١٥٦١- سلم بن جنادة بن سلم بن خالد بن جابر [١] بن سمرة، أبو السائب السوائي الكوفي [٢] .
ولد سنة أربع وسبعين ومائة، فقدم بغداد وحدث بها عن ابن إدريس، وابن فضيل، ووكيع، وأبي معاوية، وحفص بن غياث، ومعاوية [٣] ، وأبي نعيم. روى عنه:
ابن صاعد، والمحاملي، وابن مخلد قَالَ: البرقاني [٤] : هو ثقة [٥] حجة، لا يشك فيه يصلح للصحيح.
توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة، وله ثمانون سنة.
١٥٦٢- علي بن مُحَمَّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين [٦] بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن الهاشمي [٧] .
أحد من يعتقد فيه الشيعة الإمامة أشخصه المتوكل في مدينة رسول الله ﷺ إلى بغداد، ثم إلى سامراء فقدمها، وأقام بها في هذه السنة [ودفن] [٨] في داره فلإقامته [٩] بالعسكر عرف بأبي الحسن [١٠] العسكري، وصلى عليه أبو أَحْمَد بن المتوكل [١١] .
أَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز [قال:] أخبرنا [أبو بكر أحمد بْن علي بْن ثابت] الخطيب [قَالَ:] أَخْبَرَنَا الأزهري، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ المقرئ حدّثنا محمد بن
стр. 3887
يحيى النديم [قَالَ:] [١] حَدَّثَنَا الحسين [٢] بن يحيى قَالَ:
اعتل المتوكل في أول خلافته، فقال لئن برئت [٣] لأتصدقن بدنانير كثيرة، فلما بريء جمع الفقهاء فسألهم عن ذلك، فاختلفوا، فبعث إلى علي بن مُحَمَّد بن علي بن موسى، فقال: تتصدق بثلاثة وثمانين دينارا. فعجب قوم من ذلك وتعصب قوم عليه وقالوا: تسأله [٤] يا أمير المؤمنين من أين له هذا فردّ الرسول إليه.
فقال: قل لأمير المؤمنين في هذا الوفاء بالنذر لأن الله تعالى قَالَ: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ٩: ٢٥ [٥] فروى أهلنا جميعا أن المواطن في الوقائع والسرايا والغزوات [٦] كانت ثلاثة وثمانين موطنا، وأن يوم حنين كان الرابع والثمانون وكلما زاد أمير المؤمنين في فعل [٧] الخير كان أنفع له وأجدى عليه في الدُّنَيا والآخرة [٨] .
١٥٦٣- مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ بن المبارك، أبو جعفر المخرمي [٩] .
قاضي حلوان، سمع يحيى بْن سعيد القطان، وابن مهدي، ووكيعا، وغيرهم.
[روى عنه البخاري فِي صحيحه، وإبراهيم الحربي، والنسائي، والباغندي، وابن صاعد] [١٠] . وكان ثقة عالما بالحديث متقنا مبرزا على الحفاظ [١١] .
١٥٦٤- مُحَمَّد بن منصور بن داود بن إبراهيم، أبو جعفر العابد الطوسي [١٢] .
سمع إسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة، وعفان بن مسلم في آخرين. روى
стр. 3888
عنه: البغوي [١] ، وابن صاعد، والمحاملي، وغيرهم. وكان ثقة خيرا صالحا.
أَخْبَرَنَا [أَبُو منصور] القزاز [قَالَ:] أَخْبَرَنَا [أحمد بن علي] [٢] الخطيب قال:
أخبرني الحسين بن علي الطناجيري، حَدَّثَنَا عمر بن أحمد الواعظ، حدثنا أحمد بن محمد بن الفضل قال: سمعت محمد بن منصور الطوسي وحواليه قوم [٣] فقالوا له: يا أبا جعفر، إيش اليوم عندك قد شك [٤] الناس فيه يَوْم عرفة هو أو غيره؟ فقال: اصبروا.
فدخل البيت ثم خرج فقال: هو عندي يوم عرفة. فاستحيوا أن يقولوا له من أين لك ذلك؟ فعدوا الأيام والليالي، فكان اليوم الذي قَالَ مُحَمَّد بن منصور يوم عرفة. قَالَ أبو العباس: [وكنت أصغر القوم] [٥] ، فجاء إليه أبو بكر بن سلام الوراق مع جماعة فسمعت ابن سلام يقول: من أين علمت أنه يوم عرفة؟ قَالَ: دخلت البيت فسألت ربي تعالى فأراني الناس في الموقف [٦] .
توفي الطوسي يوم الجمعة لست بقين من شوال من هذه السنة، وله ثمان وثمانون سنة [٧] .
١٥٦٥- المؤمل بن أهاب بن عبد العزيز، أبو عَبْد الرَّحْمَنِ [٨] الربعي [٩] .
كوفي قدم بغداد وحدث بها عن أبي داود الطيالسي، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وغيرهم. روى عنه ابن أبي الدنيا، والنسائي، والباغندي، وكان صدوقا.
وله مع أصحاب الحديث قصة: أَخْبَرَنَا بها أبو منصور القزاز [قَالَ:] أَخْبَرَنَا [أبو
стр. 3889
بكر أحمد بْن علي بْن ثابت] الخطيب [١] قَالَ: حدثني الصوري، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحاج، حَدَّثَنَا أَحْمَد بن مُحَمَّد بن الحسين بن السندي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عمر بن الحسين [٢] قَالَ: حَدَّثَنِي علي بن مُحَمَّد بن سليمان قَالَ:
قدم مؤمل بن إهاب الرملة، فاجتمع عليه أصحاب الحديث، وكان ذعرا متمنعا، فألحوا عليه فأمتنع أن يحدثهم فمضوا [٣] بأجمعهم، وألفوا منهم فئتين فتقدموا إلى القاضي، وقالوا: إن [٤] لَنَا عبدا خلاسيا [٥] له علينا حق صحبة وتربية، وقد كان أدبنا فأحسن التأديب، وآلت بنا الحال إلى الإضاقة بحمل المحبرة [لطلب الحديث وإنا] [٦] قد أردنا بيعه فامتنع علينا. فقال لهم السلطان: وكيف أعلم صحة ما ذكرتم؟ قالوا:
إن [٧] معنا بالباب جماعة من جملة الأرباب، وطلاب [٨] العلم، وثقات الناس. نكتفي بالنظر إليهم دون السؤال عنهم، وهم يعلمون ذلك فتأذن بوصولهم [إليك] [٩] لتسمع منهم. فأدخلهم وسمع منهم مقالتهم ووجه خلف المؤمل بالشرط والأعوان يدعونه إلى السلطان فتعزز فجذبوه وجروه، فلما دخل عليه قال له: ما يكفيك [١٠] ما أنت فيه من الأباق، حتى تتعزز على السلطان [١١] ، امضوا به إلى الحبس. فحبس مؤمل، وكان من
стр. 3890
هيئته أنه أصفر طوال [١] ، خفيف اللحية، يشبه عبيد [أهل] [٢] الحجاز، فلم يزل في حبسه أياما حتى علم جماعة من إخوانه، فصاروا إلى السلطان وقالوا: إن هذا مؤمل بن إهاب في حبسك مظلوم. فقال لهم [٣] : ومن ظلمه؟ قالوا: أنت. قَالَ: ما أعرف من هذا شيئا، من مؤمل هذا [٤] ؟ قالوا: الشيخ الَّذِي اجتمع عليه الجماعة [٥] . قَالَ: ذاك العبد الآبق؟ فقالوا: ما هو بعبد أبق بل [٦] هو إمام [٧] من أئمة المسلمين في الحديث.
فأمر بإخراجه وسأله عن حاله، وصرفه وسأله أن يحله فلم ير مؤمل بعد ذلك متمنعا امتناعه الأول حتى لحق باللَّه تعالى [٨] .
توفي مؤمل بالرملة في رجب هذه السنة.
стр. 3891
ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائتين
فمن الحوادث فيها:
أن المعتز جلس في دار العامة للمظالم، فعزل وولى وأمضى الأمور، وولى موسى بن بغا ديوان الجيش.
وولى سليمان بن عَبْد اللَّهِ بن طاهر شرطة بغداد والسواد، وذلك لست خلون من ربيع الآخر.
