أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عمران المرزباني قَالَ: أخبرني مُحَمَّد بْن يحيى قَالَ: حَدَّثَنَا أبو العيناء قَالَ: قَالَ لي المتوكل: قد اخترتك لمجالستي! قلت: لا أطيق ذلك، ولا أقول ذلك جهلا بما لي في هذا [المجلس] [١] من الشرف، ولكني رجل محجوب، والمحجوب تختلف إشارته، ويخفي عليه الإيماء، ويجوز على أن تتكلم بكلام غضبان، ووجهك راض، وبكلام راض ووجهك غضبان، ومتى لم أميز هذين هلكت! فقال صدقت، ولكن أتلزمنا. فقلت: لزوم/ الفرض [الواجب] [٢] فوصلني [٣] بعشرة آلاف (درهم) [٤] قَالَ: وقد روى أن المتوكل قَالَ: أشتهي أن أنادم أبا العيناء لولا أنه ضرير. فقال أبو العيناء: إن أعفاني أمير المؤمنين من رؤية الأهلة [٥] ونقش الخواتيم [٦] فإني أصلح [٧] .
أخبرنا القزاز، أَخْبَرَنَا [أبو بكر] الخطيب قَالَ: أخبرني أَحْمَد بْن مُحَمَّد [بْن أَحْمَد] [٨] بْن يعقوب قَالَ: حدثني جدي مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ بن ترنحل [٩] ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يحيى، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن القاسم بن خلاد أبو العيناء قَالَ: دعا المنصور جدي خلادا وكان مولاه فقال [له] [١٠] أريدك لأمر قد أهمني، و [قد] [١١] اخترتك له، وأنت عندي.
كما قَالَ أبو ذؤيب الهذلي [١٢] :
ألكني إليها وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر
стр. 4167
فقال له: أرجو أن أبلغ رضا أمير المؤمنين، فقال: صر إلى المدينة على إنك من شيعة عَبْد اللَّهِ بن حسن، وأبذل له الأموال، وأكتب إلي بأنفاسه وأخبار ولده فأرضاه. ثم علم عَبْد اللَّهِ بن حسن أنه أتي من قبله قَالَ: فدعا عليه، وعلى نسله بالعمى، قال:
فنحن نتوارث ذلك إلى الساعة [١] .
ورويت [٢] أن أبا العيناء تأخر رزقه فشكا إلى عبيد الله بن سليمان قَالَ: ألم نكن كتبنا لك إلى ابن المدبر، فما فعل في أمرك؟ قَالَ: جرني على [٣] شوك المطل، وحرمني ثمرة الوعد! فقال: أنت اخترته! فقال: ما علي؟ فقد أختار موسى [من] قومه [٤] سبعين رجلا، فما كان فيهم رجل رشيد، فأخذتهم الرجفة، واختار النبي ﷺ ابن أبي سرح كاتبا فلحق بالكفار [مرتدا،] [٥] واختار علي أبا موسى فحكم عليه/.
قَالَ المصنف: خرج أبو العيناء من البصرة، فقدم [٦] بغداد، وكان السبب في خروجه من البصرة ما أَخْبَرَنَا به أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بن علي بن ثابت، أَخْبَرَنَا أبو القاسم الأزهري، وأحمد [٧] بن عبد الواحد الوكيل قالا: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن جعفر التميمي أَخْبَرَنَا أبو بكر الصولي، عن أبي العيناء قَالَ: كان سبب خروجي من البصرة وانتقالي عنها: أني مررت بسوق النخاسين [يوما] [٨] فرأيت غلاما ينادي عليه، وقد بلغ ثلاثين دينارا وهو يساوي ثلاثمائة دينار [٩] فاشتريته وكنت، أبني دارا فدفعت إليه عشرين دينارا على أن ينفقها على الصناع، فجاءني بعد أيام يسيرة فقال: قد نفدت النفقة! فقلت: هات حسابك! فرفع حسابا بعشرة دنانير! قلت: أين الباقي؟
стр. 4168
قَالَ: [قد] [١] اشتريت به ثوبا مصمتا وقطعته قلت: من أمرك بهذا؟ قَالَ: لا تعجل يا مولاي، فإن أهل المروءة والأقدار لا يعيبون علي غلمانهم إذا فعلوا فعلا يعود بالزين على مواليهم [٢] ! فقلت في نفسي: أنا اشتريت الأصمعي ولم أعلم.
قَالَ: وكانت في نفسي أمرأة أردت أن أتزوجها سرا من أبنة عمي، فقلت له يوما:
أفيك خير؟ قَالَ: أي لعمري! فأطلعته على الخبر، فقال: إنا نعم العون لك! فتزوجت المرأة، ودفعت إليه دينارا وقلت [له] [٣] اشتر لنا كذا وكذا، يكون فيما تشتريه سمك هازبي، فمضى ورجع وقد اشترى ما أردت، إلا أنه اشترى سمك مارماهي، فغاظني ذلك، قلت: أليس أمرتك/ أن تشتري هازبي؟ قَالَ: بلى ولكن رأيت بقراط يقول: إن الهازبي يولد السوداء، ويصف المارماهي ويقول: إنه أقل غائلة، فقلت: يا ابن الفاعلة! أنا لم أعلم أني اشتريت جالينوس، وقمت إليه فضربته عشر مقارع، فلما فرغت من ضربه أخذني وأخذ المقرعة، وضربني سبع مقارع، وَقَالَ: يا مولاي، الأدب ثلاث، والسبع [فضل وذلك] [٤] قصاص، فضربتك هذه السبع مقارع [٥] خوفا من القصاص يوم القيامة. فغاظني جدا [٦] فرميته فشججته، فمضى من وقته إلى ابنة عمي، فقال لها: يا مولاتي، إن الدين النصيحة، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وأنا أعلمك أن مولاي قد تزوج [٧] فأستكتمني، فلما قلت له لا بد من تعريف مولاتي [الخبر] [٨] ضربني بالمقارع وشجني، فمنعتني بنت عمي من دخول الدار، وحالت بيني وبين ما فيها، ووقعنا في تخبيط، فلم أر الأمر يصلح إلا بأن طلقت المرأة التي تزوجتها! فصلح أمري مع ابنة عمي، وسمعت الغلام الناصح، ولم يتهيأ لي أن أكلمه،
стр. 4169
فقلت: أعتقه واستريح، فلعله يمضى عني، فلما عتقته لزمني وَقَالَ: الآن وجب حقك علي [١] ثم إنه أراد الحج فجهزته وزودته، وخرج فغاب عني عشرين يوما ورجع، فقلت له: لم رجعت؟ فقال: قطع الطريق [بي] [٢] وفكرت، فإذا الله تعالى يقول: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ من اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ٣: ٩٧ [٣] وكنت غير مستطيع، وفكرت فإذا حقك أوجب فرجعت. ثم إنه أراد الغزو [٣] فجهزته/، فلما غاب عني بعت كل ما أملك بالبصرة [من عقار وغيره] [٤] وخرجت عنها خوفا من [٥] إن يرجع.
[قَالَ الدارقطني أبو العيناء ليس بقوي في الحديث] [٦] .
أَخْبَرَنَا يحيى بن علي المدبر، أَخْبَرَنَا أبو بكر علي بن مُحَمَّد الخياط، أَخْبَرَنَا الحسين بن الحسن بن حمكان قَالَ: حدثني أبو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن إبراهيم البصري قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يحيى الصولي قَالَ: دخلت على أبي العيناء في آخر عمره، وقد كف بصره، فسمع صرير قلمي على الدفتر قَالَ: من هذا؟ قلت: عبدك وابن عبدك مُحَمَّد بن يحيى الصولي! قَالَ: بل ولدي وابن أخي قَالَ: ما تكتب؟ فقلت: جعلني الله فداءك أكتب [٧] شيئا من النحو والتصريف، فقال: النحو في الكلام كالملح في الطعام [٨] ، فإذا أكثرت منه صارت القدر زعاقا، يا بني إذا أردت أن تكون صدرا في المجالس فعليك بالفقه ومعاني القرآن، وإذا أردت أن تكون منادما للخلفاء وذوي المروءة [والأدباء] [٩] فعليك بنتف الأشعار وملح الأخبار.
قَالَ المصنف: [١٠] أقام أبو العيناء ببغداد مدة طويلة، ثم خرج يريد البصرة،
стр. 4170
فركب في سفينة فيها ثمانون نفسا، فغرقت فلم [١] يسلم منهم غيره، فلما وصل إلى البصرة مات.
١٨٩٢- مطلب بن شعيب بن حيان، أبو مُحَمَّد [٢] .
ولد بمصر، وحدث عن أبي صالح كاتب الليث، وغيره. وكان ثقة.
