جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ [قَالَ:] أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ السَّيَّارِيُّ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ قَالَ: كَانَ فِي جِيرَانِي رَجُلٌ طُفَيْلِيٌّ، فَكُنْتُ إِذَا دُعِيتُ إِلَى مَدْعَاةٍ [١] رَكِبَ لِركُوبِي فَإِذَا دَخَلْنَا الْمَوْضِعَ أُكْرِمَ مِنْ أَجْلِي، فَاتَّخَذَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ دَعْوَةً، فَدُعِيتُ فِيهَا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ إِنْ جَاءَ هَذَا الرَّجُلُ مَعِي لأَخْزِيَنَّهُ.
فَلَمَّا رَكِبْتُ رَكِبَ لِرُكُوبِي وَدَخَلْتُ الدَّارَ فَدَخَلَ مَعِي وَأُكْرِمَ مِنْ أَجْلِي، فَلَمَّا حَضَرْتُ [٢] الْمَائِدَةَ قُلْتُ: حَدَّثَنَا درستُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَبَانِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ نَافِعٍ، عِنِ ابْنِ عمران [٣] [عَنِ] النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَشَى إِلَى طَعَامٍ لَمْ يُدْعَ إِلَيْهِ مَشَى فَأُسْقِيَ وَأَكَلَ حَرَامًا» قَالَ: فَقَالَ الطُّفَيْلِيُّ: اسْتَحْيَيْتُ لَكَ يَا أَبَا عَمْرٍو، مِثْلُكَ يَتَكَلَّمُ بِهَذَا الْكَلامِ عَلَى مَائِدَةِ الأَمِيرِ ثُمَّ مَا هَا هُنَا [٤] أَحَدٌ إِلا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّكَ رَمَيْتَهُ بِهَذَا الكَلامِ، ثُمَّ لا تَسْتَحِي أن تحدث عن درستُ وَدرستُ كَذَّابٌ لا يُحْتَجُّ [٥] بِحَدِيثِهِ عَنْ أَبَانِ بْنِ طَارِقٍ، وَأَبَانٌ كَانَ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ يَلْعَبُونَ بِهِ، وَلَكِنْ أَيْنَ أَنْتَ مِمَّا [٦] حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ» . قَالَ نصر بن علي: فكأني ألقمت حجرا فلما خرجنا من الدار أنشأ الطفيلي يقول:
ومن ظن ممن يلاقي الحروب ... بأن لا يصاب لقد ظن عجزا
[أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن الْحَسَن الأهوازي قَالَ: سمعت العسكري يقول: سمعت الزينبي- يعني
стр. 3852
إبراهيم بن عَبْد اللَّهِ يقول: سمعت نصر بن علي يقول] [١] : دخلت على المتوكل فإذا هو يمدح الرفق فأكثر، فقلت: يا أمير المؤمنين أنشدني الأصمعي:
لم أر مثل الرفق في لينه ... أخرج للعذراء من خدرها
من يستعين بالرفق في أمره ... يستخرج الحية من جحرها
فقال: يا غلام، الدواة والقرطاس فكتبهما [٢] .
أخبرنا عبد الرحمن [قال] : أخبرنا أحمد بن علي [قَالَ:] أَخْبَرَنَا أبو عمرو الحسن بن عثمان الواعظ [قَالَ:] أَخْبَرَنَا [٣] جعفر بن مُحَمَّد بن أَحْمَد الواسطي قَالَ:
سمعت أبا بكر بْن أبي داود يَقُولُ: كان المستعين باللَّه بعث إلى نصر بن علي يشخصه للقضاء، فدعاه عبد الملك أمير البصرة فأمره [٤] بذلك، فقال: ارجع فأستخير الله فرجع إلى بيته نصف النهار، فصلى ركعتين وقَالَ: اللَّهمّ إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك.
فنام فأنبهوه، فإذا هو ميت [٥] .
توفي نصر في أحد الربيعين من هذه السنة.
١٥٣٤- عباد بن يعقوب الرواجي [٦] .
سمع الوليد بن أبي ثور، وعلي بن هاشم [٧] ، وغيرهما، وكان غاليا في التشيع، وقد أخرج عنه البخاري وربما لم يعلم أنه كان متشيعا [٨] . [توفي في هذه السنة] [٩] .
стр. 3853
أخبرنا محمد بن ناصر [١] الحافظ [قال:] أخبرنا أَحْمَد بن الحسين أبو طاهر الباقلاوي [قَالَ:] أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الله الأصفهاني قَالَ: حدثني مُحَمَّد بن المظفر قَالَ: سمعت قَاسِم بن زكريا المطرز يقول: وردت الكوفة فكتبت عن شيوخها كلهم غير عباد بن يعقوب، فلما فرغت ممن [٢] سواه، دخلت عليه وكان يمتحن من سمع منه [٣] ، فقال، لي: من حفر البحر؟ فقلت: اللَّه خلق البحر. فقال: هو كذلك، ولكن من حفره؟ فقلت: يذكر الشيخ. فقال: حفره علي بن أبي طَالِب، ثم قَالَ: ومن أجراه؟ فقلت: الله مجري الأنهار ومنبع العيون. فقال: هو كذلك، ولكن من أجرى البحر؟ فقلت: يفيدني الشيخ. فقال: أجراه الحسين بن علي.
قَالَ: وكان عباد مكفوفا فرأيت في داره سيفا معلقا وحجفة، فقلت: أيها الشيخ، لمن هذا السيف؟ فقال: لي أعددته لأقاتل به مع المهدي. فلما فرغت من سماع ما أردت أن أسمعه منه، وعزمت على الخروج عن البلد دخلت عليه فسألني كما كان يسألني فقال: من حفر البحر؟ قلت: حفره معاوية وأجراه عمرو بن العاص، ثم وثبت من بين يديه وجعلت أعدو وجعل يصيح [٤] : أدركوا الفاسق عدو الله فاقتلوه.
قَالَ المصنف: ومثل هذا جرى لصالح جزرة، فإنه جاء إلى عَبْد اللَّهِ بن عمر بن أبان وكان غاليا في التشيع، وكان يمتحن من يسمع منه، فقال له: من حفر بئر زمزم؟
فقال صالح: حفرها معاوية بن أبي سفيان. فقال: من نقل ترابها؟ قَالَ: عمرو بن العاص فزبره ودخل منزله.
стр. 3854
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين
فمن الحوادث فيها:
أنه وثب بغا الصغير ووصيف على باغر التركي فقتلاه فشغبت الأتراك عند مقتله، وذلك لخمس خلون من المحرم، وهموا بقتل بغا ووصيف، فانحدر المستعين إلى بغداد لأجل الشغب، واختلف جند بغداد وجند سامراء، وبايع أهل سامراء [١] المعتز، وأقام أهل بغداد على الوفاء ببيعة المستعين، ثم صار الجند إلى المستعين، فرموا أنفسهم [٢] بين يديه وسألوه الصفح عَنْهُمْ، فقال لهم: أنتم أهل بغي وبطر وفساد، واستقلال للنعم ألم [٣] ترفعوا إلي في أولادكم فألحقتهم بكم وهم نحو من ألفي غلام، وفي بناتكم فأمرت بتصييرهن [٤] في عدد المتزوجات وهن نحو من أربعة آلاف امرأة، وأدررت عليكم الأرزاق حتى سبكت لكم آنية الذهب والفضة [٥] ؟ قَالُوا: أخطأنا، ونحن نسأل العفو. قَالَ: قد عفوت عنكم، فقال أحدهم: إن كنت قد صفحت فاركب معنا إلى سامراء فقال: اذهبوا أنتم وأنا أنظر في أمري، فانصرفوا وأجمعوا على إخراج المعتز، والبيعة له، وكان المعتز والمؤيد في حبس في الجوسق، فخلعوا المستعين، وأخرجوا المعتز فبايعوه بالخلافة [٦] .
