ثم دخلت سنة ست وتسعين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها [١] : أنه طلع كوكب كبير يشبه الزهرة في كبره وإضاءته عن يسرة القبلة يتموج [٢] وله شعاع على الأرض كشعاع القمر، وذلك في ليلة الجمعة مستهل شعبان، وثبت إلى النصف من ذي القعدة ثم غاب.
وفى هذه السنة [٣] : ولى أبو محمد بن الأكفاني قضاء جميع بغداد، وجلس القادر لأبى المنيع قرواش بن أبي حسان ولقبه بمعتمد الدولة، وتفرد قرواش بالإمارة.
وفي هذه السنة: حج بالناس [٤] محمد بن محمد بن عمر العلوي، وخطب بمكة والمدينة للحاكم صاحب مصر على الرسم في ذلك، وأمر الناس في الحرمين بالقيام عند ذكره، وفعل مثل ذلك بمصر وكان إذا ذكر قاموا وسجدوا في السوق ومواضع الاجتماع [٥] .
стр. 5077
ذكر من توفي في هذه السنة [١] من الأكابر
٢٩٩٥- إسماعيل [٢] بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل، أبو سعد الجرجاني المعروف بالإسماعيلي
[٣] : / ورد بغداد غير مرة، كان آخر وروده والدار الدّارقطنيّ حي، وحدث عن أبيه أبي بكر الإسماعيلي، والأصم وعبد الله بن عدى [٤] . روى عنه الخلال والتنوخي، وكان ثقة فاضلا فقيها على مذهب الشافعي، عارفا بالعربية، سخيا جوادا يفضل على أهل العلم، وكان له ورع، والرئاسة بجرجان إلى اليوم [٥] في ولده وأهل بيته.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت، قال: سمعت أبا الطيب الطبري يقول: ورد أبو سعد الإسماعيلي بغداد وعقد له الفقهاء مجلسين تولى أحدهما أبو حامد الأسفراييني، وتولى الآخر أبو محمد البافي فبعث البافي إلى القاضي أبي الفرج [٦] المعافى بن زكريا بابنه أبي الفضل يسأله حضور المجلس، فكتب على يده هذين البيتين:
إذا أكرم القاضي الجليل وليه ... وصاحبه الفاه للشكر موضعا
ولى حاجة يأتي [٧] بني بذكرها ... ويسأله فيها التطول أجمعا
فأجابه أبو الفرج:
دعا الشيخ مطواعا سميعا لأمره ... يؤاتيه باعا حيث يرسم إصبعا
وها أنا غاد في غد نحو داره ... أبادر ما قد حده لي مسرعا
стр. 5078
توفي الإسماعيلي بجرجان في ربيع الآخر من هذه السنة وكان في صلاة المغرب فقرأ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ١: ٥. وفاضت نفسه [١] .
٢٩٩٦- على [٢] بن محمد بن يوسف بن يعقوب، أبو الحسن المقرئ المعروف/ بابن العلاف
[٣] :
سمع على بن محمد المصري، وقرأ على أبي طاهر بن أبي هاشم، وكان أحد شهود القاضي أبي محمد [بن] [٤] الأكفاني. روى عنه عبد العزيز الأزجي.
وتوفي في شوال هذه السنة.
٢٩٩٧- محمد [٥] بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن بحير، أبو عمرو المزكي
[٦] :
من أهل نيسابور يعرف بالبحيري. رحل في طلب العلم إلى العراق والحجاز، وورد بغداد، فحدث بها سنة ثمانين وثلاثمائة، وكان ثقة حافظا مبرزا في المذاكرة، وتوفى بنيسابور في شعبان هذه السنة وهو ابن ثلاث وستين.
٢٩٩٨- محمد بن أحمد بن موسى بن جعفر بن قيس، أبو الحسين البزاز
[٧] :
سمع محمد بن مخلد، وأبا الحسين [٨] .
٢٩٩٩- محمد [٩] بن الحسن بن الفضل بن المأمون، أبو الفضل الهاشمي
[١٠] :
стр. 5079
سمع أبا بكر بن الأنباري، والنيسابوري [١] . روى عنه البرقاني [٢] وغيره، وقال العتيقي: هو ثقة. توفي يوم السبت سلخ ربيع الآخر من هذه السنة وله ست وثمانون سنة.
٣٠٠٠- محمد بن الحسن [٣] بن عمر بن الحسن، أبو الحسين المؤدب يعرف بابن أبي حسان
[٤] :
حدث عن أبي العباس [بن عقدة] وغيره [٥] ، روى عنه العتيقي.
٣٠٠١- محمد [٦] بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده، أبو عبد الله [٧] الحافظ الأصبهاني
[٨] :
من بيت الحديث والحفظ، سمع من أصحاب أبي مسعود، ويونس بن حبيب [٩] ، وأبي العباس المحبوبي وسافر البلاد [١٠] ، وكتب الكثير، وصنف التاريخ والشيوخ، وتوفى بأصبهان في صفر هذه السنة.
أخبرنا عبد الله بن على المقرئ، أخبرنا عبد الله بن عطاء الهروي، قَالَ، سمعت أبا محمد الحسن بن أحمد السمرقندي، يقول: سمعت أبا العباس جعفر بن محمد بن المعتز الحافظ، يقول: ما رأيت احفظ من أبي عبد الله بن مندة، وسألته يوما، فقلت [١١] : كم يكون سماع الشيخ؟ فقال: يكون خمسة آلاف منا [١٢] .
стр. 5080
ثم دخلت سنة سبع وتسعين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها [١] :
[خروج أبي ركوة وما جرى له مع الحاكم بمصر]
خروج أبي ركوة وما جرى له مع الحاكم بمصر [٢] . وهذا رجل أموي من ولد هشام بن عبد الملك [واسمه الوليد] [٣] ، وإنما كنى بأبي ركوة لركوة [٤] كانت معه في أسفاره يحملها على مذهب الصوفية، وكان قد لقي الشيوخ وكتب الحديث بمصر وانتقل إلى مكة ثم إلى اليمن ثم عاد إلى الشام، وهو في خلال أسفاره يدعو إلى القائم من ولد هشام بن عبد الملك، ويأخذ البيعة على من يجد عنده انقيادا وقبولا، ثم نزل حلة وصار معلما واجتمع عنده صبيان العرب وتظاهر بالتنسك [٥] ودعا جماعة منهم فوافقوه، ثم أعلمهم إنه هو الإمام الذي يدعو إليه، وقد أمر بالظهور ووعد النصر فخاطبوه بالإمامة [٦] ، ولقب نفسه الثائر بأمر الله المنتصر لدين الله من أعداء الله، وعرف هذا بعض الولاة فكتب إلى الحاكم يستأذنه في طلبه قبل أن تقوى شوكته، فأمره باطراح الفكر في أمره لئلا يجعل له سوقا، وكان يخبر عن الغائبات، فيقول أنه يكون كذا وكذا ثم لقيه ذلك الوالي في جمع فهزمهم، وحصل من أموالهم ما قويت به حاله، فدخل برقة
стр. 5081
فجمع له أهلها مائتي ألف دينار وقبض على رجل يهودي اتهمه بودائع عنده، فأخذ منه مائتي ألف دينار ونقش السكة باسمه وألقابه، وركب يوم الجمعة وخطب ولعن الحاكم، فجمع له الحاكم ستة عشر ألفا وبعث عليهم الفضل/ بن عبد الله، فنهض وأخذ معه ثلاثمائة ألف دينار لنفقاته ونفقات العسكر، وحمل إليه الحاكم خمسمائة ألف دينار وخمسة آلاف قطعة ثيابا، وقال له: اجعل هذا عدة معك، فلما سار تلقاه أبو ركوة فرام مناجزته والفضل يتعلل ويراوغ، فقال أصحاب أبي ركوة: قد بذلنا نفوسنا دونك ولم يبق فينا فضل [١] لمعاودة حرب، وما دمت مقيما [٢] بين ظهرانينا فنحن مطلوبون لأجلك، فخذ لنفسك وانظر أي بلد تريد لنحملك إليه، فقال: تسلمون إلي فارسين يصحبانني إلى بلاد النوبة فإن بيني وبين ملكهم [٣] عهدا وذماما، فأوصلوه إلى بلاد النوبة، فبعث الفضل وراءه فسلموه فحمل إلى الحاكم، فأركبه جملا وشهره ثم قتله، وقدم الحاكم الفضل وأقطعه قطاعات كثيرة وبلغ في إكرامه إلى أن عاده دفعتين في علة عرضت له، فلما أبل وعوفي قتله.
وفى يوم الاثنين لأربع خلون من جمادى الأولى أظهر ورود كتاب من حضرة بهاء الدولة بتقليد أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى النقابة والحج، وتلقيبه بالرضي ذي الحسين.