وفيها: أخذ صالح بن وصيف أَحْمَد بن إسرائيل، والحسن بن مخلد، وأبا نوح، وعيسى بن إبراهيم، فقيدهم [١] وطالبهم بأموال، وقبضت أملاكهم وضياعهم [٢] ودورهم.
ولليلتين خلتا من رجب: ظهر عيسى بن جعفر، وعلي بن زيد الحسنيان بالمدينة، فقتلا بها عَبْد الله بن مُحَمَّد بن داود بن علي.
ولثلاث بقين من رجب خلع المعتز، وكان [٣] السبب [أن الكتاب] [٤] الذي ذكرنا أن صالح بن وصيف أخذهم لم يقروا [٥] بشيء، فصار الأتراك إلى المعتز، وقالوا له:
стр. 3892
أعطنا أرزاقنا لنقتل لك صالح بن وصيف) فأرسل المعتز إلى أمه يسألها أن تعطيه مالا، فقالت: ما عندي شيء. ثم وجدوا بعد ذلك [١] في خزانتها ما يزيد على ألف ألف دينار، فلما لم يعطهم، ولا وجدوا في بيت المال شيئا اجتمعوا على خلع المعتز، فصاروا إليه [لثلاث بقين من رجب] [٢] ثم بعثوا إليه: أخرج إلينا فبعث إليهم: إني [٣] قد أخذت الدواء [٤] وقد أضعفني، ولا أقدر على الكلام، فإن كان أمر لا بد منه، فليدخل إلي بعضكم، فليعلمني، فدخل إليه منهم جماعة فجروا برجله وقميصه مخرق، وآثار الدم على منكبيه، فأقاموه في الشمس في شدة الحر، فجعل يرفع قدما ويحط قدما من شدة الحر [٥] ، ثم جعل بعضهم يلطمه ويقول: اخلعها. ثم أدخلوه حجرة وبعثوا إلى ابن أبي الشوارب فأحضروه [٦] مع جماعة من أصحابه فقال صالح وأصحابه: اكتبوا عليه كتاب خلع. فكتب وشهدوا عليه وخرجوا.
ثم دفع بعد الخلع إلى من يعذبه، فمنعه الطعام والشراب ثلاثة أيام، ثم جصصوا سردابا بالجص الثخين، وأدخلوه فيه وأطبقوا عليه بابه، فأصبح ميتا، وولوا بعده المهتدي باللَّه [٧] .
стр. 3893
باب خلافة المهتدي باللَّه
واسمه: مُحَمَّد بن هارون الواثق بن المعتصم، ويكنى: أبا إسحاق، ويقال: أبا عَبْد اللَّهِ.
ولد بالقاطول في ربيع الأول سنة تسع عشرة ومائتين [وكان منزله بسامراء] [١] وأمه أم ولد، يُقَالُ لها: قرب [٢] .
وكان أسمر رقيقا أجلى، رحب الوجه، حسن اللحية، أشهل [٣] العينين، عظيم البطن، عريض المنكبين، قصيرا، طويل اللحية، أشيب. بويع بعد المعتز، ولم يقبل المهتدي بيعة أحد حتى جيء بالمعتز فخلع نفسه وأخبر [٤] عن عجزه عن القيام بما أسندوا [٥] إليه من أمر الخلافة [٦] ، ورغبته في تسليمها إلى المهتدي، ومد المعتز يده فبايع المهتدي، ثم بايعه خاصة الموالي.
وكان خلع المعتز نفسه يوم الاثنين لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، وبويع [٧] المهتدي ليوم بقي من رجب، ودعي للمهتدي يوم الجمعة أول يوم من شعبان ولم يدع له ببغداد حتى قتل المعتز يوم السبت ليومين من شعبان [٨] .
وكان المهتدي من أحسن الخلفاء [٩] مذهبا، وأجملهم طريقة، وأظهرهم ورعا، وأكثرهم عبادة، وأسند الحديث [١٠] .
стр. 3894
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد [قال:] أخبرنا [أحمد بْن علي بْن ثابت] [١] الخطيب قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ رِزْقٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ [٢] بْنُ عَمْرِو بْنِ الْقَاضِي الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدَانَ الْمَرْوَزِيُّ [قَالَ:] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [٣] السَّرَخْسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُهْتَدِي باللَّه قَالَ [٤] حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ [٥] بْنِ طِبْرَاخٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفَقِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ دَاوُدَ، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [٦] ، مَا لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ شَيْءٌ [٧] ؟ قَالَ: «لِيَ النُّبُوَّةُ وَلَكُمُ الْخِلَافَةُ، بِكُمْ يُفْتَحُ هَذَا الأَمْرُ، وَبِكُمْ يُخْتَمُ» .
قال: وقال النبي ﷺ لِلْعَبَّاسِ: «مَنْ أَحَبَّكَ نَالَتْهُ شَفَاعَتِي وَمَنْ أَبْغَضَكَ فَلا نَالَتْهُ شَفَاعَتِي» [٨] .
ذكر طرف من سيرته [وأحواله] [٩]
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّد [قَالَ:] أخبرنا أبو بكر [أحمد بن علي بن ثابت] [١٠] الخطيب قال: أخبرنا أحمد بن عمر بن روح [١١] النهرواني [قال:] أخبرنا المعافى بن زكريا قال: حدثني بعض الشيوخ- ممن شاهد جماعة من العلماء وخالط كثيرا من الرؤساء- أن هاشم بن القاسم الهاشمي قَالَ: كنت جالسا [١٢] بحضرة المهتدي عشية من العشايا، فلما كادت الشمس تغرب وثبت [١٣] لأنصرف، وذلك في شهر رمضان، فقال لي: اجلس. فجلست فأذن المؤذن، وأقام [فتقدم] [١٤] وصلى المهتدي بنا [١٥] ، ثم ركع
стр. 3895
وركعنا. ودعى بالطعام، فأحضر طبق خلاف [١] عليه رغيف من الخبز النقي، وفيه آنية في بعضها [٢] ملح، وفي بعضها خل، وفي بعضها زيت، فدعاني إلى الأكل فابتدأت [٣] آكل معذرا ظانا أنه سيؤتى بطعام له نيقة، وفيه سعة. فنظر إلي وَقَالَ: ألم تكن صائما؟
قلت: بلى. قَالَ: أفلست عازما على صوم غد؟ قلت: كيف لا وهو شهر رمضان؟ فقال:
كل واستوف غداءك، فليس ها هنا من الطعام غير ما ترى. فعجبت من قوله، ثم قلت [والله لأخاطبنه في هذا المعنى، فقلت:] [٤] ولم يا أمير المؤمنين، وقد أسبغ الله نعمته، وبسط قدرته [٥] ورزقه؟ فقال: [إن] [٦] الأمر لعلى ما وصفت والحمد للَّه، ولكني فكرت في [٧] أنه كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز، وكان من التقلل والتقشف على ما بلغك، فغرت على بني هاشم أن لا يكون في خلفائهم مثله، فأخذت نفسي بما رأيت [٨] .
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ [بن محمد قال:] أخبرنا أَحْمَد بْن عَلي [قَالَ:] أَخْبَرَنَا عُبَيْد اللَّهِ بن أبي الفتح [قَالَ:] [٩] أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن إبراهيم البزاز، حَدَّثَنَا إبراهيم بن مُحَمَّد بن عرفة، وذكر المهتدي فقال: حدثني بعض الهاشميين أنه وجد له سفط فيه جبة صوف، وكساء، وبرنس كان يلبسه بالليل ويصلي فيه، ويقول: أما يستحي [١٠] بنو العباس أن لا يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز [١١] ؟
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن أَحْمَد أنه [١٢] كان قد اطّرح الملاهي، [وحرّم] [١٣] الغناء
стр. 3896
والشرب، وحسم أصحاب السلطان عن الظلم، وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين والخراج، فحبس نفسه في الحسبانات لا يخل [١] بالجلوس يوم الاثنين والخميس [والكتاب بين يديه] [٢] .
[أَخْبَرَنَا عَبْد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال:] [٣] أخبرنا عبد العزيز بن علي أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن أَحْمَد [٤] المفيد [٥] ، حَدَّثَنَا أبو بشر الدولابي قَالَ:
أخبرني أبو موسى العباسي قَالَ: لم يزل المهتدي صائما منذ جلس للخلافة إلى أن قتل [٦] .
