وأسلم في هذه السنة من الأتراك مائتا ألف خركاه.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٥٩٨- أزهر بن أحمد بن محمد، أبو غانم [١] الخرقي
[٢] .
حدث عن أبي قلابة الرقاشي، روى عنه الدارقطني، وابن رزقويه، وكان ينزل بالجانب الشرقي في سوق العطش، وتوفي في هذه السنة.
٢٥٩٩- جعفر بن حرب
[٣] .
أنبأنا [٤] مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّازُ، عَنْ أَبِي القاسم [علي] [٥] بن المحسن، عن أبيه: أن جعفر بن حرب كان يتقلد الأعمال الكبار للسلطان، وكانت نعمته تقارب نعمة الوزارة، فاجتاز يوما راكبا في موكب له عظيم، ونعمته على غاية الوفور، ومنزلته بحالها [٦] في [نهاية] [٧] الجلالة [٨] ، فسمع رجلا يقرأ (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ من الْحَقِّ) ٥٧: ١٦ [٩] فصاح: اللَّهمّ بلى، يكررها دفعات [وبكى] [١٠] ثم نزل عن دابته/ ونزع ثيابه، ودخل إلى دجلة واستتر بالماء، ولم يخرج منه حتى فرق جميع ما له في المظالم التي كانت عليه وردها [١١] ، وتصدق بالباقي، فاجتاز رجل فرآه في الماء قائما، وسمع بخبره، فوهب له قميصا ومئزرا فاستتر بهما، وخرج وانقطع إلى العلم والعبادة حتى مات.
стр. 4762
٢٦٠٠- الحسين بن علي بن يزيد بن داود، أبو علي الحافظ النيسابوري
[١] .
ولد سنة سبع وسبعين [٢] ومائتين، وكان واحد دهره في الحفظ والإتقان والورع، مقدما في مذاكرة الأئمة، كثير التصنيف ذكره الدارقطني فقال: إمام مهذب [٣] . وكان مع تقدمه في العلوم [٤] أحد الشهود المعدلين بنيسابور، ورحل في [طلب] [٥] الحديث إلى الآفاق البعيدة، وسمع من الأكابر وكان ابن عقدة لا يتواضع لأحد كتواضعه لأبي علي.
وتوفي في جمادي الأولى [٦] من هذه السنة.
٢٦٠١- حسان بن محمد بن أحمد بن هارون، أبو الوليد القرشي الفقيه
[٧] .
إمام أهل الحديث بخراسان في عصره، وأزهدهم وأكثرهم اجتهادا في العبادة، درس الفقه على [مذهب] [٨] أبي العباس ابن سريج وسمع من الحسن بن سفيان وغيره وصنف [التصانيف الحسنة] [٩] .
أخبرنا زاهر بن طاهر، أَنْبَأَنَا أَبُو عُثْمَانَ الصَّابُونِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ قالا: أنبأنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الوليد حسان بن محمد بن أحمد القرشي يقول في مرضه الذي مات فيه: قالت لي والدتي كنت حاملا بك وكان للعباس بن حمزة مجلس، فاستأذنت أباك أن أحضر مجلسه في أيام العشر، فأذن لي، فلما كان في آخر المجلس قال العباس بن حمزة: قوموا فقاموا وقمت، فأخذ العباس يدعو فقلت: اللَّهمّ هب لي ابنا عالما، ثم رجعت إلى المنزل فبت تلك الليلة فرأيت فيما يرى النائم كأن رجلا أتأني فقال: أبشري، فإن الله قد استجاب دعوتك، ووهب لك
стр. 4763
ولدا ذكرا وجعله عالما، ويعيش كما عاش أبوك، قالت: وكان أبي عاش اثنتين وسبعين [١] سنة، قال حسان/ وهذه قد تمت لي اثنتان وسبعون [٢] سنة، فعاش بعد هذه الحكاية أربعة أيام، توفي ليلة الجمعة خامس ربيع الأول من سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.
٢٦٠٢- حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب، أبو سليمان الخطابي
[٣] .
سمع الكثير، وصنف التصانيف منها «المعالم» شرح فيها «سنن أبي داود» ، و «الأعلام» شرح فيها البخاري، و «غريب الحديث» وله فهم مليح، وعلم غزير، ومعرفة باللغة والمعاني والفقه، وله أشعار فمن ذلك قوله:
ما دمت حيا فدار الناس كلهم ... فإنما أنت في دار المداراة
من يدر داري ومن لم يدر سوف يرى ... عما قليل نديما للندامات
٢٦٠٣- عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هشام، واسم أبي هشام: بشار، وكنية عبد الواحد: أبو طاهر
[٤] .
كان من أعلم الناس بحروف القراءات [٥] ووجوه القراءات، وله في ذلك تصانيف، وحدث عن جماعة منهم: أبو بكر بن أبي داود، وابن مجاهد، روى عنه أبو الحسن الحمامي، وكان ثقة أمينا، يسكن الجانب الشرقي، توفي في شوال هذه السنة، ودفن في مقبرة الخيزران.
٢٦٠٤- علي بن المؤمل بن الحسن بن عيسى بن ماسرجس، أبو القاسم
[٦] .
أنبأنا زاهر بن طاهر قَالَ: أخبرنا [٧] أبو عثمان الصابوني، وأبو بكر البيهقي قالا:
стр. 4764
أخبرنا الحاكم أبو عبد الله قال: كان يضرب المثل بعقل شيخنا أبي القاسم، وكان من أودع مشايخنا، وسمع بنيسابور، وببغداد، وبالكوفة، وحدث سنين، وحججت معه في سنة إحدى وأربعين، فكان أكثر الليل يقرأ في العمارية، فإذا نزل قام إلى الصلاة لا يشتغل بغير ذلك، وما أعلم أني دخلت/ الطواف إلا وجدته يطوف، وسمعت ابنه أبا عبد الله يقول: ضعف بصر أبي ثلاث سنين، ولم يخبرنا به حتى ضعفت العين الأخرى، فحينئذ أخبرنا به.
وتوفي في صفر هذه السنة.
٢٦٠٥- العباس بن محمد، أبو محمد الجوهري
[١] .
حدث عن البغوي، وابن داود، وابن صاعد، روى عنه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وقال: كان أحد الجوالين في طلب الحديث بفهم ومعرفة وإتقان.
توفي في صفر هذه السنة.
٢٦٠٦- محمد بن أَحْمَد بن إبراهيم بن سليمان بن محمد، أبو أحمد العسال [٢] الأصبهاني
[٣] .
سمع محمد بن أيوب الرازي، وإبراهيم بن زهير الحلواني، وبكر بن سهل الدمياطي، ونحوهم.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أبو القاسم عبد الله بن أحمد السوذرجاني [٤] بأصبهان قال: سمعت [أبا] [٥] عبد الله بن منده يقول: كتبت عن ألف شيخ ولم أر فيهم أتقن من أبي أحمد العسال [٦] .
стр. 4765
[أخبرنا عَبْد الرَّحْمَن قَالَ: أخبرنا أَحْمَد قَالَ: سَمِعتُ أَبَا نُعَيْم يَقُولُ] [١] : ولي أبو أحمد العسال [٢] القضاء، وكان من كبار الناس في الحفظ والإتقان والمعرفة، وتوفي في رمضان سنة تسع وأربعين وثلاثمائة [٣] [هذه السنة]
[٤] .
٢٦٠٧- محمد بن أحمد بن علي بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن زَيْدُ بْن حاتم، أَبُو يَعْقُوب النَّحْويّ
[٥] .
أخبرنا أَبُو مَنْصُور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن عَلي قَالَ: ذكر أَبُو الفتح بْن مسرور أَنَّهُ حدثه عَنْ أَبِي مُسْلِم الكجي قَالَ: تُوُفّي بمصر يَوْم الأربعاء لليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.
стр. 4766
ثم دخلت سنة خمسين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
[اشتداد علة معز الدولة]
أنه اشتدت علة معز الدولة ليلة السبت لأربع خلون من المحرم، وامتنع عليه البول كله، واشتد قلقه وجزعه، ثم بال علي ساعة باقية من الليل دما بشدة، ثم تبعه البول وخرج مع البول رمل كثير وحصى صغار، وخف الألم، فلما أصبح سلم داره وغلمانه وكراعه إلى ابنه الأمير أبي منصور [١] بختيار، وفوض الأمور [٢] إليه، وخرج في عدة يسيرة من غلمانه/ وخاصته ليمضي إلى الأهواز، ثم أشير عليه بالتوقف فتنقل من مكان إلى مكان إلى أن عاد إلى داره، ثم انتقل في جمادى الأولي من داره بسوق الثلاثاء إلى البستان المعروف ببستان الصيمري، وأخذ في أن يهدم ما يليه من العقار والأبنية إلى حدود البيعة، وأصلح ميدانا وبنى دارًا على دجلة في جوار البيعة، ومد المسناة، وبنى الإصطبلات، وقلع الأبواب الحديد التي على مدينة [أبي جعفر] [٣] المنصور، وأبواب الرصافة، وقصر الرصافة، ونقلها إلى داره. وهدم سور الحبس المعروف بالجديد، ونقل آجرَّهُ إلى داره، وبنى به، ونقض المعشوق بسر من رأي وحمل آجره، وأنفق على البناء إلى أن مات مائة ألف ألف دينار، وقبض على جماعة فصودروا على مال عظيم، فأمر أن يصرف إلى بناء الدار والإصطبلات، ولحق الناس في هذا الصقع شدة شديدة من التنزل عليهم.
