← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

أخبرنا شيخنا محمد بن ناصر الحافظ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بن ميمون النرسي، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن علي بن عبد الرحمن العلويّ، قال: في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة كسر الحجر الأسود/ لما صليت الجمعة يوم النفر الأول، ولم يكن رجع الناس بعد من منى، قام رجل ممن ورد من ناحية مصر بإحدى يديه سيف مسلول، وبالأخرى دبوس بعد ما قضى الإمام الصلاة، فقصد ذلك الرجل ليستلمه [١] على الرسم، فضرب وجه الحجر ثلاث ضربات متوالية بالدبوس، وقال: إلى متى يعبد الحجر ولا محمد ولا علي يمنعني عما أفعله، فإنّي أهدم هذا البيت وارفعه فاتقاه أكثر الحاضرين وتراجعوا عنه، وكاد يفلت، وكان رجلا تام القامة، أحمر اللون، أشقر الشعر، سمين الجسم، وكان على باب المسجد عشرة من الفرسان على أن ينصروه، فاحتسب رجل من أهل اليمن أو من أهل مكة أو من غيرها فوجأه بخنجر، واحتوشه الناس فقتلوه وقطعوه وأحرقوه بالنار، وقتل من اتهم بمصاحبته ومعونته على ذلك المنكر جماعة، وأحرقوا بالنار وثارت الفتنة، وكان الظاهر من القتلى أكثر من عشرين نفسا غير ما اختفى منهم، وألحوا في ذلك اليوم على المغاربة والمصريين بالنهب والسلب وعلي غيرهم في طريق منى إلى البلد. وفي يوم النفر الثاني اضطرب الناس وماجوا، وقالوا أنه قد أخذ في أصحاب الخبيث لعنه الله أربعة أنفس اعترفوا بأنهم مائة بايعوا على ذلك، وضربت أعناق هؤلاء الأربعة وتقشر بعض وجه الحجر في وسطه من تلك الضربات وتخشن، وزعم بعض الحاج أنه سقط من الحجر ثلاث قطع واحدة فوق أخرى، فكأنه يثقب ثلاث ثقب ما يدخل الأنملة في كل ثقبة، وتساقطت منه شظايا مثل الأظفار، وطارت منه شقوق يمينا وشمالا، وخرج مكسره أحمر [٢] يضرب إلى الصفرة محببا مثل الخشخاش، فأقام الحجر علي ذلك يومين، ثم أن بني شيبة جمعوا ما وجدوه مما سقط منه، وعجنوه بالمسك واللك [٣] ، وحشوا تلك المواضع/ وطلوها بطلاء من ذلك، فهو بين لمن تأمله، وهو على حاله اليوم.

стр. 5182

ذكر من توفي في هذه السنة [١] من الأكابر ٣١٠٨- عمر [٢] بن محمد بن عمر، أبو علي العلوي [٣] : سكن بغداد وحدث بها، وقد ذكرنا حال أبيه وتوسعه في الدنيا، وكان لعمر هذا مال كثير فقبض عليه قرواش بن المقلد وأخذ منه مائة ألف دينار، وتوفي في هذه السنة، واستولى السلطان على أكثر أمواله وضياعه. ٣١٠٩- دجى بن عبد الله، أبو الحسن الخادم الأسود الخصي مولى الطائع للَّه [٤] . كان قريبا منه، وخصيصا به يسفر بينه وبين الملوك، سمع أبا الفضل بن المأمون وغيره، وكان سماعه صحيحا وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة. ٣١١٠- علي [٥] بن هلال، أبو الحسن [المعروف بابن] [٦] البواب صاحب الخط [٧] الحسن: صحب ابن سمعون، وكان يقص بجامع المدينة، وبلغنا أن أبا الحسن البتي دخل دار فخر الملك أبي غالب، فوجد ابن البواب جالسا في عتبة باب ينتظر خروج فخر الملك، فقال جلوس الأستاذ في العتب رعاية للنسب، فجرد ابن البواب وقال: لو أن إلي من أمر الدنيا شيئا ما مكنت مثلك في الدخول، فقال البتي: ما تترك صنعة الشيخ ﵀. توفي الأستاذ أبو الحسن يوم السبت ثاني جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب ورثي بأبيات منها:

стр. 5183

فللقلوب التي أبهجتها حزن ... وللعيون التي أقررتها سهر وما لعيش وقد ودعته أرج ... ولا لليل وقد فارقته سحر [١] ٣١١١- علي [٢] بن عيسى بن سليمان بن محمد بن سليمان بن أبان، أبو الحسن الفارسي المعروف بالسكري الشاعر [٣] : أصله من نفر وهو بلد على النرس من بلاد الفرس، ولد ببغداد في صفر سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، / وكان يحفظ القرآن والقراءات، وكان متفننا في الآداب، وصحب القاضي أبا بكر بن الطيب، وأكثر شعره في مدح الصحابة والرد على الرافضة والنقض على شعرائهم. توفي في يوم الثلاثاء سلخ شعبان، في هذه السنة، وقيل: يوم الاثنين لثلاث بقين من شعبان، ودفن في مقبرة باب الدير في الموضع المعروف بتل صافي مقابل قبر معروف، وأمر أن يكتب في لوح وينقش [٤] على قبره أبيات قالها، وهي: نفس يا نفس كم تمادين في الغي ... وتأتين بالفعال المعيب راقبي الله واحذري موضع العرض ... وخافي يوم الحساب العصيب لا يغرنك السلامة في العيش ... فإن السليم رهن الخطوب كل حي فللمنون ولا يدفع ... بأس المنون كيد الأريب واعلمي أن للمنية وقتا ... سوف يأتي عجلان غير هيوب فأعدي لذلك اليوم زادا ... وجوابا للَّه غير كذوب إن حب الصديق في موقف الحشر ... أمان للخائف المطلوب ٣١١٢- محمد [٥] بن أحمد بن محمد بن المنصور، أبو جعفر البيع، ويعرف بالعتيقي [٦] :

стр. 5184

أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب، قال: ذكر لي ابنه أبو الحسن أنه ولد برويان سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وحمل إلى طرسوس وهو ابن سبع سنين، فنشأ بها وسمع الحديث من شيخ كان بها يعرف بالخواتيمي، ولم يزل بها حتى غلبت الروم على البلد، فانتقل إلى دمشق، ثم ورد بغداد فسكنها حتى مات بها في يوم الخميس [١] الثاني والعشرين من المحرم سنة ثلاث عشرة وأربعمائة قال أبو الحسن: وحدثني بشيء يسير وسمعت منه. ٣١١٣- محمد [٢] بن أحمد بن يوسف بن وصيف، أبو بكر الصياد [٣] . ولد في محرم سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وسمع/ أبا بكر الشافعي، والقطيعي وغيرهما. وكان ثقة صدوقا خيرا انتخب عليه ابن أبي الفوارس، وتوفي يوم الجمعة لخمس خلون من ربيع الأول من هذه السنة. ٣١١٤- مُحَمَّد [٤] بن محمد بن النعمان، أبو عبد الله المعروف بابن المعلم [٥] : شيخ الإمامية وعالمها، صنف على مذهبهم، ومن أصحابه المرتضى، وكان لابن المعلم مجلس نظر بداره بدرب رياح [٦] يحضره كافة العلماء، وكانت له منزلة عند أمراء الأطراف، لميلهم إلى مذهبه. توفي في رمضان هذه السنة، ورثاه المرتضى فقال. من لفضل أخرجت منه خبيئا ... ومعان فضضت عنها ختاما من ينير العقول من بعد ما كنا ... همودا ويفتح الأفهاما من يعير الصديق رأيا إذا ما ... سله في الخطوب كان حساما [ودفن في مقبرة] [٧] ،

стр. 5185

ثم دخلت سنة أربع عشرة وأربعمائة فمن الحوادث فيها [١] : أنه لما سار مشرف الدولة مصعدا إلى بغداد روسل الخليفة القادر في البروز لتلقيه فتلقاه من الزلاقة ولم يكن تلقي أحدا من الملوك قبله، وخرج في يوم الاثنتين لليلتين بقيتا من المحرم، فركب في الطيار وعليه السواد والبردة، ومن جانبه الأيمن الأمير أبو جعفر، ومن جانبه الأيسر الأمير أبو القاسم، وبين يديه أبو الحسن علي بن عبد العزيز، وحوالي القبة المرتضى أبو القاسم الموسوي، وأبو الحسن الزينبي، وقاضي القضاة ابن أبي الشوارب، وفي الزبازب المسودة من العباسيين والقضاة والقراء والفقهاء، فنزل مشرف الدولة في زبزبة ومعه خواصه، وصعدوا إلى الطيار وقد طرح أنجره، فوقف/ فقبل الأرض دفعة ثانية، وسأله الخليفة عن خبره وعرفه استيحاشه لبعده وأنسه الآن بقربه، والعسكر واقف بأسره في شاطئ دجلة، والعامة في الجانبين، والسماريات، وقام مشرف الدولة فنزل في زبزبة واصعد الطيار. [غدر خليفة بن هراج الكلابي بالقافلة الواردة معه] وفي يوم الجمعة لثلاث بقين من شعبان: غدر خليفة بن هراج الكلابي بالقافلة الواردة معه، وفي خفارته من مصر، وعدل بها إلى حلته، فأناخ جمالها، وأخذ أحمالها وصرف أربابها على أسوأ حال، وكانت تشتمل على نيف وأربعين حملا بزا وثلاثين ألف دينار مغربية، وعرف الخبر قرواش فركب في رمضان من الأنبار، وتوجه نحوه فهزم قرواش وتمزقت العرب بالمال.

