فصدق مقالتهم وبعث إلينا من يخاصمنا، فدافعنا عن أنفسنا [فقويت] [١] وحشتنا من الخلق [٢] ، وأما ما ادعى علينا من ترك الصلاة وغيرها، فلا يجوز قبول دعوى إلا ببينة، وإذا كَانَ السلطان ينسبنا إلى الكفر [باللَّه تعالى] [٣] فكيف يسألنا أن ندخل في طاعته.
فلما وصل كتابهم كتب الوزير إليه كتابا جميلا يعدهم فيه بالخير.
وفى هذه السنة: جرت ملاحة بين ابن الجصاص، وإبراهيم بْن [أَحْمَد] [٤] المادرائي [٥] ، فَقَالَ إبراهيم بْن أَحْمَد: مائة ألف دينار من مالي صدقة، لقد أبطلت في الذي حكيته عني، فَقَالَ [له] [٦] ابن الجصاص قفيز دنانير من مالي [٧] صدقة لقد/ صدقت وأبطلت في قولك، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم المادرائي [٨] : من جهلك أنك لا تعلم أن مائة ألف دينار أكثر من قفيز، فعجب الناس من كلامهما، واعتبر هذا فإذا القفيز ستة وتسعون ألف دينار [٩] .
وفى هذه السنة: قبض بالسوس [١٠] على الحسين بْن منصور الحلاج، وحصل في يد عبد الرحمن خليفة عَلي بْن أَحْمَد الراسبي، وأخذت له كتب ورقاع فيها أشياء مرموزة، ثم حمل فأدخل إلى مدينة السلام على جمل، ومعه غلام له على جمل آخر مشهورين [١١] ونودي عليه: هذا أحد دعاة القرامطة، فاعرفوه وحبس [١٢] ، ثم أحضره
стр. 4377
الوزير عَلي بْن عيسى وناظره، فلم يجده يقرأ القرآن ولا يعرف من الفقه شيئا، ولا من الحديث، ولا من الأخبار، ولا الشعر، ولا اللغة. فَقَالَ له عَلي بْن عيسى: تعلمك الطهور والفروض أجدي عليك [١] من رسائل لا تدري ما تقول فيها، كم تكتب ويلك [٢] إلى الناس: «تبارك ذو النور الشعشعاني» ما أحوجك إلى الأدب؟ ثم أمر به فصلب حيا في الجانب الشرقي في مجلس الشرطة، ثم في الجانب الغربي حتى رآه الناس، ثم حمل إلى دار السلطان فحبس بها، فاستمال بعض أهلها بإظهار السنة حتى مالوا إليه وصاروا يتكبرون به ويستدعون منه الدعاء. [قَالَ مؤلفه] [٣] : وستأتي أخباره إن شاء الله تعالى.
وفيها حج بالناس الفضل بْن عبد الملك [٤] .
ووقع وباء في آخر السنة ببغداد، خصوصا في الحربية حتى غلقت أكثر دورها.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٠٨٧- إبراهيم بن محمد الهيثم، أَبُو الْقَاسِم القطيعي [٥] :
كَانَ يسكن قطيعة عيسى بْن عَلي، وحدث عن جماعة. روى عنه القاضي المحاملي، وأبو الحسين بْن المنادي، والخطبيّ غيرهم، وَقَالَ الدارقطني: هو ثقة صدوق.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا [٦] أَحْمَدُ بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا
стр. 4378
مُحَمَّد بْن عبد الواحد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن العباس [١] ، قال: قرئ على ابن المنادى وأنا أسمع، قَالَ أَبُو الْقَاسِم إبراهيم بْن مُحَمَّد القطيعي: مات في جمادى الآخرة سنة أحدى وثلاثمائة، وَكَانَ حسن المعرفة بالحديث، ثقة متيقظا، منزله بالجانب الغربي من قطيعة عيسى، كتب عنه الناس.
٢٠٨٨- إبراهيم بْن خالد الشافعي [٢] :
جمع العلم والزهد، ومن تلامذته أَبُو بكر الإسماعيلي، توفي في هذه السنة.
٢٠٨٩- إسماعيل بْن يعقوب بْن إسحاق بْن البهلول، أَبُو الحسن التنوخي الأنباري [٣] :
ولد بها سنة اثنتين [٤] وخمسين ومائتين [٥] ، وورد بغداد فحدث بها عن عبد الله بْن أَحْمَد، ومحمد بْن عثمان بْن أبي شيبة، وغيرهما. وكان حافظا للقرآن، عالما بأنساب اليمن، كثير الحديث، ثقة صدوقا، وتوفي بالأنبار في هذه السنة [٦] .
٢٠٩٠- جعفر بن مُحَمَّد بن الحسن [٧] بن المستفاض، أبو بكر الفريابي [٨] :
قاضي الدينور، طاف البلاد شرقا وغربا في طلب العلم، ولقي الأعلام، وسمع بخراسان وما وراء النهر، واستوطن بغداد، وحدث عن هدبة، وابن المديني، وبندار، وأبي كريب، وقتيبة وخلق كثير. روى عنه أَبُو الحسين بْن المنادي، وأحمد بْن سلمان النجاد، وأبو بكر الشافعي، وغيرهم. وَكَانَ ثقة حجة.
стр. 4379
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد العتيقي: قَالَ: بلغنا عن شيخنا أبي حفص عمر بْن عَلي الزيات، قَالَ: لما ورد جعفر الفريابي إلى بغداد استقبل بالطيارات والزبازب ووعد له الناس [١] إلى شارع المنار بباب الكوفة ليسمعوا منه. فاجتمع الناس فحزر من حضر مجلسه لسماع الحديث، فقيل: [نحو] [٢] ثلاثين ألفا، وكان المستملون ثلاثمائة وستة عشر، قَالَ العتيقي: وسمعت شيخنا أبا الفضل الزهري، يقول: سمعت جعفر بْن مُحَمَّد الفريابي يَقُولُ: كَانَ في مجلسه من أصحاب المحابر [٣] من يكتب حدود عشرة آلاف إنسان ما بقى منهم غيري سوى من كَانَ لا يكتب.
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَلي، حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّهِ بْن عمر بْن أَحْمَد الواعظ، عن أبيه، قَالَ: سمعت أبا الحسن مُحَمَّد بْن جعفر بْن مُحَمَّد الفريابي يقول: ولد أبي سنة سبع ومائتين، وتوفي في ليلة الأربعاء في المحرم سنة إحدى وثلاثمائة وهو ابن أربع وتسعين سنة، وَكَانَ قد حفر لنفسه قبرا في مقابر أبي أيوب قبل موته بخمس سنين، فكان يمر إليه فيقف عنده، ولم يقض أن يدفن فيه.
٢٠٩١- الحسن بْن الحباب بْن مخلد بْن محبوب، أَبُو عَلي المقرئ الدقاق [٤] :
سمع لوينا وغيره وَكَانَ يقرأ بقراءة أبي عمرو، روى عنه ابن المنادي، وَكَانَ ثقة.
توفي في يوم التروية يوم جمعة، ودفن يوم عرفة من هذه السنة وقد قارب التسعين.
٢٠٩٢- الحسن بْن سليمان بْن نافع، أَبُو معشر الدارمي [٥] البصري:
سكن بغداد وحدث بها عن [أبي] [٦] الربيع الزهراني، وهدبة. روى عنه ابن
стр. 4380
قانع، [١] وأبو بكر الشافعي، وَقَالَ الدارقطني: ثقة.
توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن في مقابر باب الكوفة [٢] .
٢٠٩٣- عبد الله بْن عَلي بْن مُحَمَّد بْن عبد الملك بْن أبي الشوارب [٣] :
من سروات الرجال [٤] وله قدر وجلالة. استقضاه المكتفي باللَّه على مدينة المنصور في سنة اثنتين وتسعين ومائتين، فما زال كذلك إلى سنة ست وتسعين فإن المقتدر نقله إلى الجانب الشرقي [٥] .
وتوفي بالسكتة في هذه السنة، وقيل: سنة ثمان وتسعين ومائتين.
