرَنَا زرقان بْن أبي داود قَالَ: لمَا احتضر الواثق جعل يردد هذين البيتين:
الموت فيه جميع الخلق مشترك ... لا سوقة منهم يبقى ولا ملك
مَا ضر أهل قليل فِي تفاقرهم ... وليس يغني عن الأملاك مَا ملكوا
ثم أمر بالبسط فطويت، وألصق خده بالأرض، وجعل يقول: يَا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه [١] .
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ [بْنِ ثَابِتٍ] ، أَخْبَرَنَا التنوخي قَالَ:
أَخْبَرَنَا أبي، حَدَّثَنِي الحسين بْن الحسن [٢] / بْن محمد الواثقي قَالَ: حدثني أبي [٣] / ٨١/ أأحمد بْن محمد أمير البصرة قَالَ: حدثني أبي قَالَ: كنت أحد من مرض الواثق فِي علته التي مَات فيها، فكنت قائمَا بين يدي الواثق أنا وجمَاعة من الأولياء والموالي والخدم، إذ لحقته غشية، فمَا شككنا أنه قَدْ مَات، فَقَالَ بعضنا لبعض: تقدموا فاعرفوا خبره، فمَا جسر أحد منا [٤] يتقدم، فتقدمت أنا، فَلَمَّا صرت عند رأسه وأردت أن أضع يدي عَلَى أنفه أعتبر نفسه، لحقته إفاقة، ففتح عينيه، فكدت أموت فرقا [٥] من أن يراني قد مشيت فِي مجلسه إِلَى غير رتبتي، فتراجعت إِلَى خلف، وتعلقت [٦] قبيعة سيفي بعتبة المجلس، وعثرت به، فاتكأت عَلَيْهِ فاندق سيفي وكاد يدخل فِي لحمي ويجرحني، فسلمت ثم خرجت، فاستدعيت سيفا ومنطقة أخرى فلبستهمَا، وجئت حَتَّى وقفت فِي مرتبتي ساعة، فتلف الواثق تلفا لم يشك جمَاعتنا فيه [أنه مَات] [٧] فتقدمت فشددت
стр. 3632
لحييه، وغمضته، وسجيته، ووجهته إِلَى القبلة، وجاء الفراشون فأخذوا مَا تحته فِي المجلس ليردوه إِلَى الخزائن، لأن جميعه مثبت عليهم، وترك وحده فِي البيت، وقال لي ابْن أبي دؤاد القاضي: إنا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة، ولا بد أن يكون أحدنا يحفظ الميت إِلَى أن يدفن، فأحب أن تكون أنت ذلك الرجل، وقد كنت [من] [١] أخصهم به في حياته، وذلك أنه اختصني واصطنعني حَتَّى لقبني الواثقي باسمه، فحزنت عَلَيْهِ حزنا شديدا، وقلت: دعوني وامضوا، فرددت باب المجلس وجلست فِي الصحن عند الباب أحفظه، وَكَانَ المجلس فِي بستان عظيم أجربة [٢] ، وَهُوَ بين بساتين، فأحسست بعد ٨١/ ب ساعة فِي البيت بحركة أفزعتني، فدخلت أنظر ما هي، وإذا بجرذون [٣] من دواب/ البستان قد جاء حَتَّى استل عين الواثق فأكلها فقلت: لا إله إلا الله، هَذِهِ العين التي فتحها منذ ساعة فاندق سيفي لها هيبة [٤] صارت طعمة لدابة ضعيفة!! قَالَ:
وجاءوا فغسلوه بعد ساعة، فسألني ابْن أبي دؤاد عن سبب عينه، فأخبرته. قَالَ:
والجرذون دابة أكبر من اليربوع [قليلا] [٥] .
