هلال بن المحسن
بن إبراهيم بن هلال، أبو الحسين [١] الكاتب الصابي صاحب «التاريخ» [٢] .
ولد سنة تسع وخمسين، وسمع أبا علي الفارسي، وعلي بن عيسى الرماني، وغيرهما، وكان صدوقا وجدُّه أبو إسحاق الصابي صاحب «الرسائل» وكان أبوه المحسن صابئًا، فأما هو فأسلم متأخرا، وكان قد سمع من العلماء في حال كفره، لأنه كان يطلب الأدب.
وتوفي في رمضان هذه السنة.
ذكر سبب إسلامه
/ أنبأنا محمد بن ناصر الحافظ [٣] ، حدثنا الرئيس أبو علي محمد بن سعيد بن ٧/ أنبهان [٤] الكاتب قَالَ: قَالَ هلال بن المحسن: رأيت في المنام سنة تسع وتسعين وثلاثمائة رسول الله صلي الله عليه وسلم قد وافى إلى موضع منامي [٥] ، والزمان شتاء، والبرد شديد، والماء جامد، فأقامني [٦] فارتعدت حين رأيته، فقال: لا ترع، فإني رسول الله، وحملني إلى بالوعة في الدار عليها دورق خزف وقال: توضأ وضوء الصلاة. فأدخلت يدي في الدورق فإذا الماء جامد، فكسرته وتناولت من الماء ما أمررته علي وجهي وذراعي وقدمي، ووقف في صفه وصلى وجذبني إلى جانبه وقرأ الحمد، وإذا جاء نصر الله والفتح، وركع وسجد، وأنا أفعل مثل فعله، وقام ثانيا وقرأ الحمد وسورة لم أعرفها، ثم سلم، وأقبل عليّ وقال: أنت رجل عاقل محصل، والله يريد بك خيرًا فلم تدع الإسلام الذي قامت عليه الدلائل والبراهين، وتقيم علي ما أنت عليه؟ هات يدك وصافحني، فأعطيته يدي فقال: قل أسلمت وجهي للَّه، وأشهد أن الله الواحد الصمد الّذي لم يكن له
стр. 5392
صاحبة ولا ولد، وأنك يا محمد رسوله إلى عباده بالبينات والهدى. فقلت ذاك، ونهض ونهضت، فرأيت نفسي قائما في الصفة، فصحت صياح الانزعاج والارتياع، فانتبه أهلي وجاءوا، وسمع أبي فقال: ما لكم [١] ؟ فصحت به فجاءوا، وأوقدنا المصباح وقصصت عليهم قصتي، فوجموا إلا أبي فإنه تبسم، وقال: ارجع إلى فراشك، ٧/ ب فالحديث يكون عند الصباح وتأملنا [٢] / الدورق، فإذا الجمد الذي فيه متشعث بالكسر، وتقدم والدي إلى الجماعة بكتمان ما جرى، وقال: يا بني، هذا منام صحيح، وبشرى محمودة، إلا أن إظهار هذا الأمر فجأة، والانتقال من شريعة إلى شريعة يحتاج إلى مقدمة وأهبة، ولكن اعتقد ما وصيت به، فإنني معتقد مثله، وتصرف في صلاتك ودعائك على أحكامه، ثم شاع الحديث، ومضت مدة فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثانيا على دجلة في مشرعة باب البستان، وقد تقدمت إليه وقبلت يده فقال: ما فعلت شيئا مما وافقتني عليه وقررته معي؟ قلت: بلى يا رسول الله، ألم أعتقد ما أمرتني به، وتصرفت في صلاتي ودعائي على موجبه؟ فقال: لا، وأظن أن قد بقيت في نفسك شبهة، تعال.
وحملني إلى باب المسجد الذي في المشرعة، وعليه رجل خراساني نائم على قفاه وجوفه كالغرارة المحشوة من الاستسقاء، ويداه وقدماه منتفختان، فأمر يده على بطنه وقرأ عليه فقام الرجل صحيحًا معافى. فقلت: صلى الله عليك يا رسول الله فما أحسن تصديق أمرك وأعجز فعلك [٣] . وانتبهت.
فلما كان في سنة ثلاث وأربعمائة رأيت في بعض الليالي كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ راكبا علي باب خيمة كنت فيها، فانحنى على سرجه حتى أراني وجهه، فقمت إليه [٤] وقبلت ركابه ونزل [٥] فطرحت له مخدة وجلس، وقال: يا هذا، كم آمرك بما أريد فيه الخير لك ٨/ أوأنت تتوقف عنه. قلت [٦] : يا مولاي، أما أنا متصرف عليه؟ قال: بلى/، ولكن لا
стр. 5393
يغنى الباطن الجميل مع الظاهر القبيح، وأن تراعي أمرًا فمراعاتك الله أولى، قم الآن وافعل ما يجب ولا تخالف. قلت: السمع والطاعة.
فانتبهت ودخلت إلى الحمام ومضيت [١] إلى المشهد وصليت فيه، وزال عني الشك، فبعث إلى فخر الملك فقال: ما الذي بلغني؟ فقلت: هذا أمر كنت أعتقده وأكتمه، حتى رأيت البارحة في النوم كذا وكذا. فقال: قد كان أصحابنا يحدثوني أنك كنت تصلى بصلاتنا، وتدعو بدعائنا وحمل إلى دست ثياب ومائتي دينار فرددتهما وقلت: ما أحب أن أخلط بفعلي شيئا من الدنيا، فاستحسن ما كان مني وعزمت أن أكتب مصحفا فرأى بعض الشهود رسول الله ﷺ في المنام وهو يقول له: تقول لهذا المسلم القادم نويت أن تكتب مصحفا، فاكتبه، فيه يتم إسلامك.
قَالَ وحدثتني امرأة تزوجتها بعد إسلامي قالت: لما اتصلت بك قيل لي إنك على دينك الأول فعزمت على فراقك، فرأيت في المنام رجلا قيل أنه رسول الله ﷺ ومعه جماعة قيل هم الصحابة، ورجل معه سيفان قيل [٢] إنه على بن أبي طالب، وكأنك قد دخلت فنزع عليّ أحد السيفين فقلدك إياه وقال: ها هنا ها هنا. وصافحك رسول الله ﷺ ، فرفع أمير المؤمنين رأسه إلي وأنا أنظر [٣] من الغرفة فقال: ما ترين إلى هذا؟ هو أكرم عند الله وعند رسوله منك ومن كثير من الناس، / وما جئناك إلا لنعرفك موضعه، ٨/ ب ونعلمك أننا زوجناك به تزويجًا صحيحًا فقري عينا وطيبي نفسا فما ترين إلا خيرا.
فانتبهت وقد زال عني كل شك وشبهة.
قَالَ أبو علي بن نبهان في أثر هذا الحديث عن جده لأمه أبي الحسن الكاتب: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ له في المرة الثالثة: وتحقيق رؤياك إياي أن زوجتك حامل بغلام، فإذا وضعته فسمه مُحَمَّدًا. فكان ذلك كما قَالَ، وأنه ولد له ولد فسماه محمدًا وكناه أبا الحسن.
стр. 5394
ثم دخلت سنة تسع وأربعين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه في المحرم فتح الذعار عدة دكاكين من نهر الدجاج، ونهر طابق، والعطارين، وكسروا دراباتها [١] وأخذوا ما فيها، واستعفى ابن النسوي من الشرطة فأعفي.
وفي العشر الأخير من المحرم: بلغت الكارة الدقيق تسعة دنانير، وكدى المتجملون وكثير من التجار، وأكلت الكلاب والميتات، ومات من الجوع في [٢] كل يوم خلق كثير، وشوهدت امرأة معها فخذ كلب ميت قد اخضر وجاف وهي تنهشه، ورمى من سطح طائر ميت فاجتمع عليه خمسة أنفس فاقتسموه وأكلوه، ورئي رجل قد شوى صبية في أتون فأكلها فقتل، وسددت أبواب دور مات أهلها، وكان الإنسان يمشي في الطريق فلا يرى إلا الواحد بعد الواحد.
[كبس دار أبي جعفر الطوسي بالكرخ]
وفي صفر هذه السنة: كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلم الشيعة بالكرخ، ٩/ أوأخذ ما وجد من دفاتره، وكرسي كان يجلس عليه للكلام، وأخرج/ ذلك [٣] إلى الكرخ وأضيف إليه [٤] ثلاثة مجانيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديما يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة، فأحرق الجميع.
стр. 5395
[وقوع وباء بأهواز وأعمالها]
وفي جمادى الآخرة: ورد كتاب من تجار ما وراء النهر [١] قد وقع في هذه الديار وباء عظيم مسرف زائد عن الحد، حتى أنه خرج من هذا الإقليم في يوم وأحد ثمانية عشر ألف جنازة، وأحصى من مات إلى أن كتب هذا الكتاب فكانوا ألف ألف وستمائة ألف وخمسين ألفا، والناس يمرون في هذه البلاد فلا يرون إلا أسواقا فارغة، وطرقات خالية، وأبوابا مغلقة، حتى إن البقر نفقت.
وجاء الخبر من آذربيجان وتلك الأعمال بالوباء العظيم، وأنه لم يسلم إلا العدد القليل.