وتوفي في محرم هذه السنة.
١٨٩٣- مطرف بن عَبْد الرَّحْمَنِ بن إبراهيم بن مُحَمَّد بن قيس، مولى عَبْد الرَّحْمَنِ بن معاوية بن هشام، أبو سعيد الأندلسي القرطبي [٣] .
يروي عن يحيى بن يحيى بن كثير، وسحنون [٤] بن سعيد، وكان له زهد وفضل.
توفي بالأندلس في هذه السنة.
١٨٩٤- يحيى بن عثمان بن صالح بن صفوان، مولى آل قيس بن [أبي] [٥] العاص السهمي، يكنى أبا زكريا [٦] .
كان عالما بأخبار مصر، وبوفيات العلماء، وكان حافظا للحديث، وحدث بما لم يكن [٧] يوجد عند غيره.
توفي [في هذه السنة] [٨] في ذي القعدة. /
стр. 4171
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائتين
فمن الحوادث فيها:
شخوص المعتضد لثلاث عشرة بقيت من المحرم بسبب هارون الشاري إلى ناحية الموصل، فظفر به، وكان سبب ظفره: أنه [وجه] [١] الحسين بن حمدان إليه في جماعة، فقال الحسين: إن أنا جئت به يا أمير المؤمنين فلي ثلاث حوائج. قَالَ:
اذكرها! قَالَ: أولها إطلاق أبي، وحاجتان أسألهما بعد مجيئي به إليك. فقال المعتضد:
لك ذلك فامض [٢] ! فمضى فجاء به، فخلع المعتضد عليه وطوقه بطوق من ذهب، وأمر بحل قيود أبيه إلى أن يقدم فيطلقه، وكتب المعتضد إلى بغداد بالظفر.
وفي هذه السنة: خرج عمرو بن الليث من نيسابور فخالفه [٣] رافع بن هرثمة إليها، فدخلها وخطب بها لمحمد بن زيد الطالبي، وأبيه، فقال: اللَّهمّ أصلح الداعي إلى الحق. فرجع عمرو إلى نيسابور فعسكر خارج المدينة وخندق عَلَى عسكره لعشر خلون من ربيع الآخر، فناظر أهل نيسابور [٤] ثم تواقعا فهزم رافعا ثم جاء الخبر بقتله.
ولعشر بقين من جمادي الأولى أمر المعتضد بالكتاب إلى جميع النواحي برد الفاضل من سهام المواريث على ذوي الأرحام، فنفذت [٥] الكتب بذلك، وقرئت
стр. 4172
النَّاس [١] ، وكان السبب [في ذلك] [٢] أنه استفتى القضاة في ذلك، فكتب أبو خازم القاضي، وعلى بن مُحَمَّد بن أبي الشوارب بردها على ذوي الأرحام فصدرت الكتب بذلك [٣] وذكرا أنه اتفاق الصحابة عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم، وإنما خالفهم زيد بن ثابت، فإنه رأى ردها إلى بيت المال، ولم يتابعه أحد [٤] على ذلك، وأفتى يوسف بن يعقوب بقول زيد/، فأمر المعتضد بالعمل بما كتب به أبو خازم والإعراض [٥] عن فتيا يوسف، وكتب بذلك إلى الآفاق.
وفي يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة شخص الوزير عبيد الله بن سليمان بن وهب إلى الجبل لحرب ابن [أبي] [٦] دلف بأصبهان فاستأمنه، فأمنه [٧] فصار إليه [فقدم به] [٨] فجلس له المعتضد، وخلع عليه.
وفي رجب: أمر المعتضد بكري دجيل والاستقصاء عليه، وقلع صخر كان في فوهته يمنع الماء، فجبي لذلك من أرباب الإقطاعات والضياع أربعة آلاف دينار وكسرا [٩] وأنفقت عليه.
وفي شعبان هذه السنة: كان الفداء بين المسلمين والروم، ففودي من المسلمين ألفان وخمسمائة وأربعة أنفس، فأطلقت المسلمون وأطلق الروم.
وفي هذه السنة: خلع على يوسف بن يعقوب القاضي، وقلد قضاء الجانب الشرقي من بغداد، وكلواذى، ونهر بين، والنهروانات، وكور دجلة والخط، وخلع عَلَى أبي حازم القاضي، وولي قضاء الشرقية من بغداد، ونادرويا، وشقي الفرات، وشاطئ
стр. 4173
دجلة إلى حد عمل [١] واسط مضافا إلى ما تولاه من القضاء بالكوفة وأعمالها، وذلك بعد أن مكثت بغداد ثلاثة أشهر وثمانية عشر يوما بعد وفاة إسماعيل بن إسحاق بغير قاض، ثم خلع على علي بن مُحَمَّد بن عبد الملك [٢] بن أبي الشوارب لقضاء مدينة المنصور، وقطربُّل، مضافا إلى ما كان يتولاه من الحكم بسر من رأى، وتكريت، وطريق الموصل، وقعدت الجماعة في مساجد مدينة السلام بالرصافة، والشرقية، والغربية فقرءوا، عهدهم.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٨٩٥- إبراهيم بن إسحاق بْن إِبْرَاهِيم [٣] بن مهران، أبو إسحاق الثقفي السراج النيسابوري [٤] .
سمع أَحْمَد بن حنبل، وغيره، وكان احمد يحضره ويفطر عنده، وينبسط في منزله، وكان ثقة ينزل الجانب الغربي من نواحي قطيعة الربيع.
وتوفي في صفر هذه السنة.
١٨٩٦- إسحاق بن إبراهيم بن مُحَمَّد بن حازم بن سنين، أبو القاسم الختلي [٥] .
سمع داود بن عمرو الضبي، وعلي بن الجعد، وخلقا كثيرا. روى عنه الباغندي. وأبو سهل بن زياد، وأبو بكر الشافعي، وذكره الدارقطني فقال: ليس بالقوى، وتوفي في هذه السنة وقد بلغ ثمانين سنة، وقد ذكرنا قبل هذا بسنتين [٦] إسحاق بن إبراهيم الجبلي، وربما ظن من لا يعلم أنهما واحد، وأن إعجام الحروف اختلط، وليس هما [٧] كذلك بل [٨] هما غيران.
стр. 4174
١٨٩٧- جعفر بن مُحَمَّد بن علي، أبو القاسم الوراق المؤدب البلخي [١] .
سكن بغداد، وحدث بها، فروى عنه ابن مخلد. وتوفي في رمضان هذه السنة.
١٨٩٨- سهل بن عَبْد اللَّهِ بن يونس [٢] ، [أبو محمد] [٣] التستري [٤] .
لقي ذا النون [المصري] [٥] وكان من أهل [٦] الزهادة وله كلام حسن.
أخبرنا عمر بن ظفر، أَخْبَرَنَا جعفر بن أَحْمَد، أَخْبَرَنَا عبد العزيز بن علي، حَدَّثَنَا ابن جهضم، حَدَّثَنَا المفيد، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الحسن بن الصباح قَالَ: سمعت سهل بن عَبْد اللَّهِ يقول: أمس قد مات، واليوم في النزع، وغدا لم يولد.
توفي سهل في هذه السنة، وقيل: في سنة ثلاث وسبعين ومائتين.
١٨٩٩- صالح بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الرحمن، أبو الفضل الشيرازي [٧] .
كان يسكن الجانب الشرقي ببغداد، وحدث عن عفان، وعلي بن الجعد، وخالد بن خداش. روى عنه: أبو عمرو بن السماك، وأبو بكر الشافعي، وكان ثقة مأمونا قارئا للقرآن، يقول: قد ختمت أربعة آلاف ختمة. وتوفي في شوال هذه السنة.
١٩٠٠- عبد الرحمن بن يوسف/ بن سعيد بن خراش، أبو مُحَمَّد الْحَافِظ [٨] .
مروزي الأصل. سمع نصر بن علي الجهضمي، [و] الدورقي، وعلي بن خشرم، وكان أحد الرحالين في الحديث إلى الأمصار، وممن يوصف بالحفظ والمعرفة، إلا أنه ينبز بالرفض. روى عنه: أبو العباس بن عقدة.
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: أخبرني محمد بن
стр. 4175
أَحْمَد بن يعقوب [القزاز] أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن نعيم الضبي قَالَ: سمعت بكر بن مُحَمَّد بن حمدان يقول: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بن يوسف يقول: شربت بولي في هذا الشأن- يعني في [١] الحديث- خمس مرات.
قَالَ المصنف: يشير إلى اضطراره في السفر. توفي في رمضان هذه السنة.
١٩٠١- علي بن مُحَمَّد بن أبي الشوارب، واسم أبي الشوارب: عبد الملك، ويكنى علي أَبَا الحسن الأموي البصري قاضي سرمن رأى [وبغداد] [٢] .