وقد روي فِي سبب موته خبر طريف:
أَخْبَرَنَا عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، حدثنا أبو يعقوب الحافظ، أَخْبَرَنَا أبو العباس أحمد بْن محمد بْن الحسن الرازي، حَدَّثَنَا أبو الْحُسَيْن أحمد بْن محمد بْن معاوية الرازي، حَدَّثَنَا بكر بْن عبد الله بْن حبيب قَالَ: سمعت مِسْعَر [٦] بْن محمد بْن وهب يحدث أبي عن المتوكل قَالَ: كَانَ الواثق يحب النساء وكثرة الجمَاع، فوجه يومَا إِلَى ميخائيل الطبيب، فدعا به [٧] ، فدخل عَلَيْهِ وَهُوَ نائم [٨] فِي مشرفة لَهُ [٩] وعليه قطيفة خز، فوقف بين يديه، فَقَالَ:
يَا ميخائيل، أبغني دواء للباه، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، بدنك، فلا تهده [بالجمَاع] [١٠] ، فإن كثرة الجمَاع تهد [١١] البدن ولا سيمَا إذا تكلف الرجل ذلك، فاتق الله في بدنك وأبق
стр. 3633
عليك، فليس لك من بدنك عوض، فَقَالَ لَهُ: لا بد منه، ثم رفع القطيفة عنه، فإذا بين فخذيه وصيفة [قد] [١] ضمها إليه، ذكر من جمَالها وهيئتها أمرا عجيبا، فَقَالَ: من يصبر عن مثل هَذِهِ؟ قَالَ: فَإِن كَانَ ولا بد فعليك بلحم السبع، وأمر أن يؤخذ لك منه [٢] رطل فيغلى سبع غليات بخل خمر عتيق، فإذا جلست عَلَى شرابك أمرت أن يضرب [٣] لك منه ثلاثة دراهم فانتقلت به عَلَى شرابك في ثلاث ليال، فإنك تجد فيه بغيتك، واتق الله فِي نفسك ولا تسرف فيها [٤] ، ولا تجاوز مَا أمرتك به. فلهى عنه أيامَا، فبينا هو ذات/ ٨٢/ أليلة جالس قَالَ: علي بلحم السبع الساعة، فأخرج لَهُ سبع من الجب وذبح من ساعته، وأمر فكبب [٥] لَهُ منه، ثم أمر فأغلي لَهُ منه بالخل، ثم قدم لَهُ منه، فأخذ يتنقل منه عَلَى شرابه، وأتت عَلَيْهِ الأيام والليالي، فسقى بطنه، فجمع لَهُ الأطباء، فأجمع رأيهم عَلَى أنه لا دواء لَهُ إلا أن يسجر تنور بحطب الزيتون ويسخن حَتَّى يمتلئ جمرا، فإذا امتلأ كسح مَا فِي جوفه فألقي عَلَى ظهره، وحشي جوفه بالرطبة، ويقعد فيه ثلاث ساعات من النهار، فإذا استسقى ماء [٦] لم يسق، فإذا مضت ثلاث ساعات كوامل أخرج وأجلس جلسة مقتضبة [٧] عَلَى نحو [٨] مَا أمروا به، فإذا أصابه الروح وجد لذلك وجعا شديدا، وطلب أن يرد إِلَى التنور [فترك عَلَى تلك الحال، ولا يرد إِلَى تلك التنور] [٩] ، حَتَّى تمضي ساعات من النهار، فإنه إذا مضت ساعات [١٠] من النهار جرى ذلك المَاء، وخرج من مخارج البول وإن سقي ماء أو رد إِلَى التنور كَانَ تلفه فيه، فأمر بتنور فسجر بحطب الزيتون حَتَّى امتلأ جمرا أخرج مَا فيه وجعل عَلَى ظهره، ثم حشي بالرطبة [١١] وعري وأجلس فيه، فأقبل يصيح ويستغيث وَيَقُولُ: أحرقتموني اسقوني مَاء، وقد [١٢] وكل به من يمنعه المَاء ولا يدعه أن يقوم من موضعه الّذي أقعد فيه [، ولا يحرك] [١٣] فسقط بدنه كله، وصار فيه مفاجآت مثل أكبر البطيخ [١٤] وأعظمه، فترك عَلَى حالته حَتَّى مضت لَهُ ثلاث
стр. 3634
ساعات من النهار، ثم أخرج وقد كاد يحترق، أو يقول القائل فِي رأي العين قد احترق، فأجلسه الأطباء [١] ، فلمَا وجد روح الهواء اشتد به الوجع والألم، وأقبل يصيح ويخور ٨٢/ ب خوران الثور، ويقول: ردوني إِلَى التنور/، فإني إن لم أرد مت، فاجتمع نساؤه وخواصه لمَا رأوا [مَا] [٢] بِهِ من شدة الألم والوجع [٣] ، وكثرة الصياح، فرجوا أن يكون فرجه فِي أن يرد إِلَى التنور، [فردوه إِلَى التنور] [٤] ، فلمَا وجد مس النار سكن صياحه وتقطرت النفاخات التي كانت خرجت ببدنه وخمدت، وبرد فِي [جوف] [٥] التنور فأخرج من التنور وقد احترق وصار أسود كالفحم، فلم تمض ساعة حَتَّى قضى.