стр. 4767
وفي يوم الأحد لثمان بقين من شعبان: تقلد أبو العباس عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب القضاء بالحضرة من جانبي بغداد والمدينة، وقضاء القضاة، وخلع عليه من دار السلطان، لأن الخليفة امتنع من أن يصل [١] إليه وضرب بين يديه الدبادب على أن يحمل إلى خزانة [٢] معز الدولة كل سنة مائتي ألف درهم، وامتنع الخليفة من أن يصل إليه هذا القاضي في موكب أو غيره.
وفي شوال: ورد الخبر بأن نجاء غلام سيف الدولة دخل بلد الروم غازيا، وأنه غنم ما قيمته ثلاثون ألف دينار، وسبى ألفي رأس واستأسر خمسمائة في السلاسل.
وفي شباط: جاء برد بنواحي قطر بل وبإزائها في الجانب الشرقي، في كل بردة أوقيتان وأكثر، وقتل الطيور والبهائم.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٦٠٨- أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زياد، أبو سهل القطان
[٣] .
حدث/ عن محمد بن عبد الله بْن المنادي [٤] وغيره، وروى عن ابن رزقويه [٥] وكان ثقة.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ [أحمد] [٦] بن علي بن ثابت، قال:
سمعت محمد بن الحسين [بن] [٧] الفضل القطان يقول [٨] : حدثني من سمع أبا سهل بن زياد يقول: سمى الله المعتزلة كفارا قبل أن يذكر فعلهم. فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا) ٣: ١٥٦ [٩] الآية.
стр. 4768
أخبرنا القزاز، أخبرنا أحمد بن علي قال: حدثني الأزهري قال: «قال لي أبو عبد الله بن بشر القطان: ما رأيت رجلا أحسن انتزاعا لما أراد عن [١] آي القرآن من أبي سهل بن زياد، فقلت لابن بشر: وما السبب في ذلك؟ قال: كان جارنا، وكان يديم صلاة الليل وتلاوة [٢] القرآن، ولكثرة درسه صار القرآن نصب عينيه، ينتزع منه ما شاء من غير تعب. توفي في شعبان هذه السنة، ودفن بقرب قبر معروف.
٢٦٠٩- إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن بنان [٣] ، أبو محمد الخطبي
[٤] .
ولد في محرم سنة تسع وستين ومائتين وسمع الحارث بن أبي أسامة، والكديمي، وعبد الله بن أحمد، وغيرهم، وروى عنه الدارقطني، وابن شاهين، وابن رزقويه [٥] ، وكان ثقة فاضلا نبيلا فهما عارفا بأيام الناس، وأخبار الخلفاء، وصنف تاريخًا كبيرًا على ترتيب السنين، وكان عالما بالأدب، ركينا عاقلا ذا رأي، يتحرى الصدق.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أبو بكر بن علي بن ثابت، قال:
سمعت الأزهري يقول: جاء أبو بكر بن مجاهد، وَإِسْمَاعِيل الخطبي إلى منزل أبي عبد الصمد [٦] الهاشمي، فقدم إِسْمَاعِيل أبا بكر فتأخر أبو بكر/ وقدم إسماعيل، فلما استأذن إِسْمَاعِيل أذن له فقال: ادخل ومن أنا معه.
أخبرنا أبو منصور، أخبرنا أبو بكر بن ثابت [٧] ، قال: حدثني عبيد الله بن أبي الفتح، قال: سمعت [أبا] [٨] الحسن بن رزقويه يذكر عن إسماعيل الخطبي، قال:
وجَّه إليَّ الراضي باللَّه ليلة عيد الفطر، فحملت إليه راكبًا بغلة، فدخلت عليه وهو جالس في الشموع، فقال لي: يا إسماعيل، أني قد عزمت في غد على الصلاة
стр. 4769
بالناس في المصلى، فما أقول إذا انتهيت في الخطبة إلى الدعاء لنفسي [١] . قال:
فأطرقت ثم قلت: يقول أمير المؤمنين: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ، وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ، وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصَّالِحِينَ. ٢٧: ١٩ فقال لي: حسبك، ثم أمرني بالانصراف وأتبعني بخادم فدفع إليَّ خريطة فيها أربع مائة دينار، وكانت الدنانير خمسمائة، فأخذ الخادم منها لنفسه مائة دينار أو كما قال.
توفي الخطبي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
٢٦١٠- تمام بن محمد بن سليمان بن محمد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ العباس بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس بن عبد المطلب، أبو بكر
[٢] .
ولد سنة تسع وستين ومائتين، حدث عن عبد الله بن أحمد وغيره، وروى عنه ابن رزقويه، وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة.
٢٦١١- الحسن [٣] بن علي بن عبيد الله بن الحسن. أبو أحمد الخلال، المعروف بالكوسج
[٤] .
حدث عن جماعة، وروى عنه ابن رزقويه، وكان صدوقا [٥] . وتوفي في جمادي الأولى من هذه السنة.
٢٦١٢- الحسين بن القاسم، أبو علي الطبري الفقيه الشافعي
[٦] .
أخبرنا القزاز أَخْبَرَنَا أبو بكر الخطيب، قَالَ: درس على أبي علي بن أبي هريرة [٧] .
وبرع في العلم، وسكن بغداد، وصنف كتاب «المحرر» وهو أول كتاب صنّف في
стр. 4770
الخلاف، وصنف كتاب «الإفصاح» في المذهب، وكتابا في الجدل وكتابا في [أصول] الفقه، وتوفي ببغداد في [صفر] سنة خمسين/ وثلاثمائة
[١] .
٢٦١٣- عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن أبي جعفر المنصور، ويكنى أبا جعفر، ويعرف: بابن بريَّة الهاشمي
[٢] :
كان إمام جامع المنصور، وحدث عن ابن أبي الدنيا وغيره، وروى عنه ابن رزقويه.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْن علي بْن [٣] ثابت، حَدَّثَنَا علي بْن أبي علي، قال: سمعت القاضي أبا بكر بن أبي موسى الهاشمي، وأبا إسحاق الطبري، ومن لا أحصي من شيوخنا يحكون، أنهم سمعوا أبا جعفر المعروف بابن بريَّة الإمام يقول: رقى هذا المنبر- يعني منبر مسجد جامع المدينة- الواثق في سنة ثلاثين ومائتين، ورقيت هذا المنبر في سنة ثلاثين وثلاثمائة، وبين الرقيتين مائة سنة، وأنا وهو في القعدد [٤] إلى المنصور سواء، هو الواثق بن المعتصم بْن الرشيد بْن المهدي بْن المَنْصُور، وأنا عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن المنصور.
توفي ابن برية في صفر هذه السنة، وقيل: سنة اثنتين وخمسين
[٥] .
٢٦١٤-[عَبْد الرَّحْمَن بْن برسيا بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحُسَيْن المحبر، مَوْلَى بني هاشم
[٦] .
كَانَ يسكن سويقة غالب، وحدَّث عَنْ أَبِي الْعَبَّاس البرتي، والكديمي، روى عنه ابن رزقويه، وابن شاذان، وتُوُفيّ فِي جُمَادَى الأولى من هذه السنة]
[٧] .
стр. 4771
٢٦١٥- عتبة بن عبيد الله بن موسى بن عبيد الله أبو السائب الهمذاني
[١] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، [أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت، قال:] [٢] عتبة رجل من أهل همذان، وكان أبوه عبيد الله تاجرا مستورًا دينًا، أخبرنا جماعة من الهمذانيين أنه كان يؤمهم في مسجد لهم فوق الثلاثين سنة، ونشأ أبو السائب يطلب العلم، وغلب عليه في ابتداء أمره علم التصوف، والميل إلى أهل الزهد، ثم خرج عن بلده ولقي العلماء، وعني بفهم القرآن، وكتب الحديث، وتفقه على مذهب الشافعي، واتصلت أسفاره فعرف الأمير أبو القاسم بن أبي الساج خبره، وما هو عليه من الفضل فأدخله [٣] إليه فرآه فاضلا نبيلا [٤] عاقلا، فقلده الحكم بمراغة، وتقلد جميع آذربيجان مع مراغة، وعظمت حاله، وقبض على ابن أبي الساج، فعاد إلى الجبل وتقلد همذان، ثم عاد إلى بغداد، وتقلد/ أعمالا جليلة بالكوفة وديار مضر، والأهواز، وعامة الجبل، وقطعة من السواد، وتقدم عند قاضي القضاة أبي الحسين بن أبي عمر، وسمع شهادته واستشاره في جميع أموره، ولما قبض المستكفي باللَّه على محمد بن الحسن [٥] ، بن أبي الشوارب قلد أبا السائب مدينة أبي جعفر، ثم قتل اللصوص أبا عبد الله محمد بن عيسى وكان قاضيا على الجانب الشرقي، وتقلد [٦] قضاء القضاة في رجب سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أبو بكر [أحمد بن علي] [٧] بن ثابت، أخبرنا أحمد بن علي التوزي، قال: ولد أبو السائب في سنة أربع وستين ومائتين، وتوفي في ربيع الآخر سنة خمسين وثلاثمائة.