ووقع وباء بالأهواز وأعمالها وبواسط، وبالنيل، ومطيرآباذ، والكوفة، وطبق الأرض حتى كان يخد للعشرين والثلاثين [٢] زبية فيلقون فيها، وكان أكثر سبب ذلك الجوع، وكان الفقراء يشوون الكلاب، وينبشون القبور فيشوون الموتى ويأكلونهم [٣] ، وكان لرجل جريبان أرضًا دفع إليه في ثمنها عشرة دنانير فلم يبعها، فباعها حينئذ بخمسة أرطال خبز، وأكلها ومات من وقته. وطويت التجارات، وأمور الدنيا، وليس للناس شغل في الليل والنهار إلا غسل الأموات والتجهيز [٤] والدفن، وكان الإنسان قاعدًا فينشق قلبه عن دم المهجة فيخرج إلى الفم منه قطرة فيموت الإنسان.
وتاب الناس كلهم، وتصدقوا بمعظم أموالهم، وأراقوا الخمور، وكسروا المعازف، ولزموا المساجد لقراءة القرآن [خصوصا العمال والظلمة] [٥] ، / وكل دار ٩/ ب فيها خمر يموت أهلها في ليلة واحدة. ووجدوا دارا فيها ثمانية عشر نفسا موتى، ففتشوا متاعهم فوجدوا خابية خمر، فأراقوها. ودخلوا على مريض طال نزعه سبعة أيام [٦] ، فأشار بإصبعه إلى خابية خمر فقلبوها وخلصه الله [تعالى] [٧] من السكرة، فقضى، وقبل
стр. 5396
ذلك كان من يدخل هذه الدار يموت، ومن كان مع امرأة حراما ماتا من ساعتهما، وكل مسلمين بينهما هجران وأذى فلم يصطلحا ماتا معًا، ومن دخل الدار ليأخذ شيئا مما قد تخلف فيها وجدوا المتاع معه وهو ميت.
ومات رجل كان مقيما بمسجد فخلف خمسين ألف درهم، فلم يقبلها أحد، ووضعت في المسجد تسعة أيام بحالها، فدخل أربعة أنفس ليلا إلى المسجد وأخذوها فماتوا عليها. ويوصي الرجل الرجل فيموت الذي أوصى إليه قبل الموصى، وخلت أكثر المساجد من الجماعات.
وكان أبو محمد عبد الجبار بن محمد الفقيه معه سبعمائة متفقه فمات وماتوا سوى اثني عشر من الكل.
ودخل رجل على ميت وعليه لحاف فأخذه، فمات ويده في [طرف] [١] اللحاف وباقيه على الميت.
ودخل دبيس بن علي بلاده فوجدها خرابا لا أكار بها ولا عالمة [٢] ، حتى إنه أنفذ رسولا إلى بعض النواحي، فلقيه جماعة فقتلوه وأكلوه. وجمع العميد أبو نصر الناس من الطرقات للعمل في دار المملكة، وفيهم الهاشميون، والقضاة، والشهود، والتجار، فكانوا يحملون اللبن على أكتافهم وأيديهم عدة أسابيع.
وفي يوم الأربعاء لسبع بقين من جمادى الآخرة: احترقت قطيعة عيسى، وسوق الطعام، والكبش، وأصحاب السقط، وباب الشعير، وسوق العطارين، وسوق ١٠/ أالعروس، / وباب العروس [٣] ، والأنماط، والخشابين، والجزارين، والنجارين، والصف، والقطيعة، وباب محول، ونهر الدجاج، وسويقة غالب، والصفارين، والصباغين، وغير ذلك من المواضع [والرواضع] [٤] .
стр. 5397
وعاد طغرلبك من الموصل إلى بغداد وسلم الموصل وأعمالها إلى إبراهيم ينال ابن أخيه فأحسن إبراهيم السيرة.
وفي هذه السنة: لقي السلطان طغرلبك الخليفة القائم باللَّه، وكان السلطان يسأل في ذلك إلى أن تقرر كون هذا في ذي القعدة، فجلس رئيس الرؤساء في صدر رواق صحن السلام [١] ، وبين يديه الحجاب، ثم استدعى نقيبي العباسيين، والعلويين، وقاضي القضاة، والشهود، فلما تضاحى النهار كتب إلى السلطان طغرلبك بما مضمونه الإذن عن أمير المؤمنين في الحضور، فأنفذ ذلك مع ابني المأمون الهاشميين، ومن خدم الخواص خادمين، ومن الحجاب حاجبين، ولما وقف السلطان على ذلك نزل في الطيار، وكان قد زين وأنفذ إليه [٢] فانحدر ومعه [عدة] [٣] زبازب سميريات، وعلى الظهر فيلان يسيران بإزاء الطيار، فدخل الدار والأولاد والأمراء والملوك يمشون بين يديه، ونحو خمسمائة [٤] غلام ترك، فلما وصل إلى باب دهليز صحن السلام وقف طويلا على فرسه حتى فتح له، ونزل فدخل إلى الصحن، ومشى وخرج رئيس الرؤساء إلى وسطه فتلقاه، فدخل على أمير المؤمنين وهو على سرير عال من الأرض نحو سبعة أذرع، عليه قميص وعمامة مصمتان، وعلى منكبه بردة النبي ﷺ ، وبيده القضيب، فحين شاهد السلطان/ أمير المؤمنين قبل الأرض دفعات، فلما [٥] دنا من مجلس ١٠/ ب الخليفة صعد رئيس الرؤساء إلى سرير لطيف دون ذلك السرير بنحو قامة، وقال له أمير المؤمنين: أصعد ركن الدين إليك، وليكن معه محمد بن منصور الكندري. فأصعدهما إليه وتقدم وطرح كرسي جلس عليه السلطان، وقال [أمير المؤمنين] [٦] لرئيس الرؤساء:
قل له يا علي: أمير المؤمنين حامد لسعيك، شاكر لفضلك، آنس بقربك، زائد الشغف بك، وقد ولاك جميع ما ولاه الله تعالى من بلاده، ورد إليك فيه مراعاة عباده، فاتق الله
стр. 5398
فيما ولاك، واعرف نعمته عليك، وعبدك في ذلك، واجتهد في عمارة البلاد، ومصالح [١] العباد، ونشر العدل، وكف الظلم.
ففسر له عميد الملك القول، فقام وقبل الأرض وقال: أنا خادم أمير المؤمنين وعبده، ومتصرف على أمره ونهيه، ومتشرف بما أهلني له واستخدمني فيه، ومن الله تعالى استهداء [٢] المعونة والتوفيق.
واستأذن [٣] أمير المؤمنين في أن ينهض ويحمل إلى حيث تفاض الخلع عليه، فنزل إلى بيت في جانب البهو، ودخل معه عميد الملك، فألبس الخلع وهي سبع خلع في زي وأحد، وترك التاج على رأسه، وعاد فجلس بين يدي أمير المؤمنين، ورام تقبيل الأرض فلم يتمكن لأجل التاج، وأخرج أمير المؤمنين سيفا من بين يديه فقلده إياه، وخاطبه بملك المشرق والمغرب، واستدعى ألوية [٤] وكانت ثلاثة: اثنان خمرية بكتائب صفر، وآخر بكتائب مذهبة سمي [٥] لواء الحمد فعقد منهم أمير المؤمنين لواء الحمد ١١/ أبيده، وأحضر العهد فقال. يسلم إليه/ ويقال له: يقرأ عليك عهدنا إليك [٦] ، ويفسر [٧] لك لتعمل بموجبه، وبمقتضى ما أمرنا به، خار الله لنا ولك وللمسلمين فيما فعلنا وأبرمناه، أمرك بما أمرك الله به، وأنهاك عما نهاك الله عنه، وهذا منصور بن أحمد [٨] نائبنا لديك، وصاحبنا وخليفتنا عندك، ووديعتنا، فاحتفظ به وراعه، فإنه الثقة السديد والأمين الرشيد، وانهض على اسم الله تعالى مصاحبا محروسا.
وكان من السلطان طغرلبك في كل فصل يفصل [٩] له من الشكر وتقبيل الأرض
стр. 5399
ما أبان عن حسن طاعته [١] ، وصادق محبته [٢] ، وسأل مصافحته باليد الشريفة فأعطاه أمير المؤمنين يده دفعتين قبل لبسه الخلع وعند انصرافه من حضرته [٣] ، وهو يقبلها ويضعها على عينيه، ودخل جميع من في الدار من الأكابر والأصاغر إلى المكان فشاهدوا تلك الحال، وخرج إلى صحن دار السلام، فسار والخيل [٤] والألوية أمامه، ولما خرجت الألوية رفعت من سطح صحن السلام وحطت على روشن بيت النوبة، ومنه إلى الطيار لئلا تخرج في الأبواب فتنكس، ومضى إليه رئيس الرؤساء في يوم الاثنين وهنأه عن الخليفة وقال له: إن أمير المؤمنين يأمرك أن تجلس للهناء بما أفاضه عليك من نعمة، وولاك [٥] من خدمته، وحمل إليه خلعة، فقام وقبل الأرض وقال: قد أهلني أمير المؤمنين لرتبة يستنفد شكري ويستعبدني بما بقي من عمري، وأتاه بسدة مذهبه وقال له:
أمير المؤمنين يأمرك [٦] أن تلبس هذا التشريف، وتجلس في هذا الدست، وتأذن للناس ليشهدوا/ ما تواتر من إنعامه، فيبتهج الولي، وينقمع العدو. ١١/ ب وحمل السلطان في مقابلة ذلك خمسين غلاما أتراكا على خيول بسيوف ومناطق وعشرين رأسا من الخيل، وخمسين ألف دينار، وخمسين قطعة ثياب.
