← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

وغدا الفال بامتزاج السطور ... حاكما بامتزاجنا في الضمير واقتران الكلام لفظا وخطا ... شاهد باقتران [١] ود الصدور وتبركت باجتماع الكلامين ... رجاء اجتماعنا في سرور وتفاءلت بالظهور على الواشي ... فصارت إجابتي في الظهور توفي في ذي القعدة من هذه السنة ﵀.

стр. 5217

ثم دخلت سنة تسع عشرة وأربعمائة فمن الحوادث فيها [١] : أن الغلمان اجتمعوا يوم الأحد ثاني عشر المحرم، وتحالفوا على اتفاق الكلمة، وأخرجوا الخيم، وأخرجوا أكابر الأصفهلارية [٢] معهم، فخرجوا يوم السبت ثامن عشر المحرم، ثم أنفذوا يوم الأحد جماعة إلى دار الخلافة برسالة يقولون فيها: نحن عبيد أمير المؤمنين، وهذا الملك متوفر على لذاته لا يقوم بأمورنا ونريد أن توعز إليه [٣] بالعود إلى البصرة، وإنفاذ ولده ليقيم بيننا نائبا عنه في مراعاتنا، فأجيبوا ووعدوا بمراسلة جلال الدولة، وأنفذ إليه المرتضى، وأبو الحسن الزينبي، وأبو نصر المصطنع برسالة تتضمن ما قالوه، فقال: كل ما ذكروا من إغفالنا لهم صحيح، ونحن معتذرون عفا الله عما سلف، ونحن نستأنف الطريقة التي تؤدى إلى مرادهم، فلما بلغهم ذلك، قالوا: فإذا نحن مطيعون إلا أننا نريد ما وعدنا به عاجلا قبل دخولنا إلى منازلنا، ثم تقرر القواعد بعد ذلك، وأخرج من المصاغ والفضة أكثر من مائة ألف درهم، فلم يرضهم، وباكروا فنهبوا دار الوزير [أبي علي] [٤] بن ماكولا وبعض دور الأصحاب والحواشي، وعظمت الفتنة وخرقت الهيبة [٥] ، ومد أقوام أيديهم إلى دور العوام، ووكلوا جماعة منهم بأبواب

стр. 5218

دار المملكة، ومنعوا من دخول الطعام والماء، فضاق الأمر على من في الدار حتى أكلوا ما في البستان، وشربوا من الآبار، فخرج الملك ودعا قوما من الموكلين بالأبواب فلم يأتوا فكتب رقعة إلى الغلمان: بأني أرجع عن كل ما أنكرتموه وأعطيكم، فقالوا أعطيتنا ملء بغداد لم تصلح لنا ولم نصلح لك، فقال: إذ كرهتموني فمكنوني من الانحدار، واستقر الأمر على انحداره وابتيع له زبزب شعث، فقال: يكون نزولي بالليل، فقالوا، لا بل الآن، والغلمان يرونه قائما فلا يسلمون عليه، ويدعوهم فلا يجيبونه، فحمل قوم من الغلمان على السرادق فظن أنهم يريدون الحرم، فخرج وفي يده طبر وقال: قد بلغ الأمر إلى الحرم، فقال بعضهم: أرجع إلى دارك فإنك ملكنا، وصاحوا: جلال الدولة يا منصور، وانتضيت السيوف وترجلوا وقبلوا الأرض وأخرج المصاغ/ حتى حلي النساء فصرفه إليهم [١] ، واخرج الثياب والفروش والآلات الكثيرة، فلم يف ببعض المقصود، ثم اجتمعوا عند الوزير وهموا بقتله، فقال: لا ذنب له وأخرجت الآلات فبيعت، وكان فيها كيس وسفرة وطست. وقد ذكرنا ما جرى على النخل في السنة الماضية من البرد والريح، فلما جاءت هذه السنة عدم الرطب إلا ما يجلب من بعد، فبيع كل ثلاثة أرطال بدينار جلالي، واشتد البرد فجمدت حافات دجلة، ووقفت العروب بعكبرا عن الدوران لجمود ما حولها، وهلك ببغداد من النخل عشرات ألوف. وتأخر في هذه السنة ورود الحاج من خراسان، وبطل الحج من العراق والبصرة وتأخر عنه أهل مصر، ومضى قوم من خراسان إلى مكران فركبوا في البحر من هناك إلى جدة فحجوا. ذكر من توفي في هذه السنة [٢] من الأكابر ٣١٥٦- الحسين [٣] بن الحسن [٤] بن يحيى، أبو عبد الله العلويّ ويعرف بالنهرسابسي [٥] :

стр. 5219

كتب عنه أبو بكر الخطيب، وكان صدوقا، قال: وسألته عن مولده، فقال: ولدت بالكوفة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، ومات بواسط في جمادي الآخرة من هذه السنة. ٣١٥٧- حمزة [١] بن إبراهيم، أبو الخطاب [٢] : اتصل ببهاء الدولة بعلمه النجوم، وبلغ منزلة [٣] لم يبلغها أمثاله، وكان الوزراء يتبعونه، وحمل إليه فخر الملك ابن خلف لما فتح قلعة سابور مائة ألف دينار، فاستقلها وعاتبه فآل أمره إلى أن مات بكرخ سامرا غريبا مفلوجا، وذهب ماله وجاهه. ٣١٥٨- محمد [٤] بن محمد بن إبراهيم بن مخلد، أبو الحسن التاجر [٥] : سمع إسماعيل بن محمد الصفار، ومحمد بن عمر الرزاز [٦] ، وعمر بن الحسن الشيباني [٧] ، وهو آخر من حدث عنهم، وسمع أبا عمرو ابن السماك، وأحمد بن سليمان النجاد، وجعفر الخلدي وغيرهم، ولم يكن بقي أعلى إسنادا منه وكانت له معرفة [٨] بشيء من الفقه، وكان ذا حال ونعمة، وعرضت عليه الشهادة فأباها، وأشفق من المصادرة فخرج إلى مصر فأقام بها سنة [٩] ، ثم عاد فالزم في التقسيط على الكرخ الذي وقع في سنة سبع عشرة ما أفقره حتى أنه توفي في ربيع الأول من هذه السنة ولم يكن عنده كفن، فبعث القادر باللَّه أكفانه من عنده. ٣١٥٩- مبارك [١٠] الانماطي [١١] : كان له مال عظيم وجاه كثير، فتوفي بمصر وخلف ما يزيد على ثلاثمائة ألف دينار، فترك جميع ذلك على بنت كانت له ببغداد.

стр. 5220

٣١٦٠- أبو الفوارس [١] بن بهاء الدولة [٢] : توفي بكرمان، فنادى أصحابه بشعار ابن أخيه أبي كاليجار، وكان أبو الفوارس ظالما، كان إذا سكر ضرب أصحابه [٣] ، وضرب وزيره في بعض الأيام مائتي مقرعة وأحلفه بالطلاق أنه لا يتأوه ولا يخبر بذلك [٤] أحدا، فقيل إن حواشيه سموه ودفنوه بشيراز. ٣١٦١- محمد [٥] باشاذ [٦] . وزر لأبي كاليجار فلقبه معز الدين [٧] ، فلك الدولة، سيد الأمة، وزير الوزراء، عماد الملك، ثم سلم إلى جلال الدولة أبي طاهر فاعتل ومات [٨] . ٣١٦٢- أبو عبد الله [٩] بن التبان [١٠] : المتكلم، توفي في هذه السنة.

стр. 5221

ثم دخلت سنة عشرين وأربعمائة فمن الحوادث فيها [١] : [انحدار ذو البراعتين إلى البصرة واليا عليها] أنه انحدر ذو البراعتين أحمد بن محمد الواسطي إلى البصرة/ واليا عليها في محرم هذه السنة. وورد الخبر لسبع خلون من ربيع الآخر: بأن مطرا ورد بنواحي النعمانية ومعه برد كبار، في بردة أرطال، وذكر أنه ورد بنواحي دير العاقول مطر معه برد وزن الواحدة منها خمسة دراهم وأقل، وارتفعت بعده ريح سوداء فقلعت كثيرا من أصول الزيتون العاتية العتيقة، وعبرت بها من شرقي النهروان إلى غربيه وطرحتها علي بعد، وقلعت الريح نخلة من أصلها ثم حملت جذعها إلى دار بينها وبينها ثلاث دور، وقلعت الريح سقف مسجد الجامع [٢] ببعض القرى، وشوهد من البرد ما يكون في الواحدة ما بين الرطل إلى الرطلين، ووجدت بردة عظيمة الحجم [٣] يزيد وزنها على مائة رطل، فحزرت بمائة وخمسين رطلا، وكانت كالثور النائم، وقد نزلت في الأرض نحوا من ذراع. وورد إلى الخليفة كتاب من الأمير يمين الدولة أبي القاسم محمود وكان فيه سلام على سيدنا ومولانا الإمام القادر باللَّه أمير المؤمنين، فإن كتاب العبد صدر من معسكره بظاهر الري غرة جمادى الآخر سنة عشرين، وقد أزال الله عن هذه البقعة أيدي الظلمة

стр. 5222

وطهرها من دعوة الباطنية الكفرة والمبتدعة الفجرة، وقد تناهت إلى الحضرة المقدسة حقيقة الحال في ما قصر العبد عليه سعيه واجتهاده من غزو أهل الكفر والضلال، وقمع من نبغ ببلاد خراسان من الفئة الباطنية الفجار، وكانت مدينة الري مخصوصة بالتجائهم إليها وإعلانهم/ بالدعاء إلى كفرهم فيها يختلطون بالمعتزلة المبتدعة والغالية من الروافض المخالفة لكتاب الله والسنة يتجاهرون بشتم الصحابة [١] ويسرون اعتقاد الكفر [٢] ومذهب الإباحة، وكان زعيمهم رستم بن علي الديلمي، فعطف العبد عنانه بالعساكر فطلع بجرجان وتوقف بها إلى انصراف الشتاء، ثم دلف منها إلى دامغان [٣] ، ووجه عليا لحاجب في مقدمة العسكر إلى الري، فبرز رستم بن علي من وجاره على حكم الاستسلام والاضطرار، فقبض عليه وعلى أعيان الباطنية من قواده. وطلعت الرايات أثر المقدمة بسواد الري غدوة الاثنين السادس عشر من جمادي الأولى، وخرج الديالمة معترفين بذنوبهم شاهدين بالكفر والرفض على نفوسهم، فرجع إلى الفقهاء في تعرف أحوالهم، فاتفقوا على أنهم خارجون عن الطاعة وداخلون في أهل الفساد مستمرون على العناد، فيجب عليهم القتل والقطع والنفي على مراتب جناياتهم [٤] ، وان لم يكونوا من أهل الإلحاد فكيف واعتقادهم في مذاهبهم ولا يعدو ثلاثة أوجه تسود بها الوجوه في القيامة [٥] التشيع والرفض والباطن، وذكر هؤلاء الفقهاء أن أكثر القوم لا يقيمون الصلاة، ولا يؤتون الزكاة، ولا يعرفون شرائط الإسلام، ولا يميزون بين الحلال والحرام، بل يجاهرون بالقذف وشتم الصحابة، ويعتقدون ذلك ديانة، والأمثل منهم يتقلد مذهب الاعتزال، والباطنية منهم لا يؤمنون باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأنهم يعدون جميع الملل مخاريق الحكماء، ويعتقدون مذهب الإباحة في الأموال/ والفروج والدماء [٦] وحكموا بأن رستم بن علي