سمع أبا الوليد الطيالسي، وأبا عمر الحوضي [٣] ، وغيرهما. روى عنه: ابن صاعد، والنجاد، وابن قانع، وكان ثقة.
أَخْبَرَنَا القزاز، أَخْبَرَنَا [أبو بكر] أَحْمَد بن علي، أَخْبَرَنَا علي بْن المحسن، أَخْبَرَنَا طلحة بْن محمد بن جعفر قَالَ: لما مات إسماعيل بن إسحاق مكثت بغداد بغير قاض ثلاثة أشهر وستة عشر يوما، فاستقضى في يوم الخميس لعشر خلون من ربيع الآخر [٤] سنة ثلاث وثمانين علي بن مُحَمَّد بن عبد الملك على قضاء المدينة، مضافا إلى ما كان يتقلده من القضاء بسر من رأى وأعمالها. قَالَ: وقبل هذا كان علي قضاء القضاة بسر من رأى في أيام المعتز والمهتدي، فلما توفي الحسن وجه المعتمد بعبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى علي بن مُحَمَّد فعزاه بأخيه [٥] ، وهنأه بالقضاء، فامتنع من قبول ذلك، فلم يبرح الوزير عبيد الله من عنده حتى قبل، وتقلد قضاء [٦] القضاة، ومكث يدعي بذلك إلى أن توفي. وهو رجل صالح ضيق الستر [٧] ، عظيم الخطر، / ثقة أمين على طريق [الشيوخ] [٨] المتقدمين، حمل الناس عنه حدثنا كثيرا.
стр. 4176
وتوفي في شوال هذه السنة ببغداد، وحمل إلى سرمن رأى، ودفن هناك.
١٩٠٢- علي بن العباس بن جريج، [أبو الحسن] ، مولى عبيد الله بن [عيسى بن] جعفر، يعرف: [بابن] [١] الرومي أحد الشعراء المكثرين [٢] .
أخبرنا ابن ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو عَبْد اللَّهِ الحُمَيْدِي قَالَ: أنشدنا أبو غالب بن بشران، أَخْبَرَنَا أبو الحسين بن دينار [٣] قَالَ: أنشدنا أبو طالب الأنباري قَالَ: أنشدنا الناجم قَالَ: أنشدنا ابن الرومي لنفسه:
إذا ما مدحت الباخلين فإنما ... تذكرهم ما في سواهم من الفضل
وتهدي لهم غما طويلا وحسرة ... فان منعوا منك النوال فبالعدل
ومن أبياته المستحسنة ما قَالَ [٤] :
وما الحسب الموروث [٥] لا در دره ... بمحتسب إلا بآخر مكتسب
فلا تتكل إلا على ما فعلته ... ولا تحسبن المجد يورث بالنسب
فليس يسود المرء إلا بنفسه ... وان عد آباء كراما ذوي حسب
إذا الغصن لم يثمر وإن كان شعبة ... من المثمرات اعتده الناس في الحطب
وللمجد قوم ساوروه بأنفس ... كرام ولم يعبوا بأم ولا بأب
وله [أيضا] [٦]
عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
إذا انقلب الصديق غدا عدوا ... مبينا والأمور إلى انقلاب
стр. 4177
ولو كان الكثير يطيب كانت ... مصاحبة الكثير من الصواب
ولكن قلما استكثرت إلا ... وقعت على ذئاب في ثياب
فدع عنك الكثير فكم كثير ... يعاف وكم قليل مستطاب
وما اللجج الملاح بمرويات ... وتلقي الري في النطف العذاب/
[وله أيضا:
إذا دام للمرء السواد وأخلقت ... محاسنة ظن السواد خضابا
وكيف يظن الشيخ أن خضابه ... يظن سوادا أو يخال شبابا] [١]
وله أيضا [٢] :
إذا ما كساك الدهر سربال صحة ... ولم تخل من قوت يحل [٣] ويعذب
فلا تغبطن المترفين فانه ... على قدر ما يكسوهم الدهر يسلب
[وله أيضا: [٤]
وفي أربع منى خلت منك أربع ... فلست بدار أيها هاج لي كربي
أوجهك في عيني أم الريق في فمي ... أم النطق في سمعي أم الحب في قلبي
وله أيضا:
إن للمجد سبيلا وعرا ... ضيقا مسلكها فيه صعود
ليس تثنى بالأباطيل الطلي ... لا ولا توطأ بالهزل الخدود
بل بأن ينصب حر نفسه ... وبأن يسهر والناس رقود
وبأن يلقى بضاحي وجهه ... أوجها فيها عبوس وصدود
كلما عددت أثمان العلى ... ولما يبتاع منهن نقود
وله أيضا في مديحه:
تحكي المكارم عنكم وهي شاهدة ... ليست بغيب ولن تحصى بتعديد
стр. 4178
وما حكاية شيء لا خفاء به ... جاء القياس فألوي بالأسانيد
لا تحسبوني لشيء غير أنفسكم ... مغري بتجديد مدح بعد تجديد
لكن كما راقت القمري جنته ... فظل يتبع تغريدا بتغريد
أحبكم لخلال لا لنعمتكم ... عندي وإن أصبحت عون المجاهيد
أفسدتموني لا إفساد تنحية ... للخير عني بل إفساد تعويد
وزهدتني أياديكم وفضلكم ... في كل شيء سواها أي تزهيد
وله أيضا في مديحه:
وفي الرقاب وسوم من صنائعكم ... أن أنكرتها رجال بعد إقرار
تستعبدون بها الأحرار دهركم ... فكم عبيد لكم في الناس أحرار
تخادعون عن الدنيا مساترة ... كأن معروفكم إيداع أسرار
إن كان أورق أقوام فإنكم ... مفضلون بتنوير وأثمار
كأنما الناس في الدنيا بظلكم ... قد خيموا بين جنات وأنهار
لكم خلائق لو تحظى السماء بها ... لما الاحت نجوما غير أقمار
ومستخف بقدر الشعر قلت له ... لن ينفق العطر إلا عند عطار
ابني البديع واهديه إلى ملك ... يبني الرفيع وما يبني بأحجار
يكسى المديح ولم يعور تجرده ... ككعبة الله لا تكسى لا عوار
وقال أيضا:
ولي وطن آليت أن لا أبيعه ... بشيء ولا ألفي له الدهر مالكا
عهدت به شرخ الشباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
فقد ألفته النفس حتى كأنه ... لها جسد إن بان غودرت هالكا
وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا
وقال أيضا:] [١]
تخذتكم درعا حصينا [٢] لتدفعوا ... نبال العدى عني فكنتم نصالها [٣]
стр. 4179
وقد كنت أرجو منكم خير ناصر ... على حين خذلان اليمين شمالها
فان انتم لم تحفظوا لمودتي ... ذماما فكونوا لا عليها ولا لها
قفوا موقف المعذور عني بمعزل ... وخلوا نبالي للعدى ونبالها
وقال أيضا: [١]
قلبي من الطرف السقيم سقيم ... لو أن من أشكو إليه رحيم
من وجهها ابدا نهار واضح ... من فرعها ليل عليه بهيم
إن أقبلت فالبدر لاح وإن مشت ... فالغصن راح وإن رنت فالريم
نعمت بها عيني وطال عذابها ... ولكم عذاب قد جناه نعيم
نظرت فأقصدت الفواد بسهمها ... ثم انثنت نحوي فكدت أهيم
ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم
يا مستحل دمي محرم رحمتي ... ما انصف التحليل والتحريم
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت، / أَخْبَرَنَا أبو يعلي أَحْمَد بن عبد الواحد، أَخْبَرَنَا أحْمَد بْن مُحَمَّد [٢] بن عمران، حَدَّثَنَا الحسن بن أَحْمَد [٣] بن السري، حَدَّثَنَا علي بن العباس النوبختي قَالَ: بلغني أن أبا الحسن علي بن العباس بن جريج الرومي عليل، فمضيت إليه أعوده، فقلت له: أي شيء خبرك؟ قَالَ: أي شيء خبر من يموت! فقلت: ما أرى سحنتك إلا صافية حسنة، قَالَ:
هكذا من يموت يكون قبل ذلك [بيوم] [٤] حسن الوجه! فقلت: يعافى الله فقال:
خذ حديثي، فإن لم يقطع أن أموت في هذه [العلة] [٥] فاصنع ما شئت! أحببت أن أسكن في مدينة أبي جعفر، فشاورت صديقا لي يكنى أبا الفضل وهو مشتق من الإفضال، فقال لي: إذا عبرت القنطرة فخذ عن يدك اليمنى- وهو مشتق من اليمن- وسل عن سكة النعيمية- وهو مشتق من النعيم- وسل عن دار أبي المعافى- وهو مشتق
стр. 4180
من العافية- فخالفت لشؤمي، واقتراب أجلي، فشاورت صديقا يُقَالُ له جعفر- وهو مشتق من الجوع [١] والفرار- فقال لي: إذا عبرت القنطرة فخذ يسرة- وهو مشتق من اليسر [٢]- وسل عن سكة العباس- وهو مشتق من العبوس- وأسكن في دار أبي قليب- وهو مشتق من الانقلاب- وقد انقلبت بي الدنيا كما ترى! وأعظم ما على يجتمع في هذه السدرة في داري [في] كل يوم عصافير، فيصيحون في وجهي سيق سيق، فأنا في السياق فعاودته من الغد، فإذا هو قد مات [٣] .