[قبض على أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بمصر]
وفي ذي الحجة من هذه السنة: قبض على أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن اليازوري بمصر، وعلى ثمانين من أصحابه، وقررت عليه أموال عظيمة. وكتب خطه بثلاثة آلاف ألف دينار، واخذ من المختصين به ألوف، وكان في ابتداء أمره قد حج وأتى المدينة، وزار رسول الله ﷺ فسقط على منكبه قطعة من الخلوق فقال أحد القوام: أيها الشيخ، أبشرك بأمر ولى الحباء والكرامة إذا بلغت إليه، أعلمك أنك تلي ولاية عظيمة، وهذا الخلوق الذي وقع عليك شاهدها، وهو دليل على علو منزلة من يسقط عليه.
فضمن له ما طلبه، فلم يحل الحول حتى ولى الوزارة، وأحسن إلى الرجل، وتفقد
стр. 5400
الحرمين أحسن تفقد، وكان من أصحاب أبي حنيفة، وكان أبو يوسف القزويني يحكى سيرته ونفاق أهل العلم عليه، وقال إنه التقاني يوما وقد توجه إلى ديوانه، فلما رآني وقف ووقف الناس لأجله، وقال لي: إلى أين؟ فقلت: قصدتك لحوائج كلفني أقوام قضاءها. فقال: لا أبرح من مكاني حتى تذكرها. فجعلت أذكر له حاجة حاجة وهو يقول: نعم وكرامة، حتى قَالَ في الحاجة الأخيرة: السمع والطاعة، ثم انفرد أمير كان ١٢/ أمعه بعد انصرافه/ فقال له: أي شيء أنت؟ فقلت: أنا لا شيء. فقال: لا شيء؟ يقول له الوزير السمع والطاعة. فقال: أنا من أهل العلم. فقال: استكثر مما معك، فانه إذا كان في شخص أطاعته الملوك.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣٤٤- أحمد بن عبد الله بن سليمان، أبو العلاء التنوخي المعري
[١] .
ولد يوم الجمعة عند غروب الشمس لثلاث بقين من ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وأصابه الجدري في سنة سبع أو أواخر سنة ست، فغشي حدقتيه ببياض فعمي، فقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، وله أشعار كثيرة، وسمع اللغة، وأملى فيها كتبًا، وله بها معرفة تامة، ودخل بغداد سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، ثم عاد إلى وطنه، فلزم منزله، وسمّى نفسه: رهين المحبسين لذلك ولذهاب بصره [٢] ، وبقي خمسا وأربعين سنة لا يأكل اللحم ولا البيض ولا اللبن، ويحرم إيلام الحيوان، ويقتصر على ما تنبت الأرض، ويلبس خشن الثياب، ويظهر دوام الصوم، ولقيه رجل فقال له [٣] : لم لا تأكل اللحم؟ فقال: [أرحم الحيوان. قال:
стр. 5401
فما] [١] تقول في السباع التي لا طعام لها إلا لحوم الحيوان، فإن كان الخالق الذي دبر ذلك فما أنت بأرأف منه، وإن كانت الطبائع المحدثة لذلك، فما أنت بأحذق منها ولا أنقص عملا منك.
قَالَ المصنف ﵀: وقد كان يمكنه أن لا يذبح رحمة، فأما ما قد ذبحه غيره فأي رحمة قد بقيت في ترك أكله، وكانت أحواله تدل على اختلاف عقيدته.
وقد حكى/ لنا عن أبي زكريا أنه قَالَ: قَالَ لي المعري: ما الذي تعتقد؟ فقلت ١٢/ ب في نفسي: اليوم أعرف اعتقاده. فقلت: ما أنا إلا شاك. فقال: هكذا [٢] شيخك. وكان ظاهر أمره يدل أنه يميل إلى مذهب البراهمة، فإنهم لا يرون ذبح الحيوان، ويجحدون الرسل وقد رماه جماعة من أهل العلم [٣] بالزندقة والإلحاد، وذلك أمره ظاهر في كلامه وأشعاره، وأنه يرد على الرسل ويعيب الشرائع، ويجحد البعث.
ونقلت من خط أبى الوفاء ابن عقيل أنه قَالَ: من العجائب أن المعري أظهر ما أظهر من الكفر البارد الذي لا يبلغ منه مبلغ شبهات الملحدين، بل قصر فيه كل التقصير، وسقط من عيون الكل، ثم اعتذر بأن لقوله باطنا، وأنه مسلم في الباطن، فلا عقل له ولا دين، لأنه تظاهر بالكفر وزعم أنه مسلم في الباطن، وهذا عكس قضايا المنافقين والزنادقة، حيث تظاهروا بالإسلام وأبطنوا الكفر، فهل كان في بلاد الكفار حتى يحتاج إلى أن يبطن الإسلام، فلا أسخف عقلًا ممن سلك هذه الطريقة التي هي أخس من طريقة الزنادقة والمنافقين، إذا كان المتدين يطلب نجاة الآخرة، والزنديق يطلب النجاة في الدنيا، وهو جعل نفسه عرضة لإهلاكها [٤] في الدنيا حين طعن في الإسلام في بلاد الإسلام، وأبطن الكفر، وأهلك نفسه في المعاد، فلا عقل له ولا دين.
стр. 5402
وهذا ابن الريوندي، وأبو حيان ما فيهم إلا من قد انكشف من كلامه سقم في دينه، يكثر التحميد والتقديس، ويدس في أثناء ذلك المحن [١] .
١٣/ أقال ابن عقيل: وما سلم هؤلاء من/ القتل إلا لأن إيمان الأكثرين ما صفا. بل في قلوبهم شكوك تختلج، وظنون [٢] تعتلج [مكتومة] [٣] إما لترجح الإيمان في القلوب، أو مخافة الإنكار من الجمهور، فلما نطق ناطق شبهاتهم أصغوا إليه، ألا ترى من صدق إيمانه كيف قتل أباه؟ وإذا أردت أن تعلم صحة ما قلت فانظر إلى نفورهم عند الظفر في عشائرهم، وفي بعض أهوائهم، وأو في صور يهوونها، وفانظر إلى إراقة الدماء [٤] فإذا ندرت نادرة في الدين- وإن كثر وقعها- لم يتحرك منهم نابضة.
قَالَ المصنف [٥] ﵀: وقد رأيت للمعرى كتابا سماه «الفصول والغايات» يعارض به السور والآيات، وهو كلام في نهاية الركة والبرودة، فسبحان من أعمى بصره وبصيرته وقد ذكره على حروف المعجم في آخر كلماته، فما هو على حرف الألف:
«طوبى لركبان النعال المعتمدين على عصى الطلح، يعارضون الركائب في الهواجر والظلماء، يستغفر لهم قحة القمر وضياء الشمس، وهنيئا لتاركي النوق في غيطان الفلا، يحوم عليها ابن داية، يطيف بها السرحان وشتان، أوارك قوة الألبان وجرى لبنها أفقد من لبن العطاء» .
وكله على هذا البارد، وقد نظرت في كتابه المسمى «لزوم ما لا يلزم» وهو عشرة مجلدات.
وحدثني ابن ناصر، عن أبي زكريا عنه بأشعار كثيرة، فمن أشعاره:
إذا كان لا يحظى برزقك عاقل ... وترزق مجنونا وترزق أحمقا
فلا ذنب يا رب العباد [٦] على امرئ ... رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا
стр. 5403
وله:
/ وهيهات البرية في ضلال ... وقد نظر اللبيب لما اعتراها ١٣/ ب
تقدم صاحب التوراة موسى ... وأوقع في الخسار من افتراها
فقال رجاله وحيٌ أتاه ... وقال الناظرون بل افتراها
وما حجي إلى أحجار بيت ... كؤوس الخمر تشرب في ذراها
إذا رجع الحليم إلى حجاه ... تهاون بالمذاهب وازدراها
وله:
هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدت ... ويهود حارت والمجوس مضلله
اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا ... دين وآخر دين لا عقل له
وله:
فلا تحسب مقال الرسل حقا ... ولكن قول زور سطروه
وكان الناس في عيش رغيد ... فجاءوا بالمحال وكدروه
وله:
إن الشرائع ألقت بيننا إحنا ... وأورثتنا أفانين العداوات
وهل أبيح نساء الروم عن عرض ... للعرب إلا بأحكام النبوات
وله:
أفيقوا أفيقوا يا غواة فإنما ... دياناتكم مكر من القدماء
وله:
تناقض ما له إلا السكوت له ... وأن نعوذ بمولانا من النار
يد لخمس مئين عسجد فديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار
وله:
لا يكذب الناس على ربهم ... ما حرك العرش ولا زلزلا
وله:
/ ضحكنا وكان الضحك منا [١] سفاهة ... وحق لسكان البسيطة أن يبكوا
١٤/ أ
стр. 5404
تحطمنا الأيام حتى كأننا ... رجيع [١] زجاج لا يعادلنا سبك
[٢] وله:
كون يرى وفساد جاء يتبعه ... تبارك الله ما في خلقه عبث
وإن يؤذن بلال لابن آمنة ... فبعده لسجاح ما دعى شبث
أراد بالبيت الأول المجون ومعناه: هل هذا إلا عبث، وعنى بالبيت الثاني: شبث ابن ربعي فإنه أذن لسجاح التي ادعت النبوة وذكر نبينا ﵇ باسم أمه، وأراد إن كان [قد] جرى [٣] له هذا فقد جرى مثله لامرأة. وله في هذا المعنى فساد وكون حادثان كلاهما.