стр. 5186

وفي هذه السنة [١] : ورد كتاب من يمين الدولة أبي القاسم محمود بن سبكتكين إلى القادر باللَّه يذكر له غزوة في بلاد الهند، وأنه أوغل في بلادهم حتى جاء إلى قلعة عد فيها ستمائة صنم، وقال: أتيت قلعة ليس لها في الدنيا نظير، وما الظعن بقلعة تسع خمسمائة ألف إنسان، وخمسمائة فيل، وعشرين ألف دابة، ويقوم لهذا العدد بما يكفيه من علوفة وطعام، وأعان الله حتى طلبوا الأمان فآمنت ملكهم، وأقررته على ولايته بخراج قرر عليه، وأنفذ هدايا كثيرة وفيلة، ومن الطرف الغريبة طائر على هيئة القمري ومن خاصته أنه إذا حضر على الخوان وكان في شيء مما قدم سم دمعت عينه، وجرى منها ماء تحجر، وحك، فطلى بما يحك منه الجراحات ذوات الأفواه الواسعة، فيحلمها فتقبلت هديته وانقلب العبد بنعمة من الله وفضله. وفيها: وزر أبو القاسم المغربي لمؤيد الملك بعد الرخجي [٢] ، فقال رجل لكون الوزير كان مشغولا بالنحو: ويل وعول وويه ... لدوله ابن بويه سياسة الملك ليست ... ما جاء عن سيبويه [وفي هذه السنة] [٣] : حج بالناس أبو الحسن [٤] محمد بن الحسن الأقساسي العلوي، وعاد على طريق الشام/ لاضطراب الجادة. ذكر من توفي في هذه السنة [٥] من الأكابر ٣١١٥- الحسين [٦] بن فضل بن سهلان، أبو محمد الرامهرمزي [٧] :

стр. 5187

وزر لسلطان الدولة، وبني سور الحائر من مشهد الحسين ﵇ في سنة ثلاث وأربعمائة، وقتل في شعبان هذه السنة عن ثلاث وخمسين سنة. ٣١١٦- الحسين [١] بن محمد، أبو عبد الله الكشفلي الطبري [٢] : تفقه على أبي القاسم الداركي، وكان فهما فاضلا ودرس بعد أبي حامد في مسجده، وهو مسجد عبد الله بن المبارك بقطيعة الربيع، وكان يقرأ عليه فقيه من أهل بلخ، فتأخرت نفقته فأضر به ذلك، فشكا حاله إلى الكشفلي، فأخذه ودخل على رجل من التجار بالقطيعة يقال له ابن برويه [٣] وسأله ابن يقرضه شيئا حتى تأتي نفقته من بلده، فأمر بتقديم الطعام، فلما أكلوا تقدم إلى جارية فأحضرت زنفيلجة [٤] فوزن منها عشرين دينارا [٥] ، ودفعها إليه وخرج الكشفلي وهو يشكره، ورأى الفقيه قد تغير فسأله عن حاله، فأخبره أنه قد هوى الجارية التي حملت الزنفيلجة، فعاد الكشفلي إلى ابن برويه، فقال له: قد وقعنا في قصة أخرى، قال: ما هي؟ فأخبره بحال الفقيه مع الجارية فسلمها إليه وقال: ربما كان في قلبها منه مثل ما في قلبه لها، ووصل الفقيه من أبيه ستمائة دينار. توفي الكشفلي في ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن بمقابر باب حرب. ٣١١٧- الحسين [٦] بن الحسن بن محمد بن القاسم، أبو عبد الله المخزومي الغضائري [٧] : سمع الصولي، وابن السماك، والنجاد، والخلدي وكان ثقة، توفي في محرم هذه السنة ودفن بقرب قبر أحمد بن حنبل.

стр. 5188

٣١١٨- علي [١] بن عبد الله بن جهضم، أبو الحسن الصوفي صاحب بهجة الأسرار [٢] : وكان شيخ الصوفية توفي بمكة، وقد ذكروا أنه كان/ كذابا، ويقال انه وضع صلاة الرغائب. أخبرنا شيخنا [٣] ابن ناصر، عن أبي الفضل بن خيرون، قال: قد تكلموا فيه. ٣١١٩- القاسم [٤] بن جعفر بن عبد الواحد أبو عمر الهاشمي البصري [٥] : قدم بغداد في سنة إحدى وسبعين وقبلت شهادته ثم قدمها مع أبي محمد بن معروف في سنة سبع وسبعين [وكانت ولادته سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، سمع عبد الغافر بن سلامة، وأبا علي اللؤلؤي في خلق، وكان ثقة أمينا، وولى القضاء بالبصرة [٦] . وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة. ٣١٢٠- محمد بن أحمد بن الحسين بن يحيى، أبو الفرج القاضي الشافعي يعرف بابن سميكة [٧] : حدث عن أبي بكر النجاد، وأبي علي بن الصواف، وحبيب بن الحسن القزاز، وغيرهم. أخبرنا القزاز، أخبرنا ابن ثابت الخطيب، قال: كتبنا عنه بانتقاء محمد بن أبي الفوارس، وكان ثقة، وتوفي يوم الثلاثاء، ودفن يوم الأربعاء لست خلون من [شهر] [٨] ربيع الأول سنة أربع عشرة وأربعمائة، ودفن في مقبرة باب حرب.

стр. 5189

٣١٢١- محمد [١] بن أحمد، أبو جعفر النسفي [٢] : كان عالما بالفقه على مذهب أبي حنيفة، وصنف تعليقه مشهورة، وكان فقيرا متزهدا، فبات ليلة مكروبا من الإضافة، فوقع له فرع من فروع مذهبه، فأعجب به فقام قائما يرقص في داره، ويقول: أين الملوك [وأبناء الملوك] [٣] ، فسألته زوجته عن حاله، فأخبرها فتعجبت. توفي في شعبان هذه السنة. ٣١٢٢- هلال [٤] بن محمد بن جعفر بن سعدان، أبو الفتح الحفار: ولد سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، سمع إسماعيل الصفار، [٥] وأبا عمرو بن السماك، والنجاد، وابن الصواف، وكان صدوقا ينزل بالجانب الشرقي قريبا من الخطابين توفي في شهر صفر هذه السنة ﵀ وإيانا وجماعة المسلمين بمنه وكرمه [٦] .

стр. 5190

ثم دخلت سنة خمس عشرة وأربعمائة [جمع الوزير المغربي الأتراك والمولدين لمشرف الدولة] فمن الحوادث فيها [١] : أن الوزير المغربي جمع الأتراك والمولدين ليحلفوا لمشرف الدولة، وكلف مشرف الدولة المرتضى ونظام الحضرتين أبا الحسن الزينبي وقاضي القضاة، وأبا الحسن بن أبي الشوارب، وجماعة من الشهود الحضور، فأحلفت طائفة من القوم فظن الخليفة أن التحالف لنية مدخولة في حقه، فبعث من دار الخليفة من منع الباقين بأن يحلفوا، وأنكر على المرتضى والزينبي وقاضي القضاة حضورهم بلا إذن، واستدعوا إلى دار الخلافة، وسرح الطيار، وأظهر عزم الخليفة على الركوب وتأدى ذلك إلى مشرف الدولة، وانزعج منه، ولم يعرف السبب فيه فبحث عن ذلك إذا به أنه اتصل بالخليفة أن هذا التحالف عليه، فترددت الرسائل باستحالة ذلك، وانتهى الأمر إلى أن حلف مشرف الدولة على الطاعة والمخالصة للخليفة، وكان وقوع اليمين في يوم الخميس الحادي عشر من صفر وتولى أخذها [٢] واستيفاءها القاضي أبو جعفر السمناني، ثم حلف الخليفة لمشرف الدولة. [عقد لمشرف الدولة على بنت علاء الدولة أبي جعفر بن كاكويه] وفي رجب: وقع العقد لمشرف الدولة على بنت علاء الدولة أبي جعفر بن كاكويه، وكان الصداق خمسين ألف دينار.

