ومنع أصحاب الناطف أن [١] يعيروا قدورهم لمن يطبخ فيها التمر والزبيب للأنبذة، وقبض على المغنين من الرجال والنساء والحرائر والإماء، وقبض على جماعة من الجواري المغنيات، وتقدم ببيعهن في النخاسين على أنهن سواذج.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٣٢١- أحمد بْن مُحَمَّد بْن سلامة بْن سلمة بْن عبد الملك، أَبُو جعفر [٢] الطحاوي [٣] الفقيه:
ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين. وَكَانَ ثبتا فهما فقيها عاقلا، من طحا قرية في صعيد مصر [٤] ، قَالَ أَبُو سعيد بْن يونس: توفي [في] [٥] ليلة [٦] الخميس مستهل ذي القعدة من سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ولم يخلف مثله [٧] .
٢٣٢٢- أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن موسى بْن النضر بْن حكيم بْن عَلي بن [ذربي] [٨] أَبُو بكر المعروف بابن أبي حامد [٩] :
صاحب بيت المال، سمع عباسا الدوري، وخلقا كثيرا. وروى عنه الدارقطني وغيره. وَكَانَ ثقة صدوقا جوادا.
стр. 4552
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي، قال:
حدثني عبيد اللَّه [١] بْن أبي الفتح، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحسن الدارقطني، قَالَ: كَانَ أَبُو حامد المروروذي قليل [٢] الدخول على ابن أبي حامد صاحب بيت المال، وَكَانَ في مجلسه رجل من المتفقهة، فغاب عنه أياما، فسأل عنه فأخبر أنه متشاغل بأمر قد قطعه عن حضور المجلس، فأحضره وسأله عن حاله، فذكر أنه قد اشترى جارية لنفسه، وأنه انقطعت به النفقة وضاقت يده في تلك السنة لانقطاع المادة عنه من بلده، وَكَانَ عليه دين لجماعة من السوقة، فلم يجد قضاء لذلك دون أن باع الجارية، فلما قبض الثمن تذكرها وتشوق إليها واستوحش من بعدها [٣] عنه حتى لم يمكنه التشاغل بفقه ولا بغيره/ من شدة قلقه، وتعلق قلبه بها [٤] وذكر أن ابن أبي حامد قد اشتراها فأوجبت الحال مضي أبي حامد الفقيه إلى ابن أبي حامد يسأل الإقالة وأخذ المال من البائع، فمضى ومعه الرجل، فحين استأذن على ابن أبي حامد أذن له في الحال، فلما دخل إليه قام إليه واستقبله وأكرمه غاية الإكرام، وسأله عن حاله وعن ما جاء له، فأخبره أَبُو حامد بخبر الفقيه وبيع الجارية، وسأله قبض المال ورد الجارية على صاحبها فلم يعرف ابن أبي حامد للجارية خبرا ولا كَانَ عنده علم من أمرها، وذلك أن امرأته كانت قد اشترتها ولم يعلم بذلك، فورد عَلَيْهِ من ذَلِكَ مورد تبين في وجهه، ثم قام ودخل على امرأته يسألها عن جارية اشتريت في سوق النخاسين على الصفة والنعت، فصادف ذلك أن امرأته كانت جالسة والجارية حاضرة، وهم يصلحون وجهها، وقد زينت بالثياب الحسان والحلي، فقالت: يا سيدي هذه الجارية التي التمست. فسر بذلك سرورا تاما إذ كانت عنده رغبة في قضاء حاجة أبي حامد، فعاد إلى أبي حامد، وَقَالَ له: خفت أن لا تكون الجارية في داري، والآن فهي بحمد الله عندنا، والأمر للشيخ أعزه الله في بابها [٥] ثم
стр. 4553
أمر بإخراج الجارية، فحين أخرجت تغير وجه الفتى تغيرا شديدا، فعلم بذلك أن الأمر كما ذكره الفقيه من حبه لها وصبابته بها فَقَالَ له ابن أبي حامد: هذه جاريتك. فَقَالَ: نعم هذه جاريتي. واضطرب كلامه من شدة ما نزل به عند رؤيتها، فَقَالَ له: خذها بارك الله لك فيها. فجزاه أَبُو حامد خيرا وشكره [١] وسأله قبض المال، وأخبره أنه على حاله وقدره ثلاثة آلاف درهم فأبى أن يأخذه وطال الكلام في ذلك، فَقَالَ أَبُو حامد: إنما قصدناك نسأل الإقالة ولم نقصد أخذها على هذا الوجه. قال له ابن أبي حامد: هذا رجل فقيه وقد باعها لأجل فقره وحاجته ومتى أخذ المال منه خيف عليه أن يبيعها ثانية ممن لا يردها عليه [٢] ، والمال يكون في ذمته فإذا جاءه نفقة من بلده جاز أن يرد ذلك فوهب المال له، وَكَانَ عليها من الحلي والثياب شيء له قدر كبير. فَقَالَ له أَبُو حامد: إن رأى أيده الله أن يتفضل وينفذ مع الجارية من يقبض هذه الثياب والحلي التي عليها فما لهذا الفقيه أحد ينفذه به على يده. فَقَالَ: سبحان الله هذا شيء أسعفناها به ووهبناه لها سواء إن كانت في ملكنا أو خرجت عن قبضتنا، ولسنا نرجع فيما وهبناه من ذلك. فعرف أَبُو حامد أن الوجه ما قاله، فلم يلح عليه بل حسن موقعه من قلبه، فلما أراد لينهض ويودعه قَالَ ابن أبي حامد: أريد أن أسألها قبل انصرافها عن شيء، فَقَالَ: يا جارية أي ما أحب إليك نحن أو مولاك هذا الذي باعك وأنت الآن له؟ فقالت: يا سيدي أما انتم فأحسن الله عونكم وفعل بكم وفعل فقد أحسنتم إلي وأغنيتموني، وأما مولاي هذا فلو ملكت منه ما ملك مني ما بعته بالرغائب العظيمة، فاستحسن الجماعة ذلك منها وما هي عليه من العقل مع الصبي وودعوه وانصرفوا.
توفي ابن أبي حامد في رمضان هذه السنة.
٢٣٢٣- سعيد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سعيد، أَبُو عثمان البيع [٣] :
وهو أخو زبير بْن مُحَمَّد الحافظ، سمع من جماعة وروى عنه ابن شاهين
стр. 4554
والدارقطني، وذكره يُوسُف القواس في جملة شيوخه الثقات.
توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
٢٣٢٤- شغب أم المقتدر [باللَّه] [١] :
كانت لها أموال [عظيمة] [٢] تفوق الإحصاء، كَانَ يرتفع لها من ضياعها في كل عام ألف ألف دينار، وكانت تتصدق بأكثر ذلك، وكانت تواظب على مصالح الحاج وتبعث خزانة الشراب والأطباء معهم وتأمر بإصلاح الحياض، فمرضت وفسد مزاجها، ثم هجم عليها قتل ابنها المقتدر، فأخبرت أنه لم يدفن، فجزعت جزعا شديدا ولطمت وامتنعت من الأكل والشرب حتى كادت تتلف، فما زالوا يرفقون بها حتى أكلت كسرة بملح، ثم دعاها القاهر باللَّه فقررها بالرفق والتهديد، فحلفت له أنه لا مال عندها ولا جوهر إلا صناديق فيها ثياب ومصوغ وطيب، وذكرت أنه لو كَانَ عندها مال ما أسلمت ولدها للقتل [٣] ، فضربها بيده وعلقها برجل واحدة، فلم يجد عندها غير ما أقرت به، فأخذ، وكانت قيمته نحوا من مائة وثلاثين ألف دينار.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّازُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِي بْن المحسن التنوخي، عَنْ أَبِيهِ، قال: عذب القاهر أم المقتدر بصنوف العذاب حتى قيل إنه علقها منكسة، وَكَانَ يجري بولها على وجهها، فقالت له: لو كَانَ معنا مال ما جرى في أمرنا من الخلل ما آل إلى جلوسك حتى تعاقبني هذه العقوبة، وإنما [٤] أنا أمك في كتاب الله، وأنا خلصتك من ابني في الدفعة الأولى.
وَقَالَ أَبُو الحسين بْن عياش [٥] : حدثني أَبُو مُحَمَّد عمي، قَالَ: أنفذني [عمي] [٦]
стр. 4555
أَبُو الحسين بْن أبي عمر القاضي، وابن الحباب الجوهري إلى القاهر، وَكَانَ قد طلب شاهدين ليشهدا على أم المقتدر بتوكيلها في بيع أملاكها، فدخلنا على القاهر فسلمنا ووقفنا، فدفع إلينا بعض الخدم كتابا أوله أقرت شغب مولاة المعتضد أم جعفر المقتدر فإذا هو وكالة في بيع أملاكها، فقلنا للخادم: وأين هي؟ فَقَالَ وراء الباب: فاستأذنا الخليفة في خطابها، فقال: افعلوا، فقلنا: أنت هاهنا حتى نقرأ عليك؟ قالت: نعم، فقرأنا الكتاب عليها وقررناها، ثم وقفنا عن كتب الشهادة طلبا لرؤيتها، فَقَالَ الخليفة:
ما لكم؟ قلنا: يا أمير المؤمنين لا يصح لنا الشهادة دون أن نرى المرأة بأعيننا ونعرفها، فَقَالَ: افعلوا، فسمعنا من وراء الستارة بكاء ونحيبا، ورفعت الستارة فقلنا لها: أنت شغب مولاة المعتضد وأم المقتدر؟ فسكتت ساعة [١] ، ثم قالت: نعم، فقررناها وأسبل الستر فوقفنا عن الشهادة، فَقَالَ القاهر [٢] : فأيش بقي؟ قلنا: تعرف يا أمير المؤمنين أنها شغب، فَقَالَ: نعم هذه شغب مولاة أبي وأم أخي، وأوقعنا خطوطنا في الكتاب. ولما رأيناها رأينا عجوزا دقيقة الجسم [٣] ، سمراء اللون إلى البياض والصفرة، عليها أثر ضر شديد [٤] ، فما انتفعنا بأنفسنا ذلك اليوم فكرا في تقلب الزمان وتصرف الحدثان، وجئنا وأقمنا الشهادة عند أبي الحسين القاضي.
