← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

وكانت/ الجوامع الباقية علي نحو هذا، فلم يسق الناس ولا أغيثوا. [ركب جماعة من القواد فقطعوا خطبة جلال الدولة] وفي يوم الجمعة الثالث من ربيع الأول: ركب جماعة من القواد فقطعوا خطبة جلال الدولة، وبلغه ذلك فأزعجه وبعث خواص [١] جواريه إلى دار الخلافة، وغيرها وخير الباقيات [٢] بين أن يعتقن أو يأخذن لنفوسهن، ومنهن من أعتق ومنهن من مضى إلى من كن له من قبل، ثم اجتمع الغلمان وراسلوا الملك، فقالوا: قد علمت ما وافقتنا عليه من الانحدار إلى واسط، والوجه أن تستخير الله في ذلك، فقال: إنما قررتم من يخرج معي من يسلم إلى البصرة، فإما أن أخرج علي غير قاعدة فما أفعل، وامتلأ جانبا دجلة وشطها بالناس والسميريات، وترددت الرسل إلى الملك بالمطالبة بالخروج، فقال: أبعثوا معي مائة غلام يحرسونني في طريقي، فقالوا: لا يمكن مائة، ولكن عشرون، فقال: أريد شفيقا يحملني ونفقة تنهضني [٣] ، فقرروا بينهم إطلاق ستين دينارا لنفقة من يصحبه من الغلمان، والتزم بعض القواد منها ثلاثة دنانير ونصفا. فلما كان الليل من ليلة الاثنين سادس ربيع الأول خرج في نفر من غلمانه، فمضى إلى عكبرا على وجه المخاطرة، فتبادر الغلمان إلى دار المملكة، فنهبوا ما فيها وكتب الإصفهلارية عن نفوسهم، وعن فرق من الغلمان وطوائفهم كتبا إلى الملك أبي كاليجار بما فعلوه في خدمته، وهنئوه باجتماع الكلمة علي طاعته، واستدعوا منه إنفاذ من يدبر الأمور ويحفظ نظام الجمهور، / وأخرجوا بها ركابية، فقال: هؤلاء الأتراك يكتبون ما لا يعقدون الوفاء به ويعدون ولا يصدقون، فإن كانوا محقين في طاعتهم فليظهروا شعارنا، وليخرجوا من عندهم ولا أقل من أن يخرجوا إلينا منهم خمسمائة غلام ليكون توجهنا معهم، فأما بالاغترار بأقوال لا يعرف ما وراءها فلا والوجه أن يعلل القوم بالمدافعة وتوقعوا ما تحدثه الأيام، فإنهم في كل يوم يضعفون وتدعوهم الضرورة إلينا، فنأخذ الأمر عفوا، ونربح المال الذي ننفقه، والغرر الذي نركبه، وكان من وزراء أبي كاليجار أبو منصور بن فنة، وكان فاضلا ومن آثاره دار كتب وقفها على طلاب العلم

стр. 5252

جمع فيها تسعة عشر ألف مجلد ما فيها إلا أصل منسوب، وفيها أربعة آلاف ورقة بخط بني مقلة، ثم اختلت المملكة، وقطع عن جلال الدولة المادة حتى أخرج من ثيابه وآلاته الحقيرة وباعها في الأسواق، وخلت داره من حاجب وفراش وبواب، وصار أكثر الأبواب مغلقا، وقطع ضرب الطبل له في أكثر الأيام لانقطاع الطبالين، وظهر العيارون، وكثر الاستقفاء والكبسات، ومد الأتراك أيديهم إلى الغصوب، وتشاور القواد في أن يخطب للملك أبي كاليجار، فقال بعضهم: لا نخطب لأحد حتى تستقر أمورنا معه، وخرج الملك إلى عكبرا، وقصد حلة كمال الدولة أبي سنان فاستقبله وقبل الأرض بين يديه، وقال له: خزانتي وأموالي وبلادي لك، وأنا أتوسط بينك وبين جندك، وزوجه ابنته ثم مضى إليه جماعة/ من الجند واعتذروا مما فعلوا، وأعيدت خطبة جلال الدولة في السابع عشر من ربيع الأول، فأقيمت في جامع المدينة، وجامع الرصافة، ولم تقم في جامع الخليفة، ثم أقيمت فيه في الجمعة الثالثة. وفي يوم السبت الثامن عشر منه: خرج أبو منصور بن طاس الحاجب، وأبو القاسم علي بن أبي علي، وخادمان إلى حضرة الملك بكتاب من الخليفة يتضمن الاستيحاش لبعده، ويهنئه بالسلامة وإسفار الأمور عن الاستقامة، ثم بعث الخليفة القاضي أبا الحسن الماوردي، ومبشرا الخادم إلى الملك أبي كاليجار إلى الأهواز بكتاب، قال الماوردي: قدمنا عليه فتلقينا وأنزلنا دارا عامرة وحملت إلينا إنزال كثيرة [١] ، ثم استدعينا إلى حضرته وقد فرشت دار الإمارة بالفروش الجميلة، ووقف الخواص والأصحاب على مراتبهم من جانبي سريره، وأقيم الجند في المجلس والصحن صفين، فما يتجاوز قدم قدما وفي آخر الصفين ستمائة غلام دارية البزة الحسنة والأقبية الملونة، فخدمنا وسلمنا وأوصلنا الكتاب وتردد من القول بين استخبار وأخبار الأخبار وابتداء وجواب ما يتردد مثله. وانصرفنا. وأقيمت الخطبة في يوم الجمعة السابعة ليوم اللقاء، ثم جرى الخوض فيما طلبوه من اللقب [٢] واقترحوا أن يكون اللقب السلطان المعظم مالك الأمم، فقلت: هذا لا

стр. 5253

يمكن لأن السلطان المعظم الخليفة، وكذلك مالك الأمم، فعدلوا إلى ملك الدولة فقلت: هذا ربما جاز، وأشرت أن يخدم الخليفة بالطاف/ فقالوا: يكون ذلك بعد التلقيب، فقلت: الأولى بأن يقدم، ففعلوا وحملوا معي ألفى دينار سابورية، وثلاثين ألف درهم نقرة، وعشرة أثواب خزا سوسيا، ومائة ثوب ديباجيا مرتفعة، ومائة أخرى دونها، وعشرين منا عودا. وعشرة أمناء كافورا، وألف مثقال عنبر، وألف مثقال مسكا، وثلاث مائة صحن صيني، ووقع بأقطاع وكيل الخدمة خمسة آلاف دينار مغربية من معاملات البصرة، وأن يسلم إليه ثلاثة آلاف قوصرة كل سنة، ويجاز بغير مئونة ولا ضريبة، وأفرد عميد الرؤساء أبو طالب ابن طالب بن أيوب بخمسمائة دينار وعشرة آلاف درهم، وعشرة أثواب ديباجا وعدنا إلى بغداد، فرسم لي الخروج إلى جلال الدولة وإعلامه الحال، فخرجت وتلطفت في إجراء حديث اللقب، وما سأله الملك فثقل عليه ذلك ثقلا اقتضاء وقوف الأمر فيه. وفي ربيع الآخر وكان في أذار: جمد الماء جمودا ثخينا حتى في حافات دجلة، وهبت ريح رمت رملا أحمر، وقام الثلج ما جمع ودق واستمر تأخر الأمطار، وأجدبت الأرض وتلفت وهلك المواشي وتلف جمهور الثمار. وقوى أمر العيارين، وكبس رئيسهم البرجمي خانا، فأخذ جميع ما فيه، فقوتل فقتل جماعة، وكان يأخذ كل مصعد ومنحدر، وكبس دارا بسوق يحيى، وأخذ ما فيها وأحرقها هذا والعسكر ببغداد. وفي هذا الشهر [١] : اجتمع الجند ومنعوا من الخطبة للخليفة لأجل رسول البيعة، فلم تصل الجمعة، فتلطف الأمر حتى أقيمت الخطبة في الجمعة الثانية [علي العادة] [٢] . [حلف الملك للخليفة يمينا حضرها المرتضى وقاضي القضاة] وفي هذا الشهر [٣] : حلف الملك للخليفة يمينا حضرها المرتضى وقاضي القضاة ابن ماكولا وغيرهما، وركب الوزير/ أبو القاسم من غد إلى دار الخلافة، فحضر عنده

стр. 5254

وحضر المرتضى وقاضي القضاة، فحلف الملك فكان فيها: «أقسم عبد الله أبو جعفر القائم بأمر الله أمير المؤمنين، فقال: والله الذي لا اله إلا هو الطالب الغالب المدرك المهلك عالم السر والعلانية، وحق رسوله محمد ﷺ ، وحق القرآن العظيم والآيات والذكر الحكيم لأقيمن لركن الدولة [١] جلال الدولة أبي طاهر بن بهاء الدولة أبي نصر على إخلاص النية والصفاء ولألتزمن له شروط الموافقة والوفاء من غير إخلال بما يصلح حاله، ويحفظ عليه مكانه ولأكونن له على أفضل ما يؤثره من حراسته في نفسه، وما يليه ولوزير الوزراء أبي القاسم وسائر حاشيته وإقراره على رتبته وله علي بذلك عهد الله وميثاقه وما أخذه على ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين، والله شهيد على ذلك وهذه اليمين يميني، والنية فيها نية جلال الدولة أبي طاهر» . وذلك في ربيع الآخر سنة [٢] ثلاث وعشرين وأربعمائة. وفي عشية يوم الأربعاء لخمس خلون من جمادي الأولى: عند تصويب الشمس للغروب انقض كوكب كبير الجرم كثير الضوء، وعاد في هذا الوقت أمر العيارين فاشتد وتجدد القتال بين العوام، ثم ولى ابن النسوي، فردعهم ردعا تاما. وفي نصف رجب: عصفت ريح شديدة ثلاثة أيام متصلة ليلا ونهارا واحتجبت منها السماء والشمس، ورمت ترابا أحمر ورملا. وفي هذا الشهر [٣] : زادت الأسعار، ووردت الأخبار بتلف الغلات في الموصل وأنه لم ترجع/ البذور في كثير من النواحي، وكذلك الأهواز وواسط، ووردت الأخبار عن الأحساء وتلك البلاد أن الأقوات عدمت، فاضطر أهل بادية كانوا فيها إلى أكل مواشيهم ثم أولادهم، وكان الواحد يعارض بولده ولد غيره [٤] كيلا تدركه رقة في ذبحه وأكله، وفارق أهل البوادي منازلهم. وفي ليلة الاثنين ثاني شوال: انقض كوكب أضاءت منه الأرض وارتاع له الناس، وكان في شكل ولم يزل يتقلب حتى اضمحل.

