← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة فمن الحوادث فيها: / أنه في ليلة الأحد الخامس من المحرم وهو اليوم التاسع عشر من أيار عصفت ريح مغرب ورد في أثنائها مطر جود وقلعت رواشن دار الخليفة على دجلة ودار المملكة وعدة دور من الدور الشاطية وأثرت في ذلك الآثار البينة وانحل الطيار الممدود عن باب الغربة من رباطه فوقع على الرواشن فقلعه من أوله إلى آخره وغرق في انحداره عدة سفن فيها غلة وتمر وسميريات كانت سائرة في دجلة هلك فيها قوم وخرجت سفن الجسر من الصراة وكانت مشدودة فيها وانحدرت مع الماء وغرق بعضها ووقع الظلال [على الأسواق] [١] من الجانبين وانقلع من النخل والسرو والشجر والتوت في الصحراء والدور الشيء الكثير. [تجدد الفتنة بين السنة والشيعة] وفي أول صفر: تجددت الفتنة بين السنة والشيعة وكان الاتفاق الّذي حكيناه بين السنة والشيعة غير مأمون الانتقاض لما في الصدور فمضت عليه مديدة وشرع أهل الكرخ في بناء باب السماكين وأهل القلائين في عمل ما بقي من بنائهم وفرغ [٢] أهل الكرخ من بنيانهم وعملوا أبراجا وكتبوا بالذهب على آخر تركوه محمد [٣] وعلي خير البشر فأنكر أهل السنة ذلك وأثاروا الشر وادعوا أن المكتوب محمد وعلي خير البشر

стр. 5357

فمن رضي فقد شكر ومن أبي فقد كفر فأنكر أهل الكرخ هذه الزيادة وثارت الفتنة وآلت إلى أخذ ثياب الناس في الطرقات ومنع أهل باب الشعير من حمل الماء من دجلة إلى الكرخ ورواضعه وأنضاف إلى هذا انقطاع الماء عن نهر عيسى فبيعت الراوية بقيراط إذا خفرت/ فلحق الضعفاء بذلك مشقة عظيمة وغلقت الأسواق ووقفت المعايش ومضى بعض سفهاء أهل الكرخ بالليل فأخذوا من دجلة الصراة عدة روايا وصبوها في حباب نصبوها في الأسواق وخلطوا بها ماء الورد وصاحوا السبيل وعمدوا إلى سمارية في مشرعة باب الشعير فأخذوها وحملوها إلى السماكين محا أهل الكرخ ما كتبوه من خير البشر وجعلوا عوضه ﵉ وقال أهل السنة ما نقنع إلا بقلع الآجر الذي عليه محمد وعلي وتجاوزوا هذا [الحال إلى] [١] المطالبة بإسقاط حي على خير العمل. فلما كان يوم الأربعاء لسبع بقين من صفر اجتمع من أهل السنة عدد يفوت الاحصاء وعبروا إلى دار الخلافة وملئوا الشوارع والرحاب واخترقوا الدهاليز والأبواب وزاد اللغط وقيل لهم سنبحث عن هذا وهجم أهل القلائين على باب السماكين فأحرقوا بواري كانت مسبلة في وجهه فبادر أهل الكرخ وطفئت النار [٢] وبيضوا ما أسود من الباب وقويت الحرب وكثر القتل وانقطعت الجمعة في مسجد براثا لأن الشيعة نقلوا المنبر والقبلة منه وأشفقوا من الأصحار وظهر عيار يعرف بالطقطقي من أهل درزيجان وحضر الديوان واستتيب وجرى منه في معاملة أهل الكرخ وتتبعهم في المحال وقتلهم على الاتصال ما عظمت فيه البلوي واجتمع أهل الكرخ وقت الظهيرة فهدمت حائط باب القلائين ورموا العذرة على حائطه وقطع الطقطقي رجلين/ وصلبهما على هذا الباب بعد أن قتل ثلاثة من قبل وقطع رءوسهم ورمى بها إلى أهل الكرخ وقال تغدوا برءوس ومضى إلى درب الزعفرانيّ فطالب أهله بمائة ألف دينار وتوعدهم إن لم يفعلوا بالإحراق فلاطفوه فانصرف ووافاهم من الغد فقاتلوه فقتل منهم رجل هاشمي فحمل إلى مقابر قريش. واستنفر البلد ونقب مشهد باب التبن ونهب ما فيه وأخرج جماعة من القبور فأحرقوا مثل العوفيّ والناشئ والجذوعي ونقل من المكان جماعة موتى فدفنوا في مقابر

стр. 5358

شتى وطرح النار في الترب القديمة والحديثة واحترق الضريحان والقبتان الساج وحفروا أحد الضريحين ليخرجوا من فيه ويدفنوه بقبر أحمد فبادر النقيب والناس فمنعوهم فلما عرف أهل الكرخ ما جرى صاروا إلى خان الفقهاء الحنفيين بقطيعة الربيع فأخذوا ما وجدوا وأحرقوا الخان وكبسوا دور الفقهاء فاستدعى أبو محمد وأمر بالعبور فقال قد جرى ما لم يجر مثله فإن عبر معي الوزير عبرت فقويت يده وأظهر أهل الكرخ الحزن وقعدوا في الأسواق للعزاء وعلقوا المسوح على الدكاكين فقال الوزير إن وأخذنا الكل خرب البلد فالأصلح التغاضي. وفي يوم الجمعة لعشر بقين من ربيع الآخر: خطب بجامع براثا وأسقط حي على خير العمل ودق الخطيب المنبر وقد كانوا يمنعون منه وذكر العباس في خطبته. وفي عيد الأضحى: حضر الناس في بيت النوبة واستدعى رئيس/ الرؤساء فخلع عليه وقرئ توقيع [بما لقب] [١] به من جمال الورى شرف الوزراء. وفي يوم الخميس لعشر بقين من ذي الحجة: كبس العيارون أبا محمد بن النسوي وجرحوه جراحات. [ورود الخبر بفتح أصبهان] وفي هذه السنة: ورد الخبر بفتح أصبهان ودخول طغرلبك إليها وكان طغرلبك قد عمر الري عمارة حسنة وهدم دارا فوجد فيها مراكب مرصعة بالجوهر الثمين وقماقم الدنانير وبرنيتين صيني مملوءتين بالجوهر النفيس ودفينا عظيما ووجد في عقد قد انشق برنية خضراء فيها عشرون ألف دينار. [كبس منصور بن الحسن الأهواز] وكبس منصور بن الحسن بمن معه [٢] من الغزاة الأهواز وقتل بها من الديلم والأتراك والعامة وأحرفها ونهبها ونجا الملك الرحيم ابن أبي كاليجار بنفسه وفقد كمال الملك أبو المعالي [٣] بن عبد الرحيم. وقبلها كانت وقعة بين المغاربة وأهل مصر، قتل فيها من المغاربة ثلاثون ألفا

стр. 5359

ووردت كتب من صاحب المغرب بما فتحه الله تعالى منها وبإقامة الدعوة للقائم بأمر اللَّه. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٣٠٢- بركة بن الملقد: الملقب زعيم الدولة [١] أمير بني عقيل فأقام مقامه قريش بن بدران. ٣٣٠٣- عبيد الله بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن لؤلؤ [٢] : أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أحمد بْن علي بْن ثابت الخطيب قَالَ: سمع ابن لؤلؤ ابن مالك وغيره كتبت عنه وكان ثقة وسألته عن مولده فقال في رمضان سنة ست وخمسين وثلاثمائة ومات في شوال هذه السنة ودفن بمقبرة باب حرب. ٣٣٠٤- عبيد الله بن محمد بن عبيد الله أبو القاسم النجار المعروف بابن الدلو [٣] : سمع ابن المظفر. قال الخطيب كتبت عنه وكان صدوقا يسكن وراء نهر عيسى وتوفي في رمضان هذه السنة. ٣٣٠٥- مُحَمَّد بن محمد بن أحمد، أبو الحسن الشاعر البصروي [٤] . وبصرى قرية دون عكبرا. سكن بغداد وكان متكلما وله نوادر مطبوعة، قال رجل لقد شربت الليلة ماء عظيما [٥] فاحتجت كل ساعة إلى القيام كأني جدي فقال له: لم تصغر نفسك يا سيدنا؟ وله شعر مليح أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب قال أنشدنا أبو الحسن البصروي:

стр. 5360

نرى الدنيا وزهرتها فنصبو ... وما يخلو من الشهوات قلب فضول العيش أكثرها هموم ... وأكثر ما يضرك ما تحب فلا يغررك زخرف ما تراه ... وعيش لين الأعطاف رطب إذا ما بلغة جاءتك عفوا ... فخذها فالغنى مرعى وشرب إذا اتفق القليل وفيه سلم ... فلا ترد الكثير وفيه حرب