قال المصنف ﵀: ودفن في داره بسوق يحيى.
стр. 4772
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت، أَخْبَرَنَا على بْن أَبِي علي المعدل، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أحمد بن علي الذهبي [١] المعروف: بابن القطان، قال: رأيت أبا السائب عتبة بن عبيد الله قاضي القضاة بعد موته، فقلت: ما فعل الله بك مع تخليطك بهذا اللفظ؟ فقال: غفر لي، فقال: فكيف ذلك؟ فقال إن الله تعالى عرض عليَّ أفعالي القبيحة ثم أمر بي إلى الجنة، وقال: لولا آليت على نفسي أن لا أعذب من جاوز الثمانين لعذبتك، ولكني قد غفرت لك وعفوت عنك، اذهبوا به إلى الجنة. فأدخلتها.
٢٦١٦- محمد بن أحمد بن حبيب بن أحمد بن راجبان، أبو بكر الدهقان
[٢] .
بغدادي سكن بخارى، وحدث بها عن يحيى بن أبي طالب، والحسن بن محرم، وأبي قلابة الرقاشي وغيرهم، ولد أبو بكر بن حبيب ببغداد سنة ست وستين ومائتين، ودخل بخارى سنة سبع وثمانين ومائتين، ومات ببخارى يوم السبت غرة رجب سنة خمسين وثلاثمائة
[٣] .
٢٦١٧-[محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بْن يقطين، أَبُو بَكْر الأسَدِيُ، المقرئ البغدادي
[٤] .
روى عن أحمد بن محمد ابن الْحَسَن بْن عِيسَى الناسرجي، ونزل مكَّة وتُوُفيّ بها في هذه السنة. وكان ثقة.
٢٦١٨- مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن مقاتل، أَبُو بَكْر المقري .
كَانَ ذا مال عظيم. وتُوُفيّ بمصر فِي شعبان هَذِهِ السَّنَة. ووجد فِي داره دفائن مبلغها ثمانية وتسعين ألف دينار، وأخذت لَهُ ودائع وجوهر ثمنه مائتا ألف دينار] [٥] .
стр. 4773
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها: /
[دخول الروم عين زربة]
أنه ورد الخبر [في المحرم] [١] بدخول الروم عين زربة في مائة وستين ألف رجل، فطلب المسلمون الأمان فأمنهم ملك الروم، فلما دخل البلد نادى في أول الليل بأن يخرج جميع الناس إلى المسجد الجامع، وأن من تأخر في منزله قتل. فخرج من أمكنه [٢] الخروج، فلما أصبح أنفذ رجاله، فمن وجدوه في منزله قتلوه فقتلوا خلقا من الرجال والنساء والأطفال، وأمر بقطع نخل البلد فقطع منه أربعون ألف [٣] نخلة، ونادى فيمن حصل [٤] في الجامع أن يخرجوا حيث شاءوا وأن من أمسى فيه قتل، فخرج الناس مبادرين وتزاحموا في الأبواب، فمات بالضغط خلق كثير، ومروا على وجوههم حفاة عراة لا يدرون أين يتوجهون، فمات أكثرهم في الطرقات، ثم أخذ الأسلحة والأمتعة، وأمر بهدم الجامع وكسر المنبر، وهدم سور البلد، والمنازل، وبقي مقيما في بلاد الإسلام واحدًا وعشرين يومًا، وفتح حول حصن زربة [٥] أربعة وخمسين حصنًا، بعضها بالسيف وبعضها بالأمان، وقتل خلقا كثيرا من المسلمين، ثم إن سيف الدولة أعاد بناء عين زربة.
стр. 4774
وفي شهر ربيع الآخر: كتب العامة على مساجد بغداد: لُعن معاوية بن أبي سفيان، ولعن من غصب فاطمة فدكا ومن أخرج العباس من الشورى، ومن نفى أبا ذر الغفاريّ، ومن منع من دفن الحسن عند [١] جده، ولم يمنع معز الدولة من ذلك، وبلغه أن العامة قد محوا [٢] هذا المكتوب، فأمر أن يكتب: لعن الله الظالمين لآل رسول الله ﷺ من الأولين والآخرين، والتصريح باسم معاوية في اللعن فكتب ذلك.
وفي شوال: ورد الخبر بأن الروم استأسروا أبا فراس بن سعيد بن حمدان من منبج وكان متقلدًا لها.
وورد الخبر بأنه وقع في الجامدة في آخر يوم من تشرين الثاني برد في كل بردة رطل ونصف ورطلان.
[ورود الدمستق إلى حلب بغتة]
/ وورد الخبر بأن الدمستق ورد إلى حلب بغتة، ولم يعلم سيف الدولة، فخرج إليه وحاربه فانهزم سيف الدولة، وظفر بداره وهي خارج حلب، فوجد فيها ثلاثمائة وتسعين بدرة دراهم، فأخذها ووجد له ألف وأربعمائة بغل فأخذها، وأخذ من خزائن السلاح ما لا يحصى، وأحرق الدار وملك الربض، فقاتله أهل حلب من وراء السور، فقتل من الروم خلق كثير بالحجارة والمقاليع [٣] ، وسقطت ثلمة من السور على أهل حلب، فقتلتهم فطمع الروم في تلك الثلمة فأكبوا عليها، ودفعهم أهل البلد عنها، فلما جن عليهم الليل [٤] اجتمع المسلمون عليها فبنوها، وفزعوا منها، وعلوا عليها فكبروا، ثم إن رجالة الشرط بحلب مضوا إلى منازل الناس وخانات التجار لينهبوها، فقيل للناس: الحقوا منازلكم، فإنها قد نهبت، فنزلوا عن السور وأخلوه، ومضوا إلى منازلهم ليدفعوا عنها، فلما رأي الروم السور خاليا تجاسروا على أن يصعدوه، وأشرفوا على البلد فرأوا الفتنة فيه [٥] ، وأن بعضهم ينهب بعضا، فنزلوا وفتحوا الأبواب ودخلوا،
стр. 4775
وثلموا السور في عدة مواضع، ووضعوا في الناس السيف، فقتلوا كل من لقيهم، ولم يرفعوا السيف حتى ضجروا، وكان في البلد ألف ومائتا رجل أسارى الروم فتخلصوا، وكان سيف الدولة قد أخذ من الروم سبعمائة إنسان ليفادى بهم، فأخذهم الدمستق، وسبي من البلد من المسلمين بضعة عشر ألف صبي وصبية، وأخذ من النساء والسبايا [١] ما أراد ومن خزائن سيف الدولة وأمتعة التجار ما لا يحاط بقيمته، فلما لم يبق معه ما يحمل عليه أحرق الباقي، وأخرب المساجد، وعمد إلى جباب الزيت فصب فيها الماء حتى فاض الزيت وشربته الأرض، وأقام في البلد تسعة [٢] أيام، وكان معه مائتا ألف رجل/ فيهم ثلاثون ألفا بالجواشن [٣] ، وثلاثون ألفا من صناع الهدم، وأربعة آلاف بغل عليها حسك حديد يطرحه حول العسكر [٤] بالليل، وخركاهات ملبسة لبودًا أحمر لدوابه، فلما همَّ أن ينصرف، قال له ابن أخت الملك: قد فتحنا هذا البلد وقد [٥] بقيت القلعة، فقال: بلغنا ما لم نكن نظنه [فدع القلعة] [٦] فسكانها غزاة، قال: لا بد قال: شأنك، فصعد فوقع عليه حجر فمات، فلما أتى به الدمستق أحضر مَنْ كان معه من أسارى المسلمين، وكانوا ألفين ومائتين، فضرب أعناق الجميع [٧] .
وفي رمضان: سقط روشن من دار الوزير أبي محمد المهلبي إلى دجلة، وكان عليه جماعة من وجوه الدولة، منهم أبو إسحاق محمد بن أحمد القراريطي فانكسرت فخذه، فحمل وجبرت فصلحت، وأما [٨] ابن حاجب النعمان فإن نخاع [٩] ظهره انقطع، فحمل على سريره [١٠] ، فأقام عليلًا إلى الجمعة الثانية ومات.
стр. 4776
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٦١٩- الحسن بن محمد بن هارون، أبو محمد المهلبي
[١] .
من ولد المهلب بن أبي صفرة، استوزره معز الدولة أبو الحسين [أحمد] [٢] بن بويه، فبقي في وزارته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكان يقول الشعر الحسن، وفيه الأدب [الوافر] [٣] وكان يطرب على اصطناع الرجل ويهاج لذلك، وكان له الحلم والأناة.
