ثم دخلت سنة تسع وسبعين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه ورد الخبر في المحرم بأن ابن الجراح الطائي خرج على الحاج بين سميراء وفيد، ونازلهم، ثم صالحهم على ثلاثمائة ألف درهم وشيء من الثياب المصرية والأمتعة اليمنية، فأخذه وانصرف.
وفي هذه السنة انتقل السلطان شرف الدولة إلى قصر معز الدولة بباب الشماسية، لأن الأطباء أشاروا عليه، بذلك وزعموا أن الهواء هناك أصح، وكان قد ابتدأ به المرض من سنة ثمان وسبعين [من فساد مزاج] [١] فشغب الديلم وطلبوا أرزاقهم، فعاد إلى داره وراسلهم، وقبض على جماعة اتهموا بالسعي في الفساد.
وفي يوم الاثنين لثمان بقين من جمادى الآخرة: أنفذ الطائع للَّه الرئيس أبا الحسن علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان كاتبه إلى دار القادر باللَّه، وهو أمير، ليقبض عليه، فهرب منه، وكان السبب أنه لما توفي إسحاق بن المقتدر والد القادر جرت/ بين القادر وبين آمنة أخته بنت معجبة منازعة في ضيعة، واتفق أن عرض للطائع علة صعبة، ثم أبل منها، فسعت آمنة بالقادر إلى الطائع وقالت: إنه شرع في تقلد الخلافة عند مرضك، وراسل أرباب الدولة، فظن أن ذلك حق فتغير رأيه فيه، وانفذ ابن حاجب النعمان في جماعة للقبض عليه، وكان يسكن الحريم الطاهري [٢] فقالوا: أمير المؤمنين
стр. 4972
يستدعيك، فقام وقال له أَبُو الْحَسَن: إلى أَيْنَ؟ فَقَالَ: البس [١] ثيابا تصلح للقاء الخليفة، فعلق به ومنعه، فعرف الحرم ما يراد به، فانتزعوه من يده وبادر إلى سرداب، فتخلص منهم، فعادوا إلى الطائع، وعرفوه الصورة، وانحدر القادر باللَّه إلى البطيحة، فأقام بها عند مهذب الدولة إلى أن قبض بهاء الدولة على الطائع، وأظهر أمر القادر.
وفي جمادى الأولي: زاد مرض شرف الدولة، وتوفي، وعهد إلى ولده أبي نصر.
فاجتمع العسكر وطالبوه برسم البيعة، فخوطبوا [٢] في أن يقنع كل واحد منهم [٣] بخمسمائة [درهم] [٤] وإلى ستمائة فأبوا، فخاطبهم أبو نصر وأعلمهم خلو الخزائن، ووعدهم أن يكسروا الأواني ويعطيهم، وتردد بين أبي نصر وبين الطائع مراسلات انتهت إلى أن حلف كل [واحد] منهما لصاحبه على التصافي وصحة العقيدة، وكل ذلك في ليلة السبت سادس جمادى الآخرة، وركب الطائع للَّه الطيار وسار إلى دار المملكة بالمخرم لتعزية أبي نصر، والشطان منغصان بالنظارة، فنزل [الأمير] أبو نصر متشحا بكساء طبري، والديلم والأتراك بين يديه، وحواليه إلى المشرعة التي قدم إليها الطيار، وقبل الأرض وقبلها العسكر بتقبيله، وصعد الرئيس أبو الحسن علي بن عبد العزيز إلى الأمير أبي نصر، فأدى إليه رسالة الطائع بالتعزية، فقبل الأرض ثانيًا وشكر/ ودعا، فعاد أبو الحسن إلى الطائع فأعلمه شكره ودعاءه، وعادوا الصعود إلى أبي نصر لوداعه عن الطائع للَّه فقبل الأرض ثالثا وانحدر الطيار على مثل ما أصعد، ورجع الأمير أبو نصر إلى داره.
فلما كان يوم السبت عاشر هذا الشهر ركب الأمير أبو نصر إلى [٥] حضرة الطائع، وحضر الأشراف والقضاة [٦] وجلس الطائع للَّه في الرواق الذي في صحن السلم [٧]
стр. 4973
متقلدا سيفا، وأدخل السلطان إلى بيت في جانب الرواق مما يلي دجلة، وخلع عليه فيه الخلع السلطانية، وخرج وعليه سبع طاقات أعلاها سواد وعلى رأسه عمامة سوداء، وعلى عنقه طوق كبير، وفي يده سواران ومشى الحجاب بين يديه بالسيوف والمناطق، فلما حصل بين يدي الطائع للَّه قبل الأرض، فأومأ إليه [الطائع] بالجلوس، وطرح له كرسي فقبل الأرض دفعة ثانية، وجلس وقرأ أبو الحسن علي بن عبد العزيز عهده، وقدم إلى الطائع لواءاه حتى عقدهما بيده ولقب بهاء الدولة وضياء الملة، فسار بين يديه العسكر كله إلى باب الشماسية في القباب المنصوبة، وانحدر في الطيار إلى دار المملكة، وأقر الوزير أبا منصور ابن صالحان على الوزارة، وخلع عليه.
وفي هذه السنة: عمر مهذب الدولة علي بن نصر السقايات بواسط، فغرم [١] عليها ستة آلاف، وفيها بنى جامع القطيعة.
أخبرنا عبد الرحمن [بن محمد] القزاز، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ:
حَدَّثَنِي هلال بن المحسن الكاتب: أن الناس تحدثوا في سنة تسع وسبعين وثلاثمائة بأن امرأة من أهل الجانب الشرقي رأت في منامها النبي ﷺ [كأنه] يخبرها بأنها تموت من غد عصرًا، وأنه يصلى في مسجد بقطيعة أم جعفر من الجانب الغربي في القافلاءين [٢] ، ووضع/ كفه في حائط القبلة، وأنها ذكرت هذه الرؤية عند انتباهها من نومها، فقصد الموضع، ووجد أثر الكف، وماتت المرأة في ذلك الوقت.
وعمر المسجد ووسعه أبو أحمد الموسوي بعد ذلك، وبناه، وعمّر واستأذن الطائع للَّه في أن يجعل مسجدا تصلى فيه الجمعات، واحتج بأنه من وراء خندق وأنه يقطع بينه وبين البلد، ويصير به ذلك الصقع بلدًا آخر، فأذن له في ذلك، وصار جامعا يصلى فيه الجمعات.
стр. 4974
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٨٦٠- الحسين بْن محمد بن أحمد بن محمد بن دينار بن موسى، أبو القاسم الدقاق
[١] .
ولد في ربيع الأول سنة أربع وثلاثمائة، سمع البغوي، وابن أبي داود، روى عنه أبو محمد الخلال، قال الأزهري: كان ثقة، وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة.
٢٨٦١- شرف الدولة بن عضد الدولة
[٢] .
كان يميل إلى الخير، وأزال المصادرات، وكان مرضه الاستسقاء وفساد المزاج، فامتنع من الحمية ووافق هواه في التخليط، فتوفي عصر يوم الجمعة ثاني جمادى الآخرة من هذه السنة، وحمل إلى المشهد بالكوفة، فدفن في تربة عضد الدولة، وكان مدة عمره ثماني وعشرين سنة وخمسة أشهر، ومدة ملكه ببغداد سنتين وثمانية أشهر.
٢٨٦٢- طاهر بن محمد بن سهلوية بن الحارث بن يزيد بن بحر، أبو الحسين النيسابوري
[٣] .
قدم بغداد حاجا، وحدث بها عن جماعة، روى عنه الأزهري، والخلال، وكان ثقة عدلا مقبول الشهادة عند الحكام، توفي في هذه السنة ببغداد وله سبعون سنة.
٢٨٦٣- محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد بن مهران، أبو بكر الصفار الضرير
[٤] .
ولد في شوال سنة تسع وثمانين ومائتين، سمع البغوي وغيره، وروى عنه الدارقطني، والتنوخي، وقال: سمعت منه في سنة إحدى وسبعين، وقال البرقاني:
شيخ ثقة فاضل، أصله من الشام.
٢٨٦٤- محمد بن أحمد بن أبي طالب علي بن محمد بن محمد بن الجهم الكاتب، يكنى: أبا الفياض
[٥] .
стр. 4975
حدث عن البغوي وغيره.
أخبرنا القزاز، أَخْبَرَنَا أبو بكر الخطيب قَالَ: ذكر ابن أبي الفوارس أبا الفياض فقال: كان فيه تساهل في الحديث. وقال لي أبو علي ابن المذهب: مات أبو الفياض يوم الأربعاء التاسع عشر من ربيع الآخر سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، وكان أبوه قد مات قبله بخمسة أيام، وماتت والدته بعد أبيه بيومين.
٢٨٦٥- محمد بن أحمد، بن علي، أبو الفتوح، المعروف: بالحداد .
[١] أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت قال: كان هذا الرجل يورق بالأجرة، وحدث عن أحمد بن سليمان النجاد، وأبي بكر الشافعي، وعلي بن إبراهيم بن حماد القاضي، وغيرهم، حدثنا عنه القاضي أبو الحسين بن المهتدي، وقال [لي] كان عبدا صالحا. وأثنى عليه ثناء حسنا.
٢٨٦٦- محمد بن أحمد بن العباس بن أحمد بن خلاد، أبو جعفر السلمي [٢] نقاش الفضة
[٣] .
ولد للنصف من جمادى الأولي سنة أربع وتسعين ومائتين، وسمع الباغندي، والبغوي، وابن صاعد، وابن مجاهد في آخرين.
أخبرنا القزاز، أَخْبَرَنَا أبو بكر الخطيب قَالَ: سألت الأزهري عن أبي جعفر النقاش فقال: ثقة، قال: وكان أحد المتكلمين على مذهب الأشعري، ومنه تعلم أبو علي بن شاذان الكلام.
أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب، أخبرنا العتيقي قال: سنة تسع وسبعين وثلاثمائة فيها توفي أبو جعفر النقاش لست [٤] خلون من المحرم، وكان ثقة.
٢٨٦٧- محمد بن جعفر بن العباس بن جعفر، أبو بكر النجاد
[٥]
стр. 4976
سمع محمد بن هارون المجدر، وأبا حامد الحضرميّ، وابن صاعد، وأبا بكر النيسابوري.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت، حدثنا عنه الحسن بن محمد الخلال وذكر لي أنه كان يلقب: غندرا، قال: وكان ثقة فهما يحفظ القرآن حفظا حسنا، وتوفي فِي محرم هَذِهِ السنة.
٢٨٦٨- محمد بْن جعفر بن محمد بن عبد الكريم بن بديل، أبو الفضل الخزاعي الجرجاني
[١] .
قدم بغداد وحدث بها عن يوسف بن يعقوب النجيرمي [٢] ، وأبي بكر الإسماعيلي وغيرهما، وروى عنه أبو القاسم التنوخي.
أخبرنا القزاز: أخبرنا الخطيب قال: كان الخزاعي شديد العناية بعلم القراءات، ورأيت له مصنفا يشتمل على أسانيد القراءات المذكورة فيه على عدة من الأجزاء، فأعظمت ذلك واستنكرته، حتى ذكر لي بعض من يغتني بعلوم القرآن، أنه كان يخلط [٣] تخليطا قبيحا، ولم يكن على ما يرويه مأمونا. وحكى لي القاضي أبو العلاء الواسطي عنه أنه وضع كتابا في الحروف، ونسبه إلى أبي حنيفة، قال أبو العلاء: فأخذت خط الدارقطني وجماعة من أهل العلم بأن ذلك الكتاب: موضوع لا أصل له فكبر ذلك عليه، وخرج من بغداد إلى الجبل، ثم بلغني أن حاله اشتهرت عند أهل الجبل، وسقطت هناك منزلته.
قال أبو العلاء: كتبت عنه بواسط وذكر لي أن اسمه: كميل، ثم غير اسمه بعد، وتسمى محمدا.
٢٨٦٩- محمد بن المظفر بن موسى بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن سلمة بن إياس، أبو الحسين البزاز
[٤] .
стр. 4977
ولد في محرم سنة ست وثمانين ومائتين، وأول سماعه للحديث في محرم سنة ثلاثمائة، سافر الكثير، سمع بحران ودمشق [ومصر] وبغداد، وروى عن ابن جرير، والبغوي وخلق كثير، وروى عنه الدارقطنيّ، وابن شاهين، والخلال، والأزهري.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي قال: حدثني أبو بكر البرقاني قال: كتب الدارقطني عن ابن مظفر ألف حديث، وألف حديث، وألف حديث، يعدد ذلك مرات.
حدثنا عبد الرحمن ثنا أَحْمَد بن علي قَالَ: حدثني [١] مُحَمَّد بن عمر بن إسماعيل القاضي قال: رأيت أبا الحسن الدارقطني يعظم أبا الحسين بن المظفر، ويجله، ولا يستند بحضرته، وقد روى عنه أشياء كثيرة.
أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرني أحمد بن علي المحتسب قال: أخبرنا محمد بن أبي الفوارس قال: كان محمد بن المظفر ثقة أمينا مأمونا حسن الحفظ، وانتهي إليه الحديث وحفظه وعلمه، وكان قديما ينتقي على الشيوخ، وكان مقدما [٢] عندهم.
توفي ابن المظفر يوم الجمعة، ودفن يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الأولى من هذه السنة، وقيل: توفي في جمادى الآخرة عن نيف وتسعين سنة.
стр. 4978
ثم دخلت سنة ثمانين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه قلد [أبو أحمد] الحسين بن موسى الموسوي نقابة الطالبيين، والنظر في المظالم، وإمارة الحاج، وكتب عهده على جميع ذلك، واستخلف له ولداه المرتضى أبو القاسم والرضى أبو الحسن على النقابة، وخلع عليهما من دار الخلافة.
وفي هذه السنة زاد أمر العيارين في جانبي بغداد مدينة السلام، ووقعت بينهم حروب، وعظمت الفتنة، واتصل القتال بين الكرخ وباب البصرة، وصار في كل حرب أمير وفي كل محلة متقدم وقتل الناس، وأخذت الأموال، وتواترت العملات، واتصلت الكبسات وأحرق بعضهم محال بعض، وتوسط الشريف أبو أحمد الموسوي الأمر.
وفيها: وقع حريق عظيم نهارا في نهر الدجاج ورواضعه، فذهب من عقار الناس وأموالهم شيء كثير.
وفي هذه السنة حج بالناس أَبُو عَبْدِ اللَّهِ [١] أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عبيد الله العلوي نيابة عن الشريف أبي أحمد الموسوي.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٨٧٠- إبراهيم بن أحمد بن بشران بن زكريا، أبو إسحاق الصيرفي
[٢] .
стр. 4979
سمع البغوي، وابن صاعد، وغيرهما، انتقى عليه الدارقطني، وكان ثقة، توفي في ذي الحجة من هذه السنة.
٢٨٧١- البهلول بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول بن حسان، أبو القاسم التنوخي الأنباري
[١] ولد ببغداد سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، فسكنها وحدث بها، فروى عنه أبو القاسم التنوخي، وكان ينزل سكة بالمدينة، يعرف بسكة أبي العباس الطوسي، وتوفي في رجب هذه السنة.
٢٨٧٢- الحسين بن محمد بن الحسين أبو بكر المعروف: بابن المحاملي
[٢] .
سمع القاضي المحاملي، وابن عقدة، روى عنه الجوهري، وتوفي في شعبان هذه السنة.
٢٨٧٣- حمدون بن أحمد بن سلم، أبو جعفر السمسار، وهو ابن بنت سعدويه [٣] الواسطي .
روى عن جماعة، وروى عنه أبو بكر الشافعي [٤] ، ذكره الدارقطني فقال: لا بأس به، وتوفي في صفر هذه السنة.
٢٨٧٤- طلحة بن محمد بن جعفر، أبو القاسم الشاهد من قدماء أصحاب ابن مجاهد
[٥] .
ولد سنة إحدى وتسعين ومائتين، وشهد عند أبي السائب القاضي، وكان مقدما في وقته على الشهود، وحدث عن البغوي، وغيره، وكان يذهب إلى الاعتزال، توفي في شوال هذه السنة.
стр. 4980
٢٨٧٥- عبد الله بن محمد بن أحمد بن عقبة، أبو محمد القاضي
[١] .
سمع أبا بكر النيسابوري، وروى عنه أبو القاسم الأزهري، وكان ثقة مأمونا ذا هيئة. وتوفي يوم الجمعة وقت طلوع الشمس، وأخرجت جنازته قبل الصلاة، وذلك في سادس عشر ربيع الأول من هذه السنة.
٢٨٧٦- عَبْد اللَّهِ [٢] بن محمد بن أحمد، أبو القاسم التوزي [٣] .
حدث عن البغوي، وروى عنه الأزهري، وكان ثقة وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة.
٢٨٧٧- عبيد الله بن عبد الله بن محمد أبو القاسم السرخسي التاجر
[٤] .
روى عن المحاملي، وابن مخلد، وانتقل إلى بخارى فأقام بها إلى أن توفي في رجب هذه السنة، وكان ثقة.
٢٨٧٨- عبد الواحد بن محمد بن الحسن بن شاذان أبو القاسم [٥] .
سمع البغوي، وكان ثقة، توفي فجأة وهو يُصَلِّي فِي ربيع الآخر [٦] [في هذه السنة] .
٢٨٧٩-[علي بن عمرو، الحريري
[٧] .
حدث عن أبي عروبة وكان ثقة، توفي فجأة وهو يُصَلِّي فِي ربيع الآخر] .
٢٨٨٠- محمد بن إبراهيم بن حمدان بن إبراهيم [بن] [٨] يونس بن نيطرا [٩] ، أبو بكر، قاضي دير العاقول
[١٠] .
стр. 4981
حدّث ببغداد عن جده حمدان [١] ، وعن البغوي، وابن صاعد، وغيرهما.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: حدثنا عنه الأزهري والتنوخي وسألتهما عنه فقالا: ثقة، وحدثني الأزهري قال: جاءنا الخبر من دير العاقول أن ابن نيطرا توفي في ربيع الآخر [من هذه السنة أعني] [٢] سنة ثمانين وثلاثمائة.
٢٨٨١- يعقوب بن يوسف، أبو الفرج وزير صاحب مصر، الملقب بالعزيز
[٣] .
كان عالي الهمة، عظيم الهيبة، ناصحا لصاحبه، فوض الأمر إليه، فلما مرض ركب إليه صاحب مصر عائدا فقال: يا يعقوب، وددت أن تباع فابتاعك بملكي، أو تفدى فأفديك، فهل من حاجة توصي بها فبكى يعقوب وقبل يده، ووضعها على عينه وقال: أما فيما يخصني فلا، فإنك أرعى لحقي من أن استرعيك، وأرأف بمخلفي من [أن] أوصيك، ولكن فيما يتعلق بدولتك [سالم الروم ما سالموك] ، واقنع من الحمدانية بالدعوة والسكة، ولا تبق على المفرج بن دغفل الخراج [٤] متى أمكنت فيه الفرصة. ثم توفي، فأمر صاحب مصر أن يدفن في قصره في قبة كان بناها لنفسه، وحضر جنازته فصلى عليه وألحده بيده وحزن عليه، وأغلق ديوانه أياما.
стр. 4982
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أن أبا الحسين محمد ابن قاضي القضاة أبي محمد عبيد الله بن أحمد بن معروف، قلد ما كان إلى أبي بكر بن صير من الأعمال، وقرئ عهده على ذلك بحضرة أبيه في داره الشطانية بمشهد من الأشراف، والقضاة، والفقهاء، والوجوه.
