٢١٩١- عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مسلمة] [١] ، أَبُو مُحَمَّد الفزاري:
حدث عن عباد بْن الوليد الغبري [٢] ، روى عنه ابن المظفر/ وكان ثقة.
وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة.
٢١٩٢- عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مُحَمَّد [٣] ، بْن عبد الرحمن بْن هلال، أَبُو مُحَمَّد القرشي الشامي المعروف بأبي صخرة الكاتب [٤] :
سمع علي بن المديني، [؟] ، ويحيى بْن أكثم. روى عنه ابن المظفر. وكان ثقة. وتوفي ببغداد في شوال هذه السنة.
٢١٩٣- عيسى بن سليمان بن عبد الملك، أبو القاسم القرشي [٥] :
وراق داود بن رشيد، حدث عنه، و [عن] [٦] غيره، روى عنه ابن المظفر- وَكَانَ ثقة-. توفي فِي شعبان هَذِهِ السنة.
٢١٩٤- محمد بن أَحْمَد بْن حماد بْن سعد [٧] ، أَبُو بشر الدولابي الوراق [٨] :
مولى الأنصار، وكانت له معرفة بالحديث، وكان حسن التصنيف [٩] ، وحدث عن
стр. 4447
أشياخ فيهم كثرة، قَالَ أَبُو سعيد بْن يونس: وَكَانَ يضعف، توفي وهو قاصد إلى الحج بين مكة والمدينة بالعرج في ذي القعدة من هذه السنة.
٢١٩٥- مُحَمَّد بن أحمد بْن هلال، أَبُو بكر الشطوي [١] :
سمع أبا كريب، وأحمد بْن منيع، وغيرهما وروى عنه مُحَمَّد بْن المظفر وغيره، وربما سماه بعض الرواة أَحْمَد بْن مُحَمَّد، ومحمد بْن أَحْمَد أكثر.
وتوفي لأربع خلون من ربيع الأول من هذه السنة.
٢١٩٦- مُحَمَّد بن إبراهيم بن آدم بْن أبي الرجال، أَبُو جعفر الصالحي [٢] :
سكن بغداد وحدث بها عن بشر بْن هلال الصواف، وأزهر بْن جميل، وغيرهما.
روى عنه ابن المظفر، وغيره. وَكَانَ ثقة. [توفي في هذه السنة] [٣] .
٢١٩٧- مُحَمَّد بْن بنان بْن معن [٤] ، أَبُو إسحاق الخلال [٥] :
سمع مُحَمَّد بْن المثنى، ومهنأ بْن يحيى الشامي، وغيرهما. روى عنه علي بن عمر السكري، وأبو الفضل الزهري، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قَالَ: أنبأنا أَحْمَد بْن عَلي، قَالَ: أنبأنا الأزهري، قَالَ: أنبأنا عَلي بْن عمر الحافظ، قَالَ: مُحَمَّد بْن بنان بغدادي لم يكن به بأس. توفي في شعبان هذه السنة.
٢١٩٨- مُحَمَّد بْن جعفر بْن العباس بْن عيسى بْن أبي جعفر المنصور، يكنى أبا جعفر [٦] :
كَانَ خطيب الجامع بمدينة المنصور، فلم يزل يتولى ذلك حتى توفي في يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة من هذه السنة.
стр. 4448
٢١٩٩- مُحَمَّد بْن جرير بْن يزيد بْن كثير بْن غالب، أَبُو جعفر الطبري [١] :
ولد في آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وعشرين ومائتين، وَكَانَ أسمر إلى الأدمة أعين ملتف الجسم [٢] ، مديد القامة، فصيح اللسان، سمع محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وإسحاق بْن [أبي] [٣] إسرائيل، وأحمد بْن منيع البغوي، وأبا همام الوليد بْن شجاع، وأبا كريب، ويعقوب الدورقي، وأبا سعيد الأشج، ومحمد بْن بشار، وخلقا كثيرا من أهل العراق، والشام، ومصر. وحدث عنه أَحْمَد بْن كامل القاضي وغيره، استوطن ابن جرير بغداد إلى حين وفاته، وَكَانَ قد جمع من العلوم ما رأس به أهل عصره، وَكَانَ حافظا للقرآن، بصيرا بالمعاني، عالما بالسنن، فقيها في الأحكام، عالما باختلاف العلماء [٤] ، خبيرا بأيام الناس وأخبارهم، وتصانيفه كثيرة منها: كتاب «التاريخ» [٥] ، وكتاب «التفسير» [٦] و «تهذيب الآثار» [٧] إلا أنه لم يتمم تصنيفه وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة.
أَخْبَرَنَا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ [علي بْن ثَابِت] [٨] الخطيب، قَالَ: [سمعت] [٩] عَلي بْن عبيد الله بن عبد الغفار
стр. 4449
اللغوي يحكي أن مُحَمَّد بْن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة.
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بَكْر الخطيب، قَالَ: أخبرني الْقَاضِي أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن سلامة القضاعي أجازة، قال: حَدَّثَنَا عَلي بْن نصر بْن الصباح الثعلبي [قَالَ] : حَدَّثَنَا القاضي أَبُو عمر عُبَيْد اللَّهِ بْن أَحْمَد السمسار وأبو الْقَاسِم بْن عقيل الوراق: أن أبا جعفر الطبري قَالَ لأصحابه أتنشطون لتفسير القرآن [١] ؟ قالوا: كم يكون قدره [٢] ؟ قَالَ: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قَالَ: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟
قالوا: كم يكون قدره [٣] ؟ فذكر نحوا مما ذكر في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فَقَالَ: إنا للَّه ماتت الهمم، فاختصره في نحو مما اختصر التفسير.
[أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر الخطيب، قَالَ أنشدنا عَلي بْن عبد العزيز الطاهري، ومحمد بْن جعفر بْن علان الشروطي، قالا: أنشدنا مخلد بْن جعفر الدقاق [٤] ، قَالَ: أنشدنا مُحَمَّد بْن جرير الطبري.] [٥] .
إذا أعسرت لم يعلم رفيقي [٦] ... وأستغني فيستغني صديقي
حيائي حافظ لي ماء وجهي ... ورفقي في مطالبتي رفيقي
ولو أنى سمحت ببذل وجهي ... لكنت إلى الغنى سهل الطريق
قَالَ: وأنشدنا أيضا
خلقان لا أرضى طريقهما [٧] ... بطر الغنى ومذلة الفقر
стр. 4450
فإذا غنيت فلا تكن بطرا ... واذا افتقرت فته على الدهر
توفي أَبُو جعفر [الطبري] [١] وقت المغرب من عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة، ودفن وقد أضحى النهار يوم الاثنين برحبة يعقوب في ناحية باب خراسان في حجرة بإزاء داره [٢] ، وقيل: بل دفن ليلا ولم يؤذن به أحد، واجتمع من لا يحصيهم إلا الله، وصلى على قبره عدة شهور ليلا ونهارا.
وذكر ثَابِت بْن سنان في تاريخه: أنه إنما أخفيت حاله لأن العامة اجتمعوا [ومنعوا] [٣] من دفنه بالنهار وادعوا عليه الرفض، ثم ادعوا عليه [٤] الإلحاد.
قَالَ المصنف: كَانَ ابن جرير يرى [جواز] [٥] المسح على القدمين ولا يوجب غسلهما، فلهذا نسب إلى الرفض، وَكَانَ قد رفع في حقه أَبُو بكر بْن أبي داود قصة إلى نصر الحاجب [٦] يذكر عنه أشياء فأنكرها، منها: أنه نسبه إلى رأى جهم، وَقَالَ: إنه قائل: بَلْ يَداهُ [مَبْسُوطَتانِ] ٥: ٦٤ [٧] أي: نعمتاه، فأنكر هذا، وَقَالَ ما قلته، ومنها: أنه روى أن روح رَسُول اللَّهِ ﷺ لما خرجت سالت في كف عَلي فحساها [٨] ، فَقَالَ: إنما الحديث مسح بها على وجهه وليس فيه حساها.
قَالَ المصنف [﵀] [٩] : وهذا أيضا محال إلا أنه كتب ابن جرير في جواب هذا إلى نصر الحاجب [١٠] : لا عصابة في الإسلام كهذه العصابة الخسيسة، وهذا قبيح منه، لأنه كَانَ ينبغي أن يخاصم من خاصمه، وأما أن يذم طائفته جميعا وهو يدري إلى من ينتسب فغاية في القبح.
стр. 4451
ثم دخلت سنة إحدى عشرة وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أن بغلة وردت من مصر إلى بغداد ومعها فلو، وقد وضعت مهرا [١] في ربيع الأول، وَكَانَ يرتضع [٢] منها.
وأنه ظهر الجراد [وعظم أمره] [٣] ، وكثر إفساده للغلات.
وأنه قلد أَبُو عمرو [٤] حمزة بْن الْقَاسِم الصلاة في جامع المدينة، وشغب الجند في المحرم، فلما أطلقت أرزاقهم سكنوا.
وخلع على مؤنس المظفر وعقد له على الغزاة للصائفة [في هذه السنة] [٥] .
وقرئ كتاب على المنبر بالفتح على المسلمين من طرسوس. وَكَانَ نازوك أمر بضرب غلامين كَانَ أحدهما غلاما لبعض الرجالة المصافية، فحمل الرجالة السلاح وقصدوا دار نازوك، ووقعت بينهم حرب، وقتل جماعة، فركب المقتدر وبلغ إلى باب العامة، ثم أشار عليه نصر الحاجب بالرجوع فرجع، ووجه القواد للتسكين وشغلهم بإطلاق أرزاقهم فسكنوا [٦] .