وله في مثل ذلك:
شهيد بأن الخلق صنع حكيم
وله [٤] مثل الذي قبله:
فربما حل موصوف يراقبه [٥] ... فكيف يمحن أطفال بإيلام
وله:
أمور تستخف بها حلوم ... وما يدري الفتى لمن الثبور
كتاب محمد وكتاب موسى ... وإنجيل ابن مريم والزبور
وله:
قلتم لنا خالق قديم ... صدقتم هكذا فقولوا [٦]
زعمتموه بلا زمان ... ولا مكان ألا فقولوا
стр. 5405
هذا كلام له خبيء ... معناه ليست لنا عقول
انظر إلى حماقة هذا الجاهل، أنكر أن يكون الخالق موجودًا/ لا في زمان، ولا ١٤/ ب في مكان، ونسي أنه أوجدهما.
وإنما ذكرت هذا من أشعاره ليستدل بها على كفره، فلعنه الله.
وذكر أبو الحسن محمد بن هلال ابن المحسن الصابي في تاريخه قَالَ: ومن أشعار المعري:
صرف الزمان مفرق الإلفين ... فاحكم إلهي [١] بين ذاك وبيني
أنهيت عن قتل النفوس تعمدا ... وبعثت أنت لأهلها [٢] ملكين
وزعمت أن لها معادا ثانيا ... ما كان أغناها عن الحالين
مات أبو العلاء [٣] المعري في ربيع الأول من هذه السنة بمعرة النعمان عن ست وثمانين سنة إلا أربعة وعشرين يوما.
وقد روى لنا أنه قد أنشد على قبره ثمانون مرثية رثاه بها أصحابه ومن قرأ عليه ومال إليه، فقال بعضهم:
إن كنت لم ترق الدماء زهادةً ... فلقد أرقت اليوم من جفني دما
وهؤلاء بين أمرين: إما جهّال بما كان عليه، وإما قليلو الدين، لا يبالون به، ومن سبر خفيات الأمور بانت له، فكيف بهذا الكفر الصريح في هذه الأشعار.
قَالَ ابن الصابئ: ولما مات المعري رأى بعض الناس في منامه كأن أفعيين على عاتقي رجل ضرير تدليا إلى صدره، ثم رفعا رأسيهما فهما ينهشان من لحمه وهو يستغيث، فقال: من هذا. فقيل: المعري الملحد.
٣٣٤٥- الحسين بن أحمد
[٤] بن القاسم بن علي بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن
стр. 5406
طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم [١] بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب النسابة [٢] .
ولد في ذي القعدة سنة ثمانين وثلاثمائة. وتوفي في صفر هذه السنة.
١٥/ أأخبرنا القزاز، أخبرنا أبو بكر الخطيب/ قال: كان متميزا من بين أهله بعلم النسب ومعرفة أيام الناس وله حظ في الأدب، وعلقت عنه حكايات ومقطعات من الشعر.
٣٣٤٦- الحسين بن محمد بن عثمان أبو عبد الله [ابن] [٣] النصيبي
[٤] .
سمع علي بن عمر السكري، والدارقطني، والمخلص. قَالَ الخطيب: كتبت عنه وكان صحيح السماع، وكان يذهب إلى الاعتزال، وتوفي في هذه السنة.
٣٣٤٧- سعد بن أبي الفرج محمد بن جعفر ابن أبي الفرج ابن فسانجس، يكنى: أبا الغنائم، ويلقب: علاء الدين .
وزر مدة للملك أبي نصر بن أبي كاليجار، ونظر في أول أيام الغز بواسط، وخطب للمصريين، فحمل إلى بغداد وشهر بها، وصلب بإزاء التاج في هذه السنة وكان عمره سبعا وثلاثين سنة.
٣٣٤٨- عبيد الله بن الحسين بن نصر، أبو محمد العطار
[٥] .
سمع ابن المظفر، والدارقطني.
[أخبرنا القزاز] [٦] ، أخبرنا الخطيب قَالَ: كتبت عنه وكان ثقة. وسألته عن مولده فقال: سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وتوفي في هذه السنة.
٣٣٤٩- عدنان بن الرضى الموسوي
[٧] .
ولي نقابة الطالبيين وتوفي في هذه السنة.
стр. 5407
ثم دخلت سنة خمسين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
/ أنه وقع في يوم الثلاثاء سادس عشر المحرم برد كبار، وهلك كثير من الغلات، ١٥/ ب وزنت منه وأحدة [بصريفين] [١] فكانت نيفا وثلاثين درهما، وزادت دجلة هذا اليوم خمسة عشر ذراعا.
ثم [٢] في يوم السبت رابع عشر صفر، وقع برد بالنهروان وما يقاربها من السواد كبيض الدجاج، فأهلك الغلات، وقتل جماعة من الأكراد، ووقعت واحدة منه على رأس [٣] رجل ففتحت رأسه، وضربت أخرى رأس فرس فرمى راكبه وشرد.
وزاد العبث من أصحاب السلطان، فكانوا يأخذون عمائم الناس، حتى إنه عبر في جمادى الآخرة أبو منصور ابن يعقوب [٤] إلى نقيب العلويين ومعه أبو الحسين [٥] بن المهتدى، [فلما بلغوا إلى باب الكرخ أخذت عمامة ابن المهتدى] [٦] فأسرعت [٧] العامة إلى أخذها، فاستردوها، وأخذت بعد ذلك بيوم عمامة أبي نصر ابن الصباغ وطيلسانه.
стр. 5408
وفي شهر رمضان: تجدد للعوام المتدينين المتسمين بأصحاب عبد الصمد إلزام أهل الذمة بلبس الغيار، وحضر الديوان رجل هاشمي منهم يعرف بابن سكرة، فخاطب رئيس الرؤساء ابن المسلمة في ذلك وذكر ما عليه أهل الذمة من الانبساط، وكلمه بكلام فيه غلظة فأغاظه [١] ، فكتب إلى الخليفة بذلك فخرج ما قوى أمر ابن سكرة، وكان أبو علي ابن فضلان اليهودي كاتب خاتون فأمره ابن المسلمة بالتأخر في داره، وأن يتقدم/ ١٦/ أإلى اليهود وأهل المعايش بمثل ذلك، وأمر ابن الموصلايا النصراني كاتب الديوان بمثل ذلك، فانقطعوا عن المعاملات وتأخر الكتاب والجهابذة عن الديوان، فبان للخليفة باطن الأمر فتشدد فيه، ولم يجد ابن المسلمة مساغا لما يريد فصار أهل الذمة ينسلون ويخرجون إلى أشغالهم.
وفي ثامن شوال: نقب جامع المدينة [٢] ، وأخذت منه الأعلام السود والتستر وما وجد.
وفي ثامن عشر شوال: بين المغرب والعشاء كانت زلزلة عظيمة [لبثت ساعة] [٣] عظيمة، ولحق [٤] الناس منها خوف شديد، وتهدمت دور كثيرة، ثم وردت الأخبار أنها اتصلت من بغداد إلى همذان، وواسط، وعانة، وتكريت، وذكر أن أرحاء كانت تدور فوقفت، وبعد هذه الزلزلة بشهر أخرج [٥] القائم من داره، وجرت محن عظيمة.
وكان السلطان طغرلبك قد خرج إلى الموصل ثم توجه إلى نصيبين ومعه أخوه إبراهيم [ينال، فخالف عليه أخوه إبراهيم] [٦] ، وانصرف بجيش عظيم معه يقصد الري وكان البساسيري راسل [٧] إبراهيم [يشير عليه] [٨] بالعصيان لأخيه، ويطمعه بالتفرد
стр. 5409
بالملك ويعده معاضدته، فسار طغرلبك في أثر أخيه إبراهيم [١] وترك العساكر وراءه فتفرقت عنه [٢] غير أن وزيره المعروف بالكندري، وربيبه أنوشروان، وزوجته خاتون وردوا بغداد بمن بقي معهم من العسكر في شوال هذه السنة، وانتشر الخبر باجتماع طغرلبك مع أخيه/ إبراهيم بهمذان [وأن إبراهيم استظهر على طغرلبك وحصر في ١٦/ ب همذان] [٣] فعزمت خاتون وابنها أنوشروان، والكندري على المسير إلى همذان لإنجاد طغرلبك، فاضطرب أمر بغداد اضطرابا شديدًا، وأرجف المرجفون باقتراب البساسيري، فبطل عزم الكندري عن المسير، فهمت خاتون بالقبض عليه وعلى ابنها لتركهما مساعدتها على إنجاد زوجها، فنفرا إلى الجانب الغربي من بغداد وقطعا الجسر وراءهما، وانتهبت دارهما، واستولى من كان مع خاتون من الغز على ما تضمنتها من العين والثياب والسلاح وغير ذلك من صنوف الأموال، ونفذت خاتون بمن انضوى إليها، وهم: جمهور العسكر متوجهة نحو همذان، وخرج الكندري وأنوشروان يؤمان طريق الأهواز، فلما خلا البلد من العساكر انزعج الناس، وقيل للناس: من أراد أن يخرج فليخرج. فبكى الناس والأطفال، وعبر كثير من الناس إلى الجانب الغربي، فبلغت المعبرة دينارا ودينارين وثلاثة.