[قبض على الطائع في داره]
وفي يوم السبت تاسع عشر رمضان: قبض على الطائع في داره، وكان السبب أن أبا الحسن بن المعلم، وكان من خواص بهاء الدولة، ركب إلى الطائع ووصى وقت دخوله أن لا يمنع أحدا من الحجاب، ثم سار بهاء الدولة في الجيش، فدخل وقد جلس الطائع في صدر الرواق من دار السلام، متقلدا سيفا، فلما قرب منه بهاء الدولة، قبل الأرض وطرح له كرسي، فجلس عليه، [وتقدم] أصحاب بهاء الدولة فجذبوا الطائع بحمائل سيفه من سريره وتكاثر الديلم فلف في كساء وحمل إلى بعض الزبازب، وأصعد به إلى الخزانة في دار المملكة، [واختلط الناس] وقدر أكثر الجيش [١] ومن ليس عنده علم بهذا الأمر أن القبض على بهاء الدولة، وتشاغلوا بالنهب وأخذ ثياب من حضر من الأشراف والشهود، وقبض على أبي الحسن علي بن عبد العزيز ابن حاجب النعمان في آخرين، إلى أن قرر عليهم مال فاستوفي منهم، واحتيط على الحجر والخزائن والخدم والحواشي، وخرست الأخت زوجة الطائع، وانصرف بهاء الدولة إلى داره، وأظهر أمر القادر باللَّه، ونودي بذلك في الأسواق [٢] ، وكتب إلى الطائع كتاب بخلع نفسه
стр. 4983
وتسليمه الأمر إلى القادر باللَّه، وشهد عليه الأشراف والقضاة، وذلك في يوم الأحد ثاني يوم القبض، وأنفذ إلى القادر وأذن الطائع والكتاب عليه بخلعه نفسه، وتسليمه الأمر إلى [القادر باللَّه] ، وحث على المبادرة، وشغب الديلم والأتراك يطالبون برسم البيعة، وخرجوا إلى قبر النذور، وترددت الرسل بينهم وبين بهاء الدولة، ومنعوا من الخطبة باسم القادر [في] يوم الجمعة لخمس بقين من الشهر، فقيل: اللَّهمّ أصلح عبدك وخليفتك القادر باللَّه، ولم يسم، ثم أرضى الوجوه والأكابر، ووقع السكون، وأخذت البيعة على الجماعة، واتفقت الكلمة على الرضا والطاعة، وأقيمت الخطبة في يوم الجمعة الثالث من رمضان باسم القادر، وحول من دار الخلافة جميع ما كان فيها من المال والثياب، والأواني، والمصاغ، والفروش، والآلات، والعدد، والسلاح، والخدم، والجواري، والدواب، والرصاص، والرخام، والخشب الساج [١] والتماثيل، وطاف بهاء الدولة دار الخلافة مجلسا مجلسا، واستقراها موضعا موضعا، وانتخب للخاصة والعامة، فدخلوها وشعثوا ابنيتها، وقلعوا من أبوابها وشبابيكها، ثم منعوا بعد ذلك، وقام مهذب الدولة أبو الحسن علي بن نصر الذي كان القادر هرب إليه بالبطائح بتجهيزه، وحمل إليه من المال، والفروش، والآلات أكثر شيء وأحسنه، وأعطاه طيارًا كان بناه لنفسه، وشيعه، فلما وصل إلى واسط اجتمع الجند وطالبوه [برسم] البيعة، ومنعوه من الصعود، إلا بعد إطلاق مالها، وجرت معهم خطوب انتهت إلى أن وعدوا بإجرائهم مجرى البغداديين فما يتقرر عليه أمورهم، فرفضوا وسار وكان مقامه بالبطيحة منذ حصل فيها إلى أن خرج عنها سنتين واحد عشر شهرا وقيل: سنتين وأربعة أشهر وأحد عشر يومًا إلى اليوم الذي خَرَجَ منها.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، أخبرنا محمد بن أبي نصر الحميدي، أخبرنا أبو الحسن محمد بن هلال بن المحسن قال: أخبرني أبي قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الحسين مُحَمَّد بْن الْحَسَن بن محفوظ قال: حدثني الوزير أبو العباس عيسى بن ماسرجس قال:
حدثني أبو القاسم هبة الله بن عيسى كاتب مهذب الدولة قال: لما ورد القادر باللَّه البطيحة وأقام عندنا كنت أغشاه يومين في كل أسبوع كالنوبة في خدمته، فإذا حضرت
стр. 4984
تناهى في الإناء لي والإخفاء بي، والرفع من مجلسي، والزيادة في بسطي، وأجتهد في تقبيل يده فيمنعنيها ولا يمكنني منها، فاتفق أن دخلت إليه يوما على رسمي فوجدته متأهبا تأهبا لم أعرف سببه، ولا جرت له به عادة، ولم أر منه ما عودنيه من الإكرام والرفع من مجلسي والإقبال عليَّ والبسط، وجلست دون موضعي، فما أنكر ذلك مني، ورمت تقبيل يده، فمدها إليَّ، وشاهدت من أمره وفعله ما اشتد وجومي له، واختلفت في الظنون فيه، وقلت له عند رؤيتي ما رأيته، وإنكاري ما أنكرته، أيؤذن لي في الكلام؟
قال: قل. قلت: أرى اليوم من الانقباض عني ما قد أوحشني، وخفت أن يكون لزلة كانت مني، فإن يكن ذلك فمن حكم التفضيل إشعاري به لأطلب بالعذر مخرجا منه، وأستعين بالأخلاق الشريفة في العفو عنه، فأجابني بوقار: اسمع أخبرك، رأيت البارحة في منامي كأن نهركم هذا- وأومأ إلى نهر الصليق- قد اتسع حتى صار في عرض دجلة دفعات، وكأنني متعجب من ذلك، وسرت على ضفتيه، متأملا لأمره ومستظرفا لعظمه، فرأيت دستاهيج قنطرة فقلت: ترى من قد حدث نفسه بعمل قنطرة في هذا الموضع، وعلى هذا البحر الكبير وصعدته، وكان وثيقا محكما، ومددت عيني فإذا بإزائه مثله، فزال عني الشك في أنهما دستاهيج قنطرة، وأقبلت أصعد وأصوب في التعجب، وبينا أنا واقف عليه رأيت شخصا قد قابلني من ذلك الجانب [الآخر وناداني] وَقَالَ: يا أحمد تريد أن تعبر؟ قلت: نعم فمد يده حتى وصلت إليَّ وأخذني وعبرني، فهالني أمره [وفعله] وقلت له: وقد تعاظمني فعله من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب، وهذا الأمر صائر إليك ويطول عمرك فيه، فأحسن في ولدي، وشيعتي، فما انتهي الخليفة إلى هذا المكان حتى سمعنا صياح الفلاحين وضجيج ناس، فسألنا عن ذلك فقيل ورد أبو علي الحسن بن محمد بن نصر ومعه جماعة، وإذا هم الواردون للإصعاد به، وقد تقررت الخلافة له، وأنفذ معهم قطعة من أذن الطائع للَّه، فعاودت تقبيل يده ورجله، وخاطبته بإمرة أمير المؤمنين، وبايعته وكان من إصعاده وإصعادي معه ما كان قال هلال:
وجدت كتابا كتبه القادر باللَّه من الصليق إلى بهاء الدولة نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله أحمد الإمام القادر باللَّه أمير المؤمنين إلى بهاء الدولة وضياء الملة أبي نصر بن عضد الدولة وتاج الملة مولي أمير المؤمنين، سلام
стр. 4985
اللَّه عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا اله إلا هو، ويسأله أن يصلي على سيدنا محمد عبده ورسوله ﷺ تسليمًا أما بعد: أطال الله بقاءك وأدام عزك وتأييدك، وأحسن إمتاع أمير المؤمنين بك وبالنعمة فيك وعندك، فإن كتابك الوارد في صحبة الحسن بن محمد بن نصر رعاه الله عرض على أمير المؤمنين تاليا لما تقدمه، وشافعا ما سبقه ومتضمنا مثل ما حواه الكتاب قبله من إجماع المسلمين قبلك الخاص، والعام، بمشهد منك على خلع العاصي المتلقب بالطائع عن الإمامة، ونزعه عن منصب الخلافة لبوائقه المستمرة، وسوء نيته المدخولة، وإشهاده على نفسه بنكوله وعجزه، وإبرائه الكافة من بيعته وخروجهم من عهده وذمته، ومبادرة الكبير والصغير إلى المبايعة لأمير المؤمنين، وإصفاقهم واتفاقهم عليها بانشراح في صدورهم، وانفساح من آمالهم، واستتباب ذلك بتلطفك من حسن الارتياد للمسلمين، وانتظامه بغضبك للَّه ولأمير المؤمنين، حتى ناديت بشعاره في الأفاق، وأقمت الدعوة للَّه في الأقطار، ورفعت من شأن الحق ما كان العاصي خفضه، وقمت من عماد الدين ما كان المخلوع رفضه ووقف أمير المؤمنين على ذلك كله، وأحاط علمه بجميعه ووجدك، أدام الله تأييدك، قد انفردت بهذه المأثرة، واستحققت بها من الله تعالى جليل الأثرة، ومن أمير المؤمنين سني المنزلة، وعلى المرتبة، وكانت هذه المنزلة عليك موقوفة، كما كانت الظنون فيها إليك مصروفة، حتى فزت بها بما يبقي لك في الدنيا ذكره وفخره، وفي الآخرة ثوابه وأجره، فأحسن الله عن هذه الأفعال مكافأتك، وأجزل عاجلا وآجلا مجازاتك، وشملك من توفيقه وتسديده ومعونته وتأييده، بما يديم نصر أمير المؤمنين بك وظفره على يدك، وجعلك ابدا مخصوصا بفضل السابقة في ولائه، متوحدا بتقدم القدم في أصفائه، فقد أصبحت وأمسيت سيف أمير المؤمنين لأعدائه، والحاظي دون غيرك بجميل رأيك، والمستبد بحماية حوزته، ورعاية رعيته، والسفارة بينه وبين ودائع الله عنده، وقد برزت راية أمير المؤمنين عن الصليق متوجهة نحو سريره الذي حرسته، ومستقر عزه الذي شيدته، ودار مملكته التي أنت عمادها، ورحى دولته التي أنت قطبها معتقدا لك ما يعتقد في المخلص طاعة ومشايعة، والمهذب نية وطوية من صنوف الاختصاص الذي لا يضرب معك فيه بسهم دان ولا قاص، وتوفي على كل سالف، ويفوت
стр. 4986
كل أنف، ويعجز كل مناو، ويفحم كل مسام ومساو، ولا يبقي أحد إلا علم أنه منزاح عنك، غير متواز لك فأحببت لمحلك وقصر خطأه عن مجازاتك، ووقع دون موقعك، وتزحزح لك عن موضعك، وقد وجد أمير المؤمنين الحسن بن محمد بن نصر كلأه الله مصدقا بفعله وصفك محققا ثناءك، مستوجبا لما أهلته ورشحته للقيام به من المسير فِي خدمته، والحقوق فيما يبديه له، وعلم أمير المؤمنين انك لم تتلقه، إلا بأوثق خواصك في نفسك، وأوفرهم عندك فاحمد في ذلك اعتمادك، وإضافة إلى سوالف أمثاله منك، فاعلم ذلك أدام الله تأييدك، وأجر على عادتك الحسناء وطريقتك المثلى في النيابة تبقي، وواصل حضرة أمير المؤمنين بالإنهاء، والمطالعة إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وكتب ليلة الأحد لثلاث ليال بقين من شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة
[١] .