стр. 5255

وفي يوم الأربعاء حادي عشر شوال: نزل الملك أبو طاهر من داره على سكر وانحدر في سميرية بمنكور إلى دار الخلافة، ومعه ثلاثة نفر من حواشيه، وصعد إلى بستان الدار، ورمى بعض معيناته القصب ودخله، ثم جلس تحت شجرة واستدعى نبيذا فشربه، وأمر الزامر أن يزمر فزمر، وعرف الخليفة ذلك فشق عليه وأزعجه وغلقت أبواب الدار على وجه الاستظهار، ثم خرج إليه القاضي أبو علي ابن أبي موسى، وأبو منصور بن بكران الحاجب، فخدماه ووقفا بين يديه وقالا له: قد سر مولانا السلطان قرب مولاه وانبساطه، وأما النبيذ والزمر فإنهما مما لا يجوز في هذا الموضع، فلم يقبل ولا امتنع، وقال لأبي منصور بن بكران: قل لمولانا أمير المؤمنين أنا عبدك، وقد حصل وزيري أبو سعد في دارك ووقف أمري بذلك، وأريد أن يتقدم بتسليمه إلي، فأراد أبو منصور أن يجيبه فزبره، وقال له: ليس الخطاب معك ولا الجواب عليك، وإنما أنت رسول، فامض وأعد ما قيل لك: فمضى وعاد بجواب يقال فيه: ما نعلم أن الوزير في دارنا ولا ها هنا امتناع عليك/ مما يؤدي إلى صلاح أمرك، فرده. وقال: أريد جوابا محصلا بفعل أو منع، فعاد وقال: الأمر يجري على ما تؤثره، فقال للمختص أبي غانم: أشهد عليهم بأنهم يسلمون وزيري، فقال له: الأمر لك، وجعلوا يدارونه حتى نزل إلى زبزبه، وأصعد إلى داره، واجتمع من العامة على دجلة خلق كثير يهزءون بالقول ويخرجون إلى الحرق ومعهم سيوف وسكاكين مستورة، فلما كان من الغد استدعى الخليفة المختص أبا غانم، والقائد أبا الوفاء وقال لهما: قد عرفتما ما جرى أمس وإنه أمر زاد علي الحد وتناهى في القبح وقابلناه بالاحتمال والحلم وكان الأولى بجلال الدولة أن يتنزه عن فعله وينزهنا عن مثله ويتخلق بأخلاق آبائه في مراعاة الخدمة والتزام الحشمة، ويكفي ما نحن محملوه من مجاري الأفعال المحظورة ومتحملوه فيها من سوء السمعة والأحدوثة، فإن جرائر ذلك متعلقة بنا وأوزاره متعدية إلينا، إذ كانت هذه الأمور معصوبة بنا، وإنما فوضناها إلى جلال الدولة إحسانا للظن به، واعتقادا للجميل فيه، وليس من حقوق ذلك وما نفضي عليه من الأسباب المذكورة، ونتجرعه فيها من المرارة الشديدة، أن يرتكب معنا هذه المراكب المستنكرة ويجترئ علينا هذه الجرآت المستمرة، ونعامل حالا بعد حال، ووقتا بعد وقت بما يفارق فيه المراقبة والمجاملة،

стр. 5256

وكيف كانت الصورة تكون لو جرى من ذلك الجمع نادرة غلط، وهل كان الفائت يستدرك، والآن فإما رجع معنا إلى الأولى وسلك الطريق المثلى، وإلا فارقنا هذا البلد ودبرنا أمورنا بما يجب. فقبلا الأرض وأقاما بعض العذر ومضيا إلى الملك/ فأوردا عليه ما سمعاه، واعتذارهما عنه، فركب يوم الجمعة في زبزبه، وأشعر الخليفة بحضوره للاعتذار، فنزل إليه عميد الرؤساء أبو طالب بن أيوب [وخدم] [١] وقال له: تذكر حضوري للخدمة وتجديد الاعتذار من تلك الخرمة التي لم تكن بإرادة، ووقف حتى رجع بجواب يدل على قبول العذر وشكر ما استونف من الفعل، ثم يمم إلى الميدان بالحلبة، ولعب فيه بالصولجان وعاد في زبزبه. وفي ليلة الجمعة لخمس خلون من ذي القعدة: نقل تابوت القادر باللَّه من دار الخلافة إلى التربة بالرصافة، واختير هذا الوقت لأجل حضور حاج خراسان في البلد، واجتمع الأكابر وعليهم ثياب التعزية، وحمل التابوت إلى الطيار، ثم حمل من مشرعة باب الطاق على أعناق الرجال إلى التربة والجماعة مشاة بين يديه. وصح عند الناس عدم المياه في طريق مكة والعلوفة فتأخروا وحضر الناس يوم الموكب لخمس بقين من هذا الشهر فأظهر أن أبا الحسن على بن ميكائيل الوارد من خراسان قد بذل إطلاق ألفي دينار تنفق على طريق مكة فرد الخبر على الخليفة ذلك وأطلقه من خزانته، وخلع علي ابن الأقساسي لتقلده النيابة عن المرتضى في الحج. وورد الكتاب من البصرة بما جرى على حاج البصرة من أخذ العرب لهم على ثلاثة أيام من البصرة، وأنهم نهبوا وسلبوا وجاعوا، فبعث إليهم الوزير أبو الفرج ابن فسانجس جمالا وزادا وتمرا لحملهم ومعاونتهم. [حج الناس [٢] من الأمصار إلا من بغداد وخراسان] وحج الناس من الأمصار إلا من بغداد وخراسان، وورد مع المصرية كسوة للكعبة ومال/ للصدقة وصلات لأمير مكة.

стр. 5257

ووردت الأخبار بما كان من الوباء والموت في بلاد الهند وغزنة وكثير من أعمال خراسان وجرجان والري وإصبهان ونواحي الجبل والموصل، وأن ذلك زاد على مجاري العادة، وخرج من إصبهان في مدة قريبة أربعون ألف جنازة، وكان ببغداد من ذلك طرف قوى، ومات من الصبيان والرجال والنساء بالجدري ما زاد علي حد الاحصاء، حتى لم تخل دار من مصاب، واستمر هذا الجدري في حزيران وتموز وآب وأيلول وتشرين الأول والثاني، وكان في الصيف أكثر منه في الخريف، وجاء كتاب من الموصل أنه مات بالجدري أربعة آلاف صبي. وخرجت هذه السنة ومملكة جلال الدولة مشتملة علي ما بين الحضرة وواسط والبطيحة وليس له من جميع ذلك إلا إقامة الخطبة والوزارة خالية عن ناظر فيها، ورأى رجل من إصبهان في النوم أن شخصا صعد منارة مسجد إصبهان، وكان أهل إصبهان إذ ذلك في خفض من العيش والراحة والأمن، وقال بصوت جهوري رفيع [١] إلى أن اسمع أهل إصبهان: «سكت نطق سكت نطق سكت نطق» ثلاث مرات فانتبه الرجل فزعا وحكى هذا المنام، فما عرف تأويله، فقال رجل: احذروا يا أهل إصبهان فاني قرأت في شعر أبي العتاهية: سكت الدهر زمانا عنهم ... ثم أبكاهم دما حين نطق فما مر على هذا الحديث الا أيام قلائل حتى جاء مسعود بن محمود بن سبكتكين، فنهب البلد، وقتل عالما لا يحصى حتى قتل جماعة في الجوامع نسأل الله العافية. ذكر من توفي في هذه السنة [٢] من الأكابر ٣١٧٧- إسماعيل [٣] بن إبراهيم بن علي بن عروة، أبو القاسم البندار [٤] :

стр. 5258

ولد في رجب سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وحدث عن أبي سهل بن زياد [١] ، وأبي بكر الشافعي، وكان صدوقا وتوفي في محرم هذه السنة. ٣١٧٨- روح [٢] بن محمد بن أحمد، أبو زرعة [٣] الرازي: أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب، قال: جد روح أبو بكر ابن السني الدينَوَريّ الحافظ واسمه أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط بن عبد الله بن إبراهيم بن بديح مولى عبد الله [٤] بن جعفر بن أبي طالب. سمع أبو زرعة جماعة وقدم علينا حاجا فكتبنا عنه، ولقيته بالكرخ فكتبت عنه هناك، وكان صدوقا فهما أديبا، يتفقه علي مذهب الشافعي، وولى قضاء إصبهان، وبلغني أنه مات بالكرخ في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة. ٣١٧٩- علي [٥] بن أحمد بن الحسن بن محمد بن نعيم، أبو الحسن البصري المعروف بالنعيمي نسبة إلى جده [٦] : حدث عن جماعة، وكان حافظا فاضلا شاعرا. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت، قال: سمعت محمد بن علي الصوري يقول: لم أر ببغداد أحدا أكمل من النعيمي، كان جمع معرفة الحديث والكلام والأدب، ودرس شيئا من فقه الشافعيّ، قال: وكان أبو بكر البرقاني يقول: هو كامل في كل شيء لولا بأو فيه. أنشدنا أبو نصر أحمد بن محمد الطوسي، قال: أنشدنا الحسين بن عاصم، أنشدنا أبو الحسن [البصري المعروف] [٧] بالنعيمي/ لنفسه:

стр. 5259

إذا أظمأتك أكف اللئام ... كفتك القناعة شبعا وريا فكن رجلا رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا أبيا لنائل ذي ثروة ... تراه بما في يديه أبيا فإن إراقه ماء الحياة ... دون إراقة ماء المحيا توفي النعيمي في ذي القعدة من هذه السنة. ٣١٨٠- مُحَمَّد [١] بن أحمد بن السرى بن أبي عون، أبو الحسن النهرواني [٢] : سمع أبا بكر بن مالك الإسكافي وغيره. أخبرنا القزاز، أَخْبَرَنَا أبو بكر الخطيب، قَالَ: قدم علينا هذا الرجل بغداد في حياة أبي الحسين ابن بشران وكتبنا عنه، وكان صدوقا. ٣١٨١- محمد [٣] بن الطيب بن سعيد بن موسى، أبو بكر الصباغ [٤] : حدث عن أحمد بن سليمان النجاد، وأبي بكر الشافعي، وكان صدوقا. أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: سمعت رئيس الرؤساء أبا القاسم علي بن الحسن يقول: تزوج محمد بن [الطيب] [٥] الصباغ زيادة على تسعمائة امرأة. قال الخطيب: وسمعت محمد بن الطيب يقول: ولدت في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. ومات يوم الجمعة تاسع ربيع آخر سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة.