٢٠٩٤- عبد الله بْن مُحَمَّد [٦] بْن ناجية بْن نجية أَبُو مُحَمَّد البربري:
[٧] سمع سويد بْن سعيد، وأبا بكر بن أبي شيبة، روى عنه أبو بكر ابن الأنباري، وابن مقسم، والشافعي، وَكَانَ ثقة ثبتا فاضلا مشهورا بالطلب، مكثرا [إلا أنه اشتهر بصحبة [٨] الكرابيسي] .
وتوفي في رمضان هذه السنة. [٩] .
٢٠٩٥- عَلي بْن أَحْمَد الراسبي [١٠] :
كانت إليه الأعمال من حد واسط إلى حد شهرزور، وكان يتقلد جنديسابور،
стр. 4381
والسوس، وبادرايا، وباكسايا إلى آخر حدودهما، وَكَانَ ضمانه إلى آخر عمله بألف ألف دينار، وأربعمائة ألف دينار [كل سنة. فتوفي في هذه السنة، وورد الخبر بوفاته في جمادى الآخرة، وخلف من العين ألف ألف دينار] [١] ، وآنية ذهب وفضة بقيمة مائة ألف دينار، ومن الخيل والبغال والجمال ألف رأس، ومن الخز ألف ثوب، وقيل: إنه كَانَ له ثمانون طرازا ينسج فيها الثياب.
٢٠٩٦- مُحَمَّد بْن أَحْمَد [٢] بْن مُحَمَّد بْن أبي بكر بْن عَلي بْن مقدم، أَبُو عبد الله القاضي المقدمي مولى [٣] ثقيف:
سمع عمرو بْن عَلي الفلاس، ويعقوب الدورقي، وبندار وغيرهم، وَكَانَ ثقة.
وتوفي في غرة شوال هذه السنة.
٢٠٩٧- مُحَمَّد بْن جعفر بْن عبد الله بْن جابر بْن يُوسُف، أَبُو جعفر الراشدي:
سمع عَبْد الأَعْلَى بْن حماد النرسي، وحدث عن أبي بكر الأثرم، وروى عنه أَبُو بكر بْن مالك القطيعي، وَكَانَ ثقة، وتوفي فِي محرم هَذِهِ السنة. /
٢٠٩٨- مُحَمَّد بْن جعفر بْن سعيد، أَبُو بكر الجوهري [٤] :
حدث عن الحسن بْن عرفة، وروى عنه عَلي بْن الحسن بْن المثنى العنبري.
٢٠٩٩- مُحَمَّد بْن حبان [٥] بْن الأزهر، أَبُو بكر الباهلي [٦] البصري:
حدث عن أبي عاصم النبيل، وروى عنه أَبُو بكر الجعابي قَالَ عبد الغني
стр. 4382
الحافظ: يحدث بمناكير، وَقَالَ الصوري: هو ضعيف أنبأنا القزاز، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر علي بْن ثَابِت قَالَ: أَخْبَرَنَا البرقاني، قَالَ:
سمعت عَبْد اللَّه بْن إِبْرَاهِيم الأبندوني، يقول: [١] ابن حبان لا بأس به أن شاء الله تعالى.
٢١٠٠- مُحَمَّد بْن عبد الله بْن عَلي بن مُحَمَّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب [٢] :
يعرف بالأحنف، كَانَ يخلف أباه على القضاء بمدينة السلام، وَكَانَ سريا جميلا واسع الأخلاق. وتوفي في جمادي [الأولى] [٣] من هذه السنة، وتوفي أبوه في رجبها، فكان بينهما في الوفاة ثلاثة وسبعون يوما، [٤] ودفنا في موضع واحد بالقرب من [مقابر] [٥] باب الشام.
стр. 4383
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه في أول يوم من المحرم ورد كتاب أبي الحسن نصر بْن أَحْمَد صاحب خراسان، أنه واقع عمه إسحاق بْن إسماعيل، فأخذه أسيرا، فخلع على رسوله وحملت إليه الخلع لولاية خراسان.
وفى صفر قرئ على المنابر كتاب بفتح بلاد الروم [١] ، وورد من بشر الخادم كتاب يذكر فيه ما فتح من حصون الروم وما غنم وسبى وأنه أسر من البطارقة مائه وخمسين.
وفى جمادى الأولى: [٢] ختن المقتدر خمسة من أولاده، ونثر عليهم خمسة آلاف دينار عينا ومائة ألف درهم ورقا، ويقال: إنه بلغت النفقة في هذا [الختان] [٣] ستمائة ألف دينار، وختن قبل ذلك جماعة من الأيتام، وفرقت فيه دراهم وكسوة.
وفى هذا الشهر [٤] قبض على أبي عبد الله بْن الجصاص [الجوهري] [٥] ، وأخذ منه ما قدره ستة عشر ألف ألف دينار عينا وورقا وآنية وثيابا وخيلا وخدما.
стр. 4384
وفى شهر رمضان أدخل أولاد المقتدر [١] الكتاب، وكان المؤدب أبو إسحاق إبراهيم ابن السري الزجاج.
وفى ذي القعدة دخل رجل إلى المقتدر، وادعى أنه ابن الرضا العلوي، فكشف عن حاله فصح أنه ابن الضبعي [٢] ، فشهر في الجانبين وحبس.
وخرج على الحاج رجل علوي ومعه بنو صالح بْن مدرك الطائي، فقطعوا عليهم [الطريق] [٣] ، وتلف خلق كثير من الحاج بالقتل والعطش، وخرج أعراب على الحاج المنصرفين من مكة، فأخذوا ما معهم من العين والأمتعة، واستاقوا من جمالهم ما أرادوا وأخذوا من النساء [٤] مائتين وثمانين امرأة حرائر سوى المماليك، وَكَانَ الذي حج بهم الفضل بْن عبد الملك.
وفي هذه السنة اتخذ عَلي بْن عيسى المارستان بالحربية، وأنفق عليه من ماله [٥]
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢١٠١- أحمد بن محمد بْن سلام بْن عبدويه، أَبُو بكر البغدادي [٦] :
سكن مصر وحدث بها عن داود بْن رشيد، ولوين وغيرهما. روى عنه أَبُو سعيد بْن يونس، وَقَالَ: توفي بمصر في جمادى الآخرة من هذه السنة، وكان رجلا صالحا فاضلا من خيار خلق الله .
٢١٠٢- أَحْمَد بْن يونس بْن عَبْد الأَعْلَى بْن موسى الصدفي، يكنى أبا الحسن [٧] :
ولد في ذي القعدة سنة أربعين ومائتين.
وتوفي في أول يوم من رجب هذه السنة، وكان من البكاءين حدث عن أبيه وغيره.
стр. 4385
٢١٠٣- إسحاق بْن إبراهيم بْن أبي حسان، أَبُو يعقوب الأنماطي [١] :
سمع أَحْمَد بْن أبي الحواري وغيره، روى عنه أبو عمرو بن السماك، وإسماعيل الخطبي وابن مقسم، وَقَالَ الدارقطني: هو ثقة، وتوفي في محرم هذه السنة.
٢١٠٤- بشر بْن نصر بْن منصور، أَبُو الْقَاسِم [٢] الفقيه:
سكن مصر أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ، قَالَ: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي [بن [٣] ثابت] ، قال: حدثني محمد بن عَلي الصوري، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ الأزدي، حَدَّثَنَا عبد الواحد بْن مُحَمَّد بْن مسرور، حَدَّثَنَا أَبُو سعيد بْن يونس، قَالَ: بشر بْن نصر بْن منصور الفقيه على مذهب الشافعي، يعرف بغلام عرق، وعرق خادم من خدم السلطان كَانَ على البريد بمصر، [٤] وَكَانَ بشر بْن نصر قد قدم معه في جملة من قدم من بغداد، وَكَانَ فقيها [متضلعا [٥]] دينا.
توفي بمصر سنة اثنتين وثلاثمائة وقد سمعت منه [٦] .
٢١٠٥- بدعة جارية عريب [٧] مولاة المأمون:
كانت مغنية، وقد كَانَ إِسْحَاق بْن أيوب بذل لمولاتها في ثمنها مائة ألف دينار، وللسفير بينهما عشرين ألف دينار، فدعتها فأخبرتها بالحال فلم تؤثر البيع فأعتقتها من وقتها، وماتت لست بقين من ذي الحجة من هذه السنة، وصلى عليها أَبُو بكر بن
стр. 4386
المهتدي، وخلفت مالا كثيرا وضياعا ما ملكها رجل [قط] [١] .