стр. 4452
[وصرف حامد بْن العباس عن الوزارة، وعلي بْن عيسى عن الدواوين والأعمال، لأنه أخر أرزاق الجند] [١] .
وقبض [على] عَلي بْن عيسى وأنسابه [٢] ، والمتصرفين في أيامه، وقرر عليا ثلاثمائة ألف دينار.
وأخرج أَبُو الحسن عَلي بْن محمد [٣] [بن] [٤] الفرات، فقلد الوزارة يوم الخميس لتسع بقين من ربيع الآخر، وخلع عليه، وعلى ابنيه المحسن والحسين [٥] ، وأقطع الدار بالمخرم، وجلسوا للهناء وأخذوا ابن الفرات حامد بْن العباس فصادره وأخذ خطه بألف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار، وصادر مؤنسا خادم حامد على ثلاثين ألف دينار وروسل عَلي بْن عيسى أن يقرر بأمواله، فكتب أنه لا يقدر على أكثر من ثلاثة آلاف دينار، فأخذه المحسن ولد ابن الفرات [٦] وألبسه جبة صوف وأهانه وناله بالأذى الفاحش حتى استخرج منه اليسير.
وورد الخبر في ربيع الآخر بدخول أبي طاهر سليمان بْن الحسن الجنابي إلى البصرة سحر [٧] يوم الاثنين لخمس بقين من ربيع الآخر في ألف وسبعمائة رجل، وأنه نصب سلاليم بالليل على سورها [٨] ، وصعد على أعلى السور، ثم نزل إلى [٩] البلد، وقتل البوابين الذين [على الأبواب] [١٠] ، وفتح الأبواب، وطرح بين كل مصراعين حصباء
стр. 4453
ورملا كَانَ معه [١] على الجمال لئلا يمكن غلق الأبواب عليه، ووضع السيف في أهل البصرة، وأحرق المربد، ونقض الجامع ومسجد قبر طلحة [٢] ، وهرب الناس فطرحوا أنفسهم في الماء، فغرق أكثرهم، وأقام أَبُو طاهر بالبصرة سبعة عشر يوما يحمل على جماله كل ما يقدر عليه من الأمتعة والنساء/ والصبيان، وخرج منها بما معه يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة [خلت] [٣] . من جمادى الآخرة، [وولى] [٤] منصرفا إلى بلده.
وفى رجب استخلف القاضي أَبُو عمر ولده على القضاء بمدينة السلام، وركب إلى جامع الرصافة وحكم.
وفى رابع عشر رمضان، وقع برد المواريث إلى ذوي الأرحام.
وفى نصف رمضان أحرق على باب العامة صورة ماني وأربعة أعدال من كتب الزنادقة، فسقط منها ذهب وفضة مما كَانَ على المصاحف له قدر.
وفي هذه السنة اتخذ أبو الحسن ابن الفرات مارستانا في درب المفضل [٥] ، وأنفق عَلَيْهِ من ماله [٦] في كل شهر مائتي دينار جاريا.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٢٠٠- أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن هارون أَبُو بكر [٧] الخلال:
سمع الحسن بْن عرفة، وسعدان بْن نصر، وغيرهما وصرف عنايته إلى الجمع
стр. 4454
لعلوم أَحْمَد بْن حنبل وطلبها وسافر لأجلها وصنفها وجمع منها ما لم يجمعه أحد وكل من تبع هذا المذهب يأخذ من كتبه [١] ، وتوفي فِي يوم الجمعة [٢] قبل الصلاة ليومين خلوا من ربيع الأول من هذه السنة، ودفن إلى جنب المروذي [في الدكة] [٣] .
٢٢٠١- أَحْمَد بْن حفص بْن يزيد أَبُو بكر المعافري:
[حدث و] [٤] روى عن عيسى بْن حماد وغيره، وَكَانَ فاضلا.
توفي في ربيع الأول من هذه السنة.
٢٢٠٢- أحمد بن محمد بن الحسين، أَبُو مُحَمَّد الجريري [٥] :
سمع سريا [٦] ، وَكَانَ الجنيد يكرمه، وقيل له عند وفاته: إلى من نجلس بعدك؟
فقال: إلى أبي محمد الجريري [٧] .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أَخْبَرَنَا الخطيب [٨] ، أَخْبَرَنَا عبد الكريم بْن هوازن، قَالَ: أخبرني مُحَمَّد بْن الحسين السلمي، قَالَ: سمعت عبد الله الرازي، يقول: سمعت الجريري، يقول: منذ عشرين سنة ما مددت رجلي عند جلوسي [٩] في الخلوة، فإن حسن الأدب مع الله أولى.
стр. 4455
قَالَ عبد الكريم: وسمعت عبد الله بْن يُوسُف الأصبهاني يقول: سمعت أبا الفضل الصرام، يقول: سمعت عَلي بْن عبد الله يقول: اعتكف أبو محمد الجريريّ بمكة في سنة اثنتين وتسعين ومائتين، فلم يأكل ولم ينم ولم يستند إلى حائط، ولم يمد رجليه [١] ، فَقَالَ له أَبُو بكر الكتاني: يا أبا مُحَمَّد بماذا قدرت على اعتكافك؟ فَقَالَ: علم الله صدق باطني، فأعانني على ظاهري.
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن [بن محمد] [٢] قال: أخبرنا أحمد بن عَلي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عبد الواحد، أَخْبَرَنَا أبو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي، قَالَ: سمعت أبا سعيد الرازي [٣] ، يقول: توفي الجريري سنة وقعة الهبير، وطئته الجمال وقت الوقعة.
قَالَ السلمي: وسمعت أبا عبد الله الرازي، يقول: وقعة الهبير كانت في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
قَالَ مؤلف الكتاب [٤] ، [﵀] الهبير اسم موضع عارض فيه أَبُو سعيد الجنابي القرمطي الحاج، فأصاب منهم جماعة فتفرقوا فعاد وعارضهم في محرم [٥] سنة اثنتي عشرة، وفتك بهم الفتك القبيح، فجائز أن يكون الجريري قد هلك في المعارضة الأولى، وإنما هلك في الطريق وبقي على حاله.
وأخبرنا أَبُو منصور القزاز، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر أحمد بن عَلي [بْن ثَابِت] الحافظ [٦] ، أَخْبَرَنَا عبد الكريم بْن هوازن، قَالَ: سمعت أبا عبد الله بْن باكوية الشيرازي، يقول: سمعت أَحْمَد بْن عطاء الروذباري، يقول: مات الجريري سنة الهبير، فحزت عليه بعد سنة، وإذا هو مستند جالس وركبته إلى صدره [٧] ، وهو يشير إلى الله تعالى بإصبعه.
стр. 4456
٢٢٠٣- أَحْمَد بْن حمدان بْن عَلي بْن سنان، أَبُو جعفر النيسابوري [١] :
لقى أبا حفص [وغيره] [٢] وَكَانَ من الورعين، وأسند الحديث، وله كلام حسن، وَكَانَ يقول: أنت تبغض [أهل] [٣] المعاصي بذنب واحد تظنه ولا تبغض نفسك مع ما تيقنته من ذنوبك. توفي في هذه السنة.
٢٢٠٤- إبراهيم بْن السرى بْن سهل، أَبُو إسحاق الزجاج [٤] :
كَانَ من أهل الفضل والعلم مع حسن الاعتقاد، وله تصانيف حسان.