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ [قال:] أخبرنا أحمد بن عَلِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الفتح [قَالَ:] أخبرني علي بن الحسن الجراحي [قَالَ:] حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمَد القراريطي قَالَ: قَالَ لي عمي عبد الله بن إبراهيم الإسكافي قَالَ: حضرت مجلس المهتدي باللَّه، وقد جلس للمظالم، فاستعداه رجل على ابن له، فأمر بإحضاره، فأحضر [٧] وأقامه إلى جنب الرجل، فسأله عما ادعاه عليه فأقر بِهِ، فأمره بالخروج إليه من حقه، فكتب له بذلك كتابا، فلما فرغ قَالَ له الرجل: والله يا أمير المؤمنين ما أنت إلا كما قَالَ الشاعر:
حكمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر
فقال له المهتدي: أما أنت أيها الرجل فجزاك الله خيرا [٨] ، وأما أنا فما جلست هذا المجلس حتى قرأت في المصحف وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ ٢١: ٤٧
стр. 3897
نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ٢١: ٤٧ [١] فما رأيت باكيا أكثر من بكائه ذلك اليوم [٢]
وفي هذه السنة: في سلخ رجب كان ببغداد شغب، ووثبت العامة بسليمان [٣] بن عَبْد اللَّهِ بن طاهر صاحب الشرطة، وكان [٤] السبب في ذلك [٥] أن المهتدي كتب إلى [صاحب الشرطة] [٦] سليمان أن يأخذ البيعة له ببغداد، فأحضر أبا أَحْمَد بن المتوكل فهجم العامة وهتفوا باسم أبي أَحْمَد، ودعوا إلى بيعته، وكانت فتنة قتل فيها قوم ثم سكنوا [٧] .
وللنصف [٨] من شوال [هذه السنة] : [٩] ظهر في نواحي البصرة رجل زعم أنه علي بن مُحَمَّد بن أَحْمَد بْن على بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان يقول إن جده لأمه خرج مع زيد بن علي على هشام بن عبد الملك، وكان من أهل ورزنين، وكان عبادا يتكلم في علم النجوم، فربما كتب العوذ، فخرج في نفر [١٠] من الزنج، فأخذه مُحَمَّد بن أبي عون، فحبسه ثم أطلقه، فخرج في قراب [١١] البصرة في مكان يُقَالُ له: برنجل، وجمع الزنج الذين كانوا يكتسحون السباخ فاستغواهم، ثم عبر دجلة ونزل الديناري، وكان هذا الرجل متصلا بقوم من أصحاب السلطان يمدحهم ويستميحهم بشعره، ثم خرج من سامراء سنة تسع وأربعين ومائتين
стр. 3898
إلى البحرين، وادعى أنه من ولد [١] علي بن أبي طالب، ودعا الناس إلى طاعته فتبعه جماعة، وأباه جماعة، فوقع بينهم قتال على ذلك، فانتقل عنهم إلى الإحساء فضوى [٢] إلى حي من بني تميم وصحبه جماعة من أهل البحرين، ثم كان [٣] ينتقل في البادية من حي إلى حي، ولم يزل أمره يقوى إلى سنة سبعين، وكان يقول: أوتيت آيات من آيات القرآن [٤] إمامتي [٥] منها، لقيت سورًا من القرآن لا أحفظها، فجرى بها لساني في ساعة واحدة، منها: سبحان، والكهف، وص [٦] ، وألقيت نفسي على فراشي فجعلت أفكر [٧] في الموضع الذي أقصد له، وأقيم فيه إذ نبت [٨] بي البادية فأظلتني سحابة فبرقت ورعدت [٩] ، وقيل لي: اقصد للبصرة فمضى إليها فقدمها في سنة أربع وخمسين [١٠] .
ونزل في بني ضبيعة، فاتبعه جماعة منهم علي بن أبان المهلبي، ووافق ذلك فتنة البصرة بالبلالية والسعدية، فرجا أن يتبعه منهم أحد فلم يتبعه، فهرب، وطلبه مُحَمَّد بن رجاء عامل السلطان بها، فلم يقدر عليه، فأتى بغداد فأقام بها، فاستمال [١١] جماعة، فلما عزل مُحَمَّد بْن رجاء عن البصرة وثب رءوس [١٢] الفتنة من البلالية والسعدية، ففتحوا الحبوس [١٣] ، وأطلقوا من كان فيها فبلغه ذلك، فخرج إلى البصرة في رمضان سنة خمس وخمسين وأخذ حريرة [١٤] وكتب عليها: إِنَّ الله اشْتَرى من الْمُؤْمِنِينَ ٩: ١١١
стр. 3899
أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ٩: ١١١ [١] وكتب [اسمه و] [٢] اسم أبيه وعلقها على [رأس] [٣] مردي [٤] ، وخرج [٥] في السحر من ليلة السبت لليلتين بقيتا من شهر رمضان، فلقيه غلمان، فأمر بأخذهم، وكانوا خمسين غلاما، ثم صار إلى مكان آخر فأخذ منه خمس مائة غلام، ثم [صار] [٦] إلى موضع آخر فأخذ منه مائة وخمسين غلاما، وجمع من الغلمان خلقا كثيرا، وقام فيهم خطيبا فمناهم ووعدهم أن يقودهم ويرأسهم ويملكهم، وَلَا يدع من الإحسان شيئا [٧] إلا فعله لهم [٨] ثم دعا مواليهم فقال: قد أردت ضرب أعناقكم لما كنتم تأتون إلى [٩] هؤلاء الغلمان الذين استضعفتموهم وقهرتموهم وحملتوهم [١٠] ما لا يطيقون، فكلمني أصحابي فيكم [فرأيت إطلاقكم] [١١] فقالوا: إن هؤلاء الغلمان أباق، فهم يتهربون منك، فخذ منا مالا وأطلقهم لنا. فأمر بهم فبطح كل قوم مولاهم، وضرب كل واحد خمسين سوطا وأحلفهم بطلاق نسائهم أن لا يعلموا أحدا بموضعه، وأطلقهم [١٢] .
ثم خرج حتى عبر دجيلا، واجتمع إليه السودان، فلما حضر [١٣] العيد ركز المردي الذي عليه لواؤه [١٤] وصلى بهم، وخطب للعيد، وذكر ما كانوا فيه من الشقاء، وأن الله
стр. 3900
سبحانه استنقذهم من ذلك، وأنه يريد أن يرفع أقدارهم ويملكهم العبيد والأموال والمنازل، ويبلغ بهم أعلى الأمر، ثم حلف لهم على ذلك، وكانوا جمعا كبيرا، وليس لهم إلا [١] ثلاثة أسياف وأهدي له فرس فلم يجد له سرجا ولا لجاما، فركبه بحبل وسنفه بليف [٢] .
وما زال ينتقل من مكان إلى مكان ويأخذ ما يقدر عليه، وينتهب السلاح وغيره حتى صار لَهُ قوة، وخاف الموالي منه أن يردهم إلى مواليهم، فحلف لهم ويوثق من نفسه، وَقَالَ: ليحط بي منكم جماعة، فإن أحسوا مني غدرا فليقتلوني [٣] . وأعلمهم أنه لم يخرج لعرض الدنيا بل غضبا للَّه ، ولما رأى من فساد الدين [٤] .
وجاءه يهودي فسجد له وزعم أنه يجد صفته في التوراة.
ومر على قرية [٥] فخالفوه، فانتهب منها مالا عظيما، وجوهرا كثيرا، وغلمانا ونسوة، وذلك أول سبي سباه، وما زال يعيث وينتهب فجاءه رجل [٦] من أهل البصرة فسأله عن البلالية والسعدية، فقال: إنما جئت إليك برسالتهم يسألونك شروطا، فإن أعطيتهم إياها سمعوا لك وأطاعوا. فأعطاهم ما سألوا، وكان يحارب فله وعليه، إلى أن اجتمع عليه خلق [٧] كثير من أهل البصرة، فقال اللَّهمّ إن هذه ساعة النصرة [٨] فأعني.
فزعموا [٩] أنه رأى طيورا بيضاء فأظلتهم [١٠] .
стр. 3901
وكان سبب هزيمة أعدائه وقتلهم [١] ، فقوي عدو الله، ودخل رعبه في قلوب أهل البصرة، وكتبوا إلى السلطان يخبرونه خبره، فوجه جعلان التركي، ونزل الخبيث سبخة وأمر [٢] أصحابه باتخاذ الأكواخ وبثهم في القرى يغيرون [٣] .