٢١٠٦- حمزة بْن مُحَمَّد بْن عيسى بْن حمزة، أَبُو على الكاتب: [٢]
جرجاني الأصل، سمع من نعيم بْن حماد، روى عنه الجعابي، وَكَانَ ثقة. توفي في رجب هذه السنة، وقد قارب المائة.
٢١٠٧- الحسن بْن عَلي بْن موسى بْن هارون، أَبُو عَلي [النحاس] النيسابوري [٣] :
حدث، وكان ثقة صالحا [٤] ، وتوفى بمصر في هذه السنة.
٢١٠٨- عبد الله بْن الصقر بْن نصر بْن موسى بْن هلال، أَبُو العباس السكري [٥] .
سمع إبراهيم بْن المنذر الحزامي، وروى عنه جعفر الخلدي، وابن مالك القطيعي، وَكَانَ صدوقا ثقة، توفي في جمادى الأولى من هذه السنة.
٢١٠٩- عبد الله بْن مُحَمَّد بْن ياسين أَبُو الحسن الفقيه الدوري [٦] :
سمع من بندار، وروى عنه أبو بكر الشافعي، وكان ثقة، وتوفي في هذه السنة.
٢١١٠- موسى بْن الْقَاسِم بْن إبراهيم أَبُو الحسن العلوي:
كتب الحديث، وسمع الكثير، وكتب عنه، وَكَانَ رجلا صالحا متواضعا، يلزم الجامع، وتوفي بمصر في رمضان هذه السنة.
٢١١١- بشر بْن إبراهيم بْن خلف الأندلسي:
كَانَ فقيها، ثقة [٧] ، وتوفي ﵀ هذه السنة بالأندلس.
стр. 4387
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أن المقتدر [باللَّه] [١] وقف كثيرا من المستغلات السلطانية على الحرمين، وأحضر القضاة والعدول وأشهدهم على نفسه بذلك.
وفى [يوم] [٢] الأربعاء لتسع خلون [٣] من رمضان انقطع كرسي الجسر والناس عليه فغرق خلق كثير [٤] .
وفى ليلة الجمعة لثمان بقين من رمضان انقض كوكب عظيم وبقي ضوؤه ساعة كالمقباس.
وفيها [٥] : أوقع ورقاء بْن مُحَمَّد بالأعراب بناحية الأجفر، فقتل جماعة واستأسر [٦] جماعة وقدم بهم فوثبت العامة على الأسارى فقتلتهم [٧] ، وضرب رجل منهم بالسياط/ في باب العامة، وقيل: إنه صاحب حصن الحاجر وأن الحاج استجاروا به [٨] فوصل إليه من أمتعتهم شيء كثير.
стр. 4388
ووقع حريق في سوق النجارين بباب الشام، فاحترقت السوق بأهلها [١] ، ووقعت شرارات في منارة الجامع بالمدينة فاحترقت [٢] .
وفى ذي الحجة حم المقتدر وافتصد، وبقي محموما ثلاثة عشر يوما، ولم يمرض في أيام خلافته غير هذه [المرضة] [٣] إلا ما لا يخلو منه الأصحاء من التياث قريب، وَكَانَ يفتصد كثيرا [٤] ، وأما دواء الإسهال فلم يشربه قط.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن عبد الملك. ونظر عَلي بْن عيسى بعين رأيه إلى أمر القرامطة فخافهم على الحاج، وغيرهم فشغلهم بالمكاتبة والمراسلة والدخول في الطاعة وعاداهم وأطلق التسويق بسيراف [٥] ، فكفهم بذلك، فخطأه الناس ونسبوه إلى موالاتهم، فلما رأوا ما فعل القرامطة بعده بالناس علموا صواب رأيه.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢١١٢- أحمد بْن عَلي بْن شعيب [٦] بْن عَلي بْن سنان بْن بحر [٧] ، أَبُو عبد الرحمن النسائي الإمام:
كَانَ أول رحلته إلى نيسابور، فسمع إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ، والحسين بن
стр. 4389
منصور، ومحمد بْن رافع وأقرانهم. ثم خرج إلى بغداد فأكثر عن قتيبة [١] ، وانصرف على طريق مرو، فكتب عن عَلي بْن حجر وغيره، ثم توجه إلى العراق فكتب عن أبي كريب، وأقرانه، ثم دخل الشام ومصر وَكَانَ إماما في الحديث، ثقة ثبتا حافظا فقيها، وَقَالَ الدارقطني: النسائي يقدم على كل [٢] من يذكر بهذا العلم من أهل عصره.
أَنْبَأَنَا زَاهِرُ بْن طَاهِرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بكر البيهقي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بْن عبد الله الحاكم، قَالَ: حدثني مُحَمَّد بْن إسحاق الأصبهاني، قَالَ: سمعت مشايخنا بمصر يذكرون أن أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره، وخرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية وما روي في فضائله، فَقَالَ: لا يرضى معاوية رأسا برأس حتى يفضل، قَالَ:
وَكَانَ يتشيع، فما زالوا يدفعون في خصيته حتى أخرج من المسجد، ثم حمل إلى الرملة [٣] ، فمات فدفن بها سنة ثلاث وثلاثمائة.
قَالَ الحاكم: وحدثني عَلي بْن عمر الحافظ أنه لما امتحن بدمشق، قَالَ:
احملوني إلى مكة! [فحمل إلى مكة] [٤] فتوفي بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة.
وكانت وفاته في شعبان هذه السنة، وَقَالَ أَبُو سعيد بْن يونس الْمَصْرِيّ: توفي بفلسطين في صفر هذه السنة.
٢١١٣- أَحْمَد بْن عمر بْن المهلب، أَبُو الطيب البزاز البغدادي [٥] :
توفي بمصر فِي ربيع الآخر من هَذِهِ السنة.
٢١١٤- أَحْمَد بْن عَلي بْن أَحْمَد، أَبُو الطيب المادرائي الكاتب:
ولد بسامراء وقدم به [مصر] [٦] صغيرا وأكثر من كتابة الحديث، وكان يتدين،
стр. 4390
وولي خراج مصر وتوفي [بها] [١] في جمادى الآخرة من هذه السنة.
٢١١٥- جعفر بْن مُحَمَّد بْن عيسى، أَبُو الفضل المعروف بالقبوري [٢] :
حدث عن سويد [٣] بْن سعيد روى عنه الشافعي وابن الصواف وَكَانَ ثقة.
توفي في ربيع الآخر من هذه السنة [٤] .
٢١١٦- الحسن بْن سفيان بْن عامر بْن عبد العزيز بْن النعمان بْن عطاء، أَبُو العباس الشيباني [٥] النسوي:
محدث خراسان في عصره، رحل البلدان وسمع الكثير، فسمع بخراسان حبان بْن موسى، وإسحاق بْن إبراهيم، وقتيبة، وعلي بْن حجر في آخرين، وسمع ببغداد أَحْمَد بْن حنبل، ويحيى بْن معين، وأبا خيثمة في آخرين، وسمع بالبصرة أبا كامل [٦] ، وهدبة، وشيبان بْن فروخ [٧] في آخرين. وسمع بالكوفة من أبي بكر بْن أبي شيبة في آخرين، وبالحجاز إبراهيم بْن المنذر الحزامي فِي آخرين، وبمصر هارون بْن سعيد الأيلي، وأبا طاهر، وحرملة في آخرين، وبالشام صفوان بْن صالح، وهشام بْن خالد، والمسيب بْن واضح، وهشام بْن عمار [في آخرين] [٨] وصنف «المسند الكبير» «والجامع» [و] [٩] «المعجم» وروى مصنفات ابن المبارك، وتفقه على أبي ثور، وكان
стр. 4391
يفتي على مذهبه، وأخذ الأدب عن أصحاب النضر بْن شميل، وإليه كانت الرحلة بخراسان.