стр. 5260

ثم دخلت سنة أربع وعشرين وأربعمائة فمن الحوادث فيها [١] : أن الخليفة هنئ بدخول الحمام من جدري ظهر به، وكتم الأمر فيه إلى أن برأ، وذلك في المحرم. [كبس البرجمي العيار درب أبي الربيع] وفي يوم الاثنين لست/ بقين من صفر كبس البرجمي العيار درب أبي الربيع ووصل إلى مخازن فيها مال عظيم، وتفاوض الناس أن جماعة من الإصبهلارية [٢] خرجوا إليه وآكلوه وشاربوه، فظهر من خوف الخلق منه ما أوجب نقل الأموال إلى دار الخليفة، وواصل الناس المبيت في الدروب والأسواق للتحفظ، وزيد في حرس دار الخلافة، وطيف وراء السور وقتل صاحب [٣] الشرطة بباب الأزج غيلة، واتصلت العملات، وكبست دار تاجر فأخذ منها ما قيمته عشرة آلاف دينار، وزادت المخافة من هذا العيار حتي صار أهل الرصافة وباب الطاق، ودار الروم [٤] لا يتجاسرون علي ذكره إلا أن يقولوا القائد أبو علي لئلا يصل إليه منهم غير ذلك، وشاع عنه أنه لا يتعرض لامرأة ولا يمكن من أخذ شيء معها أو عليها. [خروج جماعة من القواد والاصبهلارية في طلب البرجمي] وفي ربيع الأول: خرج جماعة من القواد والاصبهلارية [٥] في طلب هذا البرجمي

стр. 5261

عند زيادة أمره وتعاظم خطبه واتصال فساده، فنزلوا الأجمة التي يأوي إليها وهي أجمة ذات قصب وماء كثير تمتد خمسة فراسخ، وفي وسطها تل قد جعله معقلا ومنزلا، فترتب كل واحد من الإصبهلارية [١] علي باب من أبوابها، فخرج إليهم البرجمي في ركاء وعلى رأسه غلامه، وقال لهم: من العجب خروجكم إلي وأنا كل ليلة عندكم، فإن شئتم أن ترجعوا وأدخل إليكم فعلت، وأن شئتم أن تدخلوا إلي فافعلوا، فذكر أن قوما منهم راسلوه وقووا نفسه، وأروه أنهم يردون العسكر عنه. وفي جمادي الأولى: كثرت العملات والكبسات، ووقع القتال في القلائين وعلى القنطرتين، وعاد الاختلاط، وطرحت النار فأحترق شيء عظيم وأسواق ومساجد وغيرها، ووقع النهب في درب عون، وأخذت أبوابه ودرب القراطيس إلى نهر الدجاج. وفي هذه الأيام: تغيرت قلوب الجند، فقدم الوزير أبو القاسم فظنوا أن وروده للتعرض بأموالهم ونعمهم، واستوحشوا وأنكروا ورود الوزير من غير إجماع منهم ولا استقرار قاعدة معهم في أمره، وأظهر المطالبة بما أخذه الملك من مال بادرويا، فجاءت منهم جماعة إلى باب دار السلطان وصاحوا وجلبوا وأخذوا دواب من كان هناك، وانزعج الوزير ومن معه من الأكابر وبادروا الدخول إلى صحن الدار مبادرة ازدحموا فيها، وانقضى ذلك اليوم واجتمعوا من غد في مسجد القهرمانة وتكلموا في إهمال السلطان لأمورهم واخذ أموالهم، وعقدوا آراءهم على مراسلة الملك بتسليمه أقواما من أصحابه وخروجه من بغداد إلى واسط أو البصرة وإقامة أحد أولاده الأصاغر عندهم، ثم انفصلت طائفة منهم فاجتازوا على دار المملكة، فإذا باب البستان مفتوح فدخلوا بدوابهم، فعرف الملك فخرج من دور الحرم إليهم، فرأوه فتراجعوا قليلا فأطاف بهم غلمان الدار والحواشي، فأمرهم بالانصراف فتبعه أحد خواصه فضربه بآجرة فرجع ومشى وحده/ إلى القوم، وقال لهم: تعالوا حتى أسمع كلامكم وأنظر ما تريدون، فأحاطوا به وأخذوه وأخرجوه إلى دجلة وهم لا يدرون ما يفعلون، لأن الذي جرى منهم لم يكن علي أصل ولا اتفاق، وإنما كان تخليطا، وأنزلوه سميرية فلما حصل فيها قال بعضهم

стр. 5262

لبعض: هذا غلط وربما عبر إلى الجانب الغربي واعتصم بالكرخ واستجاش العوام، والصواب أن نحمله إلى مجمع الغلمان ليدبروا أمره بما يرون، فتسرعوا إلى رد السميرية وعلقوا بمجدافها واضطربت فدخلها الماء حتى ابتلت ثيابه وتكابوا عليه فرجموه وأخرجوه ومشوا به خطوات كثيرة، فأعطاه الأتراك فرسه فحملوه إلى الجمع بعد أن كلموه بكل قبيح وأقاموه راكبا في الشمس زمانا وأنزلوه فوقف علي عتبة الباب طويلا ثم دخل المسجد، فوكلوا به ثم تفرقوا إلى منازلهم وجاءت صلاة الظهر وهو مشتغل بالصلاة والدعاء ثم تآمروا على نقله إلى الدار المهلبية، فخرج القائد أبو الوفاء ومعه عشرون غلاما دارية وحواشي الدار والعامة ومن تاب من العيارين وهجم عليهم فدفعهم عنه، واستخرجوه من أيديهم فأعاده إلى داره، وكان ذلك في رمضان، فنقل الملك ولده وحرمه وما بقى من ثيابه وآلاته ودوابه وفرش داره إلى الجانب الغربي بعد أن نهب الغلمان ما نهبوا من ذلك، ثم عبر في آخر الليل إلى الكرخ، فتلقاه أهلها بالدعاء، فنزل في دار المرتضى بدرب جميل، وعبر الوزير أبو القاسم بعبوره فنزل في دار تجاوره، ثم اجتمع الغلمان وعزموا علي عقد/ الجسر والعبور للمطالبة لأهل الكرخ بإخراج الملك عنهم ثم تشاوروا فاختلفوا، فقال الخائفون من عقبي ما جنوا على الملك: هذا الملك قد أقل مراعاتنا والمبالاة بنا وأخذ أموالنا وتركنا جياعا، وما ينفع فيه عذل ولا يصلحه قبيح ولا جميل، وقد كان منا إليه ما قد علمتم أولا وأخيرا ما لا يصفو لنا معه نية منه. وقال آخرون: فما [ترون وما] [١] الّذي نفعل. وهل هاهنا من نجعله عوضا عنه وما بقى من بني بويه إلا هو وأبو كاليجار ابن أخيه قد سلم الأمر إليه ومضى إلى فارس وتنحل الأمر إلى أن كتبوا إلى الملك رقعة يقولون فيها: «نحن عبيدك ومماليكك ملكناك أمورنا ابتداء وقد ضيقت علينا مرة بعد مرة وتعدنا وتعتذر إلينا، ولا نجد أثر ذلك، ولك ممالك كثيرة فيجوز أن تطرح كلك عنها مدة وتوفر علينا هذه الصبابة من المادة. وهذا أمر قد اجتمعت عليه كلمتنا، ومن الصواب أن لا تخالفنا فيه وتحوج هذا العسكر إلى تجاوز ما قد وقفوا عنده» . وأنفذوا الرقعة إلى المرتضى ليعرضها ويتنجز جوابها، فعرضها عليه، فأجاب:

стр. 5263

«بأنا معترفون لكم بما ذكرتم وما يحصل لنا نصرفه إليكم، وأما خروجنا فالأحوال التي نقاسيها تدعو إليها ولو لم تسألوه وهذه [١] أيام صوم وحر، وإذا انقضت انحدرنا علي ما هو أجمل بنا وبكم» فلما وصل الجواب نفروا وقالوا: إنما غرضه المدافعة لينتقض ما عقدنا من غرضنا، ولا نتركه إلا اليوم أو غدا، فقال بعضهم: هذا لا يحسن ولكن/ كاتبوه ليقتصر على مدة قريبة، فكاتبوه فأجاب: إذا قدرتم مدة قريبة يمكن إنجاز أموري في مثلها، وندبتم من يكون في صحبتي، وعينتم على اليوم الذي تختارونه لم أتأخر عنه، فوصل الجواب وجمعهم أقل من كل يوم فوجموا، وقال بعضهم لبعض: إذا خرج فعلى ما نعول بعده، فكتبوا إليه قد شكرنا إنعام مولانا ونحن نسأل قبل الخروج أن يحلف لنا على صلاح النية، وأن لا يريد بنا سوءا أو يرتب عندنا أحد الأمراء الأصاغر برسم النيابة عنه ثم ينحدر. وأنفذ الملك في أثناء هذه المراجعات إلى الأصاغر يستميلهم ويعدهم، وجاءه بعضهم ليلا فخاطبهم بما استصلحهم به فوعدوه فل هذه العزيمة، وراسل كلا من الأكابر وأراه سكونه إليه وتعويله عليه، والتمس حاجب الحجاب منه تجديد اليمين على سلامة الاعتقاد فيه، وأن لا يستوزر أبا القاسم، ففعل فاجتمعوا في مسجد القهرمانة وقال بعضهم لبعض: جلال الدولة ملكنا ونحن جنده، وباكروا دار المرتضى ودخلوا إلى الملك وقبلوا الأرض بين يديه واستصفحوا عما جرت الهفوة فيه، وسألوه العود إلى داره، فركب معهم إلى دار المرتضى التي [بناها] [٢] علي شاطئ دجلة، وسكنت الثائرة، ورضوا بالوزير أبي القاسم، وأقام جلال الدولة مكانه حتى تكرر سؤالهم فعبر إلى داره. وفي هذه الأيام [٣] : تبسط العامة وانتشر العيارون وقتلوا وترددوا في الكرخ حاملين السلاح. وتبعهم أصاغر المماليك، ومضت الأيام علي كبس المنازل ليلا والاستقفاء نهارا فعظمت المحنة/ وتعدوا إلى الجانب الشرقي ففسد، ووقع بين عوامه من أهل باب الطاق وسوق يحيى قتال اتصل وهلك فيه جماعة، فاجتمع الوزير وحاجب