стр. 5361

ثم دخلت سنة أربع وأربعين وأربعمائة فمن الحوادث فيها: أن أبا الحسن علي بن الحسين بن محمود البغدادي المعروف بالشباش توفي بالبصرة وكان هذا الرجل هو وأبوه وعمه مستقرين فيها ومستوعبين بها وكانت الظنون تختلف في المذهب الذي يعتقدونه إلا أن الأقوال في أنهم [١] من الشيعة الإمامية والغلاة الباطنية أغلب وكانت لهم نعم واسعة وأملاك كثيرة وشيعة من سواد البصرة والقرامطة والبطون المتفرقة يسرون طاعتهم ويحملون إليهم ما يجرونه مجرى زكواتهم وأما أبوه وعمه فكانا يتظاهران بالتجارة ويساتران عن اعتقادهما ويظهران من التدين والتصون ما يدفعان به عن أنفسهما فأما أبو الحسن فإن إشفاقه من هذه الأسباب وما كان يرمونه من اليسار دعاه إلى أن خالط الأجناد وداخل العمال وتظاهر بالأكل والشرب وسماع الغناء والترخص في المحظورات وهو في ذلك يعتذر إلى أصحابه بأنه يقصد نفي الظنة عنه فلما توفي أبو الحسن نشأ له ولد يكني أبا عبد الله فقام مقامه وسلك طريقه، قال المصنف ﵀ ونقلت من خط أبى الوفاء ابن عقيل قال كان ابن الشباش وأبوه قبله له طيور سوابق وأصدقاء في جميع البلاد فينزل به قوم فيرفع طائرا في الحال/ إلى قريتهم يخبر له من هناك بنزولهم ويستعلمه عن أحوالهم وما تجدد هناك قبل مجيئهم إليه فيكتب إليه ذلك الحوادث فيحدث القوم بأحوالهم حديث من هو عندهم ثم يقول قد تجدد الساعة كذا وكذا فيدهشون ويرجعون إلى رستاقهم فيجدون الأمر على ما قال ويتكرر هذا فيصير

стр. 5362

عندهم كالقطع على أنه يعلم الغيب. قال ومما فعل أخذ عصفورا وجعل في رجله بلفكا وشد في البلفك كتابا لطيفا وشد في رجل حمامة بلفكا وشد في طرف البلفك كتابا أكبر من ذلك وجعلها بين يديه وجعل العصفور بيد غلام له في سطح داره والحمامة بيد آخر وبعث طائرين برقعتين إلى بقعتين معروفتين يمر بهما الأصحاب المنتدبون لهذا فلما تكامل مجلسه بمن يدخل عليه قال يا بارش يوهم أنه يخاطب شيطانا اسمه بارش خذ هذا الكتاب إلى قرية فلان فقد جرت بينهم خصوم فاجتهد في إصلاح ذات بينهم ويرفع صوته بذلك فيسرح غلامه المترصد لكلامه العصفور الذي في يده فيرتفع الكتاب بحضور الجماعة نحو السماء فيرونه عيانا من غير أن تدرك عيونهم البلفك فإذا ارتفع الكتاب نحو السطح جذبه غلامه فقيد العصفور وقطع البلفك حتى لا يرى ويرسل طائرا إلى [ملك] [١] القرية ليصلح الأمر وكذلك يفعل في الحمامة ويتحقق هذا في القلوب فلا يبقى شك. [حضور قاضي القضاة/ ابن ماكولا والقضاة والشهود والفقهاء والأعيان بيت النوبة] وفي يوم الخميس ثالث ذي القعدة: حضر قاضي القضاة/ ابن ماكولا والقضاة والشهود والفقهاء والأعيان بيت النوبة وخرج رئيس الرؤساء ومعه توقيع من الخليفة تشريف قاضي القضاة وتحميله فقرأه رئيس الرؤساء رافعا به صوته. وفي يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة: قبل قاضي القضاة أبو عبد الله الحسين بن علي شهادة أبي نصر عبد السيد بن محمد بن الصباغ. [عود الفتنة بين أهل الكرخ والقلائين] وفي ذي القعدة: عادت الفتنة بين أهل الكرخ والقلائين واحترقت دكاكين وكتبوا على مساجدهم محمد وعلي خير البشر وأذنوا حي على خير العمل وشرع في رد أبي محمد بن النسوي إلى النظر في المعونة. وفي يوم الخميس لخمس بقين من ذي القعدة: حمل أهل القلائين على أهل الكرخ حملة هرب منها النظارة من الناس ودخل كثير منهم في مسلك ضيق فهلك من النساء نيف وثلاثون امرأة وستة رجال وصبيان وطرحت النار في الكرخ [وعادوا في بناء الأبواب والقتال.

стр. 5363

وفي يوم الثلاثاء سادس عشر ذي الحجة جرى بين أهل الكرخ] [١] وباب البصرة قتال فجمع الطقطقي قوما من أصحابه وكبس بهم طاق الحراني وهو من محال الكرخ وقتل رجلين وقطع رأسيهما وحملهما إلى [٢] القلائين فنصبهما على حائط المسجد المستجد. [زلازل عظيمة بأرجان والأهواز] وفي هذه السنة: كانت بأرجان والأهواز وتلك النواحي زلازل عظيمة ارتجت منها الأرض وانقلعت منها الحيطان ووقعت شرافات القصور وحكى بعض من يعتمد على قوله أنه كان قاعدا/ في إيوان داره فانفرج حتى رأى السماء من وسطه ثم رجع إلى حاله. [كتابة محاضر في الديوان بالقدح في أنساب صاحب مصر ومن تقدم من أسلافه] وفي هذه السنة [٣] : كتب محاضر في الديوان ذكر فيها صاحب مصر ومن تقدم من أسلافه بما يقدح في أنسابهم التي يدعونها وجحد الاتصال برسول الله ﷺ وبعلي وفاطمة وعزوا إلى الديصانية من المجوس والقداحية من اليهود وأنهم خارجون عن الإسلام وما جرى هذا المجرى مما قد ذكرنا مثله في أيام القادر باللَّه وأخذت خطوط الأشراف والقضاة والشهود والعلماء بذلك. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٣٠٦- الحسن بن على [٤] بن محمد بن علي بن أحمد بن وهب بن شبل قرة [٥] ابن واقد، أبو علي التميمي الواعظ المعروف بابن المذهب [٦] : ولد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة سمع أبا بكر بن مالك القطيعي وأبا محمد بن

стр. 5364

ماسي وابن شاهين والدار الدّارقطنيّ وخلقا كثيرا ولا يعرف فيه إلا الخير والدين وقد ذكر الخطيب عنه أشياء لا توجب القدح عند الفقهاء وإنما يقدح بها عوام المحدثين فقال كان يروى عن ابن مالك مسند أحمد بأسره وكان سماعه صحيحا إلا في أجزاء فإنه ألحق اسمه فيها قال المصنف [وهذا] [١] لا يوجب القدح لأنه إذا تيقن سماعه للكتاب جاز أن يكتب سماعه بخطه لإجلال الكتب والعجب من عوام المحدثين كيف يجيزون قول الرجل أخبرني فلان ويمنعون إن كتب سماعه بخط نفسه أو إلحاق/ سماعه فيها بما يتيقنه ومن أين له إنما كتب لم يعارض به أصلا فيه سماعه وحدث ابن المذهب عن ابن مالك عن أبي شعيب بحديث وجميع ما كان عند ابن مالك عن أبي شعيب جزء واحد وليس الحديث فيه قال المصنف ﵀ ومن الجائز أن يكون ذاك الحديث سقط من نسخة ووجد في أخرى ويجوز أن يكون سمعه منه في غير ذلك الجزء. قال الخطيب وكان يعرض على أحاديث في أسانيدها أسماء فيها لين يسألني عنهم فأذكر له أنسابهم فيلحقها في تلك الأحاديث. قال المصنف هذا قلة فقه من الخطيب فإني إذا انتقيت في الرواية عن ابن عمر أنه عبد الله جاز أن أذكر اسمه ولا فرق بين أن أقول حدثنا ابن المذهب وبين أن أقول أخبرنا الحسن بن علي بن المذهب وقد كان في الخطيب شيئان أحدهما الجري على عادة عوام المحدثين [من قبله] [٢] من قلة الفقه والثاني التعصب في المذهب ونحن نسأل الله السلامة. توفي ابن المذهب ليلة الجمعة سلخ ربيع الأول [٣] من هذه السنة ودفن في مقبرة باب حرب. ٣٣٠٧- عبد الله بن محمد بن مكي، أبو محمد السواق المقرئ يعرف بابن ماردة [٤] : سمع أبا الحسن ابن كيسان. وكان صدوقا يسكن نهر القلائين، توفي في ذي

стр. 5365

القعدة من هذه السنة ودفن في مقبرة باب حرب. ٣٣٠٨- عبد الكريم بن محمد إبراهيم، أبو منصور [١] المطرز: أصبهاني الأصل ولد سنة ست وستين وثلاثمائة وكان يسكن ناحية العتابين [٢] وحدث عن علي بن محمد بن كيسان/ وكان صدوقا. توفي في رمضان هذه السنة. ٣٣٠٩- محمد بن أحمد بن [محمد] [٣] ، أبو جعفر [٤] السمناني القاضي: ولد سنة إحدى وستين وثلاثمائة [٥] وسكن بغداد وحدث عن علي بن عمر السكري وأبي الحسن الدار الدارقطني وابن حبابة وغيرهم وكان عالما فاضلا سخيا لكنه كان يعتقد في الأصول مذهب الأشعري وكان له في داره مجلس نظر. توفي في ربيع الأول من هذه السنة بالموصل وهو القاضي بها بعد أن كف بصره. ٣٣١٠- محمد بن إسماعيل بن عمر بن محمد بن خالد بن إسحاق بن خالد بن عبد الملك بن جرير بن عبد الله البجلي، أبو الحسن ويعرف بابن سبنك [٦] : ولد سنة خمس وستين وثلاثمائة وكان أحد الشهود المعدلين وحدث عن أبي بكر بن شاذان وابن شاهين والدار الدّارقطنيّ وابن حبابة وغيرهم توفي ليلة الخميس رابع عشرين رمضان هذه السنة. ٣٣١١- محمد بن الحسن بن محمد بن جعفر بن داود بن الحسن، أبو نصر [٧] :

стр. 5366

سمع المخلص وغيره وكان صدوقا. توفي ليلة الجمعة [١] ثامن ربيع الآخر من هذه السنة. ٣٣١٢- محمد بن عبد العزيز بن العباس بن محمد بن المهدي، أبو الفضل الهاشمي خطيب جامع الحربية [٢] : سمع من أبي الحسين بن سمعون [٣] وغيره. وكان صدوقا خيرا فاضلا من المحدثين وتوفي في غرة هذه السنة [٤] .