توفي ابن الرومي في هذه السنة وقيل: في سنة أربع وثمانين.
١٩٠٣- العباس بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ بن زياد بن عبد الرَّحْمَن [٤] بن شبيب/، أبو الفضل البزاز، ويعرف: بدبيس [٥] .
مروزي الأصل، سمع سريج بن النعمان، وعفان [٦] بن مسلم، وسليمان بن حرب. روى عنه: أبو عمرو بن السماك، وكان ثقة يشهد [٧] عند الحكام.
[أخبرنا القزاز، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، أخبرنا محمد بن عبد الواحد، حدثنا محمد بن العباس قال:] [٨] قرئ على ابن المنادي وأنا أسمع قَالَ: العباس بن مُحَمَّد [أبو الفضل] [٩] المعروف بدبيس أحد الشهود من الجانب الغربي، وكان الغم قد غلب [١٠] على قلبه لحوادث لحقته، فركب ذات يوم فأخذ به الحمار إلى طريق خارج السور، فسقط فثبتت اليسرى من رجليه في الركاب، فإلى أن لحق مشى به الحمار
стр. 4181
مجرورا، فمات على ذلك، وحمل إلى منزله فدفن ليومين خليا [١] من رجب سنة ثلاث وثمانين.
١٩٠٤- مُحَمَّد بن سليمان بن الحارث، [أبو بكر] [٢] الواسطي، المعروف بالباغندي [٣] .
حدث عن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ الأنصاري، وأبي نعيم، وقبيصة، وغيرهم. روى عنه: القاضي المحاملي، وأبو عمرو بن السماك، وأحمد بن سلمان النجاد، وغيرهم، وكان أبو داود السجستاني يسأل الباغندي عن الحديث.
أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن علي [الخطيب] قَالَ: سمعت أبا الفتح بن أبي الفوارس، وسأله أبو مُحَمَّد الخلال عن الباغندي، فقال: ضعيف الحديث. وَقَالَ الدارقطني لا بأس به. قَالَ الخطيب: لا أعلم لأية علة ضعف [٤] ، فإن رواياته كلها مستقيمة، ولا أعلم في حديثه [٥] منكرا، وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة.
١٩٠٥- مُحَمَّد بن غالب بن حرب، أبو جعفر الضبي التمار، المعروف بتمتام [٦] .
ولد سنة ثلاث وتسعين ومائة، وسكن بغداد فحدث [بها] [٧] عن عفان، والقعنبي، وقبيصة في خلق كثير، وكان صدوقا حافظا. قَالَ الدارقطني: هو ثقة مأمون، إلا أنه كان يخطئ، توفي في رمضان هذه السنة. /
١٩٠٦-[يحيى بن المختار بن منصور بن إسماعيل بن زكريا النيسابوري [٨] .
سكن بغداد، وحدث بها عن جماعة، روي عنه: ابن مخلد، وابن المنادي، وكان صدوقا توفي في صفر هذه السنة] .
стр. 4182
ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائتين
فمن الحوادث فيها:
قدوم رسول عمرو بن الليث برأس رافع بن هرثمة في يوم الخميس لأربع بقين من المحرم علي المعتضد، فأمر بنصبه في الجانب الشرقي إلي الظهر، ثم أمر بتحويله إلى الجانب الغربي، ونصبه هناك إلي الليل.
وفي يوم الخميس لأربع عشرة خلت من ربيع الأول: خلع علي أبي عمر مُحَمَّد [١] بن يوسف بن يعقوب، وقلد قضاء مدينة أبي جعفر، مكان علي بن مُحَمَّد بن أبي الشوارب، وقعد للخصوم [٢] في الجامع، ومكثت مدينة المنصور من لدن مات ابن أبي الشوارب، إلي أن وليها أبو عمر بغير قاض، وذلك خمسة [أشهر وأربعة] [٣] أيام.
وفي هذه السنة [٤] : أخذ نصراني فشهد عليه أنه قد شتم النبي صلي الله عليه وسلم، فحبس ثم اجتمع من الغد العوام بسبب النصراني، فصاحوا بالقاسم بن عبيد الله، وطالبوه بإقامة الحد على النصراني [٥] ، فلما كان يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت من الشهر اجتمع أهل باب الطاق، وما يليها من الأسواق، ومضوا إلي دار السلطان، فلقيهم أبو الحسين ابن الوزير، فصاحوا به، فأعلمهم أنه قد أنهى خبره إلي المعتضد، فكذبوه وأسمعوه ما كره،
стр. 4183
ووثبوا بأعوانه حتي هربوا منهم، ومضوا إلى دار [١] المعتضد، فدخلوا من الباب الأول والثاني، فمنعوا فوثبوا علي من منعهم، فخرج إليهم من سألهم عن خبرهم، فأخبروه فكتب به إلى المعتضد، فأدخل إليه جماعة [منهم] [٢] وسألهم عن الخبر، فذكر له، فأرسل إلى يوسف القاضي لينظر في الأمور، فمضي معهم الرسول/ إلي القاضي، فكادوا يقتلونه ويقتلون القاضي من كثرة الزحام، حتي دخل القاضي بابا وأغلق دونهم.
وفي يوم الخميس لثلاث بقين من ربيع الآخر [٣] : ظهرت ظلمة بمصر، وحمرة في السماء شديدة، حتي كان الرجل ينظر إلي وجه الآخر فيراه أحمر، وكذلك الحيطان وغيرها، فمكثوا كذلك من العصر إلى العشاء، وخرج الناس يدعون الله ويتضرعون إليه.
وفي يوم الأربعاء، لثلاث خلون من جمادى الأولى: نودي في [الأرباع] [٤] والأسواق ببغداد بالنهي عن وقود النار ليلة النيروز، وعن صب الماء [في] [٥] يومه، ونودي بمثل ذلك في يوم الخميس، فلما كانت عشية الخميس نودي على باب صاحب الشرطة بالجانب الشرقي بأن أمير [٦] المؤمنين قد أطلق الناس في وقود النيران، وصب الماء، ففعلت العامة في ذلك ما جاوز الحد، حتى صبوا على أصحاب الشرطة، فكان ذلك من أعظم الفتن.
وفي هذه السنة: أولعت العوام بأن يقولوا لمن رأوه من الخدم السود: يا عقعق [٧] ، فبالغوا في أذى الخدم، فتقدم بأخذ جماعة [وضربهم] [٨] .
وفيها [٩] : عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء
стр. 4184
كتاب يقرأ [على الناس بذلك] [١] ، فخوفه عبيد الله بن سليمان اضطراب العامة، وحذره الفتنة، فلم يلتفت إلى قوله، وعملت النسخ، وقرئت بالجانبين في يوم الأربعاء لست بقين [٢] من جمادى الأولى وتقدم إلى العوام بترك العصبية، ومنع القصاص من [٣] القعود في الجامع، [وفي الطرقات] [٤] ، ومنعت الباعة من القعود في رحابها، [ومنع أهل الحلق في الفتيا وغيرهم من القعود في المسجد] [٥] ، ونودي يوم الجمعة بنهي الناس عن الاجتماع على قاص أو غيره، وأنه قد برئت الذمة ممن اجتمع من الناس على/ مناظرة أو جدل، فمن فعل ذلك أحل بنفسه الضرب، وتقدم إلى الذين يسقون الماء في الجامع [٦] أن لا يترحموا [٧] على معاوية، ولا يذكروه، وخرج مكتوب فيه: قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعة من العامة من شبهة قد دخلتهم في أديانهم، وفساد قد لحقهم في معتقدهم، وعصبية قد غلبت عليهم قلدوا [فيها] [٨] قادة الضلال بلا بينة، وخالفوا السنن المتبعة إلى الأهواء المبتدعة، فأعظم أمير المؤمنين ذلك، ورأى ترك إنكاره حرجا عليه في الدين.