стр. 5264

الحجاب على تدبير الأمور، وقلد أبا محمد ابن النسوي البلد، وضم إليه جماعة فطلب العيارين وشردهم، ثم قتل رفيق لابن النسوي فخاف واستتر وخرج عن البلد. فعاد الأمر كما كان وكبس البرجمي دارا في ظهر دار المرتضى في ليلة الثلاثاء لعشر بقين من شوال، واخذ منها شيئا كثيرا، وصاح أهل الدار والجيران فلم يجدوا مغيثا. فلما كان يوم الجمعة: ثار العوام في جامع الرصافة ومنعوا من الخطبة، ورجموا القاضي أبا الحسين بن العريف الخطيب وقالوا: أن خطبت للبرجمي وإلا فلا تخطب لخليفة ولا لملك. ثم أقيم علي المعونة أبو الغنائم بن علي فركب وطاف وقتل فوقعت الرهبة، ثم عاد واتفق أن بعض القواد أخذ أربعة من أصحاب البرجمى فاعتقلهم، فأخذ البرجمي أربعة من أصحاب ذلك القائد، وجاء بهم وأقبل إلى دار القائد [١] ، فطرق عليه الباب فخرج فوقف خلف الباب، فقال له: قد أخذت أربعة من أصحابك عوضا عمن أخذته من أصحابي فأما أن تطلق من عندك لأطلق من عندي، وإما أن أضرب رقابهم، وأحرق دارك وانصرف وشأنك ومن عندك، فسلم القوم إليه، ومما يشاكل هذا الوهن أن أحد وجوه الأتراك بسوق يحيى أراد أن يختن ولدا له فأهدى إلى البرجمي حملانا وفاكهة وشرابا، وقال: هذا نصيبك من طهر فلان ولدي. واستذم منه على داره. / وتأخر ورود الحاج الخراسانية في هذه السنة، وتأخر المصريون خوفا من البادية، وخرج أهل البصرة فخفروا فغدروا بهم ونهبوهم وارتهنوهم. ذكر من توفي في هذه السنة [٢] من الأكابر ٣١٨٢- أحمد [٣] بن الحسين [٤] بن أحمد، أبو الحسن الواعظ المعروف بابن [٥] السماك:

стр. 5265

ولد سنة ثلاثين وثلاثمائة، وحدث عن جعفر الخلدي وغيره، وكان يعظ بجامع المنصور، وجامع المهدي، ويتكلم على طريقة التصوف. أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين، قال: حكى لي أبو محمد التميمي، أن أبا الحسين بن السماك الواعظ دخل عليهم يوما وهم يتكلمون في أبابيل، فقال: في أي شيء أنتم؟ فقالوا: نحن في ألف أبابيل، هل هي ألف وصل أو ألف قطع، فقال: لا ألف وصل ولا ألف قطع، وإنما ألف سخط، ألا ترى إنه بلبل عليهم عيشهم. فضحك القوم من ذلك. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت، قال: قال لي أبو الفتح محمد بن أحمد المصري: لم أكتب ببغداد عمن أطلق عليه الكذب غير أربعة منهم أبو الحسين بن السماك. توفي في ذي الحجة من هذه السنة، ودفن في مقبرة باب حرب.

стр. 5266

ثم دخلت سنة خمس وعشرين وأربعمائة فمن الحوادث [١] فيها: [عود العيارين إلى الانتشار] عود العيارين إلى الانتشار ومواصلة الكبسات/ بالليل والنهار ومضى البرجمي إلى العامل على الماصر الأعلى بقطيعة الدقيق، فقرر معه أن يعطيه في كل شهر عشرة دنانير من الارتفاع ويطلقوا له سميريتين كبيرتين بغير اعتراض، وأخذ عهده على مراعاة الموضع، وواصل البرجمي محال الجانب الشرقي حتى خرب كثير منه، ودخل خان القوارير بباب الطاق فأخذ منه شيئا عظيما، وعبر إلى الجانب الغربي وطلب درب الزعفراني. فمنع أصحابه عن نفوسهم، وتحارس الناس واجتمعوا طول الليل في الدروب وعلى السطوح، ثم جد الخليفة والسلطان في طلب العيارين. وورد كتاب من الموصل ذكر فيه أن ريحا سوداء هبت بنصيبين فقلعت من بساتينها أكثر من مائتي أصل توتا وعنابا وجوزا ودحت بها على الأرض خطوات، وأنه كان في بعض البساتين قصر مبني بآجر وحجارة وكلس فرمته من أصله، ومطر البلد بعد ذلك مطرا وقع معه برد كبار في أشكال الاكف والزنود والأصابع، وورد الخبر بأن البحر في تلك السواحل جزر نحو ثلاثة فراسخ، وخرج الناس إلى ما ظهر من الأرض يبتغون السمك والصدف، فجاء الماء وأخذ قوما منهم. وكان بالرملة زلازل خرج الناس منها بأولادهم وحرمهم وعبيدهم إلى ظهر البلد،

стр. 5267

فأقاموا ثمانية أيام وهدمت تلك الزلزلة ثلث البلد تقديرا، وقطعت المسجد الجامع تقطيعا، وأهلكت من الناس قوما، وتعدت إلى نابلس فسقط نصف بنيانها، وتلف ثلاثمائة نفس من سكانها وقلبت قرية بإزائها فخاست بأهلها وبقرها وغنمهم وخسف بقرى أخر، وسقط بعض حائط بيت المقدس، ووقع من محراب داود ﵇ قطعة كبيرة، ومن مسجد إبراهيم/ ﵇ قطعة إلا أن الحجرة سلمت، وسقطت منارة المسجد الجامع بعسقلان، ورأس منارة غزة. واتفق في هذا الوقت كثرة الموتان ببغداد لا سيما في النساء [١] وكان معظمه بالخوانيق، وكان مثل ذلك بالموصل. واتصل الخبر بما كان بنواحي فارس [وشيراز] [٢] من الموت، حتى كانت الدور تسد على أصحابها وأن الفأر متن في الدور. ثم عاد العيارون فظهروا، ثم بذلوا حفظ البلد ولزوم الاستقامة فأفرقوا على ذلك وفسح لهم في جباية ما كان أصحاب المسالح يجبونه من الأسواق وأعطوا ما كان لصاحب المعونة من ارتفاع المواخير والقيان [٣] ، وكانوا يخاطبون بالقواد. وفي هذا الأوان خاطب الدينَوَريّ الزاهد الملك في إزالة ضرائب الملح، وأعلمه ما يتطرق على الناس من الأذى بذلك، فأمر بذلك وكتب به منشور وقرئ في الجوامع، وكتب علي أبوابها بلعن من يتعرض لإعادة هذه الجباية، وكانت جارية في الخاص وارتفاعها نحو ألفي دينار في كل سنة. ثم عاد أمر العيارين فانتشروا واتصلت الفتن بأهل الكرخ مع أهل باب البصرة والقلائين، وأهل باب الطاق مع أهل سوق يحيى، وأهل نهر طابق مع أهل الأرحاء وباب الدير، ثم انضاف إلى ذلك قتال جرى بين الطائفتين من الأتراك وكثر قتل النفوس ولم يقدر أحد على جناية أو يؤخذ بقود، وانتشرت العرب ببادرويا وقطربُّل، فنهبوا النواحي

стр. 5268

وساقوا المواشي وقطعوا الطريق وبلغوا إلى أطراف بغداد حتى وصلوا إلى جامع المدينة، وسلبوا النساء/ ثيابهن في المقابر. ثم عاد الجند إلى التشغيب وقالوا: قد كان قررت لنا أمور ما نرى لها أثرا ثم أدخلوا أيديهم في الأموال وخاص السلطان وقدروا ارتفاع ذلك، فكان أربعة وخمسين ألف دينار سابورية، وفتحوا، الجوالي وطالبوا أهل الذمة بها وخاضوا في أمر دار الضرب وإقامة صاغة فيها، وفسروا متاعا ورد من الموصل، واستوفوا ضرائبه. وفي أول رمضان عمل ابنا الإصبهاني العياران اللذان كانا تابا وحصلا في دار المملكة وخدما في جملة فراشيها ومن في جملتها من العيارين مجانيق مذهبة للخروج إلى زيارة قبر مصعب بن الزبير مقابلة لما عمله عيارو الكرخ في النصف من شعبان من مثلها للخروج إلى زيارة المشهد بالحائر، ورفعوها وطافوا بالأسواق بها وبين أيديهم البوقات، ووقفوا بإزاء دار المملكة ومعهم لفيف كثير، ودعوا للسلطان وأحدث ذلك وقوع القتال بين هذه الطائفة وبين أهل الكرخ على باب درب الديزج وفي القلائين والصفارين وعند القنطرتين، وعظمت الفتنة واعترض كل فريق على من يجتاز من أهل محال الفريق الآخر، وقتلت النفوس وأخذت الأموال ومنع أبناء الأصفهاني من حمل الماء من دجلة إلى الكرخ ورواضعه حتى تأذى الناس بذلك ولحقتهم المشقة، وبيعت الراوية بدرهمين وثلاثة ثم توسط الأمر بين الفئتين فاصطلحتا. [غرق البرجمي اللص بفم الدجيل] وفي ليلة الأحد سادس عشر رمضان: غرق البرجمي اللص بفم الدجيل، أخذه معتمد الدولة فغرقه بعد أن بذل مالا كثيرا علي أن يترك فلم يقبل منه، ثم دخل أخو البرجمي إلى بغداد فأخذ أختا له من سوق يحيى/ وخرج فتبع وقتل. [روسل المرتضى بإحضار العيارين] وفي يوم السبت ثالث عشر شوال: روسل المرتضى بإحضار العيارين إلى داره وأن يقول لهم: من أراد منكم التوبة قبلت توبته وأقر في معيشته [١] ، ومن أراد خدمة السلطان استخدم مع صاحب البلد [٢] ومن أراد الانصراف عن البلد كان آمنا على نفسه ثلاثة أيام.