стр. 4987
باب ذكر خلافة القادر باللَّه
واسمه: أحمد بن إسحاق بن المقتدر، ويكنى: أبا العباس، واسم أمه تمني مولاة عبد الواحد بن المقتدر، وكانت من أهل الدين.
ولد في يوم الثلاثاء التاسع من ربيع الأول سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وتقلد الخلافة بعد أن قبض الطائع للَّه وخلع، وكان القادر حسن الطريقة، كثير المعروف، مائلا إلى الخير والتدين، ولما رحل القادر عن البطيحة، فوصل إلى جبل في عشار رمضان، وانحدر بهاء الدولة، ووجوه الأولياء وأماثل الناس لاستقباله، فدخل دار الخلافة ليلة الأحد ثاني عشر رمضان سنة إحدى وثمانين، وجلس من الغد جلوسا عاما، وهنئ وأنشد بين يديه المديح، ومما أنشد بَيْنَ يَدَيِهِ فِي ذلك اليوم قصيدة الرضى التي أولها:
شرف الخلافة يا بني العباسِ ... اليوم جدَّدهُ أبو العباس
ذا الطود أبقاه الزمان ذخيرة ... من ذلك الجبل العظيم الراسي
وحمل إلى القادر بعض الفروش، والآلات المأخوذة من الطائع، واستكتب له [أبو] الفضل محمد بن أحمد الديلميّ، وجعل الأستاذ الدار عبد الواحد بن الحسين الشيرازي، وفي يوم الخميس لتسع بقين من شوال جمع الأشراف والقضاة والشهود في مجلس القادر، حتى سمعوا يمينه لبهاء الدولة بالوفاء، وخلوص النية ولفظه بتقليده ما
стр. 4988
وراء بابه مما تقام فيه الدعوة، وذلك بعد أن حلف له بهاء الدولة على صدقه والطاعة والقيام بشروط البيعة.
ذكر طرف من سيرة القادر [باللَّه]
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: رأيت القادر دفعات، وكان ابيض حسن الجسم، كث اللحية طويلها، يخضب، وكان من أهل الستر، والديانة، وإدامة التهجد بالليل، وكثرة البر والصدقات على صفة اشتهرت عنه، وعرف بها عند كل أحد مع حسن المذهب وصحة الاعتقاد وكان صنف كتابا فيه [الأصول ذكر فيه] فضائل الصحابة على ترتيب [مذهب] أصحاب الحديث، واورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز، وأفكار المعتزلة، والقائلين بخلق القرآن، وكان الكتاب يقرأ [في] كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي ويحضر الناس سماعه. ذكر محمد بن عبد الملك الهمداني أن القادر باللَّه كان يلبس زي العوام ويقصد الأماكن المعروفة بالبركة، كقبر معروف وتربة ابن بشار.
وقال الحسين بن هارون القاضي كان بالكرخ يتيم لم يثبت رشده وله دكان كثير النعمة، وأمرني ابن حاجب النعمان أن أفك الحجر عنه ليبتاع صاحب له الدكان منه، فلم أفعل، فأنفده يستدعيني فقلت لغلامه! تقدمني حتى أعبر، ففعل فجئت إلى قبر معروف فدعوت الله أن يكفيني أمره وجئت إلى قبر ابن بشار، ففعلت ذلك، فرأني شيخ فقال أيها القاضي، على من تدعو فقلت على ابن حاجب النعمان، أمرني بكذا وكذا فأمسك الشيخ [عني] وعبرت إلى ابن حاجب النعمان، فجعل يخاطبني خطابا غليظا في فك الحجر عن الصبي، ولا يقبل مني عذرًا وإذا قد أتاه خادم بتوقيع، ففتحه وقرأه وتغير لونه ثم عدل من الغلظة إلى الاعتذار، وقال: كتبت إلى الخليفة قصة؟ فقلت: لا. فعلمت أن الشيخ كان القادر باللَّه، وأنه عبر إلى داره فوقع إليه بما أوجب اعتذاره قال: وكان القادر يوصل الرسوم في كل سنة إلى أربابها من غير أن يكتب أحد منهم قصة، فإن كان أحد منهم قد مات، أعيد ما يخصه إلى ورثته، وبعث يوما إلى ابن القزويني الزاهد ليسأله أن ينفذ إليه من طعامه الذي يأكله. قال ابن الهمذاني: فأنفذ ابن القزويني طبقا
стр. 4989
من الخلاف، فيه غضائر لطاف، فيها باذنجان مقلو وخل وباقلاء ودبس وعلى ذلك رغيفان من خبز البيت، وشدد ذلك في مئزر قطن فتناول الخليفة من كل لون منه وفرق الباقي، وبعث إلى ابن القزويني مائتي دينار فلما كان بعد أيام، أنفذ الخليفة إليه بالفراش يلتمس من ابن القزويني إنفاذ شيء من إفطاره، فأنفذ طبقا جديدا وفيه زبادى جياد وفيها فراريج وقطعة فالوذج وخبز سميذ ودجاجة مشوية، وقد غطى ذلك بفوطة جديدة فلما وصل ذلك إلى الخليفة، تعجب وقال: قد كلفنا الرجل ما لم تجر به عادته فانفذ إليه، لم يكن بك حاجة إلى الكلفة، فقال: ما تكلفت، وإنما اعتمدت ما أمرني الله به إذا وسع [الله] عليَّ وسعت على نفسي، وإذا ضيق ضيقت، وقد كان من إنعام أمير المؤمنين ما عدت به على نفسي وجيراني، فتعجب القادر باللَّه من دينه وعقله ولم يزل يواصله بالعطاء، وكان القادر يقسم الطعام الذي يهيأ لإفطاره ثلاثة أقسام، فقسم يتركه بين يديه، وقسم يحمل إلى جامع الرصافة، وقسم إلى جامع المدينة، فيفرق على المجاورين، فاتفق أن الفراش حمل إلى جامع المدينة جونة فيها طعام، ففرقه على المنقطعين [١] فأخذوا إلا شابا فإنه رد ذلك فلما صلوا صلاة المغرب صلى الفراش معهم، فرأي ذلك الشاب، قد خرج من الجامع فتبعه فوقف على باب فاستطعم فأطعموه كسيرات، فأخذها وعاد إلى الجامع فتعلق به الفراش، وقال: ويحك ألا تستحي، ينفذ إليك خليفة الله في أرضه بطعام حلال فترده وتخرج فتستطعم من الأبواب، فقال: والله ما رددته، إلا لأنك عرضته عليَّ قبل الإفطار وكنت غير محتاج إليه حينئذ، فلما جاء وقت الإفطار استطعمت عند الحاجة فعاد الفراش، فأخبر القادر فبكى، وقال له: راع مثل هذا واغتنم أجره وأقم إلى وقت الإفطار وادفع إليه ما يفطر عليه.
حدثنا إبراهيم بن دينار الفقيه: قال: حدثني أبو سعيد عبد الوهاب بن حمزة بإسناد له، عن أبي الحسن الأبهري قال: بعثني بهاء الدولة من الأهواز في رسالة إلى القادر باللَّه فلما أذن لي في الدخول عليه سمعته ينشد هذه الأبيات:
سبق القضاء بكل ما هو كائن ... والله يا هذا لرزقك ضامن
стр. 4990
تغني بما تكفى وتترك ما به ... تعيا كأنك للحوادث آمن
أوما ترى الدنيا ومصرع أهلها ... فاعمل ليوم فراقها يا خائن
واعلم بانك لا أبا لك في الذي ... أصبحت تجمعه لغيرك خازن
يا عامر الدنيا أتعمر منزلا ... لم يبق فيه مع المنية ساكن
الموت شيء أنت تعلم أنه ... حق وأنت بذكره متهاون
إن المنية لا تؤامر من أتت ... في نفسه يوما ولا تستأذن
فقلت: الحمد للَّه الذي وفق أمير المؤمنين لانشاد [مثل] هذه الأبيات وتدبر معانيها والعمل بمضمونها، فقال: يا أبا الحسن بل للَّه المنة علينا إذ ألهمنا بذكره ووفقنا لشكره ألم تسمع إلى قول الحسن البصري، وقد ذكر عنده بعض أهل المعاصي فقال:
هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم، وفي ذي القعدة لقب القادر باللَّه بهاء الدولة بغياث الأمة، وخطب له بذلك على المنابر مضافا إلى ألقابه.