стр. 5223

كان يظهر التستر ويتميز به عن سلفه إلا أن في حبالته زيادة على خمسين امرأة من الحرائر ولدن ثلاثة وثلاثين نفسا من الذكور والإناث، وحين رجع إليه في السؤال عن هذه الحال، وعرف أن من يستجيز مثل هذا الصنيع مجاوز كل حد في الاستحلال ذكر أن هذه العدة من النساء أزواجه، وأن أولادهن أولاده، وأن الرسم الجاري لسلفه [في ارتباط الحرائر] [١] كان مستمرا على هذه الجملة، وأنه لم يخالف عاداتهم في ارتكاب هذه الخطة، وأن ناحية من سواد الري قد خصت بقوم من المزدكية يدعون الإسلام بإعلان الشهادة، ثم يجاهرون بترك الصلاة والزكاة والصوم والغسل وأكل الميتة، فقضى الانتصار لدين الله [تعالى] [٢] بتميز هؤلاء الباطنية عنهم، فصلبوا على شارع مدينة طالما تملكوها غصبا واقتسموا أموالها نهبا، وقد كانوا بذلوا أموالا جمة يفتدون بها نفوسهم، فعرفوا أن الغرض نهب نفوسهم دون العرض وحول رستم بن علي [وابنه] [٣] وجماعة من الديالمة إلى خراسان، وضم إليهم أعيان المعتزلة والغلاة من الروافض ليتخلص الناس من فتنتهم، ثم نظر فيما اختزنه [٤] رستم بن علي بن الأثاث فعثر من الجواهر ما يقارب خمسمائة ألف دينار، ومن النقد على مائتين وستين ألف دينار، ومن الذهبيات والفضيات على ما بلغ قيمة ثلاثين ألف دينار، ومن أصناف [٥] الثياب على خمسة آلاف وثلاثمائة ثوب، وبلغت قيمة الدسوت من النسيج والخزوانيات [٦] عشرين ألف دينار، ووقف/ أعيان الديلم على مائتي ألف دينار [٧] ، وحول من الكتب خمسون حملا ما خلا كتب المعتزلة والفلاسفة والروافض فإنّها أحرقت تحت جذوع المصلبين، إذ كانت أصول البدع، فخلت هذه البقعة من دعاة الباطنية وأعيان المعتزلة والروافض، وانتصرت السنة فطالع العبد بحقيقة ما يسره الله تعالى لأنصار الدولة القاهرة.

стр. 5224

وفي وقت عتمة ليلة الثلاثاء لعشر بقين من رجب انقض كوكب عظيم أضاءت منه الأرض، وكان له دوي كدوي الرعد، وتقطع أربع قطع، وانقض في ليلة الخميس بعده كوكب آخر دونه، وانقض في ليلة الأربعاء لليلتين بقيتا من الشهر كوكب ثالث أكبر من الأول وأكثر إضاءة وانتشار شعاع. وفي شعبان اضطرب البلد وكثرت العملات، وكبس العيارون عدة محال منه، وضعفت رجالة المعونة. [غار الماء في الفرات غورا شديدا] وفي يوم الاثنين الثامن عشر من هذا الشهر غار الماء في الفرات غورا شديدا، وجزرت فوهة نهر الرفيل وانقطع الماء عنه، ووقفت الأرحاء التي عليه، وتعذرت الطحون وبلغت أجرة الكارة في طحنها ثلاث دنانير كنية قيمتها دينار، وكانت الركينة نصفا من المس، ثم صارت مسا واحدة. [جمع الأشراف والقضاة والشهود والفقهاء في دار الخلافة] وفي هذا اليوم: جمع الأشراف والقضاة والشهود والفقهاء في دار الخلافة، وقرئ عليهم كتاب طويل عمله الخليفة القادر باللَّه يتضمن الوعظ وتفضيل مذهب السنة [١] ، والطعن على المعتزلة وإيراد الأخبار الكثيرة في ذلك عن النبي ﷺ والصحابة. وفي يوم الخميس/ لعشر بقين من شهر رمضان: جمع الأشراف والقضاة والشهود والفقهاء الوعاظ والزهاد إلى دار الخلافة، وقرأ عليهم أبو الحسن بن حاجب النعمان كتابا طويلا عمله الخليفة القادر باللَّه، وذكر فيه أخبارا من أخبار النبي ﷺ ووفاته، وما روي عنه في عدة أمور من الدين وشرائعه، وخرج من ذلك إلى الطعن على من يقول بخلق القرآن وتفسيقه وحكاية ما جرى بين عبد العزيز وبشر المريسي فيه، ثم ختم القول بالوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخذت في آخر الكتاب خطوط الحاضرين وسماعهم بما سمعوه. وفي يوم الاثنين غرة ذي القعدة: جمع القضاة والشهود والفقهاء والوعاظ والزهاد إلى دار الخلافة، وقرئ عليهم كتاب طويل جدا يتضمن ذكر أبي بكر وعمر وفضائلهما

стр. 5225

ووفاة النبي ﷺ ، والطعن على من يقول بخلق القرآن، وأعيد فيه ما جرى بين بشر المريسي وعبد العزيز المكي في ذاك، ويخرج من هذا إلى الوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقام الناس إلى بعد العتمة حتى استوفيت قراءته، ثم أخذت خطوطهم في آخره بحضورهم وسماع ما سمعوه. وكان يخطب في جامع براثا من يذكر في خطبته مذهبا فاحشا من مذاهب الشيعة، فقبض عليه في دار الخلافة، وتقدم يوم الجمعة التاسع عشر من ذي القعدة إلى أبي منصور [بن تمام] [١] الخطيب ليخطب بدلا عن الخطيب الذي كان مرسوما به، فلما صعد المنبر دقه بعقب سيفه، على ما جرت به العادة، والشيعة تنكر ذلك، وخطب خطبة قصر فيها عما كان يفعله من تقدمه في ذكر علي بن أبي طالب، وختم قوله بأن قال: اللَّهمّ اغفر للمسلمين، ومن زعم أن عليا مولاه، فرماه العامة حينئذ بالآجر ودموا وجهه، ونزل من المنبر ووقف المشايخ [٢] دونه حتى صلى ركعتي الجمعة خفيفة وعرف الخليفة ذلك فغاظه وأحفظه، وخرج أمره باستدعاء الشريفين أبي القاسم المرتضى، وأبي الحسن الزينبي، [نظام الحضرتين محمد بن علي] [٣] والقاضي أبي صالح، وأمر بمكاتبة الحضرة الملكية والوزير أبي علي ابن ماكولا والأصبهلارية [٤] في هذا المعنى بما تقام الصحبة فيه فكان فيما كتب: «بسم الله الرحمن الرحيم إذا بلغ الأمر، أطال الله بقاء صاحب الجيش، إلى الجرأة على الدين وسياسة الدولة والمملكة، ثبتها الله من الرعاع والأوباش، فلا صبر دون المبالغة بما توجبه الحمية وبغير شك أنه قد بلغه ما جرى في يوم الجمعة الماضية من مسجد براثا الذي يجمع الكفرة والزنادقة، ومن قد تبرأ الله منه فصار أشبه شيء بمسجد الضرار، وذلك أن خطيبا كان فيه يجري إلى ما لا يخرج به عن الزندقة والدعوى لعلي بن أبي طالب ﵇ ما لو كان حيا، فسمعه لقتل قائله وقد فعل مثل ذلك في

стр. 5226

الغواة أمثال هؤلاء الغثاء الذين يدعون للَّه، ما تكاد السموات يتفطرن منه، فإنه كان في بعض ما/ يورده هذا الخطيب قبحه الله بعد الصلاة على النبي ﷺ ، فيقول وعلى أخيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مكلم الجمجمة، ومحيي الأموات البشري الإلهي مكلم فتية أصحاب الكهف، إلى غير ذلك من الغلو المبتدع الذي تقشعر منه الجلود، ويتحرك منه المسلمون، وتنخلع قلوبهم، ويرون الجهاد فيه كجهاد الثغر، فلما ظهر [١] ذلك قبض على الخطيب وأنفذ ابن تمام ليعتمد إقامة الخطبة القويمة، فأورد الرسم الذي يطرق الأسماع من الخطبة ولم يخرج عن قوله: اللَّهمّ صلى على محمد وعلى آله الطاهرين وأصحابه المنتجبين وأزواجه [الطاهرات] [٢] أمهات المؤمنين،. وذكر العباس وعليا ﵉، ثم قال في التفاته المعهود عن يمينه: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد إمام أئمة الهدى، وعن يساره اللهم صل على محمد الشفيع المشفع في الورى وأقام الدعوتين الجليلتين، ونزل فوافاه الآجر كالمطر فخلع كتفه وكسر أنفه وأدمى وجهه وهو لما به وأشيط بدمه لولا أنه كان هناك أربعة من الأتراك أيدهم الله فنفروا واجتهدوا في أن حموه لكان قد هلك، وهذه هجمة على دين الله وفتك في شريعة سيدنا رسول الله ﷺ وخلاعة في ذكر الربوبية، والحاجة صادقة، والضرورة ماسة إلى أن يقصد الامتعاض البالغ في هذه الحال العظيمة الهائلة التي ارتكبها الكفرة الفجرة، وأقدموا على ما أقدموا عليه، وبقي التظافر على اقتناصهم وأخذ البريء/ بالسقيم، وإباحة الدماء الواجب سفحها، وكسر الأيدي والأرجل التي تجب إبانتها عن أجسادها والشد على أيدي أصحاب المعونة فيما يقصدونه من ذلك، والعمل على ركوب الجم الغفير وجمهور كبراء العسكر أدام الله عزهم في يوم الجمعة الآتية ليكون الخطيب أيده الله في صحبتهم، ويجري الأمر في الخطبة الإسلامية على تقويمها، ورغم من رغم، ولا يكون ذلك إلا بعد نكاية تظهر وتعم، فإن هؤلاء الشيع قد درسوا الإسلام وقد بقيت منه بقية، وإن لم يدفع هؤلاء الزنادقة المرتدة عن سنن الإسلام وإلا هدم وذهبت هذه البقية، وله أدام الله تأييده سامي رأيه في الوقوف على ذلك والجري على العادة في كفاية هذا