стр. 5269

فعرض ذلك عليهم فقالوا: نخرج فخرجوا وتجدد الاستقفاء والفساد وقلد أبو محمد ابن النسوي المعونة لسكون أهل الكرخ إليه ثم خاف فاستعفى وأظهر التوبة ورد أبو الغنائم بن أبي علي، وقد حصلت له هيبة شديدة. وفي ليلة الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة انقض شهاب كبير هال منظره، فلما جاءت ليلة الجمعة وقت العتمة انقض شهاب كأعظم ما يكون من البرق حتى ملأ ضوءه الأرض وغلب ضوؤه المشاعل، وروع من رآه، وتطاول مكثه من وقت انقضاضه إلى وقت انغضاضه زيادة على ما جرت به عادة أمثاله، وقال من لا يعلم: أن السماء انفرجت لعظم ما شهدوا منه. وفي ذي الحجة وقع الموت، فذكر أنه مات في بغداد سبعون ألفا. ذكر من توفي في هذه السنة [١] من الأكابر ٣١٨٣- أحمد [٢] بن محمد بن أحمد بن غالب، أبو بكر الخوارزمي المعروف بالبرقاني [٣] : ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ورحل إلى البلاد وسمع بها الكثير وكتب الكثير، وانتقل من دار إلى دار، فنقل كتبه في ثلاثة وستين سفطا وصندوقين، وكان إماما ثقة ورعا متقنا متثبتا فهما حافظا للقرآن عارفا بالفقه والنحو، وصنف في الحديث تصانيف، وكان الأزهري يقول: إذا مات البرقاني ذهب هذا الشأن، وقيل له: هل رأيت أنفس منه؟ قال: لا. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت، قال: سمعت أبا محمد الخلال ذكر البرقاني فقال: كان نسيج وحده. قال ابن ثابت: وحدثني محمد بن يحيى الكرماني الفقيه قال: ما رأيت في أصحاب الحديث أكثر عبادة من البرقاني.

стр. 5270

أخبرنا القزاز، أخبرنا أحمد بن علي، قال: قال لي محمد بن علي الصوري: دخلت على البرقاني قبل وفاته بأربعة أيام أعوده، فقال لي: هذا اليوم السادس والعشرون من جمادي الآخرة، وقد سألت الله تعالى أن يؤخر وفاتي حتى يهل رجب، فقد روي أن للَّه فيه عتقاء من النار عسى أن أكون منهم. قال الصوري: وكان هذا القول يوم السبت، فتوفي صبيحة يوم الأربعاء مستهل رجب. أخبرنا القزاز، أخبرنا أبو بكر بن ثابت، قال: مات البرقاني يوم الأربعاء أول يوم من رجب سنة خمس وعشرين وأربعمائة، ودفن في مقبرة الجامع مما يلي باب سكة الخرقي. ٣١٨٤- أحمد [١] بن محمد بن عبد الرحمن بن سعيد، أبو العباس الأبيوردي [٢] : أحد فقهاء الشافعيين من أصحاب أبي حامد الأسفراييني، سكن بغداد وولي القضاء بها على الجانب الشرقي ومدينة المنصور في أيام ابن الأكفاني، ثم عزل، وكان يدرس في قطيعة الربيع وله حلقه الفتوى في جامع المنصور، وقد سمع الحديث ورواه، وكان حسن الاعتقاد جميل الطريقة فصيح اللسان، يقول الشعر، وكان صبورا على الفقر كاتما له. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن ثابت، قال: ذكر لي عبيد اللَّه بْن أَحْمَد بْن عُثْمَان الصَّيْرفيّ عمن حدثه أن القاضي أبا العباس الأبيوردي كان يصوم الدهر، وأن غالب إفطاره كان على الخبز/ والملح، وكان فقيرا يظهر المروءة، ومكث شتوة كاملة لا يملك جبة يلبسها، وكان يقول لأصحابه: بي علة تمنعني من لبس المحشو، فكانوا يظنونه يعني المرض، وإنما كان يعني بذلك الفقر ولا يظهره تصونا. توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة. ودفن في مقبرة باب حرب. ٣١٨٥- الحسن [٣] بن عبيد الله بن يحيى، أبو علي البندنيجي الفقيه القاضي [٤] :

стр. 5271

سكن بغداد، ودرس فقه الشافعي على أبي حامد الأسفراييني، ولم يكن في أصحابه مثله، وكان له حلقة في جامع المنصور للفتوى، وكان صالحا دينا ورعا. وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة. ٣١٨٦- عبد الوهاب [١] بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد، أبو الفرج التميمي [٢] ، ولد سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وسمع من أبيه وغيره، وكان له في جامع المنصور حلقة للوعظ والفتوى على مذهب أحمد بن حنبل. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بْنِ سُفْيَانَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أُكَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْحَنَّانِ الْمَنَّانِ، فَقَالَ: الْحَنَّانُ الَّذِي يُقْبِلُ عَلَى مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَالْمَنَّانُ الَّذِي يَبْدَأُ بِالنَّوَالِ قَبْلَ السُّؤَالِ. قَالَ: الْخَطِيبُ بَيْنَ أَبِي الْفَرَجِ وَبَيْنَ عَلِيٍّ تِسْعَةُ آبَاءٍ آخِرُهُمْ أُكَيْنَةُ. توفي عبد الوهاب في ربيع الأول من هذه السنة ودفن عند قبر أحمد. ﵁. ٣١٨٧- محمد [٣] بن الحسن بن علي بن ثابت/ بن أحمد أبو بكر المعروف [٤] بالنعماني: ولد في سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، وسمع من أحمد بن سندي، وغيره، وكان سماعه صحيحا. توفي ليلة الخميس رابع جمادي الأولى من هذه السنة ودفن في مقبرة باب الدير [وكان صدوقا ثقة] [٥] .

стр. 5272

ثم دخلت سنة ست وعشرين وأربعمائة فمن الحوادث [١] فيها: [ورود العرب المتلصصة إلى أطراف البلاد] أنه تجدد في المحرم ورود العرب المتلصصة إلى أطراف البلاد [٢] في الجانب الغربي وحدث منهم انهم إذا أسروا من أسروه أخذوا ما معه وطالبوه يفدي نفسه. ثم ظهر قوم من العيارين ففتكوا وقتلوا، فنهض أبو الغنائم بن علي فقتل منهم نفس فعاودوا الخروج وقتلوا رجلين، وقاتلوا أبا الغنائم وتتابعت العملات والاستقفاء [٣] وأخذ ما يحضر من جمال السقاءين وبغالهم، ونهض أبو الغنائم ففتك وأخذ وقتل ثم عاد الفساد، وحصل العيارون في دور الأتراك والحواشي يخرجون منها ليلا ويقيمون [فيها] [٤] نهارا، وسقطت الهيبة بإهمال ما أهمل من الأمر، وكتب العيارون رقاعا يقولون فيها: أن صرف أبو الغنائم عنا حفظنا البلد وان لم يصرف فما نترك الفساد. واتفق أن غلاما كبس قراحا للخليفة ونهب من ثمرته فامتعض الخليفة من ذلك وكوتب الملك والوزير بالقبض على هذا الغلام وتأديبه، فوقع التواني عن ذلك لضعف الهيبة، فزاد غيظ الخليفة فأمر القضاة بالامتناع عن الحكم، والفقهاء بترك الفتاوي، والخطباء بأن لا يحضروا أملاكا ولا يعقدوا عقدا، وعمل على إغلاق باب الجامع

стр. 5273

ومنع/ الصلاة فحمل الغلام ووكل به، ثم أطلق وعادت الفتن، وكثر القتل ومنع أهل سوق يحيى حمل الماء من دجلة إلى أهل باب الطاق والرصافة، وخذل الأتراك والسلطان في هذه الأمور حتى لو حاولوا دفع فساد زاد، وملك العيارون البلد. وفي مستهل صفر: زاد ماء المد في دجلة البصرة حتى علا على الضياع نحو ذراعين، وسقط بالبصرة في هذا اليوم وليلته أكثر من ألفي دار. وفي شعبان: وصل كتاب من الأمير مسعود بن محمود بن سبكتكين بفتح فتحه بالهند ذكر فيه أنه قتل من القوم خمسين ألفا، وسبى سبعين ألفا، وغنم منهم ما يقارب ثلاثين ألف ألف درهم، فرجع وقد أفسد الغزو بلاده فأوقع بهم وفتح جرجان وطبرستان. [ووثب] [١] أبو الحسن بن أبي البركات بن ثمال الخفاجي على عمه فقتله وأقام بإمارة بني خفاجة. ثم اشتد أمر العيارين وكاشفوا بالإفطار في رمضان، وشرب الخمر وارتكاب الفجور. وفي شوال: وقع حريق في وسط العطارين أحترق فيه عدة دور ودكاكين ومخازن، ونهب العيارون من أموال الناس وما كانوا يحصلونه من منازلهم [٢] وخانباراتهم ما يزيد على عشرة آلاف دينار، وكانت النهابة تنقل النار من موضع إلى موضع، فتجعل ذلك طريقا إلى النهب، وعاد القتال بين أهل المحال، وكثرت العملات وأعيا الخرق على الراقع، وقال الملك: أنا أركب بنفسي في هذا الأمر. ولم يحج الناس في هذه السنة من خراسان ولا العراق. كر من توفي في هذه السنة [٣] من الأكابر ٣١٨٨- أحمد بن كليب الأديب الشاعر [٤] : أخبرنا عبد الله بن المبارك الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي نصر