стр. 3855
باب ذكر خلافة المعتز باللَّه [١]
واسمه: مُحَمَّد بن المتوكل، وقيل اسمه: الزبير ويكنى: أبا عَبْد اللَّهِ، وكان طويلا، أبيض، أسود الشعر [٢] كثيفه، حسن الوجه والعينين والجسم، ضيق الجبهة، أحمر الوجنتين، ولد بسامراء وبقي منذ بويع أربع سنين وبعض أخرى [٣] ، ولما بويع المعتز أمر للناس برزق عشرة أشهر فلم يتم المال، فأعطوا رزق شهرين، وكان المستعين خلف بسامراء مالا قدم عليه به [٤] نحوا من خمس مائة ألف، وكان في بيت مال المستعين ألف ألف دينار، وفي بيت مال العباس بن المستعين ستمائة ألف، وأحضر للبيعة أبو أَحْمَد بن الرشيد محمولا في محفة وبه نقرس، فأمر بالبيعة، فامتنع وَقَالَ للمعتز: خرجت [٥] إلينا خروج طائع فخلعتها وزعمت أنك لا تقوم بها. فقال المعتز: أكرهت على ذلك، وخفت السيف. فقال أبو أَحْمَد: ما علمنا أنك أكرهت، وقد بايعنا هذا الرجل، أفتريد أن نطلق نساءنا، ونخرج من أموالنا، ولا ندري ما يكون إن تركتني [٦] على أمري حتى يجتمع الناس، وإلا فهذا السيف، فقال المعتز: اتركوه.
فرد إلى منزله وبايع جماعة، ثم صار إلى بغداد، وولى المعتز العمال.
وبلغ الخبر المستعين، فأمر مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ بن طاهر بتحصين بغداد، فأدير عليها السور من دجلة إلى باب الشماسية، ثم سوق الثلاثاء، ورتب على كل باب قائد،
стр. 3856
وأمر بحفر الخنادق، فبلغت النفقة ثلاثمائة ألف دينار وثلاثين ألف دينار، ونصبت المجانيق والعرادات، وفرض لقوم من العيارين [١] فروضا، وجعل [٢] عليهم عريفا، وعمل لهم تراسا من البواري المقيرة ومخالي يملؤها حجارة [٣] ، وأنفق على [تلك] البواري مائة [ألف] [٤] دينار، وأمر بقطع الميرة عن سامراء، وكتب إلى العمال أن يحملوا الأموال إلى بغداد، ثم أمر المستعين أن يكتب إلى [٥] الأتراك، والجند الذين بسامراء يأمرهم بنقض بيعة المعتز، ومراجعة الوفاء له ببيعتهم، ثم جرت بين المعتز وبين ابن طاهر مراسلات، يدعوه المعتز إلى خلع المستعين ومبايعته، وكتب المعتز والمستعين [٦] إلى موسى بن بغا وهو مقيم بأطراف الشام كل يدعوه إلى نفسه، فانصرف إلى المعتز وكان معه وقدم عَبْد اللَّهِ بن بغا الصغير إلى بغداد على أبيه وكان [٧] قد تخلف بسامراء حين خرج أبوه منها مع المستعين، فصار إلى المستعين واعتذر إليه وَقَالَ لأبيه: إنما قدمت إليك لأموت تحت ركابك، فأقام ببغداد أياما.
ثم إنه [٨] استأذن ليخرج إلى قرية بقرب بغداد على طريق الأنبار، فأذن له، فأقام فيها إلى الليل، ثم هرب من تحت الليل، فمضى في الجانب الغربي إلى سامراء مجانبا لأبيه، واعتذر إلى المعتز من مصيره إلى بغداد فأخبر المعتز [أنه] [٩] إنما صار إليها ليعرف أخبارهم فيخبره بها، فقبل ذلك منه ورده إلى خدمته [١٠] .
وورد الحسن بن الأفشين [١١] إلى بغداد فخلع عليه المستعين وضم إليه جماعة
стр. 3857
كثيرة، وزاد في رزقه ستة عشر ألف درهم من كل شهر، ولم يزل أسد بن داود مقيما بسامراء إلى أن عمل على الهرب منها، فدخل على ابن طاهر فضم إليه مائة فارس ومائتي راجل، ووكله بباب الأنبار مع عبيد الله بن موسى بن خالد [١] .
وعقد المعتز لأخيه أبي أَحْمَد بن المتوكل يوم السبت لسبع بقين من المحرم في هذه السنة على حرب المستعين وابن طاهر وولاه ذلك، وضم إليه الجيش وجعل إليه الأمر والنهي [٢] ، فوافى حسن بن الأفشين مدينة [بغداد] ، [٣] ثم وافى أبو أَحْمَد وعسكر بالشماسية ليلة الأحد لسبع خلون من صفر، وجاء جاسوس إلى ابن طاهر لثلاث عشرة ليلة [٤] خلت من صفر، فأخبره أن أبا أَحْمَد قد عبأ قوما يحرقون طلال الأسواق من جانبي بغداد فكشطت في ذلك اليوم، فلما كان في ليلة الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر عزم مُحَمَّد بن عبد الله بن طاهر على توجيه الجيوش إلى القفص لمعرضهم هناك [٥] فذهب به الأتراك، فركب وركب معه وصيف وبغا، وخرج معه الفقهاء والقضاة، وعزم على دعائهم إلى الرجوع إلى الحق، وبعث يبدلهم الأمان على أن يكون أبو عَبْد اللَّهِ ولي العهد بعد المستعين، فإن قبلوا وإلا باكرهم القتال يوم الأربعاء.
فمضى نحو باب قطربُّل فنزل على شاطئ دجلة هو ووصيف وبغا، ثم رجع وجاء الأتراك إلى باب الشماسية فرموا بالسهام والمجانيق والعرادات، وكان بينهم قتلى وجرحى، وانهزم عَامَّة أهل بغداد، وثبت أهل البواري، ثم انصرف الفريقان وقد نسا ووافى للقتل والجراح [٦] .
ثم وجه المعتز عسكرا كبيرا فضربوا بين قطربُّل وقطيعة أم جعفر، وذلك عشية [٧] الثلاثاء لاثنتي عشرة بقيت من صفر فلما أصبحوا وجه ابن طاهر جيشا فالتقوا فاقتتلوا،
стр. 3858
فوضعوا في أصحاب أبي أَحْمَد السيوف [١] فلم ينج إلا أقلهم وانتهبوا عسكرهم وأمر ابن طاهر لمن أبلى في هذا اليوم بالأسورة، وأعطى [٢] من جاءه برأس تركي خمسين درهما، وطلبت المنهزمة فبلغ بعضهم أوانا وبعضهم سامراء.
وكان عسكر الأتراك يومئذ أربعة آلاف فقتل بينهم ألفان، ووضع فيهم السيف من باب القطيعة إلى القفص وغرق جماعة وأسر جماعة.
ووافى عيارو [٣] بغداد قطربُّل، فانتهبوا ما تركه الأتراك من متاع وأشير على ابن طاهر أن يتبعهم بعسكر فأبى أن يتبع موليا، ولم يأمر أن يجهز على جريح، وقبل أمان من أستأمن، وأمر أن يكتب كتابا يذكر [٤] فيه هذه الوقعة فقرئ [على أهل] [٥] بغداد في الجوامع [٦] .
وركب مُحَمَّد [٧] بن عَبْد اللَّهِ بن طاهر يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر إلى الشماسية فأمر بهدم ما وراء سور بغداد من الدور والحوانيت والبساتين، وقطع النخل والشجر من باب الشماسية لتتسع الناحية على من حارب فيها [٨] ، ووجه من ناحية فارس والأهواز مالا إلى بغداد [على] نيف [٩] وسبعين حمارا، فوجّه أبو أحمد بن بابك في ثلاثمائة فارس ليأخذ ذلك المال، فوجه ابن طاهر من عدل به عن الطريق، ففات ابن بابك فعدل ابن بابك حين فاته المال إلى النهروان، فأوقع بمن كان فيها من الجند، وأحرق السفن، وانصرف إلى سامراء، ورأى العوام بسامراء [١٠] ضعف المعتز، فانتهبوا
стр. 3859
سوق الحلي والسيوف والصيارفة [١] .
ولليلة بقيت من صفر صار الأتراك والمغاربة أصحاب المعتز إلى أبواب بغداد من الجانب الشرقي، فأغلقت الأبواب في وجوههم ورموا بالسهام والمجانيق، فقتل [٢] وجرح من الفريقين جماعة [٣] .