стр. 5227

المهم، وإجابتي عن هذه الرقعة بما أنهيه فيقع السكون إليه والاعتماد عليه إن شاء الله بعد فقد لحق تماما الخطيب في نفسه وولده ما ستنشر معرفته، وقد انهتك [١] محرمه، ويحتاج أن يستدعي صاحب المعونة ليستكشف عن حقيقة الحال ومن الذي جنى هذه الجناية، ويتعرف من الملاحين الذين في المشارع من أي جهة وردوا وإلى أين صاروا، ويتعرف ذلك من حراس الدروب بعد الإرهاب الذي يعمل في مثله ويطالع بما ينتهي إليه الاجتهاد أن شاء الله. وكان الذي لحق الخطيب أنه كبسه نحو ثلاثين رجلا في داره ليلة الاثنين بالمشاعل، وأخذوا ما كان في داره/ وأعروه وأعروا ولده وحرمه، وأشفق الوزير والأصفهلارية في الجمعة الثانية من حدوث فتنة بركوب الغلمان مع الخطيب، فراسلوا أبا الحسن بن حاجب النعمان بالتوقف عن إنفاذه في هذا اليوم إلى أن تسكن الثورة، وترتب لهذا الأمر قاعدة يؤمن معها الاختلاط والفساد، فلم يحضر خطيب ولا أقيمت صلاة الجمعة في مسجد براثا، وقد كان شيوخ الشيعة امتنعوا من حضوره وتأهب الأحداث والسفهاء للفتنة. وفي هذا الوقت كثرت العملات والكبسات في الجانب الشرقي من المعروف بالبرجمي ومن معه من الدعار المتغربين من الأجمة بالأحمرية، وكانوا يدخلون على الدار التي يعينون عليها من نقوب ينقبونها إليها فيصيح أهلها ويطلبون مغيثا أو معينا من الأتراك الذين يجاورونهم، فلا يخرج أحد منهم من داره، ولا يمتعض لما يجري في جواره، وزاد الأمر بخلو الجانب الشرقي من ناظر في معونة، ودخل على أبي بكر بن تمام الخطيب ومنزله ملاصق مسجد القهرمانة بازاء دار المملكة، فصاح واستغاث بالملك ودعاه باسمه، فلما كان في ليلة السبت لثلاث بقين من ذي القعدة ارتفع الصياح ليلا في جوار دار المملكة لأن هؤلاء الدعار قصدوا دارا لبعض الأتراك وحاولوا الوصول إليها فنذر بهم وسمع الملك الصوت فركب في غلمانه وحواشيه وخرج إلى باب درب حماد، فطلب القوم، / وخرج كثير من العامة يدعون له ويذكرون الأتراك بما يعجزونهم فيه، فعاد إلى داره، وتعدى الفساد من الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي، وكبست فيه

стр. 5228

دور، وفتحت دكاكين، وكبس جامع الرصافة ليلا، وأخذت ثياب من فيه، واستؤذن الخليفة في تحويل آلات الجامع من الستور، والقناديل، فحولت إلى التربة بالرصافة. وفي يوم الخميس التاسع من ذي الحجة: حضر الأشراف والقضاة والشهود في دار الخلافة، وقرئ عليهم عهد أبي عبد الله الحسين بن علي بن ماكولا بتقليده قضاء القضاة، وخلع عليه ثم قرئ عهده بعد ذلك في جامع الرصافة وجامع المدينة. وفي يوم الجمعة الذي كان عيد النحر: خرج الناس والجند إلى ظاهر البلد بحضرة مسجد براثا، فلم يحضر خطيب ولا حضر صاحب معونة، فلما طال الانتظار قيل لأحد المؤذنين في الموضع تقدم فصل، فتقدم وكبر في أول ركعة ما لم يضبط عدده حيرة ودهشا، وسجد قوم ولم يسجد قوم، وكبر في الركعة الثانية تكبيرة أو تكبيرتين، ووقعت الصيحة فظن أنها من فتنة فانزعج الناس واختلطوا وانقطعت الصلاة، وكان سبب انقطاع الخطباء عن هذا الموضع ما سبق ذكره عن أبي منصور بن تمام الخطيب، وغيظ الخليفة في أن لم يفعل مقابلة/ ذلك لما كتب وأمر به، ثم اجتمع بعد هذا قوم من مشايخ أهل الكرخ، فصاروا مع الشريف المرتضى إلى دار الخلافة، فأحالوا على سفهاء الأحداث فيما جرى على الخطيب، وسألوا الصفح عن هذه الجناية، وأن لا يخلى عن هذا المسجد من المراعاة وإقامة الخطبة فيه، فأقيم لهم خطيب وعادت الصلاة في مسجد براثا منذ يوم الجمعة غرة المحرم بعد أن عملت للخطيب نسخة يعتمدها فيما يخطب وإعفاءهم الخطيب من دق المنبر بعقب سيفه، ومن قوله: «اللَّهمّ اغفر للمسلمين ومن اعتقد أن عليا مولاه» . وفي ليلة الجمعة لعشر بقين من ذي الحجة: ورد أبو يعلى الموصلي وجماعة من العيارين كانوا مقيمين بأوانا وعكبرا، فقتلوا خمسة من الرجالة وأصحاب المسالح، وظهروا من الغد في الكرخ بالسيوف المسلولة، وأظهروا أن كمال الدولة أبا سنان أنفذهم لحفظ البلد وخدمة السلطان، فثار بهم أهل الكرخ فقتلوا وصلبوا. وفي هذه السنة [١] : جند صاحب [٢] مصر جيشا لقتال صالح بن مرداس صاحب

стр. 5229

حلب، وبعث الجيش مع أنوشتكين التزبري [١] ، فكانت الواقعة عند شاطئ نهر الأردن، فاستظهر التزبري وقتل صالحا وابنه، وأنفذ رأسيهما إلى مصر، وأقام نصر بن صالح بحلب. وتأخر الحج في هذه السنة من خراسان والعراق. ذكر من توفي في هذه السنة [٢] من الأكابر ٣١٦٣- الحسن [٣] بن أبي الهبيش، ويكنى أبا علي [٤] : كان من الزهاد المتعبدين، ودخل عليه أبو القاسم ابن المغربي الوزير، فقبل يده، فقيل له: كيف قبلت يده؟ فقال: كيف لا أقبل يدا ما امتدت [إلي] [٥] قط إلا إلى الله تعالى. وحكى أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّدً بْن علي العلوي، قال: بت عنده ليلة فلم أتمكن من النوم لكثرة البق وهو واقف يصلي، فلا أدري أمنع البق منه أم صبر عليه، ورأيت مئزره قد انحل وسقط عن كعبيه ثم استوى وعلا إلى سرته وهو واقف يصلي، ولا أدري ارتقع المئزر أم طالت يده حتى أعادته. وتوفي في هذه السنة [وقبره ظاهر] [٦] بالكوفة، وقد عمل عليه مشهد، وقد زرته في طريق الحج. ٣١٦٤- الحسين [٧] بْن عَبْد الله بن أحمد بن الحسن بن أبي علاثة، أبو الفرج المقرئ [٨] .

стр. 5230

تفقه في حداثته، وقرأ بالقراءات، وكتب الحديث الكثير، وحدث عن الشافعيّ وغيره، ثم في كبره سخف أمره وسقطت مروءته. توفي في جمادى الأولى من هذه السنة. ٣١٦٥- علي [١] بن عيسى بن الفرج بن صالح، أبو الحسن الربعي النحوي صاحب أبي علي الفارسيّ [٢] : ولد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، ودرس ببغداد الأدب على أبي سعيد السيرافي، وخرج إلى شيراز فدرس بها على أبي علي الفارسي [٣] عشرين سنة، ثم عاد فأقام ببغداد إلى آخر عمره، فكان أبو علي يقول: قولوا له: لو سافرت من الشرق إلى الغرب لم تجد أنحى منك. وكان علي بن عيسى يوما يمشي على شاطئ دجلة فرأى الرضى والمرتضى في/ سفينة ومعهما عثمان بن جني، فقال لهما: من أعجب أحوال الشريفين أن يكون عثمان جالسا معهما ويمشي علي على الشط بعيدا منهما. توفي في محرم هذه السنة [عن اثنتين وتسعين سنة ودفن بمقبرة باب الدير. وأخبرنا ابن ناصر عن أبي الفضل بن خيرون، قال: قيل: أنه تبع جنازته ثلاثة أنفس] [٤] .

стр. 5231

ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وأربعمائة فمن الحوادث فيها [١] : أنه في ليلة عاشوراء أغلق أهل الكرخ أسواقهم وعلقوا المسوح على دكاكينهم رجوعا إلى عادتهم الأولى في ذلك وسكونا إلى بعد الأتراك، وكان السلطان قد انحدر عنهم، فحدثت الفتنة ووقع القتال بينهم وبين أهل القلائين، وروسل المرتضى في إنفاذ من يحظ التعاليق، فحظ والفتنة قائمة بين العوام واستمرت بعد ذلك، وقتل من الفريقين، وخرجت عدة دكاكين ورتب بين الدقاقين والقلائين من يمنع القتال. وفي ليلة السبت مستهل صفر: كبس جماعة من العيارين يزيدون على خمسين رجلا على مصلحي بنهر الدجاج فقتلوه وقتلوا قوما كانوا معه وأخرجوا الدار [٢] ، ولم يتجاسر أحد من الجيران أن ينذر بهم خوفا منهم. [كثرة العملات والكبسات] وفي هذا الشهر: كثرت العملات والكبسات في الجانب الشرقي من المعروف بالبرجمي متقدم العيارين، ووصل إلى عدة مخازن ومنازل، وأخذ منها شيئا كثيرا، واستمر ذلك فلقى الناس منه أمرا عظيما. [عصف ريح شديدة] وفي يوم الأحد النصف من صفر: عصفت ريح شديدة، وسمع في أثنائها دوي أفزع، وتلاه برد كهيئة التين في حجمه، وتحدد رأسه. وفي يوم السبت الحادي عشر من ربيع الآخر: ورد الكتاب بدخول الملك جلال