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتِ بْن حسان [قَالَ] [٥] : أَخْبَرَنَا عَلي بْن أبي عَلي البغدادي، قَالَ: أخبرني أَبُو الحسن أَحْمَد بْن يُوسُف الأزرق في كتابه، قَالَ: حدثني أَبُو مُحَمَّد بْن درستويه، قَالَ: حدثني الزجاج، قَالَ: كنت أخرط الزجاج، فاشتهيت النحو فلزمت المبرد لتعلمه، وَكَانَ لا يعلم مجانا [ولا يعلم] [٦] بأجرة إلا على قدرها، فقال لي: أي شيء صناعتك؟ قلت: أخرط الزجاج وكسبي في كل يوم درهم ونصف وأريد أن تبالغ في تعليمي وأنا أعطيك كل يوم درهما، وأشترط لك أني أعطيك إياه أبدا إلى أن يفرق الموت بيننا استغنيت عن التعلم أو احتجت إليه، قَالَ: فلزمته وكنت أخدمه في أموره ومع ذلك فأعطيه الدرهم، فينصحني
стр. 4457
في العلم حتى استقللت فجاءه كتاب بعض بني مادمة من الصراة [١] يلتمسون معلما نحويا لأولادهم، فقلت له: اسمني لهم، فأسماني فخرجت فكنت أعلمهم وأنفذ إليه في كل شهر ثلاثين درهما وأتفقده بعد ذلك بما أقدر عليه، ومضت على ذلك مدة، فطلب منه عُبَيْد اللَّهِ بْن سليمان مؤدبا لابنه الْقَاسِم، فقال: لا أعرف لك إلا رجلا زجاجا بالصراة مع بني مادمة [٢] ، قَالَ: فكتب إليهم عُبَيْد اللَّهِ فاستنزلهم عني فأحضرني وأسلم إلى الْقَاسِم، فكان ذلك سبب غناي، وكنت أعطي المبرد ذلك الدرهم في كل يوم إلى أن مات ولا أخليه من التفقد معه بحسب طاقتي [٣] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَلِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِي بْن أبي عَلي، قَالَ: أخبرني أبي، قَالَ: حدثني أَبُو الحسين عبد الله بْن أَحْمَد بْن عياش القاضي، قَالَ: حدثني أَبُو إسحاق الزجاج، قَالَ: كنت أؤدب الْقَاسِم بْن عبيد الله، فأقول له: إن بلغك الله مبلغ أبيك ووليت الوزارة ماذا تصنع بي؟ [٤] فيقول: ما أحببت، فأقول: [أن] [٥] تعطيني عشرين ألف دينار، وكانت غاية أمنيتي، فما مضت إلا سنون حتى ولي الْقَاسِم الوزارة وأنا على ملازمتي له، وقد صرت نديمه، فدعتني نفسي إلى إذكاره بالوعد ثم هبته، فلما كَانَ في اليوم الثالث من وزارته، قَالَ لي: يا أبا إسحاق ألم أرك أذكرتني بالنذر؟ فقلت: عولت على رأي الوزير أيده الله، وأنه لا يحتاج إلى إذكاري لنذر عليه في أمر خادم واجب الحق، فَقَالَ لي: إنه المعتضد [باللَّه] [٦] ولولاه ما تعاظمني دفع ذلك إليك في مكان واحد، ولكن أخاف أن يصير له معك حديثا فاسمح لي أن تأخذه متفرقا [٧] ، فقلت: أفعل، فَقَالَ: اجلس للناس وخذ رقاعهم في الحوائج الكبار، واستجعل عليها، ولا تمتنع من مسالتي شيئا تخاطب فيه
стр. 4458
صحيحا كَانَ أو محالا إلى أن يحصل لك مال النذر، ففعلت ذلك وكنت أعرض عليه كل يوم رقاعا فيوقع فيها، وربما قَالَ لي: كم ضمن لك على هذا؟ فأقول: كذا وكذا فيقول: غبنت هذا يساوي كذا وكذا فاستزد، فأراجع القوم فلا أزال أماكسهم ويزيدونني حتى أبلغ [ذاك] [١] الحد الذي رسمه [لي] [٢] ، قَالَ: وعرضت عليه شيئا عظيما فحصلت عندي عشرون ألف دينار وأكثر منها في مديدة، فَقَالَ لي بعد شهور: يا أبا إسحاق حصل مال النذر؟ فقلت: لا فسكت وكنت أعرض ثم يسألني في كل شهر أو نحوه هل حصل المال؟ فأقول: لا خوفا من انقطاع الكسب إلى أن حصل عندي ضعف ذلك المال، فسألني يوما فاستحييت من الكذب المتصل، فقلت: قد حصل لي ذلك ببركة الوزير، فَقَالَ فرجت والله عني فقد كنت مشغول القلب إلى أن يحصل لك، قَالَ:
ثم أخذ الدواة فوقع لي إلى خازنه [٣] بثلاثة آلاف دينار [صلة] [٤] فأخذتها وامتنعت أن أعرض عليه شيئا، ولم أدر كيف أقع منه، فلما كَانَ من غد جئته وجلست على رسمي، فأومأ إلي: هات ما معك، يستدعي مني الرقاع على الرسم، [فقلت] [٥] ما أخذت من أحد رقعة، لأن النذر قد وقع الوفاء به ولم أدر كيف أقع من الوزير، فَقَالَ يا سبحان الله أتراني كنت أقطع عنك شيئا قد صار لك عادة [٦] وعلم به الناس وصارت لك به منزلة عندهم وجاه وغدو ورواح إلى بابك ولا يعلم سبب انقطاعه [٧] فيظن ذلك لضعف جاهك عندي أو تغير رتبتك، أعرض عَلي على رسمك، وخذ بلا حساب فقبلت يده وباكرته من غد بالرقاع، وكنت أعرض عليه كل يوم إلى أن مات/ وقد أثلث حالي هذه.
قَالَ المصنف [٨] [﵀] [٩] رأيت كثيرا من أصحاب الحديث والعلم يقرءون
стр. 4459
هذه الحكاية ويتعجبون مستحسنين لهذا الفعل غافلين عما تحته من القبيح، وذلك أنه يجب على الولاة إيصال قصص المظلومين وأهل الحوائج، فإقامة من يأخذ الأجعال على هذا قبيح حرام [١] ، وهذا مما يهن به الزجاج وهنا عظيما، ولا يرتفع لأنه إن كَانَ لم يعلم ما في باطن ما قد حكاه عن نفسه فهذا جهل بمعرفة حكم الشرع، وإن كَانَ يعرف فحكايته في غاية القبح نعوذ باللَّه من قلة الفقه [٢] .
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت، أخبرنا أَبُو الجوائز الحسن بْن عَلي الكاتب، قَالَ: حدثني أَبُو الْقَاسِم عَلي بْن طلحة النحوي، قال: سمعت أبا علي الفارسيّ يقول: دخلت مع شيخنا أبي إسحاق الزجاج على الْقَاسِم بْن عُبَيْد اللَّهِ الوزير، فورد إليه خادم وساره بشيء استبشر به، ثم تقدم إلى شيخنا أبي إسحاق بالملازمة إلى أن يعود، ثم نهض فلم يكن بأسرع من أن عاد وفى وجهه أثر الوجوم، فسأله شيخنا عن ذلك لأنس [٣] كَانَ بينه وبينه فَقَالَ: كانت تختلف إلينا جارية لإحدى المغنيات [٤] ، فسمتها أن تبيعني إياها فامتنعت من ذلك، ثم أشار عليها أحد [٥] من [كَانَ] [٦] ينصحها بأن تهديها إلي رجاء أن أضاعف لها ثمنها [٧] ، فلما وردت أعلمني الخادم بذلك [٨] ، فنهضت مستبشرا لافتضاضها فوجدتها قد حاضت، فكان مني ما ترى، فأخذ شيخنا الدواة من يديه وكتب:
فارس ماض بحربته ... حاذق بالطعن في الظلم
стр. 4460
رام أن يدمي فريسته ... فاتقته من دم بدم
أنبأنا أبو منصور القزاز، أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: حدثني أبو بكر أحمد بن مُحَمَّد الغزال، قَالَ: أنبأنا عَلي بْن عبد العزيز، قَالَ أنبأنا [١] أَبُو مُحَمَّد الوراق، [قَالَ] [٢] جار كَانَ لنا، قَالَ: كنت بشارع الأنبار وأنا صبي يوم نيروز فعبر رجل راكب فبادر بعض الصبيان، وقلب عليه ماء [٣] ، فأنشأ يقول وهو ينفض رداءه من الماء.
إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ... ولا خير في وجه إذا قل ماؤه
فلما عبر قيل لنا، هذا أَبُو إسحاق الزجاج. قَالَ الطاهري: شارع الأنبار هو النافذ إلى الكبش والأسد.
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن علي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الطيب الطبري، قَالَ: حدثني مُحَمَّد بْن طلحة، قَالَ: حدثني القاضي مُحَمَّد بْن أحمد المخرمي، أنه جرى بينه وبين الزجاج وبين المعروف بمسينة، وَكَانَ من أهل العلم شر، واتصل ونسجه إبليس [٤] وأحكمه حتى خرج الزجاج إلى حد الشتم، فكتب إليه مسينة:
أبى الزجاج إلا شتم عرضي ... لينقعه فآثمه وضره
وأقسم صادقا ما كَانَ حر ... ليطلق لفظه في شتم حره
فلو أني كررت لفر مني [٥] ... ولكن للمنون على كره [٦]
فأصبح قد وقاه الله شري ... ليوم لا وقاه الله شره
فلما اتصل هذا الخبر بالزجاج قصده راجلا حتى اعتذر إليه وسأله [٧] الصلح.
стр. 4461
توفي الزجاج يوم الجمعة لإحدى عشرة مضت من جمادى الآخرة من هذه السنة.
٢٢٠٥- بدر أَبُو النجم، مولى المعتضد باللَّه، ويسمى بدر الكبير، ويقال له [بدر] [١] الحمامي:
وَكَانَ قد تولى الأعمال مع ابن طولون بمصر، فلما قتل قدم بغداد فولاه السلطان أعمال الحرب والمغاور بفارس وكرمان [٢] ، فخرج إلى عمله وحدث عن هلال بْن العلاء [٣] ، وغيره وأقام هناك وطالت أيامه [٤] حتى توفي بشيراز ثم نبش وحمل إلى بغداد، وقام ولده مُحَمَّد مقامه في حفظ البلاد.
٢٢٠٦- حامد بْن العباس، أَبُو محمد [٥] :
استوزره المقتدر باللَّه سنة ست وثلاثمائة وكان موسرا له أربعمائة مملوك يحملون السلاح، [لكل واحد منهم مماليك] [٦] ، وكان يحجبه ألف وسبعمائة حاجب [٧] ، وَكَانَ ينظر بفارس قديما، ودام نظره بواسط، وَكَانَ صهره أَبُو الحسين بْن بسطام إذا سافر كَانَ معه أربعون بختية موقرة أسرة ليجلس عليها، وفيها واحدة موقرة سفافيد المطبخ، وكان معه أربعمائة سجادة للصلاة، فلما قبض على حامد صودر صهره هذا على ثلاثمائة ألف دينار.
وَكَانَ حامد ظاهر المروءة كثير العطاء، فحكى أَبُو بكر الصولي أنه شكا إليه شفيع
стр. 4462
المقتدري فناء شعيره، فجذب الدواة وكتب له بمائة [١] كر شعير، فَقَالَ له ابن الحواري:
فأنا اكتب له بمائة كر، فنظر إليه نصر الحاجب، فكتب له بمائة كر، وكتب لأم موسى بمائة كر [٢] ، ولمؤنس الخادم بمائة كر.
وحكى أَبُو عَلي التنوخي عن بعض الكتاب، قَالَ: حضرت مائدة حامد وعليها عشرون نفسا، وكنت أسمع أنه ينفق عليها كل يوم مائتي دينار، فاستقللت ما رأيت ثم خرجت فرأيت في الدار نيفا وثلاثين مائدة منصوبة، على كل مائدة ثلاثون نفسا، وكل مائدة كالمائدة التي بين يديه، حتى البوارد والحلوى، وَكَانَ لا يستدعي أحدا إلى طعامه بل يقدم الطعام إلى كل قوم في أماكنهم.