وجاء عسكر من سامراء، فركب مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ ومعه أربعة عشر قائدا من قواده [٤] فسار حتى جاز عسكر أبي أَحْمَد وقتل من عسكر أبي أَحْمَد [٥] ، أكثر من خمسين، وخرج غلام لم يبلغ الحلم بيده مقلاع ومخلاة فيها حجارة، وكان يرمي فلا يخطئ وجوه الأتراك ووجوه دوابّهم، وكان الأتراك يرمونه فلا يصيبونه، فجاء أربعة بالرماح فحملوا عليه فرمى نفسه إلى الماء [٦] فنجا.
وحمل إلى سامراء سبعون أسيرا ومائة وأربعون رأسا، وأمر المعتز بالرءوس فدفنت، وأعطى كل أسير دينارين، ونهاهم عن العود إلى القتال [٧] .
وبعث ابن طاهر إلى المدائن من حصنها، وحفر خندق كسرى، وإلى الأنبار من ضبطها، فجاءت الأتراك إلى الأنبار، فهرب واليها فدخلوا فانتهبوا ما فيها.
وفي النصف من رجب اجتمع بنو هاشم ببغداد، فوقفوا بإزاء مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ فتناولوه بالشتم القبيح، وقالوا [٨] وصاحوا بالمستعين: قد منعنا أرزاقنا والأموال تدفع إلى من لا يستحقها، ونحن نموت جوعا، فإن وقع لنا بها وإلا فتحنا الأبواب وأدخلنا الأتراك. فبعث إليهم من رفق بهم [فأبوا] [٩] .
стр. 3860
وفي يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان كانت وقعة بين الأتراك وبين ابن طاهر، وذلك أن الأتراك نقبوا السور ووافوا باب الأنبار فأحرقوه بالنار، وأحرقوا ما كَانَ بقي [١] من المجانيق والعرادات، ودخلوا بغداد [٢] حتى صاروا إلى باب الحديد [٣] ، فركب ابن طاهر ووجه القواد، وشحن الأبواب بالرجال، وركب وصيف وبغا [٤] والتقوا بالأتراك، فهزموا الأتراك وسد باب الأنبار بآجر وجص، وكان في هذا اليوم حرب شديدة بباب الشماسية [٥] .
وفي ذي القعدة: كانت وقعة شديدة لأهل بغداد، وهزموا فيها الأتراك، وانتهبوا عسكرهم، فراسل ابن طاهر المعتز في الصلح، فقال الناس: إنما تريد أن تخلع المستعين وتبايع [٦] المعتز. فشتموه، ولقي منهم شدة حتى أشرف عليهم المستعين ومعه ابن طاهر، وحلف لهم إني ما أتهمه، فكان المستعين مقيما في دار ابن طاهر، فانتقل إلى دار رزق الخادم بالرصافة من أجل أن العوام أرادوا إحراق دار ابن طاهر، وأغلقت أبواب بغداد على أهلها، فصاحوا [٧] : الجوع، ولم يزل مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ بن طاهر [٨] جادا في نصرة المستعين إلى أن قَالَ له جماعة: إن [٩] هذا الذي تنصره أمر وصيفا وبغا بقتلك فلم يفعلا. فتنكر [١٠] له [١١] .
ثم ركب إليه في ذي الحجة فناظره في الخلع، فامتنع، وظن المستعين أن بغا ووصيفا معه، فكاشفاه، فقال المستعين: هذه عنقي والسيف والنطع. ثم انصرف ابن
стр. 3861
طاهر، فبعث إليه المستعين يقول [١] : اتق الله، فإن لم تدفع عني فكف عني. فقال: أما أنا فأقعد في بيتي، ولكن لا بد من خلعها طائعا أو مكرها [٢] .
فلما رأى المستعين ضعف أمره أجاب إلى الخلع فوجه ابن طاهر إلى أبي أَحْمَد كتابا بأشياء [٣] سألها المستعين حتى يجيب إلى الخلع، فأجابه إلى ما سأل، وكان في سؤاله [٤] : أن ينزل إلى [٥] مدينة الرسول ﷺ ، ويكون مضطربه فيما بين مكة والمدينة، فأجيب وذلك لإحدى عشرة ليلة بقيت [٦] من ذي الحجة [٧] .
فلما كَانَ يوم السبت لعشر بقين من ذي الحجة ركب مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ إلى الرصافة، وجمع القُضَاة، فأدخلهم على المستعين فوجا فوجا، وأشهدهم عليه أنه قد صير أمره إلى مُحَمَّد بن عبد الله وأعد للخروج [٨] إلى المعتز في الشروط التي اشترطها للمستعين ولنفسه ولقواده [٩] ، فخرجوا إلى المعتز فوقع على ذلك بخطه [١٠] .
وفي هذه السنة: تحركت العلوية في النواحي فخرج [١١] الحسين بن زيد بن مُحَمَّد على طبرستان [١٢] ، وخرج بالري علي بن جعفر بن حسين بن علي بن عمر، وخرج الحسن بن أحمد الكوكبي فسار إلى الديلم [١٣] .
وخرج بالكوفة رجل من الطالبيين يُقَالُ له: الحسين بن مُحَمَّد بن حمزة بن
стр. 3862
عَبْد الله بن حسين بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، وتبعه [١] جماعة كثيرة فبعث إليه قائدا فأسره وحبسه وأحرق بالكوفة ألف دار [٢] .
وظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عَبْد اللَّهِ بن حسن بن حسين بن علي ابن أبي طالب بمكة، فهرب جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى العامل على مكة، فانتهب إسماعيل منزل جعفر ومنازل أصحاب السلطان، وقتل الجند وجماعة من أهل مكة، وأخذ ما في الكعبة من المال، وما في خزائنها من الطيب والكسوة، وما حمل لإصلاح القبر [٣] من المال، وأخذ من الناس نحوا من مائتي ألف دينار، وانتهب مكة، وأحرق بعضها.
ثم خرج بعد خمسين يوما إلى المدينة، فتوارى عاملها علي بن الحسين بن إسماعيل ثم رجع إسماعيل إلى مكة في رجب، فحاصرها حتى مات أهلها جوعا وعطشا، وبلغ الخبز ثلاث أواق بدرهم، واللحم رطل بأربعة دراهم، وشربة ماء ثلاثة دراهم، ولقي أهل مكة كل بلاء.
ثم رحل بعد سبعة وخمسين يوما إلى جدة، فحبس عن [٤] الناس الطعام، وأخذ أموال التجار وأصحاب المراكب، وحمل إلى مكة الحنطة والذرة من اليمن، ثم وافى الموقف يوم عرفة، وهناك ولاه المستعين، فقتل نحو ألف ومائة من الحاج [٥] وسلب الناس، فهربوا [٦] إلى مكة ولم يقفوا بعرفة ليلا ولا نهارا، ووقف هو وأصحابه، ثم رجعوا [٧] إلى جدة فأفنى أموالها [٨] .
стр. 3863
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٥٣٥- إسحاق بن منصور بن بهرام [١] الكوسج المروزي [٢] .
ولد بمرو ورحل إلى العراق، والحجاز، والشام. فسمع سفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد، وابن مهدي، ووكيع بن جراح، والنضر بن شميل.
وحدث ببغداد فسمع منه إبراهيم الحربي، وعبد الله بن أَحْمَد، وكان عالما ثقة مأمونا فقيها دون عن أَحْمَد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه المسائل، وكان أحمد لا يؤثر أن يكتب كلامه فقال يوما: بلغني أن الكوسج روى عني مسائل بخراسان اشهدوا أني رجعت عن ذلك كله. ثم قدم الكوسج، فدخل على أَحْمَد، فما ذكر له شيئا من ذلك.
وفي رواية: أنه جاء بتلك المسائل إلى بغداد وعرضها على أَحْمَد فأقر له بها، وعجب من ذَلِكَ.
استوطن الكوسج نيسابور، وتوفي بها في جمادى الأولى من هذه السنة.
١٥٣٦- حميد بن زنجويه، أبو أَحْمَد الأزدي [٣]
وزنجويه لقب، واسمه: مخلد بن قتيبة بن عَبْد الرَّحْمَنِ. خراساني من أهل نسا، كثير الحديث قديم الرحلة فيه إلى العراق، والحجاز، والشام، ومصر.