وحج بالناس في هذه السنة علي بن الحسن بن إسماعيل بْن العباس بْن مُحَمَّد [٤] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٥٦٦- أحمد بن عَبْد اللَّهِ بن أبي الغمر [٥] عمر بن عَبْد الرَّحْمَنِ .
مولى بني سهم، يكنى: أبا جعفر، وكان ثقة، مقبولا عند القضاء.
توفي في ربيع الأول من هذه السنة.
١٥٦٧- إبراهيم بن الحسين [٦] بن ديزيل الهمداني [٧] .
سمع من عفان [بن مسلم] [٨] ، وكان كثير الطلب للحديث، منهمكا في كتابته.
قَالَ عَبْد اللَّهِ بن وهب الدينَوَريّ: كنا نذاكر إبراهيم بن الحسين بالحديث فيذاكرنا بالقمطر، وكان يذاكر بالحديث الواحد [٩] فيقول عندي منه قمطر.
أَخْبَرَنَا إسماعيل بن أَحْمَد السمرقندي قَالَ: سمعت أبا القاسم يوسف بن الحسن
стр. 3902
اليفكري يقول: سمعت أبا علي الحسن بن علي بن بندار الزنجاني يقول: قَالَ إبراهيم بن الحسين بن ديزيل الهمذاني: كتبت في بعض الليالي الحديث، فجلست كثيرا، وكتبت ما لا أحصيه حتى أعييت، ثم خرجت أتأمل السماء، فكان أول الليل، فأتممت حزبي، وأصبحت وصلينا الصبح، ثم حضرت باب حانوت تاجر، وكان هو ذا [١] يكتب حسابا، ويؤرخه بيوم السبت، فقلت: سبحان اللَّه، أليس اليوم يوم الجمعة؟ فضحك وَقَالَ: لعلك لم تحضر أمس الجامع، فراجعت نفسي، فإذا أَنَا قد كتبت ليلتين ويوما.
١٥٦٨- إسماعيل بن يوسف، أبو علي الديلمي [٢]
كان أحد العباد الورعين والزهاد [المتقللين] [٣] ، وكان حافظا للحديث بصيرا [به] [٤] ، ثقة في روايته. جالس أَحْمَد بن حنبل ومن بعده من الحفاظ، وحدث عن مجاهد بن موسى. روى عنه: الْعَبَّاس بن يوسف الشكلي.
أَخْبَرَنَا القزاز [قَالَ:] أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن علي أبو بكر بن ثابت قَالَ: أخبرني الجوهري [قَالَ:] أخبرني مُحَمَّد بن العباس [قَالَ:] حَدَّثَنَا أبو الحسين بن المنادي قَالَ:
وإسماعيل الديلمي كان من خيار الناس وذكر [لي] أنه [كان] [٥] يحفظ أربعين ألف حديث، قالوا: وكان يعبر إلى الجانب الشرقي قاصدا مُحَمَّد [٦] بن أشكاب [الْحَافِظ] [٧] فيذاكره بالمسند، وكان إسماعيل من أشهر الناس [٨] بالزهد والورع والتميز
стр. 3903
بالصون، وأما مكسبه [١] فكان من المساهرة في الأرجاء [٢] .
أَخْبَرَنَا القزاز [قَالَ:] أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن علي [قَالَ:] أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن عمر النهرواني [قال:] حدثنا المعافى بن زكريا [قال:] حدثنا مُحَمَّد بن مخلد العطار [قَالَ:] حَدَّثَنَا حامد بن مُحَمَّد بن الحَكَم [قَالَ] [٣] حَدَّثَنَا كردان قَالَ: قَالَ إسماعيل الديلمي:
اشتهيت حلواء وأبلغت شهوته [٤] إلي، فخرجت من المسجد بالليل لأبول [٥] فإذا [على] جنبتي الطريق أخاذين حلواء، فنوديت: يا إسماعيل، هذا الذي اشتهيت، وإن تركته خير [٦] لك. فتركته [٧] :
قال ابن مخلد: قد كتبت أنا [٨] عن كردان: كان يكون بقنطرة بني زريق، وقد [٩] رأيت إسماعيل الدَّيْلَميّ هذا من خيار المسلمين [، وكان ما شئت من رجل، رأيته عند أبي جعفر بن إشكاب. قَالَ المعافى إسماعيل الديلمي كان من خيار المسلمين] [١٠] والناس يزورون قبره وراء قبر معروف الكَرْخي، بينهما قبور يسيرة، وحدثني بعض شيوخنا أنه كان حافظا للحديث كثير السماع، وإنه كان يذاكر بسبعين ألف حديث [١١] .
١٥٦٩- سهل بن مُحَمَّد أبو حاتم السجستاني [١٢] .
كان عالما باللغة والشعر، كثير الرواية عن أبي زيد، وأبي عبيدة، قرأ كتاب
стр. 3904
سيبويه على الأخفش مرتين، وكان حسن العلم بالفروض، وإخراج المعمى [١] ، وله شعر جيد، وعليه يعتمد ابن دريد في اللغة.
توفي فِي هذه السنة.
١٥٧٠- عَبْد اللَّهِ [٢] بن عَبْد الرَّحْمَنِ بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد، أبو مُحَمَّد السَّمَرْقَنْديّ الدارمي [٣] .
من بني دارم بن مالك بن حنظلة، ولد سنة إحدى وثمانين ومائة، رحل في طلب الحديث، وسمع من أبي نعيم [٤] ، والحميدي، وأبي اليمان، وغيرهم. [وبرع في علم الحديث] [٥] وحفظ وأتقن، وجمع الثقة، والصدق [٦] ، والورع، والعفاف، والزهد، والعقل الكامل. وألح عليه السلطان في قضاء سمرقند فتقلده، وقضى قضية واحدة ثم استعفى فأعفي. وصنف «المسند» و «التفسير» و «الجامع» . وحدث عَنْهُ: بندار، ومسلم بن الحجاج، والترمذي وغيرهم.
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ [قَالَ] أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ [أَحْمَدُ بْنُ علي] الخطيب قال: أخبرني محمد بن أَحْمَد بن يعقوب [ح] .
وأنبأنا زاهر بْن طاهر [قَالَ:] أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الحسين البيهقي [قَالَ] [٧] أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّهِ النيسابوري، قَالَ: سمعت أبا بكر مُحَمَّد بن مُحَمَّد [٨] بن يوسف الفقيه يقول:
стр. 3905
سَمِعْتُ أبا القاسم عمرو بن مُحَمَّد الأنصاري يقول: سمعت أبا الفضل مُحَمَّد بن إبراهيم يقول [١] :
كنت عند أَحْمَد بن حنبل فذكر عَبْد اللَّهِ [٢] بن عَبْد الرَّحْمَنِ، فقال: ذلك السيد [ثم قَالَ أَحْمَد:] [٣] عرض علي الكفر فلم أقبل [٤] وعرضت [٥] عليه الدنيا فلم يقبل [٦] .
توفي يوم عرفة وكان يوم الجمعة من هذه السنة، وهو ابن خمس وسبعين [٧] سنة، وقيل توفي سنة خمسين، ولا يصح [٨] .
١٥٧١- عبيد بن [٩] مُحَمَّد بن القاسم [أبو مُحَمَّد الوراق] [١٠] النيسابوري [١١] .
سكن بغداد [١٢] وحدث بها عن أبي النفر هاشم [١٣] بن القاسم، وبشر الحافي.
روى عنه: ابن أبي الدُّنَيا، والباغندي. وكان ثقة. وتوفي في هذه السنة.
١٥٧٢- عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان الجاحظ البصري [١٤] .
كان جده أسود جمالا، وكان هو من متكلمي المعتزلة، وهو تلميذ أبي إسحاق
стр. 3906
النظام، والناس يعجبون بتصانيفه زائدا في الحد، وليس الأمر كذلك، بل له جيد ورديء.
حَدَّثَنَا أبو منصور عَبْد الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّد [١] أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي [الخطيب قال:] [٢] أخبرنا الحسن [٣] بن محمد الخلال [قَالَ:] حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد [٤] بْن عمران [قال:] حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يحيى النديم، حَدَّثَنَا [٥] يموت بن المزرع [٦] قَالَ:
قَالَ لنا عمرو بن بحر الجاحظ: ما غلبني قط إلا رجل وامرأة.