ونقل بهاء الدولة أخته زوجة الطائع للَّه إلى دار بمشرعة الصخر وأقام لها إقامات كافية، وأقطعها إقطاعات، فلم تزل كذلك حتى ماتت.
وفي يوم الثاني عشر من ذي الحجة وهو يوم الغدير جرت فتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة، واستظهر أهل باب البصرة وخرقوا أعلام السلطان، فقتل يومئذ جماعة اتهموا بفعل ذلك، وصلبوا على القنطرة فقامت الهيبة وارتدعوا.
وفي هذه السنة حج بالناس أبو الحسن محمد بن الحسن بن يحيى العلوي، وكذلك سنة اثنتين وثلاث، وكان أمير مكة أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوي، فاتفق أن أبا القاسم بن المغربي حضر عند حسان ابن المفرج بن الجراح الطائي، فحمله على مباينة العزيز صاحب مصر وقال: لا مغمز في نسب أبي الفتوح والصواب أن تنصبه إماما فوافقه، ومضى المغربي إلى مكة فأطمع أبا الفتوح في الملك وسهل عليه الأمر، فأصغى إلى قوله، وبايعه شيوخ الحسنيين، وحسن له أبو القاسم المغربي أن أخذ قبلة البيت وما فيه من فضة وضربه دراهم، فاتفق انه مات بجدة رجل يعرف بالمطوعي، وعنده أموال للهند والصين،
стр. 4991
وخلف مالا عظيما فأوصى لأبي الفتوح بمائة ألف دينار ليصون بها تركته والودائع التي عنده، فحمله المغربي على الاستيلاء على التركة، فخطب لنفسه بمكة، وتسمى بالراشد باللَّه وصار لاحقا بآل الجراح، فلما قرب من الرملة تلقاه العرب وقبلوا الأرض بين يديه وسلموا عليه بأمير المؤمنين، ولقيهم راكبا على فرس، متقلدا سيفا زعم أنه ذو الفقار وفي يده قضيب ذكر أنه قضيب رسول الله ﷺ ، وحوله جماعة من بني عمه وبين يديه ألف عبد أسود، فنزل الرملة ونادى بإيصاء العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فبلغ العزيز هذا فانزعج، وكتب إلى حسان ملطفات وبذل له بذولا كثيرة، وآل المفرج واستمال آل الجراح كلهم، وحمل إلى أولاد المفرج أموالا جزيلة حتى فلهما عن ذلك الجمع، وكتب إلى ابن عم أبي الفتوح فولاه الحرمين وأنفذ له ولشيوخ بني حسن مالا، وكان حسان قد أنفذ والدته إلى مصر بتذكرة تتضمن أعراضا له، وسأل في جملتها أن يهدي له جارية من إماء القصر فأجابه الحاكم إلى ما سأل، وبعث إليه خمسين ألف دينار، وأهدى له جارية جهزها بمال عظيم، فعادت والدته بالرغائب له ولأبيه [فسر بذلك وأظهر طاعة العزيز ولبس خلعة وعرف أبو الفتوح الحال فأيس معها من نفسه وركب] [١] إلى المفرج مستجيرا به وقال إنما فارقت نعمتي وأبديت للعزيز صفحتي سكونًا إلى ذمامك وأنا الآن خائف من غدر حسان، فأبلغني مأمني وسيرني إلى وطني فرده إلى مكة وكاتب العزيز [صاحب مصر] واعتذر إليه، فعذره.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٨٨٢- أحمد بن محمد بن الفضل بن جعفر بن محمد بن الجراح، أبو بكر الخزاز
[٢] :
روى عن جماعة منهم ابن دريد وابن الأنباري، وكان ثقة صدوقا، فاضلا، أديبا، كثير الكتب، ظاهر الثروة.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت الخطيب،
стр. 4992
حدثنا التنوخي قال: كان أبو بكر الجراح يقول: كتبي بعشرة آلاف درهم وجاريتي بعشرة آلاف درهم، وسلاحي بعشرة آلاف درهم، ودوابي بعشرة آلاف، درهم، قال التنوخي: وكان أحد الفرسان يلبس أداته ويركب فرسه ويخرج إلى الميدان، ويطارد الفرسان فيه، توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
٢٨٨٣- أحمد بن الحسين بن مهران أبو بكر المقرئ:
توفي في شوال هذه السنة، أنبأنا زاهر بْن طاهر، أَخْبَرَنَا أحمد بْن الحسين البيهقي، أنبأنا أبو عبد الله محمد بْن عبد الله الحافظ قال: توفي أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران المقرئ يوم الأربعاء سابع عشرين شوال سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وهو ابن ستة وثمانين سنة، وتوفي في ذلك اليوم أبو الحسن العامري صاحب الفلسفة قال: فحدثني عمر بن أحمد الزاهد قال سمعت الثقة من أصحابنا يذكر أنه رأي أبا بكر أحمد بن الحسين بن مهران في المنام في الليلة التي دفن فيها قال: فقلت له:
أيها الأستاذ ما فعل الله بك، فقال: إن الله أقام أبا الحسن العامري بإزائي وقال هذا فداؤك من النار.
٢٨٨٤- الحسين بن عمر بن عمران بن حبيش، أبو عبد الله الضراب، ويعرف: بابن الضرير:
ولد سنة تسع وتسعين ومائتين، فروى عن الباغندي، وروى عنه الأزهري، والتنوخي، وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة وكان ثقة.
٢٨٨٥- عبيد الله بن أحمد بن معروف، أبو محمد
[١] :
ولد سنة ست وثلاثمائة، وولي قضاء [القضاة] ببغداد، وحدث عن ابن صاعد وغيره، روى عنه الخلال، والأزهري، وأبو جعفر بن المسلمة، وكان من العلماء الثقات، العقلاء، الفطناء الألباء، وكان وسيم المنظر مليح الملبس. مهيبا عفيفا عن الأموال.
стр. 4993
أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا الخطيب قال: سمعت أبا القاسم التنوخي يقول:
كان الصاحب أبو القاسم بن عباد يقول: كنت أشتهي [أن] أدخل بغداد وأشاهد جراءة محمد بن عمر العلوي، وتنسك أبي أحمد الموسوي، وظرف أبي محمد بن معروف.
أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا العتيقي قال: كان لأبي محمد بن معروف في كل سنة مجلسان يجلس فيهما للحديث، أول يوم المحرم، وأول يوم من رجب، ولم يكن له سماع كثير، وكان مجردا في مذهب الاعتزال وكان عفيفا نزها في القضاء لم ير مثله في عفته ونزاهته.
توفي في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وصلى عليه في داره أبو أحمد الموسوي وكبر عليه خمسا ثم حمل إلى جامع المنصور، وصلى عليه ابنه وكبر عليه أربعا، ثم حمل إلى داره على شاطئ دجلة فدفن فيها.
٢٨٨٦- عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عبيد الله بن سعد بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أبو الفضل الزهري
[١] :
ولد سنة تسعين ومائتين وسمع جعفر بن محمد الفريابي، وأبا القاسم وخلقا كثيرا، روى عنه البرقاني، والخلال، والأزهري، وكان ثقة من الصالحين، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ مُحَمَّدٍ] أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي [أخبرنا] العتيقي قال: سمعت أبا الفضل الزهري يقول: حضرت مجلس جعفر بن محمد الفريابي وفيه عشرة آلاف رجل فلم يبق غيري وجعل يبكي.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت، أخبرنا التنوخي قَالَ: سأل أبي أبا الحسن الدارقطني وأنا اسمع عن أبي الفضل الزهري فقال: هو ثقة صدوق [صاحب كتاب] وليس بينه وبين عبد الرحمن بن عوف إلا من قد روى عنه الحديث.
[ثم قال الخطيب] حدثنا الصوري قال: حدثني بعض الشيوخ أنه حضر مجلس القاضي أبي محمد بن معروف يوما، فدخل أبو الفضل الزهري، وكان أبو الحسين بن
стр. 4994
المظفر حاضرا فقام عن مكانه وأجلس أبا الفضل فيه، ولم يكن ابن معروف يعرف أبا الفضل، فاقبل عليه ابن المظفر فقال: أيها القاضي هذا الشيخ من ولد عبد الرحمن بن عوف، وهو محدث وآباؤه كلهم محدثون إلى عبد الرحمن بن عوف، ثم قال ابن المظفر: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن سعد الزهري والد هذا الشيخ، وحدثنا فلان عن أبيه محمد بن عبيد الله، وحدثنا فلان عن جده عبيد الله، بن سعد ولم يزل يروي لكل واحد من آباء أبي الفضل حديثا حتى انتهي إلى عبد الرحمن بن عوف.
توفي أبو الفضل في ربيع الأخر من هذه السنة.
٢٨٨٧- يحيى بن مُحَمَّد بن الروزبهان، أبو زكريا يعرف بالدنبائي
[١] .
جد عبيد اللَّه بْن أَحْمَد بْن عُثْمَان الصَّيْرفيّ لأمه من أهل واسط.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت قال: حدثنا عنه ابن بنته أبو القاسم الأزهري قال: سمعته يقول: ما رفعت ذيلي على حرام قط.
стр. 4995
ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أن أبا الحسن علي بن محمد الكوكبي المعلم كان قد استولى على أمور السلطان كلها، ومنع أهل الكرخ وباب الطاق من النوح في عاشوراء وتعليق المسوح، ووقع من قبله أيضا بإسقاط جميع من قبل من الشهود بعد وفاة أبي محمد بن معروف، وأن لا يقبل في الشهادة إلا من كان ارتضاه. وكان [السبب في هذا أنه لما توفي ابن معروف كثر قبول الشهود بالبذل والشفاعات حتى بلغت] عدة الشهود ثلاثمائة وثلاثة أنفس، فقيل لأبي الحسن متى تكلمت في هذا حصل لك منهم جملة، فوقع بذلك ثم عاد ووقع بقبولهم في نصف صفر.