стр. 5232

الدولة والأصفهلارية والغلمان الأهواز [١] ، فضربت البوقات للبشارة بذلك، وخلع على الركابية وطيف بهم/ في الأسواق، وذلك أنه لما امتنع عليهم قتال من بواسط عمدوا إلى قصد الأهواز [٢] ، وأطعموا العسكر في المنهب، فلما مضوا إليها تخاذل من [كان] بها [٣] من الأتراك، وهرب الديلم فدخلوا فنهبوا ما يتجاوز حد الحصر، واستمر النهب ستة عشر يوما حتى أنه أخذ من دار ميمون [البائع] [٤] وخان أنباره ما قدره سبع مائة ألف دينار، وزاد المأخوذ من البلد على خمسة آلاف ألف دينار، والفي جارية وحرائر، وأتلف وأحرق ما لا يمكن ضبطه. وفي يوم الجمعة لليلتين خلتا من جمادي الأولى: سقطت قنطرة الزياتين على نهر عيسى. [جلوس الخليفة للعامة والخاصة إثر شكاة عرضت له] وفي يوم الأحد الثامن عشر [من] [٥] هذا الشهر: جلس الخليفة القادر باللَّه وأذن للخاصة والعامة فدخلوا عليه وشاهدوه [٦] ، وذلك عقب شكاة عرضت له، ووقع الإرجاف معها به، وأظهر في هذا اليوم تقليد الأمير أبي جعفر عبد الله ولده ولاية عهده، وكانت الأقوال قبل هذا قد كثرت في معنى الأمير أبي جعفر وتوليته العهد، وتوقف الخليفة عن ذلك، ثم ابتدئت الحال بأن ذكر على المنابر [بالحضرة] [٧] في ذي الحجة من السنة الماضية في عرض الدعاء للخلفية، وقيل: اللَّهمّ أمتعه بذخيرة الدين المرجو لولاية عهده في المسلمين إشارة إليه من غير إفصاح باسمه ولا نص عليه، فلما جلس في هذا اليوم تقدم الصاحب أبو الغنائم محمد بن أحمد وقوم من الأتراك، وقال أبو الغنائم في أثناء ضجة، وازدحام: خدم مولانا أمير المؤمنين الغلمان داعون له بإطالة البقاء وإدامة الدولة وشاكرون لما

стр. 5233

بلغهم من نظره لهم وللمسلمين باختيار الأمير أبي جعفر/ لولاية العهد، فقال الخليفة: من هذا المتكلم ولم يفهم قوله، فقيل الناظر في أمور الأتراك، فقال للأمير أبي جعفر: اسمع ما يقوله: فأعاد الصاحب القول، فقال الخليفة: إذا كان الله قد أذن في ذلك فقد إذنا فيه، فقال [الأمير] [١] أبو جعفر: مولانا يقول: إذا كان الله قد أذن في ذلك فنرجو الخيرة فيه فقال [الخليفة] [٢] وزحف من مخاده حتى أشرف على الناس من أعلى سريره بصوت عال: وقد أذنا فيه، فقال نظام الحضرتين أبو الحسن الزينبي: قد سمع قول مولانا أمير المؤمنين وحفظ والله يقرن ذلك بالخيرة والسعادة، ومدت الستارة في وجهه، وجلس الأمير أبو جعفر على السرير الذي كان قائما عليه بين يديه وخدمه الحاضرون بالدعاء والتهنئة، وتقدم أبو الحسن ابن حاجب النعمان فقبل يده وهناه ودعا له، فقال له: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ ٣٣: ٢٥ اتهاما له فساد رأي الخليفة فيه، فبكى وأكب على تقبيل قدمه وتعفير خده ولحيته بين يديه، قال قولا كثيرا في التبري والاستغفار والاستعطاف، فلما كان يوم الجمعة لسبع بقين من الشهر ذكر في الخطبة على منابر الحضرة بالقائم بأمر الله ولي عهد المسلمين، وأثبت ذلك على سكة العين والورق. ثم ورد في يوم السبت لست بقين من الشهر كتاب الملك جلال الدولة إلى الخليفة يسأله فيه هذا الذي فعل [٣] ، فجمع الناس يوم الثلاثاء في بيت الموكب، وقرئ عليهم، وكان فيه: «سلام على أمير المؤمنين، أما بعد أطال الله بقاء سيدنا ومولانا/ الإمام القادر باللَّه أمير المؤمنين، فإن كتابي صادر إلى الحضرة [٤] القاهرة القادرية المحفوفة بالبركات النبويّة، وما أستأمن فيه من أمور الرعايا وحفظ نظام العسكر مستمر بمبذول الإمكان والاجتهاد، فما أزال أعمل فكرا في مصالح المسلمين، وأدأب سعيا في حراسة

стр. 5234

شملهم [١] وعلم سيدنا ومولانا [٢] الإمام القادر باللَّه أمير المؤمنين] [٣] محيط بأن الله تعالى جعل لكل شيء أمدا، وسوى في نقل الخلق فلم يخل من حتمه نبيا ولا صفيا، وقد سار سيدنا ومولانا الإمام [٤] القادر باللَّه أمير المؤمنين بأحسن السير حاميا للخواص والعوام من الغير والأشبه تسمية النظر في حاضر يومه لغده، وإعداد ما سيظهر به من عدده حتى لا يسأله الله يوم المعاد عن حق أهمل، وقد تعين وجوده، وأن أولى ما أعتمده النظر لأمة سيدنا محمد ﷺ ومن في ذمتها، والنص على ما يعهد الله بسياستها حتى لا تكون مهملة في وقت وإن الحنبة العزيزة الجعفرية مستحقة لولاية العهد بعد الأمد الفسيح الذي نسأل الله أن يطيله، وأرغب إلى الموقف القادري أن يشد أزر الخلافة بإمضاء العقد المتين لها وصلة اسمها بالاسم العزيز في إقامة الدعوة، وإنشاء الكتب إلى البلاد بما رأى في ذلك ليكون سيدنا ومولانا أمير المؤمنين بعد الأمد الفسيح قد سلم الأمة إلى راع، فإن رأت الحضرة الشريفة النبوية الإنعام بالإجابة إلى المرام أنعمت بذلك، وأصدرت هذه الخدمة يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وأربعمائة» . وأتبع هذا بكتاب عن الخليفة يذكر ما قلده الأمير أبا جعفر من ولاية عهده، فقال فيه: وان أمير المؤمنين لما تأمل ما وهبه الله تعالى/ من سلالته أبي جعفر عبد الله وجده شهابا لا يخبوء وخبر من مغيبات أحواله ما لم يزل يستوضحه فولاه عهده. وفي يوم الاثنين لليلة خلت من رجب قلد أبو محمد بن النسوي النظر في المعونة، ولقب الناصح، واستحجب وخلع عليه، واستدعى جماعة من العيارين، فأقامهم أعوانا وأصحاب مصالح. وفي رمضان: ورد الخبر من الموصل بتاريخ يوم الجمعة لخمس بقين من شعبان: أن فضلون الكردي غزا الخزم فقتل منهم وسبى وغنم من أموالهم غنما كثيرا،

стр. 5235

وعاد إلى بلده يقرر أنه [قد] [١] كسر شوكتهم، وأمن غائلتهم فاتبعوه وكبسوه واستنقذوا الغنائم والسبي من يده، قتلوا من الأكراد والمطوعة أكثر من عشرة آلاف، واستباحوا أموالهم. وكان ملك الروم قد قصد حلب في ثلاثمائة ألف وكان معه أموال على سبعين جمازة، فأشرف على عسكره مائة فارس من العرب وألف راجل فظن [الروم] [٢] أنها كبسة، فلبس ملكهم خفا أسود حتى يخفي أمره، وأفلت وأخذوا من خاصته أربعمائة بغل محملة ثيابا ومالا، وقتلوا مقتله كثيرة من رجاله. ولليلة بقيت من رمضان كان أول تشرين الأول وينقضي أيلول عن حر شديد زاد على حر تموز وحزيران زيادة كثيرة، وعصفت في اليوم السابع منه ريح سموم تلاها رعد ومطر جود. وكان في هذه السنة: موتان ببغداد وجرف عظيم في السواد. وفي سادس شوال: جرت منازعة بين أحد الأتراك النازلين بباب البصرة وبعض الهاشميين، فاجتمع الهاشميون إلى جامع المدينة ورفعوا المصاحف، واستنفروا الناس، / فاجتمع لهم الفقهاء والعدد الكثير من الكرخ وغيرها، وضجوا بالاستغفار من الأتراك وسبهم، فركب جماعة من الأتراك، فلما رأوهم قد رفعوا أوراق القرآن على القصب رفعوا بأزائهم قناة عليها صليب، وترامى الفريقان بالنشاب والآجر وقتل من [الآجر] [٣] قوم ثم أصلحت الحال. وفي ليالي هذه الأيام: كثرت العملات والكبسات بالجانب، الشرقي من البرجمي ورجاله، وقصدوا درب علية ودرب الربع، ففتحوا فيها عدة خانيبارات ومخازن، وأخذوا منها شيئا كثيرا، وكبسوا عدة دور واستولوا على ما فيها. وتجدد القتال بين القلائين والدقاقين، استمرت الفتنة ودخل من كان غائبا من

стр. 5236

العيارين وكثر الاستقفاء، وفتح الدكاكين، وعمل العملات ليلا. ولم يعمل الغدير ولا الغار في هذه السنة لأجل الفتنة، وفي هذا الوقت تجدد دخول الأكراد المتلصصة ليلا إلى البلد، وأخذهم دواب الأتراك من إصطبلاتهم، وفعل ذلك في عدة إصطبلات بالجانبين حتى دعاهم الخوف إلى نقل دوابهم إلى دورهم وشدها فيها ليلا، ونقل السلطان ماله من كراع إلى دار المملكة، وعملت هناك المعالف، وأغلق جلال الدولة بابه وصرف حواشيه لارتفاع الإقامة عنه، وانصرف الحاصل إلى الأتراك. وتأخر الحاج من خراسان في هذه السنة، ولم يخرج من العراق إلا قوم ركبوا من الكوفة على [١] جمال البادية، وتخفروا من قبيلة إلى قبيلة، وبلغت أجرة الراكب إلى فيد أربعة دنانير. ذكر من توفي في هذه السنة [٢] من الأكابر ٣١٦٦- إبراهيم [٣] بن الفضل بن حيان [٤] الحلواني . قاضي سرمن رأى نزل بغداد، وحدث بها روى عنه المعافي بن زكريا توفي في هذه السنة. ٣١٦٧- الحسن [٥] بن أحمد بن محمد بن فارس بن سهل، أبو الفوارس البزاز [٦] . وهو أخو أبي الفتح بن أبي الفوارس، ولد سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، سمع أبا بكر الشافعي، وابن الصواف وكان ثقة، وتوفي في صفر هذه السنة، ودفن في مقبرة الخيزران.