стр. 5191

وفي هذه السنة [١] : تأخر الحاج الخراسنة للإشفاق من فساد طريق مكة. وفيها حج بالناس [٢] : أبو الحسن الأقساسي، وحج معه حسنك صاحب محمود بن سبكتكين، فنفذ إليهما صاحب مصر خلعا وصلة فسارا إلى العراق ولم يدخل، حسنك بغداد خوفا أن ينكر عليه من دار الخلافة، / فكوتب محمود بن سبكتكين بما فعله حسنك فنفذ برسوله ومعه الخلع المصرية، فأحرقت على باب النوبي، وعاد الحاج على طريق الشام، وورد كثير منهم في السفن من طريق الفرات، وجاء قوم على الظهر إلى أوانا، وذاك لأنهم عللوا العرب في ممرهم بأنا سنرضيكم، فخافوا أن يصيروا في أيديهم بحكمهم، فعرجوا إلى تلك الطريق لطلب السلامة. ذكر من توفي في هذه السنة [٣] من الأكابر ٣١٢٣- أحمد [٤] بن محمد بن عمر بن الحسن بن عبيد بن عمرو بن خالد بن الرفيل، أبو الفرج المعدل المعروف بابن [٥] المسلمة: ولد في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وسمع أباه، وأحمد بن كامل، والنجاد، والخطبي، ودعلج بن أحمد، وغيرهم. وكان ثقة يسكن في الجانب الشرقي [٦] بدرب سليم، ويملي في كل سنة مجلسا واحدا في أول المحرم، وكان عاقلا فاضلا كثير المعروف، وداره مألفا لأهل العلم. أخبرنا أبو منصور القزاز، أخبرنا أحمد بن ثابت، قال: حدثني رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن [٧] بن أحمد بن محمد، قال: كان جدي يختلف في درس الفقه

стр. 5192

إلى أبي بكر الرازي، وكان يصوم الدهر، وكان يقرأ كل يوم سبع القرآن بالنهار ويعيده بعينه في ليلته في ورده. قال رئيس الرؤساء: ورأيت أبا الحسين القدوري الفقيه بعد موته في المنام فقلت له: كيف حالك؟ فتغير وجهه ودق حتى صار كهيئة الوجه المرئي في السيف دقة وطولا وأشار إلى صعوبة الأمر، فقلت: كيف حال الشيخ أبي الفرج؟ يعني جده فعاد وجهه إلى ما [١] كان [عليه] [٢] وقال لي: ومن مثل الشيخ أبي الفرج ذلك؟ ثم رفع يده إلى السماء، فقلت في نفسي: يريد بهذا قول [الله] [٣] تعالى: وَهُمْ في الْغُرُفاتِ آمِنُونَ ٣٤: ٣٧ [٤] . توفي أبو الفرج ابن المسلمة [٥] في ذي القعدة من هذه السنة. ٣١٢٤- أَحْمَد [٦] بن محمد بن أحمد بن القاسم، أبو الحسن [٧] المحاملي: كان أبوه أحد الشهود ببغداد، وتفقه على أبي حامد، وبرع وصنف المصنفات المشهورة، وكان أبو حامد يقول: هو أحفظ للفقه مني. وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة وهو شاب. ٣١٢٥- سلطان الدولة [٨] ابن بهاء الدولة [٩] . توفي بشيراز عن اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر. ٣١٢٦- عبيد الله [١٠] بن عمر بن علي بن الأشرس، أبو القاسم الفقيه المقرئ المعروف بابن البقال [١١] :

стр. 5193

سمع النجاد، وأبا علي ابن الصواف، قال الخطيب: سمعنا منه بانتقاء ابن أبي الفوارس، وكان ثقة. وتوفي في صفر هذه السنة، ودفن في مقبرة باب حرب. ٣١٢٧- عبيد الله [١] بن عبد الله بن الحسين، أبو القاسم الخفاف المعروف بابن النقيب [٢] : أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب، قال: رأى الشبلي، وسمع من أبي طالب ابن البهلول. وكان سماعه صحيحا، وكان شديدا في السنة قال: وبلغني أنه جلس للتهنئة لما مات ابن المعلم شيخ الرافضة، وقال: ما أبالي أي وقت مت بعد أن شاهدت موت ابن المعلم. قال: وسمعت رئيس الرؤساء أبا القاسم وكان ينزل في جواره ناحية الرصافة، قال: مكث كذا وكذا سنة ذهب عني حفظ عددها كثرة يصلي الفجر على وضوء العشاء، ويحيى الليل بالتهجد. قال الخطيب: وسألته عن مولده، فقال: ولدت سنة خمس وثلاثمائة. ومات أبو بكر بن مجاهد في سنة أربع وعشرين ولي تسع عشرة سنة، وأذكر من الخلفاء: المقتدر، والقاهر، والراضي، والمتقي، والمستكفي، والمطيع، والطائع، والقادر، والغالب. خطب له بولاية العهد. توفي ابن النقيب في سلخ شعبان هذه السنة. ٣١٢٨- عمر [٣] بن عبد الله بن عمر بن تعويذ، أبو حفص الدلال [٤] : توفي في هذه السنة. قال المصنف: سمعت أبا الفضل الأرموي، يقول: سمعت أبا الحسين بن المهتدي/ يقول: سمعت عمر بن عبد الله بن تعويذ، يقول: سمعت الشبلي يقول: وقد كان شيء يسمى السرور ... قديما سمعنا به ما فعل

стр. 5194

خليلي إن دام هم النفوس ... قليلا على ما نراه قتل مؤمل دنيا لتبقى له ... فمات المؤمل قبل الأمل ٣١٢٩- علي [١] بن محمد بن عبد الله بن بشران بن محمد بن بشر بن مهران، أبو الحسين المعدل [٢] : سمع علي بن محمد المصري، وإسماعيل بن محمد الصفار، والحسين بن صفوان وغيرهم. وكان صدوقا ثقة ثبتا حسن الأخلاق تام المروءة. توفي في شعبان هذه السنة. وقيل: في رجب عن سبع وثمانين سنة، ودفن بباب حرب. ٣١٣٠- علي [٣] بن عبد الصمد أبو الحسن الشيرازي ويعرف بابن [٤] أبي علي: تولى حجبة القادر باللَّه في شوال سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، فلم يزل على ولايته إلى سنة ثمان وأربعمائة، وكثرت الفتن، فجاء إلى دار الخليفة وأظهر التوبة من العمل، وأشهد على نفسه بذلك في الموكب فولى بعده أبو مقاتل، فأراد دخول الكرخ، فمنعه أهلها فأحرق الدكاكين والجعافرة، فصارت تلولا، فعاد علي بن أبي علي إلى الولاية في سنة تسع وأربعمائة، وقتل الموسومين بالفتن من الشيعة والسنة، ونفى ابن المعلم فقيه الإمامية وجماعة من الوعاظ وأهل السنة، ونسبهم إلى معاونة أهل الفتن، فقامت الهيبة وسكن البلد، فلما ولي أبو القاسم المغربي الوزارة، صادر علي بن أبي علي على خمسة آلاف دينار مغربية، وألف عليه العيارين فقتلوه على باب درب الديزج ليلة النصف من رجب هذه السنة، وتولى المعونة بعده أبو علي الحسن بن أحمد غلام ابن الهدهد. ٣١٣١- محمد [٥] بن المظفر بن علي بن حرب، أبو بكر الدينَوَريّ [٦] الصالح: توفي في ذي الحجة من هذه السنة.

стр. 5195

٣١٣٢- محمد [١] بن الحسن، أبو الحسن الأقساسي [٢] العلوي: وهو من ولد محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن على حج بالناس سنين كثيرة نيابة عن المرتضى الموسوي، وله شعر مليح، ومنه قوله في غلام اسمه بدر: يا بدر وجهك بدر ... وغنج عينيك سحر وماء خديك ورد ... وماء ثغرك خمر أمرت عنك بصبر ... وليس لي عنك صبر تأمرني بالتسلي ... ما لي مع الشوق أمر توفي في هذه السنة، ورثاه المرتضى بأبيات منها قوله: وقد خطف الموت كل الرجال ... ومثلك من بيننا ما خطف وما كنت إلا أبي الجنان ... على الضيم محتميا بالأنف خليا من العار صفر الإزار ... مدى الدهر من دنس أو نطف ٣١٣٣- محمد [٣] بن أحمد [٤] بن عمر بن علي، أبو الحسن ويعرف بابن [٥] الصابوني: ولد سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وسمع أبا بكر الشافعي وغيره. وكان صدوقا. وتوفي يوم الخميس السادس عشر من رجب، ودفن في مقبرة باب الشام. ٣١٣٤- محمد [٦] بن أحمد بن محمد بن أحمد بن الفرج بن أبي طاهر، أبو عبد الله الدقاق ويعرف بابن البياض [٧] : ولد في صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وسمع أحمد بن سلمان، وجعفر الخلدي [٨] ، وأبا بكر الشافعيّ، وغيرهم.