وفي هذا الشهر شرع أبو الحسن في حفر الأنهار المخترقة لأسواق الكرخ وما يتصل به، وجبي من أرباب العقار مالا جزيلا.
[شغب الديلم والأتراك]
وفي يوم الاثنين لعشر بقين من جمادى الآخرة شغب الديلم والأتراك وخرجوا بالخيم إلى باب الشماسية، وراسلوا بهاء الدولة بالشكوى من أبي الحسن بن المعلم وتعديد ما يعاملهم به وطالبوه بتسليمه إليهم وكان أبو الحسن قد استولى [على الأمور] والمقرب من قربه والمبعد من أبعده، فثقل على كبار الجند أمره وقصر هو في مراعاة أمورهم وانضاف إلى ذلك ما يعامل به الديلم فضجوا وخرجوا فأجابهم السلطان بالتلطف ووعدهم بإزالة ما شكوه، وأن يقتصر بأبي الحسن ابن المعلم على خدمته في خاصه ويتولي هو النظر في أمورهم والقيام بتدبيرهم. فأعادوا الرسالة بأنهم لا يقنعون
стр. 4996
بهذا القول ولا يرضون إلا بتسليمه. فأعاد الجواب بأنه يبعده عن مملكته إلى حيث يكون فيه مبقيا على مهجته راعيا لحقوق خدمته وقال ما يحسن في أن أسلمه للقتل، وقد طالت صحبته [لي] وإذا كفيتكم أمره فقد بلغتم مرادكم. فكانت الرسالة الثالثة التوعد بالانحدار [والمسير] إلى شيراز. وقال بكران لبهاء الدولة، وهو كان المتوسط ما بينه وبين العسكر: أيها الملك إن الأمر على خلاف ما تقدره فاختر بين بقاء أبي الحسن أو بقاء دولتك، فقبض عليه حينئذ وعلى أصحابه، وأخذ ما كان في داره من مال وثياب وجوار وغلمان وأقام الجند على أنهم لا يرجعون من مخيمهم إلا بتسليمه. فركب إليهم يوم الخميس لسبع بقين من الشهر ليسألهم الدخول والاقتصار على ما فعله به من القبض والاعتقال فلم يقم منهم أحد إليه ولا خدمه، وعاد وقد أقاموا على المطالبة به وترك الرجوع إلا [بعد] تسليمه فسلم إلى أبي حرب شيرزيل وهو خال بهاء الدولة فَسُقِيَ السم دفعتين فلم يعمل فيه فخنق بحبل الستارة ودفن بالمخرم.
وفي ليلة الا حد الثالث من رجب سلم المخلوع إلى القادر باللَّه فأنزله حجرة من حجر خاصته ووكل به من يحفظه من ثقات خدمه، وأحسن ضيافته ومراعاة أموره، وكان يطالب [من] زيادة الخدمة بمثل ما كان يطالب به أيام الخلافة فتزاح علله في جميع ما يطلبه، وأنه حمل إليه في بعض الأيام طيب من العطارين فقال: من هذا يتطيب أبو العباس؟ قالوا نعم، فقال: قولوا له في الموضع الفلاني من الدار كندوج فيه طيب مما كنت أستعمله، فانفذ لي بعضه، وقدم إليه يوما عدسية فقال ما هذا؟ قالوا عدس وسلق فقال: أو قد أكل أبو العباس من هذا؟ قالوا نعم فقال قولوا له لما أردت أن تأكل عدسية لم اختفيت أيام هذا الأمير؟ وما كانت العدسية تعوذك لو لم تتقلد الخلافة، فعند ذلك أمر القادر باللَّه أن تفرد له جارية من طباخاته تحضر له ما يلتمسه كل يوم، وقدم إليه في بعض الأيام تين في مراكز فرفسه برجله فقال ما تعودنا أن يقدم بين أيدينا مسلوج، وقدمت بين يديه في بعض الليالي شمعة قد احترق بعضها فأنكرها ودفعها إلى الفراش فحمل غيرها وكان على هذا الحال إلى أن توفي.
وكان بهاء الدولة قد قبض على وزيره أبي نصر سابور، ثم أطلقه فالتجأ إلى البطيحة، وأقام عند مهذب الدولة علي بن نصر خوفا من ابن المعلم إلى أن قبض بهاء
стр. 4997
الدولة على أبي القاسم علي بن أحمد الأبرقوهي الوزير، ثم استدعى أبا نصر سابور من البطيحة في سنة اثنتين وثمانين، وجمع بينه في الوزارة وبين أَبِي منصور بن صالحان، فخلع عليهما في يوم الأحد تاسع شعبان، وكانا يتناوبان في الوزارة.
وفي يوم الجمعة ثامن عشر شوال تجددت الفتنة في الكرخ فركب أبو الفتح محمد بن الحسن الحاجب وقتل وصلب فسكن البلد وقامت الهيبة.
وفي ليلة الاثنين لتسع بقين من شوال ولد الأمير أبو الفضل محمد بن القادر باللَّه وأمه أم ولد اسمها علم، وهو الذي جعل ولي العهد ولقب الغالب باللَّه.
وفي هذا الوقت غلب الأسعار وبيع الرطل من الخبز بأربعين درهم والحوزة بدرهم.
وفي ذي القعدة ورد صاحب الأصيفر الأعرابي وبذل الخدمة في تسيير الحجاج إلى مكة وحراستهم صادرين وواردين، وأعيد إقامة الخطبة للخليفة القادر من حد اليمامة والبحرين إلى الكوفة فقبل ذلك منه وحمل إلى خلعة ولواء.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر .
٢٨٨٨- إبراهيم بن عبد السلام بن محمد بن شاكر أبو إسحاق الوشاء .
حدث عن أبي كريب وغيره، روى عنه إسماعيل الخطبي، وأبو بكر الشافعي، والطبراني، وانتقل إلى مصر فحدث بها ومات هناك في هذه السنة.
٢٨٨٩- عبد الله بن عثمان بن محمد بن علي بن بنان أبو محمد الصفار .
سمع إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي والمحاملي وابن مخلد، روى عنه الأزهري والعتيقي والتنوخي وكان ثقة، وتوفي في محرم هذه السنة
[١] .
стр. 4998
٢٨٩٠- عمر بن أحمد بن هارون، أبو حفص المعروف بابن الآجري .
سمع أبا عمر القاضي وأبا بكر النيسابوري روى عنه الأزهري والخلال، وكان دينا ثقة أمينا صالحا، وتوفي في هذه السنة.
٢٨٩١- محمد بن العباس بن محمد بن زكريا بن يحيى [بن معاذ] أبو عمر الخزار المعروف بابن حيويه .
ولد في ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين، وسمع الباغندي والبغوي وابن صاعد وخلقا كثيرا وانتقى عليه الدارقطني، وكان ثقة دينا كثير السماع، كثير الكتابة للحديث، كتب الكتب الكبار بيده «كالطبقات» والمغازي، وغير ذلك، وكان ذا يقظة ومروءة، روى عنه البرقاني، والخلال، والتنوخي، والجوهري. وغيرهم.
وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة.
٢٨٩٢- محمد بن عبد الرحيم، أبو بكر المازني الكاتب .
حدث عن البغوي، وغيره، وكان ثقة مأمونا، توفي في ربيع الآخر من هذه السنة.
стр. 4999
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أن القادر باللَّه تقدم بعمارة مسجد الحربية وكسوته وإجرائه مجرى الجوامع في الصلاة.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الخطيب قال: ذكر لي هلال بن المحسن أن أبا بكر محمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي كان بنى مسجدا بالحربية في أيام المطيع للَّه ليكون جامعا يخطب فيها، فمنع المطيع من ذلك ومكث المسجد على تلك الحالة حتى استخلف القادر باللَّه فاستفتى الفقهاء في أمره فأجمعوا على جواز الصلاة فيه، فرسم أن يعمر ويكسى وينصب فيه منبر ورتب إماما يصلي فيه الجمعة وذلك في شهر ربيع الآخر في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة.
قال أبو بكر الخطيب: فأدركت صلاة الجمعة وهي تقام ببغداد في مسجد المدينة والرصافة، ومسجد دار الخلافة. ومسجد براثا ومسجد قطيعة أم جعفر ومسجد الحربية، ولم يزل على هذا إلى سنة إحدى وخمسين وأربعمائة ثم تعطلت في مسجد براثا فلم يصل فيه.
وفي يوم الأربعاء لأربع بقين من جمادى الأولي وقع الفراغ من الجسر الذي عمله
стр. 5000
بهاء الدولة في مشرعة القطانين بحضرة دار مؤنس، واجتاز عليه من الغد ماشيا وقد زين بالمطارد.
[شغب الديلم لأجل فساد النقد]
وفي يوم الجمعة الثاني عشر من جمادى الآخرة شغب الديلم شغبا شديدا لأجل فساد النقد وغلاء السعر وتأخر العطاء ومنعوا من الصلاة بجامع الرصافة، فلما كان بكرة السبت قصدوا دار أبي نصر سابور بباب خراسان، وهجموا فنهبوا وأفلت من بين أيديهم هاربا على السطوح، وثارت بذلك فتنة دخل فيها العامة ورجع الديلم فراسلوا بهاء الدولة بالتماس أبي نصر سابور وأبي الفرج محمد بن علي الخازن وكان ناظرا في خزانة المال ودار الضرب، وتردد القول معهم إلى أن وعدوا بالإطلاق وتغيير النقد.
[عقد للخليفة القادر باللَّه على سكينة بنت بهاء الدولة]
وفي يوم الخميس الثاني من ذي الحجة: عقد للخليفة القادر باللَّه على سكينة بنت بهاء الدولة بصداق مبلغه مائة ألف دينار، وكان الأملاك بحضرته، والولي الشريف أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي، وتوفيت قبل النقلة.