وفي شعبان ظهر شخص إنسان في يده سيف في دار المعتضد بالثريا، فمضى إليه بعض الخدم لينظر من هو فضربه الشخص بالسيف ضربة قطع بها منطقته، وبلغ السيف إلى بدن الخادم، وهرب الخادم، ودخل الشخص في زرع في البستان [فتواري فيه] [٩] فطلب فلم يعرف لَهُ خبر، ولم [١٠] يوقف له على أثر، فاستوحش المعتضد من ذلك، ورجم الناس الظنون حتى قالوا: إنه من الجن، ثم عاد الشخص للظهور مرارا كثيرة
стр. 4185
حتى وكل المعتضد بسور داره، وأحكم عمارة السور [وجيء] [١] في يوم السبت لسبع خلون من رمضان بالمعزمين بسبب ذلك الشخص، وجيء معهم بالمجانين وكانوا [قد] [٢] قالوا: نحن نعزم على بعض المجانين، فإذا أسقط سأل الجني [عن خبر ذلك الشخص] [٣] ، فصرعت امرأة، فأمر بصرفهم.
وذكر أبو يوسف القزويني أنه لم يوقف لَهُ على أثر ولا عرفت [٤] حقيقة ذلك إلا في أيام المقتدر، وأن ذلك الشخص كان خادما أبيض يميل إلى بعض الجواري اللواتي في دواخل دور الخدم، وكان قد اتخذ لحي على ألوان/ مختلفة، وكان إذا لبس بعض اللحى لا يشك من رآه أنها لحية [٥] ، فكان يلبس في الوقت الذي يريده لحية منها، ويظهر في ذلك الموضع وفي يده سيف أو غيره من السلاح، فإذا طلب دخل بين الشجر، وفي بعض الممرات والعطفات ونزع اللحية، وجعلها في كمه وبقي معه السلاح، كأنه بعض الخدم الطالبين للشخص، فلا يرتاب به أحد وسأل [٦] : هل رأيتم أحدا؟ وكان إذا وقع مثل هذا خرج الجواري من داخل [٧] الدور، فيرى هو تلك الجارية، ويخاطبها بما يريد، وإنما كان غرضه مخاطبة الجارية، ومشاهدتها وكلامها، ثم خرج من الدار في أيام المقتدر، ومضى إلى طوس، فأقام بها إلى أن مات، وتحدثت الجارية بعد ذلك بحديثه.
وفي هذه السنة: وعد المنجمون الناس بغرق أكثر الأقاليم، وقالوا لا يسلم من إقليم بابل إلا اليسير، وأن ذلك يكون لكثرة الأمطار، وزيادة [المياه في] [٨] الأنهار، وقحط الناس في تلك السنة، ولم يروا من الأمطار إلا اليسير، وغارت المياه في الأنهار
стр. 4186
والآبار، حتى احتاج الناس إلى الاستسقاء، فاستسقوا ببغداد مرارا [١] ، وكذب الله خبر المنجمين.
وحج بالناس فِي هذه السنة مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ بن داود الهاشمي، المعروف بأترجة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٩٠٧- أَحْمَد بن المبارك، أبو عمرو المستملي، الزاهد النيسابوري، ويلقب، بحكمويه العابد [٢] .
سمع قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وسريج بن يونس في خلق كثير، وكان راهب أهل عصره، يصوم النهار، ويحيى الليل، واستملى على المشايخ ستا وخمسين سنة وحدث [٣] .
أَنْبَأَنَا زَاهِرُ بْن طَاهِرٍ [قَالَ:] أَنْبَأَنَا أَبُو بكر البيهقي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عَبْد اللَّهِ الحاكم قَالَ: سمعت الحسن بن علي بن مُحَمَّد القاضي يقول: حضرت مجلس أبي عثمان سعيد بن إسماعيل ودخل أبو عمرو المستملي وعليه أثواب رثة، فبكى أبو عثمان، فلما كان يَوْم [٤] مجلس الذكر بكى أبو عثمان في آخر مجلسه، ثم قَالَ: دخل على شيخ من مشايخ أهل العلم، فاشتغل قلبي برثاثة حاله، ولولا أني أجله عن تسميته في هذا الموضع لسميته، فجعل الناس يرمون بالخواتيم والدراهم والكسوة بين يديه وتجمع بين يديه [٥] ، فقام أبو عمرو المستملي على رءوس الناس، وَقَالَ: أنا الذي ذكرني أبو عثمان [٦] برثاثة الحال، ولولا أني كرهت أن يتهم في غيري فيأثم فيه
стр. 4187
لسترت ما ستر الله على، فتعجب أبو عثمان من إخلاصه، وأخذ جميع [١] ما جمع له، وحمله معه [وخرج نحو الجامع] [٢] فبلغ باب الجامع، وقد وهب الفقراء [كل] [٣] ما جمع له. وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
١٩٠٨-[إبراهيم بن جعفر بن مسعر، أبو إسحاق الكرماني [٤] .
قدم مصر وحدث بها وتوفي في هذه السنة] .
١٩٠٩-[إبراهيم بن عبد العزيز بن صالح، أبو إسحاق الصالحي [٥] .
حدث عن أبي سعيد الأشج وغيره وروى عنه الباغندي في جماعة.
أخبرنا القزاز، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن علي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عبد العزيز قَالَ:
الصالحي من ولد صالح صاحب المصلى، كان يعرف بالطلب والصلاح، كتب الناس عنه، ووثقوه، وكان ينزل درب سليمان بالرصافة [٦] ، مات في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين] .
١٩١٠- إسحاق بن الحسن بن ميمون بن سعد، أبو يعقوب الحربي [٧] .
سمع عفان، وهوذة بن خليفة، والقعنبي، وأبا نعيم في آخرين. روى عنه: ابن صاعد، والنجاد، وأبو بكر [٨] والشافعي، وابن الصواف، وكان أكبر من إبراهيم الحربي بثلاث سنين، ووثقه إبراهيم، والدارقطني، وتوفي لأربع عشرة ليلة بقيت من شوال، ونودي عليه في أكناف مدينة السلام، واجتمع خلق من الناس/ لحضور جنازته، وغلط قوم فقصدوا منزل إبراهيم الحربي، فقال لهم إبراهيم: ليس إلى [٩] هذا الموضع
стр. 4188
قصدتم، وغدا تأتونه أيضا! وعاش إبراهيم الحربي بعده سنة دون [١] شهرين.
١٩١١- إسحاق بن مُحَمَّد، أبو يعقوب مولى بني سدوس [٢] .
ولد بالبصرة سنة أربع وتسعين ومائة، وكان صالحا يتجر في الجوهر.
وتوفي بمصر في ذي الحجة من هذه السنة.
١٩١٢-[عبد الله بن محمد بن يحيى بن المبارك، أبو القاسم العدوي، المعروف بابن اليزيدي [٣] .
سمع مُحَمَّد بن منصور، وعبد الرحمن بن يحيى، والأصمعي، وكان ثقة.
وتوفي فِي محرم هَذِهِ السنة.]
١٩١٣- عبيد الله بْن علي بن الحسن بن إسماعيل، أبو العباس الهاشمي [٤] .
كان الإمام في جامع الرصافة، وإليه الحسبة ببغداد، وحدث عن نصر الجهضمي، روى عنه: أبو الحسن بن المنادي، وتوفي في صفر هذه السنة.
١٩١٤- عبد العزيز بن معاوية بن عَبْد اللَّهِ بن أمية بن خالد [٥] بن عَبْد الرَّحْمَنِ بن سعيد ابن عَبْد الرَّحْمَنِ بن عباد بن أسيد، أبو خالد القرشي الأموي البصري [٦] .
قدم بغداد، وحدث بها عن أزهر السمان، وأبي عاصم النبيل. روى عنه: أبو عمرو بن السماك. توفي في ربيع الآخر من هذه السنة.
١٩١٥- يزيد بن الهيثم بن طهمان، أبو خالد الدقاق، يعرف بالباد [٧] .
كذا يقول المحدثون وصوابه: البادي بكسر الدال لانه ولد هو وأخ له توأمان فكان هو البادي في الولادة. سمع عاصم بن علي، ويحيى بن معين روى عنه: ابن صاعد، وغيره. وكان ثقة. وتوفي في شوال هذه السنة.
стр. 4189
ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائتين
فمن الحوادث فيها:
خروج صالح بن مدرك الطائي [١] على الحاج بالأجفر يوم الأربعاء لاثنتي عشرة [٢] ليلة بقيت من المحرم، فأخذ الأموال والتجارات والنساء والحرائر والمماليك [٣] ، وذكر أنه أخذ من الناس ألفى ألف دينار [٤] .