стр. 5196

أخبرنا القزاز، أخبرنا أحمد بن ثابت، قال: كان الدقاق شيخا فاضلا دينا صالحا ثقة من أهل القرآن، / ومات في يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان سنة خمس عشرة وأربعمائة. ٣١٣٥- محمد [١] بن الحسين بن محمد بن الفضل، أبو الحسين الأزرق [٢] القطان: سمع إسماعيل الصفار، وأبا عمرو بن السماك، وأبا بكر النجاد، وجعفر الخلدي في آخرين، وكان ثقة، وتوفي في رمضان هذه السنة، ودفن في مقبرة باب الدير.

стр. 5197

ثم دخلت سنة ست عشرة وأربعمائة فمن الحوادث فيها [١] : [انبساط العيارين انبساطا أسرفوا فيه] أن العيارين انبسطوا انبساطا أسرفوا فيه، وخرقوا هيبة السلطان، وواصلوا العملات وأراقوا الدماء [٢] . [وفاة الملك مشرف الدولة] وفي ربيع الآخر: توفي الملك مشرف الدولة، ونهبت الخزائن، واستقر الأمر على تولية جلال الدولة أبي طاهر فخطب له على المنابر وهو بالبصرة، فخلع على شرف الملك ابن ماكولا وزيره ولقبه علم الدين سعد الدولة أمين الملة شرف الملك، وهو أول من لقب بالألقاب الكثيرة، ثم تأخر إصعاده لما عليه الأمور من الانتشار، وأعلم بأن الملك يحتاج إلى المال وليس عنده فأظهر الجند الخوض في أمر الملك أبي كاليجار، ثم تظاهروا بعقد الأمر له، وانحدر الأصفهلارية إلى دار الخلافة، وراسلوا الخليفة وعددوا ما عاملهم به جلال الدولة [٣] من إغفال أمرهم، وإهمال تدبيرهم، وإنهم قد عدلوا إلى أبي كاليجار ثم تظاهروا بعقد الأمر له إذ كان ولى عهد أبيه [٤] سلطان الدولة الذي استخلفه بهاء الدولة عليهم، فتوقف الجواب، ثم عادوا فقيل لهم: نحن مؤثرون لما تؤثرونه، وخرج الأمر بإقامة الخطبة للملك أبي كاليجار [٥] ، وأقيمت له في يوم

стр. 5198

الجمعة سادس عشر شوال، فكوتب جلال الدولة بذلك، فأصعد من واسط. وكان صاحب مصر قد أنفذ إلى يمين الدولة محمود بن سبكتكين خلعة مع أبي العباس أحمد بن محمد الرشيدي الملقب زين القضاة/ إلى الخليفة، فجلس القادر باللَّه في يوم الخميس لتسع يقين من جمادي الآخرة لأبي العباس الرشيدي بعد أن جمع القضاة والشهود والفقهاء والأماثل وأحضر أبو العباس ما كان حمله صاحب مصر، وأدى رسالة يمين الدولة بأنه الخادم المخلص الذي يرى الطاعة فرضا ويبرأ من كل ما يخالف الدولة العباسية [١] ، فلما كان فيما بعد هذا اليوم أخرجت الثياب إلى باب النوبي، وحفرت حفرة وطرح فيها الحطب، ووضعت الثياب فوقه وضربت بالنار وأبو الحسن علي بن عبد العزيز والحجاب حاضرون، والعوام ينظرون [٢] وسبك المركب، فخرج وزن فضة أربعة آلاف وخمسمائة واثنتين وستين درهما، فتصدق به على ضعفاء بني هاشم [٣] . [زيادة أمر العيارين] وفي هذه السنة: زاد أمر العيارين وكبسوا دور الناس نهارا وفي الليل بالمشاعل والموكبيات، وكانوا يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره ويستخرجونها منه بالضرب كما يفعل المصادرون، ولا يجد المستغيث مغيثا، وقتلوا ظاهرا وانبسطوا على الأتراك، وخرج أصحاب الشرط من البلد، وقتل كثير من المتصلين بهم، وعملت الأبواب، وأوثقت على الدروب، ولم يغن ذلك شيئا، وأحرقت دار الشريف المرتضى على الصراة، وقلع هو باقيها، وانتقل إلى درب جميل وكان الأتراك قد أحرقوا طاق الحراني لفتنة جرت بينهم وبين العيارين والعامة، وكان هذا الاختلاط من شهر رجب سنة خمس عشرة إلى آخر سنة ست عشرة. [غلاء الأسعار] وغلت الأسعار، وفي هذه السنة بيع الكر بثمانين دينارا، فخرج خلق من أوطانهم. [تأخر ورود الحاج الخراسانية] وتأخر في هذه السنة ورود الحاج الخراسانية، فلم يحج أحد من خراسان ولا من العراق.

стр. 5199

ذكر من توفي في هذه السنة [١] من الأكابر ٣١٣٦- سابور [٢] بن أردشير [٣] : وزر لبهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة ثلاث مرات، / وكان كاتبا شديدا، وابتاع دارا بين السورين في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وحمل إليها كتب العلم من كل فن، وسماها دار العلم، وكان فيها أكثر من عشرة آلاف مجلد، ووقف عليها الوقوف، وبقيت سبعين سنة وأحرقت عند مجيء طغرلبك في سنة خمسين وأربعمائة، ووزر لشرف الدولة بن عضد الدولة، وكان عفيفا عن الأموال، كثير الخير سليم الباطن، وكان إذا سمع الآذان ترك ما هو فيه من الأشغال وقام إلى الصلاة، ولم يعبأ بشيء إلا أنه كان يكثر الولاية والعزل، فولى بعض العمال عكبرا فقال له: أيها الوزير كيف ترى أستأجر السمارية مصعدا ومنحدرا فتبسم وقال: امض ساكنا. وتوفي ببغداد هذه السنة وقد جاوز السبعين [٤] . ٣١٣٧- عثمان [٥] النيسابوري، الخركوشي [٦] الواعظ: كان يعظ الناس، وله كتاب صنفه في الوعظ من أبرد الأشياء، وفيه أحاديث كثيرة موضوعة، وكلمات مرذولة لكنه قد كان فيه خير. دخل على القادر في سنة ست وتسعين وثلاثمائة، فوقف بين يديه وقال: أطال الله بقاء أمير المؤمنين حدثني فلان عن فلان عن النبي ﷺ أنه قال «لكل إمام دعوة مستجابة» [٧] فإن رأى أمير المؤمنين أن يخصني في هذا اليوم بدعوة، فقال له: بارك الله عليك وفيك. وكان له حشمة عظيمة ومحلته حمى يلجأ عليه وكان محمود بن سبكتكين إذا رآه

стр. 5200

يقوم له ويستقبله إذا قصده، فدخل عليه محمود [١] يوما وقال له: قد ضاق صدري كيف قد صرت تكدى؟ فقال: كيف؟ قال: بلغني أنك تأخذ أموال الضعفاء وهذا هو الكدية، وكان محمود قد سقط على أهل نيسابور شيئا فكف عن ذلك. ووقع بنيسابور جرف فأخذ يغسل الموتى (ويواريهم) [٢] فغسل عشرة آلاف. ٣١٣٨- محمد [٣]- بن الحسن بن صالحان أبو منصور [٤] : / وزر لشرف الدولة أبي الفوارس بن عضد الدولة ثم لأخيه بهاء الدولة وكان يحب الخير والعلماء ويميل إلى العدل ويفضل على الناس وإذا سمع الأذان ترك شغله ونهض لأداء الفرض وكان له مجلس نظر يحضر أهل العلم وكان يعطى العلماء والشعراء وتوفي ببغداد في رمضان هذه السنة عن ست وسبعين سنة. وكان أبو علي إسماعيل الموفق يخلف أبا منصور فأتاه بشر بن هارون النصراني فقال له: إني قد هجوت الوزير أبا منصور بأبيات فيها: قالوا مضيت إلى الوزير ... فقلت بنظر أم الوزير يلقى الكرام نعم وأما ... ذا فيلقى جوف بئر فقال: لو سمعها منك لحمدت أمرك معه، فقال: ما عليك إن أنشدتها إياه، قال: ما تؤثر، قال: مائة درهم وعشرة أقفزة حنطة [٥] ، فدخل على الوزير وقال له: قد أنعمت على بما تقصر شكري عنه وقد حسدني [قوم] [٦] على قربي منك، وقالوا أبياتا على لساني فيك فأخاف أن تصدق ذلك إذا سمعته، فقال: لا تخف فما الأبيات؟ فأنشده إياه فضحك وخرج فكتب له أبو علي بالدراهم والحنطة على وكيله فدافعه، فكتب إليه:

стр. 5201

أيها السيد الكريم الجليل ... هل إلى نظرة إليك سبيل فأناجيك باشتكاء وكيل ... ليس حسبي وليس نعم الوكيل ٣١٣٩- مشرف الدولة [١] ، أبو علي بن بهاء الدولة: أصابه مرض حاد فتوفي لثمان بقين من ربيع الأول عن ثلاث وعشرين سنة وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما، وكانت مدة إمارته خمس سنين وشهرا وخمسة وعشرين يوما.