أنبأنا مُحَمَّد بْن أبي طاهر، قَالَ: أنبأنا عَلي بْن المحسن التنوخي [إذنا] [٣] عن أبيه، قَالَ: حدثني القاضي أَبُو الحسن مُحَمَّد بْن عبد الواحد الهاشمي، قَالَ: كَانَ حامد بْن العباس من أوسع من رأيناه نفسا، وأحسنهم مروءة، وأكثرهم نعمة، وأشدهم سخاء وتفقدا لمروءته، وَكَانَ ينصب في داره كل يوم عدة موائد ولا يخرج من الدار أحد من الجلة والعامة والحاشية وغيرهم إذا حضر الطعام أو يأكل حتى غلمان الناس، فربما نصب في داره في يوم واحد أربعون مائدة. وَكَانَ يجري على كل من يجرى عليه الخبز لحما وكانت جراياته كلها الحواري، فدخل يوما إلى دهليزه فرأى فيه قشر باقلاة، فأحضر وكيله، وَقَالَ: [ويلك] [٤] ! يؤكل في داري الباقلاء؟ قَالَ: هذا من فعل البوابين، قَالَ: أو ليست لهم جرايات لحم؟ قَالَ بلى، قَالَ فسلهم عن السبب، فسألهم فقالوا: لا نتهنأ بأكل اللحم دون عيالنا فنحن ننفذه إليهم لنأكله معهم ليلا ونجوع بالغدوات فنأكل الباقلاء، فأمر حامد أن يجرى عليهم جرايات لعيالهم تحمل إلى منازلهم، وإن يأكلوا جراياتهم في الدهليز، ففعل ذلك، فلما كَانَ بعد أيام رأى قشر باقلاة في الدهليز، فاستشاط [غيظا] [٥] وَكَانَ حديدا فشتم وكيله وَقَالَ: ألم أضعف الجرايات، فلم في
стр. 4463
دهليزي قشور الباقلاء؟ فَقَالَ: إن الجرايات لما تضاعفت جعلوا الأولى لعيالاتهم في كل يوم، وصاروا يجمعون الثانية عند القصاب، فإذا خرجوا من النوبة ومضوا نهارا إلى منازلهم في نوبة استراحتهم فيها أخذوا ذلك مجتمعا من القصاب فتوسعوا به، قَالَ:
فلتكن الجرايات بحالها، وليتخذ مائدة في كل [يوم و] [١] ليلة تنصب غدوة قبل نصب موائدنا يطعم عليها هؤلاء [٢] ، والله لئن وجدت بعد هذا في دهليزي قشر باقلاة لأضربنك وجميعهم بالمقارع، ففعل ذلك، وَكَانَ ما زاد في نفقة الأموال فيه أمرا عظيما.
قَالَ المحسن: وحدثني هبة الله بْن مُحَمَّد بْن يُوسُف المنجم، قَالَ: حدثني جدي قَالَ: وقفت امرأة لحامد بْن العباس [على الطريق] [٣] فشكت إليه الفقر ودفعت إليه قصة كانت معها، فلما جلس وقع لها بمائتي دينار، فأنكر الجهبذ دفع هذا القرار إلى مثلها، فراجعه فَقَالَ حامد: والله ما كَانَ في نفسي أن أهب لها إلا مائتي درهم ولكن الله تعالى أجرى لها على يدي مائتي دينار، فلا أرجع في ذلك، أعطها فدفع إليها، فلما كَانَ بعد أيام دفع إليه رجل قصة يذكر فيها أن امرأتي وأنا كنا فقراء فرفعت قصة إلى الوزير فوهب لها مائتي دينار، فاستطالت عَلي بها وتريد الآن إعناتي لأطلقها فان رأى الوزير أن يوقع لي من يكفها عني فعل، فضحك حامد فوقع له بمائتي دينار، وَقَالَ: قولوا له [يقول لها] [٤] : قد صار الآن مالك مثل مالها فهي لا تطالبك بالطلاق، فقبضها [٥] ، وانصرف غنيا.
قَالَ المحسن: وحدثني عبد الله بْن أَحْمَد بْن داسة، [قَالَ] [٦] : حدثني أَبُو الحسين أَحْمَد بْن الحسين بْن المثنى [٧] ، قَالَ لما قدم حامد بْن العباس الأبلة يريد الأهواز وهو وزير خرجت لتلقيه، فرأيت له حراقة ملاحوها خصيان بيض وعلى وسطها
стр. 4464
شيخ يقرأ القرآن وهي مظللة مسترة فسألت عن ذلك، فقالوا: هذه حراقة الحرم لا يحسن أن يكون ملاحوها فحولة.
قَالَ المحسن: وحدثني أَبُو عبد الله الصيرفي، قَالَ: حدثني أَبُو عبد الله القنوتي [١] ، قَالَ: ركب حامد وهو عامل واسط/ إلى بستان [له] [٢] فرأى بطريقه دارا محترقة وشيخا يبكي ويولول، وحوله صبيان ونساء على مثل حاله، فسأل عنه، فقيل:
هذا رجل تاجر احترقت داره وافتقر فوجم ساعة، ثم قَالَ: أين فلان الوكيل؟ فجاء، فقال له: أريد أن أندبك لأمر إن [٣] عملته كما أريد فعلت بك وصنعت- وذكر جميلا- وإن تجاوزت فيه رسمي فعلت بك وصنعت- وذكر قبيحا- فَقَالَ: مر بأمرك، فَقَالَ ترى هذا الشيخ قد آلمني قلبي له، وقد تنغصت عَلي نزهتي بسببه، وما تسمح نفسي بالتوجه إلى بستاني إلا بعد أن تضمن لي أنني إذا عدت العشية من النزهة وجدت الشيخ في داره وهي كما كانت مبنية مجصصة [٤] نظيفة، وفيها صنوف المتاع والفرش والصفر كما كانت، وتباع له ولعياله كسوة الشتاء والصيف مثل ما كان لهم، فقام الوكيل فتقدم إلى الخازن بأن يطلق ما أريده وإلى صاحب المعونة أن يقف معي ويحضر من أطلبه من الصناع، فتقدم حامد بذلك- وَكَانَ الزمان صيفا- فتقدم بإحضار أصناف الروز جارية، فكانوا ينقضون بيتا [٥] ويقيمون فيه من يبنيه، وقيل لصاحب الدار اكتب جميع ما ذهب منك حتى المكنسة والمقدحة، وصليت العصر وقد سقفت الدار، وجصصت، وغلقت الأبواب، ولم يبق غير الطوابيق، فأنفذ الرجل [٦] إلى حامد وسأله التوقف في البستان وأن لا يركب منه إلى أن يصلي عشاء الآخرة [٧] ، فبيضت الدار [٨] ، وكنست وفرشت،
стр. 4465
ولبس الشيخ وعياله الثياب، ودفعت إليهم الصناديق والخزائن مملوءة بالأمتعة، فاجتاز حامد والناس قد اجتمعوا كأنه يوم عيد يضجون بالدعاء له، فتقدم حامد إلى الجهبذ بخمسة آلاف درهم يدفعها إلى الشيخ يزيدها في بضاعته، وسار حامد إلى داره.
قَالَ المحسن: حدثني أَبُو الحسن بْن المأمون الهاشمي: أنه وجد لحامد في نكبته التي قتل فيها في بئر لمستراح له أربعمائة ألف دينار [عينا] [١] دل عليها لما اشتدت به المطالبة.
وأخبرني غيره أن حامدا كَانَ عمل حجرة وجعل فيها مستراحا، وَكَانَ يتقدم إلى وكيله [٢] أن يجيء بالدنانير، فكلما حصل له كيس أخذه ثيابه وقام كأنه يبول، فدخل ذلك المستراح، فألقى الكيس في البئر وخرج [٣] من غير أن يصب فيها ماء ولا يبول ويوهم الفراش أنه فعل ذلك، فإذا أخرج قفل المستراح ولم يدخله غيره على رسم مستراحات الملوك، فإذا أراد الدخول فتحه له الخادم المرسوم بالوضوء وذلك الخادم [المرسوم بالوضوء] [٤] لا يعلم السر في ذلك، فلما تكامل المال، قَالَ: هذا المستراح فسد فسدوها [٥] ، [فسد] [٦] وعطل، فلما اشتدت به المطالبة دل عليه فأخرج ما فيه.
ولما عزل المقتدر حامدا قرر مع ابن الفرات أنه لا ينكبه، وَقَالَ: خدمنا بغير رزق، وشرط أن يناظر بمحضر من القضاة والكتاب، وَكَانَ قد وقع بينه وبين مفلح الخادم وجرى بينهما [مخاشنة] [٧] ، فَقَالَ حامد: والله لابتاعن مائة أسود أجعلهم قوادا، وأسمي كل واحد منهم مفلحا، فأدى عنه مفلح إلى الخليفة ما لم يقله، وأشار بأن ينفذ إلى ابن الفرات، وَقَالَ: إن لم يكن [٨] في قبضه وقفت أموره، فتقدم الخليفة بذلك وأمر ابن
стр. 4466
الفرات أن يفرد له دارا حسنة، ويفرش له فرشا جميلا، ويحضر ما يختار من الأطعمة، وباع حامد داره التي [كانت له] [١] على الصراة من نازوك باثني عشر ألف دينار، وباع خادما له عليه بثلاثة آلاف دينار، وأقر حامد بألف ألف دينار ومائتي ألف دينار، وأحدر إلى واسط في رمضان هذه السنة فتسلمه مُحَمَّد بْن عبد الله البزوفري [٢] ، وَكَانَ ينظر من قبل لحامد، فأراد البزوفري [٣] أن يحتاط لنفسه حين مرض حامد، فأحضر قاضي واسط وشهودها يخبرهم أنه مات حتف أنفه، فلما دخل الشهود عليه قال لهم: ان الفرات الكافر الفاجر الرافضي عاهدني وحلف بأيمان البيعة إن أقررت بأموالي صانني عن المكروه، فلما أقررت سلمني إلى ابنه فقدم لي بيضا مسموما فلا صنع للبزوفري [٤] في دمي إلى وقتنا هذا، ولكنه كفر إحساني. توفي حامد في رمضان هذه السنة.