стр. 5367

ثم دخلت سنة خمس وأربعين وأربعمائة [عود الفتن بين السنة والشيعة] فمن الحوادث فيها: عود الفتن بين السنة والشيعة وخرق السياسة/ وأنه أحضر ابن النسوي وقويت يده وضربت الخيم بين باب الشعير وسوق الطعام فضرب وقتل ونقض ما كتب عليه محمد وعلي خير البشر وطرحت النار في الكرخ بالليل والنهار. وورد الخبر أن الغز قد جاءوا [إلى] [١] حلوان وأنهم علي قصد العراق ونظر سابور ابن المظفر في الوزارة وقبل قاضي القضاة ابن ماكولا شهادة أبي الفتح ابن شيطا. [أعلن بنيسابور لعن أبي الحسن الأشعري] وفي هذه السنة [٢] : أعلن بنيسابور لعن أبي الحسن الأشعري فضج من ذلك أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري وعمل رسالة سماها شكاية أهل السنة لما نالهم من المحنة وقال فيها، أيلعن امام الدين ومحيي السنة؟ وكان قد رفع إلى السلطان طغرلبك من مقالات الأشعري شيء فقال أصحاب الأشعري هذا محال وليس بمذهب له فقال السلطان، إنما يوغر بلعن الأشعري الذي قال هذه المقالات فإن لم يدينوا بها ولم يقل الأشعري شيئا منها فلا عليكم مما يقول، قال القشيري فأخذنا في الاستعطاف فلم يسمع لنا حجة ولم يقض لنا حاجة فأغضبنا على قذى الاحتمال وأحلنا علي بعض العلماء فحضرنا فظننا أنه يصلح الحال، فقال، الأشعري عندي مبتدع يزيد علي المعتزلة، قال القشيري، يا معشر المسلمين الغياث الغياث.

стр. 5368

قال المصنف ﵀: لو أن القشيري لم يعمل في هذا رسالة كان استر للحال لأنه إنما ذكر فيها أنه وقع اللعن وانه سئل السلطان أن يتقدم بترك ذلك فلم يجب ثم لم يذكر حجة له ولا دفع شبهة للخصم وذكر/ مثل هذا نوع تغفيل. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٣١٣- أحمد بن عمر بن روح أبو الحسين النهرواني [١] : كان ينظر في العيار بدار الضرب وله شعر حسن، قال كنت على شط النهروان فسمعت رجلا يتغنى، في سفينة منحدرة. وما طلبوا سوى قتلي ... فهان علي ما طلبوا فاستوقفته وقلت أضف إليه: على قتلى الأحبة بالتمادي ... في الجفا غلبوا وبالهجران طيب النوم ... من عيني قد سلبوا وما طلبوا سوى قتلي ... فهان علي ما طلبوا توفي في ربيع الآخر من هذه السنة. ٣٣١٤- إبراهيم بن عمر بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن مهران أبو إسحاق البرمكي [٢] : كان سلفه قديما يسكنون في محله ببغداد تعرف بالبرامكة وقيل بل كانوا يسكنون قرية تعرف بالبرمكية [٣] وهي قرية بقرب باب البصرة فنسبوا إليها، ولد في رمضان سنة

стр. 5369

إحدى وستين وثلاثمائة وسمع أبا بكر بن مالك القطيعي وخلقا كثيرا وحدثنا أشياخنا عنه وكان صدوقا دينا فقيها على مذهب أحمد بن حنبل وكانت له حلقة للفتوى في جامع المنصور وتوفى يوم الأحد سابع ذي الحجة [١] من هذه السنة ودفن بمقبرة باب حرب. ٣٣١٥- عمر بن محمد بن علي بن عطية، أبو حفص المعروف والده بأبي طالب المكي [٢] : ولد سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وسمع أباه وأبا حفص ابن شاهين/ وكان صدوقا يسكن باب الطاق وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة. ٣٣١٦- محمد بن أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر، أبو طالب المعروف بابن السوادي [٣] : أخو أبي القاسم الأزهري ولد في ليلة الجمعة لعشر بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وسمع أبا حفص ابن الزيات ومحمد بن المظفر في آخرين. أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد أخبرنا [أبو بكر] [٤] الخطيب قال: كتبنا عنه وكان صدوقا وتوفي بواسط في ذي الحجة من هذه السنة [٥] : ٣٣١٧- محمد بن محمد بن أبي تمام، أبو تمام الزينبي نقيب النقباء [٦] : توفي في هذه السنة فولي ابنه أبو علي مكانه.

стр. 5370

ثم دخلت سنة ست وأربعين وأربعمائة [اجتماع الأتراك في دار المملكة] فمن الحوادث فيها: أن الأتراك اجتمعوا في دار المملكة وتفاوضوا بينهم الشكوى من وزير السلطان فيما يشعره عليهم من الأمتعة ويطلق لهم من الأموال المتفاوتة القيمة وأن الوزير قد استعصم بالحريم وتفرقوا على شغب اعتزموه فضربوا الخيم علي شاطئ دجله وركبوا بالسلاح وصار قوم منهم إلى الديوان فخاطبوا على أمر الوزير وقالوا من الواجب على صاحب الحريم أن يقوم بأمورنا ليلتزمنا طاعته وركبوا على نفور [١] وكثرت الأراجيف وخيفت الفتنة وغلقت الدروب وذلك في يوم الجمعة ولم يصل الجمعة يومئذ في جامع القصر وصلى في غيره ونقل الناس أموالهم إلى باب النوبة وباب المراتب وكان ذلك من العجب لأن تلك الأماكن كانت مقصودة ونودي في البلد متى وجد الوزير في دار/ أحد فقد حل دمه وماله ومن دل عليه حسنت مكافأته فركب الأتراك بالسلاح إلى دار الروم وفيها دور أبي الحسن بن عبيد كاتب البساسيري [وغيره] [٢] فنهبوا ودخلوا البيعة وأخذوا أموالا كثيرة وأحرقوا البيعة وعدة دور وقاتلهم العوام وعبر أهل الكرخ والقلائين ونهر طابق وباب البصرة والحربية [٣] إلى باب الغربة للحراسة وراسل الخليفة الأتراك وقال عرفتم طلبنا للوزير وقبضنا علي أصحابه وهذا غاية الممكن ولم يبق إلا الفتنة التي تهلك

стр. 5371

النفس [١] فان كانت مطلوبكم فأمهلونا أياما إلى أن نتأهب لسفرنا ونخرج إلى حيث يعرف فيه حقنا فأجابوه بالطاعة وقررت لهم أشياء فأخذوها وسكنوا ثم إن الوزير ظهر فطولب فجرح نفسه بسكين ثم تسلمه البساسيري وتقلد الوزارة أبو الحسين بن عبد الرحيم. وغزا طغرلبك بلاد الروم. [انقطاع الماء من الفرات] وفي مستهل ربيع الآخر: انقطع الماء من الفرات على نهر عيسى انقطاعا تلف به ما كان من زرع وتعذرت الطحون وأدرك الناس بذلك ضرر شديد. وفي هذا الشهر: ورد من الصراصير [٢] ما زاد وكثر وسمع لها بالليل دوي كدوي الجراد إذا طار. [خلع الخليفة على رئيس الرؤساء] وخلع الخليفة على رئيس الرؤساء خلعة حسنة وكتب له درجا قرأه قائما [في] [٣] يوم الخميس لعشرين من جمادي الأولى من هذه السنة وعبر يوم الجمعة فصلى بجامع المنصور. وقصد قريش بن بدران الأنبار ففتحها وخطب بها وبالموصل وفتح السوق. وورد أبو الحارث المظفر البساسيري إلى بغداد منصرفا عن الوقعة مع بني خفاجة فسار إلى داره بالجانب/ الغربي ولم يلم بدار الخليفة على رسمه وتأخر عن الخدمة بعد ذلك وبانت منه آثار النفرة وخرج إلى دجيل فاجتازت به سفينة لبعض أقارب رئيس الرؤساء فأعتاقها وطالبها بالضريبة وكثرت دواعي الوحشة فراسله الخليفة بما طيب قلبه فقال ما أشكو إلا من النائب في الديوان ثم خرج الى طريق خراسان فثقل على ضياع الديوان. وفي ذي الحجة: توجه إلى الأنبار فخرج إليه الأتراك والعوام طامعين في النهب فوصل إليها ففتحها وقطع أيدي عالم فيها وكان معه دبيس بن علي بن مزيد وذلك بعد ان