وفى هذه السنة [٤] : لقب الشريف أبو القاسم أخوه بالمرتضى ذي المجدين، ولقب الشريف أبو الحسين الزينبي بالرضا ذي الفخرين.
وفى رمضان هذه السنة قلد سند الدولة أبو الحسن على بن مزيد ما كان لقرواش، وخلع عليه، ولقب سند الدولة.
وفي هذه السنة [٥] : ثارت على الحاج ريح سوداء بالثعلبية أظلمت الدنيا منها
стр. 5082
حتى لم ير بعضهم بعضا وأصاب الناس عطش [١] شديد، وإعتاقهم ابن الجراح على مال طلبه، وضاق الوقت فعادوا إلى الكوفة ووصل أوائلهم إلى بغداد في يوم التروية، ولم يتم الحج في هذه السنة.
ذكر من توفي في هذه السنة [٢] من الأكابر
٣٠٠٢- عَبْد الرَّحْمَنِ [٣] بْن عمر بن أحمد، أبو الحسين المعدل المعروف بابن حمة/ الخلال
[٤] :
سمع الحسين بن إسماعيل المحاملي، روى عنه البرقاني، والأزهري. وكان ثقة، وتوفي في جمادي الأولى من هذه السنة، وصلى عليه أبو حامد الأسفراييني ودفن بالشونيزي [٥] .
٣٠٠٣- عبد الصمد [٦] بن عمر بن محمد بن إسحاق، أبو القاسم الدينَوَريّ الواعظ الزاهد
[٧] .
قرأ القرآن ودرس فقه الشافعي على أبي سعيد الإصطخري، وسمع الحديث من أبي بكر النجاد، وروى عنه الأزجي، والصيمري. وكان ثقة، ولزم طريقة يضرب بها المثل من المجاهدة للنفس واستعمال الجد المحض والتعفف والتقشف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أنبأنا محمد بن عبد الباقي [٨] ، وأنبأنا علي بن المحسن التنوخي، قال: كان
стр. 5083
عبد الصمد يدق السعد في العطارين ويذهب مذهب التدين والتصون والتعفف والتقشف، فسمع عطارا يهوديا يقول لابنه: يا بنى قد جربت هؤلاء المسلمين فما وجدت فيهم ثقة، فتركه عبد الصمد أياما ثم جاءه، فقال: أيها الرجل [١] تستأجرني لحفظ دكانك. قال: نعم، وكم تأخذ منى؟ قال: ثلاثة أرطال خبز ودانقين فضة كل يوم، قال: قد رضيت، قال: فأعطني الخبز إدرارا واجمع لي الفضة عندك فإني أريدها لكسوتي. فعمل معه سنة، فلما انقضت جاءه فحاسبه فقال: انظر إلى دكانك، قال: قد نظرت، قال: فهل وجدت خيانة أو خللا، قال: لا والله، قال: فإني لم أرد العمل معك وإنما سمعتك تقول لولدك في الوقت الفلاني إنك لم تر في المسلمين أمينا، فأردت أن انقض عليك قولك وأعلمك إنه إذا كان مثلي وأنا أحد الفقراء على هذه الصورة فغيري من المسلمين على مثلها/ وما هو أكثر منها [٢] . ثم فارقه وأقام على دق السعد مدة وعرفه الناس واشتهر بفعله ودينه عندهم وانقطع إلى الوعظ، وحضور الجوامع وكثر أصحابه وشاع ذكره، وكان ينكر على من يسمع القضيب.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ [٣] ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي، قال: حدثني على بن محمد بن الحسن المالكي، قال: جاء رجل إلى عبد الصمد [٤] بمائة دينار ليدفعها إليه، فقال [٥] : أنا غنى عنها، فقال: ففرقها على أصحابك هؤلاء، فقال: ضعها على الأرض. ففعل، فقال عبد الصمد للجماعة: من احتاج [منكم] [٦] إلى شيء، فليأخذ على قدر حاجته. فتوزعتها الجماعة على صفات مختلفة من القلة والكثرة ولم يمسها هو بيده. ثم جاءه ابنه بعد ساعة فطلب منه شيئا، فقال له: اذهب إلى البقال فخذ منه على ربع رطل تمر.
وبلغنا عن عبد الصمد أنه اشترى يوما دجاجة [٧] وفاكهة وحلوى فرآه بعض
стр. 5084
أصحابه فتعجب فمشى وراءه فطرق باب أرامل وأيتام فأعطاهم ذلك ثم التفت فرآه فقال له: المتقى يزاحم أرباب الشهوات ويؤثر بها في الخلوات حتى لا يتعب بها جسمه ولا يظهر بتركها اسمه.
توفي عبد الصمد بدرب شماس من نهر القلائين بالجانب الغربي يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة من هذه السنة.
وقيل: توفي ليلا وكان يقول في حالة نزعه: سيدي لهذه الساعة خبأتك. صلى عليه بجامع المنصور، ودفن في مقبرة الإمام أحمد.
٣٠٠٤- أبو العباس [١] بن واصل:
كان يخدم الكرج، وكان يخرج له في الحسان أنه يملك، فكانوا يهزءون به ويقول [٢] / له بعضهم: إذا صرت ملكا فاستخدمني، ويقول الآخر اخلع علي، والآخر يقول: عاقبني فصار ملكا وملك سيراف، ثم البصرة، وقصد الأهواز، وهزم بهاء الدولة وملك البطيحة، وأخرج عنها مهذب الدولة على بن نصر إلى بغداد بعد أن كان قد لجأ إليه في بعض الأحوال، فخرج إليه مهذب الدولة [٣] بما أمكنه من أمواله، وأخذت أمواله في الطريق، واضطر إلى أن ركب بقرة ودخل ابن واصل، فأخذ أموال مهذب الدولة، ثم أن فخر الملك أبا غالب قصد [٤] ابن واصل، فاستجار ابن واصل بحسان بن ثمال الخفاجي فصيره [٥] إلى مشهد على ﵇، فتصدق هناك بصدقات كثيرة وسار من المشهد [قاصدا بدر بن حسنويه [٦]] لصداقة كانت بينهما فكبسه أبو الفتح بن عناز فسلمه إلى أصحاب بهاء الدولة بعد أن حلف له على الحراسة، فحمل إليه فقتله بواسط في صفر هذه السنة.
стр. 5085
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة
[وقوع الثلج ببغداد وعلوه عن الأرض ذراعا]
فمن الحوادث فيها [١] :
أن الثلج وقع ببغداد في يوم الأربعاء الحادي عشر من ربيع [الأول] [٢] فعلا على وجه الأرض ذراعا في موضع وذراعا ونصفا، وأقام أسبوعا لم يذب رماه الناس عن سطوحهم بالرفوش إلى الشوارع والدروب، وابتدأ يذوب وبقيت منه بقايا في موضع نحو عشرين يوما. وبلغ سقوطه إلى تكريت. ووردت الكتب من واسط بسقوطه فيها بين البطيحة/ وبين البصرة والكوفة وعبادان ومهروبان.
[كثرة العملات ببغداد]
وفى هذا الشهر [٣] : كثرت العملات ببغداد، وكبس الذعار عدة مواضع، وقصد قوم منهم مسجد براثا ليلة الجمعة وأخذوا حصره وستوره وقناديله، فجد أصحاب الشرطة في طلبهم فظفروا ببعضهم فشهروا وعرفوا وكحلوا وقطعوا.
[الفتنة بين أهل الكرخ [٤] والفقهاء]
في يوم الأحد عاشر رجب جرت فتنة بين أهل الكرخ والفقهاء بقطيعة الربيع وكان السبب [٥] أن بعض الهاشميين من أهل باب البصرة قصدوا أبا عبد الله محمد بن النعمان المعروف بابن المعلم، وكان فقيه الشيعة في مسجده بدرب رياح وتعرض به
стр. 5086
تعرضا امتعض منه أصحابه فثاروا واستنفروا [١] أهل الكرخ، وصاروا إلى دار القاضي أبي محمد بن الأكفاني وأبي حامد الإسفرايني فسبوهما وطلبوا الفقهاء ليواقعوا بهم ونشأت من ذلك فتنة عظيمة، واتفق أنه احضر مصحفا ذكر أنه مصحف ابن مسعود وهو يخالف المصاحف، فجمع الأشراف والقضاة والفقهاء في يوم الجمعة لليلة بقيت من رجب وعرض المصحف عليهم، فأشار أبو حامد الإسفرايني والفقهاء بتحريقه ففعل ذلك بحضرتهم فلما كان في شعبان كتب إلى الخليفة بأن رجلا من أهل [جسر] [٢] النهروان حضر المشهد [٣] بالحائر ليلة النصف، ودعا على من أحرق المصحف وسبه، فتقدم بطلبه فأخذ فرسم قتله، فتكلم أهل الكرخ في هذا المقتول لأنه من الشيعة، ووقع القتال بينهم وبين أهل باب البصرة وباب الشعير والقلائين، وقصد أحداث الكرخ [باب] [٤] دار أبي حامد فانتقل عنها وقصد دار القطن [٥] ، وصاحوا: حاكم يا منصور.