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن ناصر [الحافظ] [١] من لفظه، [قَالَ] [٢] ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّد الحسن بْن أَحْمَد السمرقندي إجازة أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم بشرويه بْن مُحَمَّد بْن إبراهيم المعقلي، قَالَ: حدثني أَبُو نصر أحمد بن جعفر الأسفراييني [قَالَ] [٣] : حَدَّثَنَا أَبُو الحسن الصفار الفقيه، قَالَ: كنا عند الحسن بْن سفيان النسوي، وقد اجتمع [لديه] [٤] طائفة من أهل الفضل ارتحلوا إليه من البلاد البعيدة مختلفين إلى مجلسه لاقتباس العلم وكتابة الحديث، فخرج يوما إلى مجلسه الذي كَانَ يملى فيه الحديث، فَقَالَ: اسمعوا ما أقول لكم قبل أن نشرع [٥] في الإملاء، قد علمنا أنكم طائفة من أبناء النعم وأهل الفضل، هجرتم أوطانكم وفارقتم دياركم وأصحابكم في طلب العلم واستفادة الحديث، فلا يخطرن ببالكم أنكم قضيتم بهذا التجشم للعلم حقا، أو أديتم بما تحملتم من الكلف والمشقة من فروضه فرضا فإني أحدثكم [ببعض] [٦] ما تحملته في طلب العلم من المشقة والجهد، وما كشف الله عني وعن أصحابي ببركة العلم وصفو العقيدة من الضيق والضنك، اعلموا أني كنت في عنفوان شبابي ارتحلت من وطني لطلب العلم واستملاء الحديث، فاتفق حصولي بأقصى المغرب، ودخولي مصر في سبعة نفر من أصحابي طلبة العلم وسامعي الحديث [٧] ، وكنا نختلف إلى شيخ كَانَ أرفع أهل عصره في العلم منزلة وأرواهم للحديث وأعلاهم إسنادا، وأصحهم رواية، وَكَانَ يملي علينا كل يوم مقدارا يسيرا من الحديث، حتى طالت المدة وخفت النفقة ودعتنا الضرورة إلى بيع ما صحبنا من ثوب وخرقة إلى أن لم يبق لنا ما كنا نرجو به حصول قوت
стр. 4392
يوم، وطوينا ثلاثة أيام بلياليهن لم يذق أحد منا فيها شيئا، وأصبحنا في بكرة اليوم الرابع بحيث لا حراك بأحد منا من الجوع، وأحوجت الضرورة إلى كشف قناع الحشمة وبذل الوجه للسؤال، فلم تسمح بذلك أنفسنا ولم تطب قلوبنا، وأنف كل واحد منا من ذلك، والضرورة تحوج إلى السؤال على كل حال، فوقع اختيار الجماعة على كتبة رقاع بأسمائنا وإرسالها رقعة في الماء [١] ، فمن ارتفع اسمه كَانَ هو القائم بالسؤال واستماحة القوت لنفسه ولجميع أصحابه، فارتفعت الرقعة [٢] التي اشتملت على اسمي، فتحيرت ودهشت ولم تسامحني نفسي بالمسألة واحتمال المذلة، فعدلت إلى زاوية [من] [٣] المسجد أصلى ركعتين طويلتين وأدعو الله بأسمائه العظام، وكلماته الرفيعة لكشف الضر وسياقة الفرج فلم أفرغ [٤] من الصلاة حتى دخل المسجد شاب حسن الوجه نظيف الثوب [٥] طيب الرائحة يتبعه خادم في يده منديل، فَقَالَ: من منكم الحسن بْن سفيان؟ فرفعت رأسي من السجدة، وقلت: أنا الحسن بْن سفيان فما الحاجة؟ فَقَالَ: إن الأمير ابن طولون [٦] / صاحبي يقرئكم السلام والتحية ويعتذر إليكم من الغفلة عن تفقد أحوالكم، والتقصير الواقع في رعاية حقوقكم [٧] ، وقد بعث بما يكفى نفقة الوقت، وهو زائركم غدا بنفسه ومعتذر إليكم بلفظه، ووضع بين يدي كل واحد مناصرة فيها مائة دينار، فتعجبنا من ذلك وتحيرنا جدا، وقلت للشاب ما القصة في هذا؟
فَقَالَ: [أنا أحد خدم الأمير ابن طولون المختصين [٨] به دخلت عليه بكرة يومي هذا مسلما في جملة أصحابي] [٩] فَقَالَ الأمير لي: إني أحب أن أخلو يومي هذا فانصرفوا
стр. 4393
أنتم إلى منازلكم، فانصرفت [أنا] [١] والقوم، فلما عدت إلى منزلي لم يستو قعودي حتى أتاني رسول الأمير مسرعا مستعجلا يطلبني حثيثا، فأجبته مسرعا فوجدته منفردا في بيت واضعا يمينه على خاصرته لوجع ممض اعتراه في داخل حشاه فقال لي: أتعرف الحسن بْن سفيان وأصحابه؟ فقلت: لا، فَقَالَ: اقصد المحلة الفلانية والمسجد الفلاني، واحمل هذه الصرر وسلمها إليه والى أصحابه، فإنهم منذ ثلاثة أيام جياع بحالة صعبة [٢] ، ومهد عذري لديهم وعرفهم أني صبيحة الغد زائرهم ومعتذر شفاها إليهم، فَقَالَ الشاب وسألته عن السبب الذي دعاه إلى هذا فَقَالَ: دخلت إلى هذا البيت منفردا على أن أستريح ساعة، فلما هدأت عيني رأيت في المنام فارسا في الهواء متمكنا تمكن من أن يمشى على بساط الأرض [٣] وبيده رمح فجعلت أنظر إليه متعجبا حتى نزل إلى باب هذا البيت، ووضع سافلة رمحه على خاصرتي، وَقَالَ: قم أدرك الحسن بْن سفيان وأصحابه، قم فأدركهم [قم فأدركهم] [٤] فإنهم منذ ثلاثة أيام جياع في المسجد الفلاني، فقلت له: من أنت؟ فَقَالَ [أنا] [٥] رضوان صاحب الجنة، ومنذ أصابت سافلة رمحه خاصرتي أصابني وجع شديد لا حراك لي معه، فعجل إيصال هذا المال إليهم ليزول هذا الوجع عنى. قَالَ الحسن: فتعجبنا من ذلك وشكرنا الله تعالى وأصلحنا أحوالنا ولم تطب نفوسنا بالمقام لئلا يزورنا الأمير، ولئلا تطلع الناس على أسرارنا فيكون ذلك سبب ارتفاع اسم وانبساط جاه، ويتصل ذلك [٦] بنوع من الرياء والسمعة، فخرجنا تلك الليلة من مصر وأصبح كل واحد منا واحد عصره وقريع دهره في العلم والفضل، فلما أصبح الأمير ابن طولون جاء لزيارتنا، فأخبر بخروجنا، فأمر بابتياع تلك المحلة بأسرها وأوقفها على ذلك المسجد [٧] وعلى من ينزل به من الغرباء وأهل
стр. 4394
الفضل وطلبة العلم نفقة لهم حتى لا تختل أمورهم ولا يصيبهم الخلل ما أصابنا، وذلك كله لقوة الدين، وصفو [١] الاعتقاد والله سبحانه [٢] وتعالى ولي التوفيق.
أَنْبَأَنَا زَاهِرُ بْن طَاهِرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بكر البيهقي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بْن عَبْد الله الحاكم، قَالَ: سمعت أبا بكر مُحَمَّد بْن داود بْن سليمان، يقول: كنا عند الحسن بْن سفيان فدخل عليه أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وأبو عمرو الحيرى، وأبو بكر أَحْمَد بْن عَلي الحافظ، فَقَالَ له أَبُو بكر بْن عَلي: قد كتبت للأستاذ أبي بكر مُحَمَّد بْن إسحاق هذا الطريق من حديثك [٣] . فَقَالَ: هات واقرأ، فأخذ يقرأ فلما قرأ [٤] أحاديث أدخل إسنادا منها في إسناد، فرده الحسن إلى الصواب، فلما كَانَ بعد ساعة أدخل إسنادا في إسناد فرده الحسن إلى الصواب [٥] فلما كَانَ بعد ساعة أدخل إسنادا فِي إسناد، فرده إلى الصواب [٦] ، وَقَالَ له في الثالثة: يا هذا لا تفعل، فقد احتملتك مرتين، وهذه الثالثة وأنا ابن تسعين سنة فاتق الله في المشايخ، فربما استجيبت فيك دعوة. فَقَالَ له أَبُو بكر بْن إسحاق: مه، لا تؤذ الشيخ. فَقَالَ أَبُو بكر [بْن عَلي: إنما] [٧] أردت أن يعلم الأستاذ [٨] أن أبا العباس يعرف حديثه [٩] ، قَالَ الحاكم:
وسمعت أبا عمرو بْن أبي جعفر، يقول: سمعت [أبا بكر بْن عَلي الرازي يقول في حياة الحسن بْن سفيان: ليس للحسن في الدنيا نظير. قَالَ الحاكم: وسمعت أبا عبد اللَّه مُحَمَّد بْن عبد الله الصفار، يقول: سمعت] [١٠] الحسن بْن سفيان يقول كلما ورد في
стр. 4395
الحديث العبسيّ فهو كوفي، وكلما ورد العيشي فهو بصري، وكلما ورد العنسي فهو مصري [١] ، توفي الحسن بْن سفيان في هذه السنة.