روى أبو إسحاق الصاغاني، قال: صاغ الوزير أبو محمد المهلبي دواة ومرفعًا وحلاهما حلية ثقيلة، وكانت طول ذراع وكسر في عرض شبر، فقدمت بين يديه، وأبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي جالس عن يمينه وأبا أحمد [٤] جالس إلى جنبه، فتذاكرنا سرًا حُسنَ الدواة، فقال أبو أحمد: ما كان أحوجني إليها/ لأبيعها فانتفع بثمنها، فقلت: فأي شيء يعمل الوزير؟ قال: يدخل في خزانته [٥] وسمع الوزير ما جرى بيننا بإصغائه إلينا، ثم اجتمعت بأبي أحمد من الغد، فقال لي: عرفت خبر الدواة؟
قلت: لا قال: فإنه جاءني البارحة رسوله ومعه الدواة، ومرفعها ومنديل، وعشر قطع وخمسة آلاف درهم وقال: الوزير يقول لك أنا عارف بقصور المواد عنك، وتضاعف المؤن عليك، وقد آثرتك بهذه الدواة لما ظننت من استحسانك لها، وجعلت معها ما تكتسي به وتصرفه في بعض نفقتك. فبقيت متعجبا من اتفاق ما تجارينا فيه [٦] وحدث هذا على أثره.
وتقدم الوزير بصناعة [٧] دواة أخرى فصنعت [٨] ، ودخلنا إلى مجلسه وقد
стр. 4777
تركت [١] بين يديه وهو يوقع منها، فنظر إلي وإلى أبي أحمد ونحن نلحظها فقال: هيه، من منكما يريدها على الإعفاء من الدخول؟ فاستحيينا، وعلمنا أنه كان قد سمع قولنا، وقلنا: بل يمتع الله الوزير [منها] [٢] ويبقيه ليهب ألفا منها.
توفي أبو محمد المهلبي في هذه السنة عن أربع وستين سنة، ودفن في مقابر قريش.
٢٦٢٠- دعلج بن أحمد بن دعلج بن عبد الرحمن، أبو محمد السجستاني المعدل
[٣] .
سمع الحديث ببلاد خراسان، والري، وحلوان، وبغداد، [والبصرة] [٤] ومكة وكان من ذوي اليسار والمشهورين بالبر والأفضال، وله صدقات جارية ووقوف على أهل الحديث ببغداد ومكة وسجستان، وكان قد جاور بمكة زمانًا، فجاء قوم من العرب [٥] ، فقالوا: إن أخًا لك من أهل خراسان قتل أخًا لنا [٦] فنحن نقتلك به. فقال: اتقوا الله، فإن خراسان ليست بمدينة واحدة فاجتمع الناس فخلوا سبيله [٧] فانتقل إلى بغداد فاستوطنها، وكان يقول: ليس في الدنيا مثل داري وذلك [٨] أنه ليس في الدنيا مثل/ بغداد، ولا ببغداد مثل القطيعة، ولا في القطيعة مثل درب أبي خلف، وليس في الدرب مثل داري.
وحدَّث ببغداد عن عثمان بن سعيد الدارمي، والحسن بن سفيان النسوي، وابن البراء، والباغندي، وعبد الله بن أحمد، وخلق كثير. روى عنه ابن حيويه، والدارقطني، وابن رزقويه، وعلي، وعبد الملك ابنا بشران وغيرهم، وكان ثقة ثبتا مأمونا، قبل
стр. 4778
الحكام شهادته، وصنف له الدارقطني كتبًا منها: «المسند الكبير» فكان إذا شك في حديث ضرب عليه، قال الدارقطني: لم أر في مشايخنا أثبت منه.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ [أَحْمَد بن علي] [١] ، قَالَ: حدثني مُحَمَّد بن علي بن عبد الله الحداد، عن شيخ سماه، قال: حضرت يوم الجمعة الجامع بمدينة المنصور. قال: وحدثني [٢] أبو القاسم الأزهري، عن أبي عمر ابن حيويه قال:
أدخلني دعلج إلى داره وأراني بدرًا من المال معبأة في منزله، وقال: يا أبا عمر، خذ من هذا ما شئت، فشكرت له، وقلت له: أنا في كفاية عنها، ولا حاجة لي فيها.
أخبرنا أبو منصور، أخبرنا أبو بكر بن ثابت، قال: حدثني محمد بن علي بن عبد الله الحداد، عن شيخ سماه، قال: حضرت يوم الجمعة مسجد الجامع بمدينة المنصور، فرأيت رجلا بين يدي في الصف حسن الوقار، ظاهر الخشوع، دائم الصلاة، لم يزل يتنفل مذ دخل المسجد إلى قرب قيام الصلاة [٣] ، ثم جلس فغلبتني هيبته، ودخلت قلبي محبته، ثم أقيمت الصلاة فلم يصل مع الناس فكبر على ذلك وتعجَّبتُ من حاله، وغاظني فعله، فلما قضيت تقدمت إليه وقلت له: [٤] أيها الرجل، ما رأيت أعجب من أمرك، أطلت النافلة وأحسنتها، وضيعت [٥] الفريضة وتركتها [٦] . فقال لي: يا هذا، إن لي/ عدوًا وبي علة منعتني من الصلاة، قلت: وما هي؟ قال: أنا رجل عليَّ دين، اختفيت في منزلي مدة بسببه، ثم حضرت اليوم الجامع للصلاة، فقبل أن تقام التفت فرأيت صاحبي الذي له الدين [علي] [٧] ورآني، فمن خوفه أحدثت في ثيابي [وهذا عذري] [٨] فأسألك باللَّه إلا سترت علي وكتمت أمري، فقلت له: ومن الّذي له
стр. 4779
عليك الدين؟ فقال: دعلج بن أحمد، وكان إلى جانبه صاحب لدعلج قد صلى وهو لا يعرفه، فسمع هذا القول ومضى في الوقت إلى دعلج [١] ، فذكر له القصة، فقال له دعلج: امض إلى الرجل واحمله إلى الحمام، واطرح عليه خلعة من ثيابي، وأجلسه في منزلي حتى انصرف من الجامع. ففعل الرجل ذلك، فلما انصرف دعلج إلى منزله أمر بالطعام، فأحضر، وأكل هو والرجل، ثم أخرج حسابه فنظر فيه، فإذا عليه خمسة آلاف درهم، فقال [له] [٢] . انظر لا يكون عليك في الحساب غلط أو نسي لك نقده. فقال [له الرجل] [٣] : لا، فضرب دعلج على حسابه وكتب تحته الوفاء، ثم أحضر الميزان ووزن له خمسة آلاف درهم، وقال له: أما الحساب الأول فقد أحللناك منه [٤] مما بيننا وبينك فيه، واسألك أن تقبل هذه الخمسة آلاف درهم، وتجعلنا في حل من الروعة التي دخلت قلبك برؤيتك إيانا في المسجد الجامع.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت، قال: حدثني أبو منصور محمد بن محمد بن أحمد العُكْبري، قال: حدثني أبو الحسين [أحمد] [٥] بن الحسين الواعظ، قال: أودع أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي عشرة آلاف دينار ليتيم، فضاقت يده وامتدت إليها فأنفقها، فلما بلغ الغلام مبلغ الرجال أمر السلطان بفك الحجر عنه، وتسليم ماله إليه، وتقدم إلى ابن أبي موسى بحمل المال ليسلم إلى الغلام، قال ابن أبي موسى: فلما تقدم إلي بذلك ضاقت على الأرض بما رحبت، وتحيرت في أمري لا أعلم من أي وجه أغرم المال، فبكرت من داري وركبت بغلتي، وقصدت الكرخ لا أعلم اين أتوجه/ وانتهت بي بغلتي [٦] إلى درب السلولي، ووقفت بي على باب مسجد دعلج بن أحمد، فثنيت رجلي ودخلت المسجد، وصليت صلاة الفجر خلفه، فلما
стр. 4780
سلم أقبل [١] إليَّ ورحب بي، وقام وقمت معه، ودخل إلى داره، فلما جلسنا جاءته الجارية بمائدة لطيفة وعليها هريسة، فقال: يأكل الشريف، فأكلت وأنا لا أحصل أمري، فلما رأي تقصيري قال: أراك منقبضا فما الخبر؟ فقصصت عليه قصتي، وأني أنفقت المال، فقال: كل، فإن حاجتك تقضى، ثم أحضر حلوى فأكلنا، فلما رفع الطعام وغسلنا أيدينا قال: يا جارية افتحي ذلك الباب. فإذا خزانة مملوءة زبلا [٢] مجلدة فأخرج إلي بعضها وفتحها إلى أن أخرج النقد الذي كانت الدنانير منه، واستدعى الغلام والتخت والطيار، فوزن عشرة آلاف دينار وبدرها، وقال: يأخذ الشريف هذه، فقلت:
يثبتها الشيخ علي فقال: أفعل، وقد كاد عقلي يطير فرحًا، فركبت بغلتي وتركت الكيس على القربوس، وغطيته بطيلساني وعدت إلى داري، وانحدرت إلى السلطان بقلب قوي، وجنان ثابت، فقلت: ما أظن إلا أنه قد استشعر فيَّ أني قد أكلت مال اليتيم، واستبددت به، والمال فقد أخرجته، فاحضر قاضي القضاة والشهود، والنقباء، وولاة العهود، وأحضر الغلام وفك حجره، وسلم المال إليه، وعظم الشكر لي، والثناء عليَّ، فلما عُدت إلى منزلي استدعاني أحد الأمراء من أولاد الخلافة، وكان عظيم الحال، فقال: قد رغبت في معاملتك [وتضمينك أملاكي] [٣] ببادية يا ونهر [٤] الملك، فضمنت ذلك بما تقرر بيني وبينه من المال، وجاءت السنة، ووفيته وحصل في يدي من الربح ما له قدر كبير، وكان ضماني لهذه الضياع ثلاث سنين، فلما مضت حسبت حسابي، / وقد تحصل في يدي ثلاثون ألف دينار، فعزلت عوض العشرة آلاف دينار التي أخذتها من دعلج وحملتها إليه، وصليت معه الغداة، فلما انفتلت [٥] وانفتل من صلاته رأني، فنهض معي إلى داره، وقدم المائدة والهريسة، فأكلت بجأش ثابت وقلب طيب، فلما قضينا الأكل، قال لي: خبرك وحالك، فقلت: بفضل الله وبفضلك قد أفدت بما فعلته معي ثلاثون ألف دينار، وهذه عشرة آلاف عوض الدنانير التي أخذتها منك، فقال: يا سبحان
стр. 4781
الله، والله ما خرجت الدنانير عن يدي ونويت آخذ عوضها حل بها الصبيات، فقلت له:
يا شيخ أيش أصل هذا المال حتى تهب لي عشرة آلاف دينار؟ فقال: اعلم أني نشأت، وحفظت القرآن، وسمعت الحديث، وكنت أتبرز، فوافاني رجل من تجار البحر، فقال لي: أنت دعلج بن أحمد؟ فقلت: نعم فقال: قد رغبت في تسليم مالي إليك لتتجر به، فلما سهل الله من فائدة كانت بيننا، وما كان من جائحة كانت في اصل مالي، فسلم إليَّ بارنامجات [١] بألف ألف درهم، وقال لي: ابسط يدك ولا تعلم موضعا تنفق فيه هذا المتاع إلا حملته إليه، ولم يزل يتردد إليَّ سنة بعد سنة يحمل إليَّ مثل هذا، والبضاعة تنمى، فلما كان في آخر سنة اجتمعنا، قال لي: أنا كثير الأسفار في البحر فإن قضى الله علي بما [٢] قضاه على خلقه فهذا المال لك، على أن تتصدق منه وتبني المساجد، وتفعل الخير، فأنا أفعل مثل هذا، وقد ثمَّر الله المال في يدي، فأسألك أن تطوي هذا الحديث أيام حياتي.