فبلغ ذلك الخليفة فأحفظه وأنفذ الخول الذين على بابه لمعاونة أهل السنة وساعدهم الغلمان، وضعف أهل الكرخ وأحرق ما يلي بنهر الدجاج، ثم اجتمع الأشراف والتجار إلى دار الخليفة فسألوه العفو عما فعل السفهاء فعفا عنهم.
فبلغ الخبر إلى عميد الجيوش فسار ودخل بغداد فراسل أبا عبد الله ابن المعلم فقيه الشيعة بأن يخرج عن البلد ولا يساكنه، ووكل به فخرج في ليلة الأحد لسبع بقين من رمضان وتقدم بالقبض على من كانت له يد في الفتنة، فضرب قوم وحبس قوم ورجع أبو حامد إلى داره، ومنع القصاص من الجلوس، فسأل على بن مزيد في ابن المعلم، فرد ورسم للقصاص عودهم إلى عادتهم من الكلام بعد أن شرط عليهم ترك التعرض للفتن.
وفى يوم الاثنين ثالث شعبان وافى مطر ومعه برد في الواحدة منها خمسة دراهم ونحوها.
стр. 5087
وفى ليلة الأحد سادس عشر شعبان حدثت زلزلة عظيمة بالدينور، وورد الخبر بأنها هدمت المنازل وهلك فيها خلق كثير [١] أكثر من ستة عشر ألف إنسان غير من خاست به الأرض وطمه الهدم، وخرج السالمون إلى الصحراء فأقاموا في أكواخ عملوها وذهب من الأثاث والمتاع فيما تهدم ما لا يحصى.
وورد الخبر في سادس عشر رمضان بهبوب عاصف من الريح سوداء بدقوقا قلعت المنازل والنخل والزيتون، وخرج الناس لأجلها من [٢] منازلهم وقتلت جماعة، وورد الخبر من تكريت بنحو ذلك.
وورد الخبر من شيراز بعصوف ريح سوداء أحرقت الزروع، وهدمت قطعة من البلد وأن رجفة كانت بسيراف والسيف غرق فيها عدة مراكب، / وأهلكت كثيرا من الناس.
وورد الخبر من واسط وشقي الفرات أنه ورد في هذين الصقعين برد عظيم كان وزن الواحدة منه مائة وستة دراهم.
وجاء ببغداد [في يوم الاثنين] [٣] لثمان بقين من رمضان وهو سلخ أيار مطر كثير جرت منه المآزيب.
[ورد الخبر بأن صاحب مصر هدم بيعة قمامة]
وفى هذه السنة [٤] : ورد الخبر بأن الحاكم صاحب مصر هدم بيعة قمامة، وهذه البيعة تجاور بيت المقدس وهى عظيمة القدر عند النصارى، وكانوا يخرجون [في] [٥] كل سنة من المواضع في العماريات إلى بيت المقدس لحضور فصحهم، وربما جاء ملك الروم وكبراء بطارقته متنكرا ويحملون إليها الأموال والثياب والستور والفروش، ويصوغون لها القناديل والأواني من الذهب والفضة، واجتمع فيها مع الزمان مال عظيم، فإذا اجتمعوا يوم الفصح أظهروا زينتهم ونصبوا صلبانهم، ويعلق القوم القناديل في بيت
стр. 5088
المذبح، ويجعلون فيها دهن الزيتون ويجعلون بين كل قنديلين كالخيط من الحديد متصلا ويطلونه بدهن البلسان ويقرب بعض القوم النار [١] من خيط منها، بحيث لا يعلم الحاضرون [فيشعلونه] [٢] ، وينتقل من القناديل فيشعل الكل ويظن من حضر أنها نار نزلت من السماء فيكثر تكبيرهم وضجيجهم، فلما وصفت هذه [الحالة] [٣] للحاكم تقدم بان يكتب إلى والي الرملة وإلى أحمد بن يعقوب الداعي بأن يقصدا بيت المقدس ويستصحبا الأشراف [٤] والقضاة والشهود ووجوه البلد، وينزلا بيعة قمامة ويبيحا العامة نهبها، وأخذ ما فيها ويتقدما بنقضها وتعفيه أثرها.
وبلغ الخبر النصارى فأخرجوا ما في البيعة من جوهر وثياب وذهب وفضة، فأنتهب ما بقي وهدمت.
ثم جاز الحاكم إلى موضع فيه ثلاث بيع تعظمها النصارى على أعلاها الصلبان الظاهرة، فضجت العامة إليه فنقض منها شيئا بيده، ثم أمرهم بنقضها ورجع إلى منزله، فكتب بنقض جميع البيع والكنائس وبني مساجد مكانها/ فهدمت ألوف وأمر بالنداء بمصر في أهل الذمة من أراد الدخول في الإسلام دخل، ومن أراد الانتقال إلى الروم كان آمنا إلى أن يخرج ويصل أو المقام على أن يلبس الغيار ويلزم ما شرط عليه في ذلك أقام وشرط على النصارى تعليق الصلبان ظاهرة على صدورهم، وعلى اليهود تمثال رأس عجل، والامتناع من ركوب الخيل فعملوا صلبان الذهب والفضة، فأنكر الحاكم ذلك وأمر المحتسبين أن يأخذوا النصارى بتعليق صلبان الخشب الذي يكون قدر الواحد منها أربعة أرطال، واليهود بتعليق خشبة كالمدقة وزنها ستة أرطال، وان يشدوا في أعناقهم أجراسا عند دخولهم الحمامات ليتميزوا بها عن المسلمين، ففعل ذلك، ثم أنه قبيل قتله أذن في إعادة [بناء] [٥] البيع والكنائس، وأذن لمن أسلّم منهم أن يعود إلى
стр. 5089
دينه، وقال: ننزه مساجدنا عمن لا نية له في الإسلام، وهذا غلط قبيح منه وقلة علم، فإنه لا يجوز أن يمكن من اسلم من الارتداد.
ذكر من توفي في هذه السنة [١] من الأكابر .
٣٠٠٥- أحمد [٢] بن إبراهيم، أبو العباس الضبي: [٣]
توفي في صفر هذه السنة، وكان أوصى أن يدفن في مشهد كربلاء، وبعث ابنه إلى أبي بكر الخوارزمي شيخ الحنفيين [يسأله] [٤] أن يبتاع له تربة يدفن بها وأن يقوم بأمره، فبذل للشريف أبي أحمد والد الرضى خمسمائة دينار مغربية ثمن تربة، فقال:
هذا رجل لجأ إلى جوار جدي فلا آخذ لتربته ثمنا وأخرج التابوت من بغداد وشيعه بنفسه ومعه الأشراف والفقهاء، وصلوا عليه بمسجد براثا وأصحبه خمسين رجلا من رجالة بابه.
٣٠٠٦- الحسين [٥] بن هارون، أبو عبد الله الضبي القاضي
[٦] :
ولد سنة عشرين وثلاثمائة، وكان إليه القضاء بربع الكرخ، ثم صار إليه القضاء بالجانب الغربي جميعه والكوفة وشقي الفرات.
وحدث عن الحسين المحاملي وابن عقدة وكان فاضلا دينا ثقة حجة عفيفا عارفا بالقضاء والحكم، بليغا في الكتابة، وولى القضاء نيابة عن ابن معروف في سنة ست
стр. 5090
وسبعين، ثم وليه رياسة، ثم عزل الضبي عن القضاء في سنة سبع وسبعين فانحدر إلى البصرة، وتوفى بها في شوال هذه السنة.
٣٠٠٧- عبد الله [١] بن محمد، أبو محمد البخاري، المعروف بالبافي الخوارزمي
[٢] .
كان من افقه أهل وقته على مذهب الشافعي، تفقه على أبي القاسم الداركي، ودرس مكانه، وله معرفة بالأدب وفصاحة شعر مطبوع يقوله من غير كلفة، ويعمل الخطب، ويكتب الكتب الطوال من غير روية.
أخبرنا القزاز، أخبرنا أبو بكر بن ثابت، قال: حدثنا البرقاني، قال: قصد أبو محمد البافي صديقا له ليزوره في داره فلم يجده فاستدعى بياضا ودواة فكتب إليه.
كم حضرنا وليس يقضى التلاقي ... نسأل الله خير هذا الفراق
إن أغب لم تغب وإن لم نغب ... غبت وكان افتراقنا باتفاق
/ توفي البافي فِي محرم هَذِهِ السنة.
٣٠٠٨- عبيد الله [٣] بْن أحمد بن على بن الحسين، أبو القاسم المقرئ المعروف بابن الصيدلاني
[٤] :
ولد سنة تسع وثلاثمائة، وسمع ابن صاعد وهو أحد من حدث عنه من الثقات، روى عنه الأزهري، وكان صالحا مؤمونا ثقة، توفي في رجب هذه السنة، ودفن في مقبرة أحمد بن حنبل.