стр. 5372

أحرق دمما والفلوجة ثم قدم فتقرر أنه يحضر بيت النوبة ويخلع عليه فجاء إلى أن حاذى بيت النوبة وخدم وانصرف ولم يعبر. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٣١٨- إبراهيم بن محمد بن عمر بن يحيى، أبو طاهر العلوي [١] : ولد ببابل سنة تسع وستين وثلاثمائة وحدث عن أبي المفضل الشيباني وكان سماعه صحيحا. توفي ببغداد في صفر هذه السنة. ٣٣١٩- الحسين [٢] بن جعفر بن محمد بن جعفر بن داود أبو عبد الله السلماسي: [٣] سمع من ابن حيويه والدار الدّارقطنيّ وابن شاهين وكان ثقة مشهورا باصطناع البر وفعل الخير وافتقاد الفقراء وكثرة الصدقة وكان قد أريد للشهادة فأبي. وحدثنا محمد بن ناصر الحافظ عن أبي الحسين ابن الطيوري قال ما كان يعلم نفقة أبي الحسين [٤] القزويني من أين هي حتى مات أبو عبد الله السلماسي فوجدوا في روزنامجه/ عشرة دنانير في كل شهر نفقة أبي الحسن القزويني قال ودخل إلى بغداد السلطان فاحتاج إلى نفقة فاستقرض من التجار واستقرض من أبي عبد الله عشرة آلاف واتفق أنه اشترى زيتا بعشرة آلاف فباعه بعشرين ألفا فلما دخل السلطان [دخله] [٥] بعث إليه العشرة آلاف فلم يأخذ وقال قولوا للسلطان هو في أوسع حل منها وأنا أسأل أن أعفى عنها فقيل للسلطان فقال قولوا له أي شيء سبب هذا فقال يأكل من مالي أقوام إن علموا أني قد أخذت من مال السلطان لم يأكلوا منه شيئا وقد أخلفها الله على في ثمن الزيت.

стр. 5373

قال المصنف ﵀: وحدثني بعض الأشياخ عن السلماسي انه سوم في ثمرة في بستان له فبذل له خمسمائة دينار فسكت فدخل قوم فزادوه علي ذلك زيادة كبيرة فقال جوارحي سكنت إلى الأول لا أعير نيتي. توفي أبو عبد الله في جمادي الأولى من هَذِهِ السنة. ٣٣٢٠- عبد الله بْن محمد بن عبد الرحمن [١] ، أبو عبد الله الإصبهاني المعروف بابن اللبان [٢] : سمع بأصبهان أبا بكر ابن المقرئ وببغداد المخلص وبمكة أبا الحسن بن فراس ودرس فقه الشافعي علي أبي حامد الأسفراييني وولي قضاء إيذج وكان يسكن درب الآجر في نهر طابق ويصلى بالناس التراويح ثم يقف بعدها مصليا إلى الفجر، وقال في آخر رمضان لم أضع جنبي في هذا الشهر ليلا ولا نهارا توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة. ٣٣٢١- محمد بن إسحاق بن محمد بن فدويه، أبو الحسن الكوفي [٣] المعدل: أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب قال قدم علينا محمد بن إسحاق في سنة أربع/ وعشرين واربعمائة وحدث عن أبي الحسن بن أبي السري البكائي وكان شيخا ثقة له هيئة حسنة ووقار ظاهر وكان الصوري يثنى عليه خيرا وقال أصوله جياد وسماعه صحيح وهو في نفسه حسن [٤] الاعتقاد من أهل السنة. مات بالكوفة في اليوم السادس من شعبان سنة [٥] ست وأربعين وأربعمائة.

стр. 5374

ثم دخلت سنة سبع وأربعين واربعمائة [وصول زورق فيه شراب للبساسيري] فمن الحوادث فيها: أنه وصل زورق فيه شراب للبساسيري في ربيع الآخر إلى مشرعة باب الأزج فنزل إليه ابن سكرة الهاشمي وجماعة من أصحاب عبد الصمد فكسروه. وفي آخر [نهار] [١] يوم الخميس لثمان بقين من ربيع الآخر: انقض كوكب كبير الجرم فتقطع ثلاث قطع. [زيادة الأسعار بالأهواز واتصال الفتن بين أهل باب الطاق وسوق يحيى] وزادت الأسعار بالأهواز [٢] فزادت قيمة الكر من الحنطة حتى بلغت ثلاثمائة دينار وبشيراز ألف دينار. واتصلت الفتن بين أهل باب الطاق وسوق يحيى اتصالا مسرفا وركب صاحب الشرطة والأتراك لإطفاء الفتنة فلم ينفع ذلك وانتقل القتال إلى باب البصرة وأهل الكرخ علي القنطرتين. ووقعت بين الحنابلة والأشاعرة فتنة عظيمة حتى تأخر الأشاعرة عن الجمعات خوفا من الحنابلة وكان أبو الحارث البساسيري قد أحضر الديوان وأحلف على إخلاص الطاعة ثم أن الأتراك ضجوا بين يديه وذكروا أنه لا يوصل إليهم حقوقهم ثم استأذنوا في ماله وأصحابه فأذن لهم وأطلق رئيس الرؤساء لسانه فيه وذكر قبح أفعاله وانه كاتب صاحب مصر/ وخلع ما في عنقه للخليفة وعدد ما كان مطويا في قلبه. ثم سئل الخليفة فيه فقال ليس الآن إهلاكه.

стр. 5375

أخبرنا عبد الرَّحْمَن أخبرنا أبو بكر بن علي الخطيب قال كان أرسلان التركي المعروف بالبساسيري قد عظم أمره واستفحل لعدم نظرائه من متقدمي الأتراك فاستولى على البلاد وطار اسمه وتهيبته أمراء العرب والعجم ودعى له على كثير من المنابر العراقية والأهواز ونواحيها وجبي الأموال ولم يكن القائم بأمر الله يقطع أمرا دونه ثم صح عند الخليفة سوء عقيدته [١] وشهد عنده جماعة من الأتراك أن البساسيري عرفهم وهو إذ ذاك بواسط عزمه على نهب دار الخلافة والقبض علي الخليفة فكاتب الخليفة أبا طالب محمد بن ميكائيل المعروف بطغرلبك أمير الغز وهو بنواحي الري يستنهضه على المسير الى العراق وانفض أكثر من كان مع البساسيري وعادوا إلى بغداد ثم أجمع رأيهم على أن قصدوا دار البساسيري وهي في الجانب الغربي في الموضع المعروف بدرب صالح بقرب الحريم الظاهري فأحرقوها وهدموا أبنيتها. ووصل طغرلبك إلى بغداد في رمضان سنة سبع وأربعين وأربعمائة ومضى البساسيري على الفرات إلى الرحبة وتلاحق به خلق كثير من الأتراك البغداديين وكاتب صاحب مصر يذكر له كونه في طاعته وأنه على إقامة الدعوة له بالعراق فأمده بالأموال وولاه الرحبة. قال المصنف: ولما قرب [٢] / طغرلبك وانتشر عسكره في طريق خراسان فانزعج الناس وشملهم الخوف ودخل إلى الحريم أهل السواد ثم ورد رسوله الى الديوان في نحو ثلاثين من الغز وانزعج العسكر وركبوا بالسلاح فسلم الرسول كتابا يتضمن الدعاء والثناء وأنه قصد الحضرة الشريفة للتبرك بمشاهدتها والمسير بعد ذلك إلى الحج وعمارة طريقه والانتقال إلى قتال أهل الشام [وكل معاند] [٣] ثم خطب لطغرلبك ثم للمسمى بالملك الرحيم من بعده. ثم خرج رئيس الرؤساء لتلقى السلطان معه الموكب فلقيه حاجب السلطان في جماعة من الترك ومعه شهري فقدمه إليه وقال. هذا الفرس من مراكب السلطان الخاصة وقد رسم ركوبك أياما فنزل عن بغلته وركبه وجاء بعده عميد

стр. 5376

الدولة [١] أبو نصر الكندري وزير السلطان فاستقبله ورام أن يترجل [له] [٢] فمنعه وتعانقا علي ظهور دوابهما وتمما إلى النهروان ولقى السلطان فذكر له ما يصلح ذكره عن الخليفة فشكر وأومأ إلى تقبيل الأرض وقال. ما وردت إلا منصرفا عن الأوامر السامية وممتثلا للمراسم العالية ومتميزا عن ملوك خراسان بالدنو من هذه الخدمة الشريفة ومنتقما من أعدائها وسائر إلى بلاد الشام لفتحها وإصلاح طريق الحج. فقال له رئيس الرؤساء. أن الله تعالى أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة وسأله في الملك الرحيم أن يجريه مجرى أولاده فأعطاه يده ثم استأسره بعد ذلك وقطعت خطبته سلخ رمضان هذه السنة وحمل إلى القلعة/ فاعتقل فيها اعتقالا جميلا. [قال المصنف] [٣] فطغرلبك أول ملك من الترك السلجوقية وهو الذي بنى لهم الدولة والمسمى بالملك الرحيم كان آخر أمراء الديلم وملوك بني بويه. وفي رمضان: قبض على أبي الحسن سعيد بن نصر النصراني كاتب البساسيري وختم على ماله وخزانته بدار الخلافة وغيرها. وفي حادي عشر رمضان: فرغ من طيار الخليفة وحط إلى الماء بدجلة بالقراء والأصحاب وثارت بين العوام والأتراك فتنة أدت إلى قتل وأسر فنهب الجانب الشرقي بأسره وذهبت أموال الناس. وفي ثاني شوال: نزل طغرلبك دار المملكة وتفرق عسكره في دور الأتراك وكان معه ثمانية فيلة. وفي يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة: قلد أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني قضاء القضاة وخلع عليه ثم خلع علي طغرلبك أيضا في يوم الأربعاء وعاد القاضي بعد ان خلع عليه طغرلبك [٤] إلى داره وبين يديه بوقات ودبادب.