وفي هذا الشهر بلغ الكر الحنطة ستة آلاف درهم وستمائة درهم غياثية، والكارة الدقيق مائتين وستين درهما.
وفي هذه السنة ابتاع أبو نصر سابور بن أردشير دارًا في الكرخ بين السورين وعمرها وبيضها وسمَّاها: دار العلم، ووقفها على أهله، ونقل أليها كتبا كثيرة ابتاعها وجمعها وعمل لها فهرستا ورد النظر في أمورها ومراعاتها [والاحتياط عليها] إلى الشريفين أبي الحسين محمد بن الحسين بن أبي شيبة، وأبي عبد الله بن محمد بن أحمد الحسني، والقاضي أبي عبد الله الحسين بن هارون الضبي، وكلف الشيخ أبا بكر محمد بن موسى الخوارزمي فضل عناية بها.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر .
٢٨٩٣- أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن شاذان بن حرب بن مهران، أبو بكر البزاز
[١] .
стр. 5001
ولد في ربيع الأول سنة ثمان وتسعين ومائتين، وسمع البغوي وابن أبي داود وابن ساعد وابن دريد وخلقا كثيرا. وروى عنه الدارقطني، والبرقاني، والأزهري، والخلال وغيرهم، وكان ثقة ثبتا صحيح السماع كثير الحديث والكتب.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي قال: سمعت أبا القاسم التنوخي يقول: سئل ابن شاذان أسمعت من محمد بن محمد الباغندي شيئا؟ فقال:
لا أعلم أني سمعت منه شيئا ثم وجد سماعه من الباغندي، فسألوا أن يحدث به فلم يفعل توفي في شوال هذه السنة.
٢٨٩٤- جعفر بن محمد بن علي بن الحسين أبو محمد الطاهري، ينسب إلى طاهر بن الحسين .
حدث عن البغوي وابن صاعد، روى عنه العشاري، وكان ثقة ينزل شارع دار الرقيق توفي في شوال هذه السنة.
٢٨٩٥- طاهر بن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ البغدادي
[١] .
نزل نيسابور وحدث بها، روى عنه جماعة منهم: أبو عبد الله الحاكم، وكان من أظرف من رأينا من العراقيين، وأحسنهم كتابة، وأكثرهم فائدة، وتوفي فِي ربيع الأول من هذه السنة.
٢٨٩٦- علي بن القاسم بن الفضل بن شاذان أبو الحسين القاضي
ثقة، توفي [بالري] في رمضان هذه السنة.
٢٨٩٧- محمد بن إبراهيم بن سلمة أبو الحسين الكهيلي .
стр. 5002
حدث عن مطين، وكان سماعه صحيحا، ومضى على سداد، وأمر جميل، توفي بالكوفة فِي هذه السنة.
٢٨٩٨- مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ بن يحيى أبو بكر الدقاق المعروف بالصابوني .
كان ثقة مأمونا، توفي في شوال هذه السنة.
стр. 5003
ثم دخلت سنة أربع وثمانين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أن القاضي أبا محمد عبد الله بن محمد بن الأكفأني قبل شهادة أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي في المحرم، وشهادة أبي بكر بن الأخضر في رجب.
وفي صفر قبل القاضي أبو عبد الله الضبي، شهادة أبي العلاء محمد بن علي بن يعقوب الواسطي، وفيه قوي [أمر] العيارين، واتصل القتال بين أهل الكرخ وباب البصرة، وظهر العيار المعروف بعزيز من باب البصرة واستفحل أمره، والتحق به كثير من الذعار، وطرح النار في المحال، وطلب أصحاب الشرط ثم صالح أهل الكرخ، وقصد سوق التمارين، وطلب بضرائب الأمتعة وجبي ارتفاع الأسواق الباقية، وكاشف السلطان وأحد أصحابه ونادى فيهم، وكان ينزل إلى السفن فيطالب بالضرائب وأصحاب السلطان يرونه من الجانب الآخر فأمر السلطان بطلب العيارين فهربوا من بين يديه.
[صرف الرضي والمرتضى عن النقابة]
وفي ذي القعدة عزل أبو أحمد الموسوي، وصرف الرضي والمرتضى عن النقابة وكانا ينوبان عن أبيهما أبي أحمد.
وفي يوم الأربعاء رابع ذي الحجة ورد الخبر برجوع الحاج من الطريق، وكان السبب أنهم لما حصلوا بين زبالة والثعلبية اعترضهم الأصيفر الأعرابي ومنعهم الجواز وذكر أن الدنانير التي أعطيها عام أول كانت دراهم مطلية، وأنه لا يفرج لهم عن الطريق إلا بعد أن يعطوه رسمه لسنتين، وتردد الأمر إلى أن ضاق الوقت فعادوا، وكان الذي سار
стр. 5004
بهم أبو الحسن محمد بن الحسن العلوي، فعادوا ولم يحج في هذه السنة أيضا أهل الشام، واليمن، وإنما حج أهل مصر والمغرب خاصة.
وفي يوم السبت سابع ذي الحجة قبل أبو عبد الله شهادة أبي عبد الله بن المهتدي الخطيب.
وفي يوم الاثنين تاسع ذي الحجة قلد الشريف [أبو الحسن محمد بن علي بن أبي تمام الزينبي نقابة العباسيين وقرأ عهده أبو الفضل يوسف بن سليمان] بحضرة القادر باللَّه، وحضره القضاة، والشهود، والأشراف [والأكابر] .
وفي هذه السنة عقد لمهذب الدولة علي بن نصر علي بنت بهاء الدولة بن عضد الدولة، وعقد الأمير أبو منصور بن بهاء الدولة علي بنت مهذب الدولة علي بن نصر كل عقد منهما على صداق مبلغه مائة ألف دينار.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٨٩٩- الطيب بن يمن بن عبد الله، أبو القاسم مولي المعتضد باللَّه .
ولد سنة سبع وتسعين ومائتين، وسمع البغوي، روى عنه الصيمري، والجوهري، والتنوخي، والعتيقي، وقال: هو ثقة صحيح الأصول. توفي في رجب هذه السنة.
٢٩٠٠- عبيد الله بن محمد بن علي بن عبد الرحمن أبو محمد الكاتب المعروف: بابن الجرادي، مروزي الأصل .
حدث عن البغوي، وابن دريد، وابن الأنباري، روى عنه التنوخي، والعشاري وكان فاضلا صاحب كتب كثيرة، وتوفي في هذه السنة وقيل في السنة التي قبلها.
٢٩٠١- عبيد الله بن محمد بن نافع بن مكرم أبو العباس البستي الزاهد .
ورث عن آبائه أموالا كثيرة فأنفقها في الخير، وكان كثير التعبد، بقي سبعين سنة لا يستند إلى حائط ولا إلى غيره ولا يتكىء على وسادة وحج من نيسابور حافيا، راجلا، دخل الشام، والرملة، وأقام ببيت المقدس أشهرا، ثم خرج إلى مصر، وبلاد المغرب،
стр. 5005
ثم حج من المغرب وانصرف إلى بست فتصدق ببقية أملاكه، فلما مرض جعل يلتوي فقيل له ما هذا الوجع؟ فقال: أي وجع بين يدي أمور هائلة ولا أدري كيف أنجو، وتوفي في محرم هذه السنة وَهُوَ ابْن خمس وثمانين سنة، فلما مات رأي رجل في المنام رجلا من الموتى فقال له: من بالباب؟ فقال: ليس على الباب أجل من عبيد الله الزاهد ورأت امرأة من الزاهدات أمها في المنام قد تزينت ولبست أحسن الثياب فقالت لها ما السبب في هذا فقالت: لنا عيد إن عبيد الله الزاهد تقدم علينا.
٢٩٠٢- علي بن الحسين بن محمويه بن زيد أبو الحسن الصوفي .
سمع وحدث ولقي الزهاد الأكابر، وصحب أبا الخير الأقطع ثم لازم مسجد جده أبي علي بن زيد بنيسابور على التجريد إلى أن توفي في ذي الحجة من هذه السنة.
٢٩٠٣- علي بن القاضي أبي تمام الحسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن محمد بن القاسم الزينبي .
[كان] نقيب العباسيين، وصاحب الصلاة، وهو أول من جمع بين الصلاة والنقابة في سنة ثمانين وثلاثمائة، واستخلف له ابنه أبو الحسن الملقب بنظام الحضرتين بعد ذلك على الصلاة وخلع عليه. توفي في هذه السنة.
٢٩٠٤- علي بْن عيسى [بْن علي] بن عبد الله أبو الحسن النحوي المعروف بالرماني .
ولد سنة ست وتسعين ومائتين وحدث عن أبي دريد، وكانت له يد في النحو، واللغة والكلام، والمنطق، وله تفسير كبير، وشهد عند أبي محمد ابن معروف، روى عنه التنوخي، والجوهري، وتوفي في هذه السنة، ودفن بالشونيزية عند قبر أبي علي الفارسي، وتوفي عن ثمان وثمانين سنة.
٢٩٠٥- محمد بن العباس بن أحمد بن محمد بن الفرات أبو الحسن
[١] .
سمع محمد بن مخلد، وأبا الحسن المصري، وخلقا كثيرا، وكتب [الكتب الكثيرة وكان ثقة مأمونا.