وطار في تلك الليلة على دار الخليفة [نحو] [٤] عشر بومات مجتمعات يصحن صياحا مزعجا فقال أبو الأَغَرّ بن مزيد رئيس [٥] الرؤساء: ليس عندنا من يرد، والرأي خروج الخليفة عن البلد إلى البلاد السافلة، فأجاب الخليفة، ثم صعب عليه مفارقة داره، وامتنع وأظهر رئيس الرؤساء قوة النفس لأجل موافقة الخليفة، وجمعوا من العوام من يصلح للقتال، وركب رئيس الرؤساء وعميد العراق إلى دار المملكة، وأخذا ما يصلح من السلاح وضربا في الباقي النار، فلما كان يوم الجمعة السادس من ذي القعدة تحقق الناس كون/ البساسيري بالأنبار، ونهض الناس إلى صلاة الجمعة بجامع ١٧/ أ
стр. 5410
المنصور، فلم يحضر الإمام فأذَّن المؤذنون ونزلوا، فأخبروا أنهم رأوا عسكر البساسيري حذاء شارع دار الرقيق، وجاء العسكر، وصلى الناس الظهر بغير خطبة.
ثم ورد في السبت نحو مائتي فارس، ثم دخل البساسيري بغداد يوم الأحد ثامن ذي القعدة ومعه الرايات المصرية، فضرب مضاربه على شاطئ دجلة، فتلقاه أهل الكرخ، فوقفوا في وجه فرسه وتضرعوا إليه أن يجتاز عندهم، فدخل الكرخ وخرج إلى مشرعة الروايا، فخيم بها، وكان على رأسه أعلام عليها مكتوب الإمام المستنصر باللَّه أبو تميم معد أمير المؤمنين، وكان قد جمع العيارين وأهل الرساتيق وأطمعهم في نهب دار الخلافة، والناس إذ ذاك في ضر ومجاعة، ونزل قريش ابن بدران في نحو مائتي فارس على مشرعة باب البصرة، فلما استقر بالقوم المنزل ركب عميد العراق من الجانب الشرقي في العسكر وحواشي الدولة والهاشميين والعوام والعجم إلى آخر النهار، فلم يجابهوا عسكر البساسيري بشيء، ونهبت دار قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني، وهلك أكثر السجلات والكتب الحكمية، فبيعت على العطارين، ونهبت دور المتعلقين بالخليفة، ونهب أكثر باب البصرة بأيدي أهل الكرخ تشفيًّا لأجل المذهب، وانصرف الباقون عراة، فجاءوا إلى سوق المارستان، وقعدوا على الطريق ومعهم النساء والأطفال، وكان البرد حينئذ شديدًا، وعاود أهل الكرخ الأذان «بحي على خير العمل» وظهر فيهم السرور الكثير، وعملوا راية بيضاء ونصبوها وسط الكرخ وكتبوا عليها اسم المستنصر باللَّه، وأقام بمكانه والقتال يجري في السفن بدجلة.
[الدعاء لصاحب مصر في جامع المنصور]
١٧/ ب فلما كان يوم الجمعة الثالث عشر/ من ذي القعدة: دعي لصاحب مصر في جامع المنصور، وزيد في الأذان «حي على خير العمل» وشرع البساسيري في إصلاح الجسر، فعقده بباب الطاق، وعبر عسكره عليه فنزلوا الزاهر، وحضرت الجمعة يوم العشرين من ذي القعدة فدعي لصاحب مصر بجامع الرصافة، وخندق الخليفة حول داره ونهر معلى خنادق، وحفرت آبار في الحلبة، وغطيت حتى يقع فيها من يقاتل، وبنيت أبراج على سور دار الخليفة، وخرج رئيس الرؤساء، فوقف دون باب الحلبة يفرق النشاب، ثم فتح الباب فاستجرهم البساسيري، ثم كر عليهم فانهزموا، وامتلأ باب الخليفة بالقتلى، وأجفل رئيس الرؤساء إلى دار الخليفة، فهرب أهل الحريم، وعبروا
стр. 5411
إلى الجانب الغربي، ونهب العوام من نهر معلى، وديوان الخاص ما لا يحصى، وأحرقوا الأسواق، فركب الخليفة لابسا للسواد، على كتفه البردة، وعلى رأسه اللواء، وبيده سيف مجرد، وحوله زمرة من الهاشميين والجواري حاسرات منشرات، معهن المصاحف على رءوس القصب، وبين يديه الخدم بالسيوف المسلولة، فوجد عميد العراق قد استأمن إلى قريش بن بدران، وكان قريش قد ظافر البساسيري، وأقبل معه، فصعد الخليفة إلى منظرة له، واطلع أبو القاسم ابن المسلمة وصاح بقريش: يا علم الدين، أمير المؤمنين يستدنيك. فدنا فقال له: قد آتاك الله رتبة لم ينلها أمثالك، فإن أمير المؤمنين يستذم منك على نفسه وأهله وأصحابه بذمام الله تعالى وذمام رسوله ﷺ ، وذمام العرب، فقال له قريش: قد أذم الله تعالى له. فقال: ولمن [١] معه؟ قَالَ: نعم. وخلع قلنسوته من تحت عمامته فأعطاها الخليفة ذماما فتسرح ابن المسلمة إليهم من الحائط، ونزل الخليفة ففتح الباب المقابل/ لباب الحلبة وخرج، فقبل قريش الأرض بين يديه ١٨/ أدفعات، فبلغ البساسيري ذلك فراسل، وقال: أتذم لهما وقد استقر بيني وبينك ما استحلفتك عليه؟ وكانا قد تحالفا أن لا ينفرد أحدهما بأمر دون الآخر، وأن يكون جميع ما يتحصل من البلاد والأموال بينهما. فقال له قريش: ما عدلت عما استقر بيننا، وعدوك هو ابن المسلمة فخذه وأنا آخذ الخليفة بإزائه. فقنع بذلك وحمل ابن المسلمة إلى البساسيري، فلما رآه قَالَ: مرحبا بمدفع الدول، ومهلك الأمم، ومخرب البلاد، ومبيد العباد. فقال له: أيها الأمير [٢] العفو عند المقدرة [٣] . فقال: قد قدرت فما عفوت وأنت تاجر وصاحب طيلسان، ولم تستبق من الحرم والأطفال والأجناد، فكيف أعفو عنك وأنا صاحب سيف، وقد أخذت أموالي، وعاقبت حرمي، ونفيتهم في البلاد، وشتتني ودرست دوري، ولكن هذا أيضا من قصورك [٤] الفاسد، وعقلك الناقص.
واجتمع العامة فسبوه وهموا به، فأخذه البساسيري يسير [٥] إلى جنبه خوفا عليه
стр. 5412
من العامة، ولم يزل يوبخه وهو يعتذر، وحل الركابية حزام البرذون الذي [كان] [١] تحته ليسقط فيتمكن العامة من قتله، فسقط فوقف البساسيري يذب عنه إلى أن أركبه، ومضى به إلى الخيمة، فقيده ووكل به وضرب ضربا كثيرا، وقيد.
ثم ظفر بالسيدة خاتون زوجة الخليفة فأكرمها وسلمها إلى أبي عبد الله ابن جردة ومضى الخليفة إلى المعسكر، وقد ضرب له قريش خيمة إزاء بيته بالجانب الشرقي، فدخلها ولحقه قيام الدم، وأذم قريش لابن جردة ابن يوسف، وكان ابن جردة قد ضمن ١٨/ ب لقريش لأجل داره ومن التجأ إليها من التجار عشرة آلاف دينار، ونهبت العوام/ دار الخليفة، وأخذوا منها ما يعتذر حصره من الديباج والجواهر واليواقيت، وأحرقوا رباط أبي سعد الصوفي، ودار ابن يوسف، ثم نودي برفع النهب، وحمل البساسيري الطيار إلى عسكره، ثم نقله إلى الحريم الظاهري وعليه المطارد البيض.
فلما جاء يوم الجمعة الرابع من ذي الحجة لم يخطب بجامع الخليفة، وخطب في سائر الجوامع لصاحب مصر.