فأما الرجل: فإني كنت مجتازا في بعض الطرق [٧] ، فإذا أنا برجل قصير بطين [٨] . كبير الهامة، طويل اللحية، متزر بمئزر، وبيده مشط يسقي [به] [٩] شقه ويمشطها به، فقلت في نفسي: رجل قصير بطين ألحى فاستزريته [١٠] ، فقلت: [أيها] [١١] الشيخ، قد قلت فيك شعرا. فترك المشط من يده، وَقَالَ: قل. فقلت:
كأنك صعوة في أصل حش ... أصاب الحش طش بعد رش
فقال لي: اسمع جواب ما قلت. فقلت: هات. فقال [١٢] :
كأنك كندب في ذنب كبش ... مدلدلة وذاك الكبش يمشي [١٣] .
стр. 3907
وأما المرأة: فإني كنت مجتازا في بعض الطرقات، فإذا أنا بامرأتين، وكنت راكبا على حمارة، فضرطت الحمارة، فقالت إحداهما للأخرى: وي، حمارة الشيخ تضرط. فغاظني قولها فأعننت [١] ثم قلت لهما: إنه ما حملتني أنثى قط [٢] إلا وضرطت. فضربت يدها على كتف الأخرى وقالت: [لقد] [٣] كانت أم هذا منه في جهد جهيد [٤] تسعة أشهر [٥] .
أَخْبَرَنَا [أَبُو] مَنْصُورٍ [٦] الْقَزَّازُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أحمد بن علي [بن ثابت] [٧] قَالَ:
أَخْبَرَنَا الصيمري [قَالَ:] أَخْبَرَنَا المرزباني [قَالَ:] أَخْبَرَنَا [أبو بكر] [٨] الجرجاني، حَدَّثَنَا المبرد قَالَ: دخلت على الجاحظ في آخر أيامه [٩] ، وهو عليل، فقلت له [١٠] :
كيف أنت؟ قَالَ: [١١] كيف يكون من نصفه مفلوج، فلو نشر بالمناشير ما أحس به، ونصفه الآخر منقرس، فلو طارت الذبابة [١٢] بقربه لآلمته، والآفة فِي جميع هذا أني جزت التسعين [١٣] ، ثم أنشدنا [يقول] [١٤] :
أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشباب
стр. 3908
لقد كذبتك نفسك لبس ثوب ... دريس كالجديد [١] من الثياب [٢]
توفي الجاحظ في محرم هذه السنة.
١٥٧٣-[مُحَمَّد] [٣] المعتز باللَّه بن المتوكل على الله [٤] :
خلعوه وحبسوه [٥] ومنعوه الطعام [والشراب] [٦] حتى مات على ما سبق في الحوادث، وذلك لليلتين خلتا من شعبان هذه السنة، فبقي في الولاية أربع سنين وثمانية [٧] أشهر وثلاثة وعشرين يوما. وقيل: ثلاث سنين وستة أشهر، وثلاثة عشر يوما [٨] . وكان عمره أربعة وعشرين سنة.
١٥٧٤- الفضل بن سهل بن إبراهيم بن العباس الأعرج [٩] .
مولى بني هاشم، سمع حسينا الجعفي، وشبابة. روى عنه: البخاري، ومسلم في الصحيحين، وكان شديد الذكاء والفطنة، من الثقات الأخيار.
توفي في صفر من [١٠] هذه السنة.
١٥٧٥- مُحَمَّد بن عبد الرحيم بن أبي زهير، أبو يحيى البزار [١١] .
يعرف بصاعقة، وإنما سمي صاعقة لأنه كان جيد الحفظ. [ولد سنة خمس وثمانين ومائة، وأصله فارسي] [١٢] .
стр. 3909
سمع عَبْد اللَّهِ بن موسى وعبد الوهاب بن عطاء [١] وأسود بن عامر، وقبيصة، وغيرهم. وكان عالما حافظا متقنا ضابطا [ثقة] [٢] حدث عنه البخاري في صحيحه وغيره. وتوفي في شعبان هذه السنة وله سبعون سنة.
١٥٧٦- مُحَمَّد بن كرام، أبو عَبْد اللَّهِ السجزي [٣] .
ولد بقرية من قرى [٤] زريح، ونشأ بسجستان، ثم دخل بلاد خراسان، وسمع الحديث، وأكثر الرواية عن أحمد بن عبد الله الجويباري، ومحمد بن تميم الفاريابي، وكانا كذابين، وقد صرح في كتبه بأن الله جسم [تعالى عن ذلك] [٥] ومن مذهب الكرامية: أن الله سبحانه مماس لعرشه، وأن ذاته محل للحوادث، [في هذيانات] [٦] ، فلا هو سكت سكوت الزاهدين، ولا تفلق بكلام المتكلمين.
وذكره أبو حاتم بن حبان الْحَافِظ [٧] في كتاب «المجروحين» فقال: كأنه خذل حتى التقط من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاها [٨] ثم جالس الجويباري، ومحمد بن تميم [٩] ، ولعلهما [قد] [١٠] وضعا على رسول الله ﷺ وعلى [١١] الصحابة والتابعين مائة ألف حديث، ثم جالس أَحْمَد [١٢] بن حرب الأصفهاني بنيسابور، فأخذ عنه التقشف، ولم يكن يحسن العلم، ولا الأدب، أكثر كتبه المصنفة صنّفها له
стр. 3910
مأمون بن أَحْمَد السلمي، وكان تلميذه.
وذكره أبو عَبْد اللَّهِ الحاكم فقال: جاور بمكة خمس سنين، ثم انصرف إلى سجستان، فباع ما كَانَ يملكه بمال وانصرف إلى نيسابور، فحبسه [مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ بن] طاهر [١] ، فلما أطلقه خرج إلى ثغور الشام، ثم عاد إلى نيسابور فحبسه مُحَمَّد بن [عَبْد اللَّهِ بن] [٢] طاهر، وطالت محنته، وكان يغتسل كل جمعة، ويتأهب للخروج إلى الجامع، ثم يقول: للسجان: أتأذن لي في الخروج؟ فيقول: لا، فيقول:
اللَّهمّ إنك تعلم أني بذلت مجهودي، والمنع من غيري. ومكث بنيسابور أربع عشرة سنة، ثمانية منها في السجن، وكان يلبس في أول أمره [٣] مسك ضان مدبوغ غير مخيط، وكان [٤] عَلَى رأسه قلنسوة بيضاء، ويجلس فيعظ ويذكر.
خرج من نيسابور في شوال سنة إحدى وخمسين [ومائتين] [٥] ، وتوفي ببيت المقدس في صفر سنة خمس وخمسين [٦] ودفن بباب أريحاء بقرب يحيى بن زكريا ﵉ وكان [٧] أصحابه ببيت المقدس نحو عشرين ألفا.
١٥٧٧- مُحَمَّد بن عمران بن زياد [٨] بن كثير أبو جعفر الضبي النحوي الكوفي [٩] .
مؤدب عَبْد اللَّهِ بن المعتز، حدث عن أبي نعيم، وأحمد بن حنبل، وغيرهما.
وكان الغالب عليه الأخبار وما يتعلق بالأدب، وكان ثقة.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ [الْقَزَّازِ قَالَ:] أخبرنا أبو بكر [١٠] بن علي بن ثابت
стр. 3911
[قَالَ:] أَخْبَرَنَا علي بن المحسن القاضي، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن عَبْد اللَّهِ الدوري، حَدَّثَنَا [١] أَحْمَد بن عبد العزيز الجوهري قَالَ: كان مُحَمَّد بن عمران الضبي على اختيار [٢] القضاة للمعتز فاجتمع إليه القضاة والفقهاء، وكان الضبي قبل ذلك معلما، فنعس، ثم رفع رأسه فقال: تهجوا [٣] . قَالَ الجوهري: وكان شيخا طوالا [٤] يحفظ حديثا عن رسول الله ﷺ وكان يحفظ الأخبار والملح [٥] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ مُحَمَّدٍ] [٦] أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي أخبرنا محمد بن [٧] علي بن يعقوب القاضي [قَالَ:] أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن جعفر التميمي، حَدَّثَنَا أَحْمَد بن أبي السري [٨] قَالَ: قَالَ لي ابن عرابة المؤدب: حكى لي مُحَمَّد بن عمر الضبي أنه حفظ ابن المعتز- وهو يؤدبه- النازعات، وقَالَ له: إذا سألك أمير المؤمنين أبوك: في أي شيء أنت؟ فقل: أنا في السورة التي تلي عبس، ولا تقل أنا في [٩] النازعات. فسأله أبوه: في أي شيء أنت؟ فقال: أنا [١٠] في السورة التي تلي عبس. فقال له: من علمك هذا؟ قَالَ:
مؤدبي. فأمر له بعشرة آلاف درهم [١١] .
