← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

باب ذكر عِيسَى ابن مريم ﵇ [١] أخبرنا محمد ابن عَبْدِ الْبَاقِي- أَوْ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمرو ابن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف، قَالَ: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ. [٢] ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ [٣] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كان بين مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَعِيسَى ﵉ أَلْفُ سَنَةٍ وَسَبْعُ مِائَةِ سَنَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فترة، وَأَنَّهُ أُرْسِلَ بَيْنَهُمَا أَلْفُ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سِوَى مَنْ أُرْسِلَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَانَ بين ميلاد عيسى والنبي ﷺ خمس مائة [و] تسع وَسِتُّونَ سَنَةً، بُعِثَ فِي أَوَّلِهَا ثَلاثَةُ أَنْبِيَاءَ وَهُوَ قَوْلُهُ : إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ ٣٦: ١٤ [٤] وَالَّذِي عُزِّزَ بِهِ سَمْعُونَ. وَكَانَتِ الْفَتْرَةُ الَّتِي لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ فِيهَا رَسُولا أَرْبَعُ مِائَةِ سنة وأربع وثمانين. قَالَ علماء السير: مات عمران بْن ماثان بْن اليعازار بْن اليوذ بْن أحين بْن صادوق بْن عازور بْن إلياقيم بْن أبيوذ بْن زربابل بْن شلتيل بْن يوحنا بْن يوشيا بن أمون بن منشا بن حزقيا بْن أحاز بْن يوثام بْن عوزيا بْن يورام بْن يوشافاظ بْن أسا بْن أبيا بْن رحبعم بْن سليمان بْن داود ﵉ [٥] . وكانت امرأة عمران حين

стр. 422

مات- واسمها: حنة- حاملا بمريم، وكان زكريا زوج أشياع أخت مريم، فجعلت حنة ما فِي بطنها محررا للكنيسة التي فِي جبل أصبهيون [١] ، فلما ولدت إذا هي أنثى فكفلها زكريا، فلما فطمتها أمها تركتها فِي محرابها، ولحقت بأهلها، فغذيت بثمار الجنة، فكان زكريا يجد عندها الثمار الرطبة التي تكون فِي الشتاء، فيقول: يا مريم، أنى لك هَذَا؟ فتقول: هو من عِنْدَ اللَّه، فهنالك دعا زكريا ﵇ ربه أن يرزقه ولدا. ذكر حمل مريم [٢] لما بلغت خمس عشرة سنة خرجت يوما تستعذب الماء من مغارة، فإذا جبريل من عند اللَّه ينفخ فِي جيبها نفخة فوصلت إِلَى الرحم، فاستمر بها الحمل [٣] . وَقَالَ قوم: حملت به لثلاث عشرة سنة، وأن جبريل ﵇ نفخ ما بين جيبها ودرعها [٤] . وَأَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ ابْنِ المُذْهِبِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الدَّمَّامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ رَفِيعٍ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ [٥] : «أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ جِبْرِيلَ إِلَى مَرْيَمَ فَدَخَلَ مِنْ فِيهَا» .

стр. 423

فصل قَالَ مؤلف الكتاب [١] : وقد اختلف العلماء فِي المدة التي حملت به. فَقَالَ ابن عباس: حين حملت وضعت. وعنه: ثمانية أشهر. وَقَالَ عكرمة: وليس أحد يولد لثمانية أشهر فيعيش إلا يشبه عِيسَى بْن مَرْيَمَ. [وَقَالَ الحسن: تسع ساعات] [٢] . وَقَالَ مُقَاتِل: ثلاث ساعات. وَقَالَ ابن جُبَيْرٍ: تسعة أشهر. وَقَالَ نوف البكالي [٣] : مكثت حاملا قدر ما تمكث النساء [٤] . ذكر ما جرى له فِي حال الحمل [٥] روى ابن [أبي] نجيح، عَنْ مجاهد، قَالَ: قالت مريم: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثني وحدثته، فإذا شغلني عنه شاغل سبح فِي بطني وأنا أسمع [٦] . ذكر ولادتها [٧] قَالَ نوف البكالي [٨] : خرجت هاربة من قومها نحو المشرق، وخرجوا فِي طلبها، فجعلوا لا يلقون أحدا إلا قالوا: هل رأيت فتاة من حالها كذا وكذا؟ فيقول: لا. حتى

стр. 424

أتوا راعي بقر، فقالوا له، فَقَالَ: لا، ولكني رأيت من بقري شيئا لم أره، رأيتها سجدت نحو هَذَا الوادي. قَالَ: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ، قالَتْ: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا ١٩: ٢٣ [١] فناداها جبريل: لا تحزني، فوضعته، وقطعت سرته ولفته فِي خرقة وحملته. قَالَ وهب بْن منبه: لما كانت الليلة التي ولد فيها عِيسَى أصبحت الأصنام فِي جميع الأرض منكسة عَلَى رءوسها، كلما ردوها عَلَى قوائمها انقلبت، فحارت الشياطين لذلك ولم تعلم السبب، فشكت إِلَى إبليس فطاف الأرض ثم عاد، فَقَالَ: رأيت مولودا والملائكة قد حفت به، فلم أستطع أن أدنو إليه، ومن أعظم أمره أن اللَّه [٢] كتمني أمره، ولم تضع أم [٣] إلا وأنا حاضرها [٤] . أَخْبَرَنَا ابْنُ الحصين، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن عَلِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْن أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قال: حدثني أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ إِلا ابْنُ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ» . قَالَ أَبُو هريرة: اقرأوا إِنْ شِئْتُمْ: وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ٣: ٣٦ [٥] . أخرجاه في الصحيحين [٦] .

стр. 425

ذكر ما جرى لها مع قومها حين لقوها [١] قَالَ نوف: أقبل قومها يطوفون عليها، فلما رأوها قعدت ووضعت عِيسَى فِي حجرها وأعطته ثديها، فوقفوا وقالُوا: يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ١٩: ٢٧. فأشارت إليه أن كلمهم ف قالُوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ من كانَ في الْمَهْدِ ١٩: ٢٩ فنزع فمه من ثديها، وجلس واتكأ عَلَى يساره، وقال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ١٩: ٣٠ [٢] . ذكر صفة عِيسَى ﵇ [٣] رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى أُمَّتِي، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ» [٤] . ذكر مسكنه [﵇] [٥] قَالَ مؤلف الكتاب: كان عِيسَى ﵇ يسكن من ساعير أرض الخليل ﵇ بقرية تدعى ناصرة [٦] . ذكر ما جرى له فِي الصغر فِي المكتب [٧] قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْرٍ: لما ترعرع عِيسَى جاءت به أمه إِلَى معلم الكتاب فدفعته

стр. 426

إِلَيْهِ، فَقَالَ له: قل بسم، فَقَالَ عِيسَى: اللَّه [١] ، فَقَالَ المعلم: الرحمن، فَقَالَ عِيسَى: الرحيم. فَقَالَ المعلم: كيف أعلم من هو أعلم مني. وكان يخبر الصبيان مما يأكلون، وما يدخر لهم أهاليهم فِي البيوت [٢] . ذكر نبوته ومعجزاته [٣] قَالَ علماء السير: أوحى اللَّه تعالى إِلَى عِيسَى ﵇ حين تم له ثلاثون سنة، فأمره أن يبرز للناس فيدعوهم إِلَى اللَّه . وكانوا أرباب أوثان، ثم أنزل عَلَيْهِ الإنجيل بالسريانية، فأقبل عِيسَى إِلَى بيت المقدس، فأبرأ أعمى ممسوح العينين، ومقعدا زمنًا. وكان يداوي المرضى، والزمنى، والعميان، والمجانين، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويحيى الموتى، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن اللَّه. وينبئهم بما يأكلون وما يدخرون فِي بيوتهم، وكان كتابه الإنجيل، وزاده التوراة، وعلمه الزبور [٤] . وكان من آياته المائدة والمشي عَلَى الماء، وقد كان يسبح فِي بطن أمه، وتكلم فِي المهد طفلا. قَالَ وهب: وكان يجتمع عَلَى بابه من المرضى خمسون ألفا. أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُصَيْنِ بْن دُومَا، قَالَ: أخبرنا مخلد بن جعفر، قال: أخبرنا الحسن [٥] ابن علي القطان، قال: أخبرنا إسماعيل بن عيسى العطار، قال: أخبرنا إسحاق بن بشر القرشي، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْرِيِّ، عن سلمان الفارسيّ، قال:

стр. 427

لَمْ يَبْقَ فِي مَدِينَتِهِمْ زَمِنٌ وَلا مُبْتَلًى وَلا مَرِيضٌ إِلا اجْتَمَعُوا [١] إِلَيْهِ فَدَعَا لَهُمْ فَشَفَاهُمُ اللَّهُ، فَصَدَّقُوهُ وَاتَّبَعُوهُ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: ابْعَثْ لَنَا مِنَ الآخِرَةِ، قَالَ: مَنْ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: سَامَ بْنَ نُوحٍ، فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا أَلْفِ سَنَةٍ، قَالَ: تَعْلَمُونَ أَيْنَ قَبْرُهُ؟ قَالُوا: فِي وَادِي كَذَا وَكَذَا. فَانْطَلَقُوا إِلَى الْوَادِي، فصلى عِيسَى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ، إِنَّهُمْ سَأَلُونِي مَا قَدْ عَلِمْتَ فَابْعَثْ لِي سَامَ بْنَ نُوحٍ، فَقَالَ: يَا سَامُ بْنَ نُوحٍ، قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ، ثُمَّ نَادَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ نَادَى الثَّالِثَةَ، فَأَجَابَهُ فَنَظَرَ [٢] إِلَى الأَرْضِ قَدِ انْشَقَّتْ عَنْهُ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ [٣] وَكَلِمَتَهُ، هَا أَنَا ذَا قَدْ جِئْتُكَ. فَقَالَ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، هَذَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، ابْنُ الْعَذْرَاءِ الْمُبَارَكَةِ، رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، فَآمِنُوا بِهِ وَاتَّبِعُوهُ [٤] . ثُمَّ قَالَ: يَا رُوحَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَمَّا دَعَوْتَنِي جَمَعَ اللَّهُ مَفَاصِلِي وَعِظَامِي، ثُمَّ سَوَّانِي [خَلْقًا] [٥] فَلَمَّا دَعَوْتَنِي الثَّانِيَةَ رَجَعَتْ [٦] إِلَيَّ رُوحِي، فَلَمَّا دَعَوْتَنِي الثَّالِثَةَ خِفْتُ أَنْ تَكُونَ الْقِيَامَةَ، فَشَابَ رَأْسِي وَأَتَانِي مَلَكٌ، فَقَالَ [٧] : هَذَا عِيسَى يَدْعُوكَ لِتُصَدِّقَ مَقَالَتَهُ، يَا رُوحَ اللَّهِ، سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَرُدَّنِي إِلَى الآخِرَةِ فَلا حَاجَةَ لِي فِي الدُّنْيَا. قَالَ عِيسَى: فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَكُونَ مَعِي، قَالَ: يَا عِيسَى، أَكْرَهُ كَرْبَ الْمَوْتِ، مَا ذَاقَ الذَّائِقُونَ مِثْلَهُ. فَدَعَا رَبَّهُ فَاسْتَوَتْ عَلَيْهِ الأْرَضُ، وَقَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، فَبَلَغَ عِدَّةُ مَنْ آمَنَ بِعِيسَى سَبْعَةُ آلافٍ. قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ [٨] : وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الَّذِي أَحْيَاهُ حَامُ [بْنُ نُوح] [٩] .

стр. 428

أَنْبَأَنَا [١] مُحَمَّد بْن عَبْد الباقي بْن أَحْمَد، قَالَ: أَخْبَرَنَا جعفر بْن أحمد بْن السراج، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّد الْحَسَن بْن مُحَمَّد الخلال، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُوسُف بْن عمر الزاهد، قَالَ: قرئ عَلَى عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن زياد النيسابوري وأنا أسمع، قيل له: أخبركم موسى بْن عَبْد الأعلى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن وهب، قَالَ: أخبرني ابن لهيعة، عَنِ ابْنِ الهاد، عَنِ ابْنِ شهاب [٢] ، قَالَ: قيل لعيسى بن مريم ﵇: أحي حام بْن نوح، فَقَالَ: أروني قبره، فأروه فقام فقال: يا حام بن نوح احي بإذن اللَّه، فلم يخرج، ثم قالها الثانية، فإذا شق رأسه ولحيته أبيض. فَقَالَ: ما هَذَا، قَالَ: سمعت الدعاء الأول فظننت أنه من اللَّه ، فشاب له شقي، ثم سمعت الثاني فعلمت أنه من الدنيا فخرجت. قَالَ: منذ كم [٣] مت؟ قَالَ: منذ أربعة آلاف سنة ما ذهبت عني سكرة الموت [٤] . ذكر كلمات مما أوحي إِلَى عِيسَى ﵇ [٥] أَنْبَأَنَا [٦] يَحْيَى بْنُ ثَابِتٍ بْن بُنْدَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسن بن الحسين بن دوما، قال: أخبرنا مخلد بن جعفر، قال: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ العطار، قَالَ: أَخْبَرَنَا إسماعيل بن عيسى العطار، قال: أخبرنا إسحاق بن بشر القرشي، قال: أخبرنا عيسى بن عطية السعدي، وعبد الله بن زياد بن سمعان، قالا: عَنْ بعض من أسلم من أهل الكتاب [٧] قَالَ: أوحى اللَّه تعالى إِلَى عِيسَى: يا عِيسَى ابن مريم، اذكرني فِي الدنيا أذكرك في

стр. 429

المعاد، أكحل عينك بملول الحزن، تيقظ لي [١] فِي ساعات الليل. أسمعني لذاذة الإنجيل، إذا دخلت مسجدا من مساجدي فليضطرب قلبك خوفا مني، ولتخشع جوارحك لي. وقل لقومك إذا دخلوا مسجدا من مساجدي لا تدخلوا إلا بقلوب خائفة، وأبصار خاشعة خافضة، وأيد طاهرة من الدنس. وأخبرهم أني لا أستجيب دعاء الظالم حَتَّى يرد المظلمة إِلَى صاحبها. يا عِيسَى، لا تجالس الخطائين حَتَّى يتوبوا [٢] . [يا عِيسَى، إني ذاكر كل من ذكرني، وألعن الظالمين إذا ذكروني] [٣] . ذكر عيشته وزهده [٤] قَالَ سلمان الفارسي: كان عِيسَى يلبس الصوف بالنهار، والشعر بالليل، وما قهقه ضاحكا قط. وَقَالَ مجاهد: كان يأكل قلوب الشجر، ويلبس الشعر، ولم يكن له ولد يموت ولا بيت يخرب، ولم يكن يدخر شيئا لغد، أينما أدركه المساء بات [٥] . وَقَالَ عطاء الخراساني: كان عِيسَى ﵇ يتخذ نعلين من لحا الشجر، وشراكهما ليف. وَقَالَ عمرو بْن شرحبيل: كان عِيسَى يأكل من غزل أمه [٦] . وَقَالَ شعيب بْن حرب: كانت مريم تلقط فإذا علم بها نثر لها، فإذا علمت تحولت إِلَى مكان لا تعرف فيه. أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ ثَابِتِ بْنِ بُنْدَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسن بن الحسين بن دوما، قال:

стр. 430

أخبرنا مخلد بن جعفر، قال: أخبرنا الحسن بن علي القطان، قال: أخبرنا إسماعيل بن عيسى العطار، قال: أخبرنا إسحاق بن بشر القرشي، قال: أخبرنا عيسى بن عطية السعدي، وعبد الله بن زياد بن سمعان، قالا جَمِيعًا: عَنْ مكحول، عَنْ كعب [١] : إن عِيسَى كان يأكل الشعير، ويمشي عَلَى رجليه، ويركب الدواب، ولا يسكن البيوت ولا يستصبح السراج، ولا يلبس القطن، ولا لمس النساء والطيب، ولم يمزج/ شرابه بشَيْء قط، ولم يدهن رأسه، ولم يقرب رأسه ولحيته غسولا قط، ولم يجعل بين الأرض وبين [٢] جلده شيئا قط. ولم يهتم لغداء ولا لعشاء. وكان يجالس الضعفاء والمساكين، ولم يأكل مع الطعام إداما قط، وكان يجزئ بالقوت القليل، ويقول: هَذَا لمن يموت كثير. وَقَالَ عِيسَى، وعَبْد اللَّه جميعا، عَنْ بعض من أسلم من أهل الكتاب: أن عِيسَى ﵇ كان سياحا يسيح فِي الأرض، لا يأويه بيت ولا قرية، عَلَيْهِ برنس من شعر وإزار من شعر [٣] ، و [ينتعل] [٤] نعلين من النعال السبتية وَفِي يده عصا، مأواه حيث ما جنه الليل، سراجه ضوء القمر، وظله ظلمة الليل، وفراشه من الأرض، ووساده حجر الأرض، وبقله وريحانه عشب الأرض، وربما طوى الأيام جائعا، إذا أصابه الشدة فرح واستبشر، وإذا أصابه الرخاء خاف وحزن [٥] . قَالَ القرشي: وبه حَدَّثَنَا هشام، عَنِ الحسن: أن عِيسَى مر به إبليس يوما وهو متوسد حجرا، فَقَالَ: يا عِيسَى، أليس تزعم أنك لا تريد شيئا من عرض الدنيا؟ قَالَ: فقام عِيسَى ﵇ فأخذ الحجر فرمى به إليه، فَقَالَ: هَذَا لك مع الدنيا [٦] . قَالَ: وَقَالُوا: يا روح اللَّه، لو بنينا لك بيتا تسكنه، قَالَ: لا حاجة لي به، [فألحّوا

стр. 431

عَلَيْهِ، فأذن لهم] [١] فبنوا له عريشا، فلما دخله فنظر إليه، قَالَ: إنما أردت بيتا إذا قمت أصاب رأسي وإذا اضطجعت أصاب جنبي حائطه، ولا حاجة لي بهذا، فلم يسكن بعدها ظل بيت قط حَتَّى رفع. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن علي بْن ميمون، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّه: مُحَمَّدً بْن علي العلوي، قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي العطار، قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ البجلي، قَالَ: حَدَّثَنَا علي بْن المنذر الطرائقي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن فضيل، قَالَ: حَدَّثَنَا عمران بْن مُسْلِم [٢] ، قَالَ: بلغني أن عِيسَى بْن مَرْيَمَ خرج عَلَى أصحابه عَلَيْهِ مدرعة من صوف وكساء من صوف وتبان [٣] ، مجزوز الرأس والشاربين باكيا شعثا متغير اللون من الجوع، يابس الشفتين من العطش، طويل شعر الصدر والذراعين والساقين، فَقَالَ: السلام عليكم، أنا الذي أنزلت الدنيا منزلتها [٤] بإذن من اللَّه [ ] [٥] ولا عجب ولا فخر، يا بني إسرائيل، تهاونوا بالدنيا تهن عليكم، أهينوا الدنيا تكرم الآخرة عليكم، ولا تهينوا الآخرة فتكرم الدنيا عليكم، فإن الدُّنْيَا ليست بأهل لكرامة، كل يوم تدعو إِلَى الفتنة والخسارة. ثم قَالَ لأصحابه: تدرون أين بيتي؟ قالوا: أين بيتك يا روح اللَّه؟ فَقَالَ: بيتي المساجد، وطيبي الماء، وإدامي الجوع، ودابتي رجلي، وسراجي بالليل القمر، وظلالي [ظلمة الليل ومسكني] [٦] فِي الشتاء مشارق الشمس، وطعامي ما يبس، وفاكهتي وريحاني بقول الأرض مما يأكل السباع والأنعام، ولباسي الصوف، وشعاري الخوف، وجلسائي الزمني والمساكين، أصبح وليس لي شَيْء، وأمسي وليس لي شَيْء

стр. 432

وأنا طيب النفس، غير مكترث من أغنى مني وأربح مني [١] . وذكر أنه لبس جبة من صوف عشر سنين، كلما تخرق منها شَيْء خاطه بشريط [٢] ، ولم يدهن رأسه أربع سنين متواليات، ثم دهنه بودك الشحم، وَقَالَ: يا بني إسرائيل، اتخذوا المساجد بيوتا، والقبور دورا، وكونوا كأمثال الأضياف، ألا ترون إِلَى طير السماء؟ لا يزرعن ولا يحصدن وإله السماء يرزقهن. يا بني إسرائيل، كلوا من خبز الشعير ومن بقول الأرض، واعلموا أنكم لم تؤدوا شكر ذلك، فكيف ما كان من فضل [٣] . أَخْبَرَنَا الحسن بْن أحمد بْن محبوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو علي: أحمد بْن مُحَمَّد البرداني، قَالَ: قرأت عَلَى يُوسُف بْن مُحَمَّد الهمذاني، أخبركم الحسين بْن عُمَر بْن برهان، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن البختري، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عبيد، قَالَ: حدثني المثنى بْن معاذ الغنوي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن شجاع [٤] النميري، قَالَ: بينا عِيسَى بْن مَرْيَمَ يسيح فِي بعض بلاد/ الشام اشتد به المطر والرعد والبرق، فجعل يطلب شيئًا يلجأ إليه، فرفعت له خيمة من بعد، فإذا فيها امرأة فحاد عنها، فإذا هو بكهف فِي جبل فأتاه، فإذا فِي الكهف أسد، فرفع يده، ثم قَالَ: إلهي جعلت لكل شَيْء مأوى ولم تجعل لي مأوى؟ فأجابه الجليل : مأواك عندي فِي مستقر رحمتي، لأزوجنك يوم القيامة مائة حورا جعلتها بيدي، ولأطعمن فِي عرسك أربع مائة عام، يوم منها كعمر الدنيا، ولآمرن مناديا ينادي: أين الزاهدون فِي الدنيا، زوروا عرس الزاهد عيسى ابن مريم [٥] .

стр. 433

ذكر طرف من مواعظ عِيسَى ﵇ [١] أنبأنا يَحْيَى بْنُ ثَابِتِ بْنِ بُنْدَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبي، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسن بْن الحسين بن دوما، قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرجي، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَطَّان، قال: أخبرنا إسماعيل بن عيسى العطار، قال: أخبرنا إسحاق بن بشر القرشي، قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ إدريس، عَنْ وهب بْن منبه [٢] قَالَ: قَالَ عِيسَى بْن مَرْيَمَ: «إن للحكمة أهلا إن كتمتها عَنْ أهلها جهلت، وإن تكلمت بها عند غير أهلها جهلت، فكن كالطبيب العالم الذي يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع» [٣] . قَالَ القرشي: وَأَخْبَرَنَا عِيسَى بْن عطية السعدي، وعبد الله بن زياد بن سمعان، قالا: عَنْ بعض من أسلم من أهل الكتاب [٤] ، قَالَ: قَالَ عِيسَى ﵇ للحواريين: «لا تجالسوا [٥] الخطائين فإن مجالستهم تقسي القلب، تقربوا إِلَى اللَّه بمفارقتهم. يا معشر الحواريين، لا تحملوا عَلَى اليوم هم غد، حسب كل يوم همه، ولا يهتم أحدكم لرزق غد، خالق غد يأتيكم فيه بالرزق. ولا يقولن أحدكم إذا استقبل الشتاء: من أين آكل ومن أَيْنَ [ألبس؟ وإذا استقبله الصيف يقول: من أين آكل ومن أين] [٦] أشرب؟ فإن كان لك فِي الشتاء بقاء فلك فيه رزق، وإن كان لك في الصيف بقاء عيسى انتقل من مكان إلى مكان لئلا تعرف فتؤذى، فو عزّتي وجلالي لأزوجنك ألف حوراء، ولأولمن عليك أربعمائة عام» . وعزاه ابن كثير لابن عساكر في ترجمة محمد بن الوليد بن أبان، ثم قال: «هذا حديث غريب رفعه، وقد يكون موقوفا من رواية سفي بن نافع عن كعب الأحبار أو غيره من الإسرائيليين، والله أعلم.

стр. 434

فلك فيه رزق. ولا تحمل هم شتائك وصيفك عَلَى يومك، حسب هم كل يوم بما فيه. يا معشر الحواريين. إن ابن آدم خلق فِي الدنيا عَلَى أربعة منازل، فهو في ثلاثة منها/ باللَّه واثق، وظنه باللَّه حسن، وهو فِي الرابعة سيئ ظنه بربه يخاف خذلان اللَّه إياه. أما المنزلة الأولى، فإنه يخلق فِي بطن أمه خلقا من بعد خلق، فِي ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، يدر اللَّه عَلَيْهِ رزقه فِي ظلمة البطن، فإذا خرج من البطن وقع فِي اللبن، لا يسعى إليه بقدم، ولا يتناوله بيده، ولا ينهض إليه بقوة بل يكره عَلَيْهِ، حَتَّى يرتفع عَنِ اللبن ويفطم، ويقع فِي المنزلة الثالثة بين أبوين يحنان عَلَيْهِ [١] ، فإذا ماتا وتركاه يتيما تعطف عَلَيْهِ الناس، يطعمه هَذَا ويكسوه هَذَا رحمة له، حَتَّى إذا بلغ منزلته الرابعة واستوى خلقه واجتمع حَتَّى أنه لا يرزقه إلا اللَّه، اجترأ عَلَى اللَّه، وغدا على الناس يقاتلهم عَلَى الدنيا. يا معشر الحواريين، اعتبروا بالطير، هل رأيتم طيرا قط يدخر، وكذلك البهائم والسباع، الحق أقول لكم أمسيتم فِي زمان [قوم] [٢] كلامهم كلام الأنبياء، وفعالهم فعال السفهاء، كلامهم دواء يبرئ الداء، وقلوبكم ما تقبل الدواء. قلوبكم تبكي من أعمالكم، أصبحت الدُّنْيَا عندكم بمنزلة العروس المجلية يعشقها كل من يراها، وهي بمنزلة الحية، لين لمسها، يقتل سمها. يا معشر الحواريين، ليكن همكم من الدنيا أنفسكم تفوزوا بها، ولا تكن همكم بطونكم وفروجكم، تملئوها من الطعام وتضمروها من الحكمة، كلوا خبز الشعير، وملح الجريش، واخرجوا من الدنيا سالمين. واعلموا أن النظر إِلَى النساء سهم من سهام إبليس مسموم، وهو يزرع الشهوة فِي القلب، وإن مثل الحكيم يعمل حكمته كمثل الشمس تضيء للخلائق ولا تحرق نفسها، وإن مثل الحكيم [٣] الذي لا يعمل بحكمته كمثل السراج يضيء لمن حوله، ويحرق نفسه.

стр. 435

يا معشر الحواريين، لا [١] تضعوا البعوض عَنْ شرابكم وسرطون الفيلة [٢] ، لا تنظروا/ فِي ذنوب النَّاس كالأرباب وانظروا فِي ذنوبكم كالعبيد، ما الناس إلا كرجلين: مبتلى ومعافى، فارحموا صاحب البلاء، واحمدوا اللَّه عَلَى العافية [٣] . يا بني إسرائيل، كونوا حكماء علماء، لا تضعوا الحكمة إلا عند أهلها ولا تكتموها أهلها، فإنكم إن تكلمتم بالحكمة عند غير أهلها جهلتم، وإن منعتموها أهلها فقد ظلمتموها وضيعتموها، فكونوا كالطبيب العالم الذي يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع، اعفوا عَنِ الناس يعف اللَّه عنكم. يا بني إسرائيل، ما يغني عَنِ البيت المظلم السراج عَلَى ظهره وباطنه مظلم، تخرجون الحكمة إِلَى الناس وتمسكون الغل فِي صدوركم. لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق ويمسك النخالة، كذلك الحكمة تخرج من أفواهكم وتبقي الغل فِي صدوركم. إن الّذي يخوض الماء لا بدّ أن يصيب ثوبه الماء، وكذلك من يحب الدنيا لا ينجو من الخطايا. طوبى للمجتهدين بالَّليلِ ورعوا فِي مساجدهم العمل وسقوا زرعهم من دموع أعينهم حَتَّى نبت وأدرك الحصاد ليوم فقرهم، فوجدوا عاقبة ذلك عند ربهم، ومن يكن زرعه المر لا يحصد حلوا. يا عَبْد الدنيا، ما أكثر الشجر وليس كله يثمر، وما أكثر العلماء وليس كلهم يعمل، إن الدابة ما لم ترض تستصعب [٤] . يا عبيد الدنيا، إنكم لا تدركون ما تأملون إلا بالصبر عَلَى ما تكرهون، ولا تبلغون ما تريدون إلا بترك ما تشتهون، كنتم أمواتا فأحياكم، وحين أحياكم متم، وحين كنتم. ضلالا هداكم، وحين اهتديتم ضللتم. إن الزانية إذا حملت يفضحها حملها، وكذلك يفتضح بالعمل من كَانَ يغر [٥] الناس بالقول الحسن ويقول ما لا يفعل.

стр. 436

ذكر الحوادث فِي زمان عِيسَى ﵇ [١] منها: إيمان الحواريين: وهم اثنا عشر رجلا اتبعوا عِيسَى ﵇ [٢] ، وأهل/ الكتاب يجعلونهم رسلا، ويسمونهم: فأولهم شمعون الصفا، ثم أندرواس أخوه [ثم ربدى، ثم يوحنا أخوه] [٣] ثم تولوس، ثم لوقا، ثم برتملي، ثم ثوما، ثم متى الماكس، ثم يعقوب بْن خلفى، ثم شمعون العتاني، ثم مارقوش [٤] . قَالَ مؤلف الكتاب: وهؤلاء الذين سألوا عِيسَى ﵇ نزول المائدة. ومن الحوادث [٥] إيفاد عِيسَى رجلين من الحواريين إِلَى أنطاكية لإنذار أهلها: رَوَى سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ٣٦: ١٣ [٦] . قَالَ: «ذكر لَنَا أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ ﵇ بَعَثَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى أنطاكية [مَدِينَةٍ بِالرُّومِ] [٧] فَكَذَّبُوهُمَا، فَبَعَثَ ثَالِثًا» . وإلى هَذَا المعنى ذهب ابن جريج. وقد ذهب قوم منهم كعب، ووهب [إِلَى] [٨] أن اللَّه تعالى أرسلهم، والأول أثبت. ومن الجائز أن يضاف إرسالهم إِلَى اللَّه وإن كان عِيسَى قد أرسلهم، لأنهم رسل رسوله.

стр. 437

واختلف العلماء فِي اسميهما عَلَى ثلاثة أقوال: أحدهما: صادق، وصدوق، قاله ابن عباس، وكعب. والثاني: يحنا، ويونس، قاله وهب. والثالث: يومار، وبولس. قاله مُقَاتِل، قَالَ: واسم الثالث شمعون، وكان من [١] الحواريين، وهو وصي عِيسَى ﵇. قَالَ كعب: كان بأنطاكية فرعون يقال له: أنطبجس، يعَبْد الأصنام، فبعثهم اللَّه إليهم فكذبهم وأراد قتلهم، فبلغ ذلك حبيبا، وكان مجذوما فجاء يسعى ويقول: يا قوم اتبعوا المرسلين فقتلوه. قَالَ ابن مسعود: ووطئوه بأرجلهم، فلما مضى إِلَى رحمة اللَّه قَالَ: يا ليت قومي يعلمون، وغضب اللَّه عليهم لاستضعافهم إياه، فعجل الانتقام منهم، فصيح بهم فهلكوا. وقد قَالَ أَبُو الحسين بْن المنادي: حبيب النجار هو نبي أصحاب الرس المذكور فِي سورة الفرقان. قَالَ مؤلف الكتاب [٢] : وَفِي هَذَا بعد. ومن الحوادث [٣] لقاء عِيسَى ﵇ إبليس لعنه اللَّه: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُهْتَدِي، عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ ابْنِ أَخِي مُهَنِّي، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبُرْجُلانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عِصَامٍ، عَنْ أَبِي عمران الجوني، عن أبي الجلد [٤] ، قال:

стр. 438

لَقِيَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ إِبْلِيسَ، فَقَالَ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي جَعَلَ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ مَا الَّذِي يُسِيلُ جِسْمَكَ وَيَقْطَعْ ظَهْرَكَ؟ فَضَرَبَ بِنَفْسِهِ الأَرْضَ ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: لَوْلا أَنَّكَ سَأَلْتَنِي بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ مَا أَخْبَرْتُكَ، أَمَّا الَّذِي يقطع ظهري فصلاة الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ نَافِلَتَهُ، وَفِي الْجَمَاعَةِ فَرْضَهُ. وَأَمَّا الَّذِي يُسِيلُ جِسْمِي فَصَهِيلُ الْخَيْلِ- أَوْ قَالَ الْفَرَسُ- فِي سَبِيلِ اللَّهِ . ومن الحوادث [١] فِي زمانه قتل يحيى بْن زكريا: وقد سبق ذكر ذلك، فإنه قتل وعيسى ﵇ فِي الأرض . ومن الحوادث فِي زمن عِيسَى ﵇ [٢] أن الأرض أجدبت فخرج يستسقي: أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْحَرِيرِيُّ [٣] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنِ سَمْعُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْجِيلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الطُّوسِيُّ، قَالَ: أخبرنا أحمد بن عبد الله الهروي، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّغْلِبِيُّ [٤] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُقَاتِلٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [٥] ، قَالَ: خَرَجَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لا يَسْتَسْقِي مَعَكَ خَطَّاءٌ، فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ، فَقَالَ: مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَطَايَا فَلْيَعْتَزِلْ. فَاعْتَزَلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ إِلا رَجُلٌ مُصَابٌ بِعَيْنِهِ الْيُمْنَى، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: مَا لَكَ لا تَعْتَزِلْ؟ فَقَالَ: يَا رُوحَ اللَّهِ، مَا عَصَيْتُ اللَّهَ طَرْفَةَ/ [عَيْنٍ] [٦] ، وَلَقَدِ الْتَفَتُّ بِعَيْنِي هَذِهِ إِلَى قَدَمِ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ كُنْتُ أَرَدْتُ النَّظَرَ إِلَيْهَا فَقَلَعْتُهَا، وَلَوْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا بِالْيُسْرَى لَقَلَعْتُهَا. قَالَ: فَبَكَى عِيسَى حَتَّى ابْتَلَّتْ لِحْيَتُهُ بِدُمُوعِهِ، ثُمَّ قَالَ: فادع، فأنت أحق بالدعاء

стр. 439

مِنِّي، فَإِنِّي مَعْصُومٌ بِالْوَحْيِ وَأَنْتَ لَمْ تُعْصَمْ [وَلَمْ تَعْصِ] [١] ، فَتَقَدَّمَ الرَّجُلُ فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهمّ إِنَّكَ خَلَقْتَنَا وَقَدْ عَلِمْتَ مَا نَعْمَلُ مِنْ قَبْلِ أَنْ خَلَقْتَنَا فَلَمْ يَمْنَعْكَ ذَلِكَ أن لا تخلقنا، فكما خلقتنا وتكلفت بأرزاقنا فأرسل السماء علينا مدرارا فو الّذي نَفْسُ عِيسَى بِيَدِهِ مَا خَرَجَتِ الْكَلِمَةُ تَامَّةٌ مِنْ فِيهِ حَتَّى أَرْخَتِ السَّمَاءُ عَزَالَيْهَا، وَسُقِيَ الْحَاضِرُ وَالْبَادِي . ومن الأحداث فِي زمان عِيسَى ﵇ نزول المائدة [٢] : أَخْبَرَنَا هِبَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ: مُحَمَّدِ بْنِ غَيْلانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: حدثنا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَافِيَةُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ الْمَهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ [٣] ، قَالَ: لَمَّا سَأَلَ الْحَوَارِيُّونَ عِيسَى أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمُ الْمَائِدَةَ قَامَ عِيسَى فَأَلْقَى الصُّوفَ عَنْهُ وَلَبِسَ الشَّعْرَ وَالْتَحَفَهُ، وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ وَوَضَعَهُمَا [٤] عَلَى صَدْرِهِ، وَصَفَّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ وَأَلْصَقَ الْكَعْبَ بِالْكَعْبِ [٥] وَالإِبْهَامَ بِالإِبْهَامِ، وَخَفَضَ رَأْسَهُ خَاشِعًا، ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَهُ بِالْبُكَاءِ حَتَّى سَالَتِ الدُّمُوعُ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَجَعَلَتْ تَقْطُرُ عَلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا ٥: ١١٤ [٦] فَيَكُونُ عَطِيَّةً مِنْكَ لَنَا عَلامَةً مِنْكَ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، وَارْزُقْنَا عَلَيْهَا طَعَامًا نَأْكُلُهُ. قَالَ: فَنَزَلَتْ سُفْرَةٌ حَمْرَاءٌ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ: غَمَامَةٌ مِنْ فَوْقِهَا، وغمامة من تحتها، وهم ينظرون إليها تَهْوِي مُنْقَضَّةٌ فِي الْهَوَاءِ وَعِيسَى يَبْكِي وَيَقُولُ: إِلَهِي اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلا تَجْعَلْهَا عَذَابًا. حَتَّى اسْتَقَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْ عِيسَى وَالنَّاسُ حَوْلَهُ يَجِدُونَ ريحا طيبة لم

стр. 440

يَجِدُوا مِثْلَهَا قَطُّ، فَخَرَّ عِيسَى سَاجِدًا للَّه وَخَرَّ الْحَوَارِيُّونَ مَعَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودُ فَأَقْبَلُوا يَنْظُرُونَ، فَرَأَوْا أَمْرًا عَجِيبًا، وَإِذَا مِنْدِيلٌ مُغَطًّى عَلَى السُّفْرَةِ، فَجَاءَ عِيسَى فَجَلَسَ فقال: من أجرأنا [و] [١] أوثقنا بِنَفْسِهِ وَأَحْسَنُنَا بَلاءً وَأَوْثَقُنَا عِنْدَ رَبِّهِ فَلْيَكْشِفْ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ حَتَّى نَنْظُرَ وَنَأْكُلَ؟ فَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ: أَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ يَا رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ. قَالَ: فَتَوَضَّأَ عِيسَى وُضُوءًا جَدِيدًا وَدَعَا رَبَّهُ دُعَاءً كَثِيرًا وَبَكَى بُكَاءً طَوِيلا، ثُمَّ قَامَ حَتَّى جَلَسَ عِنْدَ السُّفْرَةِ، فَإِذَا سَمَكَةٌ لَيْسَ فِيهَا شَوْكٌ وَقَدْ رُصَّتْ [٢] حَوْلَهَا مِنَ الْبُقُولِ، وَإِذَا عِنْدَ رَأْسِهَا خَلٌّ وَعِنْدَ [٣] ذَنَبِهَا مِلْحٌ وَخَمْسَةُ أَرْغِفَةِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا زَيْتُونٌ وَخَمْسُ رُمَّانَاتٍ، فَقَالَ شَمْعُونُ رَأْسُ الْحَوَارِيِّينَ: يَا رُوحَ اللَّهِ، أَمِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا هَذَا أَمْ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ [٤] ؟ فَقَالَ عِيسَى: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَمَا تَنْتَهُونَ؟ مَا أَخْوَفَنِي عَلَيْكُمْ أَنْ تُعَاقَبُوا. فَقَالَ شَمْعُونُ: لا [وَاللَّهِ] [٥] إِلَهِ بَنِي إسرائيل ما أردت بهذا سوءا قَالَ عِيسَى: لَيْسَ مَا تَرَوْنَ مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا وَلا مِنْ طَعَامِ الآخِرَةِ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ ابْتَدَعَهُ اللَّهُ [بِالْقُدْرَةِ] [٦] فَقَالَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ، فَكُلُوا مَا سَأَلْتُمْ وَاحْمَدُوا عَلَيْهِ رَبَّكُمْ. فَقَالُوا: يَا رُوحُ اللَّهِ، إِنْ أَرَيْتَنَا [الْيَوْمَ] [٧] آيَةً مِنْ هَذِهِ السَّمَكَةِ، فَقَالَ: يَا سَمَكَةُ احْيِي بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. فَاضْطَرَبَتِ السَّمَكَةُ طَرِيَّةً، تَدُورُ عَيْنَاهَا تُبَصْبِصُ [٨] ، تَلَمَّظُ بِفِيهَا كَمَا يَتَلَمَّظُ السَّبُعُ. ثُمَّ قَالَ: عُودِي كَمَا كُنْتِ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَعَادَتْ مَشْوِيَّةً فِي حَالِهَا. فَقَالُوا: يَا رُوحُ اللَّهِ، كُنْ أَنْتَ أَوَّلَ مَنْ يَأْكُلُ [٩] مِنْهَا، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ آكُلَ مِنْهَا، وَلَكِنْ يَأْكُلُ مِنْهَا مَنْ سَأَلَهَا، فَعَرَفَ الْحَوَارِيُّونَ [أَنْ تَكُونَ] [١٠] إِنَّمَا أُنْزِلَتْ سُخْطَةً، فلم

стр. 441

يَأْكُلُوا، فَدَعَا لَهَا عِيسَى أَهْلَ الْفَاقَةِ، وَالزَّمَانَةِ وَالْعِمْيَانَ، وَالْمَجْذُومِينَ [١] ، وَالْبُرْصَ، وَالْمُقْعَدِينَ، وَأَصْحَابَ الْمَاءِ الأَصْفَرِ، وَالْمَجَانِينَ وَالْمُخَتَلِّينَ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ، ودعوة نبيكم ليكون المهنأ لكم والبلاء و [العقوبة] [٢] لغيركم. فصدر عنها ألف وثلاثمائة رَجُلٍ [وَامْرَأَةٍ] [٣] كُلُّهُمْ شَبْعَانٌ يَتَجَشَّأُ، وَإِذَا مَا عَلَيْهَا كَهَيْئَتِهِ حِينَ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ. وَرُفِعَتِ السُّفْرَةُ إِلَى السَّمَاءِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا، فَاسْتَغْنَى كل فقير أكل منها يومئذ، وبرأ كُلُّ زَمِنٍ [٤] مِنْ زَمَانَتِهِ، وَنَدِمَ الْحَوَارِيُّونَ وَسَائِرُ مَنْ أَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، فَكَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَقْبَلُوا إِلَيْهَا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، الأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ، وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَالْمَرْضَى وَالأَصِحَّاءُ. فَلَمَّا رَأَى عِيسَى ذَلِكَ جَعَلَهَا نُوَبًا [٥] بَيْنَهُمْ، وَكَانَتْ تَنْزِلُ يَوْمًا [٦] وَلا تَنْزِلُ يَوْمًا. فَلَبِثَتْ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا تَغِيبُ يَوْمًا وَتَنْزِلُ يَوْمًا يُؤْكَلُ مِنْهَا، حَتَّى إِذَا فَاءَ الْفَيْءُ ارْتَفَعَتْ إِلَى السَّمَاءِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى ظِلِّهَا حَتَّى تَوَارَى عَنْهُمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: أَنِ اجْعَلْ مَائِدَتِي رِزْقًا لِلْيَتَامَى وَالزَّمْنَى دُونَ الأَغْنِيَاءِ مِنَ النَّاسِ. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ عَظُمَ [٧] عَلَى الأَغْنِيَاءِ، وَأَذَاعُوا الْقَبِيحَ حَتَّى شَكُّوا وَشَكَّكُوا [٨] النَّاسَ، حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: يَا رُوحَ اللَّهِ، بِحَقٍّ أَنَّهَا تَنْزِلُ [٩] مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ [عِيسَى] : وَيْحَكُمْ هَلَكْتُمْ، سَتَرَوْنَ الْعَذَابَ [١٠] إِنْ لَمْ يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ تَعَالَى. فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ [١١] : إِنِّي آخِذٌ بشرطي من

стр. 442

الْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ اشْتَرَطْتُ عَلَيْهِمْ أَنِّي مُعَذِّبُ مَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ. فَمَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ ثَلاثَةً وَثَلاثِينَ [١] خَنَازِيرَ مِنْ لَيْلَتِهِمْ، فَأَصْبَحُوا يَأْكُلُونَ مَا فِي الْحُشُوشِ وَيَأْتُونَ إِلَى عِيسَى [﵇] [٢] فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَأَعْيُنُهُمْ تَسِيلُ دَمْعًا، فَيَقُولُ عِيسَى: يَا فُلانُ يَا فُلانُ، قَدْ كُنْتُ أُخَوِّفُكُمْ عَذَابَ اللَّهِ وَعُقُوبَتَهُ، وَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُمِيتَهُمْ، فَأَمَاتَهُمْ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [٣] . سبب رفع عِيسَى ﵇ إِلَى السماء [٤] قَالَ وهب بْن منبه: أتى عِيسَى ﵇ ومعه سبعة عشر من الحواريين فِي بيت فأحاطوا بهم، فَقَالَ عِيسَى ﵇: من يشتري نفسه منكم بالجنة؟ فَقَالَ رجل: أنا، فأخذوه فقتلوه. وَرَوَى سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن عِيسَى ﵇ قَالَ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ مَكَانِي وَيَكُونُ مَعِي فِي دَرَجَتِي؟ فَقَامَ شَابٌّ فَقَالَ: أَنَا. فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ وَرُفِعَ عِيسَى، فَقَتَلُوهُ. قَالَ بعض العلماء: واسم هَذَا الرجل يشوع [٥] بْن قديرا. وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عِيسَى ﵇ دَخَلَ خَوْخَةً، فَدَخَلَ وَرَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسَى، فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ. قَالَ وهب: رفع اللَّه عِيسَى ﵇ لثلاث ساعات من النهار، وكساه اللَّه الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فأصبح ملكيا إنسيا، سمائيا أرضيا.

стр. 443

وَقَالَ أَبُو الحسن [١] بْن البراء العَبْدي: رفع عِيسَى ليلة القدر وترك خفين ومدرعة، وحذافة يحذف بها الطير، وكان عمره ثلاثا وثلاثين سنة وأشهرا. وَقَالَ سَعِيد بْن المسيب: رفع اللَّه عِيسَى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وَقَالَ مؤلف الكتاب [٢] : وقد ذكرنا أنه أوحى اللَّه إليه بعد الثلاثين فبقي يوحى إليه ثلاث سنين، ثم انقطع الوحي بعده، ووقعت الفترة إلى أن بعث نبينا محمد ﷺ . وقد قيل: بل بعث بينهما أربعة من الرسل، ثلاثة منهم مذكورون فِي قوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ ٣٦: ١٤ [٣] . والرابع: خالد بْن سنان العبسي [٤] . وَقَدْ رُوينَا عن النبي ﷺ أنه ذكر عِيسَى، فَقَالَ: «لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ» [٥] . وظاهر هَذَا يمنع وجود نبي بينهما. ومن الممكن أن يتأول، فيقال: لا نبي يغير حكما، فإن عِيسَى أحل وحرم، ومن بعث بعده دعي إِلَى دينه ولم يغير. والله أعلم. قَالَ علماء التاريخ: ومن هبوط آدم ﵇ إِلَى أن رفع المسيح إِلَى السماء خمسة آلاف وخمسمائة واثنتان وثلاثون سنة [٦] .

стр. 444

ذكر حال عِيسَى ﵇ عند نزوله من السماء [١] رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ ذكر عِيسَى، فَقَالَ: «إِنَّهُ نَازِلٌ يَدُقُّ الصَّليِبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ، وَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الإِسْلامِ، فَيُهْلِكُ اللَّهُ تَعَالَى فِي زَمَانِهِ مَسِيحَ الضَّلالَةِ الدَّجَّالَ الْكَذَّابَ، وَيَقَعُ الأَمْنُ فِي الأَرْضِ حَتَّى يَرْعَى الأَسَدُ مَعَ الإبل، والنمر مع البقر، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبُ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ، لا يضرهم شيئا، فيمكث في الأرض أَرْبَعِينَ سَنَهً، ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ» . وروى النواس بن سمعان، عن النبي ﷺ أنه قَالَ: «يَنْزِلُ عِيسَى عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيِّ دِمَشْقَ» . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن سلام: «مكتوب فِي التوراة صفة مُحَمَّد يدفن معه عِيسَى ابن مريم ﵉» . أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ: هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْحَرِيرِيُّ، عَنْ أَبِي طَالِبٍ: مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ الْعِشَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ مِيمِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنِ صَفْوَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الأَفْرِيقِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجِيلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ [٢] ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ إِلَى الأَرْضِ فَيَتَزَوَّجُ وَيُولَدُ لَهُ، وَيَمْكُثُ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَمُوتُ فَيُدْفَنُ مَعِي فِي قَبْرِي، فَأَقُومُ أَنَا وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مِنْ قَبْرٍ وَاحِدٍ بين أبي بكر وعمر» [٣] .

стр. 445

ذكر حوادث مرت عقيب رفع عِيسَى ﵇ [١] فمنها افتراق العقائد: روى أَبُو معشر المدني، عَنْ مُحَمَّد بْن كعب القرظي، قَالَ: لما رفع عِيسَى ﵇ اجتمع من علماء بني إسرائيل مائة رجل، فَقَالَ بعضهم لبعض: أنتم كثير ونتخوف الفرقة ليخرج بعضكم. فأخرجوا عشرة عشرة حَتَّى بقت عشرة، فقالوا: أنتم [٢] كثير، أخرجوا بعضكم فاخرجوا [٣] ستة وبقي أربعة، إليهم ينتهي علم بني إسرائيل، فَقَالَ بعضهم لبعض: ما تقولون فِي عِيسَى؟ فَقَالَ رجل منهم: أتعلمون أن أحدا يحيى الموتى إلا الله؟ قالوا: لا. قال: أتعلمون أن أحدا يعلم الغيب إلَّا اللَّه؟ قالوا: لا، قَالَ: أتعلمون أن أحدا يبرئ الأكمه والأبرص إلا اللَّه؟ قالوا: لا. قَالَ: فإنه هو اللَّه كان فِي الأرض ما بدا له، ثم صعد إِلَى السماء حين بدا له. فَقَالَ الآخر: أنا [٤] لا أقول كما [قلت، قد عرفنا عِيسَى وعرفنا أمه، بل هو ولده [٥] . فَقَالَ الآخر: لا أقول كما] [٦] قلتما [٧] ، ولكن جاءت به أمه من عمل غير صالح. فَقَالَ الآخر: لا أقول كما تقولون، قد كان عِيسَى يخبركم أنه عَبْد اللَّه وروح اللَّه وكلمته ألقاها إِلَى مريم فقولوا كما قَالَ لنفسه. فتفرقوا فخرج رجل منهم فسألوه: ما قلت؟ قَالَ: قلت هو اللَّه، فاتبعه عنق من الناس. ثم قَالُوا للآخر: ما قلت؟ قَالَ: قلت هو ولده، فاتبعه عنق من الناس، ثم خرج الثالث [٨] فقالوا: ما قلت؟ قَالَ: قلت جاءت به أمه من عمل غير صالح، [فاتبعه عنق من

стр. 446

النَّاس] [١] ثم خرج الآخر، فقالوا: ما قلت؟ قَالَ: قلت هو عَبْد اللَّه وروح اللَّه ورسوله، وكلمته ألقاها إِلَى مريم، فاتبعه عنق من الناس. وَرَوَى شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذكر لَنَا أَنَّهُ لَمَّا رُفِعَ عِيسَى ﵇ انْتُخِبَ أَرْبَعَةٌ مِنْ فُقَهَائِهِمْ فَقَالُوا لِلأَوَّلِ: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟ قَالَ: هُوَ اللَّهُ [هَبَطَ إِلَى الأَرْضِ فَخَلَقَ مَا خَلَقَ وَأَحْيَا مَا أَحْيَا] [٢] ثُمَّ صَعَدَ إِلَى السَّمَاءِ. فَاتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ نَاسٌ، فَكَانَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى. فَقَالَتِ الثَّلاثَةُ الأُخَرُ: نَشْهَدُ أَنَّكَ كَاذِبٌ، فَقَالُوا لِلثَّانِي: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟ فَقَالَ: هُوَ ابْنُ اللَّهِ. وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ نَاسٌ، فَكَانَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى. فَقَالَ الاثْنَانِ الآخَرَانِ: نَشْهَدُ أَنَّكَ كَاذِبٌ، فَقَالُوا لِلثَّالِثِ: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟ فَقَالَ: هُوَ إله، وأمه إِلَهٌ، وَاللَّهِ إِلَهٌ، فَبَايَعَهُ عَلَى ذَلِكَ نَاسٌ. فَكَانَتِ الإِسْرَائِيلِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى الَّذِي يُقَالُ دِينُ الْمَلِكِ. فَقَالَ الرَّابِعُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ كَاذِبٌ، وَلَكِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحُهُ. فَاخْتَصَمَ الْقَوْمُ، فَقَالَ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ: أُنْشِدُكُمُ اللَّهَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى كَانَ يَطْعَمُ الطَّعَامَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: وَهَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ لا يَطْعَمُ الطَّعَامَ؟ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، قَالَ: فأنشدكم الله أَتَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى كَانَ يَنَامُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ لا يَنَامُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَخَصَمَهُمْ [٣] ومن الأحداث [٤] بعد رفع عِيسَى ابن مريم ﵉ [وفاة مريم ﵍: فإنها بقيت بعد رفعه ست سنين، وكان جميع عمرها نيفا وخمسين سنة.

стр. 447

ذكر الحوادث حرب الحواريين بعد رفع عِيسَى ﵇] [١] قَالَ ابن إِسْحَاق: لما قصدت اليهود عِيسَى ﵇ فصلبوا الذي شبه به عدوا عَلَى الحواريين فشمسوهم [٢] وعذبوهم وطافوا بهم، فسمع بذلك ملك الروم- وكانوا تحت يده، وكان صاحب وثن- فقيل له: إن رجلا كان فِي هَؤُلاءِ الناس الذين تحت يديك [٣] من بني إسرائيل عدوا عَلَيْهِ فقتلوه، وكان يخبرهم أنه رسول اللَّه، قد أراهم العجائب، وأحيا لهم الموتى، وأبرأ لهم الأسقام، وأخبرهم بالغيوب. قَالَ: ويحكم فما منعكم أن تذكروا هذا لي، فو الله لو علمت فما خليت بينهم وبينه. ثم بعث فانتزع الحواريين من أيديهم، وسألهم عَنْ دين عِيسَى وأمره، فأخبروه خبره، فبايعهم عَلَى دينهم، وأخذ الخشبة التي صلب عليها فأكرمها وصانها لما مسّها منه. وقتل فِي بني إسرائيل قتلى كثيرة، فمن هنالك كان أصل النصرانية فِي الروم [٤] . قَالَ وهب بْن منبه: اجتمع الحواريون بعد رفع عِيسَى، فقالوا: نريد أن نخرج دعاة فِي الأرض، وكان ممن توجه إِلَى الروم: نسطور، وصاحبان له. فأما نسطور فحبسته حاجة، فَقَالَ لصاحبيه: أرفقا ولا تحرقا ولا تستبطئاني. فلما قدما الكورة، إذا قوم فِي يوم عيدهم، وقد برز ملكهم وأهل مملكته، فأتاه الرجلان فقاما بين يديه فقالا له: اتق اللَّه، فإنكم تعملون بالمعاصي وتنتهكون حرم اللَّه. فغضب الملك وهمّ بقتلهما، فقام إليه نفر من أهل مملكته، فقالوا: إن هَذَا يوم لا تهريق فيه دماء، وقد ظفرت بصاحبيك، فإن أحببت أن تحبسهما حَتَّى يمضي عيدنا ثم ترى فيهما رأيك فعلت. فأمر بحبسهما، ثم ضرب عَلَى أذنه [٥] بالنسيان لهما حتى قدم نسطور، فسأل

стр. 448

عَنْهُمَا فأخبر بشأنهما وأنهما محبوسان فِي السجن، فدخل عليهما، فَقَالَ: ألم أقل لكما أرفقا، ولا تحرقا، ولا تستبطئاني فهل تدريان ما مثلكما؟ [مثلكما] [١] مثل امرأة لم تصب واحدا حتى دخلت في السن، فأصابت بعد ما دخلت فِي السن ولدا، فأحبت أن يعجل شبابه حَتَّى يكبر، فحملت عَلَى معدته ما لا يطيق فقتلته. ثم قَالَ لهما: والآن فلا تستبطئاني حَتَّى آتي إِلَى باب الملك. فأتاه وقد جلس للناس، وكانوا إذا ابتلوا بحرام وبحلال رفعوه إِلَى الملك، فنظر فيه ثم سأل عنه ما يليه، وسأل الناس بعضهم بعضا حَتَّى ينتهي إِلَى أقصى المجلس. فجلس نسطور فِي أقصى المجلس، فلما ردوا عَلَى الملك جواب من أجابه، وردوا عَلَيْهِ جواب نسطور، فسمع بشَيْء عَلَيْهِ نور، وخلا فِي مسامعه، فَقَالَ: من صاحب هَذَا القول؟ قالوا: الرجل الذي فِي أقصى المجلس، قَالَ: علي به. فلما جاءه قَالَ: أنت القائل كذا؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فما تقول فِي كذا وكذا؟ فجعل لا يسأله عَنْ شَيْء إلا فسره له، فَقَالَ له الملك: عندك هَذَا العلم وأنت تجلس فِي آخر القوم، ضعوا له عند سريري مجلسا. ثم قَالَ له: إن أتاك ابني فلا تقم له. ثم أقبل عَلَى نسطور وترك الناس، فلما عرف أن منزلته قد ثبتت، قَالَ: لأروزنه. فَقَالَ: أيها الملك، أنا رجل بعيد الدار فإن أحببت أن تقضي حاجتك مني فأذن لي فأنصرف إِلَى أهلي، فَقَالَ: يا نسطور، ما إِلَى ذلك سبيل فإن أردت أن تحمل أهلك إلينا فلك المواساة، وإن [أحببت أن] [٢] تأخذ من بيت المال حاجتك فتبعث به إِلَى أهلك فعلت. فسكت نسطور. ثم تخير يوما مات لهم فيه ميت، فَقَالَ: أيها الملك، بلغني أن رجلين أتياك يعيبان عليك دينك. قَالَ: فذكرهما، فأرسل إليهما، فَقَالَ: يا نسطور، أنت حكم بيني وبينهما، ما قلت من شَيْء رضيت به، قَالَ: نعم، أيها الملك، هَذَا ميت قد مات فِي بني إسرائيل فمرهما يدعوان ربهما فيحييه لهما، ففي ذلك آية بينة. قَالَ: فأتي بالميت فوضع عنده، وقاما وتوضئا ودعوا ربهما فردّ عليه روحه وتكلم،

стр. 449

فَقَالَ: أيها الملك/ [إن] [١] فِي هَذَا لآية [٢] بينة، ولكن مرهما بغير ذلك، اجمع أهل مملكتك، ثم قل لآلهتك، فإن كنت تقدر عَلَى أن تضر بهما فليس أمرهما بشَيْء، وإن كانا يقدران عَلَى أن يضرا آلهتك فأمرهما قوي. فجمع الملك أهل مملكته، ودخل البهو الذي فيه الآلهة، فخر ساجدا هو ومن معه من أهل مملكته، وخر نسطور ساجدا، وَقَالَ: اللَّهمّ إني أسجد لك وأكيد هذه الآلهة أن تعبد من دونك، ثُمَّ رفع الملك رأسه وَقَالَ: إن هذين يريدان أن يبدلا دينكم، ويدعوا إلى إله غيركم فافقئوا أعينهم، أو جدعوهما. فلم ترد عَلَيْهِ الآلهة شيئا، فقام نسطور وأمر صاحبيه أن يحملا معهما فأسا، فَقَالَ: أيها الملك، قل لهذين: أتقدران عَلَى أن تضرا آلهتي [٣] . [فَقَالَ لهما: أتقدران عَلَى أن تضرا آلهتنا؟] [٤] قالا: خل بيننا وبينهم. ففعل، فأقبلا عليها فكسراها فَقَالَ نسطور: أما أنا فقد آمنت برب هذين. وَقَالَ الملك: وأنا فقد آمنت برب هذين. وَقَالَ جميع النَّاس: آمنا برب هذين، فَقَالَ نسطور لصاحبيه: هكذا الرّفق.

стр. 450

باب ذكر الملوك بعد عِيسَى ﵇ ذكر ما يتعلق باليونانيين وأهل الشام قَالَ مؤلف الكتاب [١] : وثبت اليهود بالمسيح [٢] والرئاسة ببيت المقدس حينئذ لقيصر، والملك عَلَى بيت المقدس من قبل قيصر هيردوس، ثم مات هيردوس [٣] فولى مكانه ابنه أركلاوس، ثم مات فولى مكانه هيردوس الصغير [٤] الذي صلب شبه المسيح فِي ولايته. وكانت الرئاسة فِي ذلك الوقت لملوك اليونانية والروم، فكان هيردوس وابنه [٥] من قبلهم، إلَّا أنهم كانوا يسمون [٦] بالملك، وكان الملوك الكبار يسمون [٧] بقيصر، وكان ملك بيت المقدس فِي وقت الصلب لهيردوس الصغير من قبل طيباريوس بْن أغوسطوس دون القضاء وكان القضاء لرجل رومي يقال له فيلاطوس [٨] من قبل قيصر [٩] ، وكان ملك

стр. 451

طبناروس [١] ثلاثا وعشرين [٢] سنة، منها إِلَى وقت رفع [عِيسَى] [٣] المسيح/ ثماني عشرة سنة وأيام، ومنها بعد ذلك خمس سنين، فصار ملك الشام بعده إِلَى ابنه جايوس [٤] فملك أربع سنين. ثم ملك بعده ابن له آخر يقال له: قلوديوس [٥] أربع عشرة سنة. ثم ملك بعده نيرون [٦] الذي قتل فطرس [٧] وبولس أربع عشرة سنة. ثم ملك بعده بوطلايوس [٨] أربعة أشهر. ثم ملك بعده اسفسيانوس عشر سنين [٩] . وبمضي ثلاث سنين من ملكه، وتمام أربعين سنة من وقت رفع عِيسَى ﵇، وجه اسفسيانوس [١٠] ابنه ططورس [١١] إِلَى بيت المقدس حَتَّى هدمه، وقتل من قتل من بني إسرائيل غضبا للمسيح. ثم ملك ططورس [١٢] بعد أبيه سنتين [١٣] . [ثم ملك بعده دومطيانوس ست عشرة سنة] [١٤] .

стр. 452

ثم ملك بعده باذاوس [١] ست سنين. ثم من بعده طرطياوس [٢] تسع عشرة سنة. ثم من بعده هدريانوس إحدى وعشرين سنة. ثم من بعده ططورس [٣] بْن بطيانوس اثنتين وعشرين سنة. ثم من بعده مرقوس وأولاده تسع عشرة سنة. ثم من بعده قوذوموس [٤] ثلاث عشرة سنة. ثم من بعده فرطناجوس [٥] ستة أشهر. ثم من بعده سبروس [٦] أربع عشرة سنة. ثم من بعده أنطينايوس [٧] أربع سنين. [ثم بعده مرقيانوس ست سنين. ثم بعده أنطنيانوس أربع سنين] [٨] . ثم الحندروس ثلاث عشرة سنة. قَالَ مؤلف الكتاب [٩] : ثم تملك بعده أربعون رجلا واحدا بعد واحد، أسماؤهم من هَذَا [١٠] الجنس فلا طائل فِي الإطالة بذكرها. ثم ملك بعد الأربعين رجلا هرقل الذي كتب [١١] إليه رسول اللَّه ﷺ ثلاثين سنة. فمن وقت عمارة بيت المقدس [١٢] بعد تخريب بخت نصر له إِلَى زمان هجرة نبينا ألف سنة ونيف.

стр. 453

فمن تملك الإسكندر اليوناني إلى الهجرة تسعمائة ونيف وعشرون سنة من ذلك من وقت [١] ظهوره إلى مولد عيسى ﵇ ثلاثمائة وثلاث سنين، ومن مولده إِلَى وقت رفعه [ثلاث وثلاثون سنة، ومن وقت رفعه] [٢] إِلَى زمان [٣] الهجرة خمسمائة وخمس وثمانون سنة وأشهر، وكان قتل يَحْيَى بْن زكريا فِي عهد أردشير بْن بابك لثماني سنين خلت من ملكه [٤] . ذكر الأحداث/ المتعلقة بالعرب قَالَ مؤلف الكتاب [٥] : لما مات بخت نصر انضم الذين أسكنوا الحيرة من العرب إِلَى أهل [٦] الأنبار، وبقي الحيرة خرابا [٧] ، فغبروا [٨] بذلك زمانا طويلا، لا يطلع عليهم أحد من العرب، وَفِي الأنبار أهلها ومن انضم إليهم [٩] من أهل الحيرة ومن قبائل العرب من بني إسماعيل ومن معد بْن عدنان، وكثروا وملئوا بلادهم من تهامة وما يليها، ثم فرقتهم [١٠] حروب وقعت بينهم، وأحداث حدثت فيهم، فخرجوا يطلبون الريف فيما يليهم من بلاد اليمن والمشارق [١١] ، ونزل بعضهم البحرين، وكان بها جماعة من الأزد كانوا نزلوها فِي زمان عمران بن عمرو، مزيقياء. ومزيقياء لقب عمرو، وإنما لقّب مزيقياء [١٢]

стр. 454

لأنه كان يتخذ كل يوم حلتين من حلل الملوك، فإذا أمسى مزقهما واستبدل بهما من الغد أخريين، لأنه لم يكن يرى أحدا أهلا أن يلبس ثيابه. وهو ابن عامر ويلقب عامر: «ماء السماء بْن حارثة» وهو الغطريف بْن ثعلبة بْن امرئ القيس بْن مازن بْن الأزد [١] . فاجتمع بالبحرين جماعة من قبائل العرب، فتحالفوا [عَلَى] [٢] التنوخ [٣]- وهو المقام- وتعاقدوا عَلَى [التوازر] [٤] والتناصر، فضمهم [اسم] [٥] تنوخ. فدعا مالك بْن زهير جذيمة الأبرش بْن مالك بْن فهم أن يقيم معه، فأقام فزوجه أخته لميس [٦] ابنة زهير. وكان [٧] هَذَا كله فِي أزمان [٨] ملوك الطوائف الذين ملكهم الإسكندر، وفرق البلدان بينهم عند قتله دارا [بْن دارا ملك فارس، إِلَى أن ظهر أردشير بْن بابك] [٩] ملك فارس عَلَى ملوك الطوائف، وقهرهم ودان له الناس، وضبط [له] [١٠] الملك. وإنما سموا ملوك الطوائف، لأن كل ملك منهم كان ملكه قليلا من الأرض. فتطلعت أنفس من كان بالبحرين من العرب إِلَى ريف العراق، وطمعوا فِي غلبة الأعاجم عَلَى ما يلي بلاد العرب منه، أو مشاركتهم فيه، فانقسموا فخرج كل رئيس من العرب بمن معه على قوم.

стр. 455

ولم يزالوا كذلك لا يدينون للأعاجم ولا تدين لهم الأعاجم [١] إِلَى أن قدم الأنبار تبع- وهو/ أسعد أَبُو كرب بْن مليكرب [٢]- فِي جيوشه، فخلف بها من لم يكن فيه قوة للقتال [٣] ، وخرج للغزو. ونزل كثير من تنوخ الأنبار والحيرة، وما بين الحيرة إِلَى طف الفرات وغربيه فِي الأبنية والمظال، لا يسكنون بيوت المدر [٤] . وكانوا يسمون: عرب الضاحية، فكان أول من ملك منهم فِي زمان ملوك الطوائف مالك بْن فهم، وكان منزله فيما يلي الأنبار. ثم مات [مالك] [٥] ، فملك بعده أخوه عمرو بْن فهم، ثم هلك [٦] فملك بعده جذيمة بْن الأبرش [بْن مالك] [٧] بْن فهم بْن غنم [٨] بْن دوس الأزدي، وكان من قبل أردشير بْن بابك [٩] . وكان من أفضل ملوك العرب رأيا، وأشدهم نكاية، وأبعدهم غورا [١٠] ، وهو أول من استجمع له الملك بأرض العراق، وضم إليه العرب، وكان به برص، فكنت [١١] العرب عنه إعظاما له. فقيل: جذيمة الوضاح، وجذيمة الأبرش، وكانت منازله فيما بين الحيرة والأنبار [وبقة] [١٢] وهيت [وناحيتها] [١٣] ، وعين التمر، وأطراف البر.

стр. 456

وكان لا ينادم أحدا كبرا، بل ينادم الفرقدين، فإذا شرب قدحا صب لها قدحا. وكانت تجبى [١] إِلَيْهِ الأموال، وتفد عَلَيْهِ [٢] الوفود، فخرج إِلَى غزو طسم وجديس، فأصاب حسان بْن تبع قد أغار عَلَى طسم وجديس، فانكفأ جذيمة راجعا بمن معه [٣] . وكانت فيهم الزرقاء، واسمها: اليمامة، وبها سمي بلدها: اليمامة، وهي [٤] من بنات لقمان بْن عاد، وقيل: هي من جديس وطسم. فلما قصدهم جيش حسان بْن تبع بقي بينه وبينهم مسيرة ثلاثة أيام، فأبصرتهم وقد حمل كل رجل منهم شجرة يسير بها، فقالت: «تاللَّه [٥] ، لقد دب الشجر- أو حمير قد أخذت شيئا تجر» . فلم يصدقوها، فقالت: «أقسم باللَّه لقد رأى رجلا منهم ينهش كتفا أو يخصف نعلا» ، فلم يستعدوا. فصبحهم حسان فاجتاحهم، فأخذها فشق عينيها [٦] ، وإذا فيها عروق من الأثمد [٧] . قَالَ مؤلف الكتاب [٨] : وبنظر هَذِهِ المرأة يضرب المثل. / وكانت زرقاء اليمامة قد نظرت إِلَى سرب من حمام طائر [٩] ، [فإذا فيه] [١٠] ست وستون حمامة، وعندها حمامه واحدة، فقالت: ليت الحمام ليه ... إِلَى حمامتيه ونصفه قديه ثم الحمام مية

стр. 457

فَقَالَ النابغة يخاطب النعمان ويقول [١] : واحكم كحكم فتاة الحي إذا نظرت ... إِلَى حمام سراع وارد الثمد أراد [٢] : كن حكما. وكان جذيمة قد تنبأ وتكهن، واتخذ صنمين يقال: لهما: الضيزنان [٣]- ومكانهما بالحيرة معروف- وكان يستسقي بهما ويستنصرهما عَلَى العدو. وكانت إياد بعين أباغ، وأباغ رجل من العماليق نزل بتلك العين، فكان يغازيهم، فذكر لجذيمة غلام من لخم فِي أخواله من إياد، يقال له: عدي بْن نصر بْن ربيعة، له جمال وظرف، فغزاهم جذيمة، فبعث [٤] إياد قوما منهم فسقوا سدنة الصنمين [٥] الخمر، وسرقوهما، فأصبحا فِي إياد، فبعث [٦] إِلَى جذيمة: إن صنميك أصبحا فينا زهدا فيك ورغبة [٧] فينا، فإن أوثقت [٨] لنا ألا تغزونا رددناهما إليك. فَقَالَ: وعدي بْن نصر تدفعونه إلي [مع الصنمين] [٩] فدفعوه إليه مع الصنمين، فانصرف عنهم، وضم عديا إِلَى نفسه وولاه شرابه. فأبصرته رقاش بنت مالك، أخت جذيمة، فعشقته [١٠] وراسلته وَقَالَت: يا عدي، اخطبني إِلَى الملك فإن لك حسبا وموضعا. فَقَالَ: لا أجترئ عَلَى كلامه فِي ذلك، ولا أطمع أن يزوجنيك. قالت: فإذا جلس عَلَى شرابه وحضر ندماؤه فاسقه صرفا، واسق القوم مزاجا، فإذا أخذت الخمر منه [١١] فاخطبني إليه، فإنه لن يردك ولن يمتنع منك، فإذا زوّجك [١٢] فأشهد القوم.

стр. 458

ففعل [الفتى] [١] ما أمرته، فلما [٢] أخذت الخمر مأخذها، خطبها إليه فأملكه إياها، فأعرس [٣] بها من ليلته، وأصبح مضرجا بالخلوق. فَقَالَ له جذيمة: ما هَذِهِ/ الآثار يا عدي؟ قَالَ: آثار العرس، قَالَ: أي عرس؟ قَالَ: عرس رقاش! قَالَ: من زوجكها [٤] ؟ قَالَ: الملك. فضرب جذيمة بيده عَلَى جبهته وأكب عَلَى الأرض ندامة وتلهفا، وخرج عدي عَلَى وجهه هاربا فلم ير له أثر، ولم يسمع له بذكر، وأرسل إليها جذيمة فَقَالَ: حدثيني وأنت لا تكذبيني ... أبحر زنيت أم بهجين! أم بعَبْد فأنت أهل [٥] لعَبْد ... أم بدون فأنت أهل لدون فقالت: لا [٦] ، بل أنت زوجتني أمرأ عربيا، معروفا حسيبا، ولم تستأمرني فِي نفسي، ولم أكن مالكة لأمري. فكف عنها وعرف [٧] عذرها. ورجع عدي بْن نصر إِلَى [٨] أياد، فكان فيهم، فخرج ذات يوم مع فتية [٩] متصيّدين، فرمى به فتى منهم بين جبلين فمات. واشتملت [١٠] رقاش عَلَى حمل، فولدت غلاما سمته عمرو، حَتَّى إذا ترعرع عطرته وألبسته وحلته، وأزارته خاله جذيمة، فلما رآه أعجب به وأحبه. وكان مع ولده، فخرج جذيمة متبديا بأهله وولده فِي سنة ذات خصب، فضرب لهم أبنية في روضة ذات

стр. 459

زهرة وغدر [١] ، وخرج ولده وعمرو معهم يجتنون الكمأة [٢] ، فكانوا إذا أصابوا كمأة جيدة أكلوها، وإذا أصابها عمرو خبأها فِي حجزته [٣] ، فانصرفوا إِلَى جذيمة يتعادون وعمرو يقول [٤] : هَذَا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إِلَى فيه فضمه إليه جذيمة والتزمه وسر بقوله وفعله، وأمر فجعل له حلي من فضة وطوق من فضة. فكان أول عربي ألبس طوقا، فكان يسمى عمرو ذا [الطوق] [٥] . فبينما هو عَلَى أحسن حاله استطاره الجن [فاستهوته] [٦] ، فضرب جذيمة فِي الآفاق فلم يقدر عَلَيْهِ. وأقبل رجلان أخوان من بلقين [بهدايا يريدان جذيمة] [٧] يقال لهما: مالك وعقيل [٨] فنزلا ببعض الطريق منزلا ومعهما قينة [٩] لهما يقال لها: أم عمرو، فقدمت إليهما طعاما، / فبينما هما يأكلان أقبل فتى عريان شاحب، قد تلبد شعره وطالت أظفاره وساءت حاله، فجاء حَتَّى جلس حجرة [١٠] منهما، فمد يده إليهما يريد الطعام، فناولته القينة كراعا [١١] [فأكلها] [١٢] ثم مد يده إليها، فقالت: «تعطي العَبْد كراعا فيطمع فِي الذراع» . فذهبت مثلا ثم ناولت الرجلين من شراب كان معها فأوكت زقها [١٣] ، فَقَالَ عمرو بْن عدي:

стр. 460

صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا [١] ! فَقَالَ مالك وعقيل: من أنت يا فتى؟ فَقَالَ: أنا عمرو بْن عدي. فنهضا إليه فضماه وغسلا رأسه، وقلما أظفاره، وأخذا من شعره وألبساه مما كان معهما من الثياب، وَقَالَا: ما كنا لنهدي لجذيمة هدية هي أنفس عنده، ولا أحب إليه من ابن أخته، وقد رده اللَّه عَلَيْهِ بنا. فخرجا به إِلَى جذيمة بالحيرة، فسر بذلك سرورا شديدا، وأرسل به إلى أمه، فمكث عندها أياما ثم أعادته إليه، فَقَالَ: لقد رأيته يوم ذهب وعليه طوق، فما ذهب عَنْ عيني ولا قلبي إِلَى الساعة. فأعادوا عَلَيْهِ الطوق، فلما نظر إليه قَالَ: «شب [٢] عمرو عَنِ الطوق» ، فأرسلها مثلا، وَقَالَ لمالك وعقيل: حكمكما، فقالا: حكمنا منادمتك ما بقينا وبقيت، فهما ندمانا جذيمة [٣] اللذان ذكرا فِي أشعار العرب. وَفِي ذلك يقول أَبُو خراش الهذلي الشاعر [٤] : لعمرك ما ملت كبيشة طلعتي ... وإن ثوائي عندها لقليل ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... نديما صفاء مالك وعقيل [٥] وَقَالَ متمم بْن نويرة [٦] : وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَة ... مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وكان ملك العرب بأرض الجزيرة [٧] ومشارف بلاد الشام عمرو بن
следующие страницы →