سمع النضر بن شميل، وإسماعيل بن أبي أويس، ومحمد بن يوسف الفريابي.
روى عنه: البخاري، ومُسْلِم [في الصحيحين] [٤] وحدث ببغداد، فسمع منه الحربي، وابن صاعد، والمحاملي، وكان ثقة، ثبتا، حجة. قدم مصر فحدث بها، وخرج عنها، فتوفي في هذه السنة.
стр. 3864
١٥٣٧- زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ حُصَيْنٍ بن حميد، أبو السكين الطائي [١]
قدم بغداد، فحدث بها عن أبي بكر بن عياش. روى عنه: البخاري [وأبو بكر] [٢] بن أبي الدنيا وابن صاعد [٣] ، وَكَانَ ثقة [مأمونا] [٤] توفي في هذه السنة.
- عبد الوهاب بن عبد الحكم، ويقال: ابن الحكم، [٥] بن نافع، أبو الحسن الوراق [٦] . [٧]
سمع يحيى بن سليم، ومعاذ بن معاذ العنبري، روى عنه أبو داود، وابن أبي الدنيا، والبغوي، وكان ثقة ورعا زاهدا، كان أَحْمَد يقول: عبد الوهاب رجل صالح، مثله يوفق لأصحابه الحق، ومن يقوى على ما يقوى عليه عبد الوهاب.
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ [بن محمد قال:] [٨] أخبرنا أَحْمَد بْن عَلِي بْن ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا الأَزْهَرِيُّ، حدثنا [٩] محمد بن العباس، حَدَّثَنَا أبو مزاحم موسى بن عَبْد الله بن يحيى بن [١٠] خاقان قال: حدثني أبو بَكْر الحسن [١١] بن عبد الوهاب الوراق قَالَ: ما رأيت أبي ضاحكا قط [١٢] إلا تبسما، وما رأيته مازحا قط. ولقد رآني مرة وأنا أضحك مع
стр. 3865
أمي فجعل يقول لي: صاحب قرآن يضحك هذا الضحك؟ وإنما كنت مع أمي [١] .
توفي عبد الوهاب في ذي القعدة من هذه السنة، قاله البغوي، وَقَالَ غيره: توفي سنة خمسين.
١٥٣٨- علي بن الحسن بن عَبْد الرَّحْمَنِ بن يزيد، أبو الحسن الذهلي النيسابوري، المعروف: بالأفطس [٢] .
شيخ عصره بنيسابور، له مسند مخرج على الرجال في الصحابة. سمع من النضر بن شميل، وسفيان بن عيينة، وابن أبي داود، ووكيع، وابن إدريس، وحفص بن غياث، وأبي بكر بن عياش، وإسماعيل بن علية، وجرير بن عبد الحميد وغيرهم.
توفي في هذه السنة.
١٥٣٩- مُحَمَّد بن هشام بن شبيب بن أبي خيرة، أبو عَبْد اللَّهِ السدوسي البصري [٣] .
حدث عن عبد الوهاب الثقفي، ومن في طبقته، وكان ثقة ثبتا، حسن الحديث، توفي بمصر في هذه السنة.
١٥٤٠- يعقوب بن إسحاق البهلول بن حسان بن سنان، أبو يوسف التنوخي الأنباري [٤] .
أَخْبَرَنَا عَبْد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ [بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي علي بن المحسن القاضي، عن أبي الحسن أَحْمَد بْن] [٥] يُوسُف بْن يعقوب بْن إسحاق البهلول، عن أبيه قَالَ: يعقوب بن إسحاق بن البهلول [٦] التنوخي، يكنى: أبا يوسف، وكان من [٧] حفاظ القرآن العالمين بعدده وقراآته، وكان حجاجا متنسكا [٨] ، وحدّث
стр. 3866
حديثا كثيرا عن جماعة من مشايخ أبيه [إسحاق، ولم ينتشر حديثه] [١] . ولد بالأنبار سنة سبع وثمانين ومائة [٢] ، ومات ببغداد لتسع ليال بقين من رمضان سنة إحدى وخمسين ومائتين، ومات [٣] فِي حياة أبيه، فوجد عليه وجدا شديدا، ودفن في مقابر باب التبن، وخلف يوسف الأزرق، وإبراهيم يتيمين، ومات وزوجته حامل، فولدت بعد موته ولدا [٤] سمي إسماعيل، فرباهم جدهم إسحاق بن بهلول، وكان يؤثرهم ويحبهم جدا.
قَالَ أبو الحسن: وحدثني عمي إسماعيل بن يعقوب قَالَ: أخبرني أبي [٥] عن جدي [إسحاق بن بهلول] أَنَّهُ [كان] [٦] يقول: بودي أن لي ابنا آخر مثل يعقوب في مذهبه، وإني لم أرزق سواه. وأنه لما توفي يعقوب أغمي على إسحاق وفاتته صلوات [فأعادها] [٧] بعد ذلك لما لحقه من مضض المصيبة، وإنه كان يقول: ابني يعقوب أكمل مني [٨] .
стр. 3867
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائتين
فمن الحوادث فيها:
ما كان من خلع المستعين نفسه من الخلافة [١] ، وبيعته المعتز على منبري بغداد ومسجدي جانبيها [٢] الشرقي والغربي، يوم الجمعة لأربع خلون من المحرم، وأخذ البيعة له بها [٣] على من كان بها يومئذ من الجند، وأشهد عليه بذلك الشهود من بني هاشم، والقضاة، والفقهاء، ونقل [المستعين] [٤] من الموضع الذي كان فيه من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل [بالمخرم] [٥] هو وعياله وولده وجواريه، وأخذ منه القضيب والبردة والخاتم، ومنع من الخروج إلى مكة، فاختار البصرة، فقيل [له] : [٦] إنها وبية، فقال: أهي أوبى [٧] أو ترك الخلافة؟! وبعث إليه المعتز يسأله النزول عن ثلاث جوار تزوجهن من جواري المتوكل، فنزل عنهن وجعل أمرهن إليهن [٨] .
وفي رجب [٩] : خلع المعتز المؤيد أخاه [١٠] من ولاية العهد [١١] .
стр. 3868
وفي هذه السنة: ولي الحسن بن أبي الشوارب قضاء القضاة، وكان قد سمي للقضاء جماعة فقدح فيهم، وقيل هم رافضة قدرية جهمية من أصحاب ابن أبي دؤاد، فأمر المعتز بطردهم من [١] العسكر وإخراجهم إلى بغداد [٢] .
وفيها: قتل المستعين [٣] .
وحج بالناس في هذه السنة: مُحَمَّد بن أَحْمَد بن عيسى بن المنصور من قبل المعتز [٤] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٥٤١- أَحْمَد المستعين باللَّه [٥] : أمير المؤمنين [٦]
كان الجند [قد] [٧] اختلفوا عليه فانحدر من سامراء إلى بغداد، فسألوه الرجوع، فأبى عليهم، فخلعوه وبايعوا المعتز، فجرت بينهما حروب كثيرة، إلى أن اضطر المستعين إلى خلع نفسه، وبايع المعتز، ومضى المستعين إلى واسط فكتب المعتز أن يسلم إلى عامل واسط فهلك [٨] .
ويختلفون في كيفية هلاكه، فبعضهم يقول: غرق في الماء [٩] ، وبعضهم يقول:
عذب حتى مات، وبعضهم يقول: قتل وكان عمره أربعا وعشرين سنة.
أَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز [قال:] أخبرنا [أحمد بن علي بن ثابت] الخطيب
стр. 3869
[قَالَ] : [١] أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ المقرئ [قَالَ] : أَخْبَرَنَا علي بن أَحْمَد بن أبي قيس [قَالَ] : [٢] أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن أبي الدنيا قَالَ: قتل المستعين بموضع يُقَالُ له:
«القادسية» في طريق سامراء في شوال سنة اثنتين وخمسين ومائتين [٣] .
١٥٤٢- إسماعيل بن يوسف الطالبي [٤] :
الذي فعل بمكة ما قد ذكرناه، ذكر أنه مات في هذه السنة.
١٥٤٣- إسحاق بن البهلول بن حسان بن سنان، أبو يعقوب التنوخي [٥] .