стр. 3912
ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائتين
فمن الحوادث فيها:
أن موسى بن بغا دخل سامراء يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم، والمهتدي [يومئذ] [١] قد جلس للمظالم، فأقاموه عن مكانه وحملوه على دابة من دواب الشاكرية، وانتهبوا ما كان في الجوسق من دواب الخاصة، فأدخلوه دارا، فجعل المهتدي يقول لموسى: ما تريد؟ ويحك [٢] ، اتق الله [٣] ، فإنك تركب أمرا عظيما. فقال موسى: ما نريد إلا خيرا. فأخذوا عَلَيْهِ العهود والمواثيق أنه لا يمالي صالحا عليهم، ولا يضمر لهم إلا مثل ما يظهر ففعل ذلك، فجددوا له البيعة ليلة الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرم. وأصبحوا يَوْم الثلاثاء، فوجهوا إلى صالح أن يحضرهم، فوعدهم أن يحضر [٤] ، ثم استتر، فأظهر النداء عَلَيْهِ [٥] ، ثم قتل لثمان بقين من صفر [٦] .
وولى [٧] سليمان بن عَبْد اللَّهِ بن طاهر بغداد والسواد، ووجّه إليه بخلع
стр. 3913
كثيرة، وكان الأتراك قد تحدثوا بخلع المهتدي [فبلغه] [١] ، فخرج إليهم متقلدا سيفا وَقَالَ: قد بلغني ما أنتم عليه من أمر، والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متخبط وقد أوصيت لإخوتي [٢] بولدي، وهذا سيفي، والله لأضربن به [٣] ما استمسك قائمه في يدي، ما هذا الإقدام على الخلفاء والجرأة على الله ، سواء عندكم من أراد صلاحكم ومن إذا سمع عنكم بشيء دعا بأرطال من الشراب فشربها، ثم تقولون إني أعلم علم صالح وما أعلم علمه [٤] . قالوا: فأحلف لنا على ذلك. قَالَ: نعم. فورد [٥] مال فارس والأهواز ومبلغه تسعة عشر ألف [ألف] [٦] درهم وخمس مائة ألف درهم، فانتشر في العامة [أن القوم قد عرفوا] [٧] أن يخلعوا المهتدي ويقتلونه، فبعث المهتدي [٨] إلى العسكر ووعدهم الجميل، وكان المهتدي قد كسر جميع ما في القصر من الملاهي وآلات اللعب.
وفي هذه السنة: وافى جعلان لحرب صاحب الزنج، فزحف بعسكره، فبقي بينه وبين صاحب الزنج فرسخ فخندق [٩] على نفسه، فأقام ستة أشهر، ولم يجد إلى لقائه سبيلا لضيق الموضع بما فيه من النخل والدغل عن محال الخيل، فكانوا إذا التقوا لم يكن بينهم إلا الرمي [١٠] بالنشاب والحجارة، فجاء الزنج فبيتوا عسكر جعلان فقتلوا جماعة، فترك جعلان عسكره، وانضم إلى البصرة، فظهر للسلطان عجزه، فصرف [١١] ، وأمر سعيد الحاجب بالشخوص لحرب الزنج.
стр. 3914
وفي هذه السنة: تحول صاحب الزنج من السبخة التي كان نزلها [١] إلى الجانب الغربي من النهر المعروف [بأبي] الخصيب، وأخذ أربعة وعشرين مركبا من مراكب البحر كانت قد اجتمعت تريد البصرة، وكان يقول لأصحابه: لما بلغني قرب المراكب مني [٢] نهضت للصلاة [٣] ، وأخذت في الدُّعَاء والتضرع، فخوطبت بأن قيل لي: قد أظلك فتح عظيم. فالتفت فطلعت المراكب، فحواها أصحابي، وقتلوا مقاتليها وسبوا ما فيها من الرقيق، وغنموا منها أموالا عظيمة [٤] .
وفي هذه السنة: خلع المهتدي باللَّه لأربع عشرة خلت من رجب، وقتل، وفي سبب خلعه [٥] قولان:
أحدهما: أنه كتب إلى بعض الأتراك أن يقتل بعضهم فأطلع المأمور ذلك الرجل على هذا، وقَالَ له: إذا قتلتك اليوم قتلت أنا غدا. قَالَ: فما نصنع؟ قَالَ: ندير على المهتدي [٦] ، فقدم [٧] ذلك المأمور على المهتدي، فقال له: ألم آمرك بقتل من أمرتك بقتله؟ فتعلل [عليه] [٨] فأمر بقتله فقتل ورمى رأسه إلى أصحابه، ووقع القتال بين الناس، وخرج المهتدي يقاتل ويقول: يا معشر الناس، انصروا خليفتكم. فآل الأمر إلى أن قتلوه.
والقول الثاني: أنه كان قد كتب رقعة بخطه: أنه متى غدر بهم أو اغتالهم فهم في حل من بيعته، ولما كتب إلى بعضهم أن يقتل بعضا استحلوا نقض بيعته، ودعوه إلى خلع نفسه، فأبى، فخلعوا أصابع يديه من كفيه، وأصابع رجليه من قدميه، فورم ومات.
ويقال: [٩] عذبوه بفنون العذاب، وأشهدوا على موته، وبايعوا المعتمد [١٠] .
стр. 3915
باب ذكر خلافة المعتمد على الله [١]
واسمه: أَحْمَد بن جعفر المتوكل [على الله] [٢] بن المعتصم بن الرشيد، ويكنى أبا العباس. ولد بسامراء سنة تسع وعشرين ومائتين [في أولها] [٣] ، وأمه أم ولد رومية، يُقَالُ لها: فتيان، وكان أسمر رقيق اللون أعين خفيفا، لطيف [٤] اللحية جميلا، بويع يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من رجب هذه السنة، فولى الوزارة عَبْد اللَّهِ بن يحيى بن خاقان.
وللمعتمد أشعار حسان منها قوله [٥] .
طال والله عذابي واهتمامي واكتئابي ... بغزال من بني الأصفر لا يغنيه ما بي
أنا مغرى بهواه وهو مغرى بعذابي ... فإذا ما قلت صلني كان لا منه جوابي
وله:
عجل الحب بفرقه فبقلبي منه حرقة ... ما لك بالحب رقي وأنا أملك رقه
إنما يستروح الصبّ إذا أظهر عشقه
стр. 3916
ذكر طرف من سيرته
أَخْبَرَنَا [مُحَمَّدُ] بْنُ نَاصِرٍ [قَالَ:] [١] أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْبُسَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شِهَابٍ [٢] ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ [قَالَ:] حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ الْمُعْتَمِدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِسَامَرَّاءَ فِي رَمَضَانَ، فلما أمسينا دَعَا بِتَمْرٍ فَأَفْطَرَ عَلَى تَمْرَةٍ، ثُمَّ نَاوَلَ مَنْ حَضَرَ تَمْرَةً تَمْرَةً، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَني أَبِي [قَالَ:] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : كَانَ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمَرَاتٍ [٣] حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ. ثم قَالَ: سمعت أبي يقول: سمعت أَحْمَد بن حنبل يقول: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، عن معمر، عن وهب بن منبه قَالَ: إن الصائم يزيغ بصره، فإذا أفطر على الحلاوة رجع إليه بصره.