стр. 5377

وفي ذي القعدة: توفي ذخيرة الدين أبو العباس محمد بن القائم وكان قد نشأ نشوءا حسنا فعظمت الرزية وجلس رئيس الرؤساء للعزاء به في [رواق] [١] صحن دار السلام وحضر الناس وقد أمروا بتخريق ثيابهم وتشويش عمائمهم والتحفي فلما صار وقت العتمة قطع الرواق بسرادق من دونه سبنية وجعل وراءها التابوت وخرج الخليفة فصلى عليه والناس من بعد [السرادق] [٢] وكبر أربعا ودخل رئيس الرؤساء وعميد الملك [إلى] [٣] السبنية وعزيا الخليفة وخرجا وقطع ضرب الطبل أيام التعزية من دار الخلافة ومن الخيم السلطانية ولما كان يوم الأحد رابع الجلوس حضر عميد الملك/ في جماعة وأدى عن السلطان رسالة تتضمن الدعاء والسؤال بالتقدم بالنهوض من مجلس التعزية وطلب السلطان مالا من الخليفة فبذل بعض الولاة تصحيح المطلوب علي أن يطلق يده في الحريم ويبسط في التناول. فقال الخليفة، ما زال هذا الحريم مصونا وقد جرى فيه ما رأينا مكافاته في ولدنا فما نشك أن دعوه فسمعت والرعية سألت فأجيبت فعاودوه في ذلك إلى أن تقدم بالرفق فيما يفعل. وفي هذه السنة: استولى أبو كامل على بن محمد الصليحي الهمذاني علي أكثر أعمال اليمن واعتزى إلى صاحب مصر وقوى على الذي كان يخطب في هذه الأعمال [للقائم] [٤] . وفي هذه السنة [٥] : قبض الملك الرحيم بواسط علي الوزير شرف الأمة أبي عبد الله بن عبد الرحيم وقيل طرح في بئر. وكثر فساد الغز ونهبهم فثار العوام وقتلوا عددا من الغز وكثر النهب حتى بلغ الثور خمسة قراريط إلى عشرة والحمار قيراطين إلى خمسة. وكان أبو دلف فولاذ [بن خسرو] [٦] بن كندي بن حرة قد ملك شيراز وجمع اليه

стр. 5378

الديلم بها ثم حوصر فبلغت الحنطة سبعة أرطال بدينار ومات أهلها جوعا فبقى فيها نحو ألف إنسان. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٣٢٢- تمام بن محمد بن هارون بن عيسى، أبو بكر الهاشمي الخطيب [١] . ولد سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وسمع من يوسف القواس وأبي عبيد الله المرزباني وكان صدوقا وشهد عند أبي عبد الله بن ماكولا فقبل شهادته وتقلد الخطابة بجامع الرصافة سنة ست وثمانين وثلاثمائة ثم أضيف إلى ذلك تقليده الخطابة بجامع القصر وكان يتناوب هو وأبو الحسين بن المهتدي الصلاة في الجامعين الى أن ترك ابن المهتدي الصلاة [٢] في جامع الرصافة واقتصر علي مناوبة تمام في جامع القصر وتوفي في ذي القعدة [من هذه السنة] [٣] . ٣٣٢٣- الحسن بن علي بن عبد الله، أبو علي المؤدب الأقرع المقرئ [٤] : سمع الكتاني والمخلص وغيرهما وتوفى في صفر هذه السنة ودفن بمقبرة باب حرب ولم يكن به بأس. ٣٣٢٤- الحسن بن علي بن عيسى النحويّ الربعي، ابو البركات الدينَوَريّ [٥] : كان ينوب عن الوزير ببغداد وله معرفة بعلم الكتاب وجن في شبيبته وادعى النبوة في جنونه ثم برأ. وتوفى في شعبان هذه السنة بباب المراتب. ٣٣٢٥- الحسين بن علي بن جعفر بن علكان بن محمد بن دلف بن أبي دلف العجلي، أبو عبد الله المعروف بابن موكولا [٦] :

стр. 5379

من أهل جرباذقان، ولد سنة ثمان وستين وثلاثمائة وولى القضاء بالبصرة من قبل أبي الحسن بن أبي الشوارب، ثم استحضره القادر باللَّه فولاه قضاء القضاة في سنة عشرين وأربعمائة فلما ولى القائم أقره على ولايته إلى حين وفاته فمكث يتولى قضاء القضاة سبعا وعشرين سنة وكان يقول سمعت من أبي عبد الله بن منده وكان ينتحل مذهب الشافعيّ ﵁ وكان يقول الشعر. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ أَحْمَدَ عن أبي محمد زرق الله بن عبد الوهاب التميمي قال أنشدنا قاضي القضاة أبو عبد الله الحسين بن علي بن ماكولا لنفسه. تصابى برهة من بعد شيب ... فما أغنى مع الشيب التصابي وسود عارضيه بلون خضر ... فلم ينفعه تسويد الخضاب وأبدى للأحبة كل لطف ... فما ازدادوا سوى فرط اجتناب سلام الله عودا بعد بدء ... على أيام ريعان الشباب تولى غير مذموم وأبقى ... بقلبي حسرة تحت الحجاب وكان نزها صينا عفيفا فحكى ابن عبيد المالكي وكان يتوكل للقائم بأمر الله قال أمرني الخليفة أن أحمل ببقاعين عليه في مراكن إلى النقيبين وقاضي القضاة ابن ماكولا وإلى جماعة ففعلت فكلهم قبل غير ابن ماكولا فاجتهدت فلم يفعل فعدت بالمحمول وكتبت بما جرت الحال فلما قرأها الخليفة جعل يقول ما أغثه ما أغثه أترى تقع إليه حكومة فيحابيني فيها. توفي ابن ماكولا في شوال هذه السنة وصلى عليه أبو منصور ابن يوسف ودفن في داره بالحريم قريبا من باب العامة. ٣٣٢٦- عبد الغفار بن محمد بن عبد الغفار [١] ، أبو طاهر القرشي الأموي: أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب قال: هو من ولد مسلمة بن عبد الملك ويعرف بابن الأموي سمع إسحاق بن سعد بن سفيان كتبت عنه وكان صدوقا يسكن باب البصرة سألته عن مولده/ فقال في ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ومات في ذي الحجة من هذه السنة.

стр. 5380

٣٣٢٧- علي بن المحسن بن علي بن محمد ابن أبي الفهم، أبو القاسم التنوخي [١] : وتنوخ الذين ينسب إليهم اسم لعدة قبائل اجتمعوا قديما بالبحرين وتحالفوا على التوازر والتناصر وأقاموا هناك فسموا تنوخا ولد بالبصرة في شعبان سنة خمس وستين وثلاثمائة وأول سماعه في شعبان سنة سبعين وقبلت شهادته عند الحكام في حداثته وكان محتاطا صدوقا إلا أنه كان معتزليا ويميل إلى الرفض وتقلد قضاء نواحي عدة منها المدائن وأعمالها ودرزيجان والبردان وقرميسين وتوفي في محرم هذه السنة ودفن في داره بدرب التل. ٣٣٢٨- محمد بن القائم بأمر الله، ويلقب بالذخيرة [٢] : توفي في ذي القعدة من هذه السنة وعظم المصاب به علي ما ذكرنا في الحوادث. ٣٣٢٩- ستيتة بنت القاضي أبي الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ البجلي [٣] . أخبرنا أبو منصور أخبرنا أبو بكر بن ثابت الخطيب قال سمعت ستيتة من أبي القاسم عمر بن محمد بن سنبك كتبت عنها وكانت صادقة فاضلة تنزل الجانب الشرقي في حريم دار الخلافة وماتت في رجب من سنة سبع وأربعين وأربعمائة. تم الجزء الخامس عشر بحمد الله وعونه وحسن توفيقه. وكان الفراغ منه في يوم الإثنين المبارك سلخ ربيع الآخر سنة خمس وثمانمائة. أحسن الله نقضها في عافية بمنه وكرمه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، وحسبنا الله ونعم الوكيل. غفر الله لمن استكتب وكتب، ونظر ودعاء لكل بالمغفرة ولجميع المسلمين، يتلوه في الّذي يليه: «ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وأربعمائة» . والحمد للَّه رب العالمين.