٣٠٠٩- عبيد الله [٥] بن عثمان بن على، أبو زرعة البناء الصيدلاني
[٦] :
стр. 5091
ولد سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وسمع القاضي المحاملي، روى عنه الأزهري، والعتيقي، وكان ثقة مأمونا. وتوفى في هذه السنة.
٣٠١٠- عبد الواحد [١] بن نصر بن محمد، أبو الفرج المخزومي الشاعر الملقب بالببغاء:
[٢] كان أديبا فاضلا وكاتبا مترسلا وشاعرا مجيدا [لطيفا] [٣] .
٥ خبرنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ على بن ثابت، / قال: أنشدنا أبو نصر أحمد بْن عَبْد اللَّه، قال: أنشدنا أبو الفرج عبد الواحد بن نصر لنفسه:
يا من تشابه منه الخلق والخلق ... فما تسافر إلا نحوه الحدث
ترديد دمعي في خديك مختلس ... وسقم جسمي من جفنيك مسترق
لم يبق لي رمق أشكو هواك به ... وإنما يتشكى من به رمق
أخبرنا محمد بن ناصر، أخبرنا محمد بن أبي نصر الحميدي، قال: أنشدنا أبو غالب محمد بن أحمد بن بشران، قال: أنشدنا أبو الفرج المخزومي المعروف بالببغاء لنفسه:
طمعت ثم رأيت اليأس أجمل لي ... تنزها فخصمت الشوق بالجلد
تبدلت وتبدلنا وأخسرنا ... من ابتغى خلفا يسلى فلم يجد
قال: وأنشدنا أبو غالب، عن أبي الفرج الببغاء، قال: إنها من مشهور شعره إلى عميد الجيوش، ولم نسمعها منه:
سألت زماني بمن أستغيث ... فقال استغث بعميد الجيوش
فناديت ما لي به حرمة ... فجاوب حوشيت من ذا وحوشى
رجاؤك إياه يدنيك منه ... ولو كنت بالصين أو بالعريش
стр. 5092
نبت بي دارى وفر العبيد ... وأودت ثيابي وبعت فروشى
/ وكنت ألقب بالببغاء ... قديما فقد مزق الدهر ريشي
وكان غذائي نقى الأرز ... فها أنا مقتنع بالحشيش
وكتب إليه أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي من الحبس، وكان قد زاره في محبسه بهذه الأبيات [١] .
أبا الفرج أسلم وابق وانعم ولا تزل ... يزيدك صرف الدهر حظا إذا نقص
مضت مدة أستام ودك غاليا ... فأرخصته والبيع غال ومرتخص
وآنستني من محبسي بزيارة ... شفت قرما من صاحب له قد خلص
ولكنما كانت كشجو لطائر ... فواقا كما يستفرص الفارص الفرص
فأحسبك استوحشت من ضيق موضعي ... وأوحشت خوفا من تذكرك القفص
كذا الكرز اللماح ينجو بنفسه ... إذا عاين الأشراك تنصب للقنص
فحوشيت يا قس الطيور فصاحة ... إذا أنشد المنظوم أو درس القصص
من المنشر الأشغي ومن حزة الهدى [٢] ... ومن بندق الرامي ومن قصة المقص
ومن صعدة فيها من الدهر لهذم ... لفرسانكم عند الطراش بها قعص
/ فهذى دواهي الطير وقيت شرها ... إذا الدهر من أحداثه جرع الغصص
فكتب إليه [الببغاء جوابه] [٣] :
أبا حامد مذ يمم المجد ما نكص [٤] ... وبدر تمام مذ تكامل ما نقص
ستخلص من هذا السرار وإنما ... هلال توارى بالسرار [٥] فما خلص
برأفة تاج الملة الملك الّذي ... بسؤدده في خطه المشتري خصص
стр. 5093
تقنصت بالإنصاف شكري ولم أكن ... علمت بأن الحر بالبر يقتنص
وصادفت أسنى فرصة فانتهزتها ... بلقياك إذ بالحزم تنتهز الفرص
أتتني القوافي الباهرات بحمل البدائع ... من مستحسن الجد والرخص
فقابلت زهر الروض منها ولم يجد ... وأخرزت در البحر فيها ولم أغص
وإن كنت بالببغاء قدما ملقبا ... فكم لقب بالجور لا العدل مخترص
وبعد فما أخشى تقنص جارح ... وقلبك لي وكر [١] وصدرك لي قفص
توفي الببغاء في شعبان هذه السنة.
٣٠١١- محمد [٢] بن يحيى، أبو عبد الله الجرجاني
[٣] :
كان زاهدا عالما مناظرا لأبى بكر الرازي، وكان يدرس في أول قطيعة الربيع، وفلج في آخر عمره، ومات في هذه السنة، ودفن إلى جنب أبي حنيفة.
стр. 5094
ثم دخلت سنة تسع وتسعين وثلاثمائة
[انقضاض كوكب كبير]
فمن الحوادث فيها [١] :
أنه انقض في وقت المغرب من يوم الأربعاء مستهل رجب كوكب عظيم الضوء وتقطع ثلاث قطع أخذت كل قطعة جانبا.
وفى يوم الثلاثاء ثالث عشر شعبان عصفت ريح شديدة، وألقت رملا أحمر في الدور والطرق.
[صرف أبو عمر بن عبد الواحد عن قضاء البصرة، وقلد أبو الحسن]
وفي هذه السنة [٢] : صرف أبو عمر بن عبد الواحد عن قضاء البصرة، وقلد أبو الحسن بن أبي الشوارب، وقال العصفري الشاعر:
عندي حديث ظريف ... لمثله يتغنا
من قاضيين يعزى ... هذا وهذا يهنا
فذا يقول أكرهونا ... وذا يقول استرحنا
ويكذبان ونهذي ... فمن يصدق منا
وفي هذه السنة [٣] : بلغ الحاج الثعلبية، فهبت عليهم ريح سوداء أظلمت منها الدنيا حتى لم ير بعضهم بعضا، كان ذلك في شهر آب، وأصابهم عطش شديد
стр. 5095
وإعتاقهم ابن الجراح الطائي فعادوا ووصلوا بغداد يوم عرفة، وأخذ بنو رعب الهلاليون، وكانوا ستمائة رجل حاج البصرة، وأخذوا منهم زيادة على ألف ألف دينار.
ذكر من توفي في هذه السنة [١] من الأكابر
٣٠١٢- تمنى [٢] أم القادر باللَّه [٣] :
أخبرنا عبد الرحمن [القزاز] [٤] أخبرنا الخطيب، قَالَ: حَدَّثَنِي عبيد اللَّه [٥] / بْن أَحْمَد بْن عثمان الصيرفي، أن أم القادر باللَّه مولاة عبد الواحد ابن المقتدر باللَّه [قال] [٦] : وكانت من أهل الدين والفضل والخير، توفيت يوم الخميس الثاني والعشرين من شعبان، وصلى عليها القادر باللَّه في داره، ثم حملت بعد صلاة عشاء الآخرة في ليلة السبت الرابع والعشرين من شعبان سنة تسع تسعين وثلاثمائة في الطيار إلى الرصافة، فدفنت هناك.
٣٠١٣- الحسين [٧] بن حيدرة، بن عمر بن الحسين، أبو الخطاب الداودي الشاهد
[٨] :
كان ينزل الجانب الشرقي وحدث عن الحسين بن إسماعيل [٩] المحاملي، وغيره. روى عنه الخلال، والأزجي [١٠] ، وكان ثقة، وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة.
٣٠١٤- عبد الله [١١] بن بكر بن محمد بن الحسين، أبو أحمد الطبراني
[١٢] :
стр. 5096
سمع ببغداد وبمكة من جماعة، وكان مكثرا سمع منه الدار الدارقطني، وعبد الغنى وعاد إلى الشام واستوطن موضعا يعرف بالأكواخ عند بانياس في أصل جبل، فأقام هناك يتعبد إلى أن توفي في ربيع الأول من هذه السنة.
٣٠١٥- محمد [١] بن أحمد بن علي بن الحسين، أبو مسلم [٢] كاتب الوزير أبي الفضل ابن حنزابة
[٣] .
نزل بمصر، وحدث بها عن البغوي، وابن أبي داود، وابن صاعد، وابن دريد، وابن مجاهد، وابن عرفة، وغيرهم وكان آخر من بقى من أصحاب البغوي.
أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب، قال: حدثني الصوري، قال: حدثني أبو الحسين العطار وكيل أبي مسلم الكاتب، وكان من أهل الفضل [٤] العلم والمعرفة بالحديث، وكتب وجمع ولم يكن بمصر بعد عبد الغنى أفهم منه، وقال: ما رأيت في أصول أبي مسلم عن البغوي شيئا صحيحا غير جزء واحد كان سماعه فيه صحيحا، وما عدا ذلك مفسود قال الصوري: وقد اطلع منه على تخليط، ومات في آخر هذه السنة.