وروى أبو بكر الصولي قَالَ: حدثني أَحْمَد بن يزيد المهلبي قَالَ: حدثني أبي قَالَ: كنا مرة [٤] بين يدي المعتمد، فجعل يخفق نعاسا، وَقَالَ: لا يبرحن أحد. ثم نام مقدار نصف ساعة، [٥] وانتبه فقال: احضروني من الحبس رجلا يعرف بمنصور الحمال، فأحضر، فقال: منذ [٦] كم أنت محبوس؟ فقال: منذ ثلاث سنين. قَالَ:
فأصدقني عن خبرك؟ قَالَ: أنا رجل من أهل الموصل، كان لي جمل أحمل عَلَيْهِ وأعود بكراه على عائلتي، فضاق بالموصل المكسب [٧] ، فقلت: أخرج إلى سامراء، فإن العمل فيها [٨] كثير، فخرجت، فلما قربت منها إذا جماعة من الجند قد ظفروا بقوم
стр. 3917
يقطعون الطريق قد كتب صاحب البريد بعددهم، وكانوا عشرة، فأعطاهم واحد من العشرة مالا على أن يطلقوه، فأطلقوه وأخذوني مكانه، وأخذوا جملي، فسألتهم باللَّه وعرفتهم خبري، فأبوا وحبسوني، فمات بعض القوم، وأطلق بعضهم، وبقيت وحدي.
فقال المعتمد: أحضروني خمس مائة دينار. فجاءوا بها. فقال: ادفعوها [١] إليه [قَالَ:] فأخذها، وأجرى عليه ثلاثين دينارا في كُلّ شهر، وَقَالَ: اجعلوا أمر جمالنا [٢] إليه، ثم أقبل علينا، وَقَالَ: رأيت الساعة النبي ﷺ فَقَالَ لِي: يَا أَحْمَد، وجه الساعة إلى الحبس فأخرج منصور الجمال وأحسن إليه فإنه مظلوم [٣] . ففعلت ما رأيتم، ثم نام من وقته فانصرفنا.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي [قَالَ:] أَخْبَرَنَا أبو القاسم عَلِي بْن المحسن التنوخي، عَنْ أَبِيهِ قَالَ، حدثني أبو مُحَمَّد الصلحي قَالَ: حَدَّثَنَا أبو علي الكاتب الأترحي قَالَ: حدثني أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بن أَحْمَد بن حمدان قَالَ:
انصرف جلساء المعتمد على الله ليلة [٤] عنه وانصرفت إلى حجرة مرسومة لي [٥] في الدار اختص بِهَا، فلما انتصف الليل وأنا نائم إذا أنا بالخدم [٦] يدقون باب حجرتي ويوقظونني بشدة، فانزعجت فقالوا [٧] : أجب أمير المؤمنين. فأجبت وأنا مذعور، وقلت: إنا للَّه بلاء تجدد، فلما صرت بحضرته قائما لم يستجلسني وَقَالَ: يا غلام صاحب الشرطة، الساعة قمت فزعا. فحضر فقال لَهُ: في حبسك رجل يُقَالُ له [٨] فلان بن فلان الجمال. فقال له: نعم. قَالَ [٩] : أحضره. فحضر. فقال له المعتمد:
стр. 3918
بأي شيء تعرف؟ قَالَ: أنا فلان بن فلان الجمال. قَالَ [١] : منذ كم حبست؟ قَالَ: منذ كذا وكذا. قَالَ: فِي أي شيء؟ قَالَ: مظلوم. قَالَ: فاشرح لي قصتك. قَالَ: أنا رجل من أهل الجبل، وكان يتقلدنا فلان بن فلان إلى الأمير فاستدعى إلى الحضرة يسخر جمالي، فتظلمت إليه فلم ينفع، فخرجت أمشي وراء [٢] الجمال إلى أن قربنا من حلوان، فسل الأكراد منها جملا محملا، فضربني مقارع كثيرة وقيدني، فقلت: ما ذنبي؟ قَالَ: أنت سرقت جملك [٣] وأخذت ما كان عليه. فقلت: غلمانك يعلمون أن الأكراد سلوه فقال الأكراد ما جاءوا [٤] إلا بمواطأتك ثم أمر [بي] [٥] فحملت على بَعْض الجمال مقيدا، فلما وردت هذا البلد طرحني في الحبس وملك الجمال، فقال: يا فلان، فحضر بعض الخدم فقال امض الساعة إلى الأمير فلان [٦] واقعد على دماغه، ولا تبرح أو يرد جمال هذا عليه أو قيمتها على ما يقوله الجمال، وادفع ذلك إليه [٧] وَقَالَ للخادم ادفع إلى هذا الجمال كذا وكذا دينار أو كسوة، وأدخله الحمام، وأطعمه واسقه [٨] ، ثم قَالَ لصاحب الشرطة: لا تعرض له. ثم قَالَ له [٩] : في حبسك فلان بن فلان الحداد؟ قَالَ: نعم. قَالَ: هاته [١٠] . فأحضره، فقال: ما قصتك؟ قَالَ: أنا رجل حبست ظلما منذ كذا وكذا سنة. قَالَ: وما كان سبب حبسك؟ فقص قصة طويلة. فقال لصاحب الشرطة: خل عنه، وَقَالَ للخادم: خذه فغير من حاله وأطعمه وأسقه، وأدخله الحمام واكسه، وادفع إليه كذا وكذا دينارا [١١] . وَقَالَ للشرطي: انصرف، ثم [١٢] رفع
стр. 3919
رأسه وَقَالَ: الحمد للَّه الذي وفقني لهذا الفعل [١] يا ابن حمدان [٢] . فقلت: كيف تكلف أمير الْمُؤْمِنِين النظر في هذا الأمر بنفسه [٣] في مثل هذا الوقت، وانزعج من نومه؟
فقال: ويحك جاءني [٤] رجل الساعة في النوم صفته كيت وكيت، [٥] فقال: في حبسك رجلان مظلومان يُقَالُ لأحدهما [٦] فلان بن فلان الجمال، والآخر فلان بن فلان الحداد، فأطلقهما وأنصفهما من خصومهما [٧] ، وأحسن إليهما. فانتبهت مذعورا، ولعنت إبليس، وصليت على رسول الله ﷺ ، وتحولت إلى الجانب الآخر وقمت فرأيت الشخص [٨] بعينه، فقال لي [٩] : ويلك، آمرك أن تطلق رجلين محبوسين [١٠] مظلومين من حبسك قد [١١] طال حبسهما، وأن تنصفهما من خصومهما ولا تفعل، وترجع إلى نومك؟ [لقد] [١٢] هممت أن أفعل بك. قَالَ: وكاد يمد يده إلي. فقلت: يا هذا، أرفق بي وقل لي من أنت. قَالَ: [أنا] [١٣] مُحَمَّد رسول الله [قَالَ:] فكأني [قد] [١٤] قبلت يده، وقلت: يا رسول الله، ما عرفتك. ولو كنت عرفتك ما تجاسرت على مخالفتك. قَالَ:
فقم [١٥] فعجل في أمرهما الساعة كما أمرتك [١٦] . فانتبهت فاستدعيتك لتشاهد ما يجري،
стр. 3920
وطلبت صاحب الشرطة، فجرى ما رأيت. فدعوت له [١] وعظمت في نفسه ما جرى، وقلت: هذه عناية من رسول الله ﷺ يا أمير المؤمنين، ومنة من الله عليه، فليشكر الله.
فقال: امض فقد أزعجتك. فمضيت إلى حجرتي.
ولخمس بقين من رجب: دخل الزنج إلى الأبلة، فقتلوا فيها خلقا كثيرا، منهم:
عَبْد اللَّهِ بن حُمَيْد الطوسي، وأحرقوها.
وفي هذا الشهر: قدم سعيد بن صالح المعروف [بالحاجب] [٢] من قبل السلطان لحرب الزنج، واستسلم أهل عبادان لصاحب الزنج، فسلموا إليه حصنهم، وذلك أنهم رأوا ما فعل بأهل الأبلة، فضعفت قلوبهم، وخافوا على أنفسهم، فأعطوا بأيديهم، فدخلها أصحابه فأخذوا من كَانَ فيها [٣] من العبيد والسلاح، ودخلوا الأهواز، فهرب أهلها، فدخلوا فأحرقوا وقتلوا [٤] ، ونهبوا وأخربوا، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من رمضان، فانزعج أهل البصرة لذلك، ورعبوا رعبا شديدا، وانتقل أكثر أهلها عنها.
وفي هذه السنة: ظهر بالكوفة علي بن زيد الطالبي، فبعث إليه [الشاه بن ميكال في] [٥] عسكر كثيف، فهزمهم، ووثب [٦] مُحَمَّد بن واصل بن إبراهيم التيمي من أهل فارس ورجل من أكرادها يُقَالُ له: أَحْمَد [٧] بن الليث بعامل فارس فقتلاه.