стр. 5237

٣١٦٨- الحسين [١] بن محمد، أبو عبد الله الخالع الشاعر [٢] : توفي في هذه السنة عن سن عالية. ٣١٦٩- على [٣] بن عبد العزيز بن إبراهيم بن بيان، أبو الحسن المعروف بابن حاجب [٤] النعمان: كان كاتب القادر باللَّه. ولد سنة أربعين وثلاثمائة، وذكر أنه سمع من أبي بكر النجاد، والشافعي، وابن مقسم، وكان أبوه يخدم أبا عمر المهلبي في أيام وزارته، وكتب هو للطائع للَّه، ثم كتب بعده للقادر في شوال سنة ست وثمانين، فكتب للخليفتين أربعين سنة، وكان له لسان وبلاغة. وتوفي في رجب هذه السنة، ودفن ببركة زلزل، ثم نقل تابوته إلى مقابر قريش، ودفن بها في سنة خمس وعشرين. ٣١٧٠- عنبر [٥] أبو المسك، خادم بهاء الدولة [٦] : كان قد بلغ مبلغا لم يبلغه أمثاله، ورأى أصحاب الأطراف يقبلون يده ويترجلون عند لقائه، وينفذ حكمه فيما ينفذ فيه حكم الملوك انحدر إلى بغداد طمعا في تملكها معونة للملك أبي كاليجار فتوفي. ٣١٧١- محمد [٧] بن جعفر بن علان، أبو جعفر الوراق الشروطي ويعرف بالطوابيقي [٨] : أخبرنا القزاز، أخبرنا أحمد بن علي الخطيب، قال: كان شيخا مستورا من أهل

стр. 5238

القرآن/ ضابطا لحروف قراءة كانت تقرأ عليه، وحدث عن أحمد بن يوسف بن خلاد، وأبي علي الطوماري، وأبي جعفر بن المتيم وغيرهم، كتبت عنه، وكان صدوقا، ومات في ذي القعدة من سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، ودفن في مقابر باب الدير. ٣١٧٢- محمود بن سبكتكين [١] ، يكنى أبا القاسم ويكنى أبوه [٢] أبا منصور . [كان أبو منصور] [٣] صاحب جيش السامانية، واستولى عليها بعد وفاة منصور بن نوح، وتوفي سبكتكين في سنة سبع وثمانين وثلاثمائة ببلخ، فنازع إسماعيل بن سبكتكين أخاه محمودا فكسره محمود وملك خراسان [وزالت على يده] [٤] دولة سامان، وكان آل سامان قد ملكوا سمرقند وفرغانة وتلك النواحي أكثر من مائة سنة، وقصدهم محمود وقبض عليهم ومالك ديارهم وأقام الخطبة للقادر باللَّه، وراسل محمود بهاء الدولة أبا نصر بن بويه بأبي عمر البسطامي، ونفد إليه هدايا وخمسة أفيلة وسأله خطاب الخليفة في توليته، فبعث بهاء الدولة بأبي عمر البسطامي إلى فخر الملك أبي غالب، وأمره أن يقصد دار الخلافة ويسأله في هذا المعنى، فأجاب القادر باللَّه إلى ذلك في شعبان سنة أربع وأربعمائة وحصل له من الفتوح في بلاد الهند والكفر ما لم يحصل لغيره وكان الخليفة قد بعث إليه الخلع ولقبه بيمين الدولة وأمين الملة ثم أضيف إلى ذلك نظام الدين ناصر الحق وملك محمود سجستان وتملك مملكة واسعة وبلغ إلى قلعة لملك الهند تسع خمسمائة ألف إنسان وخمسمائة فيل وعشرين ألف دابة فأحاط بها فجاءة رسول على نعش يحمل قوائمه أربعة غلمان ويحفه مطرح ومخدة، فقال له: أن مفارقة ديننا/ لا سبيل إليه ولكن نصالحك، فصالحهم على خمسمائة فيل وثلاثة آلاف ومائة بقرة، فبعث محمود إلى ملكهم قباء وعمامة وسيفا ومنطقة وفرسا ومركبا وخفا وخاتما عليه أسمه، وأمره أن يقطع أصبعه وهي عادة للتوثقة عندهم، وكان عند محمود من أصابع من هادنه الكثير فلبس ملكهم الخلعة واخرج حديدة قطع إصبعه الصغرى من غير أن يتغير وجهه، وأحضر دواء فطرحه عليها وشدها.

стр. 5239

وفتح محمود قلعة سومنات وهدم البيت الذي يحجونه وفيه أصنام من الذهب والفضة مرصعة بالجواهر وقيمة ذلك تزيد على عشرين ألف ألف دينار وكانوا يحملون إلى الصنم ماء من نهر بينه وبينه مائتا فرسخ. ورتبوا ألفا من البراهمة يواظبون على خدمته ويحلقون رءوس زواره ولحاهم وأجروا على ثلاثمائة رجل وخمسمائة امرأة كانوا يغنون للزوار فحاربهم محمود وقتل خمسين ألفا وغنم الأموال، وقبض على أبي طالب رستم بن فخر الدولة أبي الحسن وكتب إلى القادر باللَّه بأنه وجد لأبي طالب زيادة على خمسين امرأة حرة على ما سبق ذكره وخطب لمحمود في الأطراف وعقد على جيحون جسرا ولم يقدر على ذلك أحد قبله وأنفق في سفرته ألفى ألف دينار ولم يحظ بطائل فأتهم وزيره وقال أغرمتني هذا المال فأخذ منه خمسة آلاف ألف دينار واعتقله، وكان قد عبر في غزوة إلى ما وراء النهر فضمن له أهل سمرقند ألف غلام حتى كف عنهم وكان معه أربعمائة فيل تقاتل، وحمل إليه وهو بغزنة شخصان من النسناس الذين يكونون في بادية نحو الترك، / وهم على صور الناس في جميع أعضائهم إلا أن ابدانهم ملبسة بالشعر لا يكاد يبين منه [١] ، ولهم كلام كصفير الوحش، فقدم لهذين المحمولين خبز وثريد ولحم، فلم يأكلا، وحملا إلى موضع الفيلة فما خافا وأكلا من الحشيش الذي يأكلونه. كما يأكل الحمار وتغوطا كما تفعل البهائم وأتراك بلادهم يأكلونهم ويذكرون أنهم أطيب اللحوم لحما، ومرض محمود وكانت علته سوء المزاج وانطلاق البطن وهو على غزواته ونهضاته لا يثنى، فلما اشتد به الأمر أمر بالجواهر التي اقتناها من ملوك خراسان وما وراء النهر وعظماء الترك والهند، فصفت في صحن فسيح في قصره وكان قد جمع سبعين رطلا من الجوهر، فلما نظر إليها بكى بكاء متحسر على ما يخلفه، ثم أمر بردها إلى مكانها من القلعة بغزنة، وتوفي يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر من هذه السنة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، ملك منها ثلاث وثلاثين سنة، ومات وهو مستند في دسته لم يضع جنبه إلى الأرض، وكان ظاهر أمره التدين والتسنن، وولى ابنه مسعود مكانه.

стр. 5240

ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين واربعمائة فمن الحوادث فيها [١] : [نقيب قوم من اللصوص على دار المملكة] أنه في ليلة الخميس ثالث محرم نقب قوم من اللصوص على دار المملكة، فأفضوا إلى حجرة من حجر الحرم، وأخذوا منها شيئا من الثياب، ونذر بهم فهربوا، ورتب بعد ذلك حرس يطوفون حول الدار في كل ليلة. وفي صفر: عملت عملة في أصحاب الأكسية فأخذت أمتعة كثيرة وثار أهل الكرخ بالعيارين وطلبوهم فهربوا/ وأقام التجار على إغلاق دكاكينهم والمبيت في أسواقهم، وراسلوا حاجب الحجاب وسألوه أن يندب إلى المعونة من يعاونونهم على إصلاح البلد، فأعيد أبو محمد النسوي إلى العمل، فوجدوا أحد العيارين فقتلوه ونهبت الدار التي استتر فيها، ثم قوى العيارون وهرب ابن النسوي، وعادت الفتن. وفي يوم الثلاثاء خامس ربيع الأول: صرف أبو الفضل محمد بن علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان عن كتابة القادر باللَّه، وكانت مدة نظره سبعة أشهر وعشرين يوما، وسبب ذلك أنه لما توفي والده أبو الحسن وأقيم مقامه لم يكن له دربة بالعمل. [تجدد الفتنة بين السنة والروافض] وفي يوم الجمعة لثمان بقين من ربيع الأول: تجددت الفتنة بين السنة والروافض واشتدت، وكان سبب ذلك الخزلجي الصوفي الملقب بالمذكور أظهر العزم على

стр. 5241

الغزو، واستأذن السلطان، فكتب له منشور من دار الخلافة وأعطى منحوقا، واجتمع إليه لفيف كثير، وقصد في هذا اليوم جامع المدينة للصلاة فيه وقراءة المنشور، فاجتاز بباب الشعير وخرج منه إلى طاق الحراني وعلى رأسه المنحوق وبين يديه الرجال بالسلاح، فصاح من بين يديه العوام بذكر أبي بكر وعمر، وقالوا: هذا يوم مغازي، فنافرهم أهل الكرخ ورموهم، وثارت الفتنة، ومنعت الصلاة، ونقبت دار المرتضى فخرج منها مرتاعا منزعجا، فجاءه جيرانه من الأتراك فدافعوا عنه وعن حرمه، وأحرقت إحدى سميريتيه، ونهبت دور اليهود وخانتاراتهم، وطلبوا لأنه قيل عنهم إنهم أعانوا أهل الكرخ، فلما كان من الغد اجتمع عامة أهل السنة من الجانبين، وانضاف إليهم كثير من الأتراك/ وقصدوا الكرخ، فأحرقوا وهدموا الأسواق، وأشرف أهل الكرخ على خطة عظيمة وكتب الخليفة إلى الملك والأصفهلارية [١] ينكر ذلك عليهم إنكارا شديدا، وينسب إليهم تخريق علامته التي كانت مع الغزاة، وأمر بإقامة الحد في الجناة، فركب وزير الملك فوقعت في صدره آجرة وسقطت عمامته، وقتل من أهل الكرخ جماعة، وانتهب الغلمان ما قدروا عليه، ثم رتب الوزير قوما منعوا القتال، واحترق وخرب من هذه الفتنة سوق العروس، وسوق الأنماط، وسوق الصفارين، وسوق الدقاقين، ومواضع أخرى. وفي ليلة الأحد لثمان بقين من ربيع الآخر [٢] : كبس قوم من الدعار المسجد الجامع ببراثا وأخذوا ما فيه من حصر وسجادات، وقلعوا شباكه الحديد، وزاد الاختلاط في هذه الأيام وعاد القتال بين العوام، وكثرت العملات، واجتاز سكران بالكرخ فضرب [بالسيف] [٣] رأس صبي فقلته، ولم يجر في هذه الأشياء إنكار من السلطان لسقوط هيبته. [قتل العامة الكلالكي] وفي جمادي الآخرة: قتل العامة الكلالكي، وكان ينظر قديما في المعونة، وأحرقوه ثم زاد الاختلاط ببسط العوم كثيرا، وأثاروا الفتنة ووقع القتال في أصقاع البلد من جانبيه، واقتتل أهل نهر طابق، وأهل القلائين، وأهل الكرخ، وأهل باب البصرة،