وفي هذا اليوم انقطعت دعوة الخليفة من بغداد وجرى بين البساسيري وقريش بن بدران في أمر الخليفة من التجاذب ما أدى إلى نقله عن بغداد، وأن لا يكون في يد أحدهما، وتسليمه إلى بدوي يعرف بمهارش صاحب حديثة عانة، واعتقاله فيها إلى أن يتقرر لهما عزم، فعرف الخليفة ذلك فراسل قريش بالمجيء إليه فلم يفعل، فقام ومشى إلى خيمته فدخل فعلق بذيله وقال له: ما عرفت ما استقر العزم عليه من إبعادي عنك وإخراجي عن يديك، وما سلمت نفسي إليك إلا لما أعطيتني الذمام الذي يلزمك الوفاء به، وقد دخلت الآن إليك ووجب لي عليك [٢] ذمام فإني عليك [٣] فاللَّه الله في نفسي، فمتى أسلمتني أهلكتني وضيعتني، وما ذاك معروف في العرب.
فقال: ما ينالك سوء، ولا يلحقك ضيم غير أن هذه الخيمة ليست دار مقام مثلك،
стр. 5413
وأبو الحارث لا يؤثر مقامك في هذا البلد، وأنا أنقلك إلى الحديثة، وأسلمك إلى مهارش ابن عمي، وفيه دين، فلا تخف، واسكن إلى مراعاتي لك وعد إلى مكانك.
فلما يئس منه قام عنه وهو يقول: للَّه أمر هو بالغه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.
وعبر قريش ليلة الأربعاء/ التاسع من ذي الحجة إلى الجانب الغربي، وضرب ١٩/ أخيمة بقرب جامع المنصور، وحمل الخليفة إلى المشهد بمقابر قريش، وقال له: تبيت الليلة فيها. فامتنع وقال: هؤلاء العلويون الذين بها يعادوني. فألزم الدخول وبات ليلته في بعض الترب، وحضر من الغد جماعة من أصحاب البساسيري وأصحاب قريش، فتسلموه من موضعه، وأقعدوه في هودج على جمل، وسيروه إلى الأنبار، ثم إلى حديثة عانة على الفرات، وكان صاحب الحديثة مهارش البدوي حسن الطريقة، فكان يتولى خدمة الخليفة، ولما بلغ الخليفة الأنبار شكا وصول البرد إلى جسمه، فأخرج شيخ من مشايخ الأنبار يعرف: بابن مهدويه جبة برد، فيها قطن ومقيارًا ولحافا، وكتب الخليفة من هناك رقعة إلى بغداد يلطف فيها بالبساسيري وقريش، يدعوهما إلى إعادته إلى بغداد، وإحسان العشرة، ويحلف بالأيمان المؤكدة على براءة ساحته من جميع ما نسب إليه، فلم يقع الالتفات إليها ولا أجيب عنها، فأقام الخليفة بالحديثة.
وذكر عبد الملك بن محمد الهمذاني عن بعض خواص القائم أنه قَالَ: لما كنت بحديثة عانة قمت في بعض الليالي للصلاة، ووجدت في قلبي حلاوة المناجاة، فدعوت الله تعالى فيما سنح، ثم قلت: اللَّهمّ أعدني إلى وطني، واجمع بيني وبين أهلي وولدي، ويسر اجتماعنا، وأعد روض الأنس زاهرا، وربع القرب عامرا، فقد قل العزاء، وبرح الخفاء، فسمعت قائلا على شاطئ الفرات يقول [بأعلى صوته] [١] نعم نعم/ فقلت: هذا رجل يخاطب آخر، ثم أخذت في السؤال والابتهال، فسمعت ١٩/ ب ذلك الصائح يقول: إلى الحول إلى الحول. فعلمت أنه هاتف أنطقه الله تعالى بما جرى الأمر عليه، فكان خروجه من داره حولا كاملا خرج في ذي القعدة ورجع في ذي القعدة.
стр. 5414
وروى [١] محمود بن الفضل الأصبهاني أن القائم كتب في السجن دعاء وسلمه إلى بدوي، وأمره أن يعلقه على الكعبة: «إلى الله العظيم من عبده المسكين، اللَّهمّ إنك العالم بالسرائر، والمحيط بمكنونات السرائر، [٢] اللَّهمّ إنك غنى بعلمك واطلاعك على أمور خلقك عن إعلامي بما أنا فيه، عبد من عبادك قد كفر بنعمتك وما شكرك وأبقى العواقب، وما ذكرها أطغاه حلمك، وتجبر بأناتك حتى تعدى علينا بغيًا، وأساء إلينا عتوًا وعدوانا، اللَّهمّ قل الناصرون لنا، واغتر الظالم وأنت المطلع العالم، والمنصف الحاكم، بك نعتز عليه، واليك نهرب من يديه، فقد تعزز علينا بالمخلوقين ونحن نعتز بك يا رب العالمين، اللَّهمّ إنا حاكمناه إليك، وتوكلنا في إنصافنا منه عليك، وقد رفعت ظلامتي إلى حرمك، ووثقت في كشفها بكرمك، فاحكم بيني وبينه وأنت خير الحاكمين، وأرنا به ما نرتجيه فقد أخذته العزة بالإثم، فاسلبه عزه ومكنا بقدرتك من ناصيته، يا أرحم الراحمين، فحملها البدوي وعلقها على الكعبة، فحسب ذلك اليوم ٢٠/ أفوجد أن البساسيري قتل وجيء برأسه بعد سبعة أيام من/ التاريخ.
ومن شعر القائم الذي قاله في الحديثة:
خابت ظنوني فيمن كنت آمله ... ولم يخب ذكر من واليت في خلدي
تعلموا من صروف الدهر كلهم ... فما أرى أحدا يحنو على أحد
وقال أيضا:
ما لي من الأيام إلا موعد ... فمتى أرى ظفرا بذاك الموعد
يومي يمر وكلما قضيته ... عللت نفسي بالحديث إلى غد
احيا بنفس تستريح إلى المنا ... وعلى مطامعها تروح وتغتدي
وأما حديث البساسيري: فإنه ركب يوم الخميس عاشر ذي الحجة من سنة خمسين إلى المصلى في الجانب الشرقي وعلى رأسه الألوية والمطارد المصرية، وعيد ونحر وبين يديه أبو منصور بن بكران حاجب الخليفة على عادته في ذاك، وكان قد أمنه
стр. 5415
ورد أبا الحسين بن المهتدي إلى منبره بجامع المنصور، ولبس الخطباء والمؤذنون الثياب [١] البياض، ونقل العسكر إلى مشرعة المارستان في الجانب الغربي، وضرب دنانير سماها المستنصرية، وكان عليها من فرد جانب: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له محمد رسول الله علي ولي الله، ومن الجانب الآخر: «عبد الله ووليه الإمام أبو تميم معد المستنصر باللَّه أمير المؤمنين، وكان يقبض على أقوام يغرقهم بالليل، وغرق جماعة عزموا على الفتك به، وخرج الناس من الحريم ودار الخلافة، حتى لم يبق لها إلا الضعيف، وخلت الدور.
وفي الاثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة: أخرج أبو القاسم ابن المسلمة من محبسه/ بالحريم الظاهري مقيدًا [٢] وعليه جبة صوف وطرطور [٣] من لبد أحمر، وفي ٢٠/ ب رقبته مخنقة من جلود كالتعاويذ، وأركب جملا، وطيف به في محال الجانب الغربي، ووراءه من يصفعه بقطعة من جلد وابن المسلمة يقرأ: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ [وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ من تَشاءُ وَتُذِلُّ من تَشاءُ] ٣: ٢٦ [٤] الآية، وشُهِّر في البلد، ونثر عليه أهل الكرخ لما اجتاز بهم خلقان المداسات، وبصقوا في وجهه، ولعن وسب في جميع المحال، ووقف بإزاء دار الخليفة، ثم أعيد إلى المعسكر وقد نصبت له خشبة بباب خراسان، فحط من الجمل، وخيط عليه جلد ثور قد سلخ في الحال، وجعلت قرونه على رأسه، وعلق بكلابين [من] [٥] حديد [في كتفيه] [٦] واستقى [٧] في الخشبة حيا، فقال لهم: قولوا للأجل قد بلغك الله أغراضك مني
стр. 5416
فاصطنعني لتنظر خدمتي، وإن قتلتني فربما جرى من سلطان خراسان ما يهلك به البلاد والعباد. فسبوه واستقوه [ولبث] [١] إلى آخر النهار يضطرب ثم مات.
وكان البساسيري قد أمر بترك الكلابين في ترقوته ليبقى حيا أياما يشاهد حاله، وأمر أن يطعم كل يوم رغيفين ليحفظ نفسه، فخاف من تولي أمره أن يعفو عنه البساسيري، فضرب الكلابين في مقتله. فقال [عند موته] [٢] الحمد للَّه الذي أحياني سعيدا وأماتني شهيدا.
ثم أفرج عن قاضي القضاة الدامغاني بعد أن قرر عليه ثلاثة آلاف دينار، فصحح منها سبعمائة، وأمسك البساسيري عن مطالبة الباقي.
ثم إن السلطان طغرلبك خرج من همذان وهزم عسكر أخيه.
وفي هذه السنة: ولي أبو عبد الله بن أبي/ طالب نقابة الطالبيين.
وفيها: عصى على بن أبي الخير بالبطائح، وكان متقدم بعض نواحيها، فكسر جيش طغرلبك ومعهم عميد العراق أبو نصر.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣٥٠- الحسن بن محمد، أبو عبد الله الولي الفرضي
[٣] .