стр. 5381

[المجلد السادس عشر] ثم دخلت سنة ثمان وأربعين واربعمائة فمن الحوادث فيها: أنه في مستهل المحرم عقد عميد الملك [أبو نصر] [١] الكندري وزير طغرلبك على هزارسب بن بكير بن عياض الكردي ضمان البصرة والأهواز وأعمال ذلك لهذه السنة بثلاثمائة ألف دينار سلطانية، وأطلقت يده، وأذن في ذكر اسمه في الخطبة بالأهواز. [عقد الجسر من مشرعة الحطابين إلى مشرعة الرواية] وفي المحرم: ابتدئ بعقد الجسر من مشرعة الحطابين إلى مشرعة الرواية زيد في زوارقه [٢] لعلو الماء، فعصفت [٣] ريح شديدة، فقطعت الجسر فانحدرت زوارقه [٤] إلى الدباغين، وانحل الطيار المربوط بباب الغربة، وتكسر سكانه، وتشعثت آلاته. وفي هذه السنة: عم ضرر العسكر بنزولهم في دور الناس وارتكابهم المحظورات، فأمر الخليفة رئيس الرؤساء باستدعاء الكندري، وأن يخاطبه في ذلك، ويحذره العقوبة فإن اعتمد السلطان ما أوجبه الله تعالى وإلا فليسا عدنا في النزوع عن هذه المنكرات، فكتب رئيس الرؤساء إلى الكندري، فحضر فشرح له ما جرى، [فمضى إلى السلطان فشرح له الحال] [٥] فقال إنني غير قادر علي تهذيب العساكر لكثرتهم، ثم استدعاه

стр. 5382

في بعض الليل فقال: إني نمت في بعض الليل [١] وقد تداخلتني الخشية للَّه تعالى مما ٢/ ب ذكرت لي فنمت [٢] فرأيت شخصا وقع/ في نفسي أنه رسول الله ﷺ وكأنه واقف عند باب [٣] الكعبة، فسلمت عليه فلم يلتفت نحوي، وقال: يحكمك الله في بلاده وعباده فلا تراقبه فيهم، ولا تستحي من جلاله، فامض إلى الديوان وأنظر ما يرسمه أمير المؤمنين لأطيع. فأنهى رئيس الرؤساء الحال فخرج التوقيع [متضمنا] [٤] للبشارة [٥] برؤية سيدنا [٦] رسول الله ﷺ ، فلما وصل إلى السلطان بكى وأمر بإزالة الترك، وإطلاق من وكل به. [ابتداء السلطان طغرلبك ببناء سور عريض] وفي هذه السنة: ابتدأ السلطان طغرلبك ببناء سور عريض، دخل فيه قطعة كثيرة من المخرم، وعزم علي بناء دار فيها، وجمع الصناع لتجديد دار المملكة العضدية، وخربت الدور والدروب والمحال والأسواق بالجانب الشرقي، وجميع ما يقارب الدار، وأخذت آلاتها للاستعمال، ونقضت دور الأتراك، وسلت أخشابها بالجانب الغربي، وقلع الفقراء أخشاب السدور وباعوه على الخبازين والفراشين. [عقد الخليفة القائم بأمر الله على خديجة بنت أخي طغرلبك] وفي يوم الخميس لثمان بقين من المحرم: عقد للخليفة القائم بأمر الله على خديجة بنت أخي السلطان طغرلبك، على صداق مبلغه مائة ألف دينار، وحضر قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني، وأقضى القضاة أبو الحسن الماوردي، ورئيس الرؤساء أبو القاسم ابن المسلمة، وهو الذي خطب، ثم قَالَ: إن رأى سيدنا ومولانا أمير المؤمنين أن ينعم بالقبول فعل. فقال: قد قبلنا هذا النكاح بهذا الصداق. فلما دخل شهر شعبان ٣/ أمضى ابن المسلمة إلى/ السلطان، وقال له أمير المؤمنين: يقول لك إن الله [تعالى] [٧] يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ٤: ٥٨ [٨] وقد أذن في نقل الوديعة الكريمة إلى

стр. 5383

العزيزة، فقال: السمع والطاعة. ومضت والدة الخليفة إلى دار المملكة، وأرسلت خاتون بورودها، فانحدرت بها ودخلا باب الغربة وقت العتمة، ودخل معها عميد الملك فقبل الأرض، وقال: الخادم ركن الدين قد امتثل المراسم العالية في حمل الوديعة، وسأل فيها كرم الملاحظة واجتناب الضيعة. ثم انصرفوا فقبلت الجهة الأرض دفعات عدة، فأدناها إليه، وقرّبها منه، وأجلسها معه [١] إلى جنبه، وطرح عليها فرجية منظومة [٢] بالذهب، وتاجا مرصعا بالجوهر، وأعطاها من الغد [٣] مائة ثوب ديباجا وقصبا مذهبا، وطاسة من ذهب قد نبت فيها الياقوت والفيروزج، وأفرد لها من إقطاع دجلة اثني عشر ألف دينار. وفي هذا الوقت غلت الأسعار، فبلغ الكر الحنطة- وقد كان يساوي نيفا وعشرين دينارا- تسعين دينارا، وتعذر التبن حتى كان يباع الكساء من التبن بعشرة قراريط، وانقطعت الطريق من القوافل للنهب المتدارك، وكان أهل النواحي يجيئون بأموالهم مع الخفر فيبيعونها ببغداد مخافة النهب، ولحق الفقراء والمتجملين من معاناة الغلاء ما كان سببا للوباء والموت حتى دفنوا بغير غسل ولا تكفين، وكان الناس يأكلون الميتة، وبيع اللحم رطلا بقيراط، وأربع دجاجات بدينار، ونصف قفيز أرز بدينار، ومائة كراثة بدينار، ومائة أصل خس بدينار، وعدمت الأشربة [٤] فبلغ المن من الشراب/ دينارا، ٣/ ب والمكوك من بزر البقلة سبعة دنانير، والسفرجلة، والرمانة دينارا، والخيارة والنيلوفرة دينارًا، واغبر الجو، وفسد الهواء، وكثر الذباب، ووقع الغلاء والموت بمصر أيضا، وكان يموت في اليوم ألف نفس، وعظم ذلك في رجب وشعبان، حتى كفن السلطان من ماله ثمانية عشر ألف إنسان، وحمل كل أربعة وخمسة في تابوت، وباع عطار في يوم ألف قارورة فيها شراب، وعم الوباء والغلاء مكة، والحجاز، وديار بكر، والموصل، وخراسان، والجبال، والدنيا كلها.

стр. 5384

وورد كتاب من مصر أن ثلاثة من اللصوص نقبوا بعض الدور، فوجدوا عند الصباح موتى: أحدهم على باب النقب، والثاني على رأس الدرجة، والثالث على الثياب المكورة. وفي هذه السنة: تقدم رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن ابن المسلمة بأن تنصب أعلام سود في الكرخ، فانزعج لذلك أهلها، وكان يجتهد في أذاهم وإنما كان يدفع منهم عميد الملك الكندري. [هبوب ريح شديدة] وفيها: هبت ريح شديدة، وارتفعت معها سحابة ترابية فأظلمت الدنيا، فاحتاج الناس في الأسواق إلى السرج. وفيها: احتسب أبو منصور بن ناصر السياري [١] علي أهل الذمة، وألزمهم لبس الغيارات والعمائم المصبوغات، وذلك عن أمر السلطان، فصرفت ذلك عنهم خاتون ومنعت المحتسب. وفي العشر الثاني من جمادى الآخرة: ظهر [٢] في وقت السحر ذؤابة بيضاء طولها في رأي العين نحو عشرة اذرع، في عرض نحو الذراع، ومكثت على هذه الحال إلى ٤/ أالنصف من رجب، ثم اضمحلت، وكانوا يقولون/ أنه طلع مثل هذا بمصر فملكت، وكذلك بغداد لما طلع هذا ملكت وخطب فيها للمصريين. وفي عشية يوم الثلاثاء سلخ رمضان: خرج الناس لترائي هلال شوال فلم يروه، وصلى الناس التراويح علي عادتهم ونووا صوم غدهم، فلما كان بكرة يوم الأربعاء جاء الشريف أبو الحسين بن المهتدى المعروف: بالغريق الخطيب، وقد لبس سواده وسيفه ومنطقته، ووراءه المكبرون لابسين السواد علي هيئته إلى جامع دار الخلافة فرآه مغلقا، ففتحه ودخل وقال: اليوم يوم العيد، وقد رئي الهلال البارحة بباب البصرة، ورام الصلاة فيه، وجمع الناس به، وعرف رئيس الرؤساء الخبر فغاظه ذلك، وأحفظه أن لم يحضر الديوان العزيز ويطالعه بما كان وما تجدد في رؤية الهلال، فراسله واستحضره

стр. 5385

فامتنع وقال: حتى أصلى وأعيّد ثم نكفى إلى الديوان، فروجع وأحضر وأنكر عليه إقدامه علي فتح الجامع وهو مغلق، وقد علم أنه لا خبر للناس من هذا الأمر محقق، وقال له: قد كان يحبب أن تحضر الديوان العزيز، وتنهى الحال ليحيط به العلم الشريف، ويتقدم فيما يوجبه ويقتضيه. وأغلظ له فيما خاطبه فاعتذر، وقال: ما فعلت مما فعلته إلا ثقة بنفسي، وبعد أن وضحت [١] الصورة عندي، وكان قد حضرني البارحة ثمانية أنفس من جيراني أثق بقولهم فشهدوا عندي جميعا بمشاهدة الهلال، فقطعت بذلك وحكمت [٢] وأفطرت وأفطر الناس في باب البصرة، وخرجوا اليوم [٣] قاصدين/ جامع المدينة، ولم أعلم أن هذا لم يشع، فحضرت وأنكرت كون الجامع مغلقا، ثم ٤/ ب جاء قوم فشهدوا برؤية الهلال. فقال رئيس الرؤساء لقاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني: ما عندك في هذا؟ فقال: أما مذهب أبي حنيفة الذي هو مذهبي فلا تقبل مع صحو السماء، وجواز ما يمنع من مشاهدة الهلال إلا قول العدد الكثير الذي يبلغ مائتين، وأما مذهب الشافعي ﵁ [٤] [الذي] هو مذهب [هذا] [٥] الشريف فإنه يقطع بشهادة اثنين في مثل هذا. وطولع الخليفة بالحال، فأمر بالنداء أن لا يفطر أحد، فأمسك من كان أكل، وكان والد القاضي أبي الحسين قد مضى إلى جامع القطيعة فصلى بالناس وعيد، وكذلك في جامع الحربية ولم يعلموا [٦] بما جرى. وفي هذه السنة: أقيم الأذان في المشهد بمقابر قريش، ومشهد العتيقة، ومساجد الكرخ: «بالصلاة خير من النوم» ، وأزيل ما كانوا يستعملونه في الأذان «حي على خير العمل» وقلع جميع ما كان علي أبواب الدور والدروب من «محمد وعلي خير البشر» ودخل إلى الكرخ منشدو أهل السنة من باب البصرة، فأنشدوا الأشعار في مدح