وفيها: شخص موسى بن بغا لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال من سامراء إلى الري، وشيعه المعتمد.
[وحج بالناس في هذه السنة أَحْمَد بن عيسى بن المنصور] [٨] .
стр. 3921
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٥٧٨- إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق التميمي [١] .
خراساني جوزجاني [٢] ، قدم مصر، فكتب عنه.
وتوفي بدمشق في [٣] هذه السنة.
١٥٧٩- أيوب بن نصر بن موسى، أبو أَحْمَد العصفري [٤]
بغدادي قدم مصر، وحدث بها [٥] ، وتوفي في شعبان [٦] هذه السنة.
١٥٨٠- إدريس [٧] بن عيسى، أبو مُحَمَّد القطان المخرمي [٨]
حدث عن زيد بن الحباب، وأبي داود الجعفري. روى عنه ابن صاعد، والباغندي، ولم يكن به بأس، وتوفي في هذه السنة.
١٥٨١- الحسن بن علي، أبو علي المسوحي [٩]
حكى عن بشر الحافي. روى عنه الجنيد. ولم يكن له منزل يأوي إليه إنما كان يأوي إلى مسجد [١٠] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ [قَالَ:] أَخْبَرَنَا [أَحْمَدُ بْن عَلِيِّ بْن ثَابِتٍ] الْخَطِيبُ [قَالَ: أخبرنا] [١١] ابن رزق [١٢] إجازة [قَالَ:] أَخْبَرَنَا جعفر الخلدي قَالَ:
стр. 3922
حدّثني [١] الجنيد وابن مسروق وأبو أحمد المغازلي، وَأَبُو مُحَمَّد الجريري [٢] قالوا:
سمعنا حسنا المسوحي يقول: كنت أوي إلى باب الكنائس [٣] كثيرا، وكنت أقرب من مسجد، ثم أتفيأ فيه [٤] من الحر وأستكن من البرد فدخلت يوما وقد كظني الحر واشتد علي فحملتني عيني فنمت، فرأيت كأن سقف المسجد قد انشق، وكأن جارية قد نزلت علي من السقف عليها قميص فضة يتخشخش، ولها ذؤابتان، فجلست عند رجلي فقبضت رجلي عنها، فمدت يدها فنالت رجلي. فقلت لها: يا جارية، لمن أنت؟
قالت: لمن دام على ما أنت عليه [٥] .
١٥٨٢- رزق الله بن موسى، أبو الفضل الإسكافي [٦] .
حدث عن يحيى بن سعيد القطان، وسفيان بن عيينة، وشبابة. روى عنه:
الباغندي، وابن صاعد، والقاضي المحاملي، وكان ثقة.
وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة.
١٥٨٣- الزبير بن بكار بن عَبْد اللَّهِ [٧] بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، أبو عَبْد اللَّهِ الأسدي المديني [٨] [العلامة] [٩] .
سمع سفيان بن عيينة، والنضر بن شميل، وأبا الحسن المدائني وخلقا كثيرا.
روى عنه ثعلب، وابن البراء [١٠] ، وابن أبي الدنيا، والبغوي، وابن صاعد، وغيرهم.
стр. 3923
وكان ثقة ثبتا عالما بالنسب، عارفا بأخبار المتقدمين، وله «كتاب النسب» . ولي القضاء بمكة، وورد بغداد، فلما أراد أن يحدث بها قال: أعرضوا عليّ [١] مستمليكم. فعرضوا عليه، فأتاهم [٢] ، فلما حضر أبو حامد [٣] المستملي قَالَ له: من أنت؟ قَالَ: من [٤] ذكرت يا ابن حواري رسول الله ﷺ . فأعجبه، واستملى عليه [٥] .
أَخْبَرَنَا [عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ] الْقَزَّازِ [قَالَ:] أَخْبَرَنَا [أَحْمَدُ بْن عَلِيِّ بْن ثَابِتٍ] [٦] الْخَطِيبُ قَالَ: أخبرنا أحمد بن عبد الواحد [٧] الوكيل، أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدل [قَالَ:] حَدَّثَنَا الحسين [٨] بْن القاسم الكوكبي [قَالَ:] حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن موسى المارستاني، حَدَّثَنَا الزبير بن بكار قَالَ: قَالَتِ [ابنة] [٩] أختي لأهلها: خالي خير رجل لأهله، لا يتخذ ضرة، ولا يشتري جارية. قَالَ: تقول المرأة: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر [١٠] .
أَخْبَرَنَا [عَبْد الرَّحْمَنِ] القزاز [قَالَ:] أَخْبَرَنَا [أحمد بن علي] الخطيب، أخبرنا أحمد بن الفرج [١١] النهرواني [قَالَ:] أَخْبَرَنَا الحسين [١٢] بْن مُحَمَّد بْن عبيد [١٣] الدقاق قَالَ: سمعت أبا العباس محمد بن إسحاق الصيرفي يقول:
стр. 3924
سألت الزبير بن بكار- وقد جرى حديث [النساء] [١]- منذ كم زوجتك معك؟
قَالَ: لا تسألني ليس يرد الْقِيَامَة أكثر كباشا منها، ضحيت عنها بسبعين كبشا [٢] .
أَخْبَرَنَا [عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ] الْقَزَّازِ قَالَ: أخبرني [أَحْمَد بن علي، أخبرني] [٣] مُحَمَّد بن عبد الواحد، وعلي بن أبي علي قالا: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن إبراهيم بن شاذان قَالَ: قَالَ لنا أبو عبد اللَّه أَحْمَد بن سليمان الطوسي: توفي أبو عَبْد اللَّهِ [٤] الزبير [بن بكار] [٥] قاضي مكة ليلة الأحد لتسع ليال بقين من ذي القعدة سنة ست وخمسين ومائتين، وقد بلغ أربعا وثمانين سنة، ودفن بمكة، وحضرت جنازته، وصلى عليه ابنه مصعب، وكان سبب وفاته [٦] : أنه وقع من فوق سطحه، فمكث [٧] يومين لا يتكلم، وتوفي [٨] بعد فراغنا من قراءة «كتاب النسب» عليه بثلاثة أيام [٩] .
١٥٨٤- عَبْد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن المهاجر، أبو مُحَمَّد [١٠] .
ويعرف بفوزان [١١] ، كان من أخص أصحاب أَحْمَد بن حنبل به، وكان يتقدمه [١٢] ، ويكرمه، ويأنس إليه، ويستقرض منه، ومات أَحْمَد وله عنده [١٣] خمسون دينارا، وأوصى أن تعطى من غلته، فلم يأخذها فوزان، وأحله منها. وبعث إليه [١٤] يوما، فقال: قد وهب
стр. 3925
اللَّه لنا ولدا فإيش ترى أن أسميه [١] ؟
وحدث فوزان عن وكيع، وشعيب بن حرب، وأبي معاوية، وغيرهم. روى عنه:
جماعة منهم: البغوي، وابن صاعد: وَقَالَ الدارقطني: فوزان نبيل جليل.
توفي في رجب هذه السنة.
١٥٨٥- عثمان بن صالح بن سعيد بن يحيى، أبو القاسم الخياط الخلقاني [٢] .
حدث عن يزيد بن هارون، ووهب بن جرير. روى عنه: ابن مخلد، وكان ثقة.
وتوفي في هذه السنة.
١٥٨٦- مُحَمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة [٣] ، أبو عَبْد اللَّهِ الجعفي البخاري [٤] .
صاحب «الجامع الصحيح» و «التاريخ» ولد يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة. وإنما قيل [٥] له: الجعفي، لأن أبا جده أسلم- وكان مجوسيا- على يدي يمان الجعفي [، وكان يمان] [٦] والي بخاري، فنسب إليه. ورحل مُحَمَّد بن إسماعيل في طلب العلم، وكتب بخراسان، والجبال، ومدن العراق، والحجاز، والشام، ومصر، وسمع بكر بن إبراهيم، وعبدان، ومحمد بن عَبْد اللَّهِ الأنصاري، وأبا نعيم، وعفان، وأبا الوليد الطيالسي، والقعنبي، والحميدي، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وخلقا يطول ذكرهم.
وورد إلى بغداد دفعات. وحدث بها فروى عنه من أهلها: إبراهيم الحربي، والباغندي، وابن صاعد، وغيرهم، وآخر من حدث عنه بها: الحسين بن إسماعيل المحاملي.