توفي الواثق بسامراء يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومَائتين، وَكَانَ عمره اثنتين وثلاثين سنة، [وكانت] [٦] خلافته خمس سنين وسبعة أشهر وخمسة أيام، وقيل: خمس سنين وشهرين وأحد وعشرين يوما، وصلى عليه جعفر.
стр. 3635
ثُمّ دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومَائتين
فمن الحوادث فيها:
[غضب المتوكل على محمد ابن عبد الملك الزيات]
غضب المتوكل عَلَى محمد بْن عبد الملك الزيات [١] وحبسه إياه، وسنذكر قصته عند وفاته إن شاء الله.
[رجفت دمشق رجفة شديدة]
وفي ربيع الآخر: رجفت [٢] دمشق رجفة شديدة لارتفاع الضحى [٣] ، وانتقضت منها البيوت، وتزايلت الحجارة العظيمة، وسقطت عدة منازل وطاقات فِي الأسواق عَلَى من فيها، فقتلت خلقا كثيرا من الرجال والنساء والصبيان، وسقط [٤] بعض شرافات [٥] المسجد الجامع، وتصدعت طاقات القبة التي فِي وسط الجامع ممَا يلي المحراب، وانقطع ربع منارة الجامع، فهرب [٦] الناس بالنساء والصبيان، وهرب أهل الأسواق إِلَى مصلى العيد يبكون ويتضرعون ويصلون ويستغفرون إِلَى وقت المغرب، ثم سكن ذلك، فرجعوا، فأخذوا [٧] فِي إخراج الموتى/ من تحت الهدم. ٨٣/ أ
стр. 3636
وذكر بعض من كَانَ فِي دير مران [١] أنه كَانَ يرى [مدينة] [٢] دمشق وهي ترتفع وتستقل مرارا، وأصاب أهل قرية من عمل الغوطة [٣] من الرجفة أنها انكفأت عليهم، فلم ينج منهم إلا رجل واحد عَلَى فرسه، فأتى أهل دمشق فأخبرهم [٤] .
وأصاب أهل البلقاء مثل مَا أصاب [٥] أهل دمشق، من هدم المنازل فِي ذلك اليوم، وذلك الوقت، وتزايلت [٦] الحجارة من سور مدينتها، وسقط حائط لها عرضه ذراع [٧] فِي ستة عشر ذراعا، وخرج أهلها بنسائهم وصبيانهم، فلم يزالوا فِي دعاء وضجيج حَتَّى كف [٨] الله عنهم برحمته.
[عظمت الزلازل بأنطاكيّة]
وعظمت [٩] الزلازل بأنطاكية [١٠] ، ومَات [من أهلها خلق كثير، وكذلك الموصل، ويقال: إنه مَات] [١١] من أهلها عشرون ألفا [١٢] .
[مطر أهل الموصل مطرا شديدا]
وفي رجب: مطر أهل الموصل [١٣] مطرا شديدا، وسقط برد مختم كالسكر وبعضه كبيض الحمَام، فسد مجاري المَاء، ثم سال واد من ناحية البرية [١٤] ذكروا أنه
стр. 3637
لَمْ يسل [١] قط، فمَا زالوا كذلك فِي ضجة حَتَّى أتى ربع [٢] الليل، وحمل المَاء قومَا فغرقتهم ووقعت الدور عَلَى بعضهم فقتلتهم، وكان ما سقط ونهدم [٣] أكثر من ألفي دار.
وقطع [٤] المَاء رحى كانت مبنية من رصاص، فجري [المَاء] فيها، ولولا ذلك لغرق أهل [٥] الموصل أجمعين.
وفقد فِي بستان أكثر من مَائتي نخلة بأصولها فلم يبن [٦] لها أثر، وكانت معها زلزلة شديدة وصواعق دفن أكثر من عشرة آلاف والذين غرقوا أكثر.