стр. 5202

ثم دخلت سنة سبع عشرة وأربعمائة فمن الحوادث فيها [١] : / [ورود الأصفهلارية إلى بغداد] إن الأصفهلارية وردوا إلى بغداد، فراسلوا العيارين وكانوا قد كثروا بالانصراف عن البلد، فلم يلتفتوا إلى هذه المراسلة وخرجوا إلى مضارب الأصفهلارية [٢] وصاحوا وشتموا، ووقعت حرب طول النهار وأصبح الجند على غيظ وحنق، فلبسوا السلاح وضربوا الدبادب كما يفعل في الحرب، ودخلوا الكرخ ووقعت النار فاحترق من الدقاقين إلى النحاسين وبعض باب المساكين وسائر الأبواب التي كانوا يتحصنون بها، ونهبت الكرخ في هذا اليوم وهو يوم الأحد لعشر بقين من المحرم، وأخذ الشيء الكثير من القطيعة ودرب رياح، وفيه كانت دار أبي يعلى ابن الموصلي رئيس العيارين، وأخذ من درب أبي خلف الأموال خص بها من دار ابن زيرك البيع، وقلعت الأبواب من درب عون وسائر أسواق الكرخ السالمة من الحريق، وأصبح الناس في اليوم الثالث على خطة صعبة، وكان ما انتهبه العوام من غير أهل الكرخ أكثر مما نهبه الأتراك [٣] ، ومضى المرتضى مستوحشا مما جرى إلى دار الخليفة فانحدر الأصفهلارية [٤] ، وسألوا التقدم إليه بالرجوع، فخلع عليه ثم تقدم إليه بالعود، ثم حفظت المحال واشيعت المصادرات، وقرر على الكرخ مائة ألف دينار.

стр. 5203

وفي ربيع الآخر: شهد أبو عبد الله الحسين [١] بن علي الصيمري عند قاضي القضاة ابن أبي الشوارب [٢] بعد أن استتابه عما ذكر عنه من الاعتزال. وفي شهر رمضان: انقض كوكب عظيم الضوء كان له دوى كدوي الرعد. وجاء في هذه السنة [٣] برد لم يعهد مثله منذ يوم الثلاثاء سلخ شوال وإلى يوم الثلاثاء لعشر بقين من ذي الحجة على الدوام، وجمد الماء طول هذه المدة ثخينا حتى في حافات دجلة والأنهار الواسعة، وأما/ السواقي ومجاري الماء فإنها كانت تجمد طولا وعرضا، وقاسى الناس من هذا شدة، وامتنع كثير منهم من التصرف والحركة، وتأخرت الزيادة [٤] في دجلة والفرات، وامتنع المطر فوقفت العمارة، فلم يزرع في السواد إلا القليل. [اعتقال جلال الدولة أبا سعد بن ماكولا وزيره] وفي هذه السنة [٥] : اعتقل جلال الدولة أبا سعد بن ماكولا وزيره [٦] ، واستوزر ابن عمه أبا علي بن ماكولا [٧] . وتأخر الحاج الخراسانية في هذه السنة، وبطل الحج من خراسان والعراق. ذكر من توفي في هذه السنة [٨] من الأكابر ٣١٤٠- أَحْمَدُ [٩] بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس بن مُحَمَّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، أبو الحسن القرشي الأموي [١٠] :

стр. 5204

ولي قضاء البصرة قديما ثم قضاء القضاة بعد أبي محمد بن الأكفاني في ثالث من شعبان سنة خمس وأربعمائة، ولم يزل على القضاء إلى حين وفاته، وكان عفيفا نزها، وقد سمع من أبي عمر الزاهد، وعبد الباقي بن قانع إلا أنه لم يحدث. أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب، قال: حدثني القاضي أبو العلاء الواسطي، قال: إن المتوكل دعا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وأحمد بن المعدل، وإبراهيم التيمي من البصرة وعرض على كل [واحد] [١] منهم قضاء القضاة، فاحتج محمد بن عبد الملك بالسن العالية وغير ذلك، واحتج أحمد بن المعدل بضعف البصر وغير ذلك، وامتنع إبراهيم التيمي، فقال: لم يبق غيرك، وجزم عليه فولي فنزل حال إبراهيم التميمي عند أهل العلم، وعلت حالة الآخرين. قال أبو العلاء: فيرى الناس أن بركة امتناع محمد بن عبد الملك دخلت على ولده فولى منهم أربعة وعشرون قاضيا منهم ثمانية تقلدوا قضاء القضاة، وآخرهم أبو الحسن أحمد بن محمد، وما رأينا مثله جلالة ونزاهة وصيانة وشرفا. أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا الخطيب، قال: حدثني القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري، قال: كان بيني وبين القاضي أبي الحسن ابن أبي الشوارب بالبصرة أنس كثير وامتزاج شديد حتى كان يعدني ولدا وأعده والدا، فما علمت له سرا قط أو ظهر عليه ما استحيى منه، وكان بالبصرة رجل من وجوهها واسع الحال كثير المال جدا يعرف بابن نصر بن عبدويه، فقال لي، وقد دخلت عليه عائدا [له] [٢] في علة الموت في صدري سر، وأريد اطلاعك عليه، لما ولى القاضي أبو الحسن بن أبي الشوارب القضاء بالبصرة في أيام بهاء الدولة، وكان بيني وبينه من المودة ما شهرته تغنى عن ذكره مضيت إليه، وقلت له: قد علمت أن هذا الأمر الّذي تقلدتا يحتاج فيه إلى مؤن كثيرة وأمور لا يقدر عليها، وقد أحضرتك مائتي دينار وتعلم أنني ممن لا يطلب قضاء ولا شهادة ولا بيني وبين أحد خصومة احتاج إليها في الترافع إليك، وإن حدث بي

стр. 5205

حدث اقتضى الترافع إليك فباللَّه عليك إلا حكمت عليّ [في ذلك] [١] فما يجب على يهودي لو كان في موضعي، واسألك أن تقبض مني هذه الدنانير تستعين بها على أمرك، فان قبلتها بسبب المودة التي بيننا فأنت في حل منها في الدنيا والآخرة، وإن أبيت [٢] قبولها على هذا الوجه، فهي قرض لي عليك، فقال: اعلم أن الأمر كما ذكرته وو الله إني لمحتاج إليها، ولكن لا يراني الله قبلت إعانة على هذا الأمر، واسألك باللَّه إن أطلعت أحدا على هذا السر ما دمت في الدنيا، فو الله ما ذكرت لأحد قبل هذا الوقت. قال ابن حبيب: ومات من يومه ذلك، توفي ابن أبي الشوارب في شوال هذه السنة. ٣١٤١- إبراهيم [٣] بن عبد الواحد بن محمد بن الحباب، أبو القاسم الدلال: سمع محمد بن عبد الله الشافعي وغيره، وكان ثقة يسكن الجانب الشرقي. وتوفي في صفر هذه السنة. ٣١٤٢- جعفر [٤] بن بابي، أبو مسلم الختلي [٥] . سمع ابن بطة، ودرس فقه الشافعي على أبي حامد الإسفرائيني. وكان ثقة فاضلا دينا. وتوفي في رمضان هذه السنة. ٣١٤٣-[عَبْد اللَّهِ [٦] بن جعفر [٧] ، أبو سعد ابن باكويه [٨] : وزر لجلال الدولة أبي طاهر واعتقله ومات في اعتقاله في هذه السنة، وكان أديبا شاعرا.