٣٠١٦- محمد [بن على] [٥] بن إسحاق ويعرف إسحاق بالمهلوس/ بن العباس بن إسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن على بن أبي طالب يكنى [محمد] أبا طالب
[٦] :
ولد سنة ست عشرة وثلاثمائة، وكان أحد الزهاد، وكان القادر باللَّه يعظمه لدينه وحسن طريقته، وقد روى عن الشبلي. وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
стр. 5097
ثم دخلت سنة أربعمائة
[نقص الماء من دجلة نقصانا لم يعهد مثله]
فمن الحوادث فيها [١] :
أن الماء نقص في شهر ربيع الأول من دجلة نقصانا لم يعهد مثله، وظهرت فيها جزائر لم تكن قبل، وامتنع سير السفن فيها من أوانا والراشدية من أعالي دجلة، وأنفذ بمن كرى هذا الموضع وكان كرى دجلة مما استظرف وعجب منه لأنه لم تكر دجلة إلا في هذه السنة.
وفى جمادى الأولى بدئ ببناء السور على المشهد بالحائر، وكان أبو محمد الحسن بن الفضل بن سهلان قد زار هذا المشهد، وأحب أن يؤثر فيه أثرا [٢] ثم ما نذر لأجله أن يعمل عليه سورا حصينا مانعا لكثرة من يطرق الموضع [٣] من العرب، وشرع في قضاء هذا النذر ففعل وعمل السور وأحكم وعلَّا وعرض ونصبت عليه أبواب وثيقة وبعضها حديد، وتمم وفرغ منه وتحصن المشهد به وحسن الأثر فيه.
[الإرجاف بالخليفة القادر]
وفى رمضان أرجف بالخليفة القادر باللَّه، فجلس للناس في يوم جمعة بعد الصلاة وعليه البردة وبيده القضيب وحضر أبو حامد [٤] الأسفرايني، وسأل أبو الحسن ابن حاجب النعمان الخليفة أن يقرأ آيات من القرآن ليسمعها الناس، فقرأ بصوت عال
стр. 5098
مسموع: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ ٣٣: ٦٠ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا مَلْعُونِينَ أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا [١] فبكى الناس وانصرفوا ودعوا.
[ورود الخبر بأن الحاكم أنفذ إلى دار جعفر بن محمد الصادق بالمدينة من فتحها]
وفى هذه السنة [٢] : ورد الخبر بأن الحاكم/ أنفذ إلى دار جعفر بن محمد الصادق بالمدينة من فتحها وأخذ مصحفا وآلات كانت فيها ولم يتعرض لهذه الدار أحد منذ وفاة جعفر، وكان الحاكم قد أنفذ في هذه السنة رجلا ومعه رسوم الحسنيين والحسينيين وزادهم فيها ورسم له أن يحضرهم ويعلمهم إشارة لفتح الدار والنظر إلى ما فيها من آثار [٣] جعفر، وحمل ذلك إلى حضرته ليراه ويرده إلى مكانه، ووعدهم على ذلك الزيادة في البر فأجابوه ففتحت فوجد فيها مصحف وقعب من خشب مطوق بحديد ودرقة خيزران وحربة وسرير فجمع وحمل ومضى معه جماعة من العلويين، فلما وصلوا أطلق لهم النفقات [القريبة] [٤] ورد عليهم السرير وأخذ الباقي، وقال: أنا أحق به.
فانصرفوا ذامين له، وأضاف الناس هذا إلى ما كان يفعله من الأمور التي خرق بها [العادات] [٥] فدعى عليه، فأمر بعمارة دار العلم وأحضر فيها العلماء والمحدثين وعمر الجامع وبالغ في ذلك، [٦] فاتصل الدعاء له فبقى كذلك ثلاث سنين، ثم أخذ يقتل أهل العلم وأغلق دار العلم ومنع من كل ما نسخ فيه.
وحج بالناس في هذه السنة أبو الحارث محمد بن محمد بن عمر العلوي.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٠١٧- الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر، أبو أحمد الموسوي:
ولد سنة أربع وثلاثمائة وكان يلقب بالطاهر، وبذى المناقب، ولقب بالأوحد،
стр. 5099
وخاطبه بهاء الدولة بالطاهر الأوحد، وولاه قضاء القضاة، فلم يمكنه القادر باللَّه. ولى النقابة في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة ثم صرفه أبو الفضل العباس بن الحسين بن الحسن الشيرازي وزير عز الدولة سنة ستين، / وقلد أبا محمد الناصر العلويّ ثم أعيد أبو أحمد إلى النقابة لما مات عضد الدولة في صفر سنة ست وتسعين، ثم مرض فقلد مكانه أبو الحسين على بن أحمد بن إسحاق.
ثم ولى أبو الفتح محمد بن عمر وولى مع النقابة طريق الحج.
وحج بالناس مرات ثم توفي وبقى الطالبيون بغير نقيب، فأعيد أبو أحمد وأضيف إليه المظالم والحج واستخلف له ولداه المرتضى والرضى وخلع عليهما في سنة أربع وثمانين ثم عزل.
وولى أبو الحسن محمد بن الحسن الزيدي، ثم أعيد أبو أحمد، وهى الولاية الخامسة فلم يزل واليا حتى توفي، وكان قد حالفته الأمراض وأضر، فتوفى في هذه السنة عن سبع وتسعين سنة، وصلى عليه ابنه المرتضى، ودفن في داره ثم نقل إلى مشهد الحسين ﵇.
ورثاه ابنه المرتضى فقال:
سلام الله تنقله الليالي ... وتهديه الغدو إلى الرواح
على جدث تشبث من لؤى ... بينبوع العبادة والصلاح
فتى لم يرو إلا من حلال ... ولم يك زاده غير المباح
ولا دنست له أزر بوزر ... ولا علقت له راح براح
خفيف الظهر من ثقل الخطايا ... وعريان الجوانح من جناح
مسوق في الأمور إلى هداها ... ومدلول على باب النجاح
من القوم الذين لهم قلوب ... بذكر الله عامرة النواح
بأجسام من التقوى مراض ... لمبصرها وأديان صحاح
٣٠١٨- الحجاج بن هرمرقنه أبو جعفر:
كان قد استتابه بهاء الدولة بالعراق وندبه لحرب الأعراب والأكراد، وكان متقدما
стр. 5100
في أيام عضد الدولة وأولاده عارفا بالحرب وكانت له هيبة/ عظيمة وشجاعة معروفة وآراء صائبة، وخرج عن بغداد في رمضان سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة فوقعت بها الفتن وكثرت العملات، وتوفى بالأهواز في ربيع الأول من هذه السنة عن مائة وخمس سنين.
٣٠١٩- أبو عبد الله القمي المصري التاجر:
كان ذا مال غزير، وكان بزاز الخزانة بمصر فاشتملت وصيته على ألف ألف دينار ونيف مالا صامتا ومتاعا وجواهر وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة عند توجهه من مصر إلى مكة، وحمل عند وفاته إلى المدينة ودفن بها بالبقيع في جوار الحسن بن على.
٣٠٢٠- أبو الحسين الرفّاء القاضي المجيد:
قد ذكرنا من أحواله في الحج في سنة أربع وتسعين توفي في هذه السنة.
стр. 5101
ثم دخلت سنة أحدى وأربعمائة
[جمع أبو المنيع قرواش بن المقلد أهل الموصل وأظهر عندهم طاعة الحاكم صاحب مصر]
فمن الحوادث فيها:
أنه ورد الخبر بأن أبا المنيع قرواش بن المقلد جمع أهل الموصل وأظهر عندهم طاعة الحاكم صاحب مصر وعرفهم ما عزم عليه من إقامة الدعوة له ودعاهم إلى قبول ذلك، فأجابوه جواب الرعية المملوكة وأسروا الإباء والكراهية، وأحضر الخاطب في يوم الجمعة الرابع من المحرم، فخلع عليه وأعطاه النسخة ما يخطب به، فكانت:
«اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلا الله وله الحمد الذي انجلت بنوره غمرات الغضب، وانقدت بقدرته أركان النصب، وأطلع بنوره شمس الحق من الغرب الذي محا بعد له جور الظلمة وقصم بقوته ظهر [١] الغشمة فعاد الأمر إلى نصابه [٢] ، والحق إلى أربابه البائن بذاته المتفرد بصفاته الظاهر بآياته المتوحد بدلالاته، لم تفته الأوقات فتسبقه الأزمنة، ولم تشبه الصور فتحويه الأمكنة، ولم تره العيون فتصفه الألسنة، سبق كل موجود وجوده، / وفات كل جود جوده، واستقر في كل عقل توحيده، وقام في كل مرأى شهيده، أحمده بما يجب على أوليائه الشاكرين تحميده، وأستعينه على القيام بما يشاء ويريده، وأشهد له بما شهد أصفياؤه وشهوده، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريك له شهادة لا يشوبها دنس الشرك، ولا يعتريها وهم الشك، خالصة من الإدهان، قائمة بالطاعة والإذعان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه اصطفاه واختاره لهداية
стр. 5102
الخلق، وإقامة الحق، فبلغ الرسالة، وهدى من الضلالة والناس حينئذ عن التقوى [١] غافلون، وعن سبيل الحق ضالون، فأنقذهم من عبادة الأوثان، وأمرهم بطاعة الرحمن حتى قامت حجج الله وآياته، وتمت بالتبليغ كلماته صلى الله عليه وعلى أول مستجيب له على أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، أساس الفضل والرحمة، وعماد العلم والحكمة، وأصل الشجرة الكرام البررة النابتة في الأرومة المقدسة المطهرة، وعلى خلفائه الأغصان البواسق من تلك الشجرة، وعلى ما خلص منها وزكا من الثمرة.