стр. 5274

الحميدي، قال: حدثني أبو محمد علي بن [أحمد] [١] الفقيه الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المذحجي الأديب، قال: كنت اختلف في النحو إلى أبي عبد الله محمد بن خطاب النحوي في جماعة أيام الحداثة، وكان معنا أسلم بن أحمد بن سعيد بن قاضي قضاة الأندلس، قال محمد بن الحسن: وكان من أجمل من رأته العيون [٢] ، وكان معنا عند محمد بن خطاب أحمد بن كليب، وكان من أهل الأدب والشعر، فاشتد كلفه بأسلم وفارق صبره، وصرف فيه القول مستترا بذلك إلى أن فشت أشعاره فيه وجرت على الألسنة، وتنوشدت في المحافل فلعهدي بعرس في بعض الشوارع والنكوري الزامر في وسط المحافل يزمر بقول أحمد بن كليب في أسلم: وأسلمني في هواه ... أسلم هذا الرشا غزال له مقلة ... يصيب بها من يشا وشي بيننا حاسد ... يسأل عما وشى [٣] فلو شاء أن يرتشي ... على الوصل روحي رشا ومغن محسن يسايره، فلما بلغ هذا المبلغ انقطع عن جميع مجالس الطلب ولزم بيته والجلوس على بابه، وكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب دار أسلم سائرا أو مقبلا نهاره كله، فانقطع أسلم من الجلوس على باب داره نهارا، فإذا صلى المغرب واختلط الظلام خرج مستروحا وجلس على باب داره فعيل صبر أحمد بن كليب فتحيل في بعض الليالي ولبس جبة صوف من جباب أهل البادية واعتم بمثل عمائمهم/ وأخذ بإحدى يديه دجاجا وبالأخرى قفصا فيه بيض، كأنه قدم من بعض الضياع، ونحن جلوس مع أسلم عند اختلاط الظلام على بابه، فتقدم إليه وقبل يده، وقال: يا مولاي من يقبض هذا، فقال له أسلم: من أنت، فقال: أجيرك في الضيعة الفلانية. وقد كان يعرف أسماء ضياعة والعاملين فأمر أسلم غلمانه بقبض ذلك منه على عادتهم في قبول هدايا العاملين في ضياعهم. ثم جعل يسأله عن أحوال الضيعة. فلما

стр. 5275

جاوبه أنكر الكلام فتأمله فعرفه، فقال له: يا أخي وإلى هاهنا تتبعني أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب، وعن الخروج جملة، وعن القعود على بابي نهارا حتى قطعت علي جميع ما لي فيه راحة فقد صرت في سجنك، والله لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلي ولا جلست بعدها على بابي ليلا ولا نهارا، ثم قام وانصرف أحمد بن كليب حزينا كئيبا. قال محمد: واتصل بنا ذلك فقلنا لأحمد بن كليب: قد خسرت دجاجك وبيضك، فقال: هات كل ليلة قبلة يده وأخسر أضعاف ذلك، فلما يئس من رؤيته البتة نهكته العلة وأضجعه المرض، قال محمد بن الحسن: فاخبرني شيخنا محمد بن خطاب قال: عدته فوجدته بأسوأ حال، فقلت له: لم لا تتداوى؟ فقال: دوائي معروف، وأما الأطباء فلا حيلة لهم في البتة فقلت له: فما دواؤك؟ قال: نظرة من أسلم فلو سعيت في أن يزورني لأعظم الله أجرك بذلك وأجره، قال: فرحمته وتقطعت نفسي له فنهضت إلى أسلم فاستأذنت عليه فاذن لي وتلقاني بما يجب، فقلت له: لي حاجة، فقال: وما هي؟ قلت: قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب/ من ذمام الطلب عندي. فقال: نعم ولكن قد تعلم أنه برح بي وشهر اسمي وآذاني، فقلت له: كل ذلك يغتفر في مثل هذه الحال التي هو فيها والرجل يموت فتفضل بعيادته، فقال لي: والله ما أقدر على ذلك فلا تكلفني هذا. فقلت له: لا بد من ذلك فليس عليك فيه شيء وإنما هي عيادة مريض. قال: ولم أزل به حتى أجاب، فقلت له: فقم الآن. قال: لست والله أفعل ولكن غدا. فقلت له: ولا خلف؟ قال: نعم، فانصرفت إلى أحمد بن كليب فاخبرته بوعده بعد تأبيه فسر بذلك فارتاحت نفسه، فلما كان من الغد بكرت إلى أسلم وقلت له: الوعد. فوجم، وقال: والله لقد تحملني على خطة صعبة علي، وما أدري كيف أطيق ذلك؟. قال: فقلت له: لا بد أن تفي بوعدك [لي] [١] قال: فأخذ رداءه ونهض معي راجلا، فلما أتينا منزل أحمد بن كليب وكان يسكن في درب طويل وتوسط الزقاق وقف واحمر وخجل، وقال لي: يا سيدي الساعة والله أموت وما استطيع أن انقل قدمي ولا استطيع أن أعرض هذا على نفسي. فقلت: لا تفعل بعد أن بلغت المنزل تنصرف، قال: لا سبيل والله إلى ذلك البتة، قال: ورجع هاربا فاتبعته وأخذت بردائه فتمادى وتمزق الرداء

стр. 5276

وبقيت قطعة منه في يدي لمدة وإمساكي له ومضى ولم أدركه، فرجعت ودخلت على أحمد بن كليب قال: وقد كان غلامه دخل عليه إذ رآني من أول الزقاق مبشرا، قال: فلما رآني تغير وجهه وقال: أين أبو الحسن؟. فأخبرته بالقصة فاستحال من وقته واختلط وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الاسترجاع، فاستبشعت الحال وجعلت أتوجع وقمت، قال: / فثاب إليه ذهنه فقال: يا أبا عبد الله اسمع مني واحفظ مني ثم أنشأ يقول: أسلم يا راحة العليل ... رفقا على الهائم النحيل وصلك أشهى إلى فؤادي ... من رحمة الخالق الجليل قال: فقلت له: اتق الله ما هذه الخطة العظيمة، فقال: قد كان، قال فخرجت عنه فو الله ما توسطت الزقاق حتى سمعت الصراخ عليه [١] وقد فارق الدنيا. قال الحميدي: قال لنا أبو محمد: وهذه قصة مشهورة عندنا، ومحمد بن الحسن ثقة، [ومحمد بن خطاب ثقة] [٢] وأسلم هذا من بني خالد، وكانت فيهم وزارة وحجابة وأبوه الآن في الحياة يكنى أبا الجعد، قال أبو محمد: ولقد ذكرت هذه الحكاية لأبي عبد الله محمد بن سعيد الخولاني الكاتب فعرفها، وقال: لقد أخبرني الثقة أنه رأى أسلم هذا في يوم شديد المطر لا يكاد أحد يمشي في طريق وهو جالس على قبر أحمد بن كليب المذكور زائرا له قد تحين غفلة الناس في مثل ذلك اليوم، قال الحميدي: وأنشدني أبو محمد علي بن أحمد، قال: أنشدني محمد بن عبد الرحمن النحوي لأحمد بن كليب وقد أهدى إلى أسلم كتاب الفصيح لثعلب: هذا كتاب الفصيح ... بكل لفظ مليح وهبته لك طوعا ... كما وهبتك روحي

стр. 5277

٣١٨٩- الحسن [١] بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان بن حرب بن مهران، أبو علي البزاز [٢] : ولد في ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، وسمع عثمان بن أحمد الدقاق، والنجاد، والخلدي، وخلقا كثيرا/ وكان ثقة صدوقا. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت، قال: حدثني محمد بن يحيى الكرماني، قال: كنا يوما بحضرة أبي علي بن شاذان فدخل علينا شاب لا يعرفه منا أحد فسلم، وقال: أيكم أبو علي بن شاذان؟ فاشرنا إليه، فقال له: أيها الشيخ رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقال لي: سل عن أبي علي بن شاذان؟ فإذا لقيته فأقرئه مني السلام، ثم انصرف الشاب، فبكى أبو علي، وقال: ما أعرف لي عملا استحق به هذا اللَّهمّ إلا أن يكون صبري على قراءة الحديث علي وتكرير الصلاة على رسول الله ﷺ كلما جاء ذكره، قال: ولم يلبث أبو علي بعد ذلك إلا شهرين أو ثلاثة حتى مات. توفي في محرم هذه السنة، ودفن في مقبرة باب الدير. ٣١٩٠- الحسن [٣] بن عثمان بن أحمد بن الحسن [٤] بن سورة أبو عمر الواعظ المعروف بابن الفلو: [٥] . ولد في ربيع الآخر سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، وسمع الحديث من جماعة، وكان يعظ وله بلاغة وفيه كرم. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أحمد بن علي، وأخبرنا ابن ناصر أخبرنا ابن خيرون، قال: أخبرنا أحمد بن الحسن المعدل، قال: أنشدنا أبو عمر ابن الفلو لنفسه: دخلت على السلطان في دار عزه ... بفقر ولم أجلب بخيل ولا رجل

стр. 5278

وقلت انظروا ما بين فقري وملككم ... بمقدار ما بين الولاية والعزل توفي ليلة الأحد الرابع عشر من صفر في هذه السنة، وصلى عليه بجامع المدينة، ودفن بمقبرة باب حرب إلى جنب/ أبي الحسين بن السماك. ٣١٩١- الحسين [١] بن أحمد بن عثمان بن شيطا، أبو القاسم [٢] البزاز: سمع أبا بكر الشافعي، قال أبو بكر الخطيب: كتبت عنه، وكان ثقة، وتوفي في صفر هذه السنة. ٣١٩٢- الحسين [٣] بن عمر بن محمد بن أحمد بن عبد الله، أبو عبد الله [٤] العلاف: أخبرنا القزاز، أَخْبَرَنَا [أبو بكر] [٥] الخطيب، قَالَ: قال لنا الحسين [بن عمر] [٦] : ولدت في يوم الخميس الثالث من شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، قال: وسمع أبا بكر الشافعي، ويحيى بن وصيف، وأحمد بن جعفر بن سلم، كتبنا عنه وكان ثقة، يسكن الجانب الشرقي في درب السقاءين قريبا من سوق السلاح، وتوفي في رجب هذه السنة. ٣١٩٣- حمزة [٧] بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن إبراهيم أبو القاسم الجرجاني [٨] : روى الحديث الكثير توفي فِي هذه السنة. ٣١٩٤- عَبْد اللَّهِ [٩] بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان، أبو محمد الصيرفي وهو أخو أبي [١٠] علي:

стр. 5279

سمع أبا بكر بن مالك القطيعي وغيره، وكان صدوقا توفي في شعبان هذه السنة، ودفن بمقبرة باب الدير. ٣١٩٥- عمر [١] بن إبراهيم بن إسماعيل، أبو الفضل بن أبي سعد [٢] الزاهد: من أهل هراة، ولد سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، قدم بغداد فحدث بها عن أبي بكر الإسماعيلي، وأبي أحمد الغطريفي، قال الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة، وتوفي بهراة في هذه السنة.

стр. 5280

ثم دخلت سنة سبع وعشرين واربعمائة [كبس العيارين دار بلوربك التركي] فمن الحوادث [١] فيها: أن العيارين كبسوا في المحرم دار بلوربك التركي بباب خراسان وأخذوا ما فيها. ورد أبو محمد النسوي إلى باب البصرة لكشف العملة فأخذ هاشميا فقتله، فثار أهل الموضع ورفعوا المصاحف على القصب، ومضوا إلى دار الخلافة، وجرى خطب طويل. وكانت قنطرة الشوك قد سقطت على نهر عيسى فبقيت مدة، فأمر الملك بعمارتها فتكامل عمارتها في المحرم، وكان أبو الحسين بن القدوري يشارف الإنفاق عليها. وفي صفر: تقدم الخليفة بترك التعامل بالدنانير المغربية وأمر الشهود أن لا يشهدوا في كتاب ابتياع ولا إجازة ولا مداينة يذكر فيها هذا الصنف، فعدل الناس إلى القادرية والنيسابورية والقاشانية. [دخول العيارون البلد في مائة رجل من الأكراد] وفي ليلة الثلاثاء ثاني ربيع الآخر: دخل العيارون البلد في مائة رجل من الأكراد والأعراب والسواد فأحرقوا دار ابن النسوي، وفتحوا خانا، وأخذوا ما فيه، وخرجوا إلى الطريق والكارات على رءوسهم [٢] . [نقل أبو القاسم بن ماكولا وتسليمه إلى المرتضى] وفي ربيع الآخر نقل أبو القاسم بن ماكولا الوزير بعد أن قبض عليه وسلم إلى المرتضى

стр. 5281

إلى دار المملكة فمرض ويئس منه، فروسل [١] الخليفة في معنى أخيه قاضي القضاة أبي عبد الله بن ماكولا، وقيل: هو يعرف أمواله فدافع عنه الخليفة وحامى وكادت الحال من الأتراك تشرف على أحد حالين [٢] : إما تسليمه، وإما خرق لا يتلافى فكتب إلى الخليفة في حقه، فحرج في الجواب أنه لم يبق من أمرنا إلا هذا الناموس في حراسة من عندنا وهو لكم لا لنا، وهذا القاضي لم يتصرف تصرفا سلطانيا يلزمه فيه تبعة، ثم زاد الأمر في ذلك ورجع [٣] الخليفة، فكتب إلى حاجب الحجاب/ رقعة قيل فيها قد زاد الأمر في إطراح مراقبتنا وإسقاط حشمتنا، وصار الأولى أن نغلق بابنا وندبر أمرنا بما نحرس به جاهنا، فأمسك عن المراجعة ثم إن الجند شغبوا على جلال الدولة، وقالوا: أن البلد لا يحتملنا وإياك فاخرج من بيننا فإنه أولى لك، فقال: كيف يمكنني الخروج على هذه الصورة أمهلوني ثلاثة أيام حتى آخذ حرمي وولدي وأمضي فقالوا لا نفعل ورموه بآجرة في صدره فتلقاها بيده وأخرى في كتفه فاستجاش الملك الحواشي والعوام، وكان المرتضى والزينبي والماوردي عند الملك فاستشارهم في العبور إلى الكرخ كما فعل في المرة الأولى، فقالوا: أليس الأمر كما كان وأحداث الموضع قد ذهبوا وحول الغلمان خيمهم إلى ما حول الدار إحاطة بها، وبات الناس على اصعب خطة، فخرج الملك نصف الليل إلى زقاق غامض، فنزل إلى دجلة فقعد في سميرية فيها بعض حواشيه فغرقوها تقديرا أنه فيها، ومضى الملك مستترا إلى دار المرتضى وبعث حرمه إلى دار الخليفة ونهب الجند دار المملكة وأبوابها وساجها، ورتبوا فيها حفظة فكانت الحفظة تخربها نهارا وتنقل ما اجتمع من ذلك ليلا، وراسل الجند الخليفة في قطع خطبة جلال الدولة فقيل لهم: سننظر، ثم خرج الملك إلى أوانا، ثم إلى كرخ سامرا، ثم خرجوا إليه واعتذروا، وصلحت الحال. [ورود ظلمة طبقت البلد] وفي جمادي الآخرة: وردت ظلمة طبقت البلد حتى لم يشاهد الرجل صاحبه الماشي بين يديه، / وأخذت بالأنفاس حتى لو تأخر انكشافها لهلك كثير من الناس.

стр. 5282

وفي ضحوة نهار يوم السبت لثمان بقين من رجب: انقض كوكب غلب ضوؤه على ضوء الشمس، وشوهد في آخره مثل التنين أزرق يضرب إلى السواد، وبقي نحو ساعة. ذكر من توفي في هذه السنة [١] من الأكابر ٣١٩٦- الحسن [٢] بن وهب بن موصلايا الكاتب [٣] المجود: توفي في هذه السنة. ٣١٩٧- علي [٤] أبو الحسن بن الحاكم، صاحب مصر الملقب بالظاهر لاعزاز دين [٥] الله . توفي يوم الأحد النصف من شعبان هذه السنة، وكان عمره ثلاثين سنة إلّا أشهرا، فكانت ولايته ست عشرة سنة وتسعة أشهر، وولى بعده ولده ولقب المستنصر باللَّه [٦] . ٣١٩٨- محمد [٧] بن إبراهيم بن أحمد، أبو بكر الأردستاني [٨] . أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب، قال: كان الأردستاني يسكن إصبهان، وكان رجلا صالحا يكثر السفر إلى مكة ويحج ماشيا، وحدث ببغداد عن الدار الدارقطني وغيره، وكان ثقة يفهم الحديث قال: وبلغنا أنه مات بهمذان في سنة سبع وعشرين وأربعمائة. ٣١٩٩- محمد [٩] بن الحسين [١٠] بن عبيد الله بن عمر بن حمدون، أبو يعلى الصيرفي المعروف بابن السراج [١١] : ولد في سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وسمع أبا الفضل الزهري، وكان ثقة فهما يعلم القراءات [١٢] والنحو. وتوفي ليلة الجمعة الثامن والعشرين من ذي الحجة/ من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.

стр. 5283

ثم دخلت سنة ثمان وعشرين واربعمائة [١] فمن الحوادث فيها [٢] : [خلع الخليفة على أبي تمام محمد بن محمد الزينبي] أن الخليفة خلع على أبي تمام محمد بن محمد بن علي الزينبي وقلده ما كان إلى أبيه أبي الحسن من نقابة العباسيين والصلاة. [تجدد شغب من الجند على جلال الدولة] ثم تجدد شغب من الجند على جلال الدولة، ثم آل الأمر في هذه السنة إلى أن قطعوا خطبته وخطبوا للملك كاليجار، ثم عادوا وخطبوا لهما ثم صلحت حال جلال الدولة وحلف الخليفة له وقبض على ابن ماكولا، ووزر أبو المعالي بن عبد الرحيم. [ورود كتاب من فم الصلح] وفي ربيع الآخر: ورد كتاب من فم الصلح ذكر فيه أن قوما من أهل الجبل [٣] وردوا وحكوا أنهم مطروا مطرا كثيرا [٤] في أثنائه سمك وزن بعضه رطل ورطلان. [بعث صاحب مصر مالا لينفقه على نهر بالكوفة] وكان صاحب مصر قد بعث مالا لينفقه على نهر بالكوفة فجاء أهل الكوفة يستأذنون الخليفة، فجمع الفقهاء لذلك في جمادي الآخرة، فقالوا: هذا مال من فيء المسلمين وصرفه في مصالحهم صواب فأذن في ذلك. [ثورة جماعة من العيارين وكبسهم الحبس بالشرقية] وفي ليلة السبت لتسع بقين من جمادي الآخرة: ثار جماعة من العيارين فكبسوا الحبس بالشرقية وقتلوا بضعة عشر نفسا من رجاله المعونة، ثم عادوا في ذي الحجة،

стр. 5284

فكثروا وأخذوا بغال السقاءين وثياب القصارين وانبسطوا انبساطا زائدا عن الحد. ذكر من توفي في هذه السنة [١] من الأكابر ٣٢٠٠- أحمد بن محمد [٢] بن أحمد بن جعفر، أبو الحسن القدوري الفقيه [٣] الحنفي: ولد سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. أخبرنا القزاز، أَخْبَرَنَا أبو بكر الخطيب، قَالَ: سمع القدوري من عبيد الله بن محمد الجوشي ولم يحدث إلا بشيء يسير كتبت عنه، وكان صدوقا، وكان ممن أنجب في الفقه لذكائه، وانتهت إليه بالعراق رياسة أصحاب أبي حنيفة، وارتفع جاهه وكان حسن العبارة في النظر، مديما لتلاوة القرآن، وتوفي يوم الأحد الخامس من رجب هذه السنة، ودفن من يومه في داره بدرب أبي خلف. ٣٢٠١- الحسن [٤] بن شهاب بن الحسن بن علي بن شهاب، أبو علي العكبراوي [٥] : ولد بعكبرا في محرم سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وسمع الحديث على كبر من أبي علي بن الصواف، وأبي علي الطوماري، وابن مالك القطيعي، وكان فقيها فاضلا يتفقه على مذهب أحمد، وكان يقرأ القراءات ويعرف الأدب، ويقول الشعر، قال البرقاني: هو ثقة أمين. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت أخبرنا عيسى بن أحمد الهمذاني قال: قال لي أبو علي بن شهاب يوما: أرني خطك فقد ذكر لي أنك سريع الكتابة فنظر فيه فلم يرضه، وقال لي: كسبت في الوراقة خمسة وعشرين ألف درهم راضية، وكنت أشتري كاغدا بخمسة دراهم فأكتب فيه ديوان المتنبي في ثلاث ليال وأبيعه بمائتي درهم وأقله/ بمائة وخمسين درهما، قال ابن ثابت: وسمعت الأزهري يقول: أخذ السلطان

стр. 5285

من تركة بن شهاب ما قدره ألف دينار سوى ما خلفه من الكروم والعقار، وكان أوصى بثلث ماله لمتفقهة الحنابلة فلم يعطوا شيئا، توفي في ليلة النصف من رجب هذه السنة. ٣٢٠٢- الحسين بن علي [١] بن الحسين بن إبراهيم بن بطحا، أبو عبد الله التميمي المحتسب [٢] : سمع أبا بكر الشافعي، وكان ثقة، سكن شارع باب الرقيق، وتوفي في جمادي الأولى من هذه السنة. ٣٢٠٣- عثمان بن محمد بن يوسف بن دوست، أبو عمرو [٣] العلاف: هو أخو عبد الله [٤] ، وكان الأصغر، ولد سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، وسمع النجاد، وكان صدوقا توفي في صفر هذه السنة. ٣٢٠٤- لطف الله [٥] بن أحمد بن عيسى أبو الفضل [٦] الهاشمي: كان ذا لسان وولى القضاء والخطابة، وسكن بدر زنجان [٧] وأضر، وكان يروى حكايات وأناشيد من حفظه. أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب، قال: أنشدنا لطف الله بن أحمد، قال: أنشدنا أبو الحسن عمر بن أحمد النوقاتي السجزي [٨] لنفسه: وإني لأعرف كيف الحقوق ... وكيف يبر الصديق الصديق وكم من جواد وساعي الخطى ... يقصر عنه خطاه مضيق

стр. 5286

ورحب فؤاد الفتى محنة ... عليه إذا كان في الحال ضيق / توفي لطف الله في هذه السنة. ٣٢٠٥- مُحَمَّد [١] بن أَحْمَد بن محمد بن أبي موسى [واسم أبي موسى [٢] عيسى] بن أحمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب، أبو علي الهاشمي القاضي [٣] : ولد في ذي القعدة سنة خمس وأربعين، وسمع محمد بن المظفر، وأبا الحسين بن سمعون، وكان ثقة، وهو أحد فقهاء أصحاب أحمد بن حنبل، وكان يدرس ويفتي وله تصانيف [٤] على مذهب أحمد، قال أبو علي: ضاق بي الأمر مرة قبعت، جلا داري وإذا رجل قد دخل علي فأنشد: ليس من شدة تصيبك إلا ... سوف تمضي وسوف تكشف كشفا لا يضق ذرعك الرحيب فإن ... النار يعلو لهيبها ثم تطفا قال التميمي: دخلت على أبي علي في مرضه، فقال لي: اسمع مني الاعتقاد ولا تشك في عقلي، فما رأيت الملكين بعد. وتوفي [يوم الأحد [٥] الثالث] من ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن بباب حرب. ٣٢٠٦- محمد بن الحسن بن أحمد [بن محمد] [٦] بن موسى، أبو الحسين الأهوازي ويعرف بابن أبي علي الأصبهاني [٧] : ولد في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، وقدم إلى بغداد من الأهواز، وخرج له أبو الحسن النعيمي أجزاء من حديثه، وسمع منه البرقاني إلّا أنه بان كذبه.

стр. 5287

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي، حدثنا أبو الوليد الحسن بن محمد الدربندي، قَالَ: سمعت أبا نصر أحمد بن علي بن عبدوس، يقول: كنا نسمي ابن أبي علي الإصبهاني جراب الكذب. أقام الأهوازي ببغداد سبع سنين ثم خرج إلى الأهواز، ووصل الخبر بوفاته في هذه السنة. ٣٢٠٧- محمد [١] بن علي، أبو الحسن الزينبي نقيب العباسيين [٢] : توفي بداء الصرع في هذه السنة، وقلد ابنه أبو تمام ما كان إليه. ٣٢٠٨- مهيار [٣] بن مرزويه، / أبو الحسن الكاتب الفارسي [٤] : كان مجوسيا فأسلم سنة أربع وتسعين وثلاثمائة وصار رافضيا غاليا، وفي شعره لطف إلا أنه يذكر الصحابة بما لا يصلح. قال له أبو القاسم ابن برهان: يا مهيار انتقلت بإسلامك في النار من زاوية إلى زاوية، قال: وكيف ذاك؟ قال: لأنك كنت مجوسيا فأسلمت فصرت تسب الصحابة. وكان منزله بدرب رياح بالكرخ، وكانت امرأة تخدمه فكنست الغرفة فوجدت خيطا فإذا هو خيط هميان فيه مال وكان قد نزل الدار قوم من الخراسانية الحاج فأخبرته فلم يتغير، وقال لها: قد تعبت حتى خبأته فلماذا نبشته، وكان فيه ألفا دينار وسعى به إلى جلال الدولة فقبض عليه ثم أطلقه. ومن مستحسن شعره قوله: أستنجد الصبر فيكم وهو مغلوب ... وأسأل النوم عنكم وهو مسلوب وأبتغي عندكم قلبا سمعت به ... وكيف يرجع شيء وهو موهوب

стр. 5288

[ومنها] [١] : ما كنت أعرف ما مقدار وصلكم ... حتى هجرتم وبعض الهجر تأديب وله: أجيراننا بالغور والركب متهم ... أيعلم حال كيف بات المتيم رحلتم وعمر الليل فينا وفيكم ... سواء ولكن ساهرون ونوّم تناءيتم من ظاعنين وخلفوا ... قلوبا أبت أن تعرف الصبر عنكم / ولما جلا التوديع عما حذرته ... ولم يبق إلا نظرة تتغنم بكيت على الوادي فحرمت ماءه ... وكيف يحل الماء أكثره دم ولما رأيت شعره مستحسنا كله اقتصرت على ما ذكرت. وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة. ٣٢٠٩- هبة الله [٢] بن الحسن، أبو الحسين المعروف بالحاجب [٣] . كان من أهل الفضل والأدب والتدين، وله شعر مستحسن: أخبرنا عبد الرحمن [بن محمد] [٤] القزاز، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أنشدني أبو الحسين الحاجب لنفسه: يا ليلة سلك الزمان ... بطيبها في كل مسلك إذ ارتعى روض المسرة ... مدركا ما ليس يدرك والبدر قد فضح الظلام ... فستره فيه مهتك وكأنما زهر النجوم ... بلمعها شعل تحرك والغيم أحيانا يلوح ... كأنه ثوب ممسك

стр. 5289

وكأن تجعيد الرياح ... لدجلة ثوب مفرك وكان نشر المسك ينفح ... في النسيم إذا تحرك وكأنما المنثور مصفر ... الذرى ذهب مشبك والنور يبسم في الرياض ... فإن نظرت إليه سرك شارطت نفسي أن أقوم ... بحقها والشرط أملك حتى تولى الليل منهزما ... وجاء الصبح يضحك / واه الفتى لو أنه ... في ظل طيب العيش يترك والمرء يحسب عمره ... فإذا أتاه الشيب فذلك توفي هبة الله فجأة في رمضان هذه السنة ﵀. [١]

стр. 5290

ثم دخلت سنة تسع وعشرين وأربعمائة [ورود الكتاب من عكبرا أن أهلها اجتمعوا ليلة الميلاد لإشعال النار على عادتهم] فمن الحوادث فيها: أنه ورد الكتاب من عكبرا بأن قوما من أهلها اجتمعوا [في] [١] ليلة الميلاد لإشعال النار على عادتهم في ذلك، وصعدت طائفة منهم إلى روشن في المكان وتكاثروا عليه فسقط على الباقين فمات ثلاثة وأربعون نفسا منهم ست نسوة إحداهن حبلى. وفي يوم الجمعة التاسع من جمادي الأولى: حضر أبو الحسن ابن القزويني الزاهد الجامع والخطيب على المنبر فاختلط الناس بين آت معه وناهض لتلقيه ومتشوق إلى رؤيته، ووقع الصياح فظن قوم أنه للصلاة، فقاموا ووقفوا طويلا إلى أن عرفوا الحال، فجلسوا وقعد القزويني عند المنبر، فلما قضيت الصلاة وضع منبر من وراء الشباك دون المقصورة، فوقف عليه ابن المذهب الواعظ فحمد الله وأثنى عليه وقرأ أحاديث الرؤية: «أنكم ترون ربكم» . فناداه ابن التميمي الواعظ! اذكر في كل باب حديثا، فلم يلتفت إلى قوله، فقام التميمي فتخطى رقاب الناس وصعد على المنبر وأخذ الكتاب من يده، وقرأ أحاديث الصفات ثم التفت إلى ابن القزويني فقال: أن رأى الشيخ الزاهد أن يقول قولا تسمعه الجماعة فيروونه عنه. / فقال: بلغهم عني أن القرآن كلام الله، وأن الجدال بدعة، والمتكلمين على ضلالة فذكر نحو هذا. [حلف جلال الدولة للملك أبي كاليجار] وفي رجب حلف جلال الدولة للملك أبي كاليجار، وحلف له أيضا أن لا يجري من أحدهما ما يؤذي الآخر.
следующие страницы →