стр. 5206

٣١٤٤- عمر [١] بن أحمد بن إبراهيم بن عبدويه، أبو حازم الهذلي النيسابوري [٢] : سمع إسماعيل بن نجيد، وأبا بكر الإسماعيلي وخلقا كثيرا، روى عنه محمد بن أبي الفوارس، والتنوخي، وأبو بكر الخطيب، وكان ثقة صادقا عارفا حافظا، سمع الناس بإفادته، وكتبوا بانتخابه، وتوفي في عيد الفطر من هذه السنة] [٣] . ٣١٤٥- عمر [٤] بن أحمد بن عثمان، أبو حفص البزاز العكبري [٥] : ولد سنة عشرين وثلاثمائة. سمع النقاش، وكان ثقة مقبول الشهادة عند الحكام، وتوفي في هذه السنة. ٣١٤٦- علي بن أحمد بن عمر بن حفص، أبو الحسن المقرئ المعروف بابن [٦] الحمامي: ولد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وسمع أبا عمر وابن السماك، والنجاد، والخلدي، وخلقا كثيرا، وكان صدوقا دينا فاضلا حسن الاعتقاد، وتفرد بأسانيد القراءات وعلوها في وقته، وكان ينزل سوق السلاح من دار المملكة. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت، قال: حدثني نصر بن إبراهيم الفقيه، قال: سمعت سليم بن أيوب الرازي، يقول: سمعت أبا الفتح بن أبي الفوارس يقول: لو رحل رجل من خراسان ليسمع كلمة من أبي الحسن الحمامي أو من أبي أحمد الفرضي لم تكن رحلته ضائعة عندنا. توفي أبو الحسن الحمامي رابع عشرين [من] [٧] شعبان هذه السنة عن تسع وثمانين سنة، ودفن بمقبرة باب حرب.

стр. 5207

٣١٤٧- محمد بن أحمد بن إبراهيم بن مشاذى، أبو الحسن الهمذاني [١] : أخبرنا عبد الرحمن أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: كتبت عنه عند رجوعه من الحج وذلك في سنة تسع وأربعمائة [٢] ، وكان ثقة. ٣١٤٨- محمد بن أحمد بن الحسن بن الحسن بن إسحاق، أبو الحسن [٣] البزاز: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت، قال: محمد بن أحمد أبو الحسن البزاز سمع بمكة من عبد الله بن محمد بن إسحاق الفاكهي، وأحمد بن محبوب الفقيه، كتبنا عنه بعد أن كف بصره، وكان ثقة، وتوفي في سنة سبع عشرة وأربعمائة.

стр. 5208

ثم دخلت سنة ثمان عشرة وأربعمائة فمن الحوادث [١] فيها: أنه في آخر نهار الخميس العاشر من ربيع الآخر [٢] جاء برد كبار بنواحي قطربُّل والنعمانية والنيل، وأثر في غلات هذه النواحي، / وقتل كثيرا من الوحش والغنم، وقيل: إنه كان في البردة منه ما وزنه رطلان وأكثر. وجاء في ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من هذا الشهر في مدينة السلام برد كبير، كقدر البيض واكبر] [٣] بعد مطر متصل. وورد الكتاب من واسط بانه سقط من البرد ما كان وزن الواحدة منه أرطالا فهلكت الغلات ولم يصح منها إلا الأقل. وفي ربيع الآخر: قصد الأصفهلارية [٤] والغلمان دار الخليفة، وراسلوه بأنك أنت مالك الأمور، وقد كنا عند وفاة الملك مشرف الدولة اخترنا جلال الدولة تقديرا منا أنه ينظر في أمورنا، فأغفلنا فعدلنا إلى أبي كاليجار ظنا منه أنه يحقق ما يعدنا به، فكنا على أقبح من الحالة الأولى ولا بد لنا من تدبير أمورنا، فخرج الجواب بأنكم أبناء

стр. 5209

دولتنا، وأول ما نأمركم به أن تكون كلمتكم واحدة، وبعد فقد جرى الأمر من عقد الأمر لأبي طاهر ثم نقضه ثم ساعدناكم عليه، وفيه قبح علينا وعليكم، ثم عقدتم لأبي كاليجار عقدا لا يحسن حله من غير روية ولبنى بويه في رقابنا عهود لا يجوز العدول عنها والوجه أن تدعونا [حتى] [١] نكاتب أبا كاليجار ونعرف ما عنده، ثم كوتب أنك إن لم تتدارك الأمر خرج عن اليد، ثم آل الأمر إن عادوا وسألوا التقدم بالخطبة لجلال الدولة أبي طاهر وأقيمت الخطبة له. [كتابة الأمير يمين الدولة محمود إلى الخليفة كتابا يذكر فيه ما فتحه من بلاد الهند] وكتب الأمير يمين الدولة محمود إلى الخليفة كتابا يذكر فيه ما فتحه من بلاد الهند وكسره الصنم المعروف بسومنات، وكان في كتابه أن أصناف الخلق افتتنوا بهذا الصنم، وربما اتفق برؤ عليل يقصده، وكانوا يأتونه من كل فج عميق ويتقربون إليه بالأموال الكثيرة حتى بلغت أوقاته عشرة آلاف قرية مشهورة في تلك البقاع، وامتلأت خزانته بالأموال، ورتب له ألف رجل للمواظبة على خدمته وثلاثمائة يحلقون حجيجه [٢] وثلاثمائة [وخمسون] [٣] يرقصون ويغنون على باب الصنم، وقد كان العبد يتمنى قلع هذا الوثن فكان يتعرف الأحوال فتوصف له المفاوز/ إليه وقلة الماء واستيلاء الرمل على الطرق، فاستخار العبد الله [٤] في الانتداب لهذا الواجب ومثل في فهمه أضعاف المسموع من المتاعب طلبا للثواب الجزيل. [نهوض العبد في ثلاثين ألف فارس] ونهض العبد في شعبان سنة ست عشرة في ثلاثين ألف فارس اختارهم سوى المطوعة ففرق العبد في المطوعة خمسين ألف دينار ليستعينوا على أخذ الأهبة، ثم مضى العبد في مفازة أصعب [٥] مما وصف، وقضى الله سبحانه الوصول إلى بلد الصنم، وأعان حتى ملك البلد، وقلع الوثن وأوقدت عليه النار [٦] حتى تقطع وقتل خمسون ألف من سكان البلد.

стр. 5210

وفي يوم السبت ثالث رمضان: دخل جلال الدولة إلى دار المملكة بعد أن خرج الخليفة ليلقيه [١] قبل ذلك بساعة، فاجتمعا في دجلة ونزل الخليفة من داره في الطيار بين سرادقين مضروبين ومعه الأمير أبو جعفر وأبو الحسن علي بن عبد العزيز، والمرتضى أبو القاسم الموسوي، ونظام الحضرتين أبو الحسن الزينبي، والمصطنع أبو نصر منصور بن رطاس [٢] الحاجب، وانحدر إلى أن قرب من مضرب الملك جلال الدولة، فخرج [إليه في زبزبه] [٣] وصعد فقبل الأرض دفعات، وجلس بين يديه على كرسي طرح له، وسأله عن أخباره وعرفه أنه بقرب داره، فشكر ودعا وعاد إلى الزبزب فوقف فيه فتقدم إليه الخليفة بالجلوس فجلس وتبع الطيار على سبيل الخدمة إلى أن عبر إلى درجة دار الخليفة، وصعد الملك من الزبزب وجلس في خيمة لطيفة ضربت له على شاطئ دجلة بقرب قصر عيسى، ثم مضى إلى دار المملكة وتقدم/ بأن يضرب له الطبل على بابها في أوقات الصلوات الخمس على مثل ما كان سلطان الدولة فعله عند وروده وغيره مشرف الدولة بعده ورده إلى الرسم وهو في أوقات الصلوات الثلاث وعلى ذلك جرت العادة [٤] في أيام عضد الدولة وصمصامها وشرفها وبهائها، فثقل ما فعله على الخليفة لأنه مساواة له وراسل في معناه، فاحتج بما فعله سلطان الدولة، فقيل ذلك على غير أصل ومن غير إذن، ولم تجر العادة بمماثلة الخليفة في هذا الأمر، ثم تردد الرسائل ما انتهى إلى أن قطع الملك ضرب الطبل في الواحدة، فأذن الخليفة في ضرب الطبل في أوقات الصلوات الخمس. [حلف جلال الدولة لجنوده على الوفاء والصفاء] وفي هذه السنة [٥] : حلف جلال الدولة لجنوده على الوفاء والصفاء، وحلف لأمير المؤمنين أيضا على المخالصة والطاعة. وفي يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال وهو التاسع والعشرين من تشرين الثاني: هبت ريح من الغرب باردة، ودام البرد إلى يوم الثلاثاء ثالث ذي القعدة، فجاوز العادة