٢١١٧- رويم بْن أَحْمَد، وقيل: ابن مُحَمَّد بْن رويم بْن يزيد [٢] :
وفى كنيته ثلاثة أقوال: أبو الحسن، وأبو الحسين، وأبو مُحَمَّد، وَكَانَ عالما [بالقرآن ومعانيه وَكَانَ] [٣] يتفقه لداود بْن عَلي.
أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بْن على بْن ثَابِت، قَالَ [٤] : أَخْبَرَنَا إسمَاعيل بْن أَحْمَد الحيري، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الحسين السلمي، قَالَ: سمعت أَحْمَد بْن إبراهيم يحكي، عن أبي عمرو الزجاجي، قَالَ: نهاني الجنيد أن أدخل على رويم، فدخلت عليه يوما وَكَانَ قد دخل في شيء من أمور السلطان، فدخل عليه الجنيد فرآني عنده، فلما خرجنا، قَالَ لي الجنيد: كيف رأيته يا خراساني؟ قلت: لا أدري، قَالَ: إن الناس يتوهمون أن هذا نقصان في حاله ووقته وما كَانَ رويم أعمر وقتا منه في هذه الأيام، ولقد كنت أصحبه بالشونيزية في حاله الأول [٥] ، وكنت معه في خرقتين، وهو الساعة أشد فقرا منه في تلك الحالة، وفى تلك الأيام.
أنبأنا [مُحَمَّدُ] [٦] بْنُ [أَبِي] [٧] طَاهِرٍ الْبَزَّازُ، عَنْ أَبِي القاسم علي بن المحسن
стр. 4396
التنوخي، عن أبيه، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إسحاق إبراهيم بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطبري، قَالَ:
سمعت جعفرا الخلدي، يقول: من أراد [أن] [١] يستكتم سرا فليستكتم [٢] كما فعل رويم كتم حب الدنيا أربعين سنة، فقيل له: كيف؟ قَالَ: كَانَ يتصوف أربعين سنة، فولي بعد ذَلِكَ إسماعيل بْن إسحاق القاضي قضاء بغداد، وكانت بينهما مودة مؤكدة [٣] فجذبه إليه [وجعله] [٤] وكيلا على بابه، فترك التصوف ولبس الخز والقصب والدبيقي، وركب وأكل الطيبات وبنى الدور، وإذا هو كَانَ يكتم [٥] حب الدنيا لما لم يجدها، فلما وجدها أظهر ما كَانَ يكتم [٦] من حبها. وتوفي رويم في هذه السنة.
٢١١٨- زهير بْن صالح بْن أَحْمَد بْن حنبل [٧] :
حدث عن أبيه، روى عنه النجاد، قَالَ الدارقطني: هو ثقة.
[و] [٨] توفي فِي ربيع الأول من هذه السنة وهو حدث.
٢١١٩- عمر بْن أيوب [٩] إسماعيل بْن مالك، أَبُو حفص السقطي:
سمع بشر بْن الوليد، وداود بْن رشيد، وعثمان أبي شيبة. روى عنه الخطبي، وابن الصواف، وكان شيخا صالحا ثقة. توفي في جمادى الأولى من هذه السنة.
стр. 4397
٢١٢٠- محمد بن عبد الوهاب [بن] [١] سلام ،
بن خالد بن حمران بن أبان مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أبو علي الجبائي [٢] المتكلم إمام المعتزلة [٣] .
ولد سنة خمس وثلاثين ومائتين، وتوفي في شعبان هذه السنة.
٢١٢١- محمد بن إبراهيم، أبو جعفر الغزال، يلقب سمسمة [٤] :
حدث عن [مُحَمَّد بْن] [٥] عبد الله بن المبارك المخرمي. [و] [٦] روى عنه الإسماعيلي. وتوفي في نصف رجب من هذه السنة يوم الجمعة.
٢١٢٢- مُحَمَّد بْن الحسن [٧] بْن العلاء، أَبُو عبد الله [٨] السمسار، يعرف بالخواتمي [٩] :
حدث عن أبي بكر بْن أبي شيبة، وغيره. وَكَانَ ثقة. وتوفي في هذه السنة.
٢١٢٣- مُحَمَّد بْن خالد الآجري [١٠] :
كَانَ عبدا صالحا، أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز/، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر [أَحْمَد] [١١] بْن ثَابِت، قَالَ: أخبرني أَبُو نعيم الحافظ، أَخْبَرَنَا جعفر الخلدي في كتابه إليّ، قال:
стр. 4398
حدثني مُحَمَّد بْن خالد الآجري، قَالَ: كنت أعمل الآجر فبينما أنا [كنت] [١] أمشي بين الاشراج المضروبة [٢] إذا سمعت شرجا يقول لشرج: «عليك السلام الليلة أدخل النار» قَالَ: فنهيت الأجراء أن يطرحوها في النار، وصارت الكتل باقية عَلَى حالها وما عملت بعد ذلك [٣] .
стр. 4399
ثم دخلت سنة اربع وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه اضطرب أمر أبي الحسن عَلي بْن عيسى بْن الجراح، وجرت بينه وبين أم موسى القهرمانة نفرة شديدة، فامتنع من كلامها وواصل الاستعفاء، فقبض عليه وعلى أنسابه [١] ، ونهبت دورهم دونه ولم يتعرض لشيء من أملاكه.
وأخرج أَبُو الحسن عَلي بْن مُحَمَّد بْن الفرات، فقلد الوزارة وخلع عليه يوم التروية سبع خلع [٢] ، وحمل إليه من دار السلطان ثلاثمائة ألف درهم، وعشرون خادما، وثلاثون دابة لرحله وخمسون دابة لغلمانه وخمسون بغلا لنقله وبغلان للعمارية بقبابها وثلاثون جملا، وعشر تخوت ثياب [٣] . وركب معه مؤنس الخادم وغلمان المقتدر [باللَّه] [٤] وصار [٥] إلى داره بسوق العطش، وردت عليه ضياعه [٦] ، وأقطع الدار التي بالمخرم [فسكنها] [٧] ، وسقى الناس في داره في ذلك اليوم وتلك الليلة أربعون ألف
стр. 4400
رطل من الثلج، وزاد ثمن الشمع والكاغد [١] يومئذ، فكان هذا من فضائله، وَكَانَ بين اعتقاله وبين رجوعه إلى الوزارة [٢] خمس سنين وأربعة أيام، وسمع بعض العوام يوم خلع عليه يقول: «وا لك خذ إليك أخذوا منا مصحفا وأعطونا طنبورا» فبلغ ذلك الخليفة، فكان ذلك سبب الإحسان إلى عَلي بْن عيسى، وحسن النية فيه إلى أن أخرج عن الحبس.
وفى فصل الصيف من هذه السنة: تفزع الناس من شيء من الحيوان يسمى الزبزب [٣] ، ذكروا أنهم يرونه بالليل على سطوحهم، وأنه يأكل أطفالهم، وربما قطع [٤] يد الإنسان إذا كَانَ نائما، وثدي المرأة فيأكله، فكانوا يتحارسون طول الليل، ويتزاعقون، ويضربون الطسوت والهواوين [٥] والصواني ليفزعوه فيهرب. وارتجت بغداد من الجانبين بذلك، واصطنع الناس [٦] لأطفالهم مكابا من سعف يكبونها عليهم بالليل، ودام ذلك حتى أخذ السلطان حيوانا أبلق كأنه من كلاب الماء، وذكروا أنه الزبزب، وانه صيد، فصلب عند رأس الجسر الأعلى بالجانب الشرقي فبقي مصلوبا إلى أن مات، فلم يغن ذلك شيئا، وتبين الناس أنه لا حقيقة لما توهموه، فسكنوا إلا أن اللصوص وجدوا فرصة بتشاغل الناس بذلك الأمر، وكثرت النقوب وأخذ الأموال [٧] .