[غضب المتوكل على عمر بن الفرج]
وفي هذه السنة: غضب المتوكل عَلَى عمر بْن الفرج [٧] وذلك فِي رمضان، فوجد فِي منزله خمسة عشر ألف درهم [٨] ، وقبض جواريه وفرشه [٩] ، وقيد بثلاثين رطلا من الحديد، وأحضر مولاه نصر، فحمل ثلاثين ألف دينار، وحمل نصر من/ مَال نفسه ٨٣/ ب أربعة عشر ألف دينار، وأصيب لَهُ فِي الأهواز أربعون ألف دينار، ولأخيه محمد بْن الفرج مَائة ألف دينار وخمسون ألف دينار، وحمل من داره من المتاع عَلَى ستة عشر [١٠] بعيرا فرش فاخرة، ومن الجوهر مَا قيمته أربعون ألف دينار، وألبس جبة صوف وقيد، وأخذ عياله ففتشوا فكن [١١] مَائة جارية، ثم صولح عَلَى أحد عشر ألف ألف، على أن يرد عَلَيْهِ [١٢] مَا أخذ منه من ضياع الأهواز، وتنزع [١٣] عنه القيود [فِي شوال [١٤] .]
стр. 3638
وقد] [١] أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ البزار، أنبأنا علي بْن المحسن [التنوخي] [٢] قَالَ: حَدَّثَنِي أبي أن بعض المعمرين من الشهود بالأهواز حدثه عن أبيه- أو بعض أهله [٣]- قال: كان محمد بْن منصور يتقلد القضاء بكور الأهواز وعمر بْن فرج الرخجي يتقلد [الخراج] [٤] بِهَا، وكانا يتوازيان المرتبة السلطانية، فلا [٥] يركب القاضي إِلَى الرخجي إلا بعد أن [٦] يجيبه ويتشاحان على التعظيم [٧] ، وتولدت بينهمَا عداوة من ذلك، وَكَانَ الرخجي يكتب فِي القاضي إِلَى المتوكل، فلا يلتفت إِلَى كتبه لعظم محله عند المتوكل، ويبلغ ذلك القاضي فلا يحفل به، فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الأوقات ورد كتاب المتوكل عَلَى الرخجي [٨] يأمره بأمر فِي معنى الخراج، وأن يجتمع مَعَ محمد بْن منصور القاضي ولا ينفرد دونه، وورد بالكتاب خادم كبير من خدم السّلطان، فأنفذ الرخجي إِلَى القاضي، فأعلمه الخبر وقال:
تصير إِلَى ديوان الخراج لنجتمع فيه عَلَى امتثال الأمر، فَقَالَ القاضي: لا، ولكن ٨٤/ أتصير أنت إِلَى الجامع فتجتمع فيه، وتردد الكلام/ بينهمَا إِلَى أن قَالَ الرخجي للخادم:
ارجع إِلَى حضرة أَمِير الْمُؤْمِنِينَ واذكر القصة وأن قاضيه يريد إيقاف مَا أمر به [أَمِير الْمُؤْمِنِينَ] [٩] ، فبلغه الخبر، فركب محمد بْن منصور إِلَى الديوان ومعه شهوده، فدخله والرخجي فيه فِي دست وكتابه بين يديه، فلمَا بصروا به قاموا، إلا الرخجي فعدل إِلَى آخر البساط، بعد أن أمر غلامه فطوى البساط [١٠] وجلس على البوري، وحف به
стр. 3639
الشهود [١] ، وجاء الخادم، فجلس عند القاضي وأراه الكتاب، فلم يزل الرخجي يخاطب القاضي وبينهمَا مسافة [٢] حَتَّى فرغا [٣] من الأمر، فلمَا فرغا [٤] قَالَ الرخجي للقاضي: يَا أبا جعفر، مَا هَذِهِ الجبرية! لا تزال تتولع بي وتقدر أنك عند الخليفة مثلي، أو أن [٥] محلك يوازي محلي، والخليفة لا يضرب عَلَى يدي فِي أمواله التي بِهَا قوام دولته، ولقد أخذت من مَاله ألف ألف دينار، وألف ألف دينار، وألف ألف دينار [٦] فمَا سألني عنها، وإنمَا أنت لك أن تحلف منكرًا عَلَى حق، وأن تفرض لامرأة [٧] عَلَى زوجها وتحبس ممتنعا من أداء حق، وأبو جعفر [ساكت] [٨] ، فَلَمَّا [٩] ذكر الرخجي ألف ألف دينار وثنى القول يعدد بإصبعه [١٠] ، وقد كشفها ليراها الناس، فَلَمَّا أمسك عمر [ابْن الفرج] [١١] لم يجبه القاضي بشيء، وقال لوكيل: يَا فلان، قد سمعت ما جرى؟