توفي دعلج في جمادى الآخرة من هذه السنة، وهو ابن أربع أو خمس وتسعين سنة.
٢٦٢١- عبد الله بن جعفر بن شاذان، أبو الحسين البزار
[٣] .
من أهل الجانب الشرقي، حدث عن الكديمي، وإبراهيم الحربي، وعبد الله بن أحمد، روى عنه الدارقطني، وابن رزقويه [٤] ، وكان ثقة.
توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
٢٦٢٢- عبد الباقي بن قانع بن مرزوق، أبو الحسن الأموي مولاهم
[٥] .
سمع الحارث بن أبي أسامة، وإبراهيم الحربي. روى عنه الدارقطني، وابن رزقويه [٦] ، وأبو علي بن شاذان، وكان من أهل العلم، والفهم، والثقة، غير أنه تغيَّر في
стр. 4782
آخر عمره، قال الدارقطني: كان يخطئ، ويصر على الخطأ.
توفي في شوال هذه السنة.
٢٦٢٣- مُحَمَّد بن الحسن [بن محمد] [١] بن زياد بن هارون بن جعفر أبو بكر المقرئ [٢] النقاش
[٣] :
موصلي الأصل، ويقال إنه مولي أبي دجانة سماك بن خرشة، ولد في سنة ست وستين ومائتين، وكان عالما بحروف القراءات، حافظا للتفسير، وله تصانيف فيهما، سافر الكثير، وكتب بالكوفة، والبصرة، ومكة، ومصر، والشام، والجزيرة، والموصل، والجبال، وبلاد خراسان، وما وراء النهر.
وحدّث عن إسحاق بن سفيان الختلي، وأبي مسلم الكجي وخلق كثير، روى عنه أبو بكر بن مجاهد، والخلدي، والدارقطني، وابن شاهين، وابن رزقويه [٤] في آخرين، وآخر من حدث عنه أبو علي بن شاذان، وفي حديثه مناكير بأسانيد مشهورة، وقد كان يتوهم الشيء فيرويه، وقد وقفه الدارقطني [٥] على بعض ما أخطأ فيه فرجع عن الخطأ [٦] .
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَد بْن عَلِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عبيد اللَّه بن [أبي] [٧] الفتح، عن طلحة بن محمد بن جعفر أنه ذكر النقاش، فقال: كان يكذب في/ الحديث، قال أحمد: وسألت البرقاني، فقال: كل حديثه منكر.
أَخْبَرَنَا القزاز، أَخْبَرَنَا أبو بكر أَحْمَد بن علي بن ثابت [٨] ، قال: سمعت أبا الحسين بن الفضل القطان، يقول: حضرت أبا بكر النقاش وهو يجود بنفسه، فجعل
стр. 4783
يحرك شفتيه بشيء لا أعلم ما هو، ثم نادى بعلو صوته: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) ٣٧: ٦١ [١] يرددها ثلاثا، ثم خرجت نفسه.
توفي النقاش في يوم الثلاثاء ثاني شوال هذه السنة، ودفن غداة الأربعاء في داره، وكان يسكن دار القطن.
٢٦٢٤-[مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن مَسْعُود، أَبُو بَكْر التمار
[٢] .
سَمِعَ مُعَاذِ بْن المثنى، والكديمي. وروى عنه ابن رزقويه. وكان ثقة.
٢٦٢٥- مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن القَاسِم بْن إِسْحَاق الكاتب
[٣] .
حَدَّثَ عَنْ بِشْر بْن موسى. روى عنه ابن رزقويه] .
٢٦٢٦- محمد بن سعيد، أبو بكر الحربي، الزاهد يعرف: بابن الضرير
[٤] روى عنه ابن رزقويه، وكان ثقة.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي الحافظ قال: أخبرني أحمد بن سليمان [٥] بن علي المقرئ، أخبرنا عبد الواحد بن أبي الحسن الفقيه، قال:
سمعت أبي يقول: سمعت أبا بكر ابن الضرير الزاهد، يقول: دافعت الشهوات حتى صارت شهوتي المدافعة فحسب [٦] توفي في ربيع الأول من هذه السنة.
٢٦٢٧- محمد بن سهل بن عسكر بن عمارة، أبو بكر البخاري
[٧] :
حدث عن عبد الرزاق وغيره، روى عنه إبراهيم الحربي، وابن أبي الدنيا، والبغوي، وابن صاعد وكان ثقة. توفي في شعبان هذه السنة.
стр. 4784
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها.
أنه في اليوم العاشر من المحرم أغلقت الأسواق ببغداد، وعطل البيع، ولم يذبح القصابون [ولا طبخ الهراسون] [١] ولا ترك الناس أن يستقوا الماء، ونصبت القباب في الأسواق، وعلقت عليها المسوح، وخرجت النساء منتشرات/ الشعور يلطمن في الأسواق، وأقيمت النائحة [٢] على الحسين ﵇.
وفي نصف ربيع الأول: ورد الخبر بأن ألف رجل من الأرمن ساروا [٣] إلى الرها، فاستاقوا خمسة آلاف رأس من الغنم، وخمسمائة من البقر والدواب، واستأسروا عشرة أنفس، وانصرفوا موقرين.
وفي جمادى الآخرة: قلد أبو بشر عمر بن أكثم القضاء بمدينة السلام بأسرها، على أن يتولى ذلك بلا رزق، وخلع عليه، ورفع عنه ما كان يحمله أبو العباس بن أبي الشوارب، وأمر أن لا يمضي شيئا من أحكام أبي العباس، وفي شعبان: قلد قضاء القضاة.
وفي شعبان: مات الدمستق الذي فتح بلدة حلب، واسمه: نقفور.
стр. 4785
وفي ليلة الخميس ثامن عشر ذي الحجة: وهو يوم «غدير خم» [١] أشعلت النيران، وضربت الدبادب والبوقات، وبكر الناس إلى مقابر قريش.
قال ثابت بن سنان المؤرخ: حدثني جماعة من أهل الموصل ممن أثق [٢] به: أن بعض بطارقة الأرمن أنفذ في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة إلى ناصر الدولة رجلين من الأرمن ملتصقين بينهما خمس وعشرون سنة سليمين [٣] ، ومعهما أبوهما، وأن الالتصاق كان في المعدة، ولهما بطنان، وسرتان، ومعدتان، وأوقات جوعهما وعطشهما تختلف، وكذلك أوقات البول والبراز، ولكل واحد منهما صدر وكتفان، وذراعان، ويدان، وفخذان، وساقان، وقدمان وإحليل، وكان احدهما يميل إلى النساء والآخر يميل إلى الغلمان، وكان أحدهما إذا دخل إلى المستراح/ دخل قرينه معه، وأن ناصر الدولة وهب لهما ألفي درهم، وأراد أن يحدرهما إلى بغداد ثم انصرف رأيه عن ذلك [٤] .