وورد الخبر في هذه السنة من خراسان أنه وجد بالقندهار في أبراج سورها أزج متصل بها فيه ألف رأس في سلاسل [٨] ، من هذه الرءوس تسعة وعشرون رأسا، في اذن
стр. 4401
كل رأس رقعة مشدودة بخيط إبريسم باسم كل رجل منهم، وَكَانَ من الأسماء شريح بْن حيان، وخباب بْن الزبير [١] ، والخليل بْن موسى، وطلق بْن معاذ [٢] ، وحاتم بْن حسنة، وهانئ بْن عروة. وفى الرقاع تاريخ من سنة سبعين من الهجرة، فوجدوا على حالاتهم لم تتغير شعورهم [٣] إلا أن جلودهم قد جفت، وقلد سنان ابن ثَابِت الطبيب أمر المارستانات ببغداد وكانت خمسة [٤] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢١٢٤- إبراهيم بْن عبد الله بْن مُحَمَّد، بْن [أيوب أَبُو] إسحاق المخرمي [٥] :
حدث عن القواريري، وسري السقطي وغيرهما، قَالَ أَبُو بكر الإسماعيلي: كَانَ صدوقا، وَقَالَ الدارقطني: ليس بثقة، حدث عن قوم ثقات أحاديث باطلة [٦] .
وتوفي في رمضان هذه السنة.
٢١٢٥- إبراهيم بْن موسى بْن إسحاق [أَبُو إسحاق] [٧] الجوزي المعروف بالتوزي [٨] :
سمع بشر بْن الوليد القاضي، وعَبْد الأَعْلَى بن حماد النرسي، ومجاهد بن
стр. 4402
موسى، وابني أبي شيبة [١] في آخرين، روى عنه أَبُو الحسين بْن المنادي، وأبو علي ابن الصواف، وغيرهما. وَكَانَ ثقة صدوقا.
توفي فِي جمَادى الآخرة من هذه السنة، وقيل: [بل] [٢] في سنة ثلاثة.
٢١٢٦- إسحاق بْن إبراهيم بْن يونس بْن موسى، أَبُو يعقوب المعروف بالمنجنيقي الوراق [٣] :
حدث عن هناد، وأبي كريب وغيرهما. روى عنه جعفر الخلدي، والطبراني، وَكَانَ صدوقا صالحا زاهدا. وتوفي بمصر في جمادى الآخرة من هذه السنة.
٢١٢٧- طاهر بْن عبد العزيز، أَبُو الحسن الأندلسي الرعيني:
سمع من عَلي بْن عبد العزيز، وإسحاق الدبري، وَكَانَ عاقلا فهما، عارفا باللغة.
وتوفي في هذه السنة.
٢١٢٨- عبد العزيز بْن محمد بن دينار، أبو منحدم الفارسي [٤] :
سمع داود بْن رشيد. روى عنه أَبُو عَلي الصواف، وَكَانَ ثقة صادقا [٥] عابدا زاهدا صالحا. توفي في هذه السنة.
٢١٢٩- مُحَمَّد بن أَحْمَد بن خالد بن شيرزاذ، [أبو بكر] البوراني [٦] :
قاضى تكريت، حدث ببغداد عن الْقَاسِم بْن يزيد صاحب وكيع، وأحمد بْن منيع، [ولوين] [٧] وغيرهم.
стр. 4403
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَلي بْن مُحَمَّد بْن [١] نصر الدينَوَريّ، قَالَ: سمعت حمزة بْن يُوسُف السهمي، يقول: سألت الدارقطني عن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن خالد البوراني، فَقَالَ: لا بأس به، ولكنه يحدث عن شيوخ ضعفاء. قَالَ ابن ثَابِت: وقرأت في كتاب مُحَمَّد بْن المظفر بخطه، توفي أَبُو بكر البوراني يوم الأحد قبل الظهر، ودفن العصر في مقابر القطيعة لثمان خلون من صفر سنة أربع وثلاثمائة.
٢١٣٠- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الهيثم بْن منصور، أَبُو جعفر الدوري [٢] :
سمع أباه، ومحمد بْن عبد الملك الدقيقي وغيرهما. روى عنه أبو بكر الشافعي، ومحمد بن المظفر، وغيرهما. وكان ثقة. وتوفي في يوم السبت لثمان خلون من المحرم في هذه السنة.
٢١٣١- مُحَمَّد بن أَحْمَد بن الهيثم بن صالح بن عبد الله بن الحصين بن علقمة بن لبيد بن نعيم بن عطارد بن حاجب بن زرارة، أبو الحسن التميمي المصري يلقب فروجة [٣] :
قدم بغداد وحدث بها عن جماعة من المصريين. روى عنه الجعابي، ومحمد بْن المظفر وغيرهما. وَكَانَ ثقة حافظا. [وتوفي في هذه السنة] [٤] .
٢١٣٢- مُحَمَّد بْن الحسين بْن خالد، أَبُو الحسن القنبيطي [٥] :
سمع إبراهيم بْن سعيد الجوهري، ويعقوب الدورقي. روى عنه أَبُو عَلي بْن الصواف. وَكَانَ ثقة، توفي ليلة الثلاثاء [٦] ليلتين خلتا من صفر هذه السنة.
стр. 4404
٢١٣٣- يُوسُف بْن الحسين بْن عَلي، أَبُو يعقوب [١] الرازي:
صحب ذا النون المصري، وسمع أَحْمَد بْن حنبل. روى عنه أَبُو بكر النجاد.
أخبرنا أبو منصور القزاز، أخبرنا أحمد بن عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، [٢] ، قَالَ [٣] : حدثني عبد العزيز [بْن أبي طاهر الصوفي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طالب عقيل بْن عُبَيْد اللَّهِ بْن أَحْمَد السمسار، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْن جعفر بْن الجنيد الرازي، قَالَ:
سمعت يُوسُف بْن الحسين، يقول: قيل لي: إن ذا النون المصري يعرف اسم الله الأعظم، فدخلت مصر، فذهبت إليه فبصر بي وأنا طويل اللحية ومعي ركوة طويلة، فاستبشع منظري فلم يلتفت إلي، فلما كَانَ بعد أيام جاء إليه رجل صاحب كلام، فناظر ذا النون فلم يقم ذو النون بالحجج عليه، فأخذته إلي وناظرته فقطعته فعرف ذو النون فضلي، فقام إلي وعانقني وجلس بين يدي وهو شيخ وأنا شاب، وَقَالَ: اعذرني فلم أعرفك، فعذرته وخدمته سنة، فلما كَانَ بعد رأس السنة، قلت له: يا أستاذ قد خدمتك وقد وجب حقي عليك، وقيل لي إنك تعرف اسم الله الأعظم وقد عرفتني فلا تجد له موضعا مثلي فأحب أن تعلمني إياه. قَالَ: فسكت عني ذو النون ولم يجبني وكأنه أومى إلي أنه يخبرني، قَالَ: فتركني بعد ذلك ستة أشهر ثم أخرج إلي من بيته طبقا ومكبة مشدودا في منديل، وَكَانَ ذو النون يسكن الجيزة، فَقَالَ: تعرف فلانا صديقنا في الفسطاط؟ قلت: نعم، قَالَ: فأحب أن تؤدي هذا إليه، فأخذت الطبق وهو مشدود وجعلت أمشى طول الطريق وأنا متفكر فيه مثل ذي النون يوجه إلى فلان ترى إيش هو؟
قَالَ: فلم أصبر إلى أن بلغت الجسر، فحللت المنديل ورفعت المكبة، فإذا فأرة قفزت من الطبق ومرت قَالَ: فاغتظت غيظا شديدا، وقلت: ذو النون يسخر بي ويوجه مع مثلي
стр. 4405
فأرة، فرجعت على ذلك الغيظ، فلما رآني عرف ما بي، فَقَالَ: يا أحمق، إنما جربناك، ائتمنتك على فأرة فخنتني على اسم الله الأعظم؟ سر عني فلا أراك.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْن عَلي قَالَ: حدثني] [١] عبد العزيز بْن عَلي [٢] الأزجي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد المفيد [٣] قَالَ: سمعت أبا الحسن عَلي بْن إبراهيم الرازي/، يقول: حكى لي أَبُو خلف الوزان، عن يُوسُف بْن الحسين أنه رئي فِي المنام، فقيل لَهُ: مَا فعل الله بك؟ قَالَ: غفر لي ورحمني فقيل: بماذا؟
قَالَ: بكلمة أو بكلمات قلتها عند الموت، قلت: اللهم أنى نصحت الناس قولا وخنت نفسي فعلا فهب لي خيانة فعلي لنصح قولي. توفي يُوسُف في هذه السنة.