стр. 5006
أخبرنا القزاز أَخْبَرَنَا أبو بكر الخطيب قَالَ كان أبو الحسن بن الفرات ثقة كتب الكتب الكثيرة] وجمع ما لم يجمعه أحد في وقته. قال: وبلغني أنه كان عنده عن علي بن محمد المصري وحده ألف جزء وأنه كتب مائة تفسير ومائة تاريخ ولم يخرج عنه إلا الشيء اليسير، حدثنا عنه إبراهيم بن عمر البرمكي وحدثني الأزهري قال: خلف ابن الفرات ثمانية عشر صندوقا مملوءة كتبا أكثرها بخطه سوى ما سرق من كتبه وكتابه هو الحجة في صحة النقل وجودة الضبط، وكان مولده في سنة بضع عشرة وثلاثمائة، ومكث يكتب الحديث من قبل سنة ثلاثين وثلاثمائة إلى أن مات، وكانت له جارية تعارضه بما يكتبه ومات في شوال سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
٢٩٠٦- محمد بن عمران بن موسى بن عبيد الله أبو عبيد الله الكاتب المعروف بالمرزباني .
حدث عن البغوي وابن دريد وابن الأنباري ونفطويه وغيرهم، روى عنه الصيمري والتنوخي والجوهري، وغيرهم، وكان صاحب أخبار ورواية للآداب، وصنف كتبا كثيرة مستحسنة في فنون، وكان أشياخه يحضرون عنده في داره [فيسمعهم ويسمع منهم] ، وكان عنده خمسون ما بين لحاف ودواج، معدة لأهل العلم الذين يبيتون عنده، وكان عضد الدولة يجتاز على داره فيقف ببابه حتى يخرج [إليه] فيسلم عليه وكان أبو علي الفارسي يقول: هو من محاسن الدنيا، وقد اختلفت فيه مشايخ المحدثين.
قال الأزهري: ما كان ثقة. وقال العتيقي كان ثقة.
قال المصنف ﵀ كانت آفته ثلاثا، الميل إلى التشيع [وإلى] الاعتزال، وتخليط المسموع [بالإجازة] وإلا فليس بداخل في الكذابين.
وتوفي في شوال هذه السنة عن ثمان وثمانين سنة وصلى عليه أبو بكر الخوارزمي ودفن بالجانب الشرقي.
٢٩٠٧- محمد بن عثمان بن عبيد الله بن الخطاب أبو الطيب الصيدلاني .
حدث عن البغوي وغيره، وكان ثقة مأمونا، توفي في ذي الحجة من هذه السنة
.
стр. 5007
٢٩٠٨- منصور بن ملاعب
حدث عن البغوي وغيره، وكان ثقة مأمونا، توفي في محرم هذه السنة.
٢٩٠٩- المحسن بن علي بن محمد بن أبي الفهم أبو علي التنوخي القاضي
[١] .
ولد بالبصرة، وسمع بها من جماعة ونزل بغداد فأقام بها، وحدث، وكان سماعه صحيحا، وكان أديبا شاعرا إخباريا.
أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب قال: حدثنا ابن المحسن بن علي قال: قال أبي مولدي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة بالبصرة قَالَ وكان مولده في ليلة الأحد لأربع بقين من ربيع الأول، وأول سماعه الحديث في سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وأول ما تقلد القضاء من قبل أبي السائب عتبة بن عبيد الله بالقصر وبسورا في سنة تسع وأربعين ثم ولاه المطيع للَّه القضاء بعسكر مكرم وأيذج ورامهرمز وتقلد بعد ذلك أعمالا كثيرة في نواح مختلفة، وتوفي ببغداد ليلة الاثنين لخمس بقين من المحرم سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
стр. 5008
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه عاد أبو القاسم علي بن أحمد الأبرقوهي من البطيحة إلى حضرة بهاء الدولة للوزارة، واستقر ذلك بوساطة مهذب الدولة علي بن نصر، بعد أن اشترط بهاء الدولة أن يمشي الأمر على يده، وإلا أعاده محروسا إلى البطيحة ثم أن أمره وقف وعاد إلى البطيحة، لأن جميع الحاشية تطابقت على فساد أمره فكاد بهاء الدولة [أن] يقبض عليه، فذكر الشريف أبو أحمد العهد المستقر بينه مع مهذب الدولة، وأن الغدر به مكاشفة، ولمهذب الدولة بالقبح ففسح في عوده مع الشريف أبي أحمد إلى البطيحة.
وحج بالناس هذه السنة أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عبيد الله العلوي، وكذلك في سنة ست وسبع وثمان، وبعث في السنة بدر بن حسنويه تسعة آلاف دينار، لتدفع [إلى] الأصيفر عوضا عما كان يأخذه من الحاج، وجعل ذلك رسما له من ماله وبعث ذلك له إلى سنة ثلاث وأربعمائة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٩١٠- إبراهيم بن محمد بن الفتح المصيصي ويعرف بالجليّ
[١] .
ولد بالمصيصة، وسكن بغداد، وحدث بها وكان حافظا، ضريرا، فروى عنه من
стр. 5009
أهلها أبو بكر البرقاني، والأزهري، وغيرهما، وكان ثقة صدوقا، وتوفي في هذه السنة ودفن بمقبرة الشونيزية.
٢٩١١- إسماعيل بن عباد، أبو القاسم ويلقب كافي الكفاة الصاحب
[١] .
وزر لمؤيد الدولة وقصده أبو الفتح ابن ذي الكفايتين، فأزاله عن الوزارة، ثم نصر عليه وعاد إلى الوزارة.
أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز، أَنْبَأَنَا عَلِي بْن المحسن التنوخي، عَنْ أَبِيهِ قال حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن سعيد النصيبي قال: كان أبو الفتح ابن الملقب بذي الكفايتين قد تداخله في بعض العشايا سرور، فاستدعى ندماءه وعبى لهم مجلسا عظيما بآلات الذهب والفضة، وفاخر الزجاج والصيني، والآلات الحسنة والطيب، والفاكهة الكثيرة، وأحضر المطرب وشرب بقية يومه، وعامة ليلته ثم عمل شعرا انشده ندماءه وغنى به في الحال وهو.
دعوت المنا ودعوت الطلا ... فلما أجابا دعوت القدح
وقلت لأيام شرخ الشباب ... إلي فهذا أوان الفرح
إذا بلغ المرء آماله ... فليس له بعدها مقترح
قال: وكان هذا بعد تدبيره على الصاحب أبي القاسم بن عباد، حتى ابعده عن كتبه صاحبة الأمير مؤيد الدولة وسيره عن حضرته بالري إلى أصفهان، وانفرد هو بتدبير الأمور لمؤيد الدولة كما كان لركن الدولة، فلما كان غنى الشعر [استطابه] وشرب عليه إلى أن سكر، ثم قال لغلمانه غطوا المجلس ولا تسقطوا شيئا منه لاصطبح في هَذِهِ الليلة وقال: لندمائه باكروني ولا تتأخروا، فقد اشتهيت الصبوح، وقام إلى بيت منامه، وانصرف الندماء فدعاه مؤيد الدولة في السحر، [فلم يشك أنه لمهم] فقبض عليه، وأنفذ إلى داره من أخذ جميع ما فيها، وتطاولت به النكبة حتى مات فيها ثم عاد ابن عباد إلى وزارة مؤيد الدولة، ثم وزر لأخيه فخر الدولة فبقي في الوزارة ثماني عشرة سنة وشهورا وفتح خمسين قلعة، سلمها إلى فخر الدولة لم يجتمع مثلها إلى أبيه وكان
стр. 5010
الصاحب عالما بفنون من العلوم كثيرة لم يقاربه في ذلك الوزير وله التصانيف الحسان، والنثر البالغ، وجمع كتبا عظيمة حتى كان يحتاج في نقلها على أربعمائة حمل، وكان يخالط العلماء، والأدباء ويقول لهم، نحن بالنهار سلطان وبالليل إخوان، وسمع الحديث وأملى، وروى أبو الحسن علي بن محمد الطبري المعروف بكيا قال: سمعت أبا الفضل زيد بن صالح الحنفي يقول: لما عزم الصاحب [إسماعيل بن عباد] على الإملاء وكان حينئذ في الوزارة، وخرج يوما متطلسا متحنكا بزي أهل العلم فقال، قد علمتم قدمي في العلم فأقروا له بذلك، فقال، وأنا متلبس بهذا الأمر وجميع ما انفقته من صغري إلى وقتي هذا من مال أبي وجدي ومع هذا فلا أخلو من تبعات اشهدوا عَلِيّ وأشهد الله وأشهدكم أني تائب الى الله تعالى من كل ذنب أذنبته، واتخذ لنفسه بيتا وسماه بيت التوبة، ولبث أسبوعا على ذلك ثم أخذ خطوط الفقهاء بصحة توبته، ثم خرج فقعد للإملاء وحضر الخلق الكثير وكان المستملي الواحد ينضاف إليه ستة كل يبلغ صاحبه، فكتب الناس حتى القاضي عبد الجبار وكان الصاحب ينفذ كل سنة إلى بغداد خمسة آلاف دينار تفرق في الفقهاء وأهل الأدب وكان لا تأخذه في الله لومة لائم، ويبغض من يميل إلى الفلسفة وأهدى إليه العميري القاضي [بقزوين] كتبا وكتب معها.
العميري عبد كافي الكافة ... وان اعتد في وجوه القضاة
خدم المجلس الرفيع بكتب ... مفعمات من حسنها مترعات
فوقع تحتها.
قد قبلنا من الجميع كتابا ... ورددنا لوقتنا الباقيات
لست استغنم الكثير فطبعي ... قول خذ ليس مذهبي قول هات
فاستدعى يوما شرابا فجيء بقدح، فلما أراد أن يشرب قال له بعض خواصه: لا تشربه فإنه مسموم فقال: وما الشاهد على صحة قولك؟ قال: أن تجربه على من اعطاك إياه قال لا استحل ذلك، قال فجربه على دجاجة قال: إن التمثيل بالحيوان لا يجوز، فرد القدح وأمر بصب ما فيه وقال للغلام: لا تدخل داري وأمر بإفراد جراية عليه، ومرض بالأهواز عن سجع عرض له فكان إذا قام عن الطست يترك إلى جانبه عشرة دنانير حتى لا يتبرم به الفراشون، فكانوا يتمنون دوام علته فلما برأ أنهب الفقراء ما حوت داره، فكان