стр. 5242

وفي الجانب الشرقي أهل سوق السلاح، وأهل سوق الثلاثاء، وأهل باب الطاق والأساكفة، وأهل سوق يَحْيَى والرهادرة، وأهل الفرضة، وأهل درب سليمان حتى قطع الجسر ليفرق بين الفريقين، ودخل العيارون/ البلد، وكبسوا أبا محمد النسوي في داره بدرب الزبرج [١] ، وكثر الاستقفاء نهارا والكبس ليلا. [لحقت القادر باللَّه شكاة] وفي هذه الأيام: [٢] لحقت القادر باللَّه شكاة أرجف به فوقع الانزعاج وانتقل من كان ملتجئا إلى داره ومقيما بها، ونقل ما كان فيها من الأموال، وتكلم الغلمان في مطالبة الأمير ولي العهد بمال البيعة، ثم استقل الخليفة مما وجده، ثم وجد الغلمان وأظهروا كراهية الملك جلال الدولة، وشكوا اطراحه تدبيرهم، وأشاعوا بأنهم يقطعون خطبته في الجمعة المقبلة إلى أن يستقر رأيهم على من يختارونه، فعرف الملك ذلك فأقلقه، وفرق مالا في بعضهم، ووعدهم، وندل أن يحلف لهم فحلف ثم عادوا [٣] الاجتماع والخوض في قطع خطبته، وقالوا: قد وقفت أمورنا وانقطعت موادنا ويأسنا من أن يجري لنا على يد هذا الملك خير، وهو إن أرضى بعضنا فماذا يصنع الباقون، وأنفذوا إلى دار الخلافة جماعة من طوائفهم يقولون قد عرف أمير المؤمنين صورتنا مع هذا الملك وما هو عليه من اطراحنا ونريد أن تأمر بقطع خطبته، فخرج الجواب بأننا على ما تعرفون من المراعاة لكم، وهذا الرجل مولاكم وشيخ بني بويه اليوم، وله في عنقنا عهود، وإذا أنكرتم منه أمرا رددناه عنه وتوسطنا الأمر، فأما غير هذا فلا يجوز الإذن فيه، فإن قبلتم هذا وإلا فما خل فيها ولا نأمركم بها، فانصرفوا غير راضين، وصليت الجمعة من غد ووقعت الخطبة على رسمها إلا في جامع الرصافة، فإن قوما من الأتراك حضروا عند المنبر ومنعوا أبا بكر بن تمام الخطيب/ من ذكر الملك، وضرب أحدهم يد الخطيب، وخاف الناس الفتنة فتفرقوا من غير صلاة، ثم عاودوا الشكوى حتى شارفت الحال المكاشفة، ثم توطنوا فسكتوا [٤] .

стр. 5243

وكان المهرجان في رمضان فلم يجلس السلطان فيه ولا ضرب له دبدبة على ما جرى به الرسم، وقد كان الطبالون انصرفوا قبل ذلك بأيام وقطعوا ضرب الطبل في أوقات الصلوات وذلك لانقطاع الإقامة عنهم وعن الحواشي، ثم وقع عيد الفطر فجرت الحال على مثل هذه [السبيل] [١] ، ولم يركب إلى الجامع والمصليان صاحب المعونة، ولا ضرب بوق، ولا نشر علم، ولا أظهرت [٢] زينة، وزاد الاختلاط ووقعت الفتنة بين العوام، وأحرقت سوق الخراطين، ومدبغة الجلود، وقبلها سوق القلائين، وكثر الاستقفاء والكبسات، ثم حدث في شوال فتنة بين أصحاب الأكسية وأصحاب الخلقان أشفى منها أهل الكرخ على خطر عظيم، والفريقان متفقان على مذهب التشيع. وثارت في هذا الوقت فتنة بين الغلمان، فمالت العوام إلى بعضهم فأوقعوا بهم وأخذوا سلاحهم، ثم نودي في الكرخ بإخافة العيارين وبإحلالهم يومين، فلما كان الليل [٣] اجتمعوا وكانوا نحوا من خمسين ووقفوا على دجلة بإزاء دار المملكة وعليهم السلاح وبين أيديهم المشاعل، وصاحوا بعد الدعاء للملك بأنا يا مولانا عبيدك العيارون، وما نريد ابن النسوي واليا علينا فإن عدل عنه وإلا أحرقنا وأفسدنا، وانصرفوا فخرج قوم منهم إلى/ السواد، ثم طلبوا فهربوا، ثم عادوا إلى الكبسات والعملات. وفي أول ذي الحجة: جرت فتنة وقتال شديد على القنطرتين العتيقة والجديدة، واعترض أهل باب البصرة قوما من القميين لزيارة المشهدين بالكوفة والحائر، وقتلوا منهم ثلاثة نفر، وجرحوا آخرين، وامتنعت زيارة المشهد بمقابر قريش يومئذ. وفي ذي الحجة توفي القادر باللَّه، وولي القائم باللَّه. باب ذكر خلافة القائم بأمر الله اسمه عبد الله بن القادر باللَّه، ويكنى أبا جعفر [٤] . أخبرنا أبو منصور

стр. 5244

[عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مُحَمَّد] [١] الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بكر أحمد [بْن علي] [٢] بْن ثابت [الخطيب] [٣] قَالَ: سمعت [أبا القاسم] [٤] على بن المحسن التنوخي يذكر أن مولد [الإمام] [٥] القائم [بأمر الله] [٦] يوم الجمعة الثامن عشر من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، وأمه أم ولد تسمى قطر الندى، أرمنية أدركت خلافته. بويع للخلافة القائم بأمر الله بعد موت أبيه القادر باللَّه يوم الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين [٧] وأربعمائة، وكان القادر باللَّه جعله ولي عهده من بعده، ولقبه القائم بأمر الله وخطب له بذلك في حياته. قال المصنف ﵀: وذكر أبو الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب أن القائم [بأمر الله] [٨] ولد يوم الخميس ثامن عشر ذي القعدة، وأنه بويع له بالخلافة يوم الثلاثاء الثالث عشر من ذي الحجة، وأن أمه أم ولد اسمها بدر الدجى، وأنه كان سنة يوم ولي إحدى وثلاثين سنة. ذكر البيعة [٩] لما توفي القادر حضر الأشراف والقضاة والفقهاء والأماثل، وحفظت أبواب البلد مخافة الفتنة، وخرج القائم بأمر الله وقت العصر من وراء ستر فصلى بالحاضرين المغرب، وصلى بعدها على القادر فكبر أربعا، ثم جلس في دار الشجرة على كرسي وعليه قميص ورداء، فبايعه الناس، فكان يقال للرجل تبايع أمير المؤمنين القائم بأمر الله على الرضا بإمامته، والالتزام بشرائط طاعته، فيقول: نعم ويأخذ يده فيقبلها، وأول من بايعه المرتضى، وقال له:

стр. 5245

فأما مضى جبل وانقضى ... فمنك لنا جبل قد رسا وأنا فجعنا ببدر التمام ... فقد بعثت منه شمس الضحى لنا حزن في محل السرور ... وكم ضحك في خلال الرجا [١] فيا صار ما أغمدته يد ... لنا بعدك الصارم المنتضى ولما حضرناك عقد البياع ... عرفنا بهداك طرق الهدى فقابلتنا بوقار المشيب ... كمالا وسنك سن الفتى وحضر الأمير أبو محمد الحسن بن عيسى، بن المقتدر من الغد وبايعه وكتب إلى البلاد بأخذ البيعة له، وهم الأتراك بالشغب لأجل رسم البيعة، فتكلم تركي بما لا يصلح في حق الخليفة القائم فقتله هاشمي فثار الأتراك، وقالوا: إن كان هذا بأمر الخليفة خرجنا عن البلد، وإن لم يكن فيسلم إلينا القاتل، فخرج توقيع الخليفة أنه لم يجر ذلك بإرادتنا [٢] ، وإنما فعله رعاع في مقابلة قول تجاوز به عدوه، ونحن نطلب القاتل ونقيم فيه حد الله تعالى، ولم يركب السلطان إلى البيعة غضبا للأتراك، ثم لجوا في طلب مال البيعة، فقيل لهم: إن القادر لم يخلف مالا فأدى الملك بهاء الدولة من عنده إلى الجند، ثم تقرر الأمر على/ ما قيمته ثلاثة آلاف ألف دينار، فعرض الخليفة عند ذلك خانا بالقطيعة وبستانا وشيئا من أنقاض الدار على البيع، ووزر له أبو طالب محمد بن أيوب، وأبو الفتح بن دارست، وأبو القاسم بن المسلمة، وأبو نصر بن جهير، وكان قاضيه ابن ماكولا، وأبو عبد الله الدامغاني. ذكر طرف من سيرة القائم بأمر الله [٣] كانت للقائم عناية بالأدب ولم يكن يرتضي أكثر ما ينشأ في الديوان حتى يصلح فيه أشياء، وروى الرئيس أبو الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام، عن أبي الفضل محمد بن علي بن عامر الوكيل [٤] ، قال: دخلت يوما إلى المخزن فلم يبق أحد إلا

стр. 5246

وأعطاني قصة وامتلأت أكمامي بالرقاع [فلما رأيتها كثيرة] [١] قلت: لو كان هذا الخليفة أخي أو ابن عمي [حتى] [٢] أعرض [٣] [عليه هذه الرقاع لأعرض] [٤] عني، وألقيتها في بركة ماء والقائم ينظر إليّ وأنا لا أعلم، فلما وقفت بين يديه أمر الخدم بأخذ الرقاع من البركة فتبادروا إليها وبسطوها في الشمس فكلما جفت قصة حملت إليه، فلما تأملها وقع عليها جميعها بأغراض أصحابها، ثم قال: يا عامي- وكان إذا ضجر يخاطبني بهذا- ما حملك على هذا الفعل، وهل كان عليك في إيصالها درك؟ فقلت: بل وقع لي أن الضجر يقع منها، فقال: ويحك ما أطلقنا من أموالنا شيئا بل نحن وكلاء، فلا تعد إلى ما هذا سبيله، ومتى ورد عليك وارد فإياك أن تتقاصى عن أنصال قصته. وفي يوم الاثنين الثامن عشر من ذي الحجة: كان الغدير، وقام العيارون بالإشعال في ليلته، ونحر جمل في صبيحته بعد أن جبوا الأسواق والمحال لذلك، واشتد تبسط هذه الطائفة، وخلعوا جلباب المراقبة وتبسطوا وضربوا وقتلوا، وفعل أهل السنة/ في محالهم ما كانوا يفعلونه من تعليق الثياب والسلاح، وإظهار الزينة، ونصب الأعلام، وإشعال النيران ليلا [٥] في الأسواق في يوم الاثنين المقبل زعما منهم أنه في هذا اليوم اجتمع رسول الله ﷺ وأبو بكر في الغار. ثم أن العيارين أسعروا الناس [٦] ليلا كبسا لمنازلهم وأخذا لأموالهم، ثم ظهروا وعدلوا بالكبسات عن الكرخ إلى باقي المحال. وورد الخبر بأن قوما من الدعار كبسوا أبا الطيب ابن كمارويه القاضي بواسط في داره، وأخذوا ما وجدوه وضربوه ضربات كانت فيها وفاته. وخرجت هذه السنة ومملكة جلال الدولة ما بين الحضرة وواسط والبطيحة،