من أهل الأنبار، ولد بها سنة أربع وستين ومائة، وسمع من وكيع وأبي [٦] معاوية، وابن علية، ويحيى بن سعيد، وابن مهدي [٧] ، وغيرهم. وصنف «المسند» ، وكان ثقة. حدث عنه إبراهيم الحربي، وابن أبي الدنيا، والزناتي [٨] ، وابن صاعد، وغيرهم، [٩] ورحل إلى البلاد في طلب العلم، ثم أقام بالأنبار [١٠] .
أَخْبَرَنَا [أبو منصور] القزاز قال: أخبرنا [أحمد بْن علي بْن ثابت] [١١] الخطيب قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بن أبي علي [١٢] [قَالَ:] أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن يوسف الأزرق قَالَ: أخبرني عمي إسماعيل بن يعقوب قَالَ: حدثني [١٣] عمي البهلول بن إسحاق قَالَ: استدعى
стр. 3870
المتوكل أبي إلى سرمن رأى حتى حدثه، وسمع منه، وقرأ عليه حديثا كثيرا، ثم أمر فنصب لَهُ منبر، وكان يحدث عليه، وحدث في المسجد الجامع بسامراء، وفي رحبة زيرك وأقطعه [١] أقطاعا في كل سنة مبلغه اثنا عشر ألفا، ورسم له صلة خمسة آلاف درهم في السنة، فكان يأخذها، وأقام إلى أن قدم المستعين بغداد، فخاف أبي أن تكبس الأتراك [٢] الأنبار، فانحدر إلى بغداد عجلا ولم يحمل معه شيئا من كتبه، وطالبه مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ بن طاهر أن يحدث فحدث ببغداد من حفظه بخمسين [٣] ألف حديث لم يخطئ في شيء منها، وخرج من عنده [٤] أصحاب الحديث يوما وهم يقولون: قد حدث بالحديث الفلاني عن سفيان بن عيينة فأخطأ فيه، فبلغه فقال:
ردوهم. فلما رجعوا قَالَ: حدثني سفيان بن عيينة بهذا الحديث كما حدثتكم به، وحدثني به مرة أخرى بكيت وكيت، فذكر الوجه الذي ذكروه، ثم قَالَ: وأنا بما حدثتكم به أثبت من يدي على زندي [٥] .
توفي في ذي الحجة [من هذه السنة بالأنبار] [٦] .
١٥٤٤- الحسن بْن أَحْمَد بْن أبي شعيب [٧] .
واسم أبي شعيب [٨] : عَبْد اللَّهِ بن مسلم الأموي، مولى [عمر] [٩] بن عبد العزيز ويكنى الحسن: أبا مُسْلِم، وهو من أهل حران، سكن بغداد، وحدث بها فروى عنه ابن أبي الدنيا، وابن أبي داود، وابن صاعد، والمحاملي، وكان ثقة مأمونا.
وتوفي بسامراء في هذه السنة.
стр. 3871
١٥٤٥- زياد بن أيوب بن زياد، [١] أبو هاشم [٢] .
طوسي الأصيل، يعرف بدلويه، ولد سنة سبع وستين ومائة، سمع هشيما، وأبا بكر بن عياش، وإسماعيل بن علية، وكان ثقة، روى عنه أَحْمَد بن حنبل وَقَالَ: اكتبوا عنه فإنه شعبة الصغير.
وتوفي فِي ربيع الأول من هذه السنة.
١٥٤٦- علي بن سلمة بن عقبة، أبو الحسن القرشي اللبقي النيسابوري [٣] .
سمع حفص بن غياث، ومحمد بن فضيل، ووكيع [بن] [٤] الجراح، وابن علية، وغيرهم، وروى عنه الْبُخَارِيّ، ومسلم.
وتوفي في جمادي الأولى من [٥] هذه السنة.
أَخْبَرَنَا [٦] زاهر بن طاهر [قَالَ] : أخبرنا أَبُو عُثْمَانَ الصَّابُونِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ قَالا:
أنبأنا [٧] أبو عَبْد اللَّهِ الحاكم قَالَ: سمعت مُحَمَّد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت داود بن الحسين البيهقي [٨] يقول: سمعت علي بن سلمة اللبقي يقول: رأيت فيما يرى النائم كأن النبي ﷺ قد أقبل عن يمينه موسى بن عمران وعن يساره عيسى ابن مريم، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في القرآن؟ فقال: «أنا أشهد أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وموسى بن عمران يشهد، وهذا أخي عيسى بن مريم يشهد أن القرآن كلام الله غير مخلوق» وهذا في أيام المحنة، قَالَ اللبقي: وسمعت محمد بن جعفر بن محمد
стр. 3872
الصناديقي [١] يقول: سمعت أبي يقول [٢] : بريء الله ممن تبرأ من أبي بكر وعمر [﵄] [٣] .
١٥٤٧- مُحَمَّد بن بشار بن عثمان بن كيسان، أبو بكر البصري [٤] .
يعرف ببندار، ولد سنة سبع وستين ومائة سمع غندرا، ومحمد بن أبي عدي، ووكيع بن الجراح، وابن مهدي، ويحيى [٥] بن سعيد القطان، وروح بن عبادة، وغيرهم [٦] .
روى عنه إبراهيم الحربي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، والبغوي، وغيرهم [٧] .
قَالَ مُحَمَّد بن بشار: قد [٨] كتب عني خمسة قرون وسألوني الحديث وأنا ابن ثماني عشرة سنة، فاستحييت أن أحدثهم في المدينة، فأخرجتهم إلى البستان [٩] وأطعمتهم الرطب وحدثتهم [١٠] .
قَالَ المصنف ﵀: وبندار ثقة، قد أخرج عنه في الصحيحين إلا أنه كانت [١١] تغلب عليه العجمة [١٢] وسلامة [الصدر] [١٣] .
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْجَوْهَرِيُّ، حدّثنا محمد بن
стр. 3873
الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ [١] الْقَزَّازُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ بُنْدَارٍ فَقَالَ فِي حَدِيثٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَتْ [٢] رسول الله ﷺ ، فقال لَهُ رَجُلٌ يَسْخَرُ مِنْهُ:
أُعِيذُكَ باللَّه، مَا أَفْصَحَكَ. قَالَ: كُنَّا إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَوْحٍ نَرُوحُ [٣] إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ.
فَقَالَ: قَدْ بَانَ ذَاكَ عَلَيْكَ [٤] .
توفي بندار في رجب هذه السنة.
١٥٤٨- مُحَمَّد بن بحر بن مطر، أبو بكر البزار [٥] :
سمع يزيد بن هارون [٦] ، وشجاع بن الوليد، وأبا النضر، وغيرهم. روى [عنه] أبو جعفر الطحاوي [وغيره] [٧] .
١٥٤٩- مفضل بن فَضَالَة بن المفضل بن فَضَالَة بن [٨] عبيد بن إبراهيم [٩] ، أبو مُحَمَّد القباني [١٠] .
روى عن أبيه عن [١١] جده. توفي في رجب هذه السنة.
١٥٥٠- يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح بن منصور بن مزاحم أبو يوسف العبديّ، المعروف بالدورقي [١٢] .
стр. 3874
وهو أخو أَحْمَد بن إبراهيم- كان الأكبر- رأى الليث بن سعد، وسمع إبراهيم بن سعد الزهري، والدراوَرْديّ، وسفيان بن عيينة، وغيرهم. روى عنه البخاري، ومسلم، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وَأَبُو داود، والنسائي، وآخر من حدث عنه: مُحَمَّد بن مخلد، وكان حافظا متقنا ثقة، صنف «المسند» [١] .
وتوفي في هذه السنة.
стр. 3875
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائتين
فمن الحوادث فيها:
أن المعتز عقد في اليوم الرابع من رجب لموسى بن بغا الكبير على الخيل [١] ومعه من الجيش يومئذ ألفان وأربع مائة وثلاثة وأربعون.
وفيها: خلع المعتز على بغا الشرابي في رمضان [٢] ، وألبسه التاج [٣] والوشاحين، فخرج بها إلى منزله.
وفيها: استقضي ابن أبي العنبس على مدينة السلام، وصرف أَحْمَد بن مُحَمَّد بن سماعة.
أَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز قال: [أخبرنا أبو بكر بن ثابت، أَخْبَرَنَا علي بن المحسن قَالَ: أَخْبَرَنَا] [٤] طلحة بن مُحَمَّد [٥] بن جعفر قَالَ: صرف أَحْمَد بن مُحَمَّد بن سماعة واستقضي مكانه إبراهيم بن إسحاق بن أبي العنبس في هذه السنة، وكان يتقلد قضاء الكوفة، وهذا رجل جليل القدر، حسن الدين، وكان سبب صرفه أن الموفق أراد منه [٦]
стр. 3876
أن يدفع إليه أموال اليتامى [١] على سبيل القرض، فأبى أن يدفعها [إليه] [٢] وَقَالَ: لا والله ولا حبة منها، فصرفه عن الحكم، فرد إلى قضاء الكوفة.
وقيل إن [٣] هذا كان في سنة أربع وخمسين.
وفيها: نفى المعتز أبا أَحْمَد بن المتوكل إلى واسط، ثم إلى البصرة، ثم رد إلى بغداد، وأنزل الجانب الشرقي في قصر دينار بن عَبْد اللَّهِ.
ونفى علي بن المعتصم إلى واسط، ثم رد إلى بغداد، فأنزل بالجانب الشرقي.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٥٥١- أَحْمَد بن سعيد بن صخر بن سليمان، أبو جعفر الدارمي [٤] :
ولد بسرخس، وتولى القضاء بها [٥] ، ونشأ بنيسابور، وبها مات. رحل في سماع الحديث، فسمع خلقا كثيرا، وكان ثقة حافظا متقنا، [٦] عارفا بالحديث والفقه. روى عنه: البخاري، ومسلم في الصحيحين، وقدم على طاهر بن الحسين متعرضا لنائله فوصله بأربعة آلاف درهم.
١٥٥٢- إبراهيم بن سعيد، أبو إسحاق الجوهري [٧] .
سمع سفيان بن عيينة، وأبا معاوية الضرير [٨] ، وخلقا كثيرا. روى عنه: أبو حاتم الرازي، والنَّسائيُّ، وابن أبي الدنيا، وغيرهم، وكان مكثرا ثقة ثبتا [٩] صنّف «المسند»
стр. 3877
وكان لأبيه دنيا واسعة، وأفضال على العلماء، فلذلك تمكن إبراهيم من السماع، وقدر على الإكثار [١] .
أَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز [قَالَ:] أَخْبَرَنَا [أحمد بْن علي بْن ثابت] الخطيب [قَالَ:] أَخْبَرَنَا [أبو] عبد الله أحمد بن محمد الكاتب [قَالَ:] أَخْبَرَنَا إبراهيم بن مُحَمَّد بن يحيى المزكي [قال:] حدّثنا مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحْمَنِ الدغولي [قَالَ:] [٢] حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بن جعفر بن خاقان السلمي قَالَ:
سألت إبراهيم بن سعيد الجوهري عن حديث لأبي بكر الصديق [﵁] فقال لجاريته: أخرجي إلي [٣] الجزء الثالث والعشرين من «مسند أبي [٤] بكر» . فقلت له: لا يصح لأبي بكر خمسون حديثا، فمن أين ثلاثة وعشرون جزءا؟ فقال: كل حديث لم يكن عندي من مائة وجه فأنا فيه يتيم [٥] .
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ [قَالَ: أَخْبَرَنَا] [٦] الخطيب [قَالَ:] أَخْبَرَنَا أبو عمرو الحسن [٧] بن عُثْمَان الواعظ [قَالَ:] حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد بن أَحْمَد بن الحكم المؤدب، حَدَّثَنَا جعفر بن مُحَمَّد الفريابي قَالَ: سمعت إبراهيم الهروي يقول: حج سعيد الجوهري فحمل معه أربع مائة رجل من الزوار سوى حشمه يحج بهم! وكان منهم إسماعيل بن عياش، وهشيم بن بشير، وكنت أنا معهم في إمارة [هارون] الرشيد [٨] .
انتقل إبراهيم عن بغداد، فسكن عين زربة مرابطا بها إلى [٩] أن توفي في هذه السنة.
стр. 3878
١٥٥٣- إسحاق بن حنبل بن هلال بن أسد بن يعقوب الشيباني [١]
وهو عم أبي عَبْد اللَّهِ أَحْمَد بن حنبل، ولد سنة إحدى وستين ومائة، وسمع يزيد بن هارون، وروى [عنه] [٢] ابنه حنبل وكان ثقة [٣] .
وتوفي في هذه السنة وله اثنتان وتسعون سنة [٤] .
١٥٥٤- سعيد بن بحر، أبو عثمان، وقيل: أبو عمر، القراطيسي [٥] .
سمع حسينا الجعفي، وأبا نعيم، روى عنه: ابن صاعد، والمحاملي. وَكَانَ ثقة. توفي في رمضان هذه السنة.
١٥٥٥- السري بن المغلس، أبو الحسن السقطي [٦] .
صحب معروفا الكرخي، وحدث عن هشيم، وأبي بكر بن عياش، ويزيد بن هارون، وكان من العباد [٧] المجتهدين.
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ [بن مُحَمَّد قال:] أخبرنا أحمد بن علي [قال] أخبرنا ابن زريق، حَدَّثَنَا عثمان بن أَحْمَد، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن إسماعيل بن عامر قَالَ: سمعت حسنا المسوحي [٨] يقول:
دفع إلي السري [٩] قطعة فقال: اشتر لي باقلاء [ولا تشتر إلا من] [١٠] رجل قدره
стр. 3879
داخل الباب، فطفت الكرخ كله، فلم أجد إلا من قدره خارج الباب، فرجعت إليه وقلت له: خذ قطعتك، فإني لا أجد إلا من قدره خارج الباب [١] .
[أَخْبَرَنَا عَبْد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب. وحدثنا مُحَمَّد بن عيسى بن عَبْد العزيز. وحدثنا علي بن الحسن الطفيلي قَالَ سمعت الفرجاني يقول] : سمعت [٢] الجنيد يقول: ما رأيت أعبد من السري السقطي، أتت عليه ثمانية وتسعون سنة ما رئي مضطجعا إلا في علة الموت [٣] .
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ [قَالَ:] أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ علي [الخطيب] [٤] أخبرنا أبو نعيم، أَخْبَرَنَا جعفر الخالدي [٥] في كتابه قَالَ سمعت الجنيد يقول:
كنت يوما عند السري بن المغلس وكنا خاليين [٦] وهو مؤتزر بمئزر، فنظرت إلى جسده كأنه جسد سقيم دنف مضني، كأجهد ما يكون، فقال: انظر إلى جسدي هذا لو شئت أن أقول إن ما بي من المحبة لكان كما أقول، وكان وجهه أصفر [٧] ثم أشرب [٨] حمرة حتى تورد، ثم اعتل فدخلت عليه أعوده، فقلت له [٩] : كيف تجدك؟ فقال:
كيف أشكو إلى طبيبي ما بي ... والذي بي أصابني من طبيبي؟
فأخذت المروحة أروحه، فقال: كيف يجد ريح المروحة من جوفه يحترق من داخل، ثم أنشأ يَقُولُ:
القلب محترق والدمع مستبق ... والكرب مجتمع والصبر مفترق
كيف القرار على من لا قرار له ... مما جناه الهوى والشوق والقلق
стр. 3880
يا رب إن كان شيء فيه لي فرج ... فامنن علي به ما دام لي رمق [١]
توفي السري يوم الثلاثاء لست خلون من رمضان هذه السنة بعد آذان [٢] الفجر، ودفن بعد العصر [٣] وقبره ظاهر بالشونيزية. ورئي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قَالَ: غفر لي ولمن حضر جنازتي [٤] .
١٥٥٦- علي بن شعيب بن عدي بن همام، أبو الحسن السمسار [٥] .
طوسي الأصل، سمع هشيما، وابن عيينة، وروى عنه البغوي وابن صاعد، وكان ثقة، توفي في شوال هذه السنة.
١٥٥٧- محمد بْن عبد الله بْن طاهر بْن الحسين بن مصعب، أبو العباس [٦] الخزاعي [٧] .