ولسبع بقين من المحرم قرئ على جماعة من حاج خراسان في دار المعتضد كتاب بتولية [٥] عمرو بن الليث الصفار ما وراء النهر- نهر بلخ- وعزل أَحْمَد بن إسماعيل.
وفي هذه السنة: كتب صاحب البريد [٦] من الكوفة، يذكر أن ريحا صفراء ارتفعت بنواحي الكوفة في ليلة الأحد لعشر بقين من ربيع الأول، فلم تزل إلى وقت المغرب، ثم استحالت سوداء [٧] ، فلم يزل الناس في تضرع إلى الله ، ثم مطرت السماء بعقب ذلك مطرا شديدا برعود هائلة، وبروق متصلة، ومطرت قرية تعرف بأحمدآباذ [٨] .
стр. 4190
حجارة بيضاء وسوداء، مختلفة الألوان، وانفذ منها حجرا، فأخرج إلى الدواوين حتى رأوه، ثم ورد الخبر من البصرة أن ريحا ارتفعت بها [١] بعد صلاة الجمعة لخمس [بقين] [٢] من ربيع الأول صفراء [٣] [ثم استحالت خضراء، ثم سوداء] [٤] ثم تتابعت الأمطار بما لم يروا مثلها [٥] قط، ثم وقع برد [كبار] [٦] ، وزن البردة الواحدة مائة وخمسون درهما، وأن الريح اقتلعت من نهر الحسن [٧] خمسمائة [نخلة] [٨] أو أكثر، ومن نهر معقل مائة نخلة عددا، وزادت دجلة زيادة مفرطة، لم ير مثلها، فتهدمت أبنية كثيرة [٩] حولها، وخيف على الجانبين.
وورد الخبر لثلاث خلون من شعبان أن راغبا الخادم مولى الموفق غزا في البحر، فأظفره الله تعالى بمراكب كثيرة، وبجميع ما فيها [١٠] من الروم، فضرب أعناق ثلاثة آلاف منهم، وأحرق المراكب، وفتح حصونا كثيرة من حصون الروم.
وفي عشر من ذي الحجة [١١] دخل علي بن المعتضد من الري، فتلقاه [١٢] الناس، ودخل إلى/ المعتضد، فقال له: «يا بنى خرجت ولدا ورجعت أخا» ! فقال: «يا أمير المؤمنين أبقاني الله تعالى لخدمتك، ولا أبقاني بعدك» .
فأمر أن يخلع عليه بين يديه [١٣] .
стр. 4191
وفى ذي الحجة [١] خرج المعتضد من بغداد قاصدا إلى [٢] آمد واستخلف ببغداد صالحا الحاجب، وصلى بالناس العيد ابنه علي، وانصرف إلى الدار، فعمل بها سماطا للناس.
وحج بالناس فِي هذه السنة [٣] مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ بن داود الهاشمي.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٩١٦- أحمد بن أصرم بن خزيمة بن عباد بن عَبْد اللَّهِ بن حسان بن عَبْد اللَّهِ بن مغفل، أبو العباس المزني [٤] :
سمع أَحْمَد بن حنبل، ويحيى، وغيرهما. روى عنه أبو بكر النجاد والحزمي وغيرهما [٥] وكان ثقة كبير الشأن [٦] .
توفي [في جمادى الأولى من هذه السنة] [٧] بدمشق.
١٩١٧- إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير بن عَبْد اللَّهِ بن ديسم، أبو إسحاق الحربي [٨] :
أصله من مرو، ولد سنة ثمان وتسعين ومائة، وسمع أبا نعيم [٩] ، وعفان بن
стр. 4192
مسلم، [وعلي بن الجعد] [١] ، وأحمد بن حنبل وخلقا كثيرا. روى عنه: ابن صاعد [٢] ، وابن أبي داود [٣] ، وابن الأنباري [٤] ، وغيرهم.
وكان إماما في العلم، غاية في الزهد [٥] ، عارفا بالفقه، بصيرا بالأحكام، ماهرا في علم الحديث، قيما بالأدب واللغة. وصنف كتبا كثيرة.
وَقَالَ [٦] الدارقطني: إبراهيم الحَرْبيّ إمام مصنف [٧] ، عالم بكل شيء بارع في كل علم، صدوق، كان يقاس بأحمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه.
وَقَالَ إبراهيم الحربي: كان أخوالي نصارى، وأمي تغلبية، وصحبت قوما من الكرخ [٨] على سماع الحديث، فسموني الحربي، لأن عندهم من جاز القنطرة العتيقة [٩] من الحربية.
أخبرنا أبو منصور القزاز قال [١٠] : أخبرنا أحمد بن على بن ثابت، قَالَ: أخبرني الجوهري [١١] / قَالَ: [١٢] أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن العباس الخزاز، قَالَ: سمعت أبا عمر
стр. 4193
اللغوي يقول: سمعت ثعلبا، يقول: ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس نحو أو لغة خمسين سنة.
[أنبأنا القزاز، أَنْبَأَنَا الخطيب، قَالَ: حدثني الأزهري، قَالَ: سمعت أبا سعد عَبْد الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّد] [١] الإستراباذي يقول: سمعت أبا أَحْمَد بن عدي، يقول: سمعت أبا عمران الأشيب، يقول: قَالَ رجل لإبراهيم الحربي: كيف قويت على جمع [٢] هذه الكتب؟ فغضب وقَالَ: بلحمي ودمي، بلحمي [٣] ودمي!! أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر بْن ثابت، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد العزيز بْن علي الوراق، قَالَ: حَدَّثَنَا علي بن عَبْد اللَّهِ بن جهضم، قَالَ: حَدَّثَنَا الخلدي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بن عَبْد اللَّهِ بن خالد بن ماهان، قَالَ: سمعت إبراهيم بن إسحاق يقول: أجمع عقلاء كل أمة أنه من لم يجر مع القدر لم يتهنأ بعيشة، كأن يكون قميصي أنظف قميص، وإزاري أوسخ إزار، ما حدثت نفسي أنهما يستويان قط، وفرد عقبي مقطوع، والآخر صحيح [٤] ، أمشي بهما [٥] وادور بغداد كلها، هذا الجانب، وذاك الجانب [٦] ، لا أحدث نفسي أن أصلحها [٧] . وما شكوت إلى أمي، ولا إلى أختي [٨] ، ولا إلى امرأتي، ولا إلى بناتي قط حمى وجدتها.
[وكان يَقُولُ] [٩] : الرجل [هو] [١٠] الذي يدخل غمه على نفسه ولا يغم عياله.
وكان بي [١١] شقيقة خمسا وأربعين سنة ما أخبرت بها أحدا قط، ولي عشر سنين أبصر
стр. 4194
بفرد عين ما أخبرت بها أحدا [١] قط، [٢] وأفنيت من عمرى ثلاثين سنة برغيفين، إن جاءتني بهما أمي أو أختي أكلت، وإلا بقيت جائعا عطشان إلى الليلة الثانية، وأفنيت ثلاثين سنة من عمري برغيف في اليوم والليلة، إن جاءتني امرأتي أو إحدى بناتي به أكلت [٣] والا بقيت جائعا عطشان إلى الليلة الأخرى، والآن آكل نصف/ رغيف وأربع عشرة تمرة إن كانت برنيا، أو نيفا وعشرين إن كانت دقلا، ومرضت ابنتي فمضت امرأتي [فأقامت] [٤] عندها شهرا، فقام إفطاري في هذا الشهر بدرهم ودانقين ونصف، ودخلت الحمام واشتريت لهم صابونا بدانقين [٥] ، وكانت نفقة رمضان [٦] [كله] [٧] بدرهم وأربعة دوانيق ونصف.
أخبرنا عَبْد الرحمن بن محمد، قال [٨] : أخبرنا أحمد بْنِ عَلِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أبي الفتح، قَالَ: أَخْبَرَنَا عمر بن أَحْمَد بن هارون المقرئ، أن أبا القاسم [بن بكير] [٩] حدثه، قَالَ: سمعت إبراهيم الحربي يقول: ما كنا نعرف من هذه الأطبخة شيئا [١٠] ، كنت أجيء من عشي إلى عشي، وقد هيأت لي أمي باذنجانة مشوية، أو لعقة بن [١١] ، أو باقة فجل.