٢٢٠٧- عَبْد اللَّهِ بْن إسحاق بْن إبراهيم بْن حماد بْن يعقوب [٥] . أَبُو مُحَمَّد الأنماطي [٦] المدائني:
سكن بغداد وحدث بها عن الصلت بن مسعود الجحدري، وعثمان بْن أبي شيبة. روى عنه ابن الجعابي، وابن مظفر. وَقَالَ الدارقطني: ثقة مأمون.
توفي في ذي القعدة من [٧] هذه السنة.
٢٢٠٨- مُحَمَّد بْن إسحاق بْن خزيمة، [بْن المغيرة] [٨] بْن صالح بْن بكر السلمى، مولى مجشر بْن مزاحم، [٩] أَبُو بكر:
طاف البلاد في طلب الحديث، فسمع بنيسابور من ابن راهويه وغيره، وبمرو من
стр. 4467
عَلي بْن حجر وغيره، وبالري من مُحَمَّد بْن مهران وغيره، وببغداد من أَحْمَد بْن منيع وغيره، وبالبصرة من بشر بْن معاذ العقدي وغيره، وبالكوفة من أَبِي كريب وغيره، وبالحجاز من عَبْد الجبار بْن العلاء وغيره [١] [وبالشام من موسى بْن سهل الرملي وغيره، وبالجزيرة من عبد الجبار بْن العلاء وغيره] [٢] ، وبمصر من يونس بْن عبد الأعلى وغيره، و [سمع] [٣] بواسط من مُحَمَّد بْن حرب وغيره، روى عنه جماعة من مشايخه منهم البخاري ومسلم، وَكَانَ مبرزا في علم الحديث وغيره.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد [٤] بْن ناصر، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّد الحسن بْن أَحْمَد السمرقندي، قَالَ: سمعت أبا سعيد [٥] أَحْمَد بْن مُحَمَّد العبداني، يقول: أَخْبَرَنَا أَبُو إسحاق أَحْمَد بْن مُحَمَّد المفسر، [قَالَ] [٦] أخبرنا أبو محمد بن [٧] الخطيب، قَالَ: سمعت أبا الحارث روح بْن أَحْمَد بْن روح، يقول: سمعت أبا العباس أَحْمَد بْن المظفر البكري، يقول:
سمعت مُحَمَّد بْن هارون الطبري، يقول: كنت أنا ومحمد بْن نصر المروزي، ومحمد بْن علويه الوزان، ومحمد بْن إسحاق بْن خزيمة على باب الربيع بْن سليمان بمصر نسمع منه كتب الشافعي، فبقينا ثلاثة أيام [٨] بلياليهن لم نطعم شيئا، وفنيت أزوادنا. فقلت: الآن قد حلت لنا المسألة، فمن يسأل؟ فاستحيا كل واحد منا أن يسأل، فقلنا نقترع فوقعت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة، فقال: دعوني أصلي ركعتين. وسجد يدعو بدعاء الاستخارة، إذ قرع علينا [٩] الباب، فخرج واحد فإذا هو رجل خادم لأحمد بْن طولون أمير مصر وبين يديه شمعة [وخلفه شمعة] [١٠] فاستأذن
стр. 4468
فدخل ثم سلم وجلس وأدخل يده في كمه فأخرج رقعة، فَقَالَ: من مُحَمَّد بْن نصر المروزي؟ فقلنا: هذا، فأخرج صرة فيها خمسون دينارا فأعطاه، ثم قَالَ: إن الأمير أَحْمَد بْن طولون يقرأ عليك السلام ويقول [لك] [١] استنفق هذا فإذا فني بعثنا إليك مثله، [قَالَ: من مُحَمَّد بْن علويه الوزان؟ فقلنا: هذا، فأعطاه مثل ذلك] [٢] ثم قَالَ: من مُحَمَّد بْن هارون الطبري؟ فقلت: أنا، فأعطاني مثل ذلك، ثم قَالَ: من مُحَمَّد بْن إسحاق بْن خزيمة؟ فقلنا: هو ذاك الساجد، فأمهله حتى رفع رأسه من السجدة فأعطاه مثل ذلك. فقلنا له: لا نقبل هذا منك حتى تخبرنا بالقصة فَقَالَ: إن الأمير أَحْمَد بْن طولون كَانَ قائلا نصف النهار، إذ آتاه آت في منامه، فَقَالَ: يا أَحْمَد، ما حجتك غدا عند الله إذا وقفت بين يديه فسألك عن أربعة من أهل العلم [٣] طووا منذ ثلاثة أيام لم يطعموا شيئا؟ فانتبه فزعا مذعورا، فكتب أسماءكم وصرر هذه الصرر وبعثني في طلبكم، وكنت أستخبر خبركم حتى وجدتكم الآن [٤] . [وَقَالَ المؤلف] [٥] : وقد رويت لنا هذه الحكاية على وجه آخر.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أحمد بن علي الخطيب، [٦] قَالَ: حدثني أَبُو الفرج مُحَمَّد بْن عبد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الشيرازي لفظا، قَالَ: [سمعت] [٧] أَحْمَد بْن منصور بْن مُحَمَّد الشيرازي، يقول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد الصحاف السجستاني، قَالَ: سمعت أبا العباس البكري- من ولد أبي بكر الصديق ﵁ يقول:
جمعت الرحلة بين مُحَمَّد بْن جرير، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بْن هارون الروياني بمصر، فأرملوا ولم يبق عندهم ما يقوتهم، وأضربهم الجوع، فاجتمعوا ليلة في منزل كانوا يأوون اليه، فاتفق رأيهم على أن
стр. 4469
يستهموا ويضربوا القرعة، فمن خرجت عليه القرعة سأل لأصحابه الطعام، فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة، فقال لأصحابه: أمهلوني حتى أتوضأ وأصلي صلاة الخيرة، قَالَ [١] : فاندفع في الصلاة فإذا هم بالشموع وخصي من قبل والى مصر يدق الباب، ففتحوا الباب، فنزل عن دابته، فَقَالَ: أيكم مُحَمَّد بْن/ نصر؟ فقيل: هو هذا، فأخرج صرة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه، ثم قَالَ: أيكم مُحَمَّد بْن جرير؟
فقالوا: هذا، فأخرج صرة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه، ثم قَالَ: أيكم مُحَمَّد بْن هارون؟ فقالوا: هو هذا، فأخرج صرة في خمسون دينارا فدفعها إليه، ثم قَالَ: أيكم مُحَمَّد بْن إسحاق بْن خزيمة، فقالوا: هو هذا يصلي، فلما فرغ دفع إلَيْهِ صرة فيها خمسون دينارا، ثم قَالَ: [٢] إن الأمير كَانَ قائلا بالامس فرأى في المنام خيالا قَالَ: إن المحامد طووا كشحهم جياعا، فأنفذ إليكم هذه الصرر وأقسم عليكم إذا نفدت فابعثوا إلي أحدكم.
[قَالَ مؤلف الكتاب [٣]] وقد سبق نحو هذه الحكايات عن الحسن بْن سفيان النسوي [٤] .
توفي أَبُو بكر بْن خزيمة ليلة السبت ثامن ذي القعدة من هذه السنة، ودفن في حجرة من داره، ثم صيرت تلك الدار مقبرة.
٢٢٠٩- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الصلت بْن دينار، أَبُو بكر [٥] الكاتب:
سمع وهب بْن بقية وغيره، وربما سمى أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الصلت إلا أن الأول أشهر.
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن علي، أخبرنا ابن رزق، أَخْبَرَنَا عمر بْن جعفر البصري، قَالَ: مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الصلت ثقة مأمون.
стр. 4470
توفي في المحرم من هذه السنة.
٢٢١٠- مُحَمَّد بْن إسماعيل بْن عَلي بْن النعمان بْن راشد، أَبُو بكر البندار المعروف بالبصلاني [١] :
سمع عَلي بْن الحسين الدرهمي [٢] ، وخالد بْن يُوسُف السمتي [٣] ، وبندار وغيرهم.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن ثَابِت، قَالَ: حدثني عَلي بْن مُحَمَّد بْن نصر الدينَوَريّ، قَالَ: سمعت حمزة بْن يُوسُف السهمي، يقول:
سألت الدارقطني عن مُحَمَّد بْن إسماعيل البصلاني [٤] ، فَقَالَ: ثقة.
توفي في شعبان هذه السنة.
٢٢١١- يانس الموفقي:
كَانَ في أصل سور داره، من خيار الفرسان والرجالة ألف مقاتل.
توفي في هذه السنة، وخلف ضياعا تغل ثلاثين ألف دينار.