فقال: قد وكلتك لأَمِير الْمُؤْمِنِينَ [وللمسلمين] [١٢] عَلَى [هَذَا] [١٣] الرجل [١٤] فِي المطالبة لهم [١٥] بهذا المَال [١٦] . فَقَالَ لَهُ الوكيل: إن رأى القاضي أن يحكم بهذا المَال للمسلمين، قَالَ والرخجي يسمع، فَقَالَ/ القاضي: دواة. وكتب القاضي ٨٤/ ب سجلا بخطه بذلك المَال [١٧] ، ورمى به إِلَى الشهود وقال: اشهدوا على إنفاذي الحكم
стр. 3640
بمَا فِي هَذَا الكتاب، وإلزام فلان ابْن فلان هَذَا [وأومَا إِلَى الرخجي] [١] بمَا أقر به عندي من المال المذكور مبلغه فِي هَذَا الكتاب للمسلمين. فكتب الشهود خطوطهم، وأخذ القاضي الكتاب ومضى [٢] ، وأخذ الرخجي يهزأ به ويقول: يَا أبا جعفر لقد بالغت فِي عقوبتي، قتلتني [٣] ! قَالَ: إي والله!.
فكتب صاحب الخبر إِلَى المتوكل بمَا جرى، فأحضر وزيره وقال: أنا منذ زمَان أقول لك حاسب هَذَا الخائن، وأنت تدافع حَتَّى حفظ الله علينا أموالنا بقاضينا محمد بْن منصور، ورمى إِلَيْهِ بكتاب صاحب الخبر [قَالَ] : [٤] اكتب الساعة بالقبض عَلَى الرخجي، فخرج الوزير وَهُوَ قلق لعنايته بالرخجي، وقال لكاتبه:
اكتب إليه: [يَا مسكين] [٥] يَا مشئوم. مَا دعاك إِلَى معاداة القضاة وأنت مقتول إن لم تتلاف أمرك مَعَ القاضي.
فركب الرخجي إِلَى القاضي فحجبه، فرجع خجلا، فاحتال فدخل مَعَ بعض خواص القاضي بالليل، فصاح عَلَيْهِ [٦] : اخرج عن داري فأكب عَلَى رأسه وبكى، فقام القاضي فاعتنقه وبكى [٧] وقال: عزيز [٨] علي ولا حيلة لي فقد نفذ الحكم! فنهض ونفذ بمن قبض عَلَيْهِ، ونصب القاضي من باع أملاك الرخجي وحمل ثمنها إِلَى بيت المال.
[أمر المتوكل سليمان بن إبراهيم بن الجنيد]
وفي هذه السنة: أمر المتوكل بسليمَان بْن إبراهيم بن الجنيد [٩] فضرب بالأعمدة ٨٥/ أحتى أقر بتسعين ألف دينار، فوجه/ معه مباركا المغربي إِلَى بغداد حَتَّى استخرجها من منزله، وجيء به فحبس [١٠] .
стр. 3641
وفيها: غضب المتوكل عَلَى أبي الوزير أحمد بْن أبي خالد، وأمر بمحاسبته فحمل نحوا من ستين [١] ومَائة ألف دينار، وبدرتين [٢] دراهم وحليا، وأخذ لَهُ من متاع مصر اثنين وستين [٣] سفطا واثنين وثلاثين غلامَا وفرشا كثيرة، وأخذ أصحابه فصالحوا عَلَى سبعين ألف دينار [٤] .
وفلج أحمد بْن أبي دؤاد لست خلوت من جمَادى الآخرة [٥] .
وولى المتوكل ابنه محمد المنتصر الحرمين واليمن والطائف، وعقد لَهُ يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من رمضان [٦] .
وفي يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من رمضان عزل المتوكل الفضل بْن مروان عن ديوان الخراج، وولاه يحيى بْن خاقان [٧] .