стр. 5211

وجمدت منه حافات دجلة، وجمد الخل والنبيذ وأبوال الدواب، ورئيت ناعورة قد وقفت لجمود الماء وقد صار الماء في أنقابها كالعمود. وقلد أبو طاهر بن حماد واسطا والبطيحة، ولقب عميد الحضرة ذا الرتبتين. وفي هذه السنة [١] : زاد الأمر في نقض دار معز الدولة بباب الشماسية، وكان معز الدولة قد بنى هذه الدار بناء صرف إليه عنايته، فعظم المجالس، وفخم البناء، ووصل/ بها من الإصطبلات ما يسع الوفا من الكراع، وجعل على كل إصطبل بابا من حديد وأنفق عليها اثنى عشر ألف ألف درهم قيمتها ألف ألف دينار، سوى ما كان يجلب من معادن الجص والنورة والإسفيذاج، ولم يعمل من مسناتها إلا البعض لأنه أراد أن يصل المسناة بمسناة دار الصيمري، فعاجلته المنية، فلما توفي جعلها ولده عز الدولة دار الموكب، وكان لا يحضرها إلا عند البروز للعسكر، وكانت داره التي ينزلها الدار الغربة التي كانت للمتقي للَّه، وتجددت دولة بعد دولة ودار المعز مهجورة، فلما عمر بهاء الدولة داره بسوق الثلاثاء التي كانت معروفة بمونس فسح في أخذ شيء من آجر الإصطبلات، فدب الخراب فيها، وبعث بهاء الدولة لقلع السقف الساج المذهب من بيت المائدة، وكانت قد أنفقت عليه أموال عظيمة فحمله إلى مهرويان ليحوله إلى دار المملكة بشيراز، فلم يتم ذلك وبقي موضعه، فهلك، وبذل، في ثمنه من يحك ذهبه ثمانية آلاف دينار، فلم يقبل الرجل [٢] ، ثم امتدت يد الجند إلى أخذ آجرها، ثم أقيم من ينقضها ويبيع آلاتها. وتأخر في هذه السنة الحاج الخراسانية، ولم يحج من خراسان والعراق أحد من الناس. ذكر من توفي في هذه السنة [٣] من الأكابر ٣١٤٩- أَحْمَدُ [٤] بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عبد الصمد بن المهتدي باللَّه، أبو عبد الله الشاهد [٥] :

стр. 5212

خطب في جامع المنصور في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، وكان يخطب خطبة واحدة كل جمعة لا يغيرها، وإذا سمعها منه الناس ضجوا بالبكاء وخشعوا/ لصوته. توفي في هذه السنة. ٣١٥٠- الحسين [١] بن علي بن الحسين، أبو القاسم المغربي الوزير [٢] : ولد بمصر في ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة وهرب منها حين قتل صاحبها أباه وعمه، وقصد مكة ثم الشام ثم بغداد فوزر لمشرف الدولة [٣] بعد أبي على الرخجي، وكان كاتبا عالما يقول الشعر الحسن، ثم وزر بعد ذلك لابن مروان بديار بكر ومات عنده، قال أبو غالب بن بشران الواسطي: رويت له أن بعض الحكماء قال لبنيه: تعلموا العلم فلأن يذم الزمان لكم خير من أن يذم بكم، ففكر ساعة وكتب: ولقد بلوت الدهر أعجم صرفه ... فأطاع لي عصيانه ولسانه [٤] ووجدت عقل المرء قيمة نفسه ... وبجده جدواه، أو حرمانه فإذا جفاه المجد عيبت نفسه ... وإذا جفاه الجد عيب زمانه ومن شعره المستحسن ما أنبأنا به أبو القاسم السمرقندي، قال: أنشدنا أبو محمد التميمي للوزير أبي القاسم المغربي: وما ظبية أدماء تحنو على الطلا ... ترى الإنس وحشا وهي تأنس بالوحش غدت فارتعت ثم انثنت لرضاعه ... فلم تلق شيئا من قوائمه الحمش فطافت بذاك القاع ولهى فصادفت ... سباع الفلا ينهشنه أي ما نهش / بأوجع منى يوم ظلت أنامل ... تودعني بالدر من شبك النقش وأجمالهم تمشى [٥] وقد خيل الهوى ... كأن مطاياهم على ناظري تمشي وأعجب ما في الأمر إن عشت بعدهم ... على أنهم ما خلفوا في من بطش

стр. 5213

وكان المغربي إذا دخل عليه الفقيه سأله عن النحو، والنحوي سأله عن الفرائض أو الشاعر سأله عن القرآن قصدا ليسكتهم، فدخل عليه شيخ معروف فسأله عن العلم، فقال: ما أدري ولكني رجل يودعني الغريب الذي لا أعرفه الأموال العظيمة، ويعود بعد سنين وهي بختومها فأخجله بذلك وآل الأمر [١] إلى أن زار رجلا من الصالحين المنقطعين إلى الله تعالى، فقال: لو صحبتنا لنستفيد منك وتستفيد منا، فقال: ردني عن هذا قول الشاعر: إذا شئت أن تحيا غنيا فلا تكن ... بمنزلة إلا رضيت بدونها فأنا اكتفي بعيشي هذا، فقال: يا شيخ ما هذا بيت شعر هذا بيت مال، ثم قال: اللهم أغننا كما أغنيت هذا الشيخ، واعتزل السلطان فقيل له: لو تركت المناصب في عنفوان شبابك، فقال: كنت في سفرة البطالة والجهل ... زمانا فحان مني قدوم تبت من كل مأثم فعسى يمحي ... بهذا الحديث ذاك القديم بعد خمس وأربعين لقد ما ... طلت إلا أن الغريم كريم ولما أحس بالموت كتب كتابا إلى من يصل إليه من الأمراء والرؤساء الذين من ديار بكر والكوفة يعرفهم أن حظية له توفيت، وإن تابوتها يجتاز بهم إلى مشهد أمير المؤمنين علي ﵇، وخاطبهم في المراعاة لمن يصحبه ويخفره، وكان قصده أن لا يتعرض أحد لتابوته، وأن ينطوي خبره فتم له ذلك. وتوفي في رمضان بميافارقين عن ست وأربعين سنة، وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي ﵇ فدفن هناك. أَخْبَرَنَا محمد بْن ناصر، أَخْبَرَنَا عبد المحسن بن محمد قال: حدثني أبو منصور محمد بن علي الواسطي قال: حدثني الأمير منتخب الملل قال: كان ابن المغربي مختفيا بالقاهرة والسلطان يطلب دمه، وكان بمصر صبي أمرد مما انتهى الحسن إليه في

стр. 5214

زمانه، وكان يشتهي أن يراه، فخبر أنه يسبح في الخليج، فخرج وغرر بنفسه، ونظر إليه فقال: علمت منطق حاجيه والين عشر رأيته ... وعرفت آثار النعيم بقبلة من عارضيه ها قد رضيت من الحياة بأسرها نظري إليه ... ولقد أراه في الخليج يشقه من جانبيه والموج مثل السيف وهو فرنده في صفحتيه ... لا تشربوا من مائه أبدا ولا تردوا عليه قد ذاب منه السحر من حركاته وحنيته ... مكانه في الموج قلبي بر شواقي إليه] [١] ٣١٥١- محمد [٢] بن إسحاق ابن الطل [٣] ابن وائل، أبو بكر الأزدي [٤] الأنباري: سمع أحمد بن يعقوب القرنجلي. أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب، قال: حدثني الصوري أنه سمع منه بالأنبار في سنة ثمان عشرة وأربعمائة، ومات في تلك السنة. ٣١٥٢- مُحَمَّد [٥] بن الحسين بن إبراهيم بن محمد، أبو بكر الوراق ويعرف بابن الخفاف [٦] : حدث عن أحمد بن جعفر القطيعي وغيره. أَخْبَرَنَا القزاز، أَخْبَرَنَا [أبو بكر] [٧] أَحْمَد بن علي الحافظ، أخبرنا محمد بن الحسين [٨] الخفاف، عن جماعة كثيرة لا تعرف ذكر أنه كتب عنهم في السفر، وكان غير ثقة لا شك أنه كان يركب الأحاديث ويضعها على من يرويها عنه، ويختلق أسماء وأنسابا