قَالَ مؤلف الكتاب [٥] : وتوفيت بعد قتل المقتدر بسبعة أشهر وثمانية أيام، وكأنها توفيت في جمادى الأولى من هذه السنة، ودفنت بالرصافة.
٢٣٢٥- جارية شغب أم المقتدر باللَّه:
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي البزاز، عن أبي قاسم [٦] عَلِي بْن المحسن التنوخي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حدثني أَبُو الفرج أَحْمَد بْن عثمان بْن إبراهيم الفقيه المعروف
стр. 4556
بابن النرسي، قَالَ: كنت جالسا بحضرة أبي وأنا حدث وعنده جماعة، فحدثني حديث وصول النعم إلى الناس بالألوان الطريفة، وكان ممن حضر صديق لأبي فسمعته يحدث أبي، قَالَ: حضرت عند صديق لي من التجار كَانَ يحزر بمائة ألف دينار في دعوة، وَكَانَ حسن المروءة، فقدم مائدته وعليها ديكيريكة [١] ، فلم يأكل منها فامتنعنا، فَقَالَ: كلوا فإني أتأذى بأكل هذا اللون، فقلنا: نساعدك على تركه، قَالَ: بل أساعدكم على الأكل واحتمل الأذى، فأكل فلما أراد غسل يديه أطال، فعددت عليه أنه قد غسلها أربعين مرة، فقلت: يا هذا وسوست؟ فَقَالَ: هذه الأذية التي فرقت/ منها [٢] فقلت: وما سببها؟
فامتنع من ذكره، فألححت [٣] عليه، فَقَالَ: مات أبي وسني عشرون سنة، وخلف لي نعمة صغيرة، ورأس مال ومتاعا في دكانه، وَكَانَ خلقانيا في الكرخ، فَقَالَ لي لما حضرته الوفاة: يا بني إنه لا وارث لي غيرك ولا دين عَلي ولا مظلمة فإذا أنا مت فأحسن جهازي وصدق عني بكذا وكذا، وأخرج عن حجة بكذا وكذا، وقال وبارك الله لك في الباقي، ولكن احفظ وصيتي. فقلت: قل، فَقَالَ: لا تسرف في مالك فتحتاج إلى ما في أيدي الناس ولا تجده، واعلم أن القليل مع الإصلاح كثير، والكثير مع الفساد قليل، فالزم السوق وكن أول من يدخلها وآخر من يخرج منها، وإن استطعت أن تدخلها سحرا بليل فافعل فإنك تستفيد بذلك فوائد تكشفها لك الأيام. ومات، وأنفذت وصيته وعملت بما أشار به، وكنت أدخل السوق سحرا وأخرج منها عشاء، فلا أعدم من يجيئني من يطلب كفنا فلا يجد من قد فتح غيري فأحكم عليه ومن يبيع شيئا والسوق لم تقم فأبيعه له وأشياء من الفوائد، ومضى على لزومي السوق سنة وكسر، فصار لي بذلك جاه عند أهلها، وعرفوا استقامتي فأكرموني، فبينا أنا جالس يوما ولم يتكامل السوق إذا بأمرأة راكبة حمارا مصريا وعلى كفله منديل دبيقي وخادم، وهي بزي القهرمانة فبلغت آخر السوق، ثم رجعت فنزلت عندي، فقمت إليها وأكرمتها، وقلت: ما تأمرين؟ وتأملتها فإذا بامرأة لم أر قبلها ولا بعدها إلى الآن أحسن منها في كل شيء، فقالت: أريد كذا ثيابا طلبتها، فسمعت نغمة ورأيت شكلا قتلني وعشقتها في الحال أشد العشق، فقلت:
стр. 4557
اصبري حتى يخرج الناس فآخذ لك ذلك فليس عندي إلا القليل مما يصلح لك، فأخرجت الذي عندي وجلست تحادثني والسكاكين في فؤادي من عشقها، وكشفت عن أنامل رأيتها كالطلع، ووجه كدارة القمر، فقمت لئلا يزيد عَلي الأمر، فأخذت لها من السوق ما أرادت وكان ثمنه مع مالي نحو خمسمائة دينار، فأخذته وركبت ولم تعطني شيئا وذهب عني لما تداخلني من حبها أن أمنعها من المتاع إلا بالمال وأستدل على منزلها ومن دار من هي، فحين غابت عني وقع لي أنها محتالة، وأن ذلك سبب فقري فتحيرت في أمري وقامت قيامتي وكتمت خبري لئلا أفتضح بما للناس عَلي، وعملت على بيع ما في يدي من المتاع وإضافته إلى ما عندي من الدراهم ودفع أموال الناس اليهم ولزوم البيت والاقتصار على غلة العقار الذي ورثته عن أبي، ووطنت نفسي [١] على المحنة، وأخذت أشرع في ذلك مدة أسبوع، وإذا هي [٢] قد نزلت عندي، فحين رأيتها أنسيت جميع ما جرى عَلي وقمت إليها، فقالت: يا فتى تأخرنا عنك لشغل عرض لنا، وما شككنا في أنك لم تشك أننا احتلنا عليك، فقلت: قد رفع الله قدرك عن هذا، فقالت: هات التخت من الطيار [٣] ، فأحضرته فأخرجت دنانير عتقا فوفتني المال بأسره، وأخرجت تذكرة بأشياء أخر فأنفذت إلى التجار أموالهم، وطلبت منهم ما أرادت، وحصلت أنا في الوسط ربحا جيدا، وأحضر التجار الثياب فقمت وثمنتها معهم لنفسي، ثم بعتها عليها بربح وأنا في خلال ذلك أنظر إليها نظر تالف من حبها، وهي تنظر إلي نظر من قد فطن بذلك ولم تنكره، فهممت بخطابها ولم أقدم فاجتمع المتاع وكان ثمنها ألف دينار، فأخذته وركبت ولم أسألها عن موضعها، فلما غابت عني، قلت: هذا الآن هو الحيلة المحكمة، أعطتني [خمسة آلاف درهم] [٤] وأخذت ألف دينار، وليس إلا بيع عقاري الآن والحصول على الفقر المدقع، ثم سمحت نفسي برؤيتها مع الفقر وتطاولت غيبتها نحو شهر، وألح التجار على المطالبة فعرضت عقاري على البيع [٥] ، ولازمني
стр. 4558
بعض التجار، فوزنت جميع ما كنت [أملكه ورقا وعينا، فانا كذلك [١] إذ نزلت عندي، فزال عني جميع ما كنت فيه] [٢] برؤيتها فاستدعت الطيار والتخت فوزنت المال ورمت [٣] إلي تذكرة يزيد ما فيها على ألفي دينار بكثير، فتشاغلت بإحضار التجار ودفع أموالهم إليهم وأخذ المتاع منهم، وطال الحديث بيننا، فقالت: يا فتى لك زوجة؟
فقلت: لا والله ما عرفت امرأة قط، وأطمعني ذلك فيها، وقلت: هذا وقت خطابها والإمساك عنها عجز، ولعلها تعود أو لا تعود [٤] وأردت كلامها فهبتها وقمت كأني أحث التجار على جمع المتاع، وأخذت يد الخادم وأخرجت له دنانير وسألته أن يأخذها ويقضي لي حاجة.
فَقَالَ: أفعل وأبلغ لك محبتك، ولا آخذ شيئا، فقصصت عليه قصتي وسألته توسط الأمر بيني وبينها، فضحك وَقَالَ: إنها لك أعشق منك لها، وو الله ما بها حاجة إلى أكثر هذا الذي تشتريه، وإنما تجيئك محبة لك وتطريقا إلى مطاولتك فخاطبها بظرف ودعني فإني أفرغ لك من الأمر، فجسرني بذلك عليها فخاطبتها، وكشفت لها عشقي ومحبتي، وبكيت، فضحكت وتقبلت ذلك أحسن تقبل، وقالت: الخادم يجيئك برسالتي، ونهضت ولم تأخذ شيئا من المتاع فرددته على الناس وقد حصل لي مما اشترته أولا وثانيا ألوف دراهم [٥] ربحا، ولم يحملني النوم تلك الليلة شوقا إليها وخوفا من انقطاع السبب، فلما كَانَ بعد أيام جاءني الخادم فأكرمته وسألته عن خبرها، فَقَالَ:
هي والله عليلة من شوقها إليك، فقلت: اشرح لي أمرها؟ فَقَالَ: هذه مملوكة السيدة [أم المقتدر، وهي من أخص جواريها بها واشتهت رؤية الناس والدخول والخروج، فتوصلت حتى جعلتها قهرمانة، وقد والله حدثت السيدة بحديثك] [٦] وبكت بين يديها، وسألتها أن تزوجها منك فقالت السيدة: لا أفعل أو أرى هذا الرجل [٧] ، فإن كان
стр. 4559
يستأهلك وإلا لم أدعك ورأيك، ويحتاج في إدخالك الدار بحيلة [١] ، فإن تمت وصلت بها إلى تزويجها وإن انكشفت ضربت عنقك في هذا، وقد نفذتني إليك في هذه الرسالة وقالت لك: إن صبرت على هذا وإلا فلا طريق لك والله إلي ولا لي إليك بعدها.
فحملني ما في نفسي أن قلت: أصبر، فَقَالَ: إذا كَانَ الليل فاعبر إلى المخرم فادخل إلى المسجد وبت فيه، ففعلت، فلما كَانَ السحر إذا أنا بطيار قد قدم وخدم قد رقوا صناديق فرغ فحطوها في المسجد وانصرفوا، وخرجت الجارية فصعدت إلى المسجد ومعها الخادم الذي أعرفه، فجلست وفرقت باقي الخدم في حوائج، واستدعتني فقبلتني وعانقتني طويلا، ولم أكن نلت ذلك منها قبله، ثم أجلستني في بعض الصناديق وقفلته، وطلعت الشمس وجاء الخدم بثياب وحوائج من المواضع التي كانت أنفذتهم إليها، فجعلت ذلك بحضرتهم في باقي الصناديق وقفلتها وحملتها إلى الطيار وانحدروا، فلما حصلت فيه ندمت وقلت: قتلت نفسي لشهوة وأقبلت ألومها تارة وأشجعها أخرى وأنذر النذور على خلاصي وأوطن نفسي مرة على القتل إلى أن بلغنا الدار، وحمل الخدم الصناديق، وحمل صندوق الخادم الذي يعرف الحديث، وبادرت بصندوق أمام الصناديق وهي معه والخدم يحملون الباقي ويلحقونها، فكل ما جازت بطبقة من الخدم والبوابين قالوا نريد نفتش الصندوق فتصيح عليهم، وتقول: متى جرى الرسم معي بهذا؟ فيمسكون وروحي في السياق إلى أن انتهت [٢] إلى خادم خاطبته هي بالأستاذ، فعلمت أنه أجل الخدم فَقَالَ: لا بد من تفتيش الصندوق الذي معك، فخاطبته بلين وذل، فلم يجبها وعلمت أنها ما ذلت له ولها حيلة وأغمي عَلي، وأنزل الصندوق للفتح، فذهب عَلي أمرى [٣] وبلت فزعا، فجرى البول من خلل الصندوق، فصاحت: يا أستاذ، أهلكت علينا متاعنا بخمسة آلاف دينار/ في الصندوق ثياب مصبغات وماء ورد قد انقلب على الثياب والساعة تختلط ألوانها وهي هلاكي مع السيدة، فَقَالَ لها: خذي صندوقك إلى لعنة الله، أنت وهو ومري، فصاحت بالخدم احملوه.