أيها الناس اتقوا الله حق تقاته، وارغبوا في ثوابه، واحذروا من عقابه فقد ترون ما يتلى عليكم في كتابه، قال الله تعالى:
يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ١٧: ٧١ [٢] . وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ٤: ٥٩ [٣] . فالحذر الحذر أيها الناس، فكأن قد أفضت بكم الدنيا إلى الآخرة، وقد بان أشراطها ولاح سراطها [٤] ومناقشة حسابها والعرض على كتابها: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ٩٩: ٧- ٨ [٥] .
اركبوا سفينة نجائكم قبل أن تغرقوا، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ٣: ١٠٣ [٦] ، واعلموا أنه يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، وأنيبوا إلى الله خير الإنابة، وأجيبوا داعي/ باب الإجابة قبل أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ٣٩: ٥٦ [٧] أَوْ تَقُولَ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ٣٩: ٥٧ [٨] أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ من الْمُحْسِنِينَ ٣٩: ٥٨ [٩] .
стр. 5103
تيقظوا من الغفلة والفترة قبل الندامة والحسرة وتمنى الكرة والتماس الخلاص ولات حين مناص، وأطيعوا إمامكم ترشدوا، وتمسكوا بولاة العهد تهتدوا، فقد نصب لكم علما لتهدوا به، وسبيلا لتقتدوا به، جعلنا الله وإياكم ممن تبع مراده، وجعل الإيمان زاده والهمة تقواه ورشاده، واستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين» .
ثم جلس وقام فقال: «الحمد للَّه ذي الجلال وخالق الأنام، ومقدر الأقسام المتفرد بالبقاء والدوام، فالق الإصباح وخالق الأشباح، وفاطر الأرواح أحمده أولا وآخرا، واستشهده باطنا وظاهرا، واستعين به إلها قادرا، واستنصره وليا ناصرا، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ شهادة من أقر بوحدانية إيمانا واعترف بربوبيته إيقانا [١] وعلم برهان ما يدعوا إليه، وعرف حقيقة الدلالة عليه.
اللَّهمّ صل على وليك الأزهر، وصديقك الأكبر على بن أبي طالب أبي الأئمة الراشدين المهتدين، اللهم صلى على السبطين الطاهرين الحسن والحسين، وعلى الأئمة الأبرار الصفوة الأخيار من أقام منهم وظهر، ومن خاف منهم واستتر، اللهم صل على الإمام المهدي بك، والذي بلغ بأمرك واظهر حجتك ونهض بالعدل في بلادك هاديا لعبادك، اللهم صلى على القائم بأمرك وعلى المنصور بنصرك اللذين بذلا نفوسهما في رضاك وجاهدا أعداءك، اللهم صلى على/ المعز لدينك، المجاهد في سبيلك، المظهر لآياتك الحقية والحجة الجلية [٢] . اللَّهمّ صل على العزيز بك الذي مهدت به البلاد وهديت به العباد، اللهم اجعل توافى صلواتك وزواكي بركاتك على سيدنا ومولانا إمام الزمان وحصن الإيمان وصاحب الدعوة العلوية والملة النبوية عبدك ووليك المنصور أبي على الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، كما صليت على آبائه الراشدين وأكرمت أولياءك المهتدين، اللهم أعنه على ما وليته، واحفظه فيما استرعيته، وبارك له فيما أتيته وانصر جيوشه، وأعل أعلامه في مشارق الأرض ومغاربها، إنك على كل شيء قدير» .
وكان السبب في هذا أن رسل الحاكم ومكاتباته كانت تتردد إلى قرواش ترددا
стр. 5104
أوجبت استمالته، فأقام له الدعوة بالموصل على ما ذكرناه وانحدر إلى الأنبار، فتقدم إلى الخطيب بإقامتها فهرب الخطيب إلى الكوفة فأقامها بها يوم الجمعة ثاني ربيع الأول، وأنفذ إلى القصر والمدائن فأقيمت بها في يوم الجمعة التاسع من هذا الشهر، وكشف قرواش وجهه بالخلاف وأظهر المباينة وأدخل يده في المعاملات السلطانية وخبط الناس خبطة المخارقة، وورد على الخليفة من هذا ما أزعجه فراسل عميد الجيوش وكاتب بهاء الدولة وأنفذ إليه أبا بكر محمد بن الطيب المتكلم [١] رسولا، وحمله قولا طويلا، فقال: والله إن عندنا من هذا الأمر أكثر مما عند أمير المؤمنين، لأن الفساد علينا به أكثر وقد كاتبنا أبا على وتقدمنا بإطلاق مائة ألف دينار يستعين بها على نفقات العسكر، وإن دعت الحاجة إلى مسيرنا كنا أول طالع على أمير المؤمنين.
ثم نفذ إلى/ قرواش في ذلك فاعتذر ووثق من نفسه في إزالة ذلك ووثق له في ترك المؤاخذة به، ثم وقع الرضا عنه وأقيمت الخطبة للقادر باللَّه، وكان الحاكم قد نفذ إلى قرواش ما قيمته ثلاثون ألف دينار فسار الرسول فتلقاه قطع الخطبة بالرقة فكتب إلى الحاكم يعرفه فكتب: «دع ما معك عند والي الرقة» .
وفى يوم الخميس لسبع بقين من صفر انقض كوكب في وقت العصر من الجانب الغربي إلى سمت دار الخلافة من الجانب الشرقي لم ير أعظم منه.
ولخمس بقين من رجب زادت دجلة وامتدت الزيادة إلى رمضان، فبلغت إحدى وعشرين ذراعا، ودخل الماء أكثر الدور الشاطئة، وقطيعة الدقيق، وباب التبن، وباب الشعير، وباب الطاق، وفاض على مسجد الكف بقطيعة الدقيق فخربه واحتمل أجذعه وسقوفه، وتفجرت البثوق وغرقت القرى والحصون.
[ورود الوزير أبي غالب بن خلف إلى بغداد]
وفي هذه السنة [٢] : ورد الوزير أبو غالب بن خلف إلى بغداد، وقد رد إليه أمر العراق، ولقب فخر الملك.
[تقليد أبي محمد مكرم كرمان]
وفيها: قلد أبو محمد مكرم [٣] كرمان مضافة إلى عمان.
стр. 5105
وفيها [١] عصى أبو الفتوح [٢] الحسن بن جعفر العلوي على الحاكم، ودعا إلى نفسه وتلقب بالراشد باللَّه. ولم يحج في هذه السنة أحد من العراق.
ذكر من توفي في هذه السنة [٣] من الأكابر
٣٠٢١- إبراهيم بن محمد [٤] بن عبيد، أبو مسعود الدمشقي الحافظ
[٥] :
سافر الكثير وسمع وكتب ببغداد والكوفة والبصرة وواسط والأهواز وإصبهان وبلاد خراسان، وكان له عناية بالصحيحين فعمل تعليقه أطراف الكتابين، ولم يرو إلا اليسير، وكان صدوقا دينا ورعا فهما، روى عنه أبو القاسم الطبري.
/ توفي ببغداد هذه السنة، وأوصى إلى أبي حامد الإسفرايني، فصلى عليه ودفن في مقبرة جامع المنصور قريبا من السكك.
٣٠٢٢- آدم [٦] بن محمد بن آدم، أبو القاسم العكبري المعدل
[٧] .
حدث عن النجاد [وابن قانع] [٨] وعمر بن جعفر بن مسلم وغيرهم، وتوفى في صفر هذه السنة.