стр. 4471
ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنهم وجدوا رجلا أعجميا واقفا على سطح مجلس من دار السر [١] التي كَانَ المقتدر يكثر الجلوس فيها عند والدته عليه ثياب دبيقي وتحتها قميص صوف ومعه محبرة ومقلمة وسكين وأقلام، وقيل: إنه دخل مع الصناع فحصل في الموضع وبقي أياما، فعطش، فخرج يطلب الماء، فظفر به وسئل عن حاله، فَقَالَ: ليس يجوز أن أخاطب غير صاحب هذه [٢] الدار، فأخرج إلى أبي الحسن بْن الفرات، فَقَالَ: أنا أقوم مقام صاحب الدار، فَقَالَ: ليس يجوز غير خطابه فضرب فعدل إلى أن قَالَ: ندانم [٣] ، ولزم هذه اللفظة، فضرب حتى مات، فأخرج، فصلب، ولطخ بالنفط، وضرب بالنار وأرجف الناس بأن ابن الفرات دسه ليوهم المقتدر أن نصر الحاجب أراد أن يحتال ليفتك به لأنهم أرادوا مصادرة نصر.
وفي هذه السنة: [٤] ضعف أمر أبي الحسن ابن الفرات بعد قوته، وَكَانَ السبب أنه ورد الخبر في محرم هذه السنة بأن أبا طاهر بْن أبي سعيد الجنابي ورد إلى الهبير ليلتقي حاج [٥] سنة إحدى عشرة وثلاثمائة في رجوعهم، وأوقع ببعض الحاج، ومضى بعضهم
стр. 4472
على غير الطريق، فعارضهم أَبُو طاهر وقاتلهم يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة اثنتي عشرة، فقتل منهم قتلا مسرفا وأسر أَبَا الهيجاء عَبْد اللَّه بْن حمدان، وَكَانَ إلَيْهِ الكوفة وطريق مكة وبذرقة الحاج، وأسر معه جماعة من خدم السلطان وأسبابه [١] ، وأخذ جمال الحاج وسبى من اختار من النساء والرجال والصبيان، وسار بهم إلى هجر، وترك باقي الحاج في مواضعهم بلا جمال ولا زاد، وكانت سن أبي طاهر في ذلك الوقت سبع عشرة سنة، فمات أكثر الحاج بالعطش والحفاء، وحصل له ما حزر من الأموال ألف ألف دينار، ومن الأمتعة والطيب وغير ذلك بنحو ألف ألف، وَكَانَ جميع عسكره نحوا من ثماني مائة فارس، ومثلهم رجاله، فانقلبت بغداد، وخرجت النساء منشورات الشعور مسودات الوجوه يلطمن ويصرخن في الشوارع، وانضاف إليهن [٢] حرم المنكوبين الذين نكبهم ابن الفرات، وكانت صورة شنيعة، فركب ابن الفرات إلى المقتدر وحدثه الحال، فَقَالَ له نصر الحاجب: الساعة تقول أي شيء الرأي؟ بعد أن زعزعت أركان الدولة وعرضتها للزوال بإبعادك مؤنس المظفر الذي يناضل الأعداء. ومن الذي أسلم رجال السلطان وأصحابه إلى القرمطي سواك؟ وأشار نصر على المقتدر بمكاتبة مؤنس بالتعجيل إلى الحضرة، فأمر أن يكتب إليه بذلك، ووثب العامة على ابن الفرات، فرجمت طيارته بالآجر، ورجمت داره، وصاحوا: يا ابن الفرات القرمطي الكبير، وامتنع الناس من الصلاة في الجوامع، ثم قبض على ابن الفرات وابنيه وأسبابه [٣] ، وحمل إلى دار نازوك والعامة يضربونه بالآجر، ويقولون: قد قبض على القرمطي الكبير، وأخذ خطه بألفي ألف دينار، وَكَانَ ابنه المحسن يخرج في زي النساء، فغمز عليه فأخذ وكتب خطه بثلاثة آلاف ألف دينار، وقتل ابن الفرات وولده المحسن، ووزر أَبُو الْقَاسِم عبد الله بْن مُحَمَّد الخاقاني.
وورد كتاب من مُحَمَّد بْن عبد الله الفارقي [٤] من البصرة يذكر أن كتاب أبي
стр. 4473
الهيجاء عبد الله بْن حمدان ورد عليه من هجر، وأنه كلم أبا طاهر في أمر من كَانَ استأسر من الحاج، وسأل إطلاقهم، وأنه أحصى من قتله، منهم فكانوا من الرجال ألفين ومائتين وعشرين [١] ، ومن النساء نحو خمسمائة امرأة، ووعد بإطلاقهم.
ثم وردت الأخبار بورود طائفة إلى البصرة إلى أن كَانَ آخر من أطلق منهم أَبُو الهيجاء في جماعة من أصحاب السلطان، وقدم معهم [٢] رسول من أبي طاهر يسأل الإفراج له عن البصرة والأهواز فأنزل وأكرم وأقيمت له الأنزال الواسعة ولم يجب إلى ما التمس، وأنفق السلطان في خروج مؤنس إلى الكوفة، ثم إلى واسط ألف ألف دينار.
ومن الحوادث: أن نازوك جلس في مجلس الشرطة ببغداد، فأحضر له ثلاثة نفر من أصحاب الحلاج، وهم: حيدرة، والشعراني، وابن منصور فطالبهم بالرجوع عن مذهب الحلاج، فأبوا، فضرب أعناقهم، ثم صلبهم في الجانب الشرقي من بغداد، ووضع رءوسهم على سور السجن في الجانب الغربي.
وظهر بين الكوفة وبغداد رجل يدعي أنه مُحَمَّد بْن إسماعيل بْن جعفر بْن مُحَمَّد بْن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب [٣] ﵁ وجمع جمعا عظيما من الأعراب، واستفحل أمره في شوال، فأنفذ أَبُو الْقَاسِم الخاقاني حاجبه أَحْمَد بْن سعيد، وضم إليه خمسمائة رجل من الفرسان وألف راجل، وأمره بمحاربته، فظفر بجماعة من أصحابه وانهزم الباقون.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر .
٢٢١٢- إبراهيم بْن خمش [٤] ، أَبُو إسحاق الزاهد النيسابوري [٥]
سمع مُحَمَّد بْن رافع وغيره، وَكَانَ يعظ الناس.
стр. 4474
أَنْبَأَنَا زَاهِرُ بْن طَاهِرٍ، قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكم، قَالَ: سمعت أبا منصور الصوفي ابن بنت إبراهيم، يقول: سمعت جدي، يقول:
يضحك القضاء من الحذر، ويضحك الأجل من الأمل، ويضحك التقدير من التدبير، وتضحك القسمة من الجهد والعناء [١] .
٢٢١٣- إسحاق بْن بنان بْن معن، أَبُو مُحَمَّد [٢] الأنماطي:
سمع الوليد بْن شجاع، وإسحاق بْن أبي إسرائيل، وكان ثقة.
توفي في هذه السنة.
٢٢١٤- عبيد الله بن عبد الله [٣] بن محمد، أبو العباس الصيرفي:
حدث عن عبد الأعلى بْن حماد. روى عنه عَلي بْن عمر السكري، وَكَانَ صدوقا. توفي في رجب هذه السنة.
٢٢١٥- عمر بن عبد الله [٤] بن عمر بْن عثمان، أَبُو الْقَاسِم المعروف بابن أبي حسان الزيادي:
سمع المفضل بْن غسان، روى عنه ابن المظفر، وابن شاهين، وكان ثقة.
وتوفي في هذه السنة، وقيل: في سنة أربع عشرة وثلاثمائة [٥] .
٢٢١٦- عَلي بْن مُحَمَّد بْن الفرات، أَبُو الحسن [٦] :
وزر مرارا للمقتدر، وملك أموالا كثيرة تزيد على عشرة آلاف ألف دينار، وبلغت غلته ألف ألف دينار [٧] وأودع الأموال وجوه الناس، فلم يبق ببغداد قاض ولا عدل ولا تاجر مستور إلا ولابن الفرات عنده وديعة.
стр. 4475
أنبأنا محمد بن أبي طاهر، قَالَ: أنبأنا علي/ بْن المحسن، عن أبيه، قال:
حدثني أَبُو الحسين عبد الله بْن أَحْمَد بْن عياش القاضي: ان رجلا دامت عطلته، فزور كتبا عن عَلي بْن مُحَمَّد بْن الفرات وهو وزير إلى أبي زنبور عامل مصر [١] ، وخرج إليه فلقيه بها فأنكرها [أَبُو زنبور] [٢] لإفراط التأكيد فيها، واستراب بالخطاب، فوصل الرجل بصلة يسيرة وأمر له بجراية، وَقَالَ: تأخذها إلى أن أنظر في أمرك، وأنفذ الكتب إلى ابن الفرات، وَكَانَ فيها: إن للرجل حرمة وكيدة بالوزير وخدمة قديمة، فوصلت الكتب إلى أبي الحسن ابن الفرات وأصحابه بين يديه فعرفهم ذلك، وَقَالَ: ما الرأي؟ فقال بعضهم: تقطع يده للتزوير على الوزير وَقَالَ بعضهم: يقطع إبهامه، وَقَالَ بعضهم:
يضرب ويحبس، وَقَالَ بعضهم: يكشف أمره لأبي زنبور حتى يطرده، فَقَالَ ابن الفرات:
ما أبعد طباعكم عن الجميل! رجل توسل بنا وتحمل المشقة إلى مصر بجاهنا ولعله كَانَ لا يصل إلينا فيأخذ كتبنا، فخفف عنا بأن كتب لنفسه يكون حظه الخيبة؟ ثم كتب على الكتاب المزور إلى أبي زنبور [٣] هذا كتابي ولا أعلم لأي سبب أنكرته، ولا لأي سبب استربت به، وحرمة صاحبه بي وكيدة، وسببه عندي أقوى مما تظن، فأجزل عطيته وتابع بره. فلما كَانَ بعد مدة طويلة دخل عليه رجل جميل الهيئة، فأقبل يدعو له ويبكى ويقبل الأرض بين يديه وابن الفرات لا يعرفه، ويقول: بارك الله عليك مالك. فقال: أنا صاحب الكتاب المزور إلى أبي زنبور الذي حققه بفضل الوزير فعل الله به وصنع، فضحك ابن الفرات وَقَالَ: فبكم وصلك؟ فقال: وصل إلي من ماله وبتقسيط قسطه لي وبتصرف صرفني [٤] عشرون ألف دينار، فَقَالَ: الزمنا فانّا ننفعك بأضعافه [٥] .