أخبرنا محمد بن أبي طاهر، أَخْبَرَنَا عَلِي بْن الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد، وأبو عمر أحمد بن محمد الخلال، قالا:
حدثنا جماعة كثيرة العدد من أهل الموصل وغيرهم ممن كنا نثق بهم ويقع لنا العلم بصحة ما حدثوا به لكثرته وظهوره وتواتره: أنهم شاهدوا بالموصل سنة نيف وأربعين وثلاثمائة رجلين أنفذهما صاحب أرمينية إلى ناصر الدولة للأعجوبة منهما، وكان لهما نحو من ثلاثين سنة، وهما ملتزقان من جانب واحد ومن حد فويق الحقو إلى دوين [٥] الإبط، وكان معهما أبوهما، فذكر لهم أنهما ولدا كذلك توأمًا تراهما يلبسان قميصين وسراويلين كل واحد منهما، لباسهما مفردا إلا أنهما لم يكن يمكنهما لالتزاق كتفيهما وأيديهما في المشي لضيق دلك عليهما، فيجعل كل واحد منهما يده التي تلي أخاه من
стр. 4786
جانب الالتزاق خلف ظهر أخيه ويمشيان كذلك، وإنما كانا يركبان دابة واحدة ولا يمكن أحدهما التصرف إلا بتصرف الآخر [١] معه، وإذا أراد أحدهما الغائط قام الآخر معه [٢] وإن لم يكن محتاجا، وأن أباهما حدَّثهم أنه لما ولدا أراد أن يفرق بينهما، فقيل له:
انهما يتلفان لأن التزاقهما من جنب الخاصرة، وأنه لا يجوز أن يسلما، فتركهما، وكانا مسلمين، فأجازهما ناصر الدولة، وخلع عليهما، وكان الناس بالموصل يصيرون إليهما فيتعجبون منهما ويهبون لهما.
قال أبو محمد: وأخبرني جماعة أنهما خرجا إلى بلدهما، فاعتل أحدهما ومات/ وبقي الآخر أيامًا حتى أنتن وأخوه حي لا يمكنه التصرف، ولا يمكن الأب دفن الميت إلى أن لحقت الحي علة من الغم والرائحة، فمات أيضا فدفنا جميعا وكان ناصر الدولة قد جمع لهما الأطباء وقال: هل من حيلة في الفصل بينهما، فسألهما الأطباء عن الجوع، هل تجوعان في وقت واحد؟ فقال: إذا جاع الواحد منا تبعه جوع الآخر بشيء يسير من الزمان، وإن شرب أحدنا دواء مسهلًا انحل طبع الآخر بعد ساعة، وقد يلحق أحدنا الغائط ولا يلحق الآخر، ثم يلحقه بعد ساعة فنظروا فإذا لهما جوف واحد وسرة واحدة ومعدة واحدة وكبد واحد وطحال واحد، وليس من الالتصاق أضلاع، فعلموا أنهما إن فصلا تلفا، ووجدوا لهما ذكران، وأربع بيضات، وكان ربما وقع بينهما خلاف وتشاجر فتخاصما أعظم خصومة، حتى ربما حلف أحدهما لا أكلم الآخر أيامًا، ثم يصطلحان.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر .
٢٦٢٨- عمر بن أكثم بن أحمد بن حيان بن بشر، أبو بشر الأسدي
[٣] .
ولد سنة أربع وثمانين ومائتين، وولي القضاء ببغداد في أيام المطيع للَّه من قبل أبي السائب عتبة بن عبيد الله، ثم ولي قضاء القضاة بعد ذلك، وكان ينتحل مذهب
стр. 4787
الشافعي ﵀، ولم يل قضاء القضاة من الشافعيين قبله غير أبي السائب فقط.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت، أخبرنا علي بن المحسن، أَخْبَرَنَا طلحة بْن محمد بْن جعفر، قال: لما افتتح المطيع للَّه والأمير معز الدولة أحمد بن بويه البصرة/ في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة خرج القاضي أبو السائب عتبة بن عبد الله [١] إلى البصرة مهنيًا لهما، وكان يكتب له على الحكم عمر بن أكثم، وكان قد نشأ نشوءًا حسنًا على صيانة تامة فقبل الحكام [٢] شهادته، ثم كتب للقضاة واستخلفه أبو السائب عند خروجه على الجانب الشرقي، ثم جمع البلد لأبي السائب وهو بالبصرة مع المطيع، فكتب بذلك إلى الحضرة واستخلفه على بغداد بأسرها، فأجرى الأمور مجاريها، فظهرت منه خشونة فانحسم عنه الطمع، ثم أصعد أبو السائب إلى الحضرة، وعاد أبو بشر إلى كتابته وكان جد أبيه حيان قد تقلد القضاء في نواح كثيرة وتقلد إصبهان، ثم تقلد الشرقية، فنظرت فإذا أبو بشر قد جلس في الشرقية في الموضع الذي [٣] جلس فيه عند جد أبيه بعد مائة سنة.
توفي أبو بشر في ربيع الأول من هذه السنة.
٢٦٢٩- مُحَمَّد بن إسحاق بن مهران [٤] المنقري يعرف: بشاموخ
[٥] .
حدث عن أبي العباس البراثى، والحسن بن الحباب، وعلي بن حماد الخشاب، وحديثه كثير المناكير، روى عنه يوسف بن عمر القواس، وابن رزقويه.
وتوفي في هذه السنة.
٢٦٣٠- مُحَمَّد بن أَحْمَد بن موسى بن هارون بن الصلت، أبو الطيب الأهوازي
[٦] .
стр. 4788
سكن بغداد، وحدث بها عن أبي خليفة الفضل بن الحباب البصري وغيره، روى عنه الدارقطني، وكان صدوقا وتوفي في هذه السنة.
٢٦٣١- محمد بْن أحمد بن يوسف بن جعفر، أبو الطيب المقرئ يعرف: بغلام ابن شنبوذ
[١] .
خرج من بغداد وتغرب، وحدث بجرجان وأصبهان عن إدريس بن عبد الكريم، وابن شنبوذ وغيرهما. وتوفي في هذه السنة.
стр. 4789
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها: /
[وقوع جراحات بين السّنّة والشيعة]
أنه عمل في عاشوراء مثل ما عمل في السنة الماضية من تعطيل الأسواق وإقامة النوح، فلما أضحى النهار [يومئذ] [١] وقعت فتنة عظيمة في قطيعة أم جعفر وطريق مقابر قريش بين السنة والشيعة، ونهب الناس بعضهم بعضا، ووقعت بينهم جراحات.
وورد الخبر بنزول جيش ضخم من الروم على المصيصة وفيه الدمستق، وأقام عليها سبعة أيام، ونقب في سورها نيفا وستين نقبًا ولم يصل، ودافعه أهلها وانصرف، إذ قصرت به الميرة بعد أن أقام ببلاد الإسلام خمسة عشر يوما، وأحرق الدمستق [٢] المصيصة [وأذنة، وطرطوس، وذلك لمعاونتهم أهل مصيصة على الروم] [٣] ، فظفر بهم الروم، فقتلوا منهم نحو خمسة آلاف رجل، وقتل أهل أذنة وأهل [٤] طرسوس من الروم عددا كثيرا. وقال الدمستق قبل انصرافه عن المصيصة: يا أهل المصيصة، أني منصرف عنكم لا لعجز عن فتح مدينتكم، ولكن لضيق العلوفة، وأنا عائد إليكم بعد هذا الوقت، فمن أراد منكم الهرب فليهرب قبل رجوعي، فمن وجدته قتلته.
стр. 4790
وورد الخبر في ربيع الأول: أن الغلاء بأنطاكية وسائر الثغور اشتد حتى لم يقدر على الخبز، وانتقل من الثغور إلى دمشق وغيرها خمسون ألفا هربا من الغلاء.
وفي جمادى الأولي: ورد الخبر بأن الهجريين أنفذوا سرية إلى طبرية واستمدوا [١] من سيف الدولة حديدًا فقلع [٢] أبواب الرقة- وكانت من حديد- وأخذ كل حديد وجد حتى أخذ صنجات الباعة والبقالين، فبعثها إليهم حتى كتبوا إليه: إننا قد استغنينا.
وفي جمادى الآخرة: أراد معز الدولة الإصعاد إلى الموصل، فانحدر إلى الخليفة فودعه وخرج.
وروى هلال/ بن المحسن الصابي، عن أبي الحسن ابن الخراساني حاجب معز الدولة، قال: كنت مع معز الدولة بحضرة المطيع، فلما تقوض المجلس قال لي: قل للخليفة: أريد أن أطوف الدار وأشاهدها، وأتأمل صحونها وبساتينها، فيتقدم إليَّ مَنْ يمشي معي ويطيفني. فقلت له ذلك، فتقدم إلى خادمه شاهك وحاجبه ابن أبي عمرو، فمشيا بين يديه وأنا وراءهما بعدنا عن حضرة الخليفة، فقالا له [٣] : لا يجوز أن نتخرق الدار في أكثر من نفسين [٤] أو ثلاثة، فاختر من تريد واردد الباقين. فأخذ أبا جعفر الصيمري معه، ونحن عشرة من غلمانه وحجابه، ووقف باقي الجند والحواشي في صحن السلام، ودخلنا ومضى الأمير مسرعا فلحقته وجذبت قباءه من خلفه، فالتفت إلي، فقلت له بالفارسية وأصحاب الخليفة لا يعرفونها: في أي موضع [٥] أنت حتى تسترسل هذا الاسترسال، وتعدو من غير تحفظ ولا استظهار، ألا تعلم أنه قد فتك في هذا الدار بألف أمير ووزير، وما كان غرضك في أن تطوف وحدك، أليس لو وقف لنا عشرة نفر من الخدم أو غيرهم في هذه الممرات الضيقة لأخذونا؟ فقال له الصيمري: قد
стр. 4791
صدقك، فقال: قد كان ذلك غلطا والآن فإن رجعنا الساعة علم أننا قد فزعنا وخفنا، وسقطنا بذلك من أعينهم وضعفت هيبتنا في صدورهم، ولكن احتفوا بي فإن مائة من هؤلاء لا يقاوموننا ونحن نسرع في رؤية ما نراه.