٣٠٢٣- الحسن [٩] بن أبي جعفر، أستاذ هرمز، يكنى أبا علي، ويلقب عميد الجيوش
[١٠] :
стр. 5106
ولد سنة خمسين وثلاثمائة، وكان أبوه من حجاب عضد الدولة، وجعل ابنه أبا على برسم خدمة ابنه صمصام الدولة، فخدم صمصام الدولة وبهاء الدولة، وولاه بهاء الدولة تدبير العراق فقدم سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة والفتن كثيرة والذعار قد انتشروا فقتل، وأغرق [١] خلقا [كثيرا] [٢] وأقام الهيبة، ومنع أهل الكرخ يوم عاشوراء من النياحة وتعليق المسوح، وأهل باب البصرة من زيارة [قبر] [٣] مصعب، وأعطى بعض غلمانه صينية فضة فيها دنانير، وقال: [خذها على رأسك و] [٤] سر من النجمي إلى الماصر الأعلى فان اعترضك [٥] معترض، فأعطه إياها وأعرف الموضع الذي أخذت منك فيه، فجاءه وقد انتصف الليل، وقال: قد مشيت البلد جميعه فلم يلقني أحد. ودخل الرخجي على عميد الجيوش وأدخل سبعين [٦] مجلدة خزا ومنديلا كثيرا فيه مال، وقال: مات نصراني من أهل مصر وخلف هذا وليس له وارث. فقال عميد الجيوش: من حكم الاستظهار أن يترك [هذا] [٧] بحاله، فإن حضر وارث وإلا أخذ، فقال الرخجي:
يحمل إلى خزانة مولانا إلى أن يبين الحال، فقال: لا يجوز أن يدخل خزانة السلطان ما لا يصح [٨] استحقاقه. فكتب [٩] من بمصر باستحقاق تلك التركة فجاء أخو الميت وأوصل الكتاب من مصر بأنه أخو المتوفي، فصادف/ عميد الجيوش واقفا على روشن داره يصلي الصبح [١٠] فظنه نقيبا، فدفع إليه الكتاب وسأله إيصاله إلى صاحب الخبر، فقضى له حاجته فدخل صاحب الخبر إلى عميد الجيوش ضاحكا، وقال: يا مولانا، قد صرفت عنك اليوم نفعا ومرفقا فإن السوادي، قال لي عند قضاء حاجته: بأي شيء أخدم
стр. 5107
النقيب الذي أوصل كتابي إليك، فقلت: ويحك هذا عميد الجيوش، فقال لي: هذا الذي تهابه ملوك الأطراف وكثر الدعاء له [١] ، فلما كان بعد مدة ورد كتاب ابن القمي التاجر من مصر على عميد الجيوش يعرفه أن ذلك الرجل حضر في مجمع من التجار، وحكى القصة فضج الناس بالدعاء وقالوا: ليتنا كنا في جواره وظله، ففرح عميد الجيوش، وقال: قد أحسن المكافأة، بقى عميد الجيوش واليا على العراق ثماني سنين وسبعة أشهر وأحد عشر يوما وهو الذي يقول فيه الببغاء [كما ذكرنا في ترجمته] [٢] .
سألت زماني بمن أستغيث ... فقال استغث بعميد الجيوش
[وتوفى في هذه السنة عن إحدى وخمسين سنة، وتولى أبو الحسن الرضى بأمره، ودفن بمقابر قريش] [٣] .
٣٠٢٤- الحسين [٤] بن المظفر بن أحمد بن عبد الله بن كنداج [٥] ، أبو عبد الله
[٦] :
سمع إسماعيل بن محمد الصفار، والخلدي، وابن كامل القاضي، روى عنه البرقاني، وقال: ليس به بأس. كان من أولاد المحدثين [وكان يعرف] [٧] . توفي في ذي الحجة من هذه السنة. [٨]
٣٠٢٥- خلف [٩] بن محمد بن على بن حمدون [١٠] ، أبو محمد الواسطي:
سمع الكثير، ورافق أبا الفتح بن أبي الفوارس في رحلته، فسمع/ بجرجان
стр. 5108
ودخل بلاد خراسان وعاد إلى بغداد، ثم خرج إلى الشام ودخل مصر وكتب الناس بانتخابه، وخرج أطراف الصحيحين، وكان له حفظ ومعرفة، ونزل بعد ذلك ناحية الرملة فاشتغل بالتجارة وترك النظر في العلم إلى أن مات هناك، روى عنه الأزهري.
٣٠٢٦- عبيد الله [١] بن أحمد/ بن الهذيل، أبو أحمد الكاتب
[٢] :
حدث عن إسماعيل الصفار، روى عنه الخلال، وكان ثقة. توفي في محرم هذه السنة، ودفن وراء الجامع بمدينة المنصور.
٣٠٢٧- عبيد الله [٣] بن عمر بن محمد، أبو الفرج المصاحفي
[٤] :
سمع أبا طاهر بن أبي هاشم المقرئ. وَكَانَ ثقة. توفي فِي شعبان هَذِهِ السنة.
стр. 5109
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعمائة
[أذن فخر الملك لأهل الكرخ في عمل عاشوراء]
فمن الحوادث فيها [١] :
أن فخر الملك أذن لأهل الكرخ وباب الطاق في عمل عاشوراء، فعلقوا المسوح، وأقاموا النياحة في المشاهد.
وفى ربيع الآخر أمر القادر باللَّه بعمارة مسجد الكف بقطيعة الدقيق وإعادة أبنيته، ففعل ذلك وعمل لموضع الكف ملبن من صندل وضبب بفضة، وعمل بين يديه درابزينات.
[كتب في ديوان الخلافة محاضر في معنى الذين بمصر]
وفي هذا الشهر كتب في ديوان الخلافة محاضر في معنى الذين بمصر والقدح في أنسابهم ومذاهبهم، وكانت نسخة ما قرئ منها ببغداد وأخذت فيه خطوط الأشراف والقضاة والفقهاء والصالحين والمعدلين والثقات والأماثل بما عندهم من العلم والمعرفة بنسب الديصانية، وهم منسوبون إلى ديصان بن سعيد الخرمي أحزاب الكافرين ونطف الشياطين شهادة متقرب إلى الله جلت عظمته، وممتعض للدين والإسلام ومعتقد إظهار ما أوجب الله تعالى على العلماء أن يبينوه للناس ولا يكتمونه [شهدوا جميعا أن الناجم بمصر وهو منصور بن نزار المتلقب بالحاكم حكم الله عليه بالبوار والدمار والخزي والنكال والاستيصال ابن معد بن إسماعيل/ بن عبد الرحمن بن سعيد لا أسعده الله، فإنه لما صار إلى الغرب تسمى بعبد الله وتلقب بالمهدي ومن تقدمه من سلفه الأرجاس
стр. 5110
الأنجاس، عليه وعليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين، أدعياء خوارج لا نسب لهم في ولد على بن أبي طالب ولا يتعلقون منه بسبب، وأنه منزه عن باطلهم، وأن الذي ادعوه من الانتساب إليه باطل وزور وأنهم لا يعلمون أن أحدا من أهل بيوتات الطالبيين توقف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج أنهم أدعياء، وقد كان هذا الإنكار لباطلهم ودعواهم شائعا بالحرمين، وفى أول أمرهم بالغرب منتشرا انتشارا يمنع من أن يتدلس على أحد كذبهم أو يذهب وهم إلى تصديقهم، وأن هذا الناجم بمصر هو وسلفه كفار فساق فجار ملحدون زنادقة معطلون، وللإسلام جاحدون، ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون، قد عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وأحلوا الخمور، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف وادعوا الربوبية، وكتب في ربيع الآخر من سنة اثنتين وأربعمائة.
وقد كتب خطه في المحضر خلق كثير من العلويين: المرتضى، والرضى وابن الأزرق الموسوي، وأبو طاهر بن أبي الطيب، ومحمد بن محمد بن عمر، وابن أبي يعلى، ومن القضاة: أبو محمد ابن الأكفاني، وأبو القاسم الخرزي [١] ، وأبو العباس السوري، ومن الفقهاء: أبو حامد الإسفرائيني، وأبو محمد الكشفلي، وأبو الحسين القدوري، وأبو عبد الله الصيمري، وأبو عبد الله البيضاوي، وأبو على بن حمكان، ومن الشهداء: أبو القاسم التنوخي. وقرئ بالبصرة [٢] وكتب فيه خلق كثير.
وفى رجب وشعبان ورمضان [٣] : واصل فخر الملك [٤] الصدقات والحمول إلى المشاهد/ بمقابر قريش والحائر والكوفة، وفرق الثياب والتمور والنفقات في العيد على الضعفاء، وركب إلى الصلاة في الجوامع، وأعطى الخطباء والعوام [٥] والمؤذنين الثياب والدنانير، وتقدم ليلة الفطر يتأمل من في حبوس القضاة، فمن كان محبوسا على دينار وعشرة قضى وما [٦] كان أكثر من ذلك كفل وأخرج ليعود بعد التعييد، وأوعز بتمييز من
стр. 5111
في حبس المعونة، وإطلاق من صغرت جنايته ووقعت توبته، فكثر الدعاء له في المساجد والأسواق.
وفى رمضان [١] : تقدم فخر الملك بنقض الدار المعزية بحصيرة شارع دار الدقيق [٢] ، واستيثاق عمارتها، وتغيير أبنيتها، وعمل دور الحواشي جوارها، فأنفق عليها الجملة الكثيرة، وحملت إليها الآلات من كل بلد، وجعل فيها المجالس الواسعة والحجر الكثيرة والأبنية الرائقة، واستعملت لها الفروش بفارس والأهواز على مقادير بيوتها ومجالسها، وعمل على الانتقال إليها [وسكناها] [٣] ثم استبعد موضعها ورآه نائبا عن الكرخ، فجعلها متنزها في الخلوات ومرسومة بالسمط والدعوات.
وفى ليلة الأربعاء خامس شوال: عصفت ريح سوداء فرمت من النخل أكثر من عشرة آلاف رأس.
وورد كتاب من يمين الدولة محمود بن سبكتكين إلى الخليفة بأنه غزا قوما من الكفار، فقطع إليهم مفازة من رمل وأصابه وأصحابه العطش كادوا يهلكون منه، ثم تفضل الله سبحانه عليهم بسحابة أظلتهم ومطرت وشربوا وسقوا ووصلوا إلى القوم وهو خلق عظيم ومعهم ستمائة فيل، فظفر بهم وأخذ غنائمهم وعاد.
وكان أبو الحسين عبد الله بن دنجا [٤] عاملا على البصرة [٥] ، وكان ملقبا بذي الرتبتين، / وكان بينه وبين أبي سعد بن ماكولا وحشة، فمرض أبو سعد مرضا صعبا فأنفذ أبو الحسين فوكل بداره، ثم اعتل أبو الحسين ومات وتماثل أبو سعد فأنفذ إلى داره بأولئك الموكلين حتى احتاطوا على ماله [٦] وقبضوا على أصحابه.
وفى ذي الحجة [٧] : ورد كتاب أبي الحارث محمد بن محمد بن عمر بأن ريحا
стр. 5112
سوداء هاجت عند حصول الحاج بزبالا، وفقدوا الماء فهلك منهم خلق كثير، وبلغت المزادة من الماء مائة درهم، وتخفر جماعة ببني خفاجة ورجعوا إلى الكوفة وعمل الغدير والغار على سكون وطمأنينة، وأظهرت الفتيان من التعليق شيئا كثيرا واستعان [١] أهل السنة بالأتراك فأعاروهم الثياب والفروش الحسان والمصاغ والأسلحة.
ذكر من توفي في هذه السنة [٢] من الأكابر
٣٠٢٨- أحمد [٣] بن عبد الله بن الخضر بن مسرور، أبو الحسين المعدل المعروف بابن السوسنجردي
[٤] :
سمع أبا عمر وابن السماك، وأحمد بن سلمان النجاد، وأبا بكر الشافعي، وغيرهم، وكان ثقة دينا، حسن الاعتقاد، شديدا في السنة، واجتاز يوما في الكرخ فسمع سب بعض الصحابة فجعل على نفسه أن لا يمشى في الكرخ، وكان يسكن باب الشام فلم يعبر قنطرة الصراة حتى مات.
توفي في رجب هذه السنة عن نيف وثمانين سنة.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي، قال: حدثني على بن الحسين العكبري، قال: سمعت عبد القادر بن محمد بن يوسف، يقول: رأيت أبا الحسن الحمامي المقرئ في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: أنا في الجنة، قلت: وأبي؟ قال: وأبوك معنا، فقلت: وجدنا/ يعنى أبا الحسين السوسنجردي؟
فقال: في الحظيرة، قلت: حظيرة القدس؟ قال: نعم أو كما قال.
٣٠٢٩- إسماعيل [٥] بن الحسين بن على بن الحسن بن هارون، أبو محمد البخاري الفقيه الزاهد
[٦] :
стр. 5113
ورد بغداد حاجا مرارا، وحدث بها عن جماعة، روى عنه عبد العزيز الأزجي. توفي في شعبان هذه السنة.
٣٠٣٠- الحسن [١] بن الحسين بن على بن العباس بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت، أبو محمد النوبختي الكاتب:
[٢] ولد في سنة عشرين وثلاثمائة، حدث عن على بن عبد الله بن مبشر الواسطي، والقاضي المحاملي، وكان سماعه صحيحا، روى عنه البرقاني، والأزهري، والتنوخي، قال البرقاني [٣] : كان معتزليا، وكان يتشيع إلا أنه يتبين أنه صدوق، وقال الأزهري: كان رافضيا رديء المذهب. وقال العتيقي: كان ثقة في الحديث يذهب إلى الاعتزال.
وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة.
٣٠٣١- الحسن [٤] بن القاسم، [بن الحسن] [٥] بن العلاء بن الحسن، أبو على الدباس
[٦] .
وأصله من شهرزور. روى عنه الأزهري، والخلال، وكان ثقة. توفي في صفر هذه السنة.
٣٠٣٢- عثمان [٧] بن عيسى، أبو [عمرو] [٨] الباقلاوي
[٩] :
كان أحد الشهود [١٠] الزهاد المتعبدين المؤثرين للخلوة، المنعكفين على الذكر، وكان قوته من نخلات له، وقيل: من كسب البواري، وكان لا يخرج إلا يوم الجمعة للصلاة.
стр. 5114
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّازُ، عَنْ أبي الحسين ابن المهتدي، قال: كان عثمان له مغتسل وجناز في المسجد، وكان يصلي بينهما، وكنت أصلي به في شهر رمضان، فقرأت ليلة سورة الحاقة حتى أتيت إلى هذه الآية: فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ٦٩: ١٥ [١] فصاح وسقط مغشيا عليه، فما بقى في المسجد أحد إلا/ انتحب، وكان يتعمم بشاروفة، وكان يأكل من كسب البواري، وكان قد سأله السعيد التركي أن يصل إليه منه شيء فأبى، فقال له: إذا أبيت فتأذن لي أن اشترى دهنا نشعله في المسجد، وكان مأواه المسجد ما كان يخرج منه إلا يوم الجمعة [فأجاب إلى ذلك] [٢] فلما عاد الرسول على أنه يحمل إليه دهنا قال له: لا تجئني بشيء آخر قد أظلم على البيت.
أخبرنا محمد بن أبي طاهر، عن أبي القاسم التنوخي، قال: قصدته لشدة وقعت فيها فطرقت بابه، فقال: من؟ قلت: مضطر، فقال: ادع ربك يجبك، فدعوت على بابه وعدت وقد كفيت ما خفته، توفي أبو عمرو [٣] لسبع بقين من رمضان هذه السنة، ودفن في مقبرة جامع المنصور.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي، قال: حدثني علي بن الحسين ابن جداء العكبري، قال: سمعت عرس الخباز، يقول: لما دفن عثمان الباقلاوي رأيت في المنام بعض من هو مدفون في جوار قبره، فقلت: كيف فرحكم بجوار عثمان؟ فقال: وإن عثمان لما جيء به سمعنا قائلا يقول: الفردوس الأعلى أو كما قال.
٣٠٣٣- على [٤] بن أحمد بن محمد بن يوسف، أبو الحسن القاضي السامري
[٥] .
[من أهل سرمن رأى] [٦] . سمع إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي. وكان ثقة صدوقا صالحا.
стр. 5115
أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب، قال: حدثنا عنه ابن بنته أبو الحسين محمد بن أحمد بن حسنون النرسي، قال [لنا] [١] : ما رأيت جدي مفطرا بنهار قط [٢] ، توفي في هذه السنة.
٣٠٣٤- محمد [٣] بن بكران بن عمران بن موسى بن المبارك، أبو عبد الله البزاز، ويعرف بابن الرازي
[٤] :
سمع الحسين بن إسماعيل المحاملي، ومحمد بن مخلد.
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بن محمد، أخبرنا أبو بكر الخطيب، حدثنا عنه البرقاني وسألته عنه فقال: ثقة. وقال العتيقي: ثقة.
وحدثني عبد الله بن على قال: توفي يوم الخميس/ لعشر بقين من جمادى الآخرة من هَذِهِ السنة، ودفن بالشونيزية.
٣٠٣٥- محمد [٥] بن جعفر بن محمد بن هارون بن فروة بن ناجية، أبو الحسن التميمي النحوي المعروف بابن النجار
[٦] .
من أهل الكوفة. ولد سنة ثلاث وثلاثمائة بالكوفة وقدم بغداد وحدث بها عن ابن دريد ونفطويه والصولي وغيرهم.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ مُحَمَّدٍ] [٧] أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي، أخبرنا العتيقي، قال:
ابن النجار ثقة.
توفي بالكوفة في جمادى الأولى من هذه السنة.