ولي إمارة بغداد في أيام المتوكل، وأبوه أمير، وجده أمير، وكان مألفا لأهل العلم والأدب، وقد أسند الحديث.
أَخْبَرَنَا عَبْد الرحمن بن محمد [قال:] أخبرنا [أحمد بن علي بن ثابت] الخطيب حَدَّثَنَا [٨] مُحَمَّد بن علي بن مخلد، أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران [قال:] حدثنا محمد بن يحيى [قال:] [٩] حدّثنا محمد بن موسى قَالَ: كان الحسن بن وهب عند مُحَمَّد [١٠] بن عَبْد اللَّهِ بن طاهر فعرضت سحابة فرعدت وبرقت ومطرت [١١] ، فقال كل من حضر فيها شيئا، فقال الحسن:
стр. 3881
هطلتنا السماء هطلا دراكا ... عارض المرزبان فيها السماكا
قلت للبرق إذ توقد فيها ... يا زناد السماء من أوراكا
أحبيب نأيته [١] فجفاكا ... فهو العارض الذي استبكاكا
أم تشبهت بالأمير أبي العباس ... في جوده فلست هناكا [٢]
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد [قال] أخبرنا أبو بكر [أحمد] بن علي [بن ثابت] الحافظ [قال:] أَخْبَرَنَا أبو يعلي أَحْمَد بن عبد الواحد الوكيل [قال:] حدثنا إسماعيل بن سعيد المعدل [قَالَ:] حَدَّثَنَا [٣] الحسين بْن القاسم الكوكبي، قَالَ: حدثني مُحَمَّد بن غيلان قَالَ: أخبرني ابن السكيت أن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ بن طاهر عزم على الحج، فخرجت إليه جارية شاعرة، فبكت لما رأت آلة السفر، فقال مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ:
دمعة كاللؤلؤ الرطب ... على الخد الأسيل
هطلت في ساعة البين ... من الطرف الكحيل
ثم قَالَ لها: أجيزيني فقالت:
حين هم القمر الزاهر ... [٤] عنا بالأفول
إنما تفتضح العشاق ... في يوم الرحيل [٥]
[أخبرنا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن العباس الخزاز، حَدَّثَنَا عبيد الله بن أَحْمَد، حَدَّثَنَا أبي قَالَ] [٦] : كتب مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ [٧] بن طاهر إلى جارية له [٨] :
стр. 3882
ماذا تقولين فيمن شفه سقم ... من جهد حبك حتى صار حيرانا؟
فأجابته:
إذا رأينا محبا قد أضر به ... جهد الصبابة أوليناه إحسانا [١]
[أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن علي قال: أخبرني الأزهري قال:
أخبرنا أَحْمَد بن إِبْرَاهِيم قَالَ: حَدَّثَنَا] [٢] ابن عرفة [قَالَ:] وفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين [٣] لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة انكسف القمر في أول الليل حتى ذهب أكثره، فلما انتصف الليل مات مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بن طاهر، وكان به خراج في حلقه، فاشتد حتى عولج بالفتائل ودفن في مقابر قريش [٤] .
١٥٥٨- وصيف التركي [٥] .
كان أميرا كبيرا، وخدم جماعة من الخلفاء، وفي هذه السنة طلب الجند منه أرزاقهم، فقال: ما عندنا مال. فقتلوه، فجعل المعتز ما كان إليه إلى بغا الشرابي.
وقد روى هلال بن المحسن الصابي: أن بعض مشايخ قم قَالَ: ورد علينا وصيف التركي أميرا على بلدتنا، فلقيناه، فرأيناه عاقلا راجحا، فسألنا عن أمر بلدتنا وأهله [٦] سؤال عالم به، وسألنا عن شيوخ البلد، إلى أن انتهى إلى ذكر رجل لم يكن مذكورا، فلم يعرفه [منّا] [٧] إلا رجل كان معنا، ثم أتبع ذكره بتعظيم أمره، وتعرف خبر ولده، وحاله في معيشته، وأطال في ذلك إطالة حتى [٨] استجهلناه فيها، ثم قَالَ: أحضرونيه إحضارا رفيقا، فإنّي أكره أن أنفذ إليه فينزعج. فأحضرناه، فلما وقعت عينه عليه قام إليه
стр. 3883
وأجلسه معه في دسته، ثم أقبل يسأله عن زوجته وولده، والشيخ يجيبه جواب دهش، ثم قال له: أحسبك [١] قد نسيتني وأنكرت معرفتي. قَالَ: كيف أنكر الأمير مع جلالة قدره.
فقال: دع ذا، أتعرفني جيدا؟ قَالَ: لا. قَالَ: أنا وصيف مملوكك. ثم التفت إلينا فقال:
يا مشايخ [٢] ، أنا رجل من الديلم، شببت وقت كذا وكذا، وحملت إلى قزوين وسني نحو العشر سنين، واشتراني هذا الشيخ وأسلمني مع ابنه في المكتب، وأحسن تربيتي، فإذا وقع في يدي شيء تركته عند فلان البقال [٣] في المحلة [يعرف بفلان] [٤] أهو باق؟
قالوا: نعم [قَالَ:] فأحببت بعد [٥] بلوغي العمل [بحمل] [٦] السلاح، فرآني بعض الجند فقال: هل لك أن تجيء معي إلى خراسان فأركبك الدواب وأعطيك السلاح؟
فقلت: أفعل على أن لا أكون لك مملوكا، بل غلاما تابعا، فإن رأيت منك ما أؤثر لم أفارقك، وإن لم يكن [٧] ذلك فلا سلطان لك علي فقال: ذلك لك [٨] . فجئت إلى البقال فحاسبته، وأخذت ما بقي لي عنده، وابتعت ما أحتاج إليه [٩] وهربت من مولاي هذا مع الجندي إلى خراسان، وتدرجت بي الأمور حتى بلغت إلى هذه المنزلة، وأنا تحت رق مولاي هذا، وأسألكم أن تسألوه أن يبيعني نفسي، فقال الرجل: الأمير حر لوجه الله، وأنا عبده ومتحمل بولائه ومفتخر به. فقال وصيف: يا غلام، هات ثلاث بدر. فأحضرت فسلمها إلى الشيخ، ثم استدعى له من الطيب والثياب والدواب [١٠] مثل
стр. 3884
قدر المال، وطلب ابنه فأكرمه، وأعطاه عشرة آلاف درهم وثيابا ودوابا، واستدعى البقال فوهب [١] له خمس مائة دينار، ثم بعث إلى زوجة الشيخ وبناته مالا، وَقَالَ له [٢] :
انبسط في سلطاننا انبساط من صاحبه مولاك، فإني لا أردك عن مطلب تطلبه، ولا أعترض عليك في شيء تعمله، ثم قَالَ: يا مشايخ قم، أنتم شيوخي ما على الأرض أوجب حقا [٣] علي منكم إلا أني أخالفكم في الرفض فإني درت [٤] الآفاق، وعرفت المذاهب، فما وجدت على اعتقادكم أحد، ومن المحال وقوع الإجماع على ضلال وانفرادكم من بين الناس بالحق. وصار الشيخ وابنه رئيسي البلدة [٥] .
١٥٥٩- هارون بن سعيد بن الهيثم، أبو جعفر [٦]
مولى لبني سعد بن بكر، ولد سنة سبعين ومائة، وحدث عن ابن عيينة، وابن وهب، وكان ثقة، وعلت سنه فضعف، فلزم بيته، وتوفي فِي ربيع الأول من هذه السنة.
стр. 3885
ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائتين
فمن الحوادث فيها:
أنه ولي أَحْمَد بن طولون من قبل المعتز.
وحج بالناس في هذه السنة علي بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن مُحَمَّد بن علي [١] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٥٦٠- بغا الشرابي [٢]
كان قد طغى وخالف أمر [٣] المعتز، واستبد بالأموال والأمر، فركب المعتز ليلا وقد تشاغل بغا [٤] بتزويجه صالح بن يوسف ابنته، فوثب بغا على مال السلطان ومال أمه، فأوقر منه عشرين بغلا فوقعوا به فقتلوه، وجاءوا برأسه إلى المعتز، فنصبه بسامراء، وأعطى الذي جاء برأسه [٥] عشرة آلاف دينار، ثم حدر برأسه إلى مدينة السلام، وأمر بإحراق جسده وحبس جماعة من ولده، ونفى خمسة من صغارهم إلى عمان والبحرين، ونجا يونس بن بغا إلى بختيشوع.