стр. 5215

عجيبة، وعندي عنه من تلك الأباطيل أشياء، وكنت عرضت بعضها علي هبة الله بن الحسن الطبري، فخرق كتابي بها وجعل يعجب مني كيف أسمع منه. توفي الخفاف في ذي الحجة من هذه السنة. ٣١٥٣- هبة الله [١] بن الحسن [٢] بن منصور، أبو القاسم الرازي طبري الأصل ويعرف باللالكائي [٣] : سمع عيسى بن علي بن عيسى الوزير، والمخلص، وخلقا كثيرا. ودرس الفقه على مذهب الشافعيّ عند أبي حامد الأسفراييني، وكان يفهم ويحفظ، وصنف كتبا وأدركته المنية قبل أن ينتشر عنه شيء، فتوفى بالدينور في رمضان هذه السنة. أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب، قال: حدثني علي بن الحسين بن جداء العكبري، قال: رأيت أبا القاسم الطبري في المنام فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: بماذا؟ فكأنه قال كلمة خفية بالسنة. ٣١٥٤- أبو القاسم [٤] بن القادر باللَّه [٥] : توفي ليلة الأحد لليلة خلت من جمادى الآخرة، وصلى عليه أخوه أبو جعفر، ومشى الناس بين يدي جنازته من رأس الجسر إلى التربة بالرصافة، وأعاد الصلاة عليه أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر، وقطع ضرب الطبل في دار الخلافة أياما لأجل المصيبة، ولحق الخليفة عليه من الحزن أمر عظيم. ٣١٥٥- أبو الحسن [٦] ابن طباطبا الشريف [٧] : له شعر مليح، ومنه أن رجلا كتب إليه، فأجابه على ظهر رقعته فقال: وقرأت الذي كتبت وما زال ... نجيي ومؤنسي وسميري

стр. 5216

وغدا الفال بامتزاج السطور ... حاكما بامتزاجنا في الضمير واقتران الكلام لفظا وخطا ... شاهد باقتران [١] ود الصدور وتبركت باجتماع الكلامين ... رجاء اجتماعنا في سرور وتفاءلت بالظهور على الواشي ... فصارت إجابتي في الظهور توفي في ذي القعدة من هذه السنة ﵀.

стр. 5217

ثم دخلت سنة تسع عشرة وأربعمائة فمن الحوادث فيها [١] : أن الغلمان اجتمعوا يوم الأحد ثاني عشر المحرم، وتحالفوا على اتفاق الكلمة، وأخرجوا الخيم، وأخرجوا أكابر الأصفهلارية [٢] معهم، فخرجوا يوم السبت ثامن عشر المحرم، ثم أنفذوا يوم الأحد جماعة إلى دار الخلافة برسالة يقولون فيها: نحن عبيد أمير المؤمنين، وهذا الملك متوفر على لذاته لا يقوم بأمورنا ونريد أن توعز إليه [٣] بالعود إلى البصرة، وإنفاذ ولده ليقيم بيننا نائبا عنه في مراعاتنا، فأجيبوا ووعدوا بمراسلة جلال الدولة، وأنفذ إليه المرتضى، وأبو الحسن الزينبي، وأبو نصر المصطنع برسالة تتضمن ما قالوه، فقال: كل ما ذكروا من إغفالنا لهم صحيح، ونحن معتذرون عفا الله عما سلف، ونحن نستأنف الطريقة التي تؤدى إلى مرادهم، فلما بلغهم ذلك، قالوا: فإذا نحن مطيعون إلا أننا نريد ما وعدنا به عاجلا قبل دخولنا إلى منازلنا، ثم تقرر القواعد بعد ذلك، وأخرج من المصاغ والفضة أكثر من مائة ألف درهم، فلم يرضهم، وباكروا فنهبوا دار الوزير [أبي علي] [٤] بن ماكولا وبعض دور الأصحاب والحواشي، وعظمت الفتنة وخرقت الهيبة [٥] ، ومد أقوام أيديهم إلى دور العوام، ووكلوا جماعة منهم بأبواب

стр. 5218

دار المملكة، ومنعوا من دخول الطعام والماء، فضاق الأمر على من في الدار حتى أكلوا ما في البستان، وشربوا من الآبار، فخرج الملك ودعا قوما من الموكلين بالأبواب فلم يأتوا فكتب رقعة إلى الغلمان: بأني أرجع عن كل ما أنكرتموه وأعطيكم، فقالوا أعطيتنا ملء بغداد لم تصلح لنا ولم نصلح لك، فقال: إذ كرهتموني فمكنوني من الانحدار، واستقر الأمر على انحداره وابتيع له زبزب شعث، فقال: يكون نزولي بالليل، فقالوا، لا بل الآن، والغلمان يرونه قائما فلا يسلمون عليه، ويدعوهم فلا يجيبونه، فحمل قوم من الغلمان على السرادق فظن أنهم يريدون الحرم، فخرج وفي يده طبر وقال: قد بلغ الأمر إلى الحرم، فقال بعضهم: أرجع إلى دارك فإنك ملكنا، وصاحوا: جلال الدولة يا منصور، وانتضيت السيوف وترجلوا وقبلوا الأرض وأخرج المصاغ/ حتى حلي النساء فصرفه إليهم [١] ، واخرج الثياب والفروش والآلات الكثيرة، فلم يف ببعض المقصود، ثم اجتمعوا عند الوزير وهموا بقتله، فقال: لا ذنب له وأخرجت الآلات فبيعت، وكان فيها كيس وسفرة وطست. وقد ذكرنا ما جرى على النخل في السنة الماضية من البرد والريح، فلما جاءت هذه السنة عدم الرطب إلا ما يجلب من بعد، فبيع كل ثلاثة أرطال بدينار جلالي، واشتد البرد فجمدت حافات دجلة، ووقفت العروب بعكبرا عن الدوران لجمود ما حولها، وهلك ببغداد من النخل عشرات ألوف. وتأخر في هذه السنة ورود الحاج من خراسان، وبطل الحج من العراق والبصرة وتأخر عنه أهل مصر، ومضى قوم من خراسان إلى مكران فركبوا في البحر من هناك إلى جدة فحجوا. ذكر من توفي في هذه السنة [٢] من الأكابر ٣١٥٦- الحسين [٣] بن الحسن [٤] بن يحيى، أبو عبد الله العلويّ ويعرف بالنهرسابسي [٥] :

стр. 5219

كتب عنه أبو بكر الخطيب، وكان صدوقا، قال: وسألته عن مولده، فقال: ولدت بالكوفة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، ومات بواسط في جمادي الآخرة من هذه السنة. ٣١٥٧- حمزة [١] بن إبراهيم، أبو الخطاب [٢] : اتصل ببهاء الدولة بعلمه النجوم، وبلغ منزلة [٣] لم يبلغها أمثاله، وكان الوزراء يتبعونه، وحمل إليه فخر الملك ابن خلف لما فتح قلعة سابور مائة ألف دينار، فاستقلها وعاتبه فآل أمره إلى أن مات بكرخ سامرا غريبا مفلوجا، وذهب ماله وجاهه. ٣١٥٨- محمد [٤] بن محمد بن إبراهيم بن مخلد، أبو الحسن التاجر [٥] : سمع إسماعيل بن محمد الصفار، ومحمد بن عمر الرزاز [٦] ، وعمر بن الحسن الشيباني [٧] ، وهو آخر من حدث عنهم، وسمع أبا عمرو ابن السماك، وأحمد بن سليمان النجاد، وجعفر الخلدي وغيرهم، ولم يكن بقي أعلى إسنادا منه وكانت له معرفة [٨] بشيء من الفقه، وكان ذا حال ونعمة، وعرضت عليه الشهادة فأباها، وأشفق من المصادرة فخرج إلى مصر فأقام بها سنة [٩] ، ثم عاد فالزم في التقسيط على الكرخ الذي وقع في سنة سبع عشرة ما أفقره حتى أنه توفي في ربيع الأول من هذه السنة ولم يكن عنده كفن، فبعث القادر باللَّه أكفانه من عنده. ٣١٥٩- مبارك [١٠] الانماطي [١١] : كان له مال عظيم وجاه كثير، فتوفي بمصر وخلف ما يزيد على ثلاثمائة ألف دينار، فترك جميع ذلك على بنت كانت له ببغداد.

стр. 5220

٣١٦٠- أبو الفوارس [١] بن بهاء الدولة [٢] : توفي بكرمان، فنادى أصحابه بشعار ابن أخيه أبي كاليجار، وكان أبو الفوارس ظالما، كان إذا سكر ضرب أصحابه [٣] ، وضرب وزيره في بعض الأيام مائتي مقرعة وأحلفه بالطلاق أنه لا يتأوه ولا يخبر بذلك [٤] أحدا، فقيل إن حواشيه سموه ودفنوه بشيراز. ٣١٦١- محمد [٥] باشاذ [٦] . وزر لأبي كاليجار فلقبه معز الدين [٧] ، فلك الدولة، سيد الأمة، وزير الوزراء، عماد الملك، ثم سلم إلى جلال الدولة أبي طاهر فاعتل ومات [٨] . ٣١٦٢- أبو عبد الله [٩] بن التبان [١٠] : المتكلم، توفي في هذه السنة.
следующие страницы →