وولي إبراهيم بْن العباس بْن محمد بْن صول في هذا ديوان زمام النفقات [٨] .
[قدوم يحيى بن هرثمة]
وفي هذه السنة: قدم يحيى بْن هرثمة. وَكَانَ والي طريق مكة بعلي بْن محمد بْن علي الرضا [٩] بْن موسى بْن جعفر من المدينة [١٠] .
[وثوب ميخائيل بن توفيل على أمه بدور]
وفيها: وثب ميخائيل بْن توفيل عَلَى أمه بدور [١١] فشمسها وألزمها الدير، وقتل رجلا اتهمها به، و [كان ملكها ست سنين] [١٢] .
وحج بالناس في هذه السنة مُحَمَّد بْن داود بْن موسى بْن عيسى [١٣] .
стр. 3642
ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان
١٣٦٢- إسحاق بْن إبراهيم، أبو موسى [١] .
هروي الأصل، سمع هشيمَا، وابن عيينة.
روى عن: البغوي، أثنى عَلَيْهِ أحمد، وقال يحيى: هُوَ ثقة.
وتوفي في هذه السنة.
١٣٦٣- بهلول بْن صالح بْن عمر بْن عبيدة، أبو الحسن التجيبي، ثم العرزمي [٢] .
حدث عن مَالك بن أنس وغيره/.
٨٥/ ب وروى عنه أبو عبد الله بْن فروخ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ عن أبيه قَالَ:
قلت لعبد الله بْن عباس [يَا] [٣] معشر قريش أخبروني عن هَذَا الكتاب العربي، هل كنتم [٤] تكتبونه قبل أن يبعث محمد ﵌؟.
قَالَ: نعم. قلت: وممن أخذتموه؟
قَالَ: من حرب بْن أمية، قلت: وممن أخذه حرب [بْن أمية؟] [٥] قَالَ: من عبد الله بْن جدعان، قلت: وممن أخذه عبد الله بْن جدعان؟ قَالَ: من أهل الأنبار؟
قلت: وممن أخذه أهل الأنبار؟ قَالَ: من طارئ طرأ عليهم من أهل اليمن، من كندة، قلت: وممن أخذه ذلك الطارئ؟ قَالَ: من الخلجان بْن الوهم [٦] كاتب الوحي لهود النَّبِيّ ﵇ [٧] ، وَهُوَ الذي يقول:
أفي كل عام سنة تحدثونها ... ورأي عَلَى غير الطريق يغيّر
стр. 3643
وللموت خير من حياة تسبنا [١] ... بِهَا جرهم فيمن تسب وحمير
توفي بهلول في هذه السنة.
١٣٦٤- عبد الجبار بْن عاصم، أبو طالب النسائي [٢] .
سكن بغداد، وحدث بِهَا عن إسمَاعيل بْن عياش، وغيره. وروى عنه: حنبل والبغوي وغيره [٣] ، وَكَانَ ثقة صدوقا. توفي فِي ربيع الآخر من هَذِهِ السنة.
١٣٦٥- محمد بْن سمَاعة بْن عبيد الله بْن هلال بْن وكيع بن بشر، أبو عبد الله التميمي. كان أحد أصحاب [٤] الرأي [٥] .
وولي القضاء بمدينة المنصور [٦] [إلى أن] [٧] عزله المأمون.
وحدث عن الليث [بْن سعد] [٨] ، وأبي يوسف القاضي، ومحمد بْن الحسن، وَهُوَ من الحفاظ الثقات.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ [بْنُ عَلِيِّ] [٩] بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو العلاء الواسطي، أَخْبَرَنَا أبو الطيب محمد بْن زيد التميمي، أَخْبَرَنَا أبو زيد المقرئ، أخبرنا [أبو] [١٠] الحسين زيد [١١] بْن محمد، حَدَّثَنَا جعفر بْن دهقان، حَدَّثَنَا محمد بْن عمران الضبي [١٢] ، قَالَ: / سمعت محمد بن سماعة القاضي قال: مكثت ٨٦/ أأربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى إلا يومَا واحدا مَاتت فيه أمي، ففاتني [فيه] [١٣] صلاة
стр. 3644
واحدة فِي جمَاعة، فقمت فصليت خمسا وعشرين صلاة أريد بذلك التضعيف فغلبتني عيني، فأتاني آت فَقَالَ: يَا محمد قد صليت خمسا وعشرين صلاة ولكن كيف [لك] [١] بتأمين الملائكة؟ [٢] .