стр. 4560
وأدخلت الدار فرجعت إلي روحي، فبينا نحن نمشي إذ قالت: وا ويلاه، الخليفة والله فجاءني أعظم من الأول، وسمعت كلام خدم وجوار وهو يقول من بينهم: ويلك يا فلانة أيش في صندوقك؟ أريني هو، فقالت: ثياب لستي يا مولاي والساعة أفتحه بين يديها وتراه، وقالت للخدم: أسرعوا ويلكم، فأسرعوا وأدخلتني إلى حجرة وفتحت عني وقالت: اصعد هذه الدرجة إلى الغرف واجلس فيها، وفتحت بالعجلة صندوقا آخر فنقلت بعض ما كَانَ فيه إلى الصندوق الذي كنت فيه وقفلت الجميع، وجاء المقتدر وَقَالَ: افتحى، ففتحته فلم يرض منه شيئا وخرج، فصعدت إلي وجعلت ترشفني وتقبلني، فعشت ونسيت ما جرى، وتركتني، وقفلت باب الحجرة يومها، ثم جاءتني ليلا فأطعمتني وسقتني وانصرفت، فلما كَانَ من غد جاءتني، فقالت: السيدة الساعة تجيء فانظر كيف تخاطبها. ثم عادت بعد ساعة مع السيدة، فقالت: انزل، فنزلت فإذا بالسيدة جالسة على كرسي وليس معها إلا وصيفتان وصاحبتي، فقبلت الأرض وقمت بين يديها، فقالت: اجلس، فقلت: أنا عبد السيدة وخادمها وليس من محلي أن يجلس بحضرتها، فتأملتني وقالت: ما اخترت يا فلانة إلا حسن الوجه والأدب.
ونهضت فجاءتني صاحبتي بعد ساعة وقالت: أبشر فقد أذنت لي والله في تزويجك، وما بقي الآن عقبة إلا الخروج، فقلت يسلم الله فلما كَانَ من الغد حملتني في الصندوق فخرجت كما دخلت بعد مخاطرة أخرى وفزع نالني، ونزلت في المسجد ورجعت إلى منزلي فتصدقت وحمدت الله على السلامة، فلما كَانَ بعد أيام جاءني الخادم ومعه كيس فيه ثلاثة آلاف دينار عينا، وَقَالَ أمرتني ستي بإنفاذ هذا إليك من مالها، وقالت: تشتري به ثيابا ومركوبا وخدما، وتصلح به ظاهرك وتعال يوم الموكب إلى باب العامة وقف حتى تطلب، فقد وافقت الخليفة أن تزوجك بحضرته، فأجبت عن رقعة كانت معه، وأخذت المال واشتريت ما قالوا بيسير منه، وبقي الأكثر عندي، وركبت إلى باب العامة في يوم الموكب بزي حسن وجاء الناس فدخلوا إلى الخليفة، ووقفت إلى أن استدعيت، فدخلت فإذا أنا بالمقتدر جالس والقواد والقضاة والهاشميون، فهبت المجلس وعلمت كيف أسلم وأقف، ففعلت فتقدم المقتدر إلى بعض القضاة الحاضرين فخطب لي وزوجني، وخرجت من حضرته، فلما صرت في
стр. 4561
بعض الدهاليز قريبا من الباب عدل بي إلى دار عظيمة مفروشة بأنواع الفرش الفاخرة، وفيها من الآلات والخدم والأمتعة والقماش كل شيء لم أر مثله قط، فأجلست فيها وتركت وحدي، وانصرف من أدخلني، فجلست يومي لا أرى من أعرفه، ولم أبرح من موضعي إلا إلى الصلاة، وخدم يدخلون ويخرجون، وطعام ينقل، وهم يقولون: الليلة تزف فلانة- باسم صاحبتي إلى زوجها البزاز فلا أصدق فرحا فلما جاء الليل أثر في الجوع، وقفلت الأبواب ويئست من الجارية فقمت أطوف الدار، فوقفت على المطبخ ووجدت الطباخين جلوسا، فاستطعمتهم فلم يعرفوني، وقدرني بعض الوكلاء، فقدموا إلي هذا اللون من الطبيخ مع رغيفين فأكلتهما وغسلت يدي بأشنان كَانَ في المطبخ وقدرت أنها قد نقيت، وعدت إلى مكاني، فلما جن الليل إذا طبول وزمور وأصوات عظيمة، وإذا بالأبواب قد فتحت وصاحبتي قد أهديت إلي، وجاءوا بها فجلوها عَلي وأنا أقدر أن ذلك في النوم فرحا، وتركت معي في المجلس وتفرق الناس.
فلما خلونا تقدمت إليها فقبلتها وقبلتني فشمت لحيتي فرفستني فرمت بي عن المنصة، وقالت: أنكرت أن تفلح يا عامي يا سفلة، وقامت لتخرج، فقمت وعلقت بها وقبلت الأرض ورجليها، وقلت: عرفيني ذنبي واعملي بعده ما شئت، فقالت: ويحك أكلت فلم تغسل يدك، فقصصت عليها قصتي، فلما بلغت إلى آخرها قلت: عَلي وعلي فحلفت بطلاقها وطلاق كل امرأة أتزوجها، وصدقة مالي وجميع ما أملكه والحج ماشيا على قدمي، والكفر باللَّه، وكل ما يحلف المسلمون به لا أكلت بعدها ديكيريكة إلا غسلت يدي أربعين مرة، فأشفقت وتبسمت وصاحت يا جواري، فجاء مقدار عشر جوار ووصائف، وقالت: هاتوا شيئا نأكل، فقدمت ألوان طريفة وطعام من أطعمة الخلفاء، فأكلنا وغسلنا أيدينا ومضى الوصائف، ثم قمنا إلى الفراش فدخلت بها وبت بليلة من ليالي الخلفاء، ولم نفترق أسبوعا، وكانت يوم الأسبوع وليمة هائلة اجتمع فيها الجواري، فلما كَانَ من غد قالت: إن دار الخلافة لا تحتمل المقام فيها أكثر من هذا فلولا أنه استؤذن فأذن بعد جهد لما تم لنا هذا لأنه شيء لم يفعل قبل هذا مع جارية غيري لمحبة سيدتي لي، وجميع ما تراه فهو هبة من السيدة لي، وقد أعطتني خمسين ألف دينار من عين وورق وجوهر ودنانير وذخائر لي خارج القصر كثيرة من كل لون،
стр. 4562
وجميعها لك فاخرج إلى منزلك وخذ معك مالا واشتر دارا سرية واسعة الصحن فيها بستان كبير كثير الشجر فاخر الموقع وتحول إليها وعرفني لأنقل هذا كله إليك، فإذا حصل عندك جئتك، وسلمت إلي عشرة آلاف دينار عينا فحملها الخادم معي فابتعت الدار وكتبت إليها بالخبر، فحملت إلي تلك النعمة بأسرها فجميع ما أنا فيه منها، فأقامت عندي كذا وكذا سنة أعيش معها عيش الخلفاء، ولم أدع مع ذلك التجارة، فزاد مالي، وعظمت منزلتي، وأثرت حالي وولدت لي هؤلاء الفتيان، وأومأ إلى أولاده، ثم ماتت رحمها الله تعالى وبقي عَلي من مضرة الديكيريكة حاضرا ما شاهدته.
٢٣٢٦- عبد السلام بْن مُحَمَّد [بْن عبد الوهاب] [١] بْن سلام بن خالد بن حرمان بْن أبان مولى عثمان بْن عفان [٢] :
وهو أَبُو هاشم بْن أبي عَلي الجبائي، المتكلم شيخ المعتزلة، ومصنف الكتب على مذاهبهم، ولد سنة سبع وسبعين ومائتين، وتوفي في شعبان هذه السنة، وكان عمره ستا وأربعين وثمانية أشهر وأياما.
٢٣٢٧- عَلي بْن أَحْمَد بْن مروان، أَبُو الحسن المقرئ من أهل سامرا ويعرف بابن نقيش [٣] :
سمع الحسن بْن عرفة، وعمر بْن شبة، روى عنه ابن المظفر الحافظ، وكان ثقة.
وتوفي في هذه السنة بسر من رأى.
٢٣٢٨- محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية، أبو بكر الأزدي [[٤]] .
ولد في سكة صالح بالبصرة سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ونشأ بعمان، وتنقل في
стр. 4563
جزائر البحر والبصرة وفارس، وطلب الأدب، وعلم النحو واللغة، وكان أبوه من الرؤساء وذوي اليسار، وورد بغداد بعد أن أسن فأقام بها إلى آخر عمره، وحدث عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، وأبي حاتم، والرياشي، وَكَانَ المقدم في حفظ اللغة والأنساب، وله شعر كثير، روى عنه أَبُو سعيد السيرافي وأبو بكر ابن شاذان، وأبو عُبَيْد اللَّهِ المرزباني وغيرهم. وَكَانَ يقال: أَبُو بكر بْن دريد أعلم الشعراء وأشعر العلماء.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت، قَالَ: حدثني عَلي بْن مُحَمَّد بْن نصر، قَالَ: سمعت حمزة يُوسُف، يقول: سألت الدارقطني عن ابن دريد؟ فَقَالَ: [قد] [١] تكلموا فيه.
