وَقَالَ: يا غلام! الضيافة ثلاثة أيام، وما كَانَ فوق ذلك فهو صدقة منك [عَلي] [١] ، وتوفي ابن مسروق في صفر هذه السنة، وقد قيل [٢] سنة تسع وتسعين.
٢٠٥٢- أَحْمَد بْن يحيى بْن إسحاق، أَبُو الحسين الريوندي الملحد الزنديق [٣] :
[قَالَ المؤلف] [٤] : وإنما ذكرته ليعرف قدر كفره، فإنه معتمد الملاحدة والزنادقة، ويذكر أن أباه كَانَ يهوديا، وأسلم هو، فكان بعض اليهود يقول للمسلمين: لا يفسدن عليكم هذا كتابكم كما أفسد أبوه علينا التوراة، فعلم أَبُو الحسين [٥] اليهود وَقَالَ: قولوا عن موسى أنه قَالَ لا نبي بعدي.
وأنبأنا مُحَمَّد بْن أبي طاهر البزاز، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِي بْن المحسن التنوخي، عن أبيه، قَالَ: كَانَ الريوندي يلازم الرافضة [٦] وأهل الإلحاد، فإذا عوتب قَالَ: إنما أريد أن اعرف مذاهبهم ثم كاشف وناظر.
قَالَ المصنف [٧] : وقد كنت أسمع عنه بالعظائم حتى رأيت ما لم يخطر مثله على قلب أن يقوله عاقل [٨] ، ووقعت على كتبه [٩] فمنها: كتاب «نعت الحكمة» ، وكتاب «قضيب الذهب» ، وكتاب «الزمرد» [وكتاب «التاج» ، وكتاب «الدامغ» ، وكتاب «الفريد» ، وكتاب «إمامة المفضول» .
وقد نقض عليه هذه الكتب جماعة فأما كتاب نعت الحكمة، وكتاب قضيب
стр. 4342
الذهب، وكتاب التاج، وكتاب الزمرد] [١] والدامغ فنقضها عليه أَبُو [عَلي] [٢] مُحَمَّد بْن عبد الوهاب الجبائي، وقد نقض [عليه أيضا] [٣] كتاب الزمرد أَبُو الحسين عبد الرحيم بْن مُحَمَّد الخياط، ونقض عليه أيضا كتاب إمامة المفضول.
وقد كَانَ ابن الريوندي، وأبو عيسى مُحَمَّد بْن هارون الوراق الملحد أيضا يتراميان بكتاب الزمرد، ويدعي كل واحد منهما على الآخر أنه تصنيفه، وكانا يتوافقان على الطعن في القرآن، وأما كتاب الفريد فنقضه عليه أَبُو هاشم عبد السلام بْن عَلي الجبائي.
[قَالَ المؤلف] [٤] : ورأيت بخط أبي الوفاء ابن عقيل، قَالَ: كَانَ الخبيث ابن الريوندي قد سمى كتابه الذي اعترض به على الشريعة الإسلامية المعصومة على اعتراض مثله من الملحدين كتاب الزمرد، فأخذ أبو علي الجبائي يعيبه في تسميته بالزمرد، ويذهب إلى أنه أخطأ وجهل في تلقيب العلم بالجواهر، وأن أهل العلم [٥] لا يعيرون العلوم أسماء ما دونها والجواهر ناقصة بالإضافة إلى العلوم [٦] ، فأزرى عليه بذلك ظنا منه أنه قصد تلقيبه بالزمرد إعارة له اسم النفيس من الجواهر.
[قَالَ ابن عقيل] [٧] : فوجدنا في بعض كلامه من كتاب آخر [ما] [٨] أبان به عن غير ذلك مما هو أخبث مما ظنه أَبُو عَلي، فَقَالَ: إن [للزمرد خاصة هي أنه إذا رآه الأفعى وسائر الحيات عميت قَالَ: فكان قصدي أن الشبهة [٩] التي أودعتها الكتاب تعمي حجج المحتجين! فاعتقد ما أورده عاملا في] [١٠] حجج الشرع حسب ما أثر الزمرد في حدق
стр. 4343
الحيات، فانظروا إلى استقصائه في الازدراء بالشرائع. قَالَ ابن عقيل: وعجبي كيف عاش وقد صنف الدامغ، يزعم أنه قد دمغ [١] به القرآن، والزمرد يزري به على النبوات، ثم لا يقتل! وكم قد قتل لص في غير نصاب ولا هتك حرز، وإنما سلم مدة وعاش، لأن الإيمان ما صفا في قلوب أكثر الخلق بل في القلوب شكوك وشبهات، وإلا فلما صدق إيمان بعض الصحابة قتل أباه.
ومن بلهه تتبعه للقرآن وقد مر على مسامع سادات العرب، فدهش الكل منه وعجز الفصحاء عنه، فطمع هو من جهله باللغة [٢] أن يستدرك عليهم، فأبان عن فضيحته.
قَالَ المصنف [٣] : وقد، نظرت في كتاب الزمرد فرأيت فيه من الهذيان البارد الذي لا يتعلق بشبهه، حتى أنه لعنه اللَّه قَالَ فيه: «نجد في كلام [٤] أكثم بْن صيفي أحسن من إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ١٠٨: ١ [٥] في نظائر لهذا.
قَالَ المصنف، وفيه أن الأنبياء وقعوا بطلسمات، كما أن المغناطيس يجذب، وهذا كلام ينبغي أن يستحيا من ذكره، فإن العقاقير قد عرفت أمورها وجربت، فكيف وقع هؤلاء الأنبياء بما خفي عمن كَانَ أنظر منهم؟ ثم إن المغناطيس يجذب ولا يرد، ونبينا ﷺ دعا شجرة وردها.
وقال: قوله لعمار: «تقتلك الفئة الباغية [٦] ، فإن المنجم يقول مثل هذا [٧] فقيل
стр. 4344
له: إنما يعرف مثل هذا المنجم إذا عرف المولد، وأخذ الطالع، ثم قد لا يصيب وقد أخبرنا نبينا ﵊ بخبر غيب، فكان كما قَالَ: ثم أخذ لعنه الله يعيب القرآن ويدعي أن فيه لحنا، واستدرك ذاك الخلف بزعمه [١] على الأعادي الفصحاء الذين سلموا لفصاحته.
قَالَ أَبُو عَلي الجبائي: قرأت كتاب الملحد الجاهل السفيه ابن الريوندي، فلم أجد فيه إلا السفه والكذب والافتراء، قَالَ: وقد وضع كتابا في قدم العالم [٢] ، ونفي الصانع، وتصحيح مذهب الدهرية، وفى الرد على مذهب أهل التوحيد، ووضع كتابا في الطعن على محمد ﷺ وسماه الزمرد، وشتم رسول الله ﷺ في سبعة عشر موضعا في كتابه [٣] ، ونسبه إلى الكذب، وطعن في القرآن، ووضع كتابا لليهود والنصارى على المسلمين يحتج لهم فيه في إبطال نبوة النبي ﷺ إلى غير ذلك من الكتب التي تبين خروجه عن الإسلام.
وَقَالَ أَبُو هاشم بْن أبي عَلي الجبائي [٤] : ابتدأ ابن الريوندي لعنه اللَّه كلامه في كتاب الفريد، فَقَالَ: إن المسلمين احتجوا لنبوة نبيهم بالكتاب الذي أتى به وتحدى به، فلم يقدروا على معارضته [٥] ، قَالَ: فيقال لهم: غلطتم وغلبت العصبية على قلوبكم أخبرونا لو ادعى مدع [لمن تقدم] [٦] من الفلاسفة مثل دعواكم في القرآن، وَقَالَ: الدليل على [صدق] [٧] بطليموس وإقليدس فيما ادعيا أن صاحب إقليدس جاء به فادعى أن الخلق يعجزون عنه لكان ثبتت نبوته.
قلنا: قد يكون في زمن إقليدس من هو أعرف منه، وإنما شاع كتابه بعده، ولو
стр. 4345
اجتمع أرباب علمه لجمعوا مثله، ثم لو كَانَ نبينا بكتابه لم يقدح ذلك في دلالة نبينا ﷺ [١] .
وذكر في كتاب نعت الحكمة تقبيح اعتقاد من يعتقد أن أهل النار يخلدون، وَقَالَ:
لا نفع لهم في ذلك [٢] ولا للخالق، والحكيم لا يفعل شيئا لا نفع فيه، وهذا جهل منه لأنه يريد بهذا تعليل أفعال الخالق سبحانه وأفعاله لا تعلل، لأن حكمته فوق العقل المعلل، ثم يلزمه هذا بتعذيبهم ساعة.
قَالَ أَبُو عَلي الجبائي: كَانَ السلطان قد طلب أبا عيسى الوراق وابن الريوندي، فأما الوراق فأخذ، وحبس ومات في السجن، وأما ابن الريوندي فانه هرب إلى ابن لاوي اليهودي، ووضع له كتاب «الدامغ» في الطعن على محمد ﷺ وعلى القرآن، ثم لم يلبث إلا أياما يسيرة حتى مرض ومات.
قال المصنف [٣] : وقد ذكر في كتاب «الدامغ» من الكفر أشياء تقشعر منها الجلود، غير أنى آثرت أن أذكر منها طرفا ليعرف مكان [٤] هذا الملحد من الكفر، ويستعاذ باللَّه سبحانه من الخذلان! فمن ذلك أنه قَالَ عن الخالق تعالى عن ذلك: من ليس عنده من الدواء إلا القتل فعل العدو الحنق الغضوب، فما حاجته إلى كتاب ورسول [٥] ؟ وهذا قول جاهل باللَّه سبحانه لأنه لا يوصف بالحنق ولا بالحاجة وما عاقب حتى أنذر.
وقال لعنه الله ووجدناه يزعم أنه يعلم الغيب، فيقول: وَما تَسْقُطُ من وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ٦: ٥٩ [٦] ثم يقول: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ ٢: ١٤٣ [٧] . / وهذا جهل
стр. 4346
منه بالتفسير ولغة العرب، وإنما المعنى ليظهر ما علمناه، ومثله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ ٤٧: ٣١ [١] أي نعلم ذلك واقعا.
وَقَالَ بعض العلماء: حتى يعلم أنبياؤنا والمؤمنون [به] [٢] . وَقَالَ في قوله: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً ٤: ٧٦ [٣] أي أضعف له، وقد أخرج آدم وأزل خلقا! وهذا تغفل منه، لأن كيد إبليس تسويل بلا حجة والحجج ترده، ولهذا كَانَ ضعيفا، فلما مالت الطباع إليه آثر وفعل.
وَقَالَ: من لم يقم بحساب ستة تكلم بها في الجملة فلما صار إلى التفاريق وجدناه قد غلط فيها [باثنين] [٤] وهو قوله: خَلَقَ الْأَرْضَ في يَوْمَيْنِ ٤١: ٩ [٥] ، ثم قَالَ: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ٤١: ١٠ [٦] ثم قال: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ ٤١: ١٢ [٧] ، فعدها هذا المغفل ثمانية ولو نظر في أقوال العلماء لعلم أن المعنى في تتمة أربعة أيام.
وَقَالَ: في قوله: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ٢٠: ١١٨ [٨] وقد جاع وعري! وهذا المغفل الملعون ما فهم أن الأمر مشروط بالوفاء بما عوهد عليه من قوله: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا من الظَّالِمِينَ ٢: ٣٥ [٩] .
وَقَالَ في قوله: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [أَنْ يَفْقَهُوهُ] ٦: ٢٥ [١٠] ثم قال: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو ١٨: ٥٨
стр. 4347
الرَّحْمَةِ ١٨: ٥٨ [١] فأعظم الخطوب ذكره الرحمة مضموما إلى [٢] إهلاكهم! وهذا الأبله الملعون ما علم أنه لما وصف نفسه بالمعاقبة للمذنبين فانزعجت القلوب [٣] ضم إلى ذلك ذكر الرحمة بالحلم عن العصاة والإمهال والمسامحة في أكثر الكسب.
قَالَ: [ونراه] [٤] يفتخر بالمكر والخداع! وهذا المسكين الملعون قد نسب المعنى إلى الافتخار! ولا يفهم [٥] أن معنى مكره جزاء الماكرين.
قَالَ الملعون: ومن الكذب قوله: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ٧: ١١ [٦] وهذا كَانَ قبل تصوير آدم! وهذا الأحمق الملعون [لو طالع أقوال العلماء وفهم سعة اللغة علم أن المعنى خلقنا آدم وصورناه كقوله: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ ٦٩: ١١ [٧] .
وقال:] [٨] ضمن فاحش ظلمه قوله: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ٤: ٥٦ [٩] فعذب جلودا لم تعصه! وهذا الأحمق الملعون لا يفهم أن الجلد ألة للتعذيب، فهو كالحطب يحرق لإنضاج غيره، ولا يقال إنه معذب، وقد قَالَ العلماء: إن الجلود الثانية هي الأولى أعيدت كما يعاد الميت [١٠] بعد البلى.
قال: وقوله: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ٥: ١٠١ [١١] وإنما يكره [١٢] السؤال
стр. 4348
رديء السلعة لئلا تقع عليه عين التاجر فيفتضح، فانظروا إلى عامية هذا الأحمق الملعون وجهله، أتراه قَالَ: لا تسألوا عن الدليل على صحة قولي؟ إنما كانوا يسألون فيقول قائلهم: من أبى؟ فقال: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ ٥: ١٠١ يعنى من هذا الجنس، فربما قيل للرجل أبوك فلان وهو غير أبيه الّذي يعرف فيفتضح.
قَالَ: ولما وصف الجنة، قَالَ: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ٤٧: ١٥ [١] وهو الحليب، ولا يكاد يشتهيه إلا الجياع [٢] ، وذكر العسل ولا يطلب صرفا، والزنجبيل وليس من لذيذ الأشربة، والسندس يفرش ولا يلبس [٣] ، وكذلك الاستبرق الغليظ، قَالَ: ومن تخايل أنه في الجنة يلبس هذا الغليظ ويشرب الحليب والزنجبيل صار كعروس الأكراد والنبط، فانظروا إلى لعب هذا الملعون المستهزئ وجهله! ومعلوم أن الخطاب إنما هو للعرب وهم يؤثرون ما وصف، كما قَالَ: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ٥٦: ٢٨- ٢٩ [٤] ، ثم إنما وصف [٥] أصول الأشياء المتلذذ [بها، فالقدرة] [٦] قد تكون [٧] من اللبن أشياء كالمطبوخات وغيرها ومن العسل [أشياء] [٨] يتحلى بها، ثم قَالَ : وَفِيها مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ [وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ] [٩] ٤٣: ٧١ وَقَالَ: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر [١٠] فوصف ما يعرف
стр. 4349
ويشتهى وضمن ما لا يعرف، وَقَالَ: إنما أهلك ثمودا لأجل ناقة، وما قدر ناقة؟ وهذا جهل منه الملعون [فإنه] [١] إنما أهلكهم لعنادهم وكفرهم في مقابلة المعجزة، لا لإهلاك ناقة.
قَالَ: وَقَالَ: يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا من رَحْمَةِ الله ٣٩: ٥٣ [٢] ، ثم قَالَ: لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ٤٠: ٢٨ [٣] . ولو فهم أن الإسراف الأول في الخطايا دون الشرك، والثاني في الشرك، وما يتعلق بكل آية يكشف معناها. قَالَ: ووجدناه يفتخر بالفتنة التي ألقاها بينهم كقوله: وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ٦: ٥٣ [٤] وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ من قَبْلِهِمْ ٢٩: ٣ [٥] ، ثم أوجب للذين فتنوا المؤمنين عذاب الأبد! وهذا الجاهل الملعون لا يدري أن الفتنة [كلمة] [٦] يختلف معناها في القرآن، فالفتنة معناها: الابتلاء،. كالآية الأولى، والفتنة الإحراق كقوله: فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ ٨٥: ١٠ [٧] .
وقال: وقوله: وَلَهُ أَسْلَمَ من في السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ٣: ٨٣ [٨] خبر محال، لأنه ليس كل الناس مسلمين، وكذلك قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ١٧: ٤٤ [٩] وقوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وَما في الْأَرْضِ ١٦: ٤٩ [١٠] ، ولو أن هذا الزنديق الملعون طالع التفسير
стр. 4350
وكلام العرب لما قَالَ هذا، إنما يتكلم بعاميته وحمقه [١] ، وإنما المعنى وله [أسلم] [٢] استسلم والكل منقاد لما قضى به وكل ذليل لأمره، وهو معنى السجود، ثم قد تطلق العرب لفظ الكل وتريد البعض كقوله: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ٤٦: ٢٥ [٣] .
[وقد] [٤] ذكر الملعون أشياء من هذا الجنس مزجها بسوء الأدب، [٥] والانبساط القبيح، والذكر للخالق بما لا يصلح أن يذكر به أحد العوام، وما سمعنا أن أحدا عاب الخالق وانبسط كانبساط هذا اللعين قبله ويلومه لو جحد الخالق كَانَ أصلح له من أن يثبت وجوده، [ثم يخاصمه] [٦] ويعيبه وليس له في شيء مما قاله شبهة، فضلا عن حجة فتذكر ويجاب عنها، وإنما هو خذلان فضحه الله تعالى به في الدنيا، والله تعالى يقابله يوم القيامة مقابلة تزيد على مقابلة إبليس، وإن خالف، لكنه احترم في الخطاب كقوله: فَبِعِزَّتِكَ ٣٨: ٨٢ [٧] ولم يواجه بسوء أدب كما واجه هذا اللعين، جمع الله بينهما، وزاد هذا من العذاب.
وقد حكينا عن الجبائي ان ابن الريوندي مرض ومات، ورأيت بخط ابن عقيل أنه صلبه بعض السلاطين [والله اعلم] [٨] . وَقَالَ ابن عقيل: ووجدت في تعليق محقق [٩] من أهل العلم: أن ابن الريوندي مات وهو ابن ست وثلاثين سنة [١٠] ، مع ما انتهى إليه من التوغل في المخازي لعنه الله وشدد عذابه [١١] .
стр. 4351
٢٠٥٣- الجنيد بْن مُحَمَّد بْن الجنيد، أَبُو الْقَاسِم الخزاز، ويقال: القواريري [١] :
قِيلَ كَانَ أبوه قواريريا وكان هو خزازا، وأصله من نهاوند إلا أن مولده [٢] ومنشأه ببغداد، سمع الحسن بْن عرفة، وتفقه على أبي ثور، وَكَانَ يفتي بحضرته وهو ابن عشرين سنة، وصحب جماعة من أهل الخير [٣] ، واشتهر بصحبة الحارث المحاسبي، وسرى السقطي، ولازم التعبد، وتكلم على طريقة التصوف.
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا [أبو بكر] [٤] أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أحمد بْن عَلي المحتسب، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسن بْن الحسين الفقيه [٥] ، قَالَ: سمعت جعفر الخلدي يقول: قَالَ الجنيد: ما أخرج الله إلى الأرض علما وجعل للخلق إليه سبيلا إلا وقد جعل [الله] [٦] لي فيه حظا ونصيبا، قَالَ الخلدي [٧] : وبلغني عن الجنيد أنه كَانَ في سوقه، وكان ورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة وثلاثين ألف تسبيحة.
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: [أَخْبَرَنِي أَبُو الحَسَن مُحَمَّد بْن عبد الواحد، قَالَ: أخبرني مُحَمَّد بْن الحسين
стр. 4352
السلمي، قَالَ: سمعت أبا بكر البجلي يقول: سمعت أبا مُحَمَّد الحريري، يقول: كنت واقفا على رأس الجنيد وقت وفاته وهو يقرأ القرآن، فقلت: يا أبا الْقَاسِم ارفق بنفسك، فَقَالَ: يا أبا مُحَمَّد ما رأيت أحدا أحوج إليه مني في هذا الوقت وهو يطوي صحيفتي.
قال الخطيب و] [١] أخبرني عبد العزيز بن على الوراق/ قال: سمعت عَلي بْن عبد الله الهمذاني يقول: سمعت جعفر الخلدي، يقول: سمعت الجنيد يقول: ما نزعت ثوبي للفراش منذ أربعين سنة.
أنبأنا القزاز، قَالَ: أنبأنا أَبُو بكر أَحْمَد بْن عَلي بْن ثَابِت، قَالَ [٢] ، وأخبرني الجوهري، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن العباس، أَخْبَرَنَا ابن المنادي، قَالَ: مات الجنيد سنة ثمان وتسعين، فذكر لي أنه حزر الجمع الذين صلوا عليه نحو ستين ألفا.
٢٠٥٤- الحسن بْن عَلي بْن مُحَمَّد بْن سليمان، أَبُو مُحَمَّد القطان- ويعرف بابن علويه [٣] :
ولد في شوال سنة خمس ومائتين، سمع عاصم بْن عَلي وغيره، روى عنه النجاد، والخطبي [٤] ، وَكَانَ ثقة، وتوفي في شهر ربيع [٥] الآخر من هذه السنة.
٢٠٥٥- سعيد بن إسماعيل بْن سعيد بْن منصور، أَبُو عثمان الواعظ [٦] الحيري:
ولد بالري ونشأ بها، ثم انتقل إلى نيسابور فسكنها إلى أن توفي بها في ربيع الآخر من هذه السنة، سمع الحديث بالري من مُحَمَّد بن مقاتل، وموسى بن نصر، وبالعراق
стр. 4353
من مُحَمَّد بْن إسماعيل الأحمسي [١] ، وحميد بْن الربيع اللخمي [٢] وغيرهما، ودخل بغداد، ويقال: إنه كَانَ مستجاب الدعوة.
أَخْبَرَنَا [أَبُو منصور] [٣] القزاز، قال: أخبرنا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ:
أخبرني مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن نعيم الضبي، قَالَ: سمعت أمي تقول: سمعت مريم امرأة أبي عثمان، تقول: صادفت من أبي عثمان [٤] خلوة فاغتنمتها، فقلت: يا أبا عثمان، أي عملك أرجى عندك؟ فَقَالَ: يا مريم لما ترعرعت وأنا بالري، كانوا يريدونني على الترويج [٥] فأمتنع، جاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان قد أحببتك حبا أذهب نومي ورقادي [٦] ، وأنا أسألك بمقلب القلوب، وأتوسل به إليك أن تتزوج بي، قلت: ألك والد؟ قالت: نعم فلان الخياط في موضع كذا وكذا، فراسلت أباها أن يزوجها مني، ففرح بذلك، وأحضرت الشهود فتزوجت بها، فلما دخلت بها وجدتها عوراء عرجاء مشوهة [الخلق] [٧] فقلت: اللَّهمّ لك الحمد على ما قدرته لي، وَكَانَ أهل بيتي يلومونني على ذلك، فأزيدها برا وإكراما إلى أن صارت بحيث لا تدعني أخرج من عندها، فتركت حضور المجالس إيثارا لرضاها وحفظا لقلبها ثم بقيت معها على هذه الحال خمس عشرة سنة، وكأني في بعض أوقاتي على الجمر [٨] ، وأنا لا أبدي لها شيئا من ذلك [٩] إلى أن ماتت، فما شيء أرجى [عندي] [١٠] من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي.
стр. 4354
أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الكريم بْن هوازن، قَالَ: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي [١] ، يقول: سمعت عبد الله بْن مُحَمَّد الشعراني، يقول: سمعت أبا عثمان يقول: منذ أربعين سنة ما أقامني [الله] [٢] في حال فكرهته، ولا نقلني إلى غيره فسخطته.
وَكَانَ أَبُو عثمان ينشد:
أسأت ولم أحسن وجئتك هاربا ... وأين لعبد من مواليه مهرب
يؤمل غفرانا فإن خاب ظنه ... فما أحد منه على الأرض أخيب
٢٠٥٦- سعيد بْن عبد الله بْن أبي رجاء، أَبُو عثمان الأنباري، ويعرف بابن عجب [٣] :
حدث عن أبي عمر الدوري، وغيره، روى عنه ابن مخلد، وابن كامل القاضي، وأبو بكر الشافعي، توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
٢٠٥٧- سمنون بْن حمزة الصوفي [٤] :
ويقال: سمنون بْن عبد الله ويكنى أبا الْقَاسِم، صحب سريا وغيره، [ووسوس] [٥] فكان يتكلم في المحبة، ثم سمى نفسه الكذاب لموضع دعواه في قوله:
فليس لي في سواك حظ ... فكيف ما شئت فامتحني
فامتحن بحصر البول، فصار يدور في المكاتب [٦] ، ويقول للصبيان، ادعوا لعمكم المبتلى بلسانه.
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بْن مُحَمَّد، قال: أخبرنا [أبو بكر] أحمد بن علي بن
стр. 4355
ثَابِت [١] ، حَدَّثَنَا عبد العزيز بْن عَلي الوراق، حَدَّثَنَا عَلي بْن عبد الله الهمذاني، قَالَ:
حدثني عبد الكريم بْن أَحْمَد، قَالَ: حدثني أَبُو جعفر مُحَمَّد بْن عبد الله الفرغاني، قَالَ: أخبرني أَبُو أَحْمَد المغازلي، قَالَ: كَانَ ورد سمنون في كل يوم وليلة خمسمائة ركعة.
٢٠٥٨- صافي الحرمي [٢] :
مرض فأشهد على نفسه أنه ليس له عند غلامه قاسم مال ولا عقار ولا وديعة، فلما مات حمل غلامه إلى الوزير ابن الفرات من العين مائة ألف دينار، وعشرين ألف دينار، وسبعمائة منطقة، وَقَالَ: هذا الذي كَانَ له عندي، فأعلم المقتدر بذلك، فأمر أن ينزل الْقَاسِم منزلته. وكان صافي صاحب الدولة كلها، و [إليه] [٣] أمر دار الخليفة [٤] .
وتوفي في شعبان هذه السنة.
٢٠٥٩- عبد الله بْن مُحَمَّد بْن صالح بْن مساور، أَبُو مُحَمَّد البكري: وقيل: الباهلي [٥] :
من أهل سمرقند، كَانَ ممن عني بطلب الحديث والآثار، ورحل في ذلك، وجالس الحفاظ، وكتب عنهم، وحدث في البلاد فروى عنه من أهل بغداد مُحَمَّد بْن مخلد، وأبو بكر الشافعي، وَكَانَ ثقة، وتوفي في هذه السنة.
٢٠٦٠- عَبْد السلام بْن سهل بْن عيسى [٦] ، أَبُو عَلي السكري [٧] :
سكن مصر، وحدث بها عن يحيى الحماني، وعُبَيْد اللَّهِ القواريري. روى عنه ابن شنبوذ، والطبراني، وَكَانَ من نبلاء الناس، وأهل الصدق، ولكنه تغير في آخر أيامه [٨] ، وتوفي في شهر ربيع الآخر من هذه السنة [٩] .
стр. 4356
ثم دخلت سنة [١] تسع وتسعين ومائتين
فمن الحوادث فيها:
أنه ظهرت ثلاثة كواكب مذنبة. ظهر أحدها ليلة الخميس لخمس بقين من رمضان في برج الأسد، وظهر الثاني في ليلة الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة في المشرق، وظهر الثالث ليلة الأربعاء لعشر بقين من ذي القعدة [٢] في برج العقرب، وبقيت أياما ثم اضمحلت.
وغضب الخليفة على عَلي بْن مُحَمَّد بْن الفرات لأربع خلون من ذي الحجة، وحبس ووكل بدوره، وأخذ كل ما وجد له ولأهله وأصحابه [٣] ، وانتهبت دورهم أقبح نهب، وادعى عليه أنه كتب إلى الأعراب أن يكبسوا بغداد، واستوزر أَبُو عَلي مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّهِ بْن يحيى بْن خاقان، وَكَانَ قد ضمن لأم ولد المعتضد [باللَّه] [٤] مائة ألف دينار فعملت في توليته.
[وورد الخبر من فارس بطاعون حدث فيها مات فيه سبعة آلاف إنسان] ، ووردت أربعة أحمال مال من مصر، وقيل: إنه وجد هناك كنز قديم، وَكَانَ معه ضلع إنسان طوله
стр. 4357
أربعة عشر شبرا في عرض شبر، زعموا أنه من قوم عاد، وَكَانَ [مبلغ] [١] المال خمسمائة ألف دينار، وَكَانَ معها هدايا عجيبة فذكر الصولي أنه كَانَ في الهدايا تيس له ضرع يحلب اللبن.
ووردت رسل أَحْمَد بْن إسماعيل بهدايا منها مذبة مرصعة [٢] بفاخر الجوهر، وتاج من ذهب مرصع بجوهر له قيمة كبيرة [٣] ، ومناطق ذهب مرصعة، وخلع سلطانية فاخرة، وربعة ذهب مرصعة فيها شمامات مسك، وعنبر كله مرصع، وعشرة أفراس بسروجها ولأحدها سرج ذهب.
ووردت هدايا ابن أبي الساج، أربعمائة دابة، وثمانون ألف دينار، وفرش أرمني لم ير مثله، فيه بساط طوله سبعون ذراعا في عرض ستين [ذراعا] [٤] عمل في عشر سنين لا قيمة له.
وورد الخبر من فارس بطاعون حدث فيها مات فيه سبعة آلاف إنسان. [٥] وفى هذه السنة حج بالناس الفضل بْن عبد الملك [٦] / وورد ورقاء بْن محمد بن ورقاء بْن مُحَمَّد بْن ورقاء الشيباني [٧] ، ومعه أسرى من الأعراب كل منهم كَانَ يعني السلطان، وأصلح الطريق بأخذهم.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٠٦١- أحمد بن نصر بْن إبراهيم، أَبُو عمرو الحافظ، المعروف [٨] بالخفاف:
سمع إسحاق بْن إبراهيم الحنظلي، ومحمد بن رافع، وأبا كريب، وغيرهم،
стр. 4358
وَكَانَ يذاكر بمائة ألف حديث، وصام دائما نيفا وثلاثين سنة، وتصدق بخمسة آلاف درهم، توفي في شعبان هذه السنة.
أَنْبَأَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ البيهقي، أَخْبَرَنَا أبو عبد الله محمد بن عبد الله البيع، قَالَ: سمعت أبا حامد بْن مُحَمَّد المقرئ [١] يقول: وقف سائل على أبي عمرو الخفاف فأمر له بدرهمين [٢] ، فَقَالَ الرجل: الحمد للَّه فَقَالَ لصاحبه: اجعلها خمسة فَقَالَ الرجل: اللَّهمّ لك الحمد، فَقَالَ: اجعلها عشرة، فلم يزل الرجل يحمد الله ويزيده أَبُو عمرو إلى أن بلغ مائة درهم، فَقَالَ: جعل الله عليك واقية باقية، فَقَالَ أَبُو عمرو: والله لو لم يرجع [٣] من الحمد إلى غيره لبلغت به عشرة آلاف درهم.
٢٠٦٢- البهلول بْن إسحاق بْن البهلول بْن حسان بْن سنان، أَبُو مُحَمَّد التنوخي [٤] .
ولد سنة أربع ومائتين، وسمع إسماعيل بْن أبي أويس، ومصعبا الزبيري، وسعيد بْن منصور، وغيرهم، روى عنه أَبُو بكر الشافعي، وجماعة آخر هم أَبُو بكر الإسماعيلي الجرجاني، وَكَانَ ثقة ضابطا لما يرويه، [بليغا] [٥] مصقعا في خطبته.
وتوفي في هذه السنة [٦] .
٢٠٦٣- جعفر بن مُحَمَّد بن الأزهر، أبو أحمد البزاز يعرف بالباوردي [٧] ، والطوسي:
روى عن جماعة، حدث عنه النجاد والشافعي، وَكَانَ ثقة، وتوفي في رجب هذه السنة.
стр. 4359
٢٠٦٤- الحسين بْن عبد الله بْن أَحْمَد، أَبُو عَلي الخرقي [١] :
والد عمر صاحب المختصر [في الفقه] [٢] على مذهب أَحْمَد [بْن حنبل] [٣] حدث عن جماعة [٤] وروى عنه أبو بكر الشافعي، وابن الصواف، وعبد العزيز بْن جعفر، وَكَانَ خليفة المروذي وتوفي في يوم الفطر [٥] من هذه السنة، ودفن بباب [٦] حرب عند قبر [الإمام] [٧] أَحْمَد بْن حنبل.
٢٠٦٥- شاه بْن شجاع، أَبُو الفوارس الكرماني:
كَانَ من أولاد الملوك، وصحب أبا تراب النخشبي وأبا عُبَيْد اللَّهِ البسري وغيرهما.
أَخْبَرَنَا [مُحَمَّد] [٨] بْن ناصر قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن عَلي بْن خلف، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السلمي، قَالَ: قَالَ الفارسي: سمعت أبا عَلي الأنصاري يقول: سمعت شاه بْن شجاع [٩] يقول لأهل الفضل: فضل ما لم يروه فإذا راوه فلا فضل لهم.
قَالَ السلمي: ورأيت بخط جدي إسماعيل بْن نجيد، قَالَ شاه بْن شجاع: من صحبك ووافقك على ما تحب [١٠] ، وخالفك فيما تكره فإنما يصحب هواه. قَالَ السلمي:
مات شاه قبل الثلاثمائة.
стр. 4360
٢٠٦٦- عباس بْن عبد الله بْن مُحَمَّد بْن فضال، أَبُو جعفر الكوفي [١] :
كتب العلم وعني بتصنيفه، وتوفي بمصر في ربيع الأول من هذه السنة.
٢٠٦٧- عباس بْن المهتدى، أَبُو الفضل الصوفي [٢] :
بغدادي دخل مصر، وصحب بها أبا سعيد الخراز، وَكَانَ كثير الأسفار على التوكل، وَكَانَ من أقران الجنيد [٣] .
أنبأنا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن حبيب [٤] [قَالَ] : أنبأنا عَلي بْن عبد الله [٥] بْن أبي صادق أَخْبَرَنَا أَبُو عبد الله بْن باكويه، حَدَّثَنَا أَبُو العباس مُحَمَّد بْن الحسن الخشاب، قَالَ: حدثني مُحَمَّد بْن عبد الله الفرغاني، قَالَ: تزوج عباس بْن المهتدي امرأة، فلما كانت الليلة التي أراد أن يدخل بها وقعت عليه ندامة، فدخل عليها وهو كاره، فلما أراد أن يدنو منها زجر عنها فامتنع من وطئها، وقام وخرج من عندها، فلما كَانَ بعد ثلاثة أيام ظهر للمرأة زوج.
٢٠٦٨- عياش بْن مُحَمَّد بْن عيسى الجوهري: [٦]
حدث عن أيوب بْن يحيى المقابري، وداود بْن رشيد، وأحمد بْن حنبل، روى عنه الطبراني، وابن الجعابي، والإسماعيلي. وَكَانَ ثقة.
توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
٢٠٦٩- فاطمة القهرمانة: [٧]
غضب عليها المقتدر، وأخذ ما عندها من المال، وَكَانَ لها مال عظيم أعطت منه
стр. 4361
شخصين مائتي ألف دينار عينا غير الهدايا، فمرضت وتوفيت في ذي القعدة من [هذه السنة] [١] وقيل: بل ركبت في طيارها في آخر شعبان فغرقت تحت الجسر في يوم ريح عاصف وأخرجت بعد يومين [٢] .
٢٠٧٠- مُحَمَّد بْن إسماعيل، أَبُو عبد الله المغربي [٣] :
وهو أستاذ إبراهيم الخواص، حج على قدميه سبعا وتسعين [٤] حجة.
أنبأنا أَبُو بكر بْن [٥] حبيب الصوفي [أَخْبَرَنَا أَبُو سعيد بْن أبي صادق [٦]] أَخْبَرَنَا أَبُو عبد الله بْن باكويه، قَالَ: سمعت أبا بكر الجوزقاني، يقول:
سمعت إبراهيم بْن شيبان، يقول: سمعت [أبا عبد الله] [٧] المغربي، يقول:
ما رأيت ظلمة منذ سنين كثيرة. قَالَ إبراهيم: [وذلك أنه كَانَ يتقدمنا بالليل المظلم] [٨] ونحن نتبعه وهو حاف حاسر، فكان إذا عثر أحدنا يقول له: يمينا وشمالا، ونحن لا نرى [ما] [٩] بين أيدينا، فإذا أصبحنا نظرنا إلى رجله كأنها رجل عروس خرجت من خدرها، وَكَانَ يقعد لأصحابه ويتكلم عليهم، فما رأيته انزعج إلا يوما واحدا كنا على الطور وهو قد استند إلى شجرة خرنوب، وهو يتكلم علينا، فَقَالَ في كلامه: لا ينال العبد مراده حتى ينفرد فردا بفرد [١٠] فانزعج واضطرب، فرأيت الصخور
стр. 4362
قد تدكدكت، وبقي في ذلك ساعات، فلما أفاق كأنه نشر من قبره. تُوُفِّيَ في هذه السنة، وقيل: سنة سبع وتسعين، وأوصى أن يدفن إلى جانب أستاذه [١] عَلي بْن رزين، وعاش كل واحد منهما عشرين ومائة سنة فهما على جبل الطور [٢] .
٢٠٧١- مُحَمَّد بْن أبي بكر أَحْمَد بْن أبي خيثمة، زهير بْن حرب، أَبُو عبد الله [٣] :
نسائي الأصل، كَانَ فهما عارفا، وحدث عن نصر بن علي الجهضمي، وعمرو بْن عَلي الصيرفي [٤] ، والحسين بْن حريث المروزي، وَغَيْرُهُمْ.
أَخْبَرَنَا [أَبُو منصور] [٥] القزاز، قَالَ أَخْبَرَنَا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت عن أبي عبد الله [٦] مُحَمَّد بْن الحسين الضميري، قَالَ: قَالَ لي عَلي بْن الحسن الرازيّ:
قال لنا أبو عبد الله مُحَمَّد بْن الحسين الزعفراني [٧] ، قَالَ: كَانَ لأبي بكر بْن أبي خيثمة ابن حافظ استعان به أَبُو بكر في تصنيف كتاب التاريخ [٨] .
قَالَ ابن ثَابِت: هُوَ أَبُو عبد الله هذا، قَالَ: وقرأت في كتاب أبي الفتح عُبَيْد اللَّهِ بْن أَحْمَد النحوي [٩] ، سمعت القاضي ابن كامل يقول: أربعة كنت أحب بقاءهم أَبُو جعفر الطبري، والبربري [١٠] ، وأبو عبد الله بْن أبي خيثمة، والمعمري، فما رأيت أفهم منهم
стр. 4363
ولا احفظ. توفي مُحَمَّد بْن أبي بكر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي القعدة من هذه السنة [١] .
٢٠٧٢- مُحَمَّد بن أحمد بن كيسان، أَبُو الحسن [٢] النحوي:
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن القزاز [٣] ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ [بْنِ ثَابِتٍ] ، [٤] قَالَ:
كَانَ ابن كيسان [٥] أحد المذكورين بالعلم والموصوفين بالفهم، وَكَانَ يحفظ مذهب البصريين والكوفيين معا في النحو، لأنه أخذ عن المبرد، وثعلب، وَكَانَ أَبُو بكر بْن مجاهد المقرئ يقول: أَبُو الحسن بْن كيسان أنحى من الشيخين، يعنى ثعلبا والمبرد.
قَالَ ابن ثَابِت وبلغني أنه مات في سنة تسع وتسعين ومائتين.
٢٠٧٣- مُحَمَّد بْن السري بْن سهل، أَبُو بكر القنطري [٦] :
سمع عثمان بْن أبي شيبة وغيره، وَكَانَ ثقة، توفي في جمادى الأولى من هذه السنة.
٢٠٧٤- مُحَمَّد بْن يحيى أَبُو سعيد، يعرف بحامل [٧] كفنه:
سكن دمشق، وحدث بها عن أبي بكر، وعثمان ابني أبي شيبة، وعقبة بن مكرم العمي، وإبراهيم بن سعيد/ الجوهري، وسلمة بن شبيب، وأحمد بن منيع وغيرهم، روى عنه أبو بكر النقاش وغيره.
أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ [بْنِ ثَابِتٍ] [٨] قَالَ:
стр. 4364
بلغني أن المعروف بحامل كفنه توفي وغسل وكفن وصلى عليه ودفن، فلما كَانَ في الليل جاءه نباش، فنبش عنه، فلما حل أكفانه ليأخذها استوى قاعدا، فخرج النباش هاربا منه فقام وحمل كفنه وخرج من القبر، وجاء إلى منزله وأهله يبكون، فدق الباب عليهم فقالوا: من أنت؟ قَالَ: أنا فلان، فقالوا له: يا هذا لا يحل لك [أن] [١] تزيدنا على ما بنا [٢] ، فَقَالَ: يا قوم افتحوا فأنا والله فلان، فعرفوا صوته ففتحوا وعاد حزنهم فرحا، وسمي من يومئذ حامل كفنه.
ومثل هذا [جرى] [٣] لسعير بْن الخمس الكوفي، فإنه لما دلي في حفرته اضطرب فحلت عنه أكفانه فقام ورجع إلى منزله، وولد [له] [٤] بعد ذلك ابنه مالك بْن سعير.
توفي مُحَمَّد بن يحيى في هذه السنة.
стр. 4365
ثم دخلت سنة ثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
خروج خارجي بالمغرب فنصر عليه وبعث بأعلام من أعلامه وآذان وآناف في خيوط.
وفي هذه السنة صلب [١] الحسين بْن منصور الحلاج وهو حي في الجانب الشرقي فِي يوم [٢] الأربعاء والخميس، وفي الغربي يوم الجمعة والسبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر.
وورد الخبر بانخساف جبل بالدينور يعرف بالتل، وخروج ماء كثير [٣] من تحته [أغرق] [٤] عدة من القرى.
ووصل الخبر بانخساف قطعة عظيمة من جبل لبنان وسقوطها في [٥] البحر.
وورد كتاب من صاحب البريد يذكر أن بغلة وضعت فلوة [٦] .
стр. 4366
وفيها كثرت الأمراض والعلل [١] [والعفن] [٢] ببغداد في الناس، وكلبت الكلاب والذئاب في البادية، وكانت تطلب الناس والدواب والبهائم، فإذا عضت إنسانا أهلكته.
ومدت دجلة مدا عظيما، وكثرت الأمطار، وتناثرت النجوم في ليلة الأربعاء لسبع بقين من جمادى الآخرة تناثرا عجيبا، كلها إلى جهة واحدة نحو خراسان.
وفى هذه السنة حج بالناس [٣] الفضل بْن عبد الملك الهاشمي.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٠٧٥- إبراهيم بْن موسى بْن جميل، أَبُو إسحاق الأندلسي مولى [٤] بني أمية:
حدث عن ابن قتيبة [٥] ، وابن أبي الدنيا، وَكَانَ ثقة [٦] .
توفي بمصر في جمادى الأولى من هذه السنة.
٢٠٧٦- الأحوص [٧] بن المفضل بن غسان بْن المفضل بْن معاوية بْن عمرو بْن خالد ابن غلاب: [٨]
أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ [بْنِ ثَابِتٍ] [٩] قَالَ:
стр. 4367
غلاب امرأة وهي أم خالد بْن الحارث بْن أوس بْن النابغة، ويكنى الأحوص أبا أمية الغلابي. روى عن أبيه كتاب التاريخ، و [روى] [١] عن جماعة، وَكَانَ يتجر في البز ببغداد فاستتر ابن الفرات عنده، وَقَالَ لَهُ: إن وليت الوزارة فأي شيء تحب أن أصنع بك؟ فقال: تقلدني شيئا من أعمال السلطان، قَالَ: ويحك لا يجيء منك عامل ولا أمير ولا قائد ولا كاتب ولا صاحب شرطة فأيش أقلدك؟ قَالَ: لا أدري، قَالَ: أقلدك القضاء، قَالَ: قد رضيت، ثم خرج ابن الفرات، وولي الوزارة، وأحسن إلى أبي أمية وأفضل عليه وولاه قضاء البصرة وواسط والأهواز، وانحدر أَبُو أمية إلى أعماله، وأقام بالبصرة وَكَانَ قليل العلم يخطئ إلا أن عفته وتصونه [غطيا] [٢] على نقصه، فلم يزل بالبصرة حتى قبض عليه ابن كنداج أمير البصرة في بعض نكبات المقتدر لابن الفرات، وَكَانَ بين أبي أمية وبين ابن كنداج وحشة فأودعه السجن، وأقام فيه مدة إلى أن مات فيه ولا نعلم [٣] أن قاضيا مات في السجن سواه.
وبلغني من طريق آخر أن الأحوص كَانَ بينه وبين ابن كنداج أمير البصرة وحشة، وكان لا يركب إليه [٤] ويعارضه في الظلامات فيضح من يده [٥] ويكتب إلى ابن الفرات فيجيبه بالصواعق ويأمره بالسمع والطاعة، إلى أن ورد [كتاب] [٦] طائر [٧] إلى ابن كنداج بالقبض على ابن الفرات، فركب إلى الأحوص فقبض عليه، وأمشاه بين يديه طول الطريق إلى داره، وأدخله السجن، فأقام فيه مدة، ثم مات. ثم عاد ابن الفرات إلى الوزارة فحدث بذلك فاغتم، وَقَالَ: هل له ولد؟ فجيء بابن له فيه تغفيل، فقال: هذا لا يصلح فوصله بمال.
стр. 4368
٢٠٧٧- جعفر بْن مُحَمَّد بْن سليمان، أَبُو الفضل الخلال الدوري [١] :
روى عنه أَبُو بكر الشافعي، وتوفي في نصف شوال من هذه السنة.
٢٠٧٨- الحسين بْن عمر بْن [أبي] [٢] الأحوص [٣] ، أَبُو عبد الله الكوفي:
ولد سنة خمس عشرة ومائتين، وحدث ببغداد، فسمع منه الشافعي، وابن الجعابي وَكَانَ ثقة [٤] ، وتوفي ببغداد في قطيعة الربيع في رمضان هذه السنة، وحمل إلى الكوفة [فدفن بها] [٥] .
٢٠٧٩- عُبَيْد اللَّهِ بْن عبد الله بْن طاهر بْن الحسين بْن مصعب، أَبُو أَحْمَد الخزاعي [٦] :
وهو أخو مُحَمَّد بْن عبد الله بْن طاهر، ولي إمارة بغداد، وحدث عن الزبير بْن بكار، روى عنه الصولي، والطبراني، وَكَانَ أديبا فاضلا شاعرا فصيحا.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ [بْنِ ثَابِتٍ] [٧] أَخْبَرَنَا أَبُو بشر مُحَمَّد بْن عمر الوكيل، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عمران المرزباني، قال: أخبرني محمد بن يحيى، قَالَ: أنشدني عُبَيْد اللَّهِ [بْن عبد الله بْن طاهر لنفسه] [٨] :
حق التنائي بين أهل الهوى ... تكاتب يسخن عين النوى
وفى التداني لا انقضى عمره ... تزاور يشفى غليل الجوى
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن [بْن مُحَمَّد] [٩] ، قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي [بن ثابت] [١٠]
стр. 4369
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلي مُحَمَّد بْن الحسين الجازري [١] ، حَدَّثَنَا المعافي بْن زكريا، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أبي سهل الحلواني، حَدَّثَنَا أَبُو الحسن [٢] عَلي بْن هارون بْن عَلي بْن يحيى، قَالَ: كَانَ أبي نازلا في جوار عُبَيْد اللَّهِ بْن عبد الله بْن طاهر، فانتقل عنه إلى دار ابتاعها [بنهر المهدي] [٣] ، وهي دار كانت لإسحاق بْن إبراهيم الموصلي، فكتب إليه عُبَيْد اللَّهِ مستوحشا [له] [٤] :
يا من تحول عنا وهو يألفنا ... بعدت جدا فألا كنت تلقانا [٥]
فاعلم بأنك إن بدلت جيرتنا ... بدلت جارا وما بدلت إخوانا
فأجابه هارون بْن عَلي [٦] :
بعدت عنكم بداري دون خالصتي ... ومحض ودي وعهدي كالذي كانا
وما تبدلت مذ فارقت قربكم ... إلا هموما أعانيها وأحزانا [٧]
وهل يسر بسكنى داره أحد ... وليس أحبابه للدار جيرانا
أنبأنا مُحَمَّد بْن عبد الباقي البزاز، عن أبي الْقَاسِم عَلي بْن المحسن، عن أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الفضل بْن عبد الرحمن بْن جعفر الشيرازي، قَالَ: حدثني أَبُو سليمان [بْن] [٨] الثلاج، قَالَ: قَالَ أبي: كَانَ أصل نعمتي من ثمن خمسة أرطال ثلج، وذلك أنه عز [الثلج في بعض السنين ببغداد] [٩] ، وَكَانَ عندي منه شيء فبعته وبقي
стр. 4370
عندي منه خمسة أرطال، فاعتلت جارية لعُبَيْد اللَّهِ بْن عبد الله بْن طاهر كانت روحه من الدنيا، وهو إذ ذاك أمير بغداد فطلبت ثلجا، فنفذ إلي فقلت: ما عندي إلا رطل واحد فلا أبيعه إلا بخمسة آلاف درهم، [وكنت قد عرفت الحال] [١] فلم يجسر الوكيل على شراء ذلك ورجع يستأذن عُبَيْد اللَّهِ، فشتمه عُبَيْد اللَّهِ وَقَالَ: اشتره بأي ثمن كَانَ ولا تراجعني، فجاءني وَقَالَ: خذ خمسة آلاف درهم وهات الرطل، فقلت: لا أبيعك إلا بعشرة آلاف درهم! / فلم يتجاسر على المراجعة وأعطاني عشرة آلاف [درهم] [٢] وأخذ الرطل فسقيت به المريضة [٣] وقويت نفسها، وقالت: أريد رطلا آخر، فجاءني الوكيل بعشرة آلاف درهم [٤] ، وَقَالَ: [هات] [٥] رطلا آخر، فبعته، فلما شربته العليلة [٦] تماثلت وطلبت الزيادة [٧] ، فجاءوا يلتمسون ذلك، فقلت: ما بقي عندي إلا رطل، ولا أبيعه إلا بزيادة [فداراني] [٨] وأعطاني عشرة آلاف درهم [٩] ، ثم أحببت لأشرب [١٠] أنا منه لأقول إني شربت ثلجا يساوى الرطل منه عشرة آلاف درهم، فشربت منه رطلا وجاءني الوكيل قرب السحر، فَقَالَ: [الله الله] [١١] قد والله صلحت الجارية فإن كَانَ عندك منه شيء فاحتكم في بيعه، فقلت: والله ما عندي إلا رطل واحد ولا أبيعه إلا بثلاثين ألفا، فَقَالَ:
خذ، فاستحييت من الله أن أبيع رطل ثلج بثلاثين ألفا [١٢] ، فقلت: هات عشرين، واعلم أنك إن جئتني بعدها بملء الأرض ذهبا لا تجد عندي شيئا فأعطاني، فلما شربته أفاقت
стр. 4371
فأكلت الطعام، وتصدق عُبَيْد اللَّهِ بمال [عظيم، قَالَ:] [١] ودعاني من الغد، وَقَالَ: أنت بعد الله [ ] [٢] رددت [حياتي] [٣] بحياة جاريتي فاحتكم، فقلت: أنا خادم الأمير وعبده فاستخدمني في شرابه وثلجه وكثير من أمر داره، فكانت تلك الدراهم أصل نعمتي، وتوفي عُبَيْد اللَّهِ في شوال هذه السنة.
٢٠٨٠- عبد الله بْن مُحَمَّد بْن أبي كامل، أَبُو مُحَمَّد الفزاري [٤] :
وَكَانَ ينزل مدينة المنصور وحدث عن هوذة، وداود بْن رشيد. روى عنه أَبُو علي ابن الصواف، وابن الجعابي.
وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة عن أربع وتسعين [سنة] [٥] .
٢٠٨١- عَلي بْن طيفور بْن غالب، أَبُو الحسن النسوي [٦] :
سكن بغداد وحدث بها عن قتيبة، روى عنه أَبُو بكر الشافعي وابن مالك القطيعي [٧] ، وَكَانَ ثقة. وتوفي في صفر هذه السنة.
٢٠٨٢- مُحَمَّد بْن إبراهيم بْن مطرف بْن مُحَمَّد بْن عَلي، أَبُو أَحْمَد الاستراباذي [٨] :
كَانَ من رؤساء استراباذ، وَكَانَ المنظور إليه من بين أهلها [٩] ، وَكَانَ تاجرا ثقة أمينا معروفا بالخير والبذل في ذات الله ، كتب الحديث وحدث، ويقال: انه كتب عن أبي سعيد الأشج [١٠] . وتوفي في هذه السنة.
стр. 4372
٢٠٨٣- مُحَمَّد بْن جعفر بْن مُحَمَّد بْن حبيب بْن أزهر، أَبُو عمر القتات الكوفي [١] :
قدم بغداد، وحدث بها عن أبي نعيم الفضل بْن دكين، ومنجاب [بْن] [٢] الحارث، وأحمد بْن يونس. روى عنه الخطبي، والشافعي، والجعابي، وغيرهم، وَكَانَ ضعيفا، وَقَالَ الدارقطني: تكلموا في سماعه من أبي نعيم [٣] .
توفي ببغداد غرة جمادى الأولى، وقيل: لست خلون من جمادى الأولى سنة ثلاثمائة [٤] وحمل من يومه إلى الكوفة.
٢٠٨٤- مُحَمَّد بْن جعفر بْن مُحَمَّد بْن حفص بْن عمر بْن راشد، أَبُو بكر الربعي الحنفي [٥] :
يعرف بابن الإمام، ولد سنة أربع عشرة ومائتين، وسكن دمياط [٦] ، وحدث بها عن إسماعيل بْن أبي أويس، وأحمد بْن يونس، والحماني، وابن المديني، وغيرهم.
وتوفي يوم الأربعاء لعشر خلون من ذي الحجة من هذه السنة، وَكَانَ ثقة.
٢٠٨٥- مُحَمَّد بْن الحسن بْن سماعة بْن حيان، أَبُو الحسن الحضرمي [٧] :
قدم بغداد وحدث بها عن أبي نعيم، روى عنه أَبُو بكر الشافعيّ وغيره، وَقَالَ الدارقطني: ليس بالقوي [٨] .
توفي ببغداد يوم الاثنين لأربع بقين من جمادى الأولى سنة ثلاثمائة.
стр. 4373
٢٠٨٦- مُحَمَّد بْن الحسن بْن مُحَمَّد بْن الحارث، أَبُو عبد الله الأنباري، يعرف بالقرنجلي [١] :
سمع إسحاق بْن البهلول التنوخي، روى عنه الإسماعيلي، وَكَانَ ثقة.
توفي في هذه السنة] [٢] .
стр. 4374
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
غزو الحسين بْن حمدان الصائفة، ففتح حصونا كثيرة، وقتل من الروم خلقا كثيرا.
وفيها [١] : عزل المقتدر باللَّه مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّهِ عن الوزارة، وحبسه أياما مع ابنيه عبد الله، وعبد الوهاب. وقلد الوزارة عَلي بْن عيسى، وَكَانَ [من] [٢] أفضل الوزراء وأيامه أبهى من غيرها، وَكَانَ يجتهد في العدل والإحسان.
وفيها: كثرت الأمراض الدموية بالناس ببغداد، وَكَانَ ذلك في آخر تموز [وآب] [٣] وَكَانَ من [٤] ذلك المرض نوع سموه الماشري، وَكَانَ طاعونا قاتلا.
وفيها: وصلت هدايا صاحب عمان إلى السلطان، وفيها ببغة بيضاء، وغزال اسود.
وركب المقتدر في شعبان على الظهر إلى باب الشماسية على طريق الصحراء [٥] ، ثم انحدر إلى داره في دجلة، وهي أول ركبة ظهر فيها للعامة.
стр. 4375
ولما ولي الوزارة عَلي بْن عيسى شاوره المقتدر في أمر القرامطة، فأشار بمكاتبة أبي سعيد الحسن بْن بهرام الجنابي المتغلب على هجر، فتقدم إليه بمكاتبته، فكتب كتابا طويلا يتضمن الحث على طاعة الخلفاء، ويعاتبه على تركه الطاعة، ويوبخه على ما يحكي [١] عن أصحابه من إعلان الكفر وإنكارهم على من يسبح الله ويقدسه، واطراحهم الصلوات والزكوات، واستهزائهم بأهل الدين [واسترقاقهم الأحرار] [٢] ، ثم تواعده فيه بالحرب إن لم يطع فوصل الكتاب إلَيْهِ، وقد قتل أَبُو سعيد، وثب عليه خادم له صقلابي فقتله، ثم دعا رجلا من رؤساء أصحابه فَقَالَ له: السيد يدعوك، [فلما دخل] [٣] قتله، ثم دعا آخر فقتله إلى أن دعا الخامس فرأى القتلى فصاح، واطلع النساء فصحن فقبضن عليه [٤] قبل أن يقتل الخامس، وقد كَانَ أَبُو سعيد عهد إلى ابنه سعيد فلم يضطلع بالأمر فغلبه عليه أخوه الأصغر أَبُو طاهر سليمان بْن أبي سعيد فتوقفت [٥] الرسل الذين حملوا الكتاب عن إيصاله، وكاتبوا الوزير علي بن عيسى، فأمرهم بإيصال الكتاب إلى أولاده ومن قام مقامه، فأوصلوه فكان من جوابهم بعد حمد الله والصلاة على رسوله ﷺ ، وتعظيم الخليفة [٦] ، وشكر ما يبلغهم عن الوزير من العدل، وقالوا: إنا لم نخرج من الطاعة ولكنا كنا قوما مستورين فنقم علينا ذلك فجار من الناس لا دين لهم فشنعوا علينا وقذفونا بالكبائر، ثم خرجوا إلى سبنا وضربنا، ثم نادوا قد أجلناكم ثلاثة أيام فمن أقام بعدها أحل بنفسه العقوبة، فخرجنا فوثبوا علينا قبل الأجل [٧] ، وضربونا وأغرمونا الأموال، فسألناهم أن يؤمنونا على أنفسنا فلم يفعلوا، وأمر صاحب البلد بقتلنا فهربنا، فأخذوا حرمنا وسلبوهم سلبا قبيحا، وانتهبوا منازلنا فلجأنا إلى البادية، فخرج ناس إلى المعتضد [باللَّه] [٨] فشنعوا علينا،
стр. 4376
فصدق مقالتهم وبعث إلينا من يخاصمنا، فدافعنا عن أنفسنا [فقويت] [١] وحشتنا من الخلق [٢] ، وأما ما ادعى علينا من ترك الصلاة وغيرها، فلا يجوز قبول دعوى إلا ببينة، وإذا كَانَ السلطان ينسبنا إلى الكفر [باللَّه تعالى] [٣] فكيف يسألنا أن ندخل في طاعته.
فلما وصل كتابهم كتب الوزير إليه كتابا جميلا يعدهم فيه بالخير.
وفى هذه السنة: جرت ملاحة بين ابن الجصاص، وإبراهيم بْن [أَحْمَد] [٤] المادرائي [٥] ، فَقَالَ إبراهيم بْن أَحْمَد: مائة ألف دينار من مالي صدقة، لقد أبطلت في الذي حكيته عني، فَقَالَ [له] [٦] ابن الجصاص قفيز دنانير من مالي [٧] صدقة لقد/ صدقت وأبطلت في قولك، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم المادرائي [٨] : من جهلك أنك لا تعلم أن مائة ألف دينار أكثر من قفيز، فعجب الناس من كلامهما، واعتبر هذا فإذا القفيز ستة وتسعون ألف دينار [٩] .
وفى هذه السنة: قبض بالسوس [١٠] على الحسين بْن منصور الحلاج، وحصل في يد عبد الرحمن خليفة عَلي بْن أَحْمَد الراسبي، وأخذت له كتب ورقاع فيها أشياء مرموزة، ثم حمل فأدخل إلى مدينة السلام على جمل، ومعه غلام له على جمل آخر مشهورين [١١] ونودي عليه: هذا أحد دعاة القرامطة، فاعرفوه وحبس [١٢] ، ثم أحضره
стр. 4377
الوزير عَلي بْن عيسى وناظره، فلم يجده يقرأ القرآن ولا يعرف من الفقه شيئا، ولا من الحديث، ولا من الأخبار، ولا الشعر، ولا اللغة. فَقَالَ له عَلي بْن عيسى: تعلمك الطهور والفروض أجدي عليك [١] من رسائل لا تدري ما تقول فيها، كم تكتب ويلك [٢] إلى الناس: «تبارك ذو النور الشعشعاني» ما أحوجك إلى الأدب؟ ثم أمر به فصلب حيا في الجانب الشرقي في مجلس الشرطة، ثم في الجانب الغربي حتى رآه الناس، ثم حمل إلى دار السلطان فحبس بها، فاستمال بعض أهلها بإظهار السنة حتى مالوا إليه وصاروا يتكبرون به ويستدعون منه الدعاء. [قَالَ مؤلفه] [٣] : وستأتي أخباره إن شاء الله تعالى.
وفيها حج بالناس الفضل بْن عبد الملك [٤] .
ووقع وباء في آخر السنة ببغداد، خصوصا في الحربية حتى غلقت أكثر دورها.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٠٨٧- إبراهيم بن محمد الهيثم، أَبُو الْقَاسِم القطيعي [٥] :
كَانَ يسكن قطيعة عيسى بْن عَلي، وحدث عن جماعة. روى عنه القاضي المحاملي، وأبو الحسين بْن المنادي، والخطبيّ غيرهم، وَقَالَ الدارقطني: هو ثقة صدوق.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا [٦] أَحْمَدُ بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا
стр. 4378
مُحَمَّد بْن عبد الواحد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن العباس [١] ، قال: قرئ على ابن المنادى وأنا أسمع، قَالَ أَبُو الْقَاسِم إبراهيم بْن مُحَمَّد القطيعي: مات في جمادى الآخرة سنة أحدى وثلاثمائة، وَكَانَ حسن المعرفة بالحديث، ثقة متيقظا، منزله بالجانب الغربي من قطيعة عيسى، كتب عنه الناس.
٢٠٨٨- إبراهيم بْن خالد الشافعي [٢] :
جمع العلم والزهد، ومن تلامذته أَبُو بكر الإسماعيلي، توفي في هذه السنة.
٢٠٨٩- إسماعيل بْن يعقوب بْن إسحاق بْن البهلول، أَبُو الحسن التنوخي الأنباري [٣] :
ولد بها سنة اثنتين [٤] وخمسين ومائتين [٥] ، وورد بغداد فحدث بها عن عبد الله بْن أَحْمَد، ومحمد بْن عثمان بْن أبي شيبة، وغيرهما. وكان حافظا للقرآن، عالما بأنساب اليمن، كثير الحديث، ثقة صدوقا، وتوفي بالأنبار في هذه السنة [٦] .
٢٠٩٠- جعفر بن مُحَمَّد بن الحسن [٧] بن المستفاض، أبو بكر الفريابي [٨] :
قاضي الدينور، طاف البلاد شرقا وغربا في طلب العلم، ولقي الأعلام، وسمع بخراسان وما وراء النهر، واستوطن بغداد، وحدث عن هدبة، وابن المديني، وبندار، وأبي كريب، وقتيبة وخلق كثير. روى عنه أَبُو الحسين بْن المنادي، وأحمد بْن سلمان النجاد، وأبو بكر الشافعي، وغيرهم. وَكَانَ ثقة حجة.
стр. 4379
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد العتيقي: قَالَ: بلغنا عن شيخنا أبي حفص عمر بْن عَلي الزيات، قَالَ: لما ورد جعفر الفريابي إلى بغداد استقبل بالطيارات والزبازب ووعد له الناس [١] إلى شارع المنار بباب الكوفة ليسمعوا منه. فاجتمع الناس فحزر من حضر مجلسه لسماع الحديث، فقيل: [نحو] [٢] ثلاثين ألفا، وكان المستملون ثلاثمائة وستة عشر، قَالَ العتيقي: وسمعت شيخنا أبا الفضل الزهري، يقول: سمعت جعفر بْن مُحَمَّد الفريابي يَقُولُ: كَانَ في مجلسه من أصحاب المحابر [٣] من يكتب حدود عشرة آلاف إنسان ما بقى منهم غيري سوى من كَانَ لا يكتب.
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَلي، حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّهِ بْن عمر بْن أَحْمَد الواعظ، عن أبيه، قَالَ: سمعت أبا الحسن مُحَمَّد بْن جعفر بْن مُحَمَّد الفريابي يقول: ولد أبي سنة سبع ومائتين، وتوفي في ليلة الأربعاء في المحرم سنة إحدى وثلاثمائة وهو ابن أربع وتسعين سنة، وَكَانَ قد حفر لنفسه قبرا في مقابر أبي أيوب قبل موته بخمس سنين، فكان يمر إليه فيقف عنده، ولم يقض أن يدفن فيه.
٢٠٩١- الحسن بْن الحباب بْن مخلد بْن محبوب، أَبُو عَلي المقرئ الدقاق [٤] :
سمع لوينا وغيره وَكَانَ يقرأ بقراءة أبي عمرو، روى عنه ابن المنادي، وَكَانَ ثقة.
توفي في يوم التروية يوم جمعة، ودفن يوم عرفة من هذه السنة وقد قارب التسعين.
٢٠٩٢- الحسن بْن سليمان بْن نافع، أَبُو معشر الدارمي [٥] البصري:
سكن بغداد وحدث بها عن [أبي] [٦] الربيع الزهراني، وهدبة. روى عنه ابن
стр. 4380
قانع، [١] وأبو بكر الشافعي، وَقَالَ الدارقطني: ثقة.
توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن في مقابر باب الكوفة [٢] .
٢٠٩٣- عبد الله بْن عَلي بْن مُحَمَّد بْن عبد الملك بْن أبي الشوارب [٣] :
من سروات الرجال [٤] وله قدر وجلالة. استقضاه المكتفي باللَّه على مدينة المنصور في سنة اثنتين وتسعين ومائتين، فما زال كذلك إلى سنة ست وتسعين فإن المقتدر نقله إلى الجانب الشرقي [٥] .
وتوفي بالسكتة في هذه السنة، وقيل: سنة ثمان وتسعين ومائتين.
٢٠٩٤- عبد الله بْن مُحَمَّد [٦] بْن ناجية بْن نجية أَبُو مُحَمَّد البربري:
[٧] سمع سويد بْن سعيد، وأبا بكر بن أبي شيبة، روى عنه أبو بكر ابن الأنباري، وابن مقسم، والشافعي، وَكَانَ ثقة ثبتا فاضلا مشهورا بالطلب، مكثرا [إلا أنه اشتهر بصحبة [٨] الكرابيسي] .
وتوفي في رمضان هذه السنة. [٩] .
٢٠٩٥- عَلي بْن أَحْمَد الراسبي [١٠] :
كانت إليه الأعمال من حد واسط إلى حد شهرزور، وكان يتقلد جنديسابور،