قال: فسعينا سعيًا حثيثًا وانتهينا إلى دار فيها صنم من صفر على صورة امرأة، وبين يديه أصنام صغار كالوصائف، فرأينا من ذلك ما أعجبنا، وتحير معز الدولة، وسأل عن الصنم، فقيل له: هذا صنم حمل في أيام المقتدر باللَّه من بلد من بلاد الهند [١] لما فتح صاحب عمان ذلك البلد، وقيل: إنه كان يعبد هناك: فقال معز الدولة: إني قد استحسنت/ هذا الصنم، وشغفت به، ولو كانت مكانه جارية لاشتريتها بمائة ألف دينار على قلة رغبتي في الجواري، وأريد أن أطلبه من الخليفة ليكون قريبا مني فأراه في كل وقت، فقال له الصيمري: لا تفعل، فإنه ينسبك في ذلك إلى ما ترتفع عنه.
قال: وبادرنا بالخروج، فما رجعت إلينا عقولنا إلا بعد اجتماعنا مع أصحابنا، ونزل معز الدولة الطيار، فقال لأبي جعفر الصيمري: قد ازدادت محبتي للمطيع للَّه وثقتي به، لأنه لو كان يضمر لي سوءا أو يريده بي لكنا اليوم في قبضته. فقال الصيمري:
الأمر على ذلك. وصعد معز الدولة إلى داره، وأمر بحمل عشرة آلاف درهم إلى نقيب الطالبيين ليفرقها فيهم شكرا للَّه على سلامته.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٦٣٢- بكار بن أحمد بن بكار بن بنان بن بكار بن زياد بن درستويه، أبو عيسى المقرئ
[٢] :
ولد في صفر سنة خمس وسبعين ومائتين، وحدث عن عبد الله بن أحمد وغيره، وروى عنه أبو الحسن الحمامي. وكان ثقة ينزل بالجانب الشرقي في سوق يحيى [٣] ، وكان زائدا عن ستين سنة.
стр. 4792
توفي في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن عند قبر أبي حنيفة في مقبرة الخيزران.
٢٦٣٣- ثوابة بن أحمد بن ثوابة بن مهران بن عبد الله، أبو الحسن الموصلي
[١] :
قدم بغداد وحدث بها عن أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى وغيره. روى عنه الدارقطني، وابن رزقويه [٢] ، وكان صدوقا. وتوفي في محرم هذه السنة.
٢٦٣٤- جعفر بن مُحَمَّد بن أحمد بن الحكم، أبو محمد المؤدب
[٣] .
واسطي الأصل، سمع الباغندي، والكديمي، وعبد الله ابن أحمد. روى عنه ابن رزقويه، وأبو علي بن شاذان. وكان ثقة كثير الحديث. توفي في رمضان هذه السنة.
٢٦٣٥- شجاع [٤] [بن جعفر] [٥] بن أحمد/ أبو الفوارس [٦] الوراق الواعظ
[٧] :
كان يذكر أنه من ولد أبي أيوب الأنصاري، وحدث عن عباس الدوري وابن أبي خيثمة [٨] ، والكديمي. وروى عنه أبو علي بن شاذان، وتوفي في هذه السنة.
٢٦٣٦-[عَبْد اللَّه بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن، أَبُو بَكْر، الرّازيّ الأصل، النَّسَائيّ
[٩] .
روى عَنِ الجنيد، وسمنون، وأبي عثمان وغيرهم. وكتب الحديث ورواه، وَكَانَ ثقة. تُوُفِّيَ في هذه السنة.
٢٦٣٧- عَبْد العزيز بْن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بْن الواثق باللَّه، أبو محمد الهاشمي
[١٠] .
стр. 4793
سمع أبا مسلم الكجي، وأبا شعيب الحراني، ويوسف القاضي، وجعفر الفريابي. روى عنه الدارقطني، وابن رزقويه، وكان ثقة، تُوُفّي فِي ذي الحجّة] .
٢٦٣٨- محمد بن إِسْمَاعِيل بن موسى
بن هارون، أبو الحسين الرازي [١] المكتب [٢] .
سكن بغداد بقصر عيسى، وحدث عن أبي حاتم الرازي، وإبراهيم الحربي وغيرهما. وهو ضعيف، وله أحاديث منكرة، منها:
مَا أَخْبَرَنَا به عَبْد الرَّحْمَنِ بْن محمد [٣] . أخبرنا أبو بكر عَلِيّ بْن ثابت [٤] الخطيب، أخبرنا علي بن أحمد الوزان [٥] أخبرنا محمد بن إسماعيل بن موسى، حدثنا عمرو بن تميم [بن سيار] [٦] قال حدثنا هوذة بن خليفة عن ابن جريج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ان سركم أن تزكو صلاتكم فقدموا خياركم» . قال الخطيب: هذا حديث منكر بهذا الإسناد، ورجاله كلهم ثقات، والحمل فيه على الرازي، وكان أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري يكذبه في رواياته.
٢٦٣٩- محمد بن المهلب، ويلقب بندار، ويكنى: أبا الحسين الشيرازي
[٧] .
كان الشبلي يعظمه، وتوفي في هذه السنة.
٢٦٤٠- مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الحسن، أبو عبد الله التروغندي الطوسي
[٨] :
صحب أبا عثمان الحيري، وكان عالي الهمة، له كرامات.
[توفي في هذه السنة]
[٩] .
стр. 4794
٢٦٤١- محمد بن أبي الطيب أحمد بن أبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي يكنى أبا الفتح
[١] .
حدث عن بشر بن موسى، وجده البغوي.
وتوفي في يوم السبت لاثنتي عشرة بقيت من المحرم من هذه السنة.
٢٦٤٢- أبو إسحاق الهجيمي
[٢] : ولد في سنة خمسين ومائتين، وسمع الحديث، وأقسم لا يحدث أو يجوز المائة، فأبر الله قسمه فجازها [٣] ، وحدث في المحرم سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، / وتوفي في هذه السنة. ﵀ وإيانا وجميع المسلمين
[٤] .
стр. 4795
ثم دخلت سنة أربع وخمسين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه عمل في يوم عاشوراء ما جرت به عادة القوم من إقامة النوح، وتعليق المسوح.
وفي ليلة السبت الثالث عشر من صفر: انكسف القمر [كله] [١] .
وفي ليلة الثلاثاء لعشر بقين من ربيع الآخر: كبس مسجد براثا، وقتل في قوامه [٢] نفسان.
وفي نيسان: جاء برد كبار جدا، حكى بعض من يوثق به أنه وزن بردة فكان [٣] فيها مائة درهم.
[تقليد أبى أحمد الحسين بن موسى الموسوي نقابة الطالبيين]
وفي يوم الأربعاء لأربع خلون من جمادى الآخرة. من هذه السنة: تقلد أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي نقابة الطالبيين بأسرهم سوى أبي الحسن بن أبي الطيب وولده، فإنهم استعفوا منه، فرد أمرهم إلى أبي الحسن علي بن موسى حمولي.
وفي سحر يوم السبت لثمان بقين من جمادى الأولي: ماتت أخت معز الدولة، فركب الخليفة (المطيع للَّه) [٤] في طياره، وأصعد إليه إلى بستان الصيمري [الّذي
стр. 4796
ذكرنا أنه بناه في حوادث تلك السنة وكان صعود الخليفة إليه بسبب تعزيته بأخته، فلما بلغ معز الدولة صعود الخليفة إليه في دجلة] [١] نزل إليه معز الدولة ووقف في الدرجة ولم يكلفه الصعود، فعزاه الخليفة فشكره معز الدولة وقبل الأرض دفعات، ثم انحدر [المطيع إلى دار الخليفة] [٢] .
وورد الخبر أن ملك الروم جاء إلى المصيصة ففتحها وقتل من أهلها مقتلة عظيمة، وساق من بقي، وكانوا نحو مائتي ألف [وقد ذكرنا أنه كان في العام الماضي أتى نحوها ولم ينل منها، لأجل قلة الميرة عليه، وقال ما قال، فلما كان في هذه السنة، وهي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة فتحها عنوة] [٣] ومضى إلى طرسوس [طالبًا لحصارها] [٤] ، فأذعنوا بالطاعة، فأعطاهم الأمان فدخلها، وأمرهم بالانتقال عنها، فانتقلوا، وجعل المسجد الجامع اصطبلا لدوابه، ونقل ما فيه من القناديل إلى بلده، وأحرق المنبر، ثم أمر بعمارتها فتراجع أهلها وتنصر بعضهم.