٢١٣٤- يموت بْن المزرع بْن يموت، أَبُو بكر [٤] العبدي:
من عبد القيس، بصرى قدم بغداد وحدث بها عن أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وأبي الفضل الرياشي، وَكَانَ صاحب أخبار [٥] وآداب وملح، وهو ابن أخت الجاحظ [٦] ، واسمه يموت ثم تسمى محمدًا، فغلب الاسم الأول عليه.
(أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بكر ثابت [٧] ، قال: أخبرني محمد بن اليزدي، قَالَ: أخبرني [٨] الحسين بْن عمر بْن محمد [٩] القاضي في كتابه، قال:
стр. 4406
سمعت يموت بْن المزرع يقول: بليت بالاسم الذي سماني به أبي فإني إذا عدت مريضا فاستأذنت عليه، فقيل: من ذا، قلت: أنا ابن المزرع وأسقطت اسمي.
مات يموت بطبرية، وقيل: بدمشق في هذه السنة [١] ، رحمة الله عليه.
стр. 4407
ثم دخلت سنة خمس وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه قدم رسول ملك الروم في الفداء، والهدنة. وَكَانَ الرسول غلاما حدث السن ومعه شيخ وعشرون غلاما، فأقيمت له الأنزال الواسعة، ثم أحضروا بعد أيام دار السلطان، وأدخلوا وقد عبئ لهم العسكر [وصف] [١] بالأسلحة التامة، وكانوا مائة وستين ألفا [ما بين] [٢] فارس وراجل [٣] ، وكانوا من أعلى باب الشماسية إلى الدار، وبعدهم الغلمان الحجرية والخدم والخواص بالسمة الظاهرة [٤] ، والمناطق المحلاة وكانوا سبعة آلاف خادم منهم أربعة آلاف بيض، وثلاثة آلاف سود، وَكَانَ الحجاب سبعمائة حاجب، وفي دجلة الطيارات والزبازب والسميريات بأفضل زينة، وسار الرسول، فمر على دار نصر القشوري الحاجب [٥] ، فرأى منظرًا عظيما، فظنه الخليفة، فداخلته له هيبة حتى قيل له: إنه الحاجب، وحمل إلى دار الوزير، فرأى أكثر مما رأى ولم يشك أنه الخليفة، فقيل له: هذا الوزير، وزينت دار الخليفة، فطيف بالرسول فيها
стр. 4408
فشاهد ما هاله، وكانت الستور ثمانية وثلاثين ألف ستر، والديباج المذهب منها اثنا عشر ألفا وخمسمائة وكانت البسط اثنين وعشرين ألفا، وَكَانَ في الدار من الوحش قطعان تأنس بالناس وتأكل من أيديهم، وَكَانَ هناك مائة سبع كل سبع بيد سباع، ثم أخرج إلى دار الشجرة، وكانت شجرة في وسط بركة فيها ماء صاف، والشجرة ثمانية عشر غصنا، لكل غصن منها شاخات كثيرة عليها الطيور والعصافير من كل نوع مذهبة ومفضضة، وأكثر قضبان الشجرة فضة وبعضها مذهب [١] ، وهي تتمايل، ولها ورق مختلف الألوان، وكل [شيء] [٢] من هذه الطيور يصفر، ثم أدخل إلى الفردوس، وَكَانَ فيه من الفرش والآلات ما لا يحصى، وفى دهاليزه عشرة آلاف جوشن مذهبة معلقة، ويطول شرح ما شاهد الرسول [٣] من العجائب، إلى أن وصل إلى المقتدر وهو جالس على سرير من آبنوس قد فرش بالدبيقي المطرز، وعن يمنة السرير تسعة عقود معلقة، وعن يسرته تسعة أخرى من أفخر الجواهر، يعلو ضوؤها [٤] على ضوء النهار، فلما وصل الرسولان إلى الخليفة وقفا [٥] عنده على نحو مائة ذراع، وعلي بْن مُحَمَّد بْن الفرات قائم بين يديه، والترجمان واقف يخاطب ابن الفرات، وابن الفرات يخاطب الخليفة، ثم أخرجا وطيف بهما في الدار حتى أخرجا إلى دجلة، وقد أقيمت على الشطوط الفيلة مزينة والزرافة والسباع والفهود، ثم خلع عليهما وحمل إليهما خمسون [سقروقا في كل سقروق] بدرة عشرة آلاف [٦] درهم.
وورد من مرو كتاب على السلطان أن نفرا عثروا من سور مدينة مرو على نقب،
стр. 4409
فكشفوا عنه الكيس فوصلوا إلى أزج فأصابوا فيه ألف رأس، وفى أذن كل رأس رقعة كتب فيها اسم صاحبه [١] .
وفى هذه السنة: ورد على السلطان هدايا جليلة من أَحْمَد بْن هلال صاحب عمان، وفيها أنواع الطيب، ورماح، وطرائف من طرائف البحر، وطائر أسود يتكلم بالفارسية والهندية أفصح من الببغاء، وظباء سود [٢] .
وفيها قلد أَبُو عمر مُحَمَّد بْن يُوسُف [٣] القضاء بالحرمين وكتب له عهده.
وفيها ثارت فتنة بالبصرة، وشغبوا على واليهم الحسن بْن الخليل الفرغاني، وأحرق الجامع وقتل [من] [٤] العامة خلق عظيم،.
وفيها حج بالناس [٥] الفضل بْن عبد الملك.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢١٣٥- إسماعيل بْن إسحاق بْن الحصين ابن بنت معمر بْن سليمان، أَبُو مُحَمَّد الرَّقِّيّ [٦] :
سكن بغداد، وحدث عن أَحْمَد بْن حنبل وغيره، حدث عنه مُحَمَّد بْن المظفر الحافظ، توفي في هذه السنة، وقيل: سنة ست.
٢١٣٦- سليمان بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد، أَبُو موسى النحوي المعروف بالحامض [٧] .
كَانَ من علماء الكوفيين [٨] ، أخذ عن ثعلب وصحبه أربعين سنة، وهو المقدم من
стр. 4410
أصحابه والذي جلس بعده في مجلسه، وصنف كتبا منها «غريب الحديث» «وخلق الانسان والوحوش والنبات [١] » . روى عنه أَبُو عمر الزاهد، وَكَانَ دينا صالحا.
وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة، ودفن بباب التبن [٢] .
٢١٣٧- عبد الله بْن صالح بْن عبد الله بْن الضحاك، أَبُو مُحَمَّد البخاري [٣] :
سمع الحسن بْن عَلي الحلواني، [ولوينا] [٤] ، وعثمان بْن أبي شيبة، روى عنه مُحَمَّد بْن المظفر. وَكَانَ ثقة ثبتا صالحا.
توفي في هذه السنة.
٢١٣٨- الْقَاسِم بْن زكريا بن يحيى، أبو بكر المقرئ المعروف [٥] بالمطرز:
سمع سويد بْن سعيد، وأبا كريب. روى عنه الخلدي، والجعابي [٦] . وَكَانَ ثقة ثبتا قارئا مصنفا نبيلا. توفي في صفر هذه السنة، ودفن في مقابر باب الكوفة.