كان إماما ثقة، وقتل في الفتنة، ودفن يوم الجمعة تاسع ذي الحجة من هذه السنة.
٣٣٥١- الحسين بن محمد بن طاهر بن يونس، أبو عبد الله مولى المهدي .
سمع الدارقطني، وابن شاهين، وغيرهما، وكان صدوقا حسن الاعتقاد، كثير الدرس للقرآن، وينزل شارع [٤] دار الرقيق.
وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
стр. 5417
٣٣٥٢- داود جغري بك
[١] ، أخو السلطان [٢] طغرلبك الأكبر [٣] .
كان ببلخ بإزاء أولاد محمود بن سبكتكين.
٣٣٥٣- طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر، أبو الطيب الطبري الفقيه [الشافعي]
[٤] .
ولد بآمل سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، وسمع بجرجان من أبي أحمد الغطريفي، وبنيسابور من أبي الحسن الماسرجسي [٥] ، وعليه درس الفقه، وسمع ببغداد [٦] من الدارقطني، والمعافى، وغيرهما. وولي القضاء بربع الكرخ بعد موت الصيمري، وكان ثقة دينا ورعا عارفا بأصول الفقه وفروعه، حسن الخلق، سليم الصدر.
أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب قَالَ: سمعت [أبا الحسن محمد بن] [٧] محمد بن عبد الله القاضي يقول: ابتدأ القاضي أبو الطيب الطبري بدرس الفقه، وتعلم العلم وله أربع عشرة سنة، فلم يخلّ به يومًا وأحدًا إلى أن مات.
أخبرنا محمد بن ناصر، عن المولى بن أحمد قَالَ: سمعت أبا إسحاق الشيرازي يقول: دفع القاضي أبو الطيب الطبري خفا له إلى خفاف ليصلحه، فكان يمر عليه ليتقاضاه، وكان الخفاف/ كلما رأى القاضي أخذ الخف فغمسه في الماء، وقال: ٢١/ ب الساعة الساعة، فلمّا طال عليه قَالَ: إنما دفعته إليك لتصلحه ولم أدفعه إليك [٨] لتعلمه السباحة.
стр. 5418
توفي الطبري يوم السبت لعشر بقين من ربيع الأول سنة خمسين وأربعمائة، وصلى عليه أبو الحسين ابن المهتدي بجامع المنصور، ودفن بمقبرة باب حرب، وقد بلغ من السن مائة وستين سنة، وكان صحيح العقل، ثابت الفهم، سليم الأعضاء، يفتي ويقضي إلى حين وفاته.
٣٣٥٤- عبيد الله [بن أحمد] بن عبد الله، أبو القاسم [١] الرقي العلوي .
أخبرنا القزاز، أَخْبَرَنَا أبو بكر الخطيب قَالَ: سكن الرقي بغداد في درب أبي خلف من قطيعة الربيع، وكان أحد العلماء بالنحو والأدب واللغة، عارفًا بالفرائض، وقسمة المواريث، وحدث شيئا يسيرا، وكتبت عنه، وكان صدوقا. وسألته عن مولده فقال: سنة إحدى وستين وثلاثمائة.
وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن في مقبرة باب حرب.
٣٣٥٥- عبد الواحد بن الحسين [بن شيطا]
[٢] .
سمع أبا محمد بن معروف، وعيسى بن علي [بن عيسى] الوزير وغيرهما، وكان ثقة [وكان] [٣] بصيرا بالعربية عالما بوجوه القراءات، حافظا لمذاهب القراء.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت قال: سألت ابن شيطا عن مولده فقال: ولدت يوم الاثنين السادس عشر من رجب سنة سبعين وثلاثمائة.
ومات يوم الأربعاء [٤] الخامس والعشرين من صفر سنة خمسين وأربعمائة، ودفن [من يومه] [٥] في مقبرة الخيزران.
стр. 5419
٣٣٥٦- عبد العزيز بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه [١] بن بشران، أبو الطيب
[٢] .
سمع ابن المظفر، وابن حيويه، وغيرهما وكان ثقة [٣] . قَالَ الخطيب: كتبت عنه وكان سماعه صحيحا، سألته عن مولده فقال: سنة ثمان وستين وثلاثمائة.
وتوفي في صفر هذه السنة، ودفن في مقبرة باب الدير.
٣٣٥٧- علي بن محمد بن حبيب، أبو الحسن الماوردي البصري
[٤] .
كان من وجوه فقهاء الشافعية، وله تصانيف كثيرة في أصول الفقه وفروعه، وله «المقترن» و «النكت» / في التفسير و «الأحكام السلطانية» و «قوانين الوزراء» ٢٢/ أو «الحكم والأمثال» وولى القضاء ببلدان كثيرة، وكان يقول: بسطت الفقه في أربعة آلاف ورقة، وقد اختصرته في أربعين. يريد بالمبسوط «الحاوي» ، وبالمختصر «الإقناع» وكان وقورا متأدبا لا يرى أصحابه ذراعه، وكان ثقة صالحا.
وتوفي فِي ربيع الأول من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب، وبلغ ستا وثمانين سنة.
٣٣٥٨- علي بن عمر، أبو الحسن البرمكي، أخو أبي إسحاق
[٥] .
سمع من ابن حبابة، والمعافى. توفي في هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
٣٣٥٩- علي بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عمر، أبو القاسم ابن المسلمة
[٦] .
سمع أبا أحمد الفرضي وغيره، وكان أحد الشهود المعدلين، ثم استكتبه الخليفة
стр. 5420
القائم بأمر الله واستوزره، ولقبه: رئيس الرؤساء شرف الوزراء جمال الورى، وكان مضطلعا بعلوم كثيرة مع سداد رأي ووفور عقل.
قَالَ المصنف [﵀] [١] : ونقلت من خط أبى الوفاء بن عقيل أنه قال: ذكر لي [٢] بعض أهل العلم المحققين أن رئيس الرؤساء قَالَ للشيخ أبي إسحاق في مسألة القائل لزوجته: إن دخلت أو خرجت إلا بإذني فأنت طالق هل يكفي فيه إذن مرة أليس قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق [٣] لا يقتضي التكرار ولا فيه لفظ من ألفاظ التكرار، وإنما هو حرف من حروف الشرط، فإذا كان كذلك فلا وجه لاعتبار تكرر الإذن ولا [٤] لتكرار الوقوع بعدم الإذن. فكان الشيخ أبو إسحاق يقول، عولوا على هذا دليلا في المسألة.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن ثابت قَالَ: سمعت علي بن الحسن ٢٢/ ب الوزير يقول: ولدت في شعبان سنة سبع وتسعين وثلاثمائة/ فرأيت في المنام وأنا حدث كأني أعطيت [٥] شبه النبقة الكبيرة، وقد ملأت كفي، وألقى في روعي أنها من الجنة فعضضت منها عضة، ونويت بذلك حفظ القرآن، وعضضت أخرى ونويت درس الفقه، وعضضت أخرى ونويت درس الفرائض، وعضضت أخرى ونويت درس النحو، وعضضت أخرى ونويت درس العروض، فما من هذه العلوم إلا وقد رزقني الله منه.
قتل الوزير أبو القاسم يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة من هذه السنة، قتله البساسيري ثُمَّ قتل البساسيري [٦] وطيف برأسه في بغداد خامس عشر ذي الحجة سنة إحدى [٧] وخمسين وأربعمائة.
стр. 5421
وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني المؤرخ قَالَ: من عجيب الاتفاق: لما ولى ابن المسلمة وزارته ركب إلى جامع المنصور بعد أن خلع عليه، فأتى إلى تل فنزل في موكبه وصلى عليه ركعتين، وقال: هذا موضع مبارك، وكان قديما بيت عبادة، وعنده صلب الحسين بن منصور الحلاج. ثم أصابت رئيس الرؤساء عند ذلك رعدة شديدة، وكان الناس يقولون إنه حلاجيّ [١] المذهب. فبقي في الوزارة اثنتى عشرة سنة، وأشهرًا، وصلب في ذلك المكان بعينه. فعلم الناس أن رعدته كانت لذلك، وبلغ من العمر اثنتين وخمسين سنة وخمسة أشهر.
٣٣٦٠- منصور بن الحسين، أبو الفوارس الأسدي صاحب الجزيرة
[٢] .
توفي واجتمعت العشيرة على ولده صدقة.
стр. 5422
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
٢٣/ أ/ أن أبا منصور بن يوسف انتقل عن معسكر قريش إلى داره بدرب خلف بعد أن حمله البساسيري، وجمع بينهما حتى رضي عنه، وأصلح بينه وبينه، والتزم أبو منصور له شيئا قرره عليه، وركب البساسيري إليه في هذا اليوم نظرية لجاهه، وخاطبه بالجميل وطيب نفسه بما بذله له، ووعده به، وركب قريش بن بدران من غد إليه أيضا، وعاد جاهه طريا إلا انه خائف من البساسيري.