قال عمر: سمعت أبا على الخراط قَالَ [١٢] : كنت يوما جالسا [١٣] مع إبراهيم
стр. 4195
[الحربي] [١] على باب داره، فلما أن أصبحنا قَالَ لي: يا أبا علي، قم إلى شغلك فإن عندي فجلة قد أكلت البارحة حضرتها أقوم أتغذى بجزرتها.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ مُحَمَّدِ] [٢] الْقَزَّازِ [٣] ، قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قَالَ: أخبرني أبو نصر: أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ القاضي [٤] ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بكر: أَحْمَد بن مُحَمَّد بن إسحاق السني، قَالَ: سمعت أبا عثمان الرازي يقول: جاء رجل من أصحاب المعتضد إلى إبراهيم الحربي بعشرة آلاف درهم من عند المعتضد، يسأله عن أمر أمير المؤمنين [٥] تفرقة ذلك، فرده فانصرف الرسول، ثم عاد فقال [٦] [له] : إن أمير المؤمنين يسألك أن تفرقه في جيرانك، فقال: عافاك الله، هذا مال لم نشغل أنفسنا بجمعه، فلا نشغلها بتفرقته، قل لأمير المؤمنين إن تركتنا والا تحولنا من جوارك.
أخبرنا/ عَبْد الرحمن [بن محمد] [٧] ، قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الأزهري، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن إبراهيم بن الحسن، قَالَ: حدّثنا أحمد بن مروان، قال: أخبرنا [٨] أبو القاسم بن الجبلى، قَالَ: اعتل إبراهيم الحربي علة حتى أشرف على الموت، فدخلت إليه يوما، فقال لي: يا أبا القاسم، أنا في أمر عظيم [٩] مع ابنتي، ثم قَالَ لها: قومى اخرجي إلى عمك، فخرجت فألقت على وجهها خمارها، فقال: إبراهيم هذا عمك فكلميه، فقالت [لِي] [١٠] : يا عم نحن في أمر عظيم، لا في الدنيا ولا في الآخرة، الشهر والدهر ما لنا طعام إلا كسر يابسة وملح، وربما عدمنا
стр. 4196
الملح، وبالأمس [قد] [١] وجه إليه المعتضد مع بدر ألف دينار فلم يأخذها، ووجه إليه فلان وفلان فلم يأخذ منهما شيئا وهو عليل. فالتفت الحربي إليها وتبسم [٢] وَقَالَ: يا بنية إنما خفت الفقر؟ قالت: نعم! قَالَ: انظري إلى تلك الزاوية، فنظرت [٣] فإذا كتب، فقال: هناك اثنا عشر ألف جزء لغة وغريب كتبتها بخطي، إذا مت فوجهي كل يوم بجزء فبيعيه بدرهم، فمن كان عنده اثنا عشر ألف درهم ليس بفقير.
قال مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ الكاتب: كنت يوما عند المبرد فأنشد [٤] :
جسمي معي غير أن الروح عندكم ... فالجسم في غربة والروح في وطن
فليعجب الناس منى أن لي بدنا ... لا روح فيه ولى روح بلا بدن
وأنشد ثعلب [٥] :
غابوا فصار الجسم من بعدهم ... لا تنظر العين [٦] له فيا
بأي وجه أتلقاهم ... إذا رأوني بعدهم حيا؟
يا خجلتي منهم ومن قولهم [٧] ... ما ضرك الفقد لنا شيئا
/ قال: فأتيت [إبراهيم] [٨] الحربي فأنشدته، فقال: ألا أنشدته:
يا حيائي ممن أحب إذا ما ... قَالَ بعد الفراق [٩] أنى حييت
وقال الحسن بن زكريا العدوى: أنشدني إِبْرَاهِيم الحربي:
أنكرت ذلي فأي شيء ... أحسن من ذلة المحب؟
стр. 4197
أليس شوقي وفيض دمعي ... وضعف جسمي شهود حبي؟
أخبرنا القزاز، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن عَلِيّ بْن ثابت [١] ، قَالَ: حدثني عبد الغفار بن عبد الواحد الأرموي، قَالَ: سمعت أبا يعلى الْحَافِظ [٢] ، يقول: سمعت [حمزة] [٣] بن مُحَمَّد العلوي، يقول: سمعت عيسى بن مُحَمَّد الطوماري، يقول:
دخلنا على إبراهيم الحربي- وهو مريض- وقد كان يحمل ماؤه إلى الطبيب وكان يجيء إليه ويعالجه، فجاءت الجارية فردت الماء وقالت: مات الطبيب [٤] ، فبكى وأنشأ يقول:
إذا مات المعالج من سقام ... فيوشك للمعالج أن يموتا
أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي [بن ثابت] [٥] قال: حدثني الحسن بن أبي طالب، قَالَ: حَدَّثَنَا عمر بْن أَحْمَد الواعظ، قَالَ: حَدَّثَنَا على بن الحسن البزاز، قَالَ: سمعت إبراهيم الحربي يقول وقد دخل عليه قوم يعودونه، فقالوا: كيف تجدك؟
فقال: أجدني كما قَالَ الشاعر:
دب في البلاء علوا وسفلا [٦] ... واراني أموت عضوا فعضوا [٧]
ذهبت [٨] جدتي بطاعة نفسي ... فتذكرت طاعة الله نضوا
توفى إبراهيم الحربي يوم الأثنين لتسع [ليال] بقين من ذي [٩] الحجة، ودفن يوم
стр. 4198
الثلاثاء لثمان بقين من ذي الحجة سنة خمس وثمانين/ [ومائتين] وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي في شارع باب الأنبار، وكان الجمع كثيرا جدا ودفن في بيته.
١٩١٨- إسحاق بن المأمون بن إسحاق بن إبراهيم، أبو سهل الطالقاني: [١] .
حدث عن الكوسج [٢] ، والربيع بن سليمان. روى عنه ابن مخلد، وكتب الناس عنه كتاب الشافعي بروايته عن الربيع، ومن الحديث شيئا صالحا.
وتوفي في جمادي الأولى من هذه السنة.
١٩١٩- بدر بن عَبْد اللَّهِ، أبو الحسن الجصاص [٣] الرومي:
حدث عن عاصم بن على، وخليفة بن خياط. روى عنه الخطبي، والنقاش.
وتوفي في محرم هذه السنة.
١٩٢٠- زكريا بن يحيى بن عبد الملك بن مروان، أبو يحيى [٤] الناقد:
سمع خالد بن خداش، وأحمد بن حنبل، وغيرهما. روى عنه أبو الخلال، ومحمد بن مخلد، وأبو سهل بن زياد، وغيرهم.
وكان أحد العباد المجتهدين، ومن أثبات المحدثين. قَالَ فيه أَحْمَد بن حنبل:
هذا رجل صالح. وَقَالَ الدارقطني: هو فاضل ثقة.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ علي بْن ثابت، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو نصر إِبْرَاهِيم بن هبة الله الجرباذقاني [٥] ، قَالَ: حَدَّثَنَا معمر بن أَحْمَد بن مُحَمَّد بن زياد الأصبهاني، قَالَ: قَالَ أبو زرعة الطبري: قَالَ أبو يحيى الناقد: اشتريت من الله تعالى حوراء بأربعة آلاف ختمة، فلما كان آخر ختمة سمعت الخطاب من الحوراء وهي
стр. 4199
تقول: وفيت بعهدك فها أنا التي [قد] اشتريتني [١] ! فيقال: إنه مات.
توفي أبو يحيى الناقد ليلة الجمعة، [ودفن يوم الجمعة] [٢] لثمان بقين من ربيع الآخر من هذه السنة.
١٩٢١- سعيد بن محمد بن سعيد، أبو عثمان الأنجداني [٣] :
سمع أبا عمر الحوضي روى عنه أبو بكر الشافعي، وكان صدوقا.
توفي فِي/ شوال هَذِهِ السنة.
١٩٢٢- عَبْد اللَّهِ بن أَحْمَد بن سوادة أبو طالب مولى [٤] بني هاشم:
حدث عن مجاهد بن موسى، وطالوت في جماعة. روى عنه أبو بكر بن مجاهد، وابن مخلد [٥] ، وابن عقدة [٦] ، وكان صدوقا.
وتوفي في هذه السنة بطرسوس.
١٩٢٣- عبيد اللَّه بن عبد الواحد بن شريك أبو مُحَمَّد البزار [٧] :
حدث عن آدم بن أبي إياس، ونعيم بن حماد. روى عنه النجاد [٨] ، والمحاملي، وقال الدارقطنيّ: هو صدوق.
стр. 4200
وتوفي في رجب هذه السنة، ودفن عند قبر أَحْمَد [١] .
١٩٢٤- مُحَمَّد بن بشر بن مطر، أبو بكر الوراق، أخو خطاب بن بشر المذكر [٢] :
سمع عاصم بن على، ومحمد بن عَبْد اللَّهِ بن نمير، ويحيى بن يوسف الزمي، وغيرهم. [روى عنه ابن صاعد، وأبو جعفر بن بريه [٣] ، وأبو بكر الشافعي، وغيرهم.
و] [٤] قال إبراهيم الحربي: أخو خطاب صدوق لا يكذب، وَقَالَ الدارقطني: ثقة.
وتوفي في رمضان هذه السنة.
١٩٢٥- مُحَمَّد بن حماد بن ماهان بن زياد، أبو جعفر [٥] الدباغ:
سمع على بن المديني، وغيره. وكان ثقة.
وتوفي في جمادى الآخرة [٦] من هذه السنة [٧] .
١٩٢٦- مُحَمَّد بن يزيد بن عبد الأكبر، أبو العباس الأزدي [٨] الثمالي- وثمالة قبيلة من الأزد- المعروف [٩] بالمبرد .
стр. 4201
[له المعرفة التامة باللغة، وكان في نحو البصريين آية] [١] ولد سنة عشر ومائتين، وقيل: سنة ست ومائتين [٢] وذكر ابن المرزبان أنه سئل: لم سميت المبرد؟ فقال: كان سبب ذلك أن صاحب الشرطة طلبني للمنادمة فكرهت الذهاب إليه، فدخلت على أَبِي حاتم السجستاني، فجاء رسول صاحب الشرطة [٣] يطلبني [٤] ، فقال لي أبو حاتم:
ادخل [في هذا] [٥] يعنى غلاف المزملة فارغ، فدخلت فيه وغطى رأسه ثم خرج إلى الرسول، فقال أبو حاتم للرسول: ليس هو عندي، فقال: أخبرت أنه دخل إليك، فقال:
فأدخل الدار ففتشها. فدخل فطاف كل موضع من الدار ولم يفطن بغلاف المزملة، ثم خرج فجعل أبو حاتم/ يصفق بيديه وينادي على المزملة: المبرد المبرد، وتسامع الناس ذلك فلهجوا به. وللمبرد المعرفة التامة باللغة، وهو أوحد في نحو البصريين.
و [٦] روى عن المازني، وأبى حاتم، وغيرهما. وكان موثوقا به في الرواية، وكان بينه وبين ثعلب مفارقة [٧] .
أخبرنا عَبْد الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّد، قَالَ: أخبرنا أَحْمَد بْن عَلِيّ الخطيب [٨] ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا الجوهري، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن العباس، قَالَ: أنشدنا مُحَمَّد بن المرزبان لبعض أصحاب المبرد يمدحه:
بنفسي أنت يا ابن يزيد من ذا ... يساوى ثعلبا بك غير قين [٩]
إذا مازتكما العلماء يوما ... رأت شأويكما متفاوتين [١٠]
стр. 4202
تفسر كل معضلة [١] بحذق ... ويستر [٢] كل واضحة بعين
كأن الشمس ما تمليه شرحا ... وما يمليه همزة بين بين
توفى المبرد في هذه السنة.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد العتيقي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الحسين بن عمر التميمي [٣] ، قَالَ: أنشدنا أَحْمَد بن مروان المالكي، قَالَ: أنشدني بعض أصحابنا لثعلب بن المبرد حين مات:
مات المبرد وانقضت أيامه ... وسينقضي [٤] بعد المبرد ثعلب
بيت من الآداب أصبح نصفه ... خربا وباقي نصفه فسيخرب [٥]
قَالَ المصنف [٦] : هذا [قدر] ما روى لنا من هذه الطريق، وأنها لثعلب، وقد روى لنا من طريق آخر أنها للحسين بن علي المعروف بابن العلاف، قالها يرثي المبرد [ويمدح ثعلبا، وهي] [٧] :
مات المبرد وانقضت أيامه ... وليذهبن مع المبرد ثعلب
بيت من الآداب أصبح نصفه ... خربا وباقى بيته فسيخرب
فابكوا لما سلب الزمان ووطنوا ... للدهر أنفسكم على ما يسلب
غاب المبرد حيث لا ترجونه ... أبدا ومن ترجونه فمغيب/
شملتكم أيدي الردى بمصيبة ... وتوعّدت بمصيبة تترقب [٨]
стр. 4203
فتزودوا من ثعلب فبكاس ما ... شرب المبرد عن قليل يشرب
وأرى لكم أن تكتبوا [١] أنفاسه ... إن كانت الأنفاس [٢] مما يكتب
فليلحقن بمن مضى متخلف ... من بعده وليذهبن ونذهب [٣]
قال المبرد: خرجت ومعي أصحاب لي نحو الرقة، فإذا نحن بدير كبير، فأقبل إلي بعض أصحابي [فقال] : مل بنا إلى هذا الدير لننظر من فيه، ونحمد الله على ما رزقنا من السلامة، فلما دخلنا الدير رأينا مجانين مغللين [٤] ، [وهم] في نهاية القذارة وإذا بينهم شاب [عليه بقية ثياب] [٥] ناعمة، فلما بصر بنا قَالَ: من أين أنتم يا فتيان حياكم الله؟ فقلنا: من العراق، فقال: يا بأبي العراق وأهلها! باللَّه أنشدوني- أو أنشدكم- فقال المبرد: والله إن الشعر من هذا لظريف، فقلنا: أنشدنا، فأنشأ يقول:
الله يعلم أنني كمد ... لا استطيع أبث ما أجد
روحان لي روح تضمنها ... بلد [٦] وأخرى حازها بلد
وأرى المقيمة ليس ينفعها ... صبر ولا يقوى لها جلد
وأظن غائبتي كشاهدتي ... بمكانها تجد الذي أجد
قَالَ المبرد [والله] إن هذا لظريف، باللَّه زدنا، فأنشأ يقول:
لما أناخوا قبيل الصبح عيرهم ... ورحلوها فثارت بالهوى الابل
وأبرزت من خلال السجف ناظرها ... ترنو إلى ودمع العين منهمل [٧]
وودعت ببنان عقدها عنم ... ناديت لا حملت رجلاك يا جمل
ويلي من البين ماذا حل بي وبهم ... من نازل البين حان البين وارتحلوا [٨]
стр. 4204
يا راحل العيس عجل كي أودعهم ... يا راحل العيس في ترحالك الأجل
إنى على العهد لم أنقض مودتهم [١] ... فليت شعري لطول [٢] العهد ما فعلوا
[قَالَ المبرد] [٣] فقال رجل من البغضاء الذين معى: ماتوا! قَالَ: إذن فأموت؟
فقال له: إن شئت [فمت] [٤] فتمطى واستند إلى السارية التي كان مشدودا فيها [ومات] [٥] ، فما برحنا حتى دفناه.
[وتوفي المبرد في هذه السنة] [٦] .
١٩٢٧- الوليد بن عبيد بن يحيى، أبو عبادة الطائي، البحتري [٧] :
من أهل منبج، بها ولد سنة ست ومائتين [٨] ، وبها نشأ وتأدب، وخرج إلى العراق فمدح المتوكل وخلقا من الرؤساء والأكابر، وأقام ببغداد زمانا طويلا، ثم رجع إلى بلده فمات به، وكان فصيحا نقي الكلام، وقد روى عنه [من] [٩] شعره المبرد [١٠] ، وابن المرزبان [١١] ، وابن درستويه [١٢] ، وكان [ينحو نحو أبى تمام] [١٣] ويقول أبو تمام الأستاذ، وقيل له: إن الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمَام، [فقال] والله ما ينفعني
стр. 4205
هذا ولا يضر أبا تمَام] [١] والله مَا أكلت الخبز إلا به.
ولما سمع أبو تمام شعره، قَالَ: نعيت إلى نفسي [٢] ، فإنه ليس يطول عمري وقد نشأ لطيّئ مثلك [٣] فمات [أبو تمام] [٤] بعد سنة، وكان شعر البحتري في المديح أجود من المراثي، فسئل عن سبب ذلك، فقال: كنا نقول للرجاء ونحن الآن نعمل للوفاء، وبينهما بعد.
أخبرنا أبو منصور القزاز [٥] ، قال: أخبرنا أحمد بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو يعلى: أَحْمَد بن عبد الواحد الوكيل، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو الحسن مُحَمَّد بن جعفر التميمي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر الصولي، عن ابن البحتري، قَالَ: دخل أبي على بعض العمال قد ذكره في حبس المتوكل [وهو] [٦] يطالب بما [٧] لا يقدر عليه من الأموال فأنشأ يقول:
جعلت فداك الدهر ليس بمنفك ... من الحادث المشكو والنازل المشكي
وما هذه الأيام إلا منازل ... فمن منزل رحب ومن منزل ضنك
وقد هذبتك الحادثات وإنما ... صفا الذهب الإبريز قبلك [٨] [بالسبك] [٩]
أما في نبي الله يوسف أسوة ... لمثلك مسجونا على الزور والإفك
أقام جميل الصبر في السجن برهة ... فأسلمه الصبر الجميل إلى الملك