واستخدامه فأكسبه مالا عظيما.
قَالَ: ابن عياش: وَكَانَ أول ما انحل من نظام سياسة الملك فيما شاهدناه
стр. 4476
القضاء، فإن ابن الفرات وضع منه وأدخل فيه أقواما لا علم لهم ولا أبوة، فما مضت إلا سنوات حتى ابتدأت الوزارة تتضع ويتقلدها [١] من ليس باهل، حتى بلغت سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة إلى أن تقلد وزارة المتقي أبو العباس الأصبهاني الكاتب، وكان في غاية سقوط المروءة والرقاعة، ولقد رأيت قردا معلما يقول له القراد: أتحب أن تكون بزازا؟
فيقول: نعم، ويومي برأسه، فيقول: تشتهي أن تكون عطارا؟ فيومي برأسه نعم، إلى أن يقول: [٢] أتشتهي أن تكون وزيرا؟ فيومي برأسه لا، فيضحك الناس، وَكَانَ أول ما وضع من القضاء أنه قلده أبا أمية الأحوص البصري، فإنه كَانَ بزازًا فاستتر ابن الفرات عنده وخرج من داره إلى الوزارة فولاه القضاء، وجرت الحال على ما ذكرنا في ترجمة الأحوص سنة ثلاثمائة.
وقد ذكرنا كيف اتضع ابن الفرات، وكيف أخذ وحبس وقتل في حوادث هذه السنة فلا نعيده.
أنبأنا مُحَمَّد بْن أبي طاهر، عن أبي الْقَاسِم التنوخي، عن أبيه، قَالَ: أخبرني بعض الكتاب، قَالَ: كَانَ ابن الفرات قد صودر على ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار، فأدى جميعها في مدة ستة عشر شهرا من وقت أن قبض عليه.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ [الْبَزَّازُ] [٣] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِي بْن الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حدثني أَبُو مُحَمَّد، قَالَ: حدثني بعض شيوخ الكتاب ببغداد عمن حدثه أنه سمع أبا الحسن ابن الفرات يقول لأبي جعفر بْن بسطام: ويحك يا أبا جعفر، لك قصة في رغيف، فَقَالَ: إن أمي كانت عجوزا صالحة عودتني منذ ولدتني أن تجعل تحت مخدتي التي أنام عليها في كل ليلة رغيفا فيه رطل، فإذا كَانَ من غد تصدقت به عني فأنا أفعل ذلك إلى الآن، فَقَالَ ابن الفرات: ما سمعت بأعجب من هذا، أعلم أني من أسوأ الناس رأيا فيك لأمور أوجبت ذلك، وأنا مفكر منذ أيام في
стр. 4477
القبض عليك وفي مطالبتك بمال، فأرى منذ ثلاث ليال في منامي كأنني استدعيك لأقبض عليك فتحاربني وتمتنع مني، فأتقدم لمحاربتك فتخرج إلي من يحاربك وبيدك رغيف كالترس فتتقي به السهام ولا يصل أليك منها شيء، وأشهد الله أني قد وهبت للَّه [١] ما في نفسي عليك، وأن رأيي لك أجمل رأى من الآن فانبسط.
٢٢١٧- فاطمة بنت عبد الرحمن بْن أبي صالح [٢] الحراني:
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد العتيقي، حَدَّثَنَا عَلي بْن أبي سعيد المصري، قَالَ: حَدَّثَنَا أبي، قَالَ:
فاطمة بنت عبد الرحمن بْن عبد الغفار الربعي، تكنى أم مُحَمَّد، مولدها ببغداد، وقدم بها إلى مصر وهي حدثة. سمعت من أبيها عبد الرحمن وطال عمرها حتى جاوزت الثمانين، وكانت تعرف بالصوفية لأنها أقامت تلبس الصوف ولا تنام إلا في مصلاها بلا وطاء فوق ستين سنة. سمع منها ابن أخيها عبد الرحمن بْن الْقَاسِم بْن عبد الرحمن.
توفيت في هذه السنة.
٢٢١٨- محمد بن إسحاق بن عبد الملك الهاشمي الخطيب [٣] :
كان يصلي صلاة الجمعة [٤] في المسجد الجامع بدار الخلافة، وصلاة الأعياد في المصلى، وتوفي يوم السبت لست خلون من ذي الحجة من هذه السنة.
٢٢١٩- مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن سليمان بْن الحارث بْن عبد الرحمن، أَبُو بكر الأزدي الواسطي، المعروف بالباغندي [٥] :
سمع مُحَمَّد بْن [٦] عبد الله بْن نمير، وأبا بكر وعثمان ابني شيبة، وشيبان بن
стр. 4478
فروخ، وعلي بْن المديني، وخلقا كثيرا من أهل الشام ومصر والكوفة والبصرة وبغداد.
ورحل في طلب الحديث إلى الأمصار البعيدة، وعني به العناية العظيمة، وأخذ عن الحفاظ والأئمة، وَكَانَ حافظا فهما، كَانَ يقول: أنا أجيب في ثلاثمائة ألف مسألة في حَدِيث رَسُول اللَّه ﷺ . وسكن بغداد فحدث بها، فروى عنه المحاملي، وابن مخلد، وأبو بكر الشافعي، ودعلج، وابن الصواف، وابن المظفر، وابن حيويه، وابن شاهين، وخلق كثير [١] .
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن مُحَمَّد، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت [الخطيب] [٢] ، قَالَ: سمعت هبة الله بْن الحسن الطبري يذكر: أن الباغندي كَانَ يسرد الحديث من حفظه مثل تلاوة القرآن، وَكَانَ يقول: حَدَّثَنَا فلان قَالَ حَدَّثَنَا فلان، وحدثنا فلان وهو يحرك رأسه [٣] حتى تسقط عمامته.
أخبرنا عبد الرحمن [الْقَزَّازُ] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن ثَابِت [الخطيب] [٤] ، قَالَ: حدثني العتيقي، قَالَ: سمعت عمر بْن أَحْمَد الواعظ، يقول: قام أَبُو بكر الباغندي يصلي فكبر، ثم قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سليمان لوين، فسبحنا به فَقَالَ: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد للَّه رب العالمين.
قَالَ: المؤلف: [٥]] وقد أنبأنا بمثل هذه الحكاية مُحَمَّد بْن عبد الملك بْن خيرون، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُهْتَدِي، عَنْ أبي جعفر بْن شاهين، قال: صليت
стр. 4479
خلف مُحَمَّد بْن سليمان الباغندي، فافتتح الصلاة ثم قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سليمان لوين، فقيل له: سبحان الله، فَقَالَ أنبأنا شيبان بْن فروخ [الأبلي] [١] فقالوا: سبحان الله، فَقَالَ بسم الله الرحمن الرحيم.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ مُحَمَّدٍ] [٢] ، أَخْبَرَنَا [أَحْمَدُ بن علي] [٣] بن ثَابِتٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بْن عَلي بْن عياض، القاضي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن جميع، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن شجاع، قَالَ كنا عند إبراهيم بْن موسى الجوزي ببغداد، وَكَانَ عنده الباغندي ينتقي عليه، فَقَالَ له إبراهيم بْن موسى: هو ذا تسخر بي، أنت أكثر حديثا مني وأعرف وأحفظ للحديث، فَقَالَ له: قد حبب إلى هذا الحديث، بحسبك أني رأيت النبي ﷺ في النوم، فلم أقل له: ادع الله لي، بل قلت له: يا رَسُول اللَّهِ أيما أثبت في الحديث منصور أو الاعمش؟ فَقَالَ لي: منصور، منصور.
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الخطيب، قَالَ: لم يثبت من أمر الباغندي ما يعاب به سوى التدليس، فرأيت كافه شيوخنا يحتجون بحديثه ويخرجونه في الصحيح. وَقَالَ الدارقطني: الباغندي كثير التدليس يحدث بما لم يسمع وربما سرق.
وتوفي يوم الجمعة، ودفن يوم السبت لعشر بقين من ذي الحجة من هذه السنة، وقد قيل سنة ثلاث عشرة، والأول أصح [٤] .
стр. 4480
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة
فمن الحوادث/ فيها:
أن بني هاشم ضجوا في الطرقات لتأخر أرزاقهم عنهم، وذلك لثمان من المحرم.
ولليلة بقيت من المحرم انقض كوكب قبل مغيب الشمس من ناحية الجنوب إلى ناحية الشمال، فأضاءت الدنيا منه إضاءة شديدة، وَكَانَ له صوت كصوت الرعد الشديد.
ولم يزل أَبُو الْقَاسِم الخاتاني في أيام وزارته يبحث عمن يدعي عليه من أهل بغداد أنه يكاتب القرمطي ويتدين الإسماعيلية إلى أن تظاهرت عنده الأخبار، بأن رجلا يعرف بالكعكي ينزل في الجانب الغربي رئيس للرافضة، وأنه من الدعاة إلى مذهب القرامطة، فتقدم إلى نازوك بالقبض عليه، فمضى ليقبض عليه فتسلق من الحيطان وهرب، ووقع برجل في داره كَانَ خليفته [١] ، ووجد في الدار رجالا يجرون مجرى المتعلمين، فضرب الرجل ثلاثمائة سوط وشهره على جمل، ونودي عليه هذا جزاء من يشتم أبا بكر وعمر ﵄ وحبس الباقين.
وعرف المقتدر أن الرافضة تجتمع في مسجد براثا فتشتم الصحابة، فوجه نازوك للقبض على من فيه، وَكَانَ ذلك في يوم الجمعة لست بقين من صفر، فوجدوا فيه ثلاثين
стр. 4481
إنسانا يصلون وقت الجمعة، ويعلنون البراءة ممن يأتم بالمقتدر، فقبض عليهم، وفتشوا فوجدوا معهم [١] خواتيم من طين أبيض. يختمها لهم الكعكي عليها: «مُحَمَّد بْن إسماعيل الإمام المهدي ولي الله» فأخذوا وحبسوا [٢] وتجرد الخاقاني لهدم مسجد براثا، وأحضر رقعة فيها فتوى جماعة [٣] من الفقهاء أنه مسجد ضرار وكفر وتفريق بين المؤمنين [٤] وذكر أنه إن لم يهدم كَانَ مأوى الدعاة والقرامطة، فأمر المقتدر [بهدمه] [٥] فهدمه نازوك، وأمر الخاقاني بتصييره مقبرة ندفن فيه عدة من الموتى، وأحرق باقيه [٦] وكتب الجهال من العوام على نخل كَانَ فيه هذا مما أمر معاوية بْن أبي سفيان بقبضه على عَلي بْن أبي طالب ﵁ [٧] .
وفى يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر [٨] خرج مفلح الأسود لإيقاع الفداء ببلاد الروم، فتم الفداء لخمس بقين من رجب.
وَكَانَ الحاج قد خرجوا من بغداد في ذي القعدة، فخرج جعفر [بْن] [٩] ورقاء وهو والي طريق مكة والكوفة، فتقدم الحاج خوفا من أبي طاهر الجنابي، وَكَانَ معه ألف فارس [١٠] من بني شيبان، فلقي جعفر بْن ورقاء بزبالة فناوشه قليلا واضطرب الناس ورجعوا إلى الكوفة، وتبع أَبُو طاهر القوافل ورجال السلطان حتى صار إلى القادسية، فخرج إليه أهلها وسألوه أن يؤمنهم فأمنهم، ثم رحل إلى الكوفة، وخرج إليه أهل الكوفة [١١] ، وأصحاب السلطان فحاربوه فغلبهم، وأقام بظاهر الكوفة سبعة أيام [١٢] يدخل
стр. 4482
البلد بالنهار، ويخرج بالليل، فيبيت في معسكره ويحمل ما قدر عليه فحمل من الوشي [١] أربعة آلاف ثوب، ومن الزيت ثلاثمائة راوية، ومن الحديد [شيء كثير] [٢] ثم رحل إلى بلده، فدخل جعفر بْن ورقاء ومن معه [٣] إلى بغداد، فتقدم المقتدر إلى مؤنس بالخروج لمحاربة أبي طاهر، واضطرب أهل بغداد اضطرابا شديدا انتقل أكثر من في الجانب الغربي إلى الشرقي.
ولم يحج في هذه السنة أحد من أهل بغداد، ولا من [أهل] خراسان [٤] .
وَكَانَ أَبُو العباس أَحْمَد بْن عُبَيْد اللَّهِ بْن أَحْمَد بْن الخصيب قد استخرج مالا كثيرا من زوجة المحسن ولد ابن الفرات، فصارت له بذلك مرتبة عند المقتدر، فأرجف بوزارته فقدح فيه الخاقاني [وكتب هو يقدح في الخاقاني، فآل الأمر إلى أن صرف الخاقاني [٥]] وكانت مدة وزارته سنة وستة أشهر ويومين وأحضر المقتدر الخصيبي [٦] ، فقلد الوزارة وخلع عليه.
وكثر الرطب في هذه السنة ببغداد حتى بيع كل ثمانية [٧] أرطال بحبة، وعمل منه تمر، وحمل إلى البصرة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٢٢٠- إبراهيم بْن مُحَمَّد بْن أيوب بْن بشير، أَبُو الْقَاسِم الصائغ:
حدث عن مُحَمَّد بْن حسان الأزرق، وإسحاق بْن إبراهيم البغوي، وإبراهيم
стр. 4483
الحربي، وغيرهم وروى عن ابن قتيبة مصنفاته، وَكَانَ ثقة [ثبتا] [١] .
وتوفي في هذه السنة.
٢٢٢١- إبراهيم بْن نجيح بْن إبراهيم بْن مُحَمَّد بْن الحسين، أَبُو الْقَاسِم [٢] الكوفي:
نزل بغداد، وحدث بها عن أبيه، وعن مُحَمَّد بْن إسحاق البكائي وروى عنه مُحَمَّد بْن المظفر. وتوفي ببغداد، وجيء به إلى الكوفة، فدفن بها في هذه السنة.
٢٢٢٢- الحسن بْن مُحَمَّد بْن عبد الله بْن شعبة، أَبُو عَلي الأنصاري [٣] :
سمع حوثرة بْن مُحَمَّد وغيره، روى عنه ابن شاهين، وكان ثقة.
وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة.
٢٢٢٣- سعيد بْن سعدان، أَبُو الْقَاسِم الكاتب [٤] :
سمع من جماعة، وروى عنه ابن المظفر الحافظ، وَكَانَ صدوقا.
وتوفي في المحرم هذه السنة.
٢٢٢٤- عُبَيْد اللَّهِ بن محمد [٥] ابن عبد الله بْن سعيد بْن المغيرة بْن عَمْرو بْن عثمان بْن عفان، أَبُو عمرو العثماني [٦] .
سمع ابن المديني، روى عنه ابن المظفر، وابن حيويه. وَكَانَ صدوقا.
وتوفي فِي [٧] ربيع الأول من هذه السنة.
٢٢٢٥- عثمان بْن سهل بن مخلد البزاز [٨] .
стр. 4484
حدث عن الحسن الزعفراني، روى عنه أَبُو عمر ابن حيويه، وَكَانَ ثقة توفي في رمضان هذه السنة.
٢٢٢٦- عَلي بْن عبد الحميد بْن عبد الله بْن سليمان، أَبُو الحسن الغضائري [١] :
حدث عن عُبَيْد اللَّهِ القواريري، وعباس العنبري، وجماعة. وَكَانَ ثقة، ومات في شوال هذه السنة.
أخبرنا أبو منصور القزاز، أخبرنا أحمد بن عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا أَبُو طالب يحيى بْن عليّ الدسكري، أَخْبَرَنَا أبو بكر ابن المقرئ، قَالَ: سمعت عَلي بْن عبد الحميد الغضائري، يقول: سمعت السري السقطي ودققت عليه الباب، فقام إلى عضادتي الباب، فسمعته يقول: اللَّهمّ اشغل من يشغلني عنك بك، قَالَ ابن المقرئ:
وزادني بعض أصحابنا عليه أنه قَالَ: وَكَانَ من بركة دعائه أني حججت أربعين حجة على رجلي من حلب ذاهبا وراجعا.
٢٢٢٧- عَلي بْن مُحَمَّد بْن بشار، أَبُو الحسن [٢] :
حدث عن صالح بْن أَحْمَد بْن حنبل، وأبي بكر المروزي، وَكَانَ من كبار الصالحين وأهل الكرامات.
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بْن محمد، قال: أخبرنا أحمد [بن علي] [٣] بن ثَابِتٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو الفضل عبد الصمد بْن مُحَمَّد الخطيب، [قَالَ:] [٤] حَدَّثَنَا الحسن بْن الحسين بْن حمكان، قَالَ: سمعت أبا الحسن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن مقسم، يقول:
سمعت أبا الحسن بْن بشار، يقول: وَكَانَ إذا أراد أن يخبر عن نفسه شيئا، قَالَ: أعرف رجلا حاله كذا وكذا، فَقَالَ ذات يوم: أعرف رجلا منذ ثلاثين سنة يشتهي أن يشتهي ليترك ما يشتهي فما يجد شيئا يشتهي.
стр. 4485
حَدَّثَنَا أَبُو بكر العامري، [قَالَ:] [١] أنبأنا أَبُو سعد بْن أبي صادق، قَالَ: أنبأنا ابن باكويه، قَالَ: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الحسن المقرئ، يقول: سمعت أبا الْحَسَن عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن بشار، يقول [٢] : منذ ثلاثين سنة ما تكلمت بكلمة أحتاج أن أعتذر منها.
توفي ليلة الخميس [٣] لسبع خلون من ربيع الأول من هذه السنة، فحضره الأمراء والوزراء، ودفن يوم الخميس بمشرعة الساج من الجانب الغربي ببغداد، وقبره اليوم ظاهر يتبرك به.
٢٢٢٨- مُحَمَّد بْن إسحاق بْن إبراهيم بْن مهران بْن عبد الله، أَبُو العباس السراج [٤] :
مولى ثقيف، ولد في سنة ثماني عشرة ومائتين، وسمع قتيبة، وإسحاق بْن راهويه، وخلقا كثيرا من أهل خراسان وبغداد والكوفة والبصرة والحجاز، روى عنه البخاري، ومسلم، وابن أبي الدنيا وَكَانَ من المكثرين الثقات، وعني بالحديث، وصنف كتبا كثيرة.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو العلاء الواسطي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جعفر التميمي، قَالَ: سمعت أبا حامد أَحْمَد بْن مُحَمَّد الفقيه، يقول: سمعت أبا العباس بْن السراج، يقول [يوما لبعض من حضر وأشار إلى كتب عَلَى منضدة عنده، فَقَالَ:] [٥] هذه سبعون ألف مسألة لمالك، ما نفضت التراب عنها منذ كتبتها.
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا [أحمد بن علي بن ثابت] [٦]