стр. 5247

وليس له من ذلك إلا الخطبة، فأما الأموال والأعمال فمنقسمة بين الأعراب والأكراد والأطراف منها في أيدي المقطعين من الأتراك والوزارة خالية من ناظر فيها. وتأخرت الأمطار في هذه السنة، وقلت الزراعة في السواد لقلة المياه، وتجدد لاحتباس القطر يبس في الأبدان، فأصاب أكثر الناس نزلات في رءوسهم وصدورهم معها حمى وسعال، فكثر طباخو ماء الشعير حتى طبخه أصحاب الأرز باللبن، وبيع كل ثلاثين رمانة حلوة بدينار سابوري ومنا شراب بعشرة قراريط، وأصاب أهل الري وهمذان وحلوان وواسط ونواحي فارس وكرمان وأرجان نحو ذلك، وكان السبب تأخر المطر. ولم يحج الناس في هذه السنة من خراسان والعراق لانقطاع الطرق، وزيادة الاضطراب. ذكر من توفي في هذه السنة [١] من الأكابر ٣١٧٣- أحمد [٢] القادر باللَّه [أمير المؤمنين [٣] ابن إسحاق بن المقتدر [٤] : أخبرنا أبو منصور القزاز، أخبرنا الخطيب، قال: توفي القادر باللَّه في ليلة الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، ودفن [ليلة] [٥] الثلاثاء بين المغرب والعشاء في دار الخلافة، بعد أن صلى عليه ابنه القائم بأمر الله ظاهرا، وعامة الناس وراءه، وكبر عليه أربعا فلم يزل مذ توفي في الدار [٦] ، حتى نقل تابوته وحمل في الطيار ليلا إلى الرصافة، فدفن بها في ليلة الجمعة لخمس خلون من ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، وكان مبلغ عمر القادر باللَّه ستا وثمانين سنة وعشرة أشهر وإحدى [٧] وعشرين يوما، وكانت مدة خلافته إحدى وأربعين سنة وثلاثة أشهر، ولم يبلغ هذا القدر أحد في الخلافة غيره.

стр. 5248

وقال غيره: جلسوا في عزائه سبعة أيام لمعنيين أحدهما تعظيم المصيبة، والثاني لاجتماع العامة وإقامة الهيبة خوفا من فتنة الغلمان. ٣١٧٤- الحسن [١] بن علي بن جعفر، أبو علي بن ماكولا [٢] . وزر لجلال الدولة أبي ظاهر، وقتله غلام له بالأهواز في ذي الحجة من هذه السنة، وكان عمره ستا وخمسين سنة. ٣١٧٥- طلحة [٣] بن علي بن الصقر، أبو القاسم الكتاني [٤] : سمع النجاد [٥] ، وأبا بكر الشافعي، وكان ثقة صالحا يسكن درب الدجاج، وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة، ودفن بالشونيزية. ٣١٧٦- عبد الوهاب [٦] بن علي بن نصر أبو محمد المالكي [٧] : كان فقيها/ على مذهب مالك، وولي قضاء بادرايا وباكسايا، وخرج من بغداد لإضافته، فحصل له مال كثير من المغاربة، ومات بها في شعبان وقال شعرا يتشوق فيه إلى بغداد: سلام على بغداد في كل موقف ... وحق لها مني سلام مضاعف فو الله ما فارقتها عن قلى لها ... وإني بشطي جانبيها لعارف ولكنها ضاقت علي بأسرها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف فكانت كخل كنت أهوى دنوه ... وأخلاقه تنأى به وتخالف أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب، قال: روى عبد الوهاب عن ابن شاهين، وكتبت عنه، وكان ثقة ولم نلق من المالكيين أحدا أفقه منه.

стр. 5249

ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة فمن الحوادث فيها [١] : [خروج الناس للاستسقاء] أن المطر لما تأخر في الشتوة وخرج الناس للاستسقاء لست خلون من المحرم بأمر من دار الخليفة/ فذهبوا إلى الجوامع واستمر تأخر المطر، وكثر الموتان بنواحي النيل. وفي يوم الثلاثاء: كان عاشوراء، وعلقت المسوح في الأسواق، وأقيم النوح في المشاهد، وتولى ذلك العيارون. وفي يوم الاثنين سادس عشر المحرم: قرئ في الموكب عهد خرج من حضرة القائم بأمر الله بإقرار قاضي القضاة أبي عبد الله الحسين بن علي على ما يتولاه من قضاء القضاة، وكان في الكتاب وأن أمير المؤمنين أعمل فكره وأدام سبره في اختيار من يسند إليه الأحكام ويجعله حجة بينه وبين الله تعالى في هذا المقام، وكان الحسين بن علي قاضي القضاة منتهى رأيه وقمر اختياره لما هو عليه من عفافه واستقامة طريقته، وأمره في الكتاب بتقوى الله والعدل في الحكم وترك المحاباة، وأورد فيه أخبارا كثيرة في العدل وحكايات. [ثورة أهل الكرخ بالعيارين] وفي يوم الجمعة لخمس خلون من صفر: ثار أهل الكرخ بالعيارين [وطلبوهم] [٢]

стр. 5250

فهربوا، فكبسوا دورهم، ونهبوا سلاحهم، وراسلوا السلطان ليعاونهم، وكان سبب هذا الفعل [١] أن العيارين دخلوا ليلا على أحد البزازين، فأخذوا ماله، فتعصب له أهل سوقه، فرد العيارون بعض ما أخذوا. ثم كبسوا في ليلة الأحد دار ابن الفلو الواعظ بدار القطن من نهر طابق [فأخذوا ماله] [٢] وما كان للناس عنده، ومروا على عادتهم في الكبسات، واختلط بهم في [العملات] [٣] مولد والأتراك/ وحواشيهم، ثم إن الغلمان صمموا على عزل جلال الدولة أبي طاهر، وإظهار أبي كاليجار، وقال بعضهم لبعض: هذا الملك مشغول عنا، وقد طمع فينا حتى العوام وبلغ منا الفقر فتحالفوا على خلعه، واجتهدوا في إصلاحهم، فلم ينفع وقالوا له: لا بد أن تخرج عنا وتنحدر إلى واسط. وفي يوم الاثنين لثمان بقين من صفر: قرئ في الموكب بدار الخلافة كتاب ورد من القاضي أبي إسحاق محمد بن عبد المؤمن بإسكاف، وتوقيع أقرن به، وأمر الناس فيه بالخروج إلى الاستسقاء، وكان في ذلك الكتاب أنه ذكر عن رجل أنه حكى أن امرأة عربية ولدت ولدا لم يظهر منه سوى رأس بفم وأسنان وحلق كالخيارة منتفخة [٤] ، وبقية البدن كالحية والمصران، بلا يد ولا رجل، فحين سقط إلى الأرض تكلم [٥] ، وقال الناس تحت غضب منذ أربع سنين، ويجب عليهم الإنابة، وأن يخرجوا إلى الاستسقاء والأطفال والبهائم، فخرج التوقيع يذكر فيه أن امتناع القطر لأجل ما أقام عليه المذنبون من المعاصي، فتقدم إلى الناس بالخروج في يوم الجمعة والسبت والأحد بعد أن يصوموا هذه الأيام الثلاثة، ويخلصوا الدعاء والابتهال، فلم يخرج في يومي السبت والأحد إلا عدد قليل لم يتجاوز عددهم يوم السبت [٦] في جامع المدينة نيفا وأربعين، وببراثا عشرة نفر، وخرج يوم الأحد إلى جامع المدينة سبعة عشر، وببراثا خمسة نفر،

стр. 5251

وكانت/ الجوامع الباقية علي نحو هذا، فلم يسق الناس ولا أغيثوا. [ركب جماعة من القواد فقطعوا خطبة جلال الدولة] وفي يوم الجمعة الثالث من ربيع الأول: ركب جماعة من القواد فقطعوا خطبة جلال الدولة، وبلغه ذلك فأزعجه وبعث خواص [١] جواريه إلى دار الخلافة، وغيرها وخير الباقيات [٢] بين أن يعتقن أو يأخذن لنفوسهن، ومنهن من أعتق ومنهن من مضى إلى من كن له من قبل، ثم اجتمع الغلمان وراسلوا الملك، فقالوا: قد علمت ما وافقتنا عليه من الانحدار إلى واسط، والوجه أن تستخير الله في ذلك، فقال: إنما قررتم من يخرج معي من يسلم إلى البصرة، فإما أن أخرج علي غير قاعدة فما أفعل، وامتلأ جانبا دجلة وشطها بالناس والسميريات، وترددت الرسل إلى الملك بالمطالبة بالخروج، فقال: أبعثوا معي مائة غلام يحرسونني في طريقي، فقالوا: لا يمكن مائة، ولكن عشرون، فقال: أريد شفيقا يحملني ونفقة تنهضني [٣] ، فقرروا بينهم إطلاق ستين دينارا لنفقة من يصحبه من الغلمان، والتزم بعض القواد منها ثلاثة دنانير ونصفا. فلما كان الليل من ليلة الاثنين سادس ربيع الأول خرج في نفر من غلمانه، فمضى إلى عكبرا على وجه المخاطرة، فتبادر الغلمان إلى دار المملكة، فنهبوا ما فيها وكتب الإصفهلارية عن نفوسهم، وعن فرق من الغلمان وطوائفهم كتبا إلى الملك أبي كاليجار بما فعلوه في خدمته، وهنئوه باجتماع الكلمة علي طاعته، واستدعوا منه إنفاذ من يدبر الأمور ويحفظ نظام الجمهور، / وأخرجوا بها ركابية، فقال: هؤلاء الأتراك يكتبون ما لا يعقدون الوفاء به ويعدون ولا يصدقون، فإن كانوا محقين في طاعتهم فليظهروا شعارنا، وليخرجوا من عندهم ولا أقل من أن يخرجوا إلينا منهم خمسمائة غلام ليكون توجهنا معهم، فأما بالاغترار بأقوال لا يعرف ما وراءها فلا والوجه أن يعلل القوم بالمدافعة وتوقعوا ما تحدثه الأيام، فإنهم في كل يوم يضعفون وتدعوهم الضرورة إلينا، فنأخذ الأمر عفوا، ونربح المال الذي ننفقه، والغرر الذي نركبه، وكان من وزراء أبي كاليجار أبو منصور بن فنة، وكان فاضلا ومن آثاره دار كتب وقفها على طلاب العلم