قَالَ المصنف: كَانَ ابْن سمَاعة يصلي كل يوم مَائتي ركعة.
توفي فِي شعبان هَذِهِ السنة عن مَائة وثلاث سنين.
١٣٦٦- محمد بْن عبد الملك بْن أبان بْن أبي حمزة، أبو يعقوب [٣] ويعرف بابن الزيات [٤]
أصله من جبل، وَكَانَ أبوه تاجرا من تجار الكرخ المياسير، وَكَانَ يحثه عَلَى التجارة فيأبى إِلَّا الكتابة وطلبها، ثم شخص إِلَى الحسن بْن سهل، فمدحه بقصيدة، فأعطاه عشرة آلاف درهم، ثُمّ اتصل بالمعتصم فرفع من قدره ووسمه بالوزارة، ثم استوزره الواثق [٥] ، وكان أديبا فاضلا عالما بالنحو واللغة وله شعر مليح.
وقد وصف بلاغته البحتري، فأخبرنا أبو منصور الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أبو الحسن محمد بْن محمد بْن المظفر الدقاق، أَخْبَرَنَا محمد بْن عمران المرزباني، حَدَّثَنِي أبو الحسن علي بن هارون قال: أخبرني أبي قال: من بارع مديح البحتري قوله يصف بلاغة محمد بْن عبد الملك الزيات:
فِي نظام من البلاغة مَا شك ... امرؤ أنه نظام فريد
ومعان لو فصلتها القوافي ... لهجت شعر جرول ولبيد
حزن مستعمل الكلام اختيارا ... وتجنبن ظلمة التعقيد
٨٦/ ب/ وركبن اللفظ القريب فأدركن ... به غاية المراد البعيد
ونرى الخلق مجمعين عَلَى فضلك ... من بين سيد ومسود
عرف العالمون فضلك بالعلم ... وقال الجهال بالتقليد
صارم العزم حاضر الحزم ساري ... الفكر ثبت المقام صلب العود
دق فهمَا وجل علمَا فأرضى الله ... فينا والواثق بن الرشيد
стр. 3645
لا يميل الهوى به حيث يمضي ... الأمر بين المقل والممدود
سؤدد يصطفي ونيل يتوخى ... وثناء يحيى ومَال تؤدي
قد تلقيت كل يوم جديد ... يَا أبا جعفر بمجد جديد
وإذا استطرقت سيادة قوم ... بنت بالسؤدد الطريف التليد [١]
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي الحافظ قال: أخبرني أبو القاسم الأزهري، أَخْبَرَنَا عثمَان بْن عمرو المقرئ، حَدَّثَنَا جعفر بْن محمد الخواص، حدثني أحمد بْن مُحَمَّد الطوسي، حدثني محمد بْن علي الربيعي قَالَ: سمعت صالح بْن سليمَان العبدي يقول: كَانَ مُحَمَّد بْن عبد الملك الزيات يتعشق جارية من جواري القيان، فبيعت من رجل من أهل خراسان، فأخرجها، قَالَ: فذهل عقل محمد بْن عبد الملك حَتَّى خشي عَلَيْهِ، فَقَالَ:
يَا طول ساعات [٢] ليل العاشق الدنف ... وطول رعيته للنجم فِي السدف
مَاذا تواري ثيابي من أخي حرق ... كأنمَا الجسم منه دفه الألف
مَا قَالَ يَا أسفي يعقوب من كمد ... إلا لطول الذي لاقى من الأسف
/ من سره أن يرى ميت الهوى دنفا ... فليستدل على الزيات وليقف [٣] ٨٧/ أ
قَالَ المصنف: اتفقت أسباب لهلاك [ابْن] [٤] الزيات، فمنها: أن الواثق كَانَ قد استوزره وفوض الأمور إليه [٥] وَكَانَ الواثق قد غضب عَلَى أخيه جعفر المتوكل فِي بعض الأمور، فوكل به عمر بْن فرج الرخجي، ومحمد بْن العلاء [٦] الخادم يحفظانه ويكتبان بأخباره فِي كل وقت، فصار جَعْفَر إِلَى محمد بْن عبد الملك يسأله أن يكلم أخاه الواثق