стр. 3886
١٥٦١- سلم بن جنادة بن سلم بن خالد بن جابر [١] بن سمرة، أبو السائب السوائي الكوفي [٢] .
ولد سنة أربع وسبعين ومائة، فقدم بغداد وحدث بها عن ابن إدريس، وابن فضيل، ووكيع، وأبي معاوية، وحفص بن غياث، ومعاوية [٣] ، وأبي نعيم. روى عنه:
ابن صاعد، والمحاملي، وابن مخلد قَالَ: البرقاني [٤] : هو ثقة [٥] حجة، لا يشك فيه يصلح للصحيح.
توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة، وله ثمانون سنة.
١٥٦٢- علي بن مُحَمَّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين [٦] بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن الهاشمي [٧] .
أحد من يعتقد فيه الشيعة الإمامة أشخصه المتوكل في مدينة رسول الله ﷺ إلى بغداد، ثم إلى سامراء فقدمها، وأقام بها في هذه السنة [ودفن] [٨] في داره فلإقامته [٩] بالعسكر عرف بأبي الحسن [١٠] العسكري، وصلى عليه أبو أَحْمَد بن المتوكل [١١] .
أَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز [قال:] أخبرنا [أبو بكر أحمد بْن علي بْن ثابت] الخطيب [قَالَ:] أَخْبَرَنَا الأزهري، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ المقرئ حدّثنا محمد بن
стр. 3887
يحيى النديم [قَالَ:] [١] حَدَّثَنَا الحسين [٢] بن يحيى قَالَ:
اعتل المتوكل في أول خلافته، فقال لئن برئت [٣] لأتصدقن بدنانير كثيرة، فلما بريء جمع الفقهاء فسألهم عن ذلك، فاختلفوا، فبعث إلى علي بن مُحَمَّد بن علي بن موسى، فقال: تتصدق بثلاثة وثمانين دينارا. فعجب قوم من ذلك وتعصب قوم عليه وقالوا: تسأله [٤] يا أمير المؤمنين من أين له هذا فردّ الرسول إليه.
فقال: قل لأمير المؤمنين في هذا الوفاء بالنذر لأن الله تعالى قَالَ: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ٩: ٢٥ [٥] فروى أهلنا جميعا أن المواطن في الوقائع والسرايا والغزوات [٦] كانت ثلاثة وثمانين موطنا، وأن يوم حنين كان الرابع والثمانون وكلما زاد أمير المؤمنين في فعل [٧] الخير كان أنفع له وأجدى عليه في الدُّنَيا والآخرة [٨] .
١٥٦٣- مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ بن المبارك، أبو جعفر المخرمي [٩] .
قاضي حلوان، سمع يحيى بْن سعيد القطان، وابن مهدي، ووكيعا، وغيرهم.
[روى عنه البخاري فِي صحيحه، وإبراهيم الحربي، والنسائي، والباغندي، وابن صاعد] [١٠] . وكان ثقة عالما بالحديث متقنا مبرزا على الحفاظ [١١] .
١٥٦٤- مُحَمَّد بن منصور بن داود بن إبراهيم، أبو جعفر العابد الطوسي [١٢] .
سمع إسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة، وعفان بن مسلم في آخرين. روى
стр. 3888
عنه: البغوي [١] ، وابن صاعد، والمحاملي، وغيرهم. وكان ثقة خيرا صالحا.
أَخْبَرَنَا [أَبُو منصور] القزاز [قَالَ:] أَخْبَرَنَا [أحمد بن علي] [٢] الخطيب قال:
أخبرني الحسين بن علي الطناجيري، حَدَّثَنَا عمر بن أحمد الواعظ، حدثنا أحمد بن محمد بن الفضل قال: سمعت محمد بن منصور الطوسي وحواليه قوم [٣] فقالوا له: يا أبا جعفر، إيش اليوم عندك قد شك [٤] الناس فيه يَوْم عرفة هو أو غيره؟ فقال: اصبروا.
فدخل البيت ثم خرج فقال: هو عندي يوم عرفة. فاستحيوا أن يقولوا له من أين لك ذلك؟ فعدوا الأيام والليالي، فكان اليوم الذي قَالَ مُحَمَّد بن منصور يوم عرفة. قَالَ أبو العباس: [وكنت أصغر القوم] [٥] ، فجاء إليه أبو بكر بن سلام الوراق مع جماعة فسمعت ابن سلام يقول: من أين علمت أنه يوم عرفة؟ قَالَ: دخلت البيت فسألت ربي تعالى فأراني الناس في الموقف [٦] .
توفي الطوسي يوم الجمعة لست بقين من شوال من هذه السنة، وله ثمان وثمانون سنة [٧] .
١٥٦٥- المؤمل بن أهاب بن عبد العزيز، أبو عَبْد الرَّحْمَنِ [٨] الربعي [٩] .
كوفي قدم بغداد وحدث بها عن أبي داود الطيالسي، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وغيرهم. روى عنه ابن أبي الدنيا، والنسائي، والباغندي، وكان صدوقا.
وله مع أصحاب الحديث قصة: أَخْبَرَنَا بها أبو منصور القزاز [قَالَ:] أَخْبَرَنَا [أبو
стр. 3889
بكر أحمد بْن علي بْن ثابت] الخطيب [١] قَالَ: حدثني الصوري، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحاج، حَدَّثَنَا أَحْمَد بن مُحَمَّد بن الحسين بن السندي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عمر بن الحسين [٢] قَالَ: حَدَّثَنِي علي بن مُحَمَّد بن سليمان قَالَ:
قدم مؤمل بن إهاب الرملة، فاجتمع عليه أصحاب الحديث، وكان ذعرا متمنعا، فألحوا عليه فأمتنع أن يحدثهم فمضوا [٣] بأجمعهم، وألفوا منهم فئتين فتقدموا إلى القاضي، وقالوا: إن [٤] لَنَا عبدا خلاسيا [٥] له علينا حق صحبة وتربية، وقد كان أدبنا فأحسن التأديب، وآلت بنا الحال إلى الإضاقة بحمل المحبرة [لطلب الحديث وإنا] [٦] قد أردنا بيعه فامتنع علينا. فقال لهم السلطان: وكيف أعلم صحة ما ذكرتم؟ قالوا:
إن [٧] معنا بالباب جماعة من جملة الأرباب، وطلاب [٨] العلم، وثقات الناس. نكتفي بالنظر إليهم دون السؤال عنهم، وهم يعلمون ذلك فتأذن بوصولهم [إليك] [٩] لتسمع منهم. فأدخلهم وسمع منهم مقالتهم ووجه خلف المؤمل بالشرط والأعوان يدعونه إلى السلطان فتعزز فجذبوه وجروه، فلما دخل عليه قال له: ما يكفيك [١٠] ما أنت فيه من الأباق، حتى تتعزز على السلطان [١١] ، امضوا به إلى الحبس. فحبس مؤمل، وكان من
стр. 3890
هيئته أنه أصفر طوال [١] ، خفيف اللحية، يشبه عبيد [أهل] [٢] الحجاز، فلم يزل في حبسه أياما حتى علم جماعة من إخوانه، فصاروا إلى السلطان وقالوا: إن هذا مؤمل بن إهاب في حبسك مظلوم. فقال لهم [٣] : ومن ظلمه؟ قالوا: أنت. قَالَ: ما أعرف من هذا شيئا، من مؤمل هذا [٤] ؟ قالوا: الشيخ الَّذِي اجتمع عليه الجماعة [٥] . قَالَ: ذاك العبد الآبق؟ فقالوا: ما هو بعبد أبق بل [٦] هو إمام [٧] من أئمة المسلمين في الحديث.
فأمر بإخراجه وسأله عن حاله، وصرفه وسأله أن يحله فلم ير مؤمل بعد ذلك متمنعا امتناعه الأول حتى لحق باللَّه تعالى [٨] .
توفي مؤمل بالرملة في رجب هذه السنة.