وفي هذا الشهر: كتبت والدة الخليفة إلى البساسيري من مكان كانت فيه مستترة [رقعة] [١] تشرح فيها ما لحقها من الأذى والضرر والفقر، حتى إن القوت يعتذر عليها، فأحضرها، وهي جارية أرمينية قد ناهزت التسعين واحدودبت، وأفرد لها دارا في الحريم الطاهري، وأعطاها جاريتين تخدمانها، وأجرى عليها في كل يوم اثني عشر رطلا خبزا وأربعة أرطال لحما.
وفي يوم الاثنين ثاني عشر صفر: أحضر البساسيري قاضي القضاة أبا عبد الله الدامغاني، وأبا منصور بن يوسف، وأبا الحسين بن الغريق الخطيب، وجماعة من وجوه العلويين والعباسيين وأخذ عليهم البيعة للمستنصر باللَّه، واستحلفهم له، ودخل إلى دار الخلافة بعد أيام وهؤلاء الجماعة معه.
стр. 5423
وفي ليلة الأحد ثاني ربيع الأول: نقلت جثة أبي القاسم ابن المسلمة إلى ما يقارب الحريم الطاهري، ونصبت على دجلة.
وفي بكرة الثلاثاء رابع هذا الشهر، / خرج البساسيري إلى زيارة المشهد بالكوفة ٢٣/ ب على أن ينحدر من هناك إلى واسط واستصحب معه غلة في زورق [١] ليرتب العمال في حفر النهر المعروف بالعلقمي، ويجريه إلى المشهد بالحائر، وفاء بنذر كان عليه، وأنفذ من ابتدأ بنقض تاج الخليفة فنقضت شرافاته فقيل له: هذا لا معنى فيه، والقباحة فيه أكثر من الفائدة، فأمسك عن ذلك.
ثم إن السلطان طغرلبك ظفر بأخيه إبراهيم فقتله، وقتل ألوفا من التركمان، وأنفذ إلى قريش يلتمس خاتون ويخلط بذلك ذكر الخليفة، ورده إلى مكانه، فرد خاتون وأجاب عما يتعلق بالخليفة بأن ما جرى [٢] كان من فعل ابن المسلمة، ومتى وقع تسرع في المسير إلى العراق، فلست آمن أن يتم على الخليفة أمر يفوت وسبب يسوء، ولسنا بحيث نقف لك ولا نحاربك، وإنما نبعد وندعك، فربما ماست العساكر من بلادها ففتحت البثوق وخربت [٣] السواد، وأنا أتوصل في جميع ما يراد من البساسيري.
وراسل قريش البساسيري يشير عليه بما التمسه السلطان طغرلبك، ويحذره المخالفة له ويقول: قد دعوت إلى السلطان على ستمائة فرسخ فخدمناه، وفعلنا ما لم يكن يظنه [٤] ، ومضى لنا ستة أشهر مذ فتحنا العراق ما عرفنا منه خبرا، ولا كتب إلينا حرفا، ولا فكر فينا، وقد عادت رسلنا بعد سنة وكسر صفرًا من شكر وكتاب، فضلا عن مال ورجال، ومتى تجدد خطب فما يشقى به غيري وغيرك، والصواب المهادنة/ ٢٤/ أوالمسالمة، ورد الخليفة إلى أمره، والدخول تحت طاعته، وأن يستكتب أمنه.
وفي هذه السنة: كان بمكة رُخْصٌ لم يشاهد مثله، وبلغ البر والتمر مائتي رطل بدينار وهذا غريب هناك.
стр. 5424
وورد كتاب المسافرين من دمشق بسلامتهم من طريق السماوة، وأنهم مطروا في نصف تموز حتى كانت الجمال تخوض في الماء، وامتلأت المصانع والزُّبى [١] .
وفيها: زادت الغارات، حتى إن قوما من التجار أعطوا على وجه الخفارة من النهروان أربعة عشر ألف دينار ومائة كر ومائتي رأسا من الغنم.
وفي شوال: عاد لقريش بن بدران رسول يقال له: نجدة من حضرة السلطان، وكان قريش قد أنفذ هذا الصاحب في صحبة السيدة أرسلان خاتون امرأة القائم بأمر الله، وأصحبه رسالة إلى السلطان يعده برد الخليفة إلى داره، ويشير عنه بالقرب ليفعل ذلك، ويتمكن منه، وكان قد ورد كتاب من السلطان إلى قريش عنوانه للأمير الجليل علم الدين أبي المعالي قريش بن بدران مولى أمير المؤمنين من شاهنشاه المعظم ملك المشرق والمغرب طغرلبك أبي طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق وعلى رأس الكتاب العلامة السلطانية [٢] بخط السلطان: «حسبي الله» وكان في الكتاب والآن قد سرت بنا المقادير إلى كل عدو للدين، والملك ولم يبق لنا وعلينا من المهمات إلا خدمة سيدنا ٢٤/ ب ومولانا الإمام القائم بأمر الله/ أمير المؤمنين واطلاع أبهة إمامته على سرير عزه، فإن الذي يلزمنا ذلك ولا فسحة في التضجيع فيه ساعة واحدة [٣] من الزمان، وقد أقبلنا بخيول المشرق إلى هذا المهم العظيم، ونريد من الأمير الجليل علم الدين إتمام السعي النجيح، الذي وفق له، وتفرد به، وهو أن يتم وفاءه من أمانته وخدمته في باب سيدنا ومولانا القائم بأمر الله، أمير المؤمنين من أحد الوجهين إما ان يقبل به إلى ذكر عزه، ومثوى إمامته، وموقف خلافته من مدينة السلام، وينتدب بين يديه موليا [٤] أمره ومنفذا حكمه، وشاهرا سيفه وقلمه، وذلك المراد، وهو خليفتنا في تلك الخدمة المفروضة، وتولية العراق بأسرها، وتصفى له مشارع برها وبحرها لا يطأ حافر خيل [٥] من خيول
стр. 5425
العجم شبرا من أراضي تلك الممالك إلا بالتماسه لمعاونته ومظاهرته، وإما أن يحافظ على شخصه [الكريم] [١] العالي بتحويله من القلعة إلى حلته، أو في القلعة إلى حين لحاقنا بخدمته، فنتكفل بإعادته، وليكون الأمر الجليل مخيرا بين أن يلتقي بنا أو يقيم حيث شاء، فنوليه العراق ونستخلفه في الخدمة الإمامية، ونصرف أعنتنا إلى الممالك الشرقية، فهممنا لا تقتضي إلا هذا الغرض من العرض، ولا نسف إلى مملكة من تلك الممالك بل الهمة دينية، وهو أدام الله تمكينه يتقن ما ذكرنا، ويعلم أن توجهنا أثر هذا الكتاب لهذا الغرض المعلوم ولا غرض سواه، فلا يشعرن قلوب عشائره رهبة [٢] ، فأنهم كلهم إخواننا، وفي ذمتنا وعهدنا، وعلينا به عهد الله وميثاقه ما داموا موافقين للأمير الجليل في/ موالينا، ومن اتصل به من سائر العرب والعجم والأكراد، فإنهم مقرون في ٢٥/ أجملته، وداخلون في عهدنا وذمتنا، ولكل مخترم في العراق عفونا وأماننا مما بدر منه، إلا البساسيري، فإنه لا عهد له ولا أمان، وهو موكول إلى الشيطان وتساويله، وقد ارتكب في دين الله عظيما، وهو إن شاء الله مأخوذ حيث وجد، معذب على ما عمل، فقد سعى في دماء خلق كثير بسوء دخيلته، ودلت أفعاله على فساد عقيدته، فإن سرب في الأرض فالي أن يلحقه المكتوب على جبهته، وإن وقف فالقضاء سابق إلى مهجته، والله تعالى يجازي الأمير الجليل على كل سعى تجشم في مصالح الدين، وفي خدمة إمام المسلمين. وقد حملنا الأستاذ العالم أبا بكر أحمد بن محمد بن أيوب بن فورك، ومعتمد الدولة [٣] أبا الوفاء زيرك ما يؤديانه من الرسائل وهو يصغي اليهما، ويعتمد عليهما ويسرحهما إلى القلعة ليخدما مجلس سيدنا ومولانا أمير المؤمنين عنا، وكتب في رمضان سنة إحدى وخمسين.
وحمل مع هذين الرسولين خدمة إلى الخليفة أربعون ثوبا أنواعا، وعشرة دسوت ثياب مخيطة، وخمسة آلاف دينار، وخمسة دسوت مخيطة من جهة خاتون زوجة القائم.
стр. 5426
فحكى «نجدة» لقريش أن السلطان طغرلبك بهمذان في عساكر كثيرة، وهو بنية المسير إلى العراق متى لم يرد الخليفة إلى بغداد، فخاف قريش وارتاع، فابتاع جمالا عدة، وأصلح بيوتا كثيرة، وأنفذ إلى البرية من يحفر فيها ويعمرها ليدخلها، ثم أنفذ الكتاب الوارد إليه [١] مع «نجدة» إلى البساسيري ليدبر الأمر على مقتضاه، فأنفذ ٢٥/ ب البساسيري إلى بغداد، فأخذ دوابه/ وجماله ورحله إلى مقره بواسط، وكاتب أهله يطيب نفوسهم ويقول: متى صح عزم هذا الرجل على قصد العراق سرت إليكم وأخذتكم، فلا تشغلوا قلوبكