١٨٤٤- عَبْد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن إسماعيل بن علي بْن عَبْد اللَّهِ بْن العباس، أبو العباس الهاشمي [١] .
من أهل سرمن رأى، حدث عن يزيد بن هارون، وشبابة، وروح، وعفان. روى عنه: أَحْمَد بن عيسى الخواص، وكان ثقة. توفي بسر من رأى في هذه السنة.
١٨٤٥- عيسى بن عَبْد اللَّهِ بن سنان بن دلويه، أبو موسى الطيالسي، يلقب: رغاث [٢] .
ولد سنة ثلاث وتسعين ومائة، وسمع من عفان، وأبي نعيم، وكان يعد من الحفاظ. روى عنه: أَحْمَد بن كامل القاضي، وأبو بكر الشافعي، قَالَ الدارقطني: كان ثقة. توفي في شوال هذه السنة.
١٨٤٦- علي بن الحسن بن عبدويه، أبو الحسن الخزاز [٣] .
سمع أبا النضر، وأسود بن عامر. روى عنه: ابن مجاهد، والنجاد. وكان ثقة.
توفي في ذي الحجة من هذه السنة.
١٨٤٧- محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران، أبو حاتم الحنظلي الرازي [٤] .
كان/ أحد الأئمة الحفاظ، والأثبات العارفين بعلل الحديث، والجرح والتعديل. سمع مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ الأنصاري، وأبا زيد النحوي، وعبيد الله بن موسى، وأبا مسهر الدمشقي، وأبا اليمان [٥] ، وخلقا كثيرا. روى عنه يونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان المصريان، وهما أكبر سنا منه، وأقدم سماعا. قدم بغداد فحدث بها. روى عنه من أهلها إبراهيم الحربي، وابن أبي الدنيا، والمحاملي، وغيرهم.
أَخْبَرَنَا [أَبُو مَنْصُورٍ] الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا [أَبُو بَكْرٍ أحمد بْن علي بْن ثابت] [٦] الخطيب قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو زرعة روح بن مُحَمَّد الرازي إجازة أَخْبَرَنَا علي بن محمد بن عمر
стр. 4097
الفقيه، حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بن أبي حاتم قَالَ: سمعت أبي يقول: خرجت في طلب الحديث فأحصيت أني مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، فلما زاد على الأمر تركت [١] ، وبقيت بالبصرة فِي سنة أربع [عشرة] [٢] ومائتين ثمانية أشهر، فانقطعت نفقتي، فعجلت أبيع ثيابي، حتى بقيت بلا نفقة، ومضيت أطوف مع صديق لي إلى المشيخة، وأسمع منهم إلى المساء، فانصرف رفيقي، ورجعت إلى بيت خال، فجعلت أشرب الماء من الجوع، ثم أصبحت من الغد، وغدا على رفيقي، فجعلت أطوف معه في سماع الحديث على جوع شديد، فانصرف عني، وانصرفت جائعا، فلما كان من الغد، غدا علي رفيقي [٣] وَقَالَ: سر بنا إلى المشايخ/. فقلت: أنا ضعيف لا يمكنني. فقال: ما ضعفك؟ قلت: لا أكتمك أمري قد مضى [علي] [٤] يومان ما طعمت. فقال: معي دينار، فأنا أواسيك بنصفه، ونجعل النصف الآخر في الكراء.
فخرجنا من البصرة، وقبضت منه نصف الدينار قَالَ: [٥] وقلت على باب أبي الوليد الطيالسي [٦] من أغرب على حديثا غريبا مسندا صحيحا [لم أسمع به] [٧] فله على درهم يتصدق به، وقد حضر على باب أبي الوليد خلق من الناس [٨] [منهم] أبو زرعة فمن دونه، وإنما كان مرادي أن يلقى علي ما لم أسمع ليقولوا: هو عند فلان فأذهب فأسمع.
فكان مرادي أن أستخرج منهم ما ليس عندي فما تهيأ لأحد أن يغرب على حديثا [٩] .
توفي أبو حاتم في شعبان هذه السنة.
١٨٤٨- مُحَمَّد بن الجهم بن هارون، أبو عبد الله السمري الكاتب [١٠] .
стр. 4098
سمع يعلي بن عبيد الطنافسي، وعبد الوهاب بن عطاء، ويزيد بن هارون، وغيرهم. روى عن الفراء تصانيفه، وهذا آخر من بقي من أصحاب الفراء، روى عنه:
ابن مجاهد، ونفطويه، وأبو بكر الشافعي، وغيرهم. قَالَ الدارقطني: وهو ثقة صدوق.
توفي في يوم الأحد سلخ جمادى الآخرة من هذه السنة وله تسع وثمانون سنة.
١٨٤٩- مُحَمَّد بن الحسين بن الحسن بن [١] موسى بن أبي الحنين، أبو جعفر الخزاز، المعروف: بالحنيني [٢] .
كوفي قدم بغداد، وحدث بِهَا عن عبيد الله بن موسى العبسي، وأبي نعيم، والقعنبي، وغيرهم. روى عنه: ابن صاعد، والمحاملي، وابن السماك، وغيرهم.
[أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت، أَخْبَرَنَا الأزهري، حَدَّثَنَا] [٣] علي بن عمر الْحَافِظ/ قَالَ: مُحَمَّد [٤] بن الحسين بن موسى الكوفي صنف مسندا، وحدث به، وَكَانَ ثقة صدوقا.
توفي فِي جمَادى الآخرة من هذه السنة بالكوفة [٥] .
١٨٥٠- مُحَمَّد [بن] [٦] سعدان، أبو جعفر البزاز [٧] .
حدث عن أبي جعفر النفيلي، وفيض بن وثيق، وغيرهما، وكان قد سمع من نحو من خمسمائة شيخ لم يحدث إلا باليسير، وتوفي في شعبان هذه السنة.
وثم آخر يُقَالُ له: مُحَمَّد بن سعدان البزاز، إلا أنه شيخ غير مشهور، روى عن القعنبي.
وثالث يُقَالُ له: محمد بن سعدان النحوي، هو مشهور، قد ذكرناه في سنة إحدى وثلاثين.
стр. 4099
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين
فمن الحوادث فيها:
أنه في المحرم وافى أبو أَحْمَد الموفق من الجبل إلى العراق، فتلقاه الناس بالنهروان، فركب في الماء وسار [في النهروان، ثم] [١] في نهر ديالي، ثم في دجلة، وكان مريضا بالنقرس، ودخل داره في أوائل صفر، ثم توفي بعد أيام، وطلع لليلتين بقيتا من المحرم كوكب ذو جمة، ثم صارت الجمة ذؤابة، وخلع على عبد الله بن سليمان بن وهب وولي الوزارة.
وفي هذه السنة: غار ماء النيل، وكان ذلك شيئا لم يعهد مثله، ولا [بلغ] [٢] في الأخبار السالفة.
وحج بالناس في هذه السنة هارون بن مُحَمَّد الهاشمي.
وفيها: وردت الأخبار/ بحركة قوم يعرفون بالقرامطة وهم الباطنية، وهؤلاء قوم تبعوا طريق الملحدين، وجحدوا الشرائع، وأنا أشير إلى البدايات التي بنوا عليها، ثم إلى الباعث لهم على ما فعلوا من نصب دعوتهم، [ثم إلى ألقابهم، ثم] [٣] إلى مذاهبهم وعلومهم.
فأما البدايات التي بنوا عليها:
فإنه لما كان مقصودهم الإلحاد تعلقوا بمذاهب الملحدين مثل: زرادشت،
стр. 4100
ومزدك، فإنهما كانا ينتحلان المحظورات، وقد سبق في أوائل هذا الكتاب شرح حالهما، وما زال أكثر الناس مع إعراضهم لا يدخلون في حجر يمنعهم إياها، فلما جاء نبينا ﷺ فقهر الملل وقمع [١] الإلحاد، أجمع جماعة من الثنوية، والمجوس، والملحدين، ومن دان بدين الفلاسفة المتقدمين، فأعملوا آراءهم وقالوا: قد ثبت عندنا أن جميع الأنبياء كذبوا وتخرقوا على أممهم، وأعظم كل بلية علينا مُحَمَّد ﷺ فإنه تبع من العرب الطغام فخدعهم بناموسه، فبذلوا أموالهم وأنفسهم، ونصروه وأخذوا ممالكنا، وقد طالت مدتهم، والآن قد تشاغل أتباعه، فمنهم مقبل على كسب الأموال، ومنهم على تشييد البنيان، ومنهم على الملاهي، وعلماؤهم يتلاعبون، ويكفر بعضهم بعضا، وقد ضعفت بصائرهم، فنحن نطمع في إبطال دينهم، إلا أنا لا يمكننا محاربتهم لكثرتهم، فليس الطريق إلّا إنشاء دعوة في الدين [٢] والانتماء إلى فرقة منهم، وليس فيهم فرقة أضعف عقولا من الرافضة فندخل/ عليهم، نذكر ظلم سلفهم الأشراف من آل نبيهم [٣] ، ودفعهم عن حقهم، وقتلهم، وما جرى عليهم من الذل لنستعين بها، ولا على إبطال دينهم، فتناصروا وتكاتفوا وتوافقوا وانتسبوا إلى إسماعيل بن جعفر [بن مُحَمَّد] الصادق [٤] ، وكان لجعفر أولاد منهم: إسماعيل هذا، وكان يُقَالُ له: إسماعيل الأعرج.
ثم سول لهم الشيطان آراء ومذاهب أخذوا بعضها من المجوس [٥] ، و [أخذوا] [٦] بعضها من الفلاسفة وتخرقوا على أتباعهم، وإنما قصدهم الجحد المطلق، لكنهم لما لم يمكنهم، توسلوا إليه فقد بان لك بما ذكرت. [ومن] [٧] البدايات التي بنوا عليها، والباعث لهم على ما فعلوا من نصب الدعوة.
стр. 4101
وأما ألقابهم:
فإنهم يسمون الإسماعيلية، والباطنية، والقرامطة، والخرمية، والبابكية، والمحمرة، والسبعية، والتعليمية.
فأما تسميتهم بالإسماعيلية: فانتسابهم إلى إسماعيل بن جعفر على ما ذكرناه.
وأما تسميتهم بالباطنية: فإنهم ادعوا أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن، تجري مجرى اللب من القشر، وأنها توهم الأغبياء صورا، وتفهم الفطناء رموزا، وإشارات إلى حقائق خفية، وأن من تقاعد [١] عن العرض على الخفايا والبواطن متعثر، ومن ارتقى إلى علم الباطن انحط عنه التكلف، واستراح من إعيائه، واستشهدوا بقوله تعالى:
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ٧: ١٥٧ [٢] قالوا: والجهال بذلك هم المرادون بقول تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ ٥٧: ١٣ [٣] وغرضهم فيما وضعوا من ذلك: إبطال الشرائع، لأنهم إذا صرفوا العقائد عن غير موجب [٤] / الظاهر فحكموا بدعوى الباطن على ما يوجب الانسلاخ [٥] من الدين.
وأما تسميتهم بالقرامطة: ففي سبب ذلك ستة أقوال [٦] : أحدها: أنهم سموا بذلك، لأن أول من أسس لهم هذه المحنة [٧] مُحَمَّد الوراق المقرمط، وكان كوفيا.
والثاني: أن لهم رئيسا من السواد من الأنباط، يلقب: بقرمطويه [٨] فنسبوا إليه.
والثالث: أن قرمطا كان غلاما [٩] لإسماعيل بن جعفر فنسبوا إليه، لأنه أحدث لهم مقالاتهم.
стр. 4102
والرابع: أن بعض دعاتهم نزل برجل يُقَالُ له: كرمية، فلما رحل تسمى قرمط بن الأشعب، ثم أدخله في مذهبه.
الخامس: أن بعض دعاتهم رجل يُقَالُ له: كرمية، فلما رحل تسمى باسم ذلك الرجل، ثم خفف الاسم فقيل: قرمط، قَالَ أهل السير: كان ذلك الرجل الداعي من ناحية خوزستان، وكان يظهر الزهد والتقشف، ويسف الخوص، ويأكل من كسبه، ويحفظ القوم ما صرموا من نخلهم في حظيرة، ويصلي أكثر الناس، ويصوم، ويأخذ عند إفطاره من البقال رطلا من التمر فيفطر عليه، ويجمع نواه فيدفعه إلى البقال، ثم يحاسبه على ما أخذ منه، ويحط من ذلك ثمن النوى. فسمع التجار الذين صرموا نخلهم فوثبوا عليه وضربوه، وقالوا: لم ترض بأن أكلت التمر حتى بعت النوى.
فأخبرهم البقال في الحال، فندموا على ضربه، وسألوه الإحلال، فازداد بذلك نبلا عند أهل القرية، وكان إذا قعد/ إليه إنسان ذاكره أمر الدين وزهده في الدنيا، وأعلمه أن الصلاة المفروضة على الناس خمسون صلاة في كل يوم وليلة، ثم أعلم الناس أنه يدعو إلى إمام من أهل بيت رسول الله ﷺ ، ثم مرض ومكث مطروحا على الطريق، وكان في القرية رجل يحمل على أثوار له، وكان أحمر العينين، وكان أهل القرية يسمونه كرميته لحمرة عينيه، وهو بالنبطية: حار العين، فكلم البقال كرميته هذا في أن يحمل هذا العليل إلى منزله، ويوصى أهله الإشراف عليه والعناية به، ففعل، فأقام عنده حتى بريء، ثم كان يأوي إلى منزله ودعا أهل القرية إلى أمره فأجابوه، وكان يأخذ من الرجل إذا دخل في دينه دينارا، ويزعم انه يأخذ ذلك الإمام، فمكث يدعو أهل القرى فيجيبونه، واتخذ منهم اثني عشر نقيبا، وأمرهم أن يدعوا الناس إلى دينه، وَقَالَ لهم:
انتم كحواري عيسى بن مريم ﵉، فشغل أكرة تلك الناحية على أعمالهم بما رسمه لهم من الخمسين صلاة التي ذكر أنها فرضت عليهم.
وكان للهيصم في تلك الناحية ضياع، فوقف على تقصير أكرته في العمارة، فسأل عن ذلك، فأخبر أن رجلا قدم عليهم فأظهر لهم مذهبا من الدين، وأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمسين صلاة في اليوم والليلة، وقد اشتغلوا بها فوجه [١] إليه/
стр. 4103
فجيء به، فسأله عن أمره، فأخبره بقصته، فحبسه في بيت، وحلف بقتله، وأقفل عليه، وترك المفتاح تحت وسادته، ونام، فرقت له جارية، فأخذت المفتاح، وفتحت وأخرجته، ثم أعادت [١] المفتاح إلى موضعه، فلما أصبح الهيصم فتح الباب، فلم يجده فشاع ذلك الخبر، فعبر به أهل تلك الناحية وقالوا: قد رفع.
ثم ظهر في موضع آخر ولقي جماعة من أصحابه فسألوه عن قصته، فقال: ليس يمكن أحدا أن يؤذيني. ثم خاف على نفسه، وخرج إلى الشام، وتسمى باسم الرجل الذي كان في منزله كرميته، ثم خفف فقيل: قرمط، وفشا أمره وأمر أصحابه، وكان قد لقي صاحب الزنج فقال له: أنا على مذهب ورائي مائة ألف سيف، فناظرني، فإن اتفقنا ملت بمن معي إليك، وإن تكن الأخرى انصرفت، فناظره فاختلفا ففارقه.
السادس: أنهم لقبوا بهذا نسبة إلى رجل من دعاتهم يُقَالُ له: حمدان بن قرمط، وكان حمدان هذا [٢] من أهل الكوفة يميل إلى الزهد، فصادفه أحد دعاة الباطنية في [٣] طريق، وهو متوجه إلى قرية، وبين يديه بقر يسوقها، فقال حمدان لذلك الداعي وهو لا يعرفه: أين تقصد؟ فسمى قرية حمدان، فقال له: اركب بقرة من هذه البقر لتستريح من المشي [٤] . فقال: إني لم أؤمر بذلك: قَالَ كأنك لا تعمل إلا بأمر؟ قَالَ: نعم! فقال حمدان: وبأمر من تعمل؟ قَالَ: بأمر مالكي ومالكك، ومالك الدنيا والآخرة، فقال:
ذلك الله ، قَالَ: صدقت قَالَ: [٥] وما غرضك في هذه البقعة؟ قَالَ: / أمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الشقاوة إلى السعادة، وأستنقذهم من ورطات الذل والفقر، وأملكهم مالا يستغنون به من التعب [٦] والكد، فقال له حمدان: أنقذني أنقذك الله، وأفض على من العلم ما تحييني به، فما أشد
стр. 4104
حاجتي إلى ذلك، فقال: ما أمرت أن أخرج السر المكنون إلى [كل] [١] أحد إلا بعد الثقة به، والعهد إليه، فقال لَهُ: [٢] فاذكر عهدك، فإني ملتزم له. فقال: أن تجعل لي وللإمام على نفسك عهد الله وميثاقه أن لا تخرج سر الإمام الذي ألقيه إليك ولا تفشي سري أيضا. فالتزم حمدان عهده، ثم اندفع الداعي في تعليمه فنون جهل، حتى استدرجه واستغواه واستجاب له في جميع ما دعاه إليه، ثم انتدب [٣] للدعوة، وصار أصلا من أصول هذه البدعة فسمى أتباعه القرمطية.
وأما تسميتهم بالخرمية: فإن خرم لفظ أعجمي ينبئ عن الشيء المستلذ الذي يشتهيه الآدمي، وكان هذا لقبا للمزدكية [٤] وهم أهل الإباحة من المجوس الذين نبغوا في أيام قباذ على ما ذكرنا، فأباحوا المحظورات فلقب هؤلاء بلقب أولئك لمشابهتهم إياهم في اعتقادهم ومذهبهم.
وأما تسميتهم بالبابكية: فإن طائفة منهم تبعوا بابك الخرمي، وكان قد خرج في ناحية آذربيجان في أيام المعتصم واستفحل، [٥] فبعث إليه المعتصم الأفشين فتخاذل عن قتاله، وأضمر موافقته في ضلاله، فاشتدت وطأة البابكية على المسلمين، إلى أن أخذ بابك وقتل على ما سبق شرحه.
وقد بقي من البابكية/ جماعة يُقَالُ إن لهم في كل سنة [ليلة] [٦] يجتمع فيها رجالهم ونساؤهم، فيطفئون المصابيح، ويتناهبون النساء، ويزعمون أن من أخذ امرأة استحلها بالاصطياد.
فأما تسميتهم بالمحمرة: فيذكر عنهم أنهم صبغوا الثياب بالحمرة أيام بابك، وكانت شعارهم.
стр. 4105
وأما تسميتهم بالسبعية: فإنهم زعموا أن الكواكب السبعة مدبرة للعالم السفلي.
وأما تسميتهم بالتعليمية: فإن مبدأ مذاهبهم إبطال الرأي، وإفساد تصرف العقل، ودعوة الخلق إلى التعليم من الإمام المعصوم، وأنه لا مدرك للعلوم إلا بالتعليم.
فصل وأما الإشارة إلى مذاهبهم:
فإن مقصودهم الإلحاد، وتعطيل الشرائع، وهم يستدرجون الخلق إلى مذاهبهم بما يقدرون عليه، فيميلون إلى كل قوم بسبب [١] يوافقهم ويميزون من يمكن أن ينخدع [٢] ممن لا يمكن، فيوصون دعاتهم فيقولون للداعي: إذا وجدت من تدعوه فاجعل التشيع دينك، ادخل عليه من جهة ظلم الأمة لعلي بْن أبي طَالِب [٣] [﵇] ، وقتلهم الحسين، وسبيهم لأهله، والتبري من تيم وعدي وبني أمية وبني العباس، وقل بالرجعة [٤] ، وأن عليا يعلم الغيب، فإذا تمكنت منه أوقفته على مثالب علي وولده، وبينت له بطلان ما عليه أهل ملة مُحَمَّد [﵇] وغيره من الرسل [﵈] ، وإن كان يهوديا فادخل عليه من جهة انتظار المسيح، وأن المسيح هو مُحَمَّد بن إسماعيل بن جعفر، وهو المهدي، واطعن في النصارى والمسلمين، وإن كان نصرانيا فاعكس، [وإن كان صابئيا فتعظيم الكواكب، وإن كان مجوسيا فتعظيم النار والنور] [٥] ، وإن وجدت [٦] فيلوسوفيا فهم عمدتنا لأنا نتفق وهم على إبطال نواميس الأنبياء [٧] وعلى/ قدم العالم، ومن أظهرت له التشيع فاظهر له بغض أبي بكر وعمر، ثم أظهر له العفاف والتقشف وترك الدنيا والإعراض عن الشهوات، ومر بالصدق والأمانة، والأمر بالمعروف، فإذا استقر عنده ذلك فاذكر له
стр. 4106
زلل [١] أبي بكر وعمر، وإن كان سنيا فاعكس، وإن كان مائلا إلى المجون والخلاعة، فقرر عنده أن العبادة بله، والورع حماقة، وإنما الفطنة في اتباع اللذة، وقضاء الوطر من الدنيا الفانية. وقد يستصحبون [٢] من له صوت طيب بالقرآن، فإذا قرأ تكلم داعيهم، ووعظ وقدح في السلاطين، وعلماء الزمان، وجهال العامة، ويقول: الفرج منتظر ببركة آل الرسول ﷺ ، وربما قَالَ: إن للَّه في كلماته أسرارا لا يطلع عليها إلا من اجتباه اللَّه [٣] .
ومن مذاهبهم أنهم لا يتكلمون مع عالم، بل مع الجهال، ويجتهدون في تزلزل العقائد بإلقاء المتشابه، وكل ما لا يظهر للعقول معناه فيقولون: ما معنى الاغتسال من المني دون البول؟ ولم كانت أبواب الجنة ثمانية، وأبواب النار سبعة؟ وقوله: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ٧٤: ٣٠ [٤] أترى [٥] ضاقت القافية ما نظن [٦] هذا إلا لفائدة لا يفهمها كثير من الناس، ويقولون: لم كانت السموات سبعا؟ ثم يشوقون إلى جواب هذه الأشياء، فإن سكت السائل سكتوا، وإن ألح قالوا: عليك بالعهد والميثاق على كتمان هذا السر، فإنه الدر الثمين، فيأخذون عليه العهود والميثاق على كتمان هذا، ويقولون في الأيمان «وكل مالك صدقة وكل امرأة لك طالق ثلاثا إن أخبرت بذلك» ثم يخبرونه ببعض الشيء، ويقولون: هذا لا يعلمه إلا آل رسول الله ﷺ . ويقولون: هذا الظاهر له باطن، وفلان يعتقد ما نقول، ولكنه يستره ويذكرون له بعض الأفاضل/، ولكنه ببلد بعيد.
فصل
واعلم أن مذهبهم ظاهره الرفض، وباطنه الكفر، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم، وعزل العقول أن تكون مدركة للحق، لما يعترضها من الشبهات،
стр. 4107
والمعصوم يطلع من جهة الله تعالى على جميع أسرار الشرائع، ولا بد في كل زمان من إمام معصوم يرجع إليه. هذا مبدأ دعوتهم.
ثم يبين أن غاية مقصدهم نقض الشرائع، لأن سبيل دعوتهم ليس متعينا في واحد، بل يخاطبون كل فريق بما يوافق رأيه [١] ، لأن غرضهم الاستتباع. وقد ثبت عنهم أنهم يقولون بإلهين قديمين لا أول لوجودهما [٢] من حيث الزمان، إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني، واسم العلة السابق، واسم المعلول التالي، وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي، لا بنفسه، وقد يسمون الأول عقلا، والثاني نفسا، والأول تاما، والثاني ناقصا، والأول لا يوصف بوجود، ولا عدم، ولا موصوف، ولا غير موصوف. فهم يومئون إلى النفي، لأنهم لو قالوا معدوم ما قبل منهم، وقد سموا هذا النفي تنزيها، ومذهبهم في النبوات قريب من مذهب الفلاسفة، وهو أن النبي عبارة عن شخص فاضت عليه من العقل السابق بواسطة الثاني [٣] قوة قدسية صافية، وأن جبريل عبارة عن العقل الفائض عليه، لا أنه [٤] شخص، وأن القرآن هو تعبير مُحَمَّد عن المعارف التي فاضت عليه من العقل، فسمي كلام الله مجازا، لأنه مركب من جهته، وهذه القوة الفائضة على النبي، لا تفيض عليه في أول أمره، وإنما تتربى كنطفة.
واتفقوا على أنه لا بد في كل عصر/ من [٥] أمام معصوم قائم بالحق، يرجع إليه في تأويل الظواهر، وحل الإشكال في القرآن والأخبار، وأنه يساوي النبي في العصمة، ولا يتصور في زمان واحد إمامان، بل يستظهر الإمام بالدعاة، وهم الحجج، ولا بد للإمام من اثني عشر حجة، أربعة منهم لا يفارقونه.
وكلهم أنكر القيامة، وقالوا: هذا النظام وتعاقب الليل والنهار، وتولد الحيوانات لا ينقضي أبدا، وأولوا القيامة بأنها رمز إلى خروج الإمام، ولم يثبتوا الحشر ولا النشر،
стр. 4108
ولا الجنة ولا النار، ومعنى المعاد عندهم عود كل شيء إلى أصله، قالوا: فجسم الآدمي يبلى، والروح إن صفت بمجانبة الهوى، والمواظبة على العبادات، وغذيت بالعلم سعدت [١] بالعود إلى وطنها الأصلي، وكمالها بموتها، إذ به خلاصها من ضيق الجسد.
وأما النفوس المنكوسة [٢] المغموسة في عالم الطبيعة المعرضة عن طلب رشدها من الأئمة [٣] المعصومين، فإنها أبدا في النار على معنى أنها تتناسخ في الأبدان الجسمانية، وكلما فارقت جسدا تلقاها آخر، واستدلوا بقوله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ٤: ٥٦ [٤] وأكثر مذاهبهم يوافق الثنوية والفلاسفة في الباطن، والروافض في الظاهر، وغرضهم بهذه التأويلات انتزاع المعتقدات الظاهرة، من نفوس الناس [٥] ، حتى تبطل الرغبة والرهبة.
ثم إنهم يعتقدون استباحة المحظورات، ورفع الحجر، ولو ذكر لهم هذا لأنكروه، وقالوا: لا بد من الانقياد للشرع على ما يفعله [٦] الإمام، فإذا أحاطوا بحقائق الأمور انحلت عنهم القيود والتكاليف العملية [٧] / إذ المقصود عندهم [٨] من أعمال الجوارح تنبيه القلب، وإنما تكليف الجوارح للخمر [٩] الذين لا يراضون إلا بالسياقة.
وغرضهم هدم قوانين الشرع.
قالوا: وكل ما ذكر من التكاليف فرموز إلى باطن، فمعنى الجنابة مبادرة المستجيب [١٠] بإنشاء سر إليه، قبل أن ينال رتبة الاستحقاق لذلك، ومعنى الغسل تجديد
стр. 4109
العهد على من فعل ذلك. والزنا: إلقاء نطفة العلم [الباطن] [١] إلى نفس من لم يسبق معه عقد العهد، والاحتلام [٢] أن يسبق الإنسان إلى إفشاء السر في غير محله، والصيام: الإمساك عن كشف السر.
والمحرمات عبارة عن ذوى السر [٣] ، والبعث عندهم الاهتداء إلى مذاهبهم.
ويقولون لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ٤: ١١ [٤] الذكر الإمام، والحجة الأنثى.
وقالوا: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ٧: ٥٣ [٥] أي يظهر [٦] مُحَمَّد بن إسماعيل.
وفي قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ٥: ٣ [٧] . قالوا: الميتة الجامد [على الظاهر] [٨] الذي لا يلتفت إلى التأويل.
وقالوا: إن الشاء والبقر الّتي تذبح [٩] هم الذين حضروا محاربة الأنبياء والأئمة، يترددون في هذه الصور، ويجب على الذابح أن يقول عند الذبح اللَّهمّ إني أبرأ إليك من روحه وبدنه، وأشهد له بالضلالة اللَّهمّ لا تجعلني من المذبوحين.
ولهم من هذا الهذيان ما ينبغي تنزيه الوقت عن ذكره، وإنما علمت [١٠] هذه الفضائح من أقوام تدينوا بدينهم، ثم بانت لهم قبائحهم فتركوا مذهبهم.
فإن قَالَ قائل مثل هذه الاعتقادات الركيكة، والحديث الفارغ، كيف يخفى على من يتبعهم، ونحن نرى أتباعهم خلقا كثيرا، فالجواب أن أتباعهم أصناف فمنهم قوم ضعفت عقولهم، وقلت بصائرهم وغلبت عليهم البلادة والبله، ولم يعرفوا شيئا من
стр. 4110
العلوم كأهل السواد/ والأكراد، وجفاة الأعاجم، وسفهاء الأحداث، فلا يستبعد ضلال هؤلاء، فقد كان خلق ينحتون الأصنام، ويعبدونها.
ومن أتباعهم طائفة انقطعت دولة أسلافهم بدولة الإسلام كأبناء الأكاسرة والدهاقين، وأولاد المجوس، فهؤلاء موتورون، قد استكن الحقد في صدروهم، فهو كالداء الدفين، فإذا حركته تخائيل [١] المبطلين اشتعلت نيرانه.
ومن أتباعهم قوم [لهم] [٢] تطلع إلى التسلط والاستيلاء، ولكن الزمان لا يساعدهم، فإذا رأوا طريق الظفر بمقاصدهم سارعوا.
ومن أتباعهم قوم جبلوا على حب التميز عن العوام، فزعموا أنهم يطلبون الحقائق، وأن أكثر الخلق كالبهائم، وكل ذلك لحب النادر الغريب.
ومن أتباعهم ملحدة [٣] الفلاسفة والثنوية الذين اعتقدوا الشرائع نواميس مؤلفة، والمعجزات مخاريق مزخرفة، فإذا رأوا من يعطيهم [٤] شيئا من أغراضهم مالوا إليه.
ومن أتباعهم قوم مالوا إلى عاجل اللذات، ولم يكن [لهم] [٥] علم ولا دين، فإذا صادفوا [٦] من يرفع عنهم الحجر مالوا إليه. على أن هؤلاء القوم لا يكشفون أمرهم إلا بالتدريج على قدر طمعهم في الشخص.
وإنما مددنا النفس في شرح حالهم، وأن كنا إنما ذكرنا بيتا من قصيدة لعظم ضررهم على الدين، وشياع كلمتهم المسمومة [٧] ، وإنما اجتمعت الأسباب التي ذكرناها في وسط أيامهم، وإلا فمعاندوا الشرائع منذ كانت [٨] خلق كثير.
стр. 4111
وقد نبغ منهم قوم فأظهروا إمامة مُحَمَّد ابن الحنفية، وقالوا: إن روح مُحَمَّد انتقلت إليه، ثم انتقلت [منه] [١] إلى أبي مسلم صاحب الدعوة، ثم إلى/ المهدي، ثم إلى رجل يعرف بابن القصري [٢] ، ثم خمدت نارهم ثم نبغ منهم [٣] في أيام المأمون رجل فاحتال، فلم تنفذ حيلته، ثم تناصروا في أيام المعتصم، وكاتبوا الأفشين، وهو رئيس الأعاجم، فمال إليهم، واجتمعوا مع بابك، ثم زاد جمعهم على ثلاثمائة ألف، فقتل المعتصم منهم ستين ألفا، وقتل الأفشين أيضا، ثم ركدت دولتهم، ثم نبغ منهم جماعة وفيهم رجل من ولد بهرام جور، وقصدوا إبطال الإسلام، ورد الدولة الفارسية، وأخذوا يحتالون في تضعيف قلوب المؤمنين، وأظهروا مذهب الإمامية، وبعضهم مذهب الفلاسفة، وجعل لهم رأس يعرف بعبد الله [٤] بن ميمون بن عمرو، ويقال: ابن ديصان القداح الأهوازي، وكان مشعبذا [٥] ممخرقا، وكان معظم مخرقته بإظهار الزهد والورع، وأن الأرض تطوى له، وكان يبعث خواص أصحابه إلى الأطراف معهم طيور [٦] ، ويأمرهم أن يكتبوا إليه الأخبار [٧] عن الأباعد، ثم يحدث الناس بذلك، فيقوى شبههم.
وكانوا يقولون: إن المتقدمين منهم يستخلفون عند الموت، وكلهم خلفاء مُحَمَّد بن إسماعيل [بن جعفر] [٨] الطالبي، وأن من الدعاة إلى الإمام معدا أبا تميم [٩] ، وإسماعيل أَبَاهُ [١٠] ، وهم المتغلبون على بلاد المغرب، ومن استجاب لهم عرفوه أنه إن
стр. 4112
عمل ما يرضيهم صار إماما ونبيا [١] ، وأنه يرتقي المبتدئ منهم إلى الدعوة، ثم إلى أن يكون حجة، ثم إلى الإمامة، ثم يلحق مرتبة الرسل، ثم يتحد بالرب فيصير ربا ولا يجوز لأحد أن يحجب امرأته عن إخوانه.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٨٥١- إبراهيم بن الهيثم بن المهلب، أبو إسحاق البلدي [٢] .
سمع من جماعة، وروى عنه [٣] النجاد، وأبو بكر الشافعي، وكان ثقة ثبتا.
توفي في جمادى الآخرة [٤] من هذه السنة.
١٨٥٢- إبراهيم بن شبابة، مولى بني هاشم وكان شاعرا مليح النادرة .
أنبأنا مُحَمَّد بن عبد الباقي البزاز، عن عَلِي بْن المحسن التنوخي، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
أخبرني أبو الفرج الأصبهاني قَالَ: حدثني حبيب بن نصر المهلبي، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بن [أبي سعد قَالَ: حدثني عَبْد اللَّهِ بن أبي] [٥] نصر المروزي قَالَ: حدثني مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ الطلحي قَالَ: حدثني سليمان بن يحيى بن معاذ قَالَ: قدم على نيسابور إبراهيم بن شبابة الشاعر البصري، فأنزلته على، فجاء ليلة من الليالي وهو مكروب، قد هاج، فجعل يصيح بي: يا أبا أيوب، فخشيت أن يكون [٦] قد غشيته بلية. فقلت: ما تشاء؟ فقال:
أعياني الشادن الربيب
فقلت: بماذا؟ فقال:
إليه أشكو فلا يجيب
стр. 4113
فقلت داره [وداوه] [١] فقال:
من أين أبغي دواء دائي ... (وإنما دائي [٢] ) الطبيب
فقلت: إذا يفرج الله . فقال:
يا رب فرج إذن [٣] وعجل ... فإنك السامع المجيب
[قَالَ] : [٤] ثم انصرف.
١٨٥٣- الحسن بن علي بن مالك بن أشرس بن عَبْد اللَّهِ بن منجاب، أبو مُحَمَّد الشيباني [٥] ، المعروف بالأشناني [٦] .
حدث عن يحيى بن معين وغيره. روى عنه: ابن مخلد.
وتوفي في شعبان هذه السنة، وصلى عليه أبو بكر بْن أبي الدُّنْيَا.
[قَالَ أبو الحسين بن المنادي] [٧] : كتب الناس عنه، وكان به أدنى لين.
١٨٥٤- عبد الكريم بن الهيثم بن زياد، أبو يحيى القطان [٨] .
سافر وجال، وسمع سليمان بن حرب، وأبا نعيم، وأبا الوليد/ الطيالسي في خلق كثير. روى عنه: البغوى، وابن صاعد، وكان ثقة ثبتا مأمونا.
توفي فِي شعبان هذه السنة.
١٨٥٥- عبدة بن عبد الرحيم [٩] .
كان من أهل الدين والجهاد.
стр. 4114
أَنْبَأَنَا زَاهِرُ بْن طَاهِرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بكر البَيْهَقيّ، أَخْبَرَنَا الحاكم أبو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن عبد الله قَالَ: سمعت أبا الحسين بن أبي القاسم المذكر يقول: سمعت عمر بن أَحْمَد [بن علي] الجوهري [١] يقول: أخبرني أبو العباس أَحْمَد بن علي قَالَ:
قَالَ عبدة بن عبد الرحيم: خرجنا في سرية إلى أرض الروم، فصحبنا شاب لم يكن فينا أقرأ للقرآن منه، ولا أفقه ولا أفرض، صائم النهار، قائم الليل، فمررنا بحصن فمال عنه العسكر، ونزل بقرب الحصن، فظننا أنه يبول، فنظر إلى امرأة من النصارى تنظر من وراء الحصن، فعشقها فقال لها بالرومية: كيف السبيل إليك؟ قالت: حين تنصر ويفتح لك الباب وأنا لك. قَالَ: ففعل فأدخل الحصن، قَالَ: فقضينا غزاتنا في أشد ما يكون من الغم، كأن كل رجل منا يرى ذلك بولده من صلبه [٢] ، ثم عدنا في سرية أخرى، فمررنا به ينظر من فوق الحصن مع النصارى، فقلنا: يا فلان، ما فعلت قراءتك؟ ما فعل علمك؟ ما فعلت صلواتك وصيامك قَالَ اعلموا أني نسيت القرآن كله ما اذكر منه إلا هذه الآية: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ١٥: ٢- ٣ [٣] /.
١٨٥٦- مُحَمَّد بن أَحْمَد بن الوليد بن مُحَمَّد بن [برد بن يزيد بن] [٤] سخت، أبو الوليد الأنطاكي [٥] .
سمع رواد بن الجراح، ومحمد بن كثير الصنعاني، ومحمد بن عيسى الطباع، وغيرهم. قدم بغداد فحدث بها، فروى عنه: أبو عَبْد اللَّهِ المحاملي، وأبو الحسين بن المنادي، وأبو بكر الشافعي، وغيرهم. قَالَ النسائي: هو أنطاكي صالح، وَقَالَ الدارقطني: هو ثقة. توفي [في هذه السنة] [٦] راجعا من مكة.
стр. 4115
١٨٥٧- مُحَمَّد بن جعفر المتوكل على الله، يكنى: أبا أَحْمَد [١] .
ولد في ربيع الأول يوم الأربعاء لليلتين خلتا منه، سنة سبع وعشرين [٢] ومائتين [وأمه أم ولد] [٣] ولقب الموفق باللَّه، وكان أخوه المعتمد قد عقد له ولاية العهد بعد ابنه جعفر، فمات الموفق قبل موت المعتمد بسنة وأشهر وقيل: اسمه طلحة، وقد ذكرنا وقائعه وحروبه فيما مضى، وما فعل بصاحب الزنج بالبصرة، وكان له الجيش تحت يده والأمر كله إليه [٤] وما جرى له مع عمرو بن الليث، ومع ابن طولون، وتسمى بعد قتل صاحب الزنج: بالناصر لدين الله، مضافا إلى الموفق باللَّه فكان يخطب له على المنابر بلقبين: «اللَّهمّ أصلح الأمير الناصر لدين الله أبا أَحْمَد الموفق باللَّه، ولي عهد المسلمين أخا أمير المؤمنين» . وكان غزير العقل [٥] ، حسن التدبير كريما. قَالَ يوما: إن جدي عَبْد اللَّهِ بن العباس [﵄ كان] [٦] يقول: إن الذباب ليقع على جليسي فيغمني ذلك. وهذا نهاية الكرم، أنا والله أرى جلسائي بالعين التي أرى إخوتي [٧] والله لو تهيأ لي نقلت أسماءهم من الجلساء والندماء إلى الإخوان والأصدقاء. / وفي هذه السنة: قدم أبو أَحْمَد من الجبل إلى العراق، وقد اشتد به وجع النقرس، حتى لم يقدر على الركوب، فاتخذ له سرير عليه قبة، فكان يقعد عليه، ومعه خادم يبرد رجله بالأشياء الباردة، حتى بلغ من أمره أنه كان يضع عليها الثلج، ثم صارت علة رجله «داء الفيل» وكان يحمل سريره أربعون حمالا، يتناوب عليه عشرون عشرون، وربما اشتد به أحيانا فيأمرهم أن يضعوه، فقال لهم يوما: قد ضجرتم، وبودي أني واحد منكم أحمل على رأسي، وآكل، وأني في عافية، قد أطبق دفتري على مائة ألف مرتزق أسوأ ما فيهم أقبح [٨] حالا مني.
стр. 4116
وتوفي بالقصر الحسني ليلة الخميس لثمان بقين من صفر هذه السنة، وله تسع [١] وأربعون سنة تنقص شهرا وأياما.
قَالَ [أبو بكر] [٢] الصولي: حدثني عَبْد اللَّهِ بن المعتز قَالَ: لما مات الموفق كتب إلى عبيد الله بن عَبْد اللَّهِ بن طاهر يعزيني عنه، فقال: إنما أعزيك بالمنصور الثاني، لأني لا أعرف في ولده أشبه به منه.
стр. 4117
ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائتين
فمن الحوادث فيها:
أن السلطان أمر [أن ينادي] [١] ببغداد أن لا يقعد على الطريق، ولا في مسجد الجامع قاص، ولا صاحب النجوم [٢] ، ولا زاجر، وحلف الوراقون أن لا يبيعوا كتب الكلام والجدل والفلسفة.
وفي هذه السنة: خلع جعفر المفوض [٣] من العهد لثمان بقين/ من المحرم، وفي ذلك اليوم بويع المعتضد بولاية العهد بأنه ولي العهد من بعد المعتمد، وانتشرت الكتب بخلع جعفر، وتولية المعتضد، ونفذت إلى البلدان، وخطب للمعتضد بولاية العهد، وأنشئت عن المعتضد كتب إلى العمال، بأن أمير المؤمنين ولاه العهد، وجعل إليه ما كان الموفق يليه من الأمر والنهي والولاية والعزل.
وفي هذه السنة توفي المعتمد وبويع المعتضد.
стр. 4118
باب ذكر خلافة المعتضد باللَّه [١]
واسمه: أَحْمَد بن أبي أَحْمَد الموفق باللَّه، واسم أبي أَحْمَد: مُحَمَّد وقيل:
طلحة بن جعفر المتوكل على الله بن المعتصم بن الرشيد، ويكنى: أبا العباس، وأمه أم ولد ١ [قَالَ الصولي] : [٢] كان اسمها ضرار، ثم سميت: تحقين، وتوفيت قبل خلافته بيسير، وكان مولده بسر من رأى سنة ثلاث وأربعين ومائتين [٣] . وقيل: اثنتين وأربعين ومائتين وكان أسمر، نحيف الجسم، معتدل الخلق، قد وخطه الشيب، في مقدم لحيته طول، وفي [مقدم] [٤] رأسه شامة بيضاء، وكان نقش خاتمه «حامده [٥] أَحْمَد يؤمن باللَّه الواحد» وكان له من الولد علي المكتفي، ومحمد القاهر، وجعفر المقتدر [٦] .
بويع المعتضد في صبيحة الأثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين، وهو ابن سبع وثلاثين سنة [٧] ، فولي عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزارة، ومحمد بن [شاه بن] [٨] ميكال الحرس، وصالحا الحجابة، ثم وزر له القاسم بن عبيد الله، وقضاءه إسماعيل بن إسحاق، ويوسف بن [يعقوب] ، [٩] وابن أبي الشوارب.
وكان المعتضد من رجالات بني العباس، [ومن أكلهم وأكثرهم تجربة] [١٠] وكان أمر الخلافة قد ضعف، وبيوت الأموال فارغة/، ودبر وساس، فقال ابن المعتز:
стр. 4119
يا أمير المؤمنين المرجى ... قد أقر الله فيك العيونا
إذ دعينا [١] لك بيعة حق ... فسعينا نحوها مسرعينا
بنفوس أملتك زمانا ... سبقت أيدينا طائعينا
أنت أقررت حشا كل نفس ... وفرشت [٢] الأمن للخائفينا
ذكر طرف من سيرته وأخباره
[٣] أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن أبي طاهر البزاز قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِي بْن المحسن التنوخي، عن أبيه قَالَ: حدثني عَبْد الله بن عمر الحارثي قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو محمد عَبْد اللَّهِ بن حمدون [٤] قَالَ: كان المعتضد في بعض متصيداته فجاز [٥] بعسكره، وأنا معه، فصاح ناطور في قراح [٦] قثاء، فاستدعاه وسأله عن سبب صياحه، فقال: أخذ بعض الجيش من القثاء شيئا. فقال: أطلبوهم فجاءوا بثلاثة أنفس، فقال: هؤلاء الذين أخذوا القثاء؟ فقال الناطور: نعم، فقيدهم في الحال، وأمر بحبسهم، فلما كان من الغد أنفذهم إلى القراح، فضرب أعناقهم فيه، وسار، فأنكر الناس ذلك وتحدثوا به، ومضت على ذلك مدة طويلة، فجلست أحادثه ليلة فقال لي: يا أبا عَبْد اللَّهِ، هل يعيب الناس شيئا عرفني حتى أزيله؟ قلت: كلا يا أمير المؤمنين! فقال: أقسمت عليك بحياتي إلا [ما] صدقتني. قلت: يا أمير المؤمنين، وأنا آمن؟ قَالَ: نعم. قلت: إسراعك إلى سفك الدماء/ قَالَ: والله ما هرقت دما منذ وليت [الخلافة] [٧] إلا بحقه قَالَ: [٨] فأمسكت إمساك من ينكر عليه. فقال: بحياتي ما يقولون؟ قلت: يقولون إنك قتلت أَحْمَد بن الطيب، وكان خادمك، ولم يكن له جناية ظاهرة. قَالَ: دعاني إلى الألحاد فقلت [له] [٩] يا هذا، أنا ابن عم صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه، وأنا
стр. 4120
[الآن] [١] منتصب منصبه، فألحد حتى أكون من؟ فسكت سكوت من يريد الكلام فقال [لي] [٢] في وجهك كلام! فقلت: الناس ينقمون عليك أمر الثلاثة [الأنفس] [٣] الذين قتلتهم في القراح. [فقال: والله ما كان أولئك الذين أخذوا القثاء] [٤] وإنما كانوا لصوصا حملوا من موضع كذا وكذا، ووافق ذلك أمر القثاء فأردت أن أصول [٥] على الجيش بأن من عاث من عسكري وأفسد في هذا القدر كانت هذه عقوبتي له، ليكفوا عما فوقه، ولو أردت قتلهم لقتلتهم في الحال، وإنما حبستهم وأمرت بإخراج اللصوص من غد مغطين الوجوه ليقال إنهم أصحاب القثاء [٦] فقلت: كيف تعلم العامة هذا؟ قَالَ: بإخراج القوم الذين أخذوا القثاء وإطلاقي لهم في هذه الساعة، ثم قَالَ: هاتوا القوم! فجاءوا بهم وقد تغيرت حالهم من الحبس والضرب، فقال: ما قصتكم؟ فقصوا عليه قصتهم، فقال:
أتتوبون من مثل هذه الفعل حتى أطلقكم؟ قالوا: نعم! فأخذ عليهم التوبة، وخلع عليهم، وأمر بإطلاقهم، ورد أرزاقهم [عليهم] [٧] فانتشرت الحكاية وزالت [٨] عنه التهمة.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ [بن علي] [٩] بن ثابت، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن أَحْمَد بْن يعقوب، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن نعيم الضبي قال: سمعت أبا الوليد/ حسان بن محمد الفقيه يقول: سمعت أبا العباس بن سريج يقول: سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول: دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه، فنظرت إليهم، فرآني المعتضد وأنا أتأملهم، فلما أردت القيام أشار إلي فمكثت ساعة
стр. 4121
فلما خلا قَالَ لي [١] : أيها القاضي، والله ما حللت سراويلي علي حرام قط [٢] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي، [عن] [٣] علي بن المحسن قَالَ: حدثني أبي، عن أبي مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بن حمدون قَالَ: قَالَ لي المعتضد ليلة وقد قدم إليه العشاء: لقمني، وكان الذي قدم دراريج وفراريج، فلقمته من صدر فروج، فقال: لا لقمني من فخذه، فلقمته لقما، ثم قَالَ: هات من الدراريج فلقمته من أفخاذها. فقال: ويلك [٤] ، هو ذا تتنادر على هات من صدورهن! فقلت: يا مولاي ركبت القياس، فضحك. فقلت: [أنا] [٥] إلى كم أضحكك ولا تضحكني؟ قَالَ: شل المطرح وخذ ما تحته، فأشلته فإذا دينار واحد! فقلت: آخذ هذا؟ قَالَ: نعم، فقلت:
باللَّه هو ذا تتنادر عليّ [٦] أنت الساعة علي! خليفة يجيز نديمه بدينار. قَالَ: ويلك [٧] لا أجد لك في بيت المال حقا أكثر من هذا، ولا تسمح نفسي أن أعطيك شيئا من مالي، ولكن هو ذا أحتال لك بحيلة تأخذ فيها خمسة آلاف دينار! فقبلت يده، فقال: إذا [كان] [٨] غدا وجاء القاسم [يعني] [٩] ابن عبيد الله، فهو ذا أسارك حين تقع عيني عليه [١٠] سرارا طويلا ألتفت فيه [١١] [إليه كالمغضب، وانظر أنت] [١٢] إليه في خلال ذلك كالمخالس لي نظر الترثي له، فإذا انقطع السرار، فأخرج ولا تبرح من الدهليز أو
стр. 4122
يخرج، فإذا خرج خاطبك بجميل، وأخذك إلى دعوته، وسألك عن حالك فأشك الفقر والخلة [١] ، وقلة حظك مني، وثقل ظهرك بالدين والعيال، وخذ ما يعطيك، واطلب كل ما تقع عليه عينك، فإنه لا يمنعك حتى تستوفي الخمسة آلاف دينار، فإذا أخذتها فسيسألك عما جرى لَنَا [٢] فأصدقه، وإياك أن تكذبه، وعرفه أن ذلك حيلة مني عليه حتى وصل إليك هذا، وحدثه بالحديث [كله] [٣] على شرحه، وليكن إخبارك إياه [بذلك] [٤] بعد امتناع شديد وإحلاف مِنْهُ لك [٥] بالطلاق والعتاق أن تصدقه، وبعد أن تخرج من داره [تأخذ] [٦] كل ما يعطيك إياه، وتجعله [٧] في بيتك، فلما كان من غد حضر القاسم فحين رآه بدأ يسارني وجرت [٨] القصة على ما وضعني عَلَيْهِ [٩] .
فخرجت، فإذا القاسم في الدهليز ينتظرني فقال [لي] [١٠] : يا أبا مُحَمَّد، ما هذا الجفاء ما تجيئني وَلَا تزورني ولا تسألني حاجة؟ فاعتذرت إليه باتصال الخدمة [علي] [١١] فقال:
ما تقنعني هذا [١٢] إلا أن تزورني اليوم وتتفرج، فقلت: أنا خادم الوزير، فأخذني إلى طياره، وجعل يسألني عن حالي وأخباري، وأشكو إليه الخلة، والإضافة، والدين، [والبنات] [١٣] وجفاء الخليفة، وإمساك يده، فيتوجع ويقول: يا هذا، ما لي لك ولن يضيق عليك ما يتوسع علي أو تتجاوزك نعمة تحصلت لِي [١٤] أو يتخطاك حظ نازل في
стр. 4123
فنائي، ولو عرفتني لعاونتك على إزالة هذا كله عنك، فشكرته وبلغنا داره، فصعد ولم ينظر في شيء، وَقَالَ: هذا يوم أحتاج أن أختص فيه بالسرور بأبي مُحَمَّد فلا يقطعني أحد عنه، فأمر كتابه بالتشاغل بالأعمال، وخلا بي في داره الخلوة، وجعل يحادثني ويبسطني، وقدمت الفاكهة، فجعل يلقمني بيده، وجاء الطعام، وكانت هذه سبيله [وهو يستزيدني فلما جلس للشرب] [١] وقع لي بثلاثة آلاف دينار، فأخذتها في الوقت، وأحضرني ثيابا وطيبا ومركبا، فأخذت ذلك، وكانت بين يدي صينية فضة/ فيها مغسل فضة، وخردا ذي بلور وكوز [٢] وقدح بلور، فأمر بحمله إلى الطيارة، وأقبلت كل ما رأيت شيئا حسنا له قيمة وافرة طلبته، وحمل إلي فرشا نفيسا أو قَالَ: هذا للبنات! فلما تقوص أهل [٣] المجلس خلا بي، وَقَالَ: يا أبا مُحَمَّد! أنت عالم بحقوق أبي عليك، ومودتي لك! فقلت: أنا خادم الوزير فقال: أريد أن أسألك عن شيء، وتحلف أنك تصدقني عنه! فقلت: السمع والطاعة! فحلفني باللَّه وبالطلاق والعتاق على الصدق، ثم قَالَ لي: بأي شيء سارك الخليفة اليوم في أمري؟ فصدقته عن كل ما جرى حرفا بحرف [٤] فقال: فرجت عني، وان يكون هذا هكذا مع سلامة نيته لي أسهل [عنه كل ما جرى] [٥] عليّ.
فشكرته وودعته، وانصرفت إلى بيتي فلما كان بالغد باكرت [٦] المعتضد فقال:
هات حديثك! فنسقته عليه، فقال: احفظ الدنانير، ولا يقع لك أني أعمل مثلها معك بسرعة [٧] .
أنبأنا أبو بكر بن عبد الباقي قَالَ: أَنْبَأَنَا علي بن المحسن، عن أبيه، [عن
стр. 4124
جده] [١] قَالَ: حدثني أبو مُحَمَّد [٢] الحسن بن مُحَمَّد الطلحي قَالَ: حدثني [٣] أحد خدم المعتضد المختصين بخدمته قَالَ: كنا حول سرير المعتضد ذات يوم نصف النهار، وقد نام بعد أن أكل، وكان رسمنا أن نكون حول [٤] سريره إذا نام [منامه] [٥] من ليل أو نهار، فانتبه منزعجا قَالَ: يا خدم يا خدم، فأسرعنا الجواب. فقال: ويلكم أغيثوني، والحقوا! الشط فأول ملاح [٦] ترونه منحدرا في سفينة فارغة، فاقبضوا عليه، وجيئوني به، ووكلوا بسفينته. فأسرعنا فوجدنا ملاحا في سمرية منحدرا وهي فارغة فقبضنا عَلَيْهِ ووكلنا بالسميرية [٧] فأصعدناه إِلَيْهِ [٨] فحين رآه الملاح كاد يتلف، فصاح عليه صيحة واحدة عظيمة كادت روحه تخرج معها، فقال: أصدقني يا ملعون عن قصتك مع المرأة التي قتلتها وسلبتها اليوم وإلا ضربت عنقك. قَالَ: فتلعثم، وَقَالَ: نعم كنت اليوم/ سحرا في مشرعتي الفلانية، فنزلت امرأة لم أر مثلها، وعليها ثياب فاخرة، وحلى كثير وجوهر [٩] ، فطمعت فيها، واحتلت عليها حتى سددت فاها وغرقتها، وأخذت جميع ما كان عليها، ولم أجترئ على حمل سلبها إلى بيتي لئلا يفشو الخبر على، فعملت على الهرب، وانحدرت الساعة لأمضي إلى واسط، فعوقني هؤلاء الخدم وحملوني. فقال: وأين الحلي والسلب. فقال: في صدر السفينة تحت البواري. فقال المعتضد للخدم جيئوني به، فمضوا واحضروه وَقَالَ: خذوا الملاح فغرقوه! ففعلوا ثم أمر أن ينادى ببغداد كلها على امرأة خرجت إلى المشرعة الفلانية سحرا وعليها ثياب وحلي يحضر من يعرفها، ويعطي صفة ما كان عليها ويأخذه، فقد تلفت المرأة، فحضر في اليوم الثاني أو الثالث أهل المرأة فأعطوه صفة ما كان عليها، فسلم ذلك إليهم
стр. 4125
قَالَ [١] : فقلنا: يا مولاي، أوحي إليك؟ فقال: رأيت في منامي كأن شيخا أبيض الرأس واللحية والثياب، وهو ينادي: يا أَحْمَد! خذ أول ملاح ينحدر الساعة فاقبض عليه، وقرره خبر المرأة التي قتلها اليوم وسلبها، وأقم عليه الحد فكان ما شهدتم.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ [قَالَ:] أَنْبَأَنَا علي بْن المحسن، عن أبيه قَالَ:
حدثني مُحَمَّد بن أَحْمَد بن عثمان الزيات قَالَ: حدثني أبو بكر بن حوري وكان يصحب أبا عَبْد اللَّهِ بن أبي عوف [قَالَ: كنت ألزم ابن أبي عوف] [٢] سنين لجوار بيننا ومودة، وكان رسمي أن أجيء كل ليلة بعد العتمة، فحين يراني يمد رجله في حجري فأغمزها وأحادثه، ويسألني عن الحوادث ببغداد، فكنت أستقرئها له، فإذا أراد أن ينام قبض رجله، فقمت إلى بيتي وقد مضى ثلث الليل أو نصفه/ أو أقل [أو أكثر] [٣] ، على هذا سنين، فلما كان ذات يوم جاءني رجل كان يعاملني، فقال: قد دفعت إلى أمر إن تم على افتقرت. قلت: ما هو؟ قَالَ رجل: كنت أعامله فاجتمع لي عليه ألف دينار، فطالبته، فوهبني عقد جوهر قوم بألف دينار إلى أن يفتكه بعد الشهور أو أبيعه، فأذن لي في ذلك، فلما كان أمس وجه مؤنس صاحب الشرطة من كبس دكاني، وفتح صندوقي، وأخذ العقد، فقلت: أنا أخاطب ابن أبي عوف، فيلزمه برده، فقال: وأنا مدل بابن أبي عوف لمكاني منه، ومكانه من المعتضد، فلما كان تلك الليلة جئت وحادثته على رسمي، وذكرت له في جملة حديثي العقد، فلما سمع نحي رجله من حجري، وَقَالَ:
ما أنا وهذا؟ أعادي صاحب شرطة خليفة! فورد على أمر عظيم، فخرجت [من بيته] [٤] بنية أن لا أعود، فلما صليت العتمة من الليلة المقبلة جاءني خادم لابن أبي عوف وَقَالَ:
لم تأخرت الليلة [٥] ؟ إن كنت متشكيا جئناك. فاستحييت وقلت: أمضي الليلة، فلما رآني مد رجله، وأقبلت أحدثه بحديث متكلف، فصبر على ذلك ساعة، ثم قبض
стр. 4126
رجله، فقمت، فقال: يا أبا بكر، انظر إيش تحت المصلى فخذه، فرفعت المصلى [١] فإذا برقعة، فأخذتها وتقدمت إلى الشمعة، فإذا فيها يا مؤنس! جسرت [٢] على قصد دكان رجل تاجر، وفتحت صندوقه، وأخذت منه عقد جواهر، وأنا في الدنيا! والله لولا أنها أول غلطة غلطتها ما جرى في ذلك مناظرة! اركب بنفسك إلى دكان [٣] الرجل حتى ترد العقد بيدك في الصندوق ظاهرا. فقلت لأبي عَبْد اللَّهِ: ما هذا! فقال: هذا خط المعتضد، مثلت بين وجدك وبين مؤنس، فاخترتك عليه، فأخذت خط أمير المؤمنين بما تراه، فامض وأوصله/ إليه [٤] فقبلت رأسه، وجئت إلى الرجل، فأخذت بيده ومضينا إلى مؤنس، فسلمت التوقيع إليه، فلما رآه اسود وجهه، وارتعد حتى سقطت الرقعة من يده، ثم قَالَ: يا هذا [الله] [٥] بيني وبينك! هذا شيء ما علمت به فالا تظلمته إلي [٦] وإن لم أنصفكم فإلي الوزير، بلغتم الأمر إلى أمير المؤمنين من أول وهلة! قَالَ:
فقلت بعلمك [٧] جرى والعقد معك فأحضره، فقال: خذ الألف دينار التي عليه الساعة، واكتبوا على الرجل ببطلان ما ادعاه فقلت: لا نفعل! فقال: ألف وخمسمائة دينار [٨] قلت: والله لا نرضى حتى تركب بنفسك إلى الدكان، فترد العقد، فركب ورد العقد إلى مكانه.
قال المحسن: وبه [٩] حدثنا أبو أَحْمَد الحسين بن مُحَمَّد المدلجي قَالَ: بلغني عن خفيف السمرقندي قَالَ: كنت مع مولاي المعتضد في بعض متصيداته، وقد انقطع عن العسكر، وليس معه [أحد] [١٠] غيري، فخرج علينا [١١] أسد، فقصدنا فقال لي المعتضد:
стр. 4127
يا خفيف، أفيك خير؟ قلت: لا يا مولاي! فقال: ولا حتى تمسك فرسي وأنزل أنا إلى الأسد؟ فقلت: بلى! فنزل وأعطاني فرسه، وشد أطراف ثيابه في منطقته، واستل سيفه، ورمى القراب إلى فأخذته، وأقبل يمشي إلى الأسد، فطلبه الأسد، فحين قرب منه وثب الأسد عليه، فتلقاه المعتضد بضربة، فإذا يده قد طارت فتشاغل الأسد بالضربة، فثناه بأخرى، ففلق هامته فخر صريعا، ودنا منه وقد تلف، فمسح السيف في صوفة ورجع إلى، وغمد السيف، وركب، ثم عدنا إلى/ العسكر وصحبته إلى [١] أن مات ما سمعته يحدث بحديث الأسد، ولا علمت أنه لفظ فيه بلفظة، فلم أدر من أي شيء أعجب من شجاعته وشدته! أم قلة احتفاله بما صنع حتى كتمه! أو من عفوه عني، فما عاتبني على ضني بنفسي.
قال المحسن: وحدثني أبو الحسين [٢] مُحَمَّد بن عبد الواحد الهاشمي قَالَ:
حدثني القاضي أبو علي الحسن بن إسماعيل بن إسحاق- وكان ينادم المعتضد باللَّه- قَالَ: بينا المعتضد في مجلس سرور، إذ دخل بدر فقال: يا مولاي، قد أحضرنا القطان الذي من بركة زلزل، فنهض من مجلسه ولبس قباء، وأخذ بيده حربة، وقعد في مجلس قريب منا، وقد مدت بيننا وبينه ستارة، نشاهد من ورائها، فأدخل عليه شيخ ضعيف، فقال له بصوت شديد [٣] ووجه مقطب ونظر مغضب: أنت القطان الذي قلت أمس ما قلت [٤] ؟ فأغمي عليه لما تداخله من الخوف والروع [٥] ونحي [عنه] [٦] ساعة حتى سكن، ثم أعيد إلى حضرته، فقال له: ويلك، تقول في سوقك ليس للمسلمين من ينظر في أمورهم فأين أَنَا [٧] وما شغلي غير ذلك. قَالَ: يا أمير المؤمنين! أنا رجل عامي،
стр. 4128
ومعيشتي من القطن الذي أعامل فيه النساء وأهل الجهل [١] ولا تمييز عند مثلي فيما يلفظ به، وإنما اجتاز بي رجل ابتعت منه، وكان ميزانه ووزنه تطفيفا [٢] ، فقلت ما قلت، وإنما أعني به المحتسب علينا. فقال له المعتضد: باللَّه إنك أردت [به] [٣] المحتسب؟ قَالَ:
أي والله، وأنا تائب [من] [٤] أن أقول مثل ما قلته أبدا، فأمر بأن يحضر المحتسب وينكر عليه [في] [٥] ترك النظر في هذه الأمور، ورسم له اعتبار الصنج/ والموازين على السوقة [٦] والطوافين، ومراعاتهم حتى لا يبخسوا، ثم قَالَ للشيخ: انصرف فلا بأس عليك! وعاد إلينا فضحك وانبسط، ورجع إلى ما كان عليه من قبل، فقلت له: يا مولاي! أنت تعرف فضولي فتأذن لي أن أورد ما في نفسي؟ فقال: قل! قلت: مولانا كان على أكمل مسرة، فترك ذاك وتشاغل بخطاب كلب من السوقة، قد كان يكفيه أن يصيح عليه رجل من رجال المعونة، ثم لم [٧] تقنع بإيصاله إلى مجلسه [٨] حتى غير لباسه [٩] ، وأخذت سلاحه [١٠] ، واستقبحت [١١] مناظرته بنفسه [١٢] لأجل كلمة تقولها العامة دائما ولا يميزون ما فيها [١٣] ، فقال: يا حسن! أنت تعلم ما يجره هذا القول إذا تداولته الألسن، ووعته الأسماع، وحصل في القلوب، لأنه متى ألف ولقنه هذا عن هذا لم يؤمن
стр. 4129
أن يولد لهم في نفوسهم [١] امتعاضا للدين أو السياسة، يخرجون فيه إلى إثارة الفتن، وإفساد النظام، وليس شيء أبلغ في [هذا من] [٢] قطع هذه الأسباب، وحسم موادها من إزالة دواعيها وموجباتها، وقد طارت روح هذا القطان بما شاهد وسمعه، وسيحدث به، ويزيد فيه، ويعظم الأمر ويفخمه، وسمع ما تقدمنا به في أمر المحتسب، وما نحن عليه من مراعاة الكبير والصغير، وينشر بين العامة بما يكف ألسنتها، ويقيم الهيبة في نفوسها، وليكون ما تكلفت من هذا [التعب] [٣] القليل قد كفاني التعب الكثير، فأقبلنا ندعو له.
قال المحسن: وحدثنا القاضي أبو الحسن مُحَمَّد بن عبد الواحد الهاشمي أن شيخا/ من التجار كان له على أحد القواد في أيام المعتضد باللَّه مال، قَالَ التاجر:
فماطلني به وسلك معي سبيل الألطاط [٤] فيه، وكان يحجبني إذا حضرت بابه، ويضع غلمانه على الاستخفاف بي، والاستطالة على إذا رمت لقاءه وخطابه، وتظلمت إلى عبيد الله بن سليمان منه، فما نفعني ذلك، وعملت على الظلامة إلى المعتضد باللَّه، وبينا أنا مرو في أمري قَالَ لي بعض أصدقائي: على أن آخذ لك مَالِك [٥] من غير حاجة إلى ظلامة، فاستبعدت هذا وقمت معه، فجئنا إلى خياط شيخ في سوق الثلاثاء يقرئ القرآن في مسجد هناك، ويخيط بأجرة فقص عليه قصتي، وشرح له صورتي [٦] ، وسأله أن يقصد القائد ويخاطبه في الخروج إلى من حقي، وكانت دار القائد قريبة من مسجد الخياط، فنهض معنا ومشينا فخفت [٧] بادرة القائد وسطوته، وتصورت أن قول الخياط لا ينفع مع مثله مع محله وبسطته [٨] ، وقلت لصديقي: قد عرضنا هذا
стр. 4130
الشيخ ونفوسنا لمكروه عظيم، وما هو إلا أن يراه غلمانه، وقد أوقعوا به، وإذا كان لا يقبل قول [١] الوزير عبيد الله بن سليمان فبالأولى أن لا يقبل منه ولا يفكر فيه، فضحك وَقَالَ: لا عليك! وجئنا إلى باب القائد، فحين رأى غلمانه الخياط تلقوه وأعظموه، وأهووا ليقبلوا يده فمنعهم مَنْهَا [٢] وقالوا: ما جاء بك أيها الشيخ؟ فإن قاعدنا راكب، فإن كان لك أمر نقوم [٣] بذكره له، وتنتجزه إياه فعلنا، وإن أردت [٤] الجلوس والانتظار فالدار بين يديك! فلما سمعت ذلك قويت نفسي، ودخلنا وجلست، ورآني القائد، فلما رآه أكرمه إكراما شديدا وَقَالَ له: لست أنزع ثيابي حتى تأمر بأمرك، فخاطبه في شأني، فقال: والله ما معي إلا خمسة آلاف درهم، فتسأله أن يأخذها ويأخذ/ رهونا من مراكبي الذهب والفضة بقيمة ما يبقى من ماله لأعطيه إياه بعد شهر، فبادرت أنا إلى إجابته وأحضرت الدراهم والمراكب بقيمة الباقي، فقبضتها وأشهدت الخياط وصديقي عليه بأن الرهن عندي إلى مدة شهر، فإن جاز كنت وكيله في بيعه، وآخذ مالي من ثمنه، وخرجنا فلما بلغنا مسجد الخياط ودخلنا طرحت الدراهم بين يديه وقلت [له] [٥] : قد رد الله مالي بك وعلى يديك، فخذ ما تريد منه على طيب قلب مني! فقال: يا هذا، ما اسرع ما قابلتني بالقبيح على الجميل، انصرف بمالك بارك الله لك فيه. قلت: قد بقيت لي حاجة، قَالَ: قل! قلت: أحب أن تخبرني عن سبب طاعة هذا القائد لك مع إقلاله الفكر بأكابر الدولة. فقال: قد بلغت غرضك، فلا تقطعني عن شغلي بحديث لا فائدة [لك] [٦] فيه. فألححت عليه.