٢١٣٩- مُحَمَّد بْن إبراهيم بْن أبان بْن ميمون، [أَبُو عبد الله] السراج [٧] :
سمع يحيى بْن عبد الحميد الحماني، وعُبَيْد اللَّهِ بْن عمر القواريري، وسريج بْن يونس [٨] . وغيرهم. وروى عنه أَبُو حفص الأبار [٩] ، وعلي بْن مُحَمَّد بْن لؤلؤ، وغيرهما. وكان ثقة. وتوفي في هذه السنة، وقيل: سنة ست وثلاثمائة، والله أعلم.
стр. 4411
ثم دخلت سنة ست وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أن فِي أول يوم من المحرم فتح سنان بْن ثَابِت الطبيب مارستان السيدة الّذي اتخذه لها بسوق يحيى على دجلة، وجلس فيه ورتب المتطببين، وكانت النفقة عليه كل شهر ستمائة دينار، وأشار سنان على المقتدر باتخاذ مارستان فاتخذه بباب الشام [فولاه سنان] [١] وسمي المقتدري، وكانت النفقة [عليه] [٢] في كل شهر مائتي دينار.
وقرئت الكتب على المنابر [٣] في صفر بما فتح الله [على يد يسر [٤] الأفشيني ببلاد الروم، وقرئت على المنابر في ربيع الأول بما فتح الله] [٥] على ثمل [٦] الخادم في بحر الروم.
وفى ربيع الآخر: توفي مُحَمَّد بْن خلف وكيع [٧] ، فتقلد أبو جعفر ابن البهلول ما كَانَ/ يتولاه من القضاء بمدينة المنصور وقضاء الأهواز.
стр. 4412
وفى هذا الشهر [١] شغب أهل السجن الجديد، وصعدوا السور، فركب نزار بْن مُحَمَّد [٢] صاحب الشرطة، وحاربهم، وقتل منهم واحدا، ورمى برأسه إليهم فسكنوا.
وفى هذا الشهر [٣] : ركب المقتدر إلى الثريا، وانصرف، فدخل من باب العامة [٤] ، ووقف طويلا حتى رآه الناس، وأرجف الناس بمرض المقتدر وأشاعوا موته، فركب إلى باب الشماسية ثم انحدر في دجلة إلى قصره. حتى رأوه فسكنوا.
وفى جمادى الأولى: قبض على أبي الحسين [٥] عَلي بْن مُحَمَّد بْن الفرات، ووكل بداره وما كَانَ فيها.
وفى هذه السنة: وثب بنو هاشم على عَلي بْن عيسى لتأخر أرزاقهم، فمدوا أيديهم إليه، فأمر المقتدر بالقبض عليهم وتأديبهم ونفاهم إلى البصرة، وأسقط أرزاقهم، فسأل فيهم عَلي بْن عيسى [فردوا] [٦] فتواروا وقبض على ابنه وبيعت أمواله وأملاكه، وحوسب، وكان [مما أعطى] [٧] سبعمائة ألف [دينار] [٨] ، وَكَانَ السبب انه أخر إطلاق [أرزاقهم] [٩] ، وأرزاق الجند، واحتج بضيق المال، [وَكَانَ قد] [١٠] صرفه إلى محاربة ابن أبي الساج، فطلب من المقتدر إطلاق مائتي ألف دينار من بيت المال [لإعطاء الجند] [١١] ، فثقل ذلك على المقتدر، وراسل ابن الفرات [١٢] فإنه كَانَ قد ضمن
стр. 4413
له أن يقوم بسائر النفقات، فاحتج بما أنفق على محاربة ابن أبي الساج، فلم يسمع اعتذاره [١] . وكوتب في الوقت أَبُو مُحَمَّد حامد بْن العباس بالإصعاد إلى الحضرة [٢] ، فتلقاه الناس، وبعثت إليه الألطاف، فلما قدم خلع عليه فركب وخلفه أربعمائة غلام لنفسه وصار إلى الدار بالمخرم فنزلها، وبان عجزه في التدبير، فأشير عليه أن يطلب عَلي بْن عيسى [يكون بين يديه ففعل، فأخرج عَلي بْن عيسى فحمل] [٣] إلى حامد [٤] ، فكان يحضر ومعه دواة وينظر في الأعمال ويوقع، وَكَانَ أَبُو على بْن مقلة ملازما لحامد يكتب بين يديه ويوقع بحضرته، وَكَانَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بْن إسماعيل [٥] المعروف بزنجي يحضر أيضا بين يدي حامد، فقوي أمر أبي الحسن عَلي بْن عيسى حتى غلب على الكل، فكان يمضي الأمور في النقض والإبرام من غير مؤامرة حامد، وقد كَانَ يحضر دار حامد في كل يوم دفعتين مدة شهرين ثم صار يحضر كل يوم دفعة واحدة [٦] ثم صار يحضر كل أسبوع مرة، ثم سقطت منزلة حامد عند المقتدر في أول صفر [٧] سنة سبع وتبين هو وخواصه [٨] أنه لا فائدة في الاعتماد عليه في شيء من الأمور، فتفرد حينئذ أَبُو الحسن عَلي بْن عيسى بتدبير جميع أمور المملكة، وصار حامد لا يأمر في شيء [بتة] [٩] .
وقلد أَبُو عمر القاضي المظالم في جمادى الآخرة من هذه السنة، وفى هذه السنة أمرت السيدة أم المقتدر قهرمانة لها تعرف بثمل أن تجلس بالتربة التي بنتها بالرصافة للمظالم، وتنظر في رقاع الناس في كل جمعة، فجلست وأحضرت
стр. 4414
القاضي أبا الحسين بْن الأشناني [١] وخرجت التوقيعات على السداد [٢] .
أَخْبَرَنَا ابن ناصر، قَالَ: أخبرنا أبو عبد الله الحُمَيْدِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّد عَلِيّ بْن أَحْمَد بْن سعيد الحافظ، قَالَ: [٣] قعدت ثمل القهرمانة في أيام المقتدر للمظالم، وحضر مجلسها القضاة والفقهاء [٤] .
وفيها حج بالناس الفضل بْن عبد الملك [٥] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢١٤٠- إبراهيم بن أحمد (بن محمد [٦] بْن الحارث، أَبُو الْقَاسِم الكلابي [٧] ،
روى عن الحارث بْن مسكين وغيره، وَكَانَ رجلا صالحا فقيها على مذهب [الإمام] [٨] الشافعي، وَكَانَ ثقة، وَكَانَ من أهل الصيانة والانقباض.
وتوفي في شعبان هذه السنة.
٢١٤١- أَحْمَد بْن يحيى، أَبُو عبد الله الجلاء [٩] :
بغدادي [١٠] سكن الشام، وصحب أبا تراب، وذا النون.
стр. 4415
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أَحْمَد بْن عَلي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الحافظ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الحسين قَالَ: سمعت مُحَمَّد بْن عبد العزيز الطبري يقول: سمعت أبا عمر الدمشقي، يقول: سمعت ابن الجلاء يقول: قلت لأبي وأمي:
أحب أن تهباني للَّه، فقالا: قد وهبناك [للَّه] [١] فغيبت عنهما مدة [٢] ، ثم رجعت من غيبتي، فكانت ليلة مطيرة فدققت عليهما الباب فقالا: من؟ قلت: ولدكما، قالا: كَانَ لنا ولد فوهبناه للَّه ، ونحن من العرب لا نرجع فيما وهبنا، وما فتحا لي الباب، توفي أبو عبد الله ابن الجلاء الصوفي في [رجب] [٣] هذه السنة [٤] .
٢١٤٢- أَحْمَد بْن الحسن بْن عبد الجبار بْن راشد، أَبُو عبد الله [٥] الصوفي
سمع عَلي بْن الجعد، وأبا نصر التمار، ويحيى بْن المعين في خلق كثير. وَكَانَ ثقة. وتوفي في يوم الجمعة لخمس بقين من رجب هذه السنة.
٢١٤٣- أَحْمَد بْن عمر بْن سريج [٦] ، أَبُو العباس [٧] القاضي:
حدث عن الحسن بْن مُحَمَّد الزعفراني، وعلي بْن أشكاب، وعباس الدوري [٨] ، وأبي داود وغيرهم، روى عنه سليمان بْن أَحْمَد الطبراني، [وأبو] [٩] أحمد