стр. 5386

الصحابة، وتقدم رئيس الرؤساء إلى ابن النسوي بقتل أبي عبد الله بن الجلاب شيخ البزازين بباب الطاق، لما كان [١] يتظاهر به من الغلو في الرفض، فقتل وصلب علي باب دكانه، وهرب أبو جعفر الطوسي، ونهبت داره. وتزايد الغلاء، فبيع الكر الحنطة بمائة وثمانين دينارا، والكارة الخشكار [٢] الرديئة بسبعة دنانير، وأتى البساسيري الموصل، فخطب بها للمصري، فاستدعى عميد ٥/ أالملك [٣] محمد بن النسوي، وتقدم إليه بإخراج أبي الحسن [٤] / بن عبيد كاتب البساسيري وقتله، وكان قد أسلم في الحبس ظنا أن ذلك ينجيه، فقتل. [سير طغرلبك من بغداد يطلب الموصل] وفي هذه السنة: سار طغرلبك من بغداد يطلب الموصل، وقد استصحب النجارين وعمل العرادات والمجانيق، وكانت مدة مقامه ببغداد ثلاثة عشر شهرًا وثلاثة عشر يوما، واجتهد به الخليفة أن يقيم فلم يقم، وخرج بعسكره فنهبوا أوانًا، وعكبرا، وجميع البلاد، وسبوا نساءها، ونهبت تكريت، وحوصرت القلعة، وعم الغلاء جميع الآفاق حتى بلغ الكر الحنطة مائة وتسعين دينارا، وزاد ذلك في المعسكر فبيع الخبز رطل بنصف دانق، وعاد ابن فسانجس إلى واسط ومعه الديلم، وخطب للمصري، وورد محمود بن الأخرم الخفاجي من مصر ومعه مال، فخطب بشفاتا، وعين التمر، وبالكوفة [٥] للمصري، وكذلك فعل شداد بن أسد [٦] في النيل، وسورا. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٣٣٠- الحسن [٧] بن عبد الواحد بن سهل بن خلف، أبو محمد [٨] .

стр. 5387

ولد في سنة ثمان [١] وسبعين وثلاثمائة، سمع من ابن حبابة، والدارقطني، والمخلص، وغيرهم، وكان صدوقا. توفي فِي ربيع الآخر من هَذِهِ السنة. ٣٣٣١- الحسين بن جريش بن أحمد بن علي بن يعقوب، أبو عبد الله الكاتب [٢] : ولد سنة تسع وستين وثلاثمائة، وكان يذكر أن أصله من الكرخ، وأنه من ولد أبي دلف العجلي، سمع المخلص، ويوسف بن عمر القواس، وغيرهما، وكان سماعه صحيحا/، وتوفي في هذه السنة. ٥/ ب ٣٣٣٢- بدر بن جعفر بن الحسين بن علي، أبو الحسن العلوي [٣] من ساكني الكوفة . كتب عنه أبو بكر الخطيب وقال: كان صدوقا. توفي في ذي الحجة من هذه السنة. ٣٣٣٣- عبد الملك بن محمد بن محمد بن سلمان [٤] ، أبو محمد العطار [٥] . سمع أبا الحسن بن لؤلؤ، وابن المظفر، وكان صدوقا. وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة. ٣٣٣٤- علي بن أحمد بن علي [٦] بن سلك، أبو الحسن [٧] المؤدب، المعروف: بالفالي [٨] .

стр. 5388

من أصل بلدة فالة قريبة من أيذج، أقام بالبصرة مدة، وسمع بها من أبي عمر بن عبد الواحد الهاشمي وغيره [١] ، وقدم بغداد فاستوطنها، وكان ثقة. أنشدنا محمد بن ناصر الحافظ قال: أنشدنا أبو زكريا التبريزي قَالَ: أنشدني أبو الحسن [٢] الفالي من لفظه لنفسه: لما تبدلت المجالس أوجهًا ... غير الذين عهدت من علمائها ورأيتها محفوفة بسوى الألى ... كانوا ولاة صدورها وفنائها أنشدت بيتا سائرا متقدما ... والعين قد شرقت بجاري مائها أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها وأنشد لنفسه: تصدر للتدريس كل مهوس ... بليد يسمى بالفقيه المدرس فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ... ببيت قديم شاع في كل مجلس لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كل مفلس قَالَ أبو زكريا: وجدت بخط الفالي لنفسه وكان قد باع «الجمهرة لابن دريد» فندم بعد ذلك. ٦/ أ/ أنست بها عشرين حولا وبعتها ... لقد طال وجدي بعدها وحنيني وما كان ظني أنني سأبيعها ... ولو خلدتني في السجون ديوني ولكن لضعف وافتقار وصبية ... صغار عليهم تستهل جفوني فقلت ولم املك سوابق عبرتي ... مقالة مكوي الفؤاد حزين لقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... ذخائر من رزء بهن ضنين [٣] توفي الفالي في ذي القعدة من هذه السنة، ودفن بمقبرة جامع المنصور.

стр. 5389

٣٣٣٥- فاطمة بنت القادر باللَّه [١] . أخت القائم [٢] [بأمر الله] [٣] توفيت في هذه السنة، فأخرج تابوتها وتابوت الذخيرة أبي العباس بن القائم، وصلى الخليفة عليهما في صحن السلام، وجلس رئيس الرؤساء في الطيار مع التابوتين، وحملا إلى الرصافة، وحضر في العزاء عدد لا يتجاوزون الأربعين [٤] لخلو البلد، وانقراض الناس بالموت والفقر. ٣٣٣٦- محمد بن أيوب، أبو طالب، الملقب: عميد الرؤساء [٥] . ومولده سنة سبعين وثلاثمائة كتب للخليفة ست عشرة سنة. وتوفي عن ثمان وسبعين سنة. ٣٣٣٧- محمد بن أحمد بن علي، أبو طاهر الدقاق، يعرف: بابن الأشناني [٦] . سمع من أبي عمر بن مهدي، وابن الصلت، وأبي عبد الله بن دوست، وكان ثقة، ومات يوم السبت للنصف من صفر هذه السنة. ٣٣٣٨- محمد بن الحسن [٧] بن عثمان بن عمر، أبو طاهر الأنباري [٨] . قدم بغداد في سنة ثلاث وتسعين [٩] وثلاثمائة، وسمع من الحسين بن/ هارون ٦/ ب الضبي، وأبى عبد الله بن دوست [١٠] ، وكان صدوقا. وتوفي في النصف من ربيع الأول من هذه السنة.

стр. 5390

٣٣٣٩- محمد بن الحسين [١] بن عثمان بن الحسن، أبو بكر الهمذاني الصيرفي [٢] . سمع الدارقطني، وابن حبابة، ولم يكن به بأس. وتوفي في هذه السنة. ٣٣٤٠- محمد بن الحسين بن محمد بن سعدون، أبو طاهر البزاز الموصلي [٣] . ولد بالموصل [٤] نشأ ببغداد وسمع من ابن حيوية، وأبي بكر بن شاذان، والدارقطني، وابن بطة، وغيرهم، وكان صدوقا. وتوفي في جمادي الأولى [٥] من هذه السنة. ٣٣٤١- محمد بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرَانَ [٦] . سمع محمد بن المظفر، وأبا عمر ابن حيوية، [والدارقطني، وغيرهم وكان صدوقا. وتُوُفّي في جمادي الأولى من هذه السنة، ودفن في مقبرة بَابُ حرب. ٣٣٤٢- مُحَمَّد بْن عبد الواحد بْن الصباغ [٧] : سمع من ابن شاهين وغيره] [٨] وكان ثقة فاضلا، درس فقه الشافعي عَلَى أبي حامد الأسفراييني، وكانت له حلقة للفتوى في جامع المدينة. وشهد عند قاضى القضاة أبى عبد الله الدامغاني. وتُوُفّي في ذي القعدة من هَذِهِ السنة، ودفن بمقبرة باب الدير.

стр. 5391

هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال، أبو الحسين [١] الكاتب الصابي صاحب «التاريخ» [٢] . ولد سنة تسع وخمسين، وسمع أبا علي الفارسي، وعلي بن عيسى الرماني، وغيرهما، وكان صدوقا وجدُّه أبو إسحاق الصابي صاحب «الرسائل» وكان أبوه المحسن صابئًا، فأما هو فأسلم متأخرا، وكان قد سمع من العلماء في حال كفره، لأنه كان يطلب الأدب. وتوفي في رمضان هذه السنة. ذكر سبب إسلامه / أنبأنا محمد بن ناصر الحافظ [٣] ، حدثنا الرئيس أبو علي محمد بن سعيد بن ٧/ أنبهان [٤] الكاتب قَالَ: قَالَ هلال بن المحسن: رأيت في المنام سنة تسع وتسعين وثلاثمائة رسول الله صلي الله عليه وسلم قد وافى إلى موضع منامي [٥] ، والزمان شتاء، والبرد شديد، والماء جامد، فأقامني [٦] فارتعدت حين رأيته، فقال: لا ترع، فإني رسول الله، وحملني إلى بالوعة في الدار عليها دورق خزف وقال: توضأ وضوء الصلاة. فأدخلت يدي في الدورق فإذا الماء جامد، فكسرته وتناولت من الماء ما أمررته علي وجهي وذراعي وقدمي، ووقف في صفه وصلى وجذبني إلى جانبه وقرأ الحمد، وإذا جاء نصر الله والفتح، وركع وسجد، وأنا أفعل مثل فعله، وقام ثانيا وقرأ الحمد وسورة لم أعرفها، ثم سلم، وأقبل عليّ وقال: أنت رجل عاقل محصل، والله يريد بك خيرًا فلم تدع الإسلام الذي قامت عليه الدلائل والبراهين، وتقيم علي ما أنت عليه؟ هات يدك وصافحني، فأعطيته يدي فقال: قل أسلمت وجهي للَّه، وأشهد أن الله الواحد الصمد الّذي لم يكن له

стр. 5392

صاحبة ولا ولد، وأنك يا محمد رسوله إلى عباده بالبينات والهدى. فقلت ذاك، ونهض ونهضت، فرأيت نفسي قائما في الصفة، فصحت صياح الانزعاج والارتياع، فانتبه أهلي وجاءوا، وسمع أبي فقال: ما لكم [١] ؟ فصحت به فجاءوا، وأوقدنا المصباح وقصصت عليهم قصتي، فوجموا إلا أبي فإنه تبسم، وقال: ارجع إلى فراشك، ٧/ ب فالحديث يكون عند الصباح وتأملنا [٢] / الدورق، فإذا الجمد الذي فيه متشعث بالكسر، وتقدم والدي إلى الجماعة بكتمان ما جرى، وقال: يا بني، هذا منام صحيح، وبشرى محمودة، إلا أن إظهار هذا الأمر فجأة، والانتقال من شريعة إلى شريعة يحتاج إلى مقدمة وأهبة، ولكن اعتقد ما وصيت به، فإنني معتقد مثله، وتصرف في صلاتك ودعائك على أحكامه، ثم شاع الحديث، ومضت مدة فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثانيا على دجلة في مشرعة باب البستان، وقد تقدمت إليه وقبلت يده فقال: ما فعلت شيئا مما وافقتني عليه وقررته معي؟ قلت: بلى يا رسول الله، ألم أعتقد ما أمرتني به، وتصرفت في صلاتي ودعائي على موجبه؟ فقال: لا، وأظن أن قد بقيت في نفسك شبهة، تعال. وحملني إلى باب المسجد الذي في المشرعة، وعليه رجل خراساني نائم على قفاه وجوفه كالغرارة المحشوة من الاستسقاء، ويداه وقدماه منتفختان، فأمر يده على بطنه وقرأ عليه فقام الرجل صحيحًا معافى. فقلت: صلى الله عليك يا رسول الله فما أحسن تصديق أمرك وأعجز فعلك [٣] . وانتبهت. فلما كان في سنة ثلاث وأربعمائة رأيت في بعض الليالي كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ راكبا علي باب خيمة كنت فيها، فانحنى على سرجه حتى أراني وجهه، فقمت إليه [٤] وقبلت ركابه ونزل [٥] فطرحت له مخدة وجلس، وقال: يا هذا، كم آمرك بما أريد فيه الخير لك ٨/ أوأنت تتوقف عنه. قلت [٦] : يا مولاي، أما أنا متصرف عليه؟ قال: بلى/، ولكن لا

стр. 5393

يغنى الباطن الجميل مع الظاهر القبيح، وأن تراعي أمرًا فمراعاتك الله أولى، قم الآن وافعل ما يجب ولا تخالف. قلت: السمع والطاعة. فانتبهت ودخلت إلى الحمام ومضيت [١] إلى المشهد وصليت فيه، وزال عني الشك، فبعث إلى فخر الملك فقال: ما الذي بلغني؟ فقلت: هذا أمر كنت أعتقده وأكتمه، حتى رأيت البارحة في النوم كذا وكذا. فقال: قد كان أصحابنا يحدثوني أنك كنت تصلى بصلاتنا، وتدعو بدعائنا وحمل إلى دست ثياب ومائتي دينار فرددتهما وقلت: ما أحب أن أخلط بفعلي شيئا من الدنيا، فاستحسن ما كان مني وعزمت أن أكتب مصحفا فرأى بعض الشهود رسول الله ﷺ في المنام وهو يقول له: تقول لهذا المسلم القادم نويت أن تكتب مصحفا، فاكتبه، فيه يتم إسلامك. قَالَ وحدثتني امرأة تزوجتها بعد إسلامي قالت: لما اتصلت بك قيل لي إنك على دينك الأول فعزمت على فراقك، فرأيت في المنام رجلا قيل أنه رسول الله ﷺ ومعه جماعة قيل هم الصحابة، ورجل معه سيفان قيل [٢] إنه على بن أبي طالب، وكأنك قد دخلت فنزع عليّ أحد السيفين فقلدك إياه وقال: ها هنا ها هنا. وصافحك رسول الله ﷺ ، فرفع أمير المؤمنين رأسه إلي وأنا أنظر [٣] من الغرفة فقال: ما ترين إلى هذا؟ هو أكرم عند الله وعند رسوله منك ومن كثير من الناس، / وما جئناك إلا لنعرفك موضعه، ٨/ ب ونعلمك أننا زوجناك به تزويجًا صحيحًا فقري عينا وطيبي نفسا فما ترين إلا خيرا. فانتبهت وقد زال عني كل شك وشبهة. قَالَ أبو علي بن نبهان في أثر هذا الحديث عن جده لأمه أبي الحسن الكاتب: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ له في المرة الثالثة: وتحقيق رؤياك إياي أن زوجتك حامل بغلام، فإذا وضعته فسمه مُحَمَّدًا. فكان ذلك كما قَالَ، وأنه ولد له ولد فسماه محمدًا وكناه أبا الحسن.

стр. 5394

ثم دخلت سنة تسع وأربعين واربعمائة فمن الحوادث فيها: أنه في المحرم فتح الذعار عدة دكاكين من نهر الدجاج، ونهر طابق، والعطارين، وكسروا دراباتها [١] وأخذوا ما فيها، واستعفى ابن النسوي من الشرطة فأعفي. وفي العشر الأخير من المحرم: بلغت الكارة الدقيق تسعة دنانير، وكدى المتجملون وكثير من التجار، وأكلت الكلاب والميتات، ومات من الجوع في [٢] كل يوم خلق كثير، وشوهدت امرأة معها فخذ كلب ميت قد اخضر وجاف وهي تنهشه، ورمى من سطح طائر ميت فاجتمع عليه خمسة أنفس فاقتسموه وأكلوه، ورئي رجل قد شوى صبية في أتون فأكلها فقتل، وسددت أبواب دور مات أهلها، وكان الإنسان يمشي في الطريق فلا يرى إلا الواحد بعد الواحد. [كبس دار أبي جعفر الطوسي بالكرخ] وفي صفر هذه السنة: كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلم الشيعة بالكرخ، ٩/ أوأخذ ما وجد من دفاتره، وكرسي كان يجلس عليه للكلام، وأخرج/ ذلك [٣] إلى الكرخ وأضيف إليه [٤] ثلاثة مجانيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديما يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة، فأحرق الجميع.

стр. 5395

[وقوع وباء بأهواز وأعمالها] وفي جمادى الآخرة: ورد كتاب من تجار ما وراء النهر [١] قد وقع في هذه الديار وباء عظيم مسرف زائد عن الحد، حتى أنه خرج من هذا الإقليم في يوم وأحد ثمانية عشر ألف جنازة، وأحصى من مات إلى أن كتب هذا الكتاب فكانوا ألف ألف وستمائة ألف وخمسين ألفا، والناس يمرون في هذه البلاد فلا يرون إلا أسواقا فارغة، وطرقات خالية، وأبوابا مغلقة، حتى إن البقر نفقت. وجاء الخبر من آذربيجان وتلك الأعمال بالوباء العظيم، وأنه لم يسلم إلا العدد القليل. ووقع وباء بالأهواز وأعمالها وبواسط، وبالنيل، ومطيرآباذ، والكوفة، وطبق الأرض حتى كان يخد للعشرين والثلاثين [٢] زبية فيلقون فيها، وكان أكثر سبب ذلك الجوع، وكان الفقراء يشوون الكلاب، وينبشون القبور فيشوون الموتى ويأكلونهم [٣] ، وكان لرجل جريبان أرضًا دفع إليه في ثمنها عشرة دنانير فلم يبعها، فباعها حينئذ بخمسة أرطال خبز، وأكلها ومات من وقته. وطويت التجارات، وأمور الدنيا، وليس للناس شغل في الليل والنهار إلا غسل الأموات والتجهيز [٤] والدفن، وكان الإنسان قاعدًا فينشق قلبه عن دم المهجة فيخرج إلى الفم منه قطرة فيموت الإنسان. وتاب الناس كلهم، وتصدقوا بمعظم أموالهم، وأراقوا الخمور، وكسروا المعازف، ولزموا المساجد لقراءة القرآن [خصوصا العمال والظلمة] [٥] ، / وكل دار ٩/ ب فيها خمر يموت أهلها في ليلة واحدة. ووجدوا دارا فيها ثمانية عشر نفسا موتى، ففتشوا متاعهم فوجدوا خابية خمر، فأراقوها. ودخلوا على مريض طال نزعه سبعة أيام [٦] ، فأشار بإصبعه إلى خابية خمر فقلبوها وخلصه الله [تعالى] [٧] من السكرة، فقضى، وقبل
следующие страницы →