قَالَ حمزة: وسمعت أبا بكر الأبهري المالكي، يقول: جلست إلى جنب ابن دريد، وهو يحدث ومعه جزء فيه: [قَالَ الأصمعي: فكان يقول في واحد حَدَّثَنَا الرياشي، وفى آخر] [٢] حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، [وفى آخر حَدَّثَنَا] [٣] ابن أخي الأصمعي، عَنِ الأصمعي، كما يجيء على قلبه. وَقَالَ أَبُو منصور الأزهري/ دخلت على ابن دريد فرأيته سكران فلم أعد إليه.
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا الخطيب، قَالَ: كتب إلي أَبُو ذر الهروي: سمعت ابن شاهين يقول: كنا ندخل على ابن دريد ونستحي مما نرى من العيد ان المعلقة، والشراب المصفى موضوع، وقد كَانَ جاز التسعين سنة.
стр. 4564
وتوفي يوم الأربعاء لثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان هذه السنة فلما حملت جنازته إذا بجنازة أبي هاشم الجبائي، فَقَالَ الناس: مات علم اللغة [والكلام] [١] بموت ابن دريد والجبائي، ودفنا جميعا في الخيزرانية.
أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز، قَالَ أَبُو بَكْر بْن ثَابِت الخطيب: أَخْبَرَنَا عَلي بْن أبي عَلي، عن أبيه، قَالَ: حدثني أَبُو عَلي الحسن بْن سهل بْن عبد الله الإيذجي القاضي، قَالَ: لما توفي أَبُو هاشم الجبائي ببغداد واجتمعنا لندفنه فحملناه إلى مقابر الخيزران في يوم مطير، ولم يعلم بموته أكثر الناس، وكنا جميعة في الجنازة، فبينا نحن ندفنه! إذ حملت جنازة أخرى معها جميعة عرفتهم بالأدب [٢] فقلت لهم: جنازة من هذه؟ فقالوا:
جنازة أبي بكر بْن دريد. فذكرت حديث الرشيد لما دفن مُحَمَّد بْن الحسن والكسائي بالري في يوم واحد، فأخبرت أصحابنا وبكينا على والكلام والعربية طويلا وافترقنا.
٢٣٢٩- مُحَمَّد بْن موسى، أَبُو بكر الواسطي [٣] :
أصله من خراسان من فرغانة، وَكَانَ يعرف بابن الفرغاني، وهو من قدماء أصحاب الجنيد، استوطن مرو.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر الحافظ، قَالَ: أنبأنا أَبُو بَكْر بْن خلف الشيرازي، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي، قَالَ: سَمِعْتُ [٤] مُحَمَّد بْن عبد الله الواعظ، يقول: سمعت أبا بكر مُحَمَّد بْن موسى الفرغاني، يقول: ابتلينا بزمان ليس فيه آداب الإسلام ولا أخلاق الجاهلية ولا أخلاق ذوي المروءة.
قَالَ السلمي: توفي الواسطي بعد العشرين والثلاثمائة رحمة الله عليه [٥] .
стр. 4565
٢٣٣٠- أَبُو جعفر المجذوم [١] :
كَانَ شديد العزلة عن الخلق، وهو من أقران أبي العباس بْن عطاء، وله كرامات.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أحمد بن علي بن ثَابِت [٢] ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَلي بْن الفتح، حَدَّثَنَا أَبُو عبد الرحمن السلمي، قَالَ: سمعت علي بن سعيد المصيصي، يقول: سمعت مُحَمَّد بْن خفيف، يقول: سمعت أبا الحسين الدراج، قَالَ: كنت أحج فيصحبني جماعة، فكنت أحتاج إلى القيام معهم والاشتغال بهم، فذهبت سنة من السنين وخرجت إلى القادسية، فدخلت المسجد، فإذا رجل في المحراب مجذوم وعليه من البلاء شيء عظيم، فلما رآني سلم عَلي وَقَالَ لي: يا أبا الحسين عزمت على الحج؟ فقلت: نعم، على غيظ وكراهية له [قَالَ] [٣] : فَقَالَ لي:
فالصحبة، فقلت في نفسي: أنا هربت من الأصحاء أقع في يدي مجذوم، قلت: لا، قَالَ لي: افعل، قلت: لا والله لا أفعل، فقال: يا أبا الحسن يصنع الله للضعيف حتى يتعجب القوي، فقلت: نعم، على الإنكار عليه، قَالَ: فتركته فلما صليت العصر مشيت إلى ناحية المغيثة، فبلغت من الغد ضحوة، فلما دخلنا إذا أنا بالشيخ فسلم عَلي، وَقَالَ لي: يا أبا الحسين يصنع الله للضعيف حتى يتعجب القوي، قَالَ:
فأخذني شبه الوسواس [٤] في أمره قَالَ: فلم أحس حتى بلغت القرعاء على الغدو [٥] فبلغت مع الصبح، فدخلت المسجد فإذا أنا بالشيخ قاعد، وَقَالَ لي: يا أبا الحسين يصنع الله للضعيف حتى يتعجب القوي، قَالَ: فبادرت إليه فوقعت بين يديه على وجهي، فقلت: المعذرة إلى الله وإليك، قال لي: مالك؟ قلت: أخطأت، قَالَ: ما هو؟ قلت الصحبة، قَالَ: ألست حلفت [٦] ؟ وإنا نكره أن نحنثك [٧] قال: قلت:
стр. 4566
فأراك في كل منزل قَالَ ذلك لك، قَالَ: فذهب عني الجزع والتعب في كل منزل ليس لي هم إلا الدخول إلى المسجد، فأراه إلى أن بلغت المدينة فغاب عني فلم أره، فلما قدمت مكة حضرت أبا بكر الكتاني، وأبا الحسن المزين، فذكرت لهم فقالوا لي: يا أحمق، ذاك أَبُو جعفر المجذوم، ونحن نسأل الله أن نراه، فقالوا: إن لقيته فتعلق به لعلنا نراه قلت: نعم.
فلما خرجنا من منى ومن عرفات لم ألقه، فلما كَانَ يوم الجمرة رميت الجمار فجذبني إنسان، وَقَالَ لي: يا أبا الحسين [السلام عليك، فلما رأيته لحقني من رؤيته شيء عظيم، فصحت وغشي عَلي وذهب عني وجئت إلى مسجد الخيف وأخبرت أصحابنا، فلما كان يوم الوداع طفت وصليت خلف [١] المقام ركعتين [٢] ، ورفعت يدي، فإذا إنسان خلفي يجذبني، فَقَالَ لي: يا أبا الحسين] [٣] عزمت عليك أن لا تصيح، قلت: لا أسالك أن تدعو لي، فَقَالَ: سل ما شئت، فسألت الله تعالى ثلاث دعوات فأمن على دعائي وغاب عني فلم أره. فسألته عن الأدعية فَقَالَ: أما أحدها قلت: يا رب حبب إلي الفقر فليس شيء في الدنيا أحب إلي منه، والثاني: قلت: اللَّهمّ لا تجعلني أبيت ليلة ولي شيء أدخره لغد وأنا منذ كذا وكذا سنة ما لي شيء أدخره، والثالث: قلت: اللَّهمّ إذا أذنت لأوليائك أن ينظروا إليك فاجعلني منهم وأنا أرجو ذلك.
стр. 4567
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه ورد فِي يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من المحرم كتاب من أبي جعفر مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الكرخي، وَكَانَ يتقلد أعمال الخراج والضياع بالبصرة والأهواز، بمصير جماعة من الديلم [١] من أصحاب مرداويج إلى أصبهان وتسلمهم إياها لمرداويج الديلمي، وأنه قد خرج قائد جليل من قواده كان يتقلد له بالبصرة، وأنه فاز بمال جليل وهرب وصار إلى أرجان يقال له عَلي بْن بويه، وأنه كتب إليه بأنه في طاعة السلطان، وأنفذ منه كتابا إلى الوزير الخصيبي يسأله في الورود إلى الحضرة [٢] ، أو النفوذ إلى شيراز لينضم إلى ياقوت مولى أمير المؤمنين القاهر باللَّه المتولي لأعمال المعادن بفارس وكرمان، وَكَانَ أَبُو علي ابن مقلة [قد استتر من القاهر لخوفه منه، وَكَانَ القاهر بطاشا، وَكَانَ ابن مقلة] [٣] في مدة استتاره يراسل الجند ويغريهم على القاهر، ويوحشهم منه، ويعرفهم أنه قد بنى لهم المطامير، وعمل على حبسهم فيها، واحتال من جهة منجم يعرف بسيما، وَكَانَ يخوفهم [٤] من القاهر من طريق النجوم، فاجتمع الجند وذكروا أنه قد صح عندهم أن القاهر قد عمل حبوسا يحبسهم فيها فأنهي ذلك إلى القاهر [٥] ، فحلف
стр. 4568
أنه لم يفعل ذلك فاتفقوا على القبض على القاهر، [وتحالفوا] [١] فَقَالَ لهم سيما: إن كنتم على هذا العزم فقوموا بنا الساعة، فقالوا: بل نؤخره إلى غد، فإنه يوم موكب يجلس فيه للسلام ويظهر لنا فنقبض عليه، فَقَالَ: إن تفرقتم الساعة وأخرتم إمضاءه إلى ساعة أخرى بطل ما دبرتموه، فركبوا معه وصاروا إلى الدار، ورتب على أبوابها غلمانا، ووقف هو على باب العامة، وأمر بالهجوم فهجموا كلهم من سائر الأبواب في وقت واحد، فبلغ الخبر الوزير الخصيبي فخرج في زي امرأة واستتر، فلما دخلوا على القاهر هرب إلى سطح حمام فاستتر فيه، فوجدوه فقبضوا عليه وصاروا به إلى موضع الحبوس فحبسوه، ووكلوا بباب البيت جماعة.
ووقع النهب ببغداد، وخلع يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الأولى من هذه السنة، وسملت عيناه في هذا اليوم [حتى سالتا جميعا فعمي، وارتكب منه أمر عظيم لم يسمع بمثله في الإسلام، فكانت خلافته إلى هذا اليوم] [٢] سنة وستة أشهر وسبعة أيام، وبقي القاهر محبوسا [٣] في دار السلطان [٤] إلى سنة ثلاث وثلاثين، ثم خرج إلى دار ابن طاهر، فكان تارة يحبس وتارة يخلى، فخرج يوما فوقف بجامع المنصور يتصدق وقصد بذلك التشنيع على المكتفي، فرآه أَبُو عبد الله بْن أبي موسى، فمنعه من ذلك وأعطاه خمسمائة درهم.
باب ذكر خلافة الراضي باللَّه:
اسمه محمد ويكنى أبا العباس ابن المقتدر، ولد ليلة الأربعاء [٥] لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، وأمه أم ولد رومية تسمى ظلوم، أدركت خلافته [٦] ،
стр. 4569
وَكَانَ قصير القامة، نحيف الجسم، أسمر رقيق السمرة، دري اللون أسود الشعر سبطه، في وجهه طول، وفى مقدم لحيته تمام، وفى شعرها رقة، بويع له وأقيم القاهر بين يديه، فسلم عليه بالخلافة، وبعث الراضي إلى أبي بكر الصولي، فَقَالَ له: اختر لي لقبا، فاختار له المرتضي [١] باللَّه، فبعث إليه يقول: كنت أنت [قد] [٢] عرفتني أن إبراهيم بن المهدي أراد له أن يكون له ولي عهد، فأحضروا منصور/ بْن المهدي وسموه المرتضى [٣] ، وما أختار أن أتسمى [٤] باسم وقع لغيري ولم يتم أمره، وقد اخترت الراضي باللَّه.
ولما بويع الراضي [باللَّه] [٥] كتب كتابا [٦] لأبي علي ابن مقلة، وَكَانَ قد اختفى في داره فكبست فاستتر في بئر فسلم وظهر ومضى إلى الراضي، فقلده الوزارة وتقدم إلى عَلي بْن عيسى بمعاونته، وأمر الراضي بإطلاق كل من كَانَ في حبس القاهر، وصودر عيسى طبيب القاهر على مائتي ألف دينار، وَكَانَ القاهر قد أودعه عشرين ألف دينار ومائة وخمسين ألف درهم وألف مثقال عنبر، فاعترف وأداها. وولي أَبُو بكر بْن رائق إمارة الجيش ببغداد، وكان الحجاب أصحاب المناطق أربعمائة وثمانين حاجبا.
ذكر طرف من سيرته
كَانَ الراضي سمحا واسع النفس، أديبا شاعرا حسن البيان والفصاحة، يحب محادثة العلماء. سمع من البغوي قبل الخلافة كثيرا ووصله بمال كثير غزير، ورفع إليه أن عبد الرحمن بْن عيسى قد احتاز أموالا عظيمة، وتقرر [٧] عليه مائة ألف دينار، فحلف أن
стр. 4570
لا يقنع إلا بأدائها، فكتب الوزير أَبُو جعفر الكرخي تقسيطا بدأ فيه بنفسه، ودخل عليه جعفر بْن ورقاء فسلم إليه الدرج، وخاطبه ليكتب شيئا، فَقَالَ: أنا أدبر الأمر، وكتب ضمن جعفر بْن ورقاء لوكيل أمير المؤمنين مائة ألف دينار عن عبد الرحمن بْن عيسى، ونفذ بها، فلما رأى الراضي الرقعة اغتاظ وخرقها، وَقَالَ: قل له يا أعرابي جلف أردت أن تري الناس أنك واسع النفس وقد عزمت عمن لا حرمته بينك وبينه هذا المال، وضاقت نفسي أنا عن تركه وهو خادمي فتظهر أنك أكرم مني، لا كَانَ هذا، فَقَالَ ابن ورقاء: والله ما اعتمدت أن يقع في نفسه إلا هذا فيفعل ما فعله، ولو جرى الأمر بخلافه لأديت ما أملك، واستمحت الناس.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الخطيب، قَالَ: كَانَ للراضي فضائل كثيرة وختم الخلفاء في أمور عدة منها: أنه آخر خليفة له شعر مدون، وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال، وآخر خليفة خطب على المنبر يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل إليه الندماء، وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وجراياته وخزانته ومطابخه ومجالسه وخدمه وحجابه وأموره كلها تجري على ترتيب المتقدمين من الخلفاء، وقد روي لنا في حديث أنه وقع حريق بالكرخ [١] ، فأطلق للهاشميين عشرة آلاف دينار وللعامة أربعين ألفا حتى عمروا ما احترق، وولع بهدم القصور من دار الخلافة وتصييرها بساتين.
وله أشعار حسان منها:
لا تعذلي كرمي على الإسراف ... ربح المحامد متجر الإشراف
أجرى كآبائي الخلائف سابقا ... وأشيد ما قد أسست أسلافي
إني من القوم الذين أكفهم ... معتادة الأخلاف والإتلاف
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ علي بن ثابت، أَخْبَرَنَا عَلِي بْن الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سمعت أبا بكر مُحَمَّد بْن يحيى الصولي يحكي: أنه دخل على الراضي وهو يبني شيئا أو يهدم شيئا فأنشده أبياتا، وَكَانَ الراضي جالسا على
стр. 4571
آجرة حيال الصناع، قَالَ: وكنت أنا وجماعة من الجلساء، فأمرنا بالجلوس بحضرته، فأخذ كل واحد منا آجرة فجلس عليها، واتفق أني أخذت آجرتين ملتصقتين بشيء من اسفيذاج، فجلست عليهما، فلما قمنا أمر أن توزن آجرة كل واحد منا ويدفع إليه وزنها دراهم أو دنانير. قَالَ أبي: الشك مني، قَالَ: فتضاعفت جائزتي على جوائز الحاضرين بتضاعف وزن آجرتي على وزن آجرهم.
ومن أشعاره:
يصفر وجهي إذا تأمله ... طرفي ويحمر وجهه خجلا
حتى كَانَ الذي بوجنته ... من دم جسمي إليه قد نقلا
قَالَ أَبُو بكر الصولي: قد كنت قلت: أبياتا وهي:
يا مليح الدلال رفقا بقلب ... يشتكي منك جفوة وملالا
نطق السقم بالذي كَانَ يخفي ... فسل الجسم إن أردت سؤالا
قد أتاه في النوم منك خيال ... فرآه كما اشتهيت خيالا
يتحاماه للضنا ألسن العذل ... فأضحى لا يعرف العذالا
فأنشدت هذه الأبيات للراضي باللَّه، فجذب الدواة وعمل من وقته:
عقلي لا يقبل المحالا ... وأنت لا تبذل الوصالا
ضللت في حبكم فحسبي ... حتى متى أتبع الضلالا
قد زارني منكم خيال ... فزدت إذ زارني خبالا
رأى خيالا على فراش ... وما أراه رأى خيالا
قَالَ الصولي: فعجبت والله من سرعة فطنته.
وفى هذه السنة: عظم أمر مرداويج بأصبهان، وحدث الناس أنه يريد تشعيث الدولة، وقصد بغداد، وأنه مسالم لصاحب البحرين يجتمعان على ذلك، وَكَانَ يقول:
أنا أرد دولة العجم وأبطل ملك العرب، ثم أساء السيرة في أصحابه خصوصا في الأتراك، فتواطئوا على إهلاكه، ثم ورد الخبر بأن غلمانه قتلوه، وأن رئيس الغلمان غلام
стр. 4572
يعرف ببجكم زعم ابن ياقوت أنه هو الذي دبر ذلك، وكاتب فيه الغلمان.
وفى هذه السنة: ارتفع أمر أبي الحسن عَلي بْن بويه الديلمي، ولبويه قصة عجيبة وهي بداية أمورهم، فلنذكرها:
أنبأنا مُحَمَّد بْن عبد الباقي البزاز، أَنْبَأَنَا عَلِي بْن المحسن التنوخي، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا عَلي بْن حسان الأنباري الكاتب، قَالَ: لما أنفذني معز الدولة من بغداد إلى ديلمان لأبني له دورا في بلدة منها، قَالَ لي: سل عن رجل من الديلم يقال له: أَبُو الحسين بْن شيركوه [١] ، فأكرمه واعرف حقه وأقرئه سلامي، وقل له سمعت وأنا صبي بحديث منام كَانَ أبي رآه وفسره هو وانت على مفسر بديلمان، ولم أقم عليه للصبي، فحدثني به واحفظه لتعيده عَلي.
فلما جئت إلى ديلمان جاءني رجل مسلما، فعلمت بأنه كَانَ بينه وبين بويه والد الأمير صداقة فأكرمته وعظمته وأبلغته رسالة معز الدولة، فَقَالَ لي: كانت بيني وبين بويه مودة وكيدة، وهذه داره ودارى متحاذيتان كما ترى، وأومأ إليهما، فَقَالَ لي. ذات يوم:
إنى قد رأيت رؤيا هالتني فاطلب لي إنسانا يفسرها لي، فقلت: نحن هاهنا في مفازة فمن أين لنا من يفسر، ولكن اصبر حتى يجتاز بنا منجم أو عالم فنسأله، ومضى على هذا الأمر شهور فخرجت أنا وهو في بعض الأيام إلى شَاطِئ البحر نصطاد سمكا، فجلسنا فاصطدنا شيئا [٢] كثيرا، فحملناه على ظهورنا أنا وهو، وجئنا فقال لي: ليس في داري من يعمله فخذ الجميع إليك ليعمل عندك، فأخذته وقلت له: فتعال إلي لنجتمع عليه، ففعل فقعدنا أنا وهو وعيالي ننظفه ونطبخ بعضه ونشوى الباقي، واذا رجل مجتاز يصيح منجم مفسر للرؤيا، فقال لي: يا أبا الحسين تذكر ما قلته لك بسبب المنام رأيته فقلت:
بلى، فقمت وجئت بالرجل، فَقَالَ له بويه: رأيت ليلة في منامي كأني جالس أبول، فخرج من ذكري نار عظيمة كالعمود، ثم تشعبت يمنة ويسرة وأماما وخلفا حتى ملأت الدنيا، وانتبهت، فما تفسير هذا؟ فَقَالَ له: الرجل: لا أفسرها لك بأقل من ألف درهم
стр. 4573
قال: فسخرنا [١] منه، وقلنا له: ويحك نحن فقراء نخرج نصيد سمكا لنأكله والله ما رأينا هذا قط ولا عشره، ولكنا نعطيك سمكة من أكبر هذا السمك، فرضي بذلك، وَقَالَ له:
يكون لك أولاد يفترقون في الدنيا فيملكونها ويعظم سلطانهم فيها على قدر ما احتوت النار التي رأيتها في المنام عليه من الدنيا قَالَ: فصفعنا الرجل، وقلنا: سخرت منا وأخذت السمكة حراما، وَقَالَ له: بويه ويلك أنا صياد فقير كما ترى وأولادي هم هؤلاء وأومأ إلى عَلي بْن بويه، وَكَانَ أول ما اختط عارضه، والحسن وهو دونه، وأحمد وهو فوق الطفل قليلا.
ومضت السنون وأنسيت المنام حتى خرج بويه إلى خراسان، وخرج عَلي بْن بويه، فبلغنا حديثه وأنه قد ملك أرجان، ثم ملك فارس كلها، فما شعرنا إلا بصلاته قد جاءت إلى أهله وشيوخ بلد [٢] الديلم، وجاءني رسوله يطلبني، فطلبني فخرجت ومشيت إليه [٣] ، فهالني ملكه وأنسيت المنام/ وعاملني من الجميل والصلات بأمر عظيم، وَقَالَ لي وقد خلونا: يا أبا الحسين تذكر منام أبي الذي ذكرتموه للمفسر وصفعتموه لما فسره لكم، فاستدعى عشرة آلاف دينار فدفعها إلي وَقَالَ: هذا من ثمن تلك السمكة خذه، فقبلت الأرض، فَقَالَ لي: تقبل تدبيري؟ فقلت: نعم، قَالَ: انفذها إلى بلد الديلم، واشتر بها ضياعا هناك ودعني أدبر أمرك بعدها، ففعلت وأقمت عنده مدة ثم استأذنته في الرجوع، فَقَالَ: أقم عندي فإنّي أقودك وأعطيك إقطاعا بخمسمائة ألف درهم في السنة، فقلت له: بلدي أحب إلي، فأحضر عشرة آلاف دينار أخرى فأعطاني إياها، وَقَالَ: لا يعلم أحد فإذا حصلت ببلد الديلم فادفن منها خمسة آلاف استظهارا على الزمان، وجهز بناتك بخمسة آلاف، ثم أعطاني عشرة دنانير، وَقَالَ: احتفظ بهذه ولا تخرجها من يدك، فأخذتها فإذا في كل واحد مائة [٤] دينار وعشرة دنانير فودعته وانصرفت.
стр. 4574
قَالَ أَبُو الْقَاسِم: فحفظت القصة فلما عدت إلى معز الدولة حدثته بالحديث فسر به وتعجب، وَكَانَ بويه يكنى أبا شجاع، وينسب إلى سابور ذي الأكتاف، وأولاد بويه ثلاثة أكبرهم أَبُو الحسن عَلي ولقبه عماد الدولة، وأبو عَلي الحسن ولقبه ركن الدولة، وأبو الحسين أَحْمَد ولقبه معز الدولة، لقبهم بهذه الألقاب المستكفي باللَّه، وكانوا فقراء ببلد الديلم.
ويحكي معز الدولة أنه كَانَ يحتطب على رأسه ثم خدموا مرداويج، وَكَانَ أَبُو الحسن عَلي بْن بويه الديلمي أحد قواد مرداويج [١] بْن زيار الديلمي، وقد ذكرنا حال مرداويج في سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وَكَانَ قد أنفذ عليا إلى الكرج يستحث له على حمل مال، فلما حصل بها استوحش من مرداويج وأخذ المال المستخرج لنفسه، وهو خمسمائة ألف درهم، وصار إلى همدان فأغلقت أبوابها دونه، ففتحها عنوة وقتل من أهلها خلقا كثيرا ثم صار [منها] [٢] إلى أصبهان فدخلها وملكها، فأنفذ إليه مرداويج جيشا فخرج منها إلى أرجان [فاستخرج منها [نحوا من] [٣] مائتي ألف دينار، وصار إلى كازرون وبلد سابور] [٤] فاستخرج نحو خمسمائة ألف دينار مع كنوز كثيرة وجدها، فزاد عدده [٥] وقويت شوكته، وملك شيراز، وطلب منه أصحابه المال ولم يكن معه ما يرضيهم، فأشرف على انحلال أمره فاغتم، واستلقى على ظهره مفكرا، فإذا حية قد خرجت من سقف ذلك المجلس فدخلت موضعا آخر، فدعا الفراشين ليبحثوا عنها، فوجدوا ذلك السقف يفضي إلى غرفة بين سقفين، فأمر بفتحها ففتحت، فإذا فيها صناديق من المال والصياغات ما قيمته خمسون ألف دينار، فأخذ المال وفرقه عليهم، فثبت أمره وَكَانَ قد وصف [له خياط [٦] يخيط] لبعض من كَانَ يحاربه فأحضره، وَكَانَ بالخياط طرش، فظن أنه قد سعى به إليه، فلما خاطبه في خياطة الثياب، وكان جوابه:
стр. 4575
والله ما لفلان عندي إلا اثنا عشر صندوقا، فما أدري ما فيها؟ فتعجب عَلي بْن بويه من الجواب ووجه من حملها، فوجد فيها مالا عظيما، وَكَانَ قد ركب يوما وطاف في خرابات البلد يتأمل أبنية الأوائل وآثارهم، فتهور تحت قوائم فرسه فاستراب بذلك الموضع [١] ، وأمر بالكشف عنه، فإذا مال عظيم.
ولما تمكن عَلي بْن بويه من البلد أراد أن يقاطع السلطان عنه ويتقلده من قبله، فراسل الراضي بذلك، فأجابه فضمنه بثمانية آلاف درهم [٢] خالصة للحمل بعد النفقات والمؤن، فأنفذ إليه ابن مقلة خلعة ولواء [٣] ، وأمر أن لا يسلم إليه حتى يعطي المال [فتلقى الرسول فطالبه [٤] بالمال] فخاشنه وأرهبه، فأعطاه الخلع وبقي عنده مدة وهو يماطله بالمال حتى توفي الرسول.
وهو أول الملوك الذين افتتحت بهم الدولة الديلمية، وَكَانَ عاقلا سخيا شجاعا، وتوفي على بشيراز في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
وظهر ببغداد رجل يعرف بأبي جعفر مُحَمَّد بْن عَلي الشلمغاني، ويعرف بابن أبي العزاقير، وَكَانَ قد ظهر وحامد بْن العباس في الوزارة، وذكر عنه أنه يقول بتناسخ اللاهوت، وأن اللاهوت قد حل فيه فاستتر، ثم ظهر في زمان الراضي، وقيل: إنه يدعي أنه إله فاستحضر بحضرة الراضي فأنكر ما ادعي عليه، وَقَالَ: أنا أباهل من يدعي عَلي هذه المقالة، فإن لم تنزل العقوبة على من باهلني بعد ثلاثة أيام وأقصاه بسبعة أيام فدمي لكم حلال؟ فأنكر هذا القول عليه، وقيل: يدعي علم الغيب، وأفتى قوم بأن دمه حلال إلا أن يتوب من هذه المقالة، فضرب ثمانين سوطا ثم قتل وصلب.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٣٣١- أحمد بن عبد الله بن مسلم بن [[٥]] قتيبة:
قدم مصر وتولى القضاء بها، وحدث عن أبيه بكتبه المصنفة.
وتوفي بمصر وهو على القضاء في ربيع الأول من هذه السنة.
стр. 4576
٢٣٣٢- أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الحارث بْن عبد الوارث، أَبُو الحسن يعرف بابن العتاب [١] .
حدث عن يحيى بْن نصر وغيره [٢] ، وَكَانَ ثقة [يفهم] [٣] .
توفي في ربيع الآخر من هذه السنة.
٢٣٣٣- إسحاق بْن مُحَمَّد بْن الفضل بْن جابر، أَبُو العباس الزيات [٤] :
سمع يعقوب الدورقي، روى عنه الدارقطني، وَقَالَ: هو صدوق.
توفي في جمادى الأولى من هذه السنة.
٢٣٣٤- جعفر بْن أَحْمَد بْن يحيى أَبُو الفضل السراج [٥] :
حدث عن يونس بْن عبد الأعلى وغيره، وَكَانَ ثقة صالحا، توفي في هذه السنة.
٢٣٣٥- حسان بْن أبان بْن عثمان، أَبُو عَلي الأيلي [٦] :
أقام بدمياط، وحدث بها، وولي قضاءها، وكان يفهم ما يحدث [٧] .
توفي بِهَا في هذه السنة.
٢٣٣٦- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الْقَاسِم، أَبُو عَلي الروذباري [٨] :
أصله من بغداد وسكن مصر، وَكَانَ من أبناء الرؤساء والوزراء والكتبة، وصحب
стр. 4577
الجنيد، وسمع الحديث، وحفظ منه [شيئا] [١] كثيرا، وتقدم [٢] ، وقد ذكروا في اسمه غير ما قلنا، فمنهم من قال هو: أَحْمَد بْن مُحَمَّد، ومنهم من قَالَ: «الحسن بْن همام» والصحيح ما ذكرنا.
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن عَلي الحافظ، قَالَ: قرأت على مُحَمَّد بْن أبي الحسن الساحلي، عن أبي العباس أَحْمَد بْن مُحَمَّد النسوي، قَالَ:
سمعت [أَحْمَد بْن أَحْمَد الرازي، يقول:] [٣] سمعت مُحَمَّد بْن عمر [الجعابي] [٤] الحافظ، يقول: قصدت عبدان الأهوازي، فقصد مسجدا، فرأيت شيخا وحده قاعدا في المسجد حسن الشيبة، فذاكرني بأكثر من مائتي حديث في الأبواب، وكنت قد سلبت في الطريق، فأعطاني الذي كَانَ عليه، فلما دخل عبدان المسجد ورآه اعتنقه وبش به، فقلت لهم: من هذا الشيخ؟ قالوا: هذا أَبُو عَلي الروذباري، فرأيت من حفظه الحديث ما يتعجب منه [٥] وحكى [عنه] [٦] أَبُو عبد الرحمن السلمي أنه كَانَ يقول: أستاذي في التصوف الجنيد، وفى الحديث والفقه إبراهيم الحربي، وفى النحو ثعلب.
أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ [بْنِ ثَابِتٍ] [٦] ، قَالَ:
أخبرنا إبراهيم [بْن] [٧] هبة الله الجرباذقاني، [حَدَّثَنَا معمر بْن أَحْمَد الأصبهاني، قَالَ:
بلغني عن أبي عَلي الروذباري] [٨] أنه قَالَ: أنفقت على الفقراء كذا وكذا ألفا فما وضعت شيئا في يد فقير فإني كنت أضع ما أدفع إلى الفقراء في يدي فيأخذه من يدي حتى تكون يدي تحت أيديهم ولا تكون يدي فوق يدي فقير.
стр. 4578
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أَحْمَد بْن عَلي الحافظ، قَالَ: أنشدنا أَبُو طالب يحيى بن علي الدسكري الروذباري:
ولو مضى الكل مني لم يكن عجبا ... وإنما عجبي للبعض كيف بقي
أدرك بقية روح فيك قد تلفت ... قبل الفراق [١] فهذا آخر الرمق
توفي أَبُو على الروذباري في هذه السنة، وقيل: في سنة ثلاث وعشرين.
٢٣٣٧- محمد بن أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي الثلج، أَبُو بكر [٢] الكاتب:
ولد في سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وسمع جماعة، وروى عنه الدارقطني، وابن شاهين، وتوفي في هذه السنة.
٢٣٣٨- مُحَمَّد بْن إسماعيل، المعروف بخير النساج، يكنى أبا الحسن [٣] :
من كبار الصوفية من أهل سامرا، سكن بغداد، وصحب سريا وأبا حمزة، وتاب في مجلسه إبراهيم الخواص والشبلي.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي [بن ثابت] [٤] [أخبرنا يحيى بْن عَلي] [٥] ، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد العزيز بْن أبي الحسن القرميسيني، قَالَ: سمعت عَلي بْن عبد الله الهمذاني، يقول: حَدَّثَنَا عَلي بْن مُحَمَّد الفرضي، حَدَّثَنَا أَبُو الحسين [٦] المالكي، قَالَ: كنت أصحب خير النساج سنين كثيرة، ورأيت له من كرامات الله ما يكثر ذكره غير أنه قَالَ لي قبل وفاته بثمانية أيام [٧] : إني أموت يوم الخميس
стр. 4579
المغرب، وأدفن يوم الجمعة قبل الصلاة وستنسى فلا تنساه.، قَالَ أَبُو الحسين فأنسيته إلى يوم الجمعة/ فلقيني من خبرني بموته، فخرجت لأحضر جنازته فوجدت الناس راجعين، فسألتهم: لم رجعوا؟ فذكروا أنه يدفن بعد الصلاة، فبادرت ولم ألتفت إلى قولهم فوجدت الجنازة قد أخرجت قبل الصلاة أو كما قَالَ، فسألت من حضره [عن حاله] [١] عند خروج روحه، فَقَالَ: إنه لما احتضر غشي عليه، ثم فتح عينيه وأومأ إلى ناحية البيت، وَقَالَ: قف عافاك الله [فإنما] [٢] أنت عبد مأمور وأنا عبد مأمور، وما أمرت به لا يفوتك وما أمرت به يفوتني، فدعني أمضي لما أمرت به، ثم امض لما أمرت به، فدعا بماء فتوضأ للصلاة وصلى ثم تمدد وغمض عينيه وتشهد ثم مات.
وأخبرني بعض أصحابنا أنه رآه في النوم، فَقَالَ: ما فعل الله بك؟ فَقَالَ: لا تسألني أنت عن ذا، ولكن استرحنا من دنياكم الوضرة.
بلغ خير النساج من العمر مَائة وعشرين سنة، وتوفي في هذه السنة.
٢٣٣٩- مُحَمَّد بْن سليمان بْن مُحَمَّد بْن عمرو بْن الحسين أَبُو جعفر الباهلي النعماني [٣] :
حدث عن أَحْمَد بْن بديل وغيره. وروى عنه الدارقطني، مات بالنعمانية في هذه السنة.
٢٣٤٠- يعقوب بْن إبراهيم [٤] بْن أَحْمَد بْن عيسى بْن البخترى، أَبُو بكر البزاز ويعرف بالحراب [٥] :
ولد سنة سبع وثلاثين ومائتين، سمع الحسن بْن عرفة، وعمر بن شبة. روى عنه
стр. 4580
الدارقطني، وَقَالَ: كَانَ ثقة مأمونا مكثرا. توفي يعقوب وهو ساجد ليلة الجمعة، ودفن يوم الجمعة لثمان بقين من ربيع الآخر من هذه السنة.
٢٣٤١-[يعقوب] [١] بْن صالح، أَبُو مُحَمَّد السيرافي:
كانت عنده كتب أبي عبيد الْقَاسِم بْن سلام، عن عَلي بْن عبد العزيز، وَكَانَ عنده حديث كثير، [وحدث] [٢] وَكَانَ ثقة مأمونا [٣] ، كَانَ يبيع لأهل فارس وتجار الهند أمتعتهم.
توفي بمصر في ربيع الأول من هذه السنة.
стр. 4581
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه في ربيع الأول [١] بلغ الوزير أبا علي ابن مقلة أن رجلا يعرف بابن شنبوذ يغير حروفا من القرآن، فاستحضره [واستحضر] [٢] القاضي أبا الحسين عمر بْن مُحَمَّد، وأبا بكر بْن مجاهد، ونوظر بحضرة الوزير فأغلظ القول بمناظرته [٣] ، فضرب بين الهنبازين سبع درر، فدعا عَلي ابن مقلة أن تقطع يده ويشتت شمله، ثم عرضت عليه الحروف التي قرأ بها فأنكر ما كَانَ شنيعا، وَقَالَ: فيما سوى ذلك قد قرأ به قوم، وذلك مثل قوله:
«فامضوا إلى ذكر الله» «كالصوف المنفوش» [٤] «يأخذ كل سفينة صالحة غصبا» [فاستتابوه] [٥] فتاب وكتب خطه بذلك، فحمل إلى المدائن [في الليل ليقيم بها أياما] [٦] ثم يدخل منزله مستخفيا ولا يظهر لئلا تقتله العامة، وقيل: إنه نفي إلى البصرة، ثم إلى الأهواز فمات بها.
وفى يوم السبت لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول [٧] طالب الجند بأرزاقهم
стр. 4582
وشغبوا، وزاد الأمر في هذا، وحملوا السلاح، وضربوا مضاربهم في رحبة باب العامة وحاصروا الدار، ثم سكنوا.
وفى يوم السبت لعشر خلون من جمادى الآخرة، ركب بدر الخرشني [١] صاحب الشرطة، فنادى ببغداد في الجانبين في أصحاب أبي مُحَمَّد البربهاري [أن لا يجتمع منهم نفسان في موضع، وحبس منهم جماعة، واستتر البربهاري] [٢] .
وفى شهر آيار اتصلت الجنوب، وعظم الحر، وغلظ الغيم، وتكاثف، فلما كَانَ آخر يوم منه وهو يوم الأحد لخمس بقين من جمادى الآخرة بعد الظهر هبت ريح عظيمة لم ير مثلها وأظلمت واسودت إلى بعد العصر، ثم خفت، ثم عاودت إلى وقت عشاء الآخرة [٣] .
وفى جمادى الآخرة عاد الجند فشغبوا وطالبوا بالرزق، ونقبوا دار الوزير ودخلوها فملكوها.
وفى رمضان ذكر للوزير أن رجلا في بعض الدور الملاصقة للزاهر يأخذ البيعة على الناس لإنسان لا [٤] يعرف، ويبذل لهم الصلة، فتوصل إلى معرفته فعرف، وعلم أنه قد أخذ البيعة لجعفر بْن المكتفي، وأن جماعة من القواد قد أجابوا إلى ذلك، منهم يانس، فقبض على الرجل ومن قدر عليه من جماعته، وقبض على جعفر ونهب منزله.
وفي هذا الشهر [٥] : وقع حريق عظيم في الكرخ في طرف البزازين [٦] ، فذهبت فيه أموال كثيرة للتجار، فأطلق لهم الراضي ثلاثة آلاف دينار.
وخرج الناس للحج في هذه السنة ومعهم لؤلؤ غلام المتهشم يبذرقهم، فاعترضه
стр. 4583
أَبُو طاهر بْن أبي سعيد الجنابي ولم يكن عند لؤلؤ خبر منه، وإنما ظنه بعض الأعراب، فحاربه فانهزم لؤلؤ وبه ضربات، وأكثر أَبُو طاهر القتل في الحاج ونهب، ورجع من سلم إلى بغداد، وبطل الحج في هذه السنة، وكانت الوقعة بينه وبين لؤلؤ في سحر يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة.
وفى هذه الليلة بعينها: انقضت النجوم ببغداد من أول الليل إلى آخره. وبالكوفة أيضا انقضاضا مسرفا لم يعهد مثله ولا ما يقاربه.
وغلا السعر في هذه السنة، فبلغ الكر الحنطة مائة وعشرين دينارا.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٣٤٢- إبراهيم بْن مُحَمَّد بْن عرفة بْن سليمان بْن [١] المغيرة بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ الأزدي العتكي [أَبُو عبد الله] [٢] المعروف بنفطويه [٣] :
حدث عن خلق كثير يروي عنه [٤] ابن حيويه، والمرزباني، والمعافى وغيرهم.
وَكَانَ صدوقا وله مصنفات.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ
стр. 4584
عمر بن روح، قال: أخبرنا منصور [١] بْن ملاعب الصيرفي قَالَ: أنشدنا إبراهيم بْن عرفة لنفسه:
أستغفر الله مما يعلم الله ... إن الشقي لمن لم يرحم الله [٢]
هبه تجاوز لي عن كل مظلمة ... وا سوأتا من حيائي يوم ألقاه
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَلي، أَخْبَرَنَا ابن رزقويه [٣] ، قَالَ: أنشدني أَحْمَد بْن عبد الرحمن، قَالَ أنشدني إبراهيم بْن مُحَمَّد بْن عرفة لنفسه:
أحب من الإخوان كل مؤاتي ... وكل غضيض الطرف عن عثراتي
يطاوعني في كل أمر أريده ... ويحفظني حيا وبعد مماتي [٤]
ومن لي به يا ليتني قد أصبته ... أقاسمه مالي ومن حسناتي
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ [الخطيب] [٥] ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن عثمان الصيرفي، قَالَ: قَالَ لنا أَبُو بكر بْن شاذان: بكر إبراهيم بْن مُحَمَّد بْن عرفة نفطويه يوما إلى درب الرءّاسين، فلم يعرف الموضع فتقدم إلى رجل يبيع البقل، فَقَالَ له: أيها الشيخ كيف الطريق إلى درب الرءّاسين، قَالَ: فالتفت البقلي إلي جار له فَقَالَ: يا فلان ألا ترى إلى هذا الغلام فعل الله به وصنع فقد احتبس عَلي، فَقَالَ وما الذي تريد منه؟ قَالَ: لم يبادر فيجيئني بالسلق بأي شيء أصفع هذا الماص بظر أمه لا يكنى، قَالَ: فتركه ابن عرفة وانصرف من غير أن يجيبه بشيء.
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَلي، أَخْبَرَنَا الحسن بْن أبي بكر، عن أَحْمَد بْن كامل القاضي، قَالَ: توفي [إبراهيم] [٦] بْن عرفة [في يوم الأربعاء] [٧] لست خلون من
стр. 4585
صفر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، ودفن يوم الخميس في مقابر باب الكوفة، وصلى عليه البربهاري رئيس الحنابلة، وَكَانَ حسن الافتنان في العلوم [١] ، وذكر أن مولده سنة أربعين ومائتين، وَكَانَ يخضب بالوسمة.
٢٣٤٣- إبراهيم بْن حماد بن إسحاق بن إسماعيل [٢] بن حماد بْن زيد، أَبُو إسحاق الأزدي [٣] :
ولد في رجب سنة أربعين ومائتين، وسمع خلقا كثيرا منهم الحسن بْن عرفة.
وَكَانَ ثقة فاضلا عابدا.
أخبرنا أبو منصور [٤] القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر بْن ثَابِت، قَالَ: حدثني [٥] الحسن بْن مُحَمَّد الخلال، قَالَ: قَالَ لنا القاضي أَبُو الحسين الجراحي: ما جئت إلى إبراهيم بْن حماد قط إلا وجدته قائما يصلي أو جالسا يقرأ.
قَالَ الخلال: قَالَ أَبُو بكر النيسابوري: ما رأيت أعبد منه.
توفي في صفر هذه السنة.
٢٣٤٤- إسماعيل بْن العباس بْن عمر بْن مهران بْن فيروز، أَبُو على الوراق [٦] :
ولد سنة أربعين ومائتين، وسمع الزبير بْن بكار، والحسن بْن عرفة، وعلي بْن حرب وغيرهم، روى عنه الدارقطني ووثقه. وَكَانَ قد حج في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، ثم رجع فمات في الطريق وحمل إلى بغداد فدفن بها.
٢٣٤٥- أسامة بْن عَلي بْن/ سعيد بن بشير، أبو رافع الرازيّ [٧] .
стр. 4586
ولد سنة خمسين ومائتين. وسمع الحديث وأكثر، وَكَانَ ثبتًا [ثقة] [١] .
وتوفي بمصر في ذي الحجة من هذه السنة.
٢٣٤٦- بندار بْن إبراهيم بْن عيسى، أَبُو مُحَمَّد القاضي:
كَانَ على قضاء استراباذ، وَكَانَ محمود الأثر، صحيح الديانة، فاضلا ثقة أمينا.
روى عن الحارث بْن أبي أسامة، ومعاذ بْن المثنى، وبشر بْن موسى وغيرهم.
وتوفي في هذه السنة.
٢٣٤٧- سليمان بْن الحسن بْن عَلي بْن الجعد بْن عبيد الجوهري يكنى أبا الطيب [٢] :
روى عنه ابن شاهين أحاديث مستقيمة. وتوفي في هذه السنة.
٢٣٤٨- عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن سعيد بْن زياد، أَبُو مُحَمَّد المقرئ المعروف بابن الجمال [٣] :
سمع يعقوب الدورقي، وعمر بْن شبة [٤] ، روى عنه الدارقطني، وابن شاهين، وَكَانَ من الثقات. توفي في رمضان هذه السنة.
٢٣٤٩- عبيد الله بن عبد الرحمن بْن مُحَمَّد بْن عيسى، أَبُو مُحَمَّد السكري [٥] :
سمع زكريا بْن يحيى المنقري [٦] صاحب الأصمعي، وابن قتيبة. روى عنه ابن حيويه، والدارقطني، وابن شاهين. وكان ثقة نبيلا. توفي في هذه السنة.
٢٣٥٠- عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي باللَّه، أبو عبيد الله الهاشمي [٧] .
стр. 4587
حدث عن سيار بْن نصر الحلبي [١] وغيره. روى عنه الدارقطني، وابن شاهين.
وكان ثقة يتفقه على مذهب الشافعي، توفي في رمضان هذه السنة.
٢٣٥١- عبد الملك بن محمد بن عدي، أَبُو نعيم الاستراباذي [٢] :
كَانَ مقدما في الحديث والفقه.
وتوفي في هذه السنة. وهو ابن ثلاث وثمانين سنة.
٢٣٥٢- عبد الحميد بْن سليمان، أَبُو عبد الرحمن الوراق الواسطي:
نزل بغداد وحدث بها، فروى عنه الدارقطني وابن شاهين، وَكَانَ ثقة يفهم الحديث، وتوفي في شوال هذه السنة.
٢٣٥٣- عثمان بْن إسماعيل بْن بكر، أَبُو الْقَاسِم السكري [٣] :
سمع أَحْمَد بْن منصور الرمادي، روى عنه الدارقطني وَقَالَ: كَانَ من الثقات، توفي في هذه السنة.
٢٣٥٤- عَلي بْن الفضل بْن طاهر بْن نصر بْن مُحَمَّد، أَبُو الحسن البلخي [٤] :
كَانَ من الجوالين في طلب العلم، سمع مُحَمَّد بْن الفضل البلخي، وأبا حاتم الرازي، وَكَانَ ثقة حافظا. روى عنه الدارقطني، وابن شاهين، توفي في هذه السنة.
٢٣٥٥- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن أسد، أَبُو بكر الحافظ يعرف بابن البستنبان [٥] :
هروي الأصل، ولد سنة إحدى وأربعين ومائتين، سمع الزبير بن بكار وغيره،
стр. 4588
روى عنه الدارقطني [وغيره] [١] ، وَكَانَ رجلًا صالحًا ثقة. توفي في رجب هذه السنة.
٢٣٥٦- محمد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زياد بْن يزيد بْن هارون، أَبُو عبد الله الزعفرانيّ المعروف بابن بلبل [٢] :
روى عنه الدارقطني، وَكَانَ رجلا صالحا ثقة.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أَحْمَد بْن عَلي، [أَخْبَرَنَا] [٣] أَبُو منصور مُحَمَّد بْن عيسى، قَالَ: حَدَّثَنَا صالح بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الحافظ، قَالَ: سمعت مُحَمَّد بْن عبد الله الزعفراني، يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام [في] [٤] سنة نيف وتسعين ومائتين وفى رأسه ولحيته بياض كثير، فقلت: يا رَسُول اللَّهِ بلغنا أنه لم يكن في رأسك ولحيتك إلا شعرات بيض، فقال: ذلك لدخول سنة ثلاثمائة.
قال صالح: وتوفي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
стр. 4589
ثم دخلت سنة اربع وعشرين وثلاثمائة [١]
فمن الحوادث فيها:
أن الجند أحدقوا بدار الخلافة وضربوا خيمهم فيها وحولها وملكوها، وطولب الراضي بأن يخرج فيصلي بالناس ليراه الناس معهم، فخرج وصلى، وَقَالَ في خطبته:
اللَّهمّ ان هؤلاء الغلمان بطانتي وظهارتي فمن أراده بسوء فأرده، ومن كادهم بكيد فكده. وقبض الغلمان على الوزير وسألوا الخليفة أن يستوزر غيره، فرد الخيار إليهم، وقالوا: عَلي بْن عيسى، فاستحضره وعرضت عليه الوزارة فأبى وأشار بأخيه أبي عَلي عبد الرحمن بْن عيسى، [فقلد الوزارة وخلع عليه.
واحترقت دار ابن مقلة وحمل إلى دار عبد الرحمن بْن عيسى] [٢] ، فضرب حتى صار جسمه كأنه الباذنجان [٣] . [وأخذ خطه بألف ألف دينار، ثم عجز عبد الرحمن بْن عيسى] [٤] عن تمشية الأمور، وضاق الحال فاستعفى، فقبض عليه لسبع خلون من رجب، فكانت وزارته خمسين يوما [٥] ، وقلد الوزارة أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي، ثم عزل، وقلد سليمان بن الحسن وكان هذا كله من عمل الأتراك والغلمان.
ومن العجائب: أن دار ابن مقلة احترقت في مثل اليوم الذي أمر فيه بإحراق دار
стр. 4590
سليمان بْن الحسن [١] بباب المحول [في] [٢] مثل ذلك الشهر بينهما سنة، وكتب على حيطان دار ابن مقلة:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء [٣] ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر
وغلا السعر، فجاع الناس وعدم الخبز خمسة أيام، ووقع الطاعون، واقترب بذلك الموت، وخص ذلك الضعفاء، وَكَانَ يجعل على النعش اثنين [٤] ، وربما كَانَ بينهما صبي، وربما بقي الموتى على الطريق على حالهم، وربما حفرت حفائر [كبار] [٥] فيلقى في الحفيرة خلق كثير، ومات بأصبهان نحو مائتي ألف.
ووقع حريق بعمان فاحترق من العبيد السود سوى البيض [اثنا عشر ألفا و] [٦] أربعمائة حمل كافور [٧] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٣٥٧- أحمد بن موسى بن العباس بْن مجاهد، أَبُو بكر المقرئ [٨] :
ولد في ربيع الآخر سنة خمس وأربعين ومائتين، وَكَانَ شيخ القراء في وقته والمقدم منهم على أهل عصره، وحدث عن خلق كثير، وروى عنه الدارقطني وغيره، وَكَانَ ثقة مأمونا، سكن الجانب الشرقي، وَكَانَ ثعلب يقول: ما بقي في عصرنا أحد أعلم بكتاب الله من أبي بكر بن مجاهد.