وفي هذه السنة [٥] : جعل المسير بالحاج/ إلى أبي أحمد الحسين بن موسى النقيب، وعمل يوم غدير خم ببغداد ما تقدم ذكره من إشعال النار في ليلته، وضرب الدبادب والبوقات، وبكور الناس إلى مقابر قريش.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٦٤٣- أحمد بن الحسين [٦] بن الحسن [٧] بن عبد الصمد، أبو الطيب الجعفي الشاعر المعروف: بالمتنبي
[٨] :
стр. 4797
كان أبوه يعرف بعبدان، قال شيخنا ابن ناصر: سمعت أبا زكريا يقول: سمعت أبا القاسم بن برهان، يقول: عبدان بفتح العين جمع عبدانة، وهي النخلة الطويلة، ومن قال: عبدان بكسر العين فقد أخطأ.
ولد المتنبي بالكوفة سنة ثلاث وثلاثمائة، ونشأ بالشام فأكثر المقام بالبادية، وطلب الأدب، وعلم العربية، وفاق أهل عصره في الشعر، واتصل بالأمير أبي الحسن بن حمدان المعروف بسيف الدولة، فانقطع إليه، وأكثر القول في مديحه [١] ، ثم مضى إلى مصر فمدح [بها] [٢] كافورا الخادم [الإخشيدي ثم] [٣] ورد [بعد ذلك] [٤] بغداد.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت، أَخْبَرَنَا عَلِي بْن الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حدثني أبو الحسن محمد بن يحيى العلويّ، قال:
كان المتنبي وهو صبي ينزل في جوار بالكوفة، وكان أبوه يعرف بعبدان السقاء، يستقي لنا ولأهل المحلة، ونشأ هو محبا للعلم والأدب، وصحب الأعراب فجاءنا بعد سنين بدويا قحا وكان تعلم الكتابة والقراءة، وأكثر من ملازمة الوراقين.
فأخبرني وراق كان يجلس إليه، قال لي: ما رأيت أحفظ من هذا الفتى ابن عبدان، قلت له: كيف؟ قال: كان اليوم عندي وقد أحضر رجل كتابًا من كتب الأصمعي نحو ثلاثين ورقة ليبيعه، فأخذ ينظر فيه طويلا، فقال له الرجل: يا هذا أريد بيعه وقد قطعتني عن ذلك، / وإن كنت تريد حفظه فهذا إن شاء الله يكون بعد شهر، فقال له:
فإن كنت قد حفظته في هذه المدة ما لي عليك، قال: أهب لك الكتاب، قال: فأخذت الدفتر من يده، فأقبل يتلوه علي إلى آخره ثم استلمه [٥] فجعله في كمه، فقام صاحبه وتعلق به وطالبه بالثمن، فقال: ما إلى ذلك سبيل قد وهبته لي فمنعناه منه، وقلنا له:
أنت شرطت على نفسك هذا للغلام فتركه عليه.
стр. 4798
قال المحسن: وسألت المتنبي عن نسبه فما اعترف لي به، وقال: أنا رجل أختط [١] القبائل، وأطوي البوادي وحدي، ومتى انتسبت لم آمن أن يأخذني بعض العرب بطائلة بيننا [٢] وبين القبيلة التي انتسب إليها، وما دمت غير منتسب إلى أحد فأنا اسلم على جميعهم.
قال المحسن: واجتمعت بعد موت المتنبي بعد سنين مع القاضي أبي الحسن ابن أم شيبان الهاشمي، وجرى ذكر المتنبي، فقال: كنت أعرف أباه بالكوفة شيخا يسمى:
عبدان، يستقى على بعير له، وكان جعفيا صحيح النسب، قال: وكان المتنبي لما خرج إلى كلب، فأقام بينهم [٣] ادعى أنه علوي حسني، ثم ادعى بعد ذلك النبوة، ثم عاد يدعي أنه علوي إلى أن شهد عليه بالشام بالكذب في الدعوتين، وحبس دهرًا طويلًا، وأشرف على القتل، ثم استتيب وأشهد عليه بالتوبة وأطلق.
قال المحسن: وحدثني أبو علي بن أبي حامد، قال: سمعت خلقا كثيرًا بحلب يحكون وأبو الطيب المتنبي بها إذ ذاك أنه تنبأ في بادية السماوة ونواحيها إلى أن خرج بها لؤلؤ أمير حمص، فقاتله وأسره وشرد من كان اجتمع إليه من كلب وكلاب وغيرهما من قبائل العرب، وحبسه دهرًا طويلا فاعتل وكاد يتلف، فسئل في أمره، فاستتابه وكتب عليه ببطلان ما ادعاه/ ورجوعه إلى الإسلام، قال: وكان قد تلا على البوادي كلامًا ذكر أنه قرآنا أنزل عليه، فمن ذلك: «والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إن الكافر لفي أخطار، امض على سنتك واقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك زيغ من أَلْحَدَ في دينه وضل عن سبيله» .
قال: وكان المتنبي إذا شوغب في مجلس سيف الدولة فَذكر أن له [٤] هذا القرآن وأمثاله مما يحكى عنه فينكره ويجحده. قال: وقال ابن خالويه النحوي يومًا في مجلس سيف الدولة: لولا أن الآخر جاهل لما رضي أن يدعى بالمتنبي، لأن «متنبي» معناه:
стр. 4799
كاذب، ومن رضي أنه يدعى بالكذب فَهُوَ كاذب [١] فهو جاهل، فقال له: أنا لست أرضى أن أدعى به [٢] وإنما يدعوني به من يريد الغض [٣] مني، ولست أقدر على الامتناع.
قال المحسن: فأما أنا فسألته في الأهواز سنة أربع وخمسين وثلاثمائة عن معني المتنبي، فأجابني بجواب مغالط لي، وقال: هذا شيء كان في الحداثة أوجبته الصورة- فاستحييت أن أستقصي عليه، فأمسكت [٤] .
ذكر مقتل المتنبي
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن [ثابت] [٥] الحافظ قال:
حدثني علي بن أيوب قال: خرج المتنبي من بغداد إلى فارس، فمدح عضد الدولة وأقام عنده مديدة، ثم رجع من شيراز يريد بغداد، فقتل بالطريق بالقرب من النعمانية في شهر رمضان، وقيل: في شعبان [من] [٦] سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وفي سبب قتله ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان معه مال كثير فقتلته العرب لأخذ ماله، فذكر بعض العلماء أنه وصل إليه من عضد الدولة أكثر من مائتي ألف درهم، والقصيدة قصيدته التي يقول [٧] فيها/:
ولو أني استطعت غضضت [٨] طرفي ... فلم أبصر به حتى أراكا
وفي آخرها:
وَأَنَّى [٩] شِئْتِ يا طُرُقِي فكوني ... أذاة أو نجاة [١٠] أو هلاكا
стр. 4800
فجعل قافية البيت الهلاك فهلك، وذلك أنه ارتحل عن شيراز بحسن حال، وكثرة مال، ولم يستصحب خفيرًا، فخرج عليه أعراب فحاربهم فقتل هو وابنه محمد [١] ، وفتى [٢] من غلمانه، وفاز الأعراب بأمواله، وكان قتله بشط دجلة في موضع يعرف بالصافية، يوم الأربعاء لثلاث بقين من رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة [٣] ، واسم قاتله: فاتك بن أبي الجهل الأسدي.
والثاني: أن سبب قتله: كلمة قالها عن عضد الدولة، فدس عليه من قتله.
وذكر مظفر بن علي الكاتب قال: اجتمعت برجل من بني ضبة [٤] ، يكنى: أبا رشيد، فذكر أنه حضر قتل المتنبي، وأنه كان صبيًا حين راهق حينئذٍ، وكان المتنبي قد وفد على عضد الدولة وهو بشيراز، ثم صحبه إلى الأهواز فأكرمه ووصله بثلاثة آلاف دينار، وثلاث كساء، في كل كسوة سبع قطع، وثلاثة أفراس بسروج محلاة، ثم دس عليه من سأله: أين هذا [العطاء] [٥] من عطاء سيف الدولة بن حمدان، فقال المتنبي:
هذا أجزل، إلا أنه عطاء متكلف، وكان سيف الدولة يعطى طبعًا، فاغتاظ عضد [٦] الدولة لما نقل إليه هذا، وأذن لقوم من بني ضبة [٧] في قتله إذا انصرف، قال: فمضيت مع أبي، وكنا في ستين راكبا، فكمنّا في واد فمر في الليل، ولم يعلم به، فلما أصبحنا تقفينا [٨] أثره فلحقناه، وقد نزل تحت شجرة كمثرى وعندها عين، وبين يديه سفرة طعام، فلما رآنا قام ونادى: هلموا وجوه العرب، فلم يجبه/ أحد فأحس بالداهية، فركب ومعه ولده وخمسة عشر غلاما، له، وجمعوا الرجال والجمال والبغال، فلو ثبت مع الرَّجالة لم يقدر عليه، ولكنه برز إلينا يطاردنا. قال: فقتل ولده، وأخد غلمانه، وانهزم شيئًا يسيرا [٩] . فقال له غلام له: أين قولك.