стр. 5252

جمع فيها تسعة عشر ألف مجلد ما فيها إلا أصل منسوب، وفيها أربعة آلاف ورقة بخط بني مقلة، ثم اختلت المملكة، وقطع عن جلال الدولة المادة حتى أخرج من ثيابه وآلاته الحقيرة وباعها في الأسواق، وخلت داره من حاجب وفراش وبواب، وصار أكثر الأبواب مغلقا، وقطع ضرب الطبل له في أكثر الأيام لانقطاع الطبالين، وظهر العيارون، وكثر الاستقفاء والكبسات، ومد الأتراك أيديهم إلى الغصوب، وتشاور القواد في أن يخطب للملك أبي كاليجار، فقال بعضهم: لا نخطب لأحد حتى تستقر أمورنا معه، وخرج الملك إلى عكبرا، وقصد حلة كمال الدولة أبي سنان فاستقبله وقبل الأرض بين يديه، وقال له: خزانتي وأموالي وبلادي لك، وأنا أتوسط بينك وبين جندك، وزوجه ابنته ثم مضى إليه جماعة/ من الجند واعتذروا مما فعلوا، وأعيدت خطبة جلال الدولة في السابع عشر من ربيع الأول، فأقيمت في جامع المدينة، وجامع الرصافة، ولم تقم في جامع الخليفة، ثم أقيمت فيه في الجمعة الثالثة. وفي يوم السبت الثامن عشر منه: خرج أبو منصور بن طاس الحاجب، وأبو القاسم علي بن أبي علي، وخادمان إلى حضرة الملك بكتاب من الخليفة يتضمن الاستيحاش لبعده، ويهنئه بالسلامة وإسفار الأمور عن الاستقامة، ثم بعث الخليفة القاضي أبا الحسن الماوردي، ومبشرا الخادم إلى الملك أبي كاليجار إلى الأهواز بكتاب، قال الماوردي: قدمنا عليه فتلقينا وأنزلنا دارا عامرة وحملت إلينا إنزال كثيرة [١] ، ثم استدعينا إلى حضرته وقد فرشت دار الإمارة بالفروش الجميلة، ووقف الخواص والأصحاب على مراتبهم من جانبي سريره، وأقيم الجند في المجلس والصحن صفين، فما يتجاوز قدم قدما وفي آخر الصفين ستمائة غلام دارية البزة الحسنة والأقبية الملونة، فخدمنا وسلمنا وأوصلنا الكتاب وتردد من القول بين استخبار وأخبار الأخبار وابتداء وجواب ما يتردد مثله. وانصرفنا. وأقيمت الخطبة في يوم الجمعة السابعة ليوم اللقاء، ثم جرى الخوض فيما طلبوه من اللقب [٢] واقترحوا أن يكون اللقب السلطان المعظم مالك الأمم، فقلت: هذا لا

стр. 5253

يمكن لأن السلطان المعظم الخليفة، وكذلك مالك الأمم، فعدلوا إلى ملك الدولة فقلت: هذا ربما جاز، وأشرت أن يخدم الخليفة بالطاف/ فقالوا: يكون ذلك بعد التلقيب، فقلت: الأولى بأن يقدم، ففعلوا وحملوا معي ألفى دينار سابورية، وثلاثين ألف درهم نقرة، وعشرة أثواب خزا سوسيا، ومائة ثوب ديباجيا مرتفعة، ومائة أخرى دونها، وعشرين منا عودا. وعشرة أمناء كافورا، وألف مثقال عنبر، وألف مثقال مسكا، وثلاث مائة صحن صيني، ووقع بأقطاع وكيل الخدمة خمسة آلاف دينار مغربية من معاملات البصرة، وأن يسلم إليه ثلاثة آلاف قوصرة كل سنة، ويجاز بغير مئونة ولا ضريبة، وأفرد عميد الرؤساء أبو طالب ابن طالب بن أيوب بخمسمائة دينار وعشرة آلاف درهم، وعشرة أثواب ديباجا وعدنا إلى بغداد، فرسم لي الخروج إلى جلال الدولة وإعلامه الحال، فخرجت وتلطفت في إجراء حديث اللقب، وما سأله الملك فثقل عليه ذلك ثقلا اقتضاء وقوف الأمر فيه. وفي ربيع الآخر وكان في أذار: جمد الماء جمودا ثخينا حتى في حافات دجلة، وهبت ريح رمت رملا أحمر، وقام الثلج ما جمع ودق واستمر تأخر الأمطار، وأجدبت الأرض وتلفت وهلك المواشي وتلف جمهور الثمار. وقوى أمر العيارين، وكبس رئيسهم البرجمي خانا، فأخذ جميع ما فيه، فقوتل فقتل جماعة، وكان يأخذ كل مصعد ومنحدر، وكبس دارا بسوق يحيى، وأخذ ما فيها وأحرقها هذا والعسكر ببغداد. وفي هذا الشهر [١] : اجتمع الجند ومنعوا من الخطبة للخليفة لأجل رسول البيعة، فلم تصل الجمعة، فتلطف الأمر حتى أقيمت الخطبة في الجمعة الثانية [علي العادة] [٢] . [حلف الملك للخليفة يمينا حضرها المرتضى وقاضي القضاة] وفي هذا الشهر [٣] : حلف الملك للخليفة يمينا حضرها المرتضى وقاضي القضاة ابن ماكولا وغيرهما، وركب الوزير/ أبو القاسم من غد إلى دار الخلافة، فحضر عنده

стр. 5254

وحضر المرتضى وقاضي القضاة، فحلف الملك فكان فيها: «أقسم عبد الله أبو جعفر القائم بأمر الله أمير المؤمنين، فقال: والله الذي لا اله إلا هو الطالب الغالب المدرك المهلك عالم السر والعلانية، وحق رسوله محمد ﷺ ، وحق القرآن العظيم والآيات والذكر الحكيم لأقيمن لركن الدولة [١] جلال الدولة أبي طاهر بن بهاء الدولة أبي نصر على إخلاص النية والصفاء ولألتزمن له شروط الموافقة والوفاء من غير إخلال بما يصلح حاله، ويحفظ عليه مكانه ولأكونن له على أفضل ما يؤثره من حراسته في نفسه، وما يليه ولوزير الوزراء أبي القاسم وسائر حاشيته وإقراره على رتبته وله علي بذلك عهد الله وميثاقه وما أخذه على ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين، والله شهيد على ذلك وهذه اليمين يميني، والنية فيها نية جلال الدولة أبي طاهر» . وذلك في ربيع الآخر سنة [٢] ثلاث وعشرين وأربعمائة. وفي عشية يوم الأربعاء لخمس خلون من جمادي الأولى: عند تصويب الشمس للغروب انقض كوكب كبير الجرم كثير الضوء، وعاد في هذا الوقت أمر العيارين فاشتد وتجدد القتال بين العوام، ثم ولى ابن النسوي، فردعهم ردعا تاما. وفي نصف رجب: عصفت ريح شديدة ثلاثة أيام متصلة ليلا ونهارا واحتجبت منها السماء والشمس، ورمت ترابا أحمر ورملا. وفي هذا الشهر [٣] : زادت الأسعار، ووردت الأخبار بتلف الغلات في الموصل وأنه لم ترجع/ البذور في كثير من النواحي، وكذلك الأهواز وواسط، ووردت الأخبار عن الأحساء وتلك البلاد أن الأقوات عدمت، فاضطر أهل بادية كانوا فيها إلى أكل مواشيهم ثم أولادهم، وكان الواحد يعارض بولده ولد غيره [٤] كيلا تدركه رقة في ذبحه وأكله، وفارق أهل البوادي منازلهم. وفي ليلة الاثنين ثاني شوال: انقض كوكب أضاءت منه الأرض وارتاع له الناس، وكان في شكل ولم يزل يتقلب حتى اضمحل.

стр. 5255

وفي يوم الأربعاء حادي عشر شوال: نزل الملك أبو طاهر من داره على سكر وانحدر في سميرية بمنكور إلى دار الخلافة، ومعه ثلاثة نفر من حواشيه، وصعد إلى بستان الدار، ورمى بعض معيناته القصب ودخله، ثم جلس تحت شجرة واستدعى نبيذا فشربه، وأمر الزامر أن يزمر فزمر، وعرف الخليفة ذلك فشق عليه وأزعجه وغلقت أبواب الدار على وجه الاستظهار، ثم خرج إليه القاضي أبو علي ابن أبي موسى، وأبو منصور بن بكران الحاجب، فخدماه ووقفا بين يديه وقالا له: قد سر مولانا السلطان قرب مولاه وانبساطه، وأما النبيذ والزمر فإنهما مما لا يجوز في هذا الموضع، فلم يقبل ولا امتنع، وقال لأبي منصور بن بكران: قل لمولانا أمير المؤمنين أنا عبدك، وقد حصل وزيري أبو سعد في دارك ووقف أمري بذلك، وأريد أن يتقدم بتسليمه إلي، فأراد أبو منصور أن يجيبه فزبره، وقال له: ليس الخطاب معك ولا الجواب عليك، وإنما أنت رسول، فامض وأعد ما قيل لك: فمضى وعاد بجواب يقال فيه: ما نعلم أن الوزير في دارنا ولا ها هنا امتناع عليك/ مما يؤدي إلى صلاح أمرك، فرده. وقال: أريد جوابا محصلا بفعل أو منع، فعاد وقال: الأمر يجري على ما تؤثره، فقال للمختص أبي غانم: أشهد عليهم بأنهم يسلمون وزيري، فقال له: الأمر لك، وجعلوا يدارونه حتى نزل إلى زبزبه، وأصعد إلى داره، واجتمع من العامة على دجلة خلق كثير يهزءون بالقول ويخرجون إلى الحرق ومعهم سيوف وسكاكين مستورة، فلما كان من الغد استدعى الخليفة المختص أبا غانم، والقائد أبا الوفاء وقال لهما: قد عرفتما ما جرى أمس وإنه أمر زاد علي الحد وتناهى في القبح وقابلناه بالاحتمال والحلم وكان الأولى بجلال الدولة أن يتنزه عن فعله وينزهنا عن مثله ويتخلق بأخلاق آبائه في مراعاة الخدمة والتزام الحشمة، ويكفي ما نحن محملوه من مجاري الأفعال المحظورة ومتحملوه فيها من سوء السمعة والأحدوثة، فإن جرائر ذلك متعلقة بنا وأوزاره متعدية إلينا، إذ كانت هذه الأمور معصوبة بنا، وإنما فوضناها إلى جلال الدولة إحسانا للظن به، واعتقادا للجميل فيه، وليس من حقوق ذلك وما نفضي عليه من الأسباب المذكورة، ونتجرعه فيها من المرارة الشديدة، أن يرتكب معنا هذه المراكب المستنكرة ويجترئ علينا هذه الجرآت المستمرة، ونعامل حالا بعد حال، ووقتا بعد وقت بما يفارق فيه المراقبة والمجاملة،
следующие страницы →