فقال: أنا رجل أقرئ [وأؤم بالناس] [٧] في هذا المسجد منذ أربعين سنة، لا أعرف كسبا إلا من الخياطة، وكنت صليت المغرب منذ مدة، وخرجت أريد منزلي،
стр. 4131
فاجتزت على تركي كان في هذه الدار، وأومأ إلى دار بالقرب منه، وإذا امرأة جميلة الوجه قد اجتازت عليه، فعلق بها وهو سكران، فطالبها بالدخول إلى داره، وهي تمتنع وتستغيث وتقول في كلامها: إن زوجي قد حلف بطلاقي أن لا أبيت عنه وإن [١] أخذني هذا وغصبني نفسي وبيتني عنده [٢] خرب بيتي، ولحقني من العار ما لا تدحضه الأيام عني! وما أحد يعينها ولا يمنعه منها، فجئت إلى التركي، ورفقت به في أن يخلي عنها، فلم يفعل وضرب رأسي بدبوس كان في يده فشجه، وأدخل المرأة فصرت إلى منزلي وغسلت الدم عن وجهي، وشددت رأسي وخرجت لصلاة العشاء الآخرة، فلما فرغنا من الصَّلاة [٣] قلت لمن حضر قوموا/ معي إلى هذا التركي عدو الله لننكر عليه، ونخرج المرأة من عنده، فقاموا، وجئنا فضججنا [٤] على بابه، فخرج إلينا في عدة من غلمانه، فأوقع بنا وقصدني من بين الجماعة [٥] بالضرب الشديد الذي يكاد يتلفني، فحملت إلى منزلي وأنا لا [٦] أعقل أمري، ونمت قليلا للوجع، فطار النوم من عيني، وسهرت مستلقيا على فراشي مفكرا في أمر [٧] المرآة وأنها متى أصبحت طلقت، ثم قلت: هذا رجل قد شرب طول ليلته ولا يعرف الأوقات، فلو أذنت لوقع له أن الفجر قد طلع، فربما أخرج المرأة، فمضت إلى بيتها و [تبيت] [٨] ، وبقيت في حبال زوجها، فتكون قد خلصت من أحد [٩] المكروهين، فخرجت متحاملا إلى المسجد، وصعدت المنارة وأذنت، وجلست أطلع إلى الطريق أرتقب خروج المرآة من الدار، واعتقدت أن أقيم إن تراخي الأمر في ذلك لئلا يشك في الصباح، فما مضت ساعة حَتَّى امتلأ الشارع [١٠]
стр. 4132
خيلا ورجالا ومشاعل، وهم يقولون: من الذي أذن الساعة، ففزعت وسكت، ثم قلت أخاطبهم وأصدقهم عن أمري لعلهم يعينونني على خروج المرأة، فصحت [١] من المنارة: أنا أذنت! قالوا: انزل وأجب أمير المؤمنين! فنزلت ومضيت معهم، فإذا [هم] [٢] غلمان بدر، فأدخلني إلى [٣] المعتضد باللَّه، فلما رأيته هبته وأخذتني رعدة شديدة، فقال لي: اسكن، ما حملك على الآذان في غير وقته وأن تغر الناس فيخرج ذو الحاجة في غير حينه، ويمسك المريد الصوم في وقت قد أبيح له فِيهِ [٤] الأكل والشرب؟
فقلت: يؤمنني أمير المؤمنين لأصدقه، قَالَ: أنت آمن! فقصصت عليه قصة التركي، وأريته الآثار [التي] [٥] في رأسي ووجهي، فقال: يا بدر! على بالغلام والمرأة [فأحضرا] [٦] فسألها/ المعتضد عن أمرها، فذكرت له مثل ما ذكرته، فأمر بإنفاذها إلى زوجها مع ثقة يدخلها دارها، ويشرح لزوجها [٧] خبرها، ويأمره عنه [٨] بالتمسك بها، والإحسان إليها، ثم استدعاني، ووقفت فجعل يخاطب الغلام ويسمعني، ويقول: كم رزقك؟ فيقول: كذا وكذا. وكم عطاؤك؟ فيقول: كذا. وكم وظيفتك؟ فيقول: كذا.
وكم كسوتك؟ فيقول: كذا. إلى أن عدد شيئًا كثيرا، ثم قَالَ: كم لك؟ [٩] جارية. قَالَ:
كذا فقال: فما كَانَ [١٠] لك في هذه النعمة، وفي هؤلاء الجواري ما يكفيك ويكفك عن محارم الله تعالى، وخرق سياسة السلطان، والجراءة عليه؟ وما كان عذرك في الوثوب على من أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر؟ فأسقط في يد الغلام ولم يكن له جواب
стр. 4133
يورده، ثم قَالَ: يحضر جوالق ومداق [١] الجص، وقيود وغل. فأحضر جميع ذلك فقيده وغله وأدخله الجوالق، وأمر الفراشين فدقوه بمداق الجص وهو يصيح، إلى أن خفت صوته وانقطع حسه، وأمر به وطرح إلى دجلة [٢] . وتقدم إلى بدر [بتحويل] [٣] ما في داره، ثم قَالَ لي: قد شاهدت ذلك كله! متى رأيت [٤] [يا شيخ] [٥] منكرا كبيرا أو صغيرا، فأنكره ولو على هذا- وأومأ إلى بدر- ومن تقاعس عن القبول منك فالعلامة بيننا أن تؤذن في مثل هذا الوقت لأسمع صوتك فأستدعيك.
قال الشيخ: فدعوت له وانصرفت، وشاع الخبر في [الجند و] [٦] الغلمان، فما سألت أحدا منهم بعدها إنصافا أو كفا عن قبيح إلا أطاعني [٧] كما رأيت، خوفا من المعتضد باللَّه، وما احتجت أن أؤذن في مثل ذلك الوقت إلى الآن.
أنبأنا محمد بن أبي طاهر قَالَ: أنبأنا علي بْن المحسن، عن أبيه قال: حدثنا القاضي أبو الحسن/ محمد بن عبد الواحد الهاشمي قَالَ: سمعت العباس بن عمرو الغنوي [٨] يقول: لما أسرني أبو سعيد القرمطي، وكسر [٩] العسكر الذي كان بعثه معي المعتضد إلى قتاله، وحصلت في يده يئست من الحياة، فأنا يومًا على تلك الصورة، إذ جاءني رسوله، فأخذ قيودي، وغير ثيابي، وأدخلني إليه، فسلمت عليه وجلست، فقال: أتدري لم استدعيتك؟ قلت: لا! قَالَ: إنك رجل عربي، ومن المحال إذا استودعتك أمانة أن تخفيها، ولا سيما مع مني عليك بنفسك. قلت: هو كذلك. فقال:
إني فكرت، فإذا لا طائل في قتلك، وفي نفسي رسالة إلى المعتضد، لا يجوز أن يؤديها
стр. 4134
غيرك، فرأيت إطلاقك وتحميلك إياها إن حلفت أنك إن سيرتك [١] إليه تؤديها، فحلفت له، فقال: قل للمعتضد يا هذا، لم تخرق هيبتك، وتقتل رجالك، وتطمع أعداءك في نفسك، وتبعث في طلبي الجيوش، وأنا رجل مقيم في فلاة، لا زرع فيها ولا ضرع، وقد رضيت لنفسي بخشونة العيش، والعز بأطراف هذه الرماح، ولا اغتصبتك بلدا، ولا أزلت سلطانك عن عملك، ومع هذا فو الله لو أنفذت إلى جيشك كله ما جاز يظفر بي، لأني رجل نشأت في القشف [٢] ، فاعتدته أنا ورجالي، ولا مشقة علينا فيه، وأنت تنفذ جيوشك من الجيوش والثلج والريحان، فيجيئون من المسافة البعيدة الشاقة، وقد قتلهم السفر قبل قتالنا، وإنما غرضهم أن يبلغوا غرضا من مواقفتنا ساعة، ثم يهربون، وإن هم هزموني بعدت عشرين فرسخا، أو ثلاثين، وجلت في الصحراء شهرا أو شهرين، ثم كبستهم على غرة فقتلتهم، وإن كانوا محتزبين فما يمكنهم أن يطوفوا خلفي في الصحارى، ولا تحملهم الإقامة في/ أماكنهم، فأنت تنفق الأموال، وتكلف الرجال الأخطار، وأنا سليم من ذلك وهيبتك تتخرق في الأطراف، كلما جرى عليك هذا فإن اخترت بعد محاربتي فاستخرت الله، وإن أمسكت فذلك إليك.
ثم سيرني وأنفذ معي عدة إلى الكوفة وسرت منها إلى الحضرة، ودخلت إلى المعتضد، فأخبرته بما قَالَ في خلوة فرأيته يتمعط في جلده غيضا حتى ظننت أنه سيسير إليه بنفسه، وخرجت فما رأيته بعد ذلك ذكره. قَالَ القاضي: كأنه عرف صدق قوله فكف عنه.
أنبأنا محمد بن أبي طاهر قَالَ أنبأنا علي بْن المحسن، عن أبيه قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الحسين عَلِيّ بْن هشام قَالَ: حَدَّثَنَا الفضل بن سليمان قَالَ [٣] : حدثني خفيف السمرقندي [٤] حاجب المعتضد قَالَ: كنت واقفا بحضرة المعتضد إذ دخل بدر، وهو يبكي وقد ارتفع الصراخ من دار عبيد الله بن سليمان عند موته، فأعلم المعتضد الخبر،
стр. 4135
فقال: أو قد صح الخبر أو هي غشية؟ قَالَ: بل قد توفي وشد لحيته [١] فرأيت المعتضد قد سجد، فأطال السجود، فلما رفع رأسه قَالَ له بدر: والله يا أمير المؤمنين لقد كان صحيح الموالاة، مجتهدا في خدمتك، عفيفا عن الأموال! قَالَ: أفظننت يا بدر أني سجدت سرورا بموته؟ إنما سجدت شكرا للَّه تعالى، إذ وفقني فلم أصرفه ولم أوحشه، ولي في جنب [٢] ورثته ما خلفه عليهم من كسبه معي، ما لعله قيمة ألفي ألف دينار، وقد عملت على أخذ ذلك منهم، وأن أستوزر أحد الرجلين: إما جرادة وهو أقوى الرجلين في نفسي لهيبته في قلوب الجيش، والآخر أَحْمَد بن مُحَمَّد بن الفرات، وهو أعرف بمواقع المال.
فقال له بدر: يا مولاي، غرست غرسا حتى إذا ما أثمر قلعته! أنت ربيت القاسم وقد [٣] ألف خدمتك عشر سنين، وعرف ما يرضى حاشيتك، وجرادة/ رجل منكر، ويخرج من الحبس جائعا، وابن الفرات لا هيبة له في النفوس، وإنما يصلح أن يكون بحضرة وزير يمشي [٤] له أمر المال، ومال القاسم، وورثته لك. أي وقت أردته أخذته.
فراجعه المعتضد وبين له فساد هذا الرأي، فعدل عن المناظرة إلى تقبيل الأرض مرات، فقال له المعتضد: قد أجبتك فامض إلى القاسم فعزه ثانية، وبشره بتقرير رأيي على استوزاره لتسله [٥] عن مصابه، ومره بالبكور إلى الجامع [٦] ، فولى بدر فخرجت معه، فدعاني المعتضد فعدت، فقال: أرأيت ما جرى؟ قلت: نعم! فقال: والله لا يقتل بدرا غير القاسم! فما تم للقاسم التدبير مع المكتفي حتى قتل بدرا!.
قال خفيف [٧] : رحم الله المعتضد! كأنه نظر هذا من وراء ستر.
قال المصنف: وسيأتي كيفية قتل بدر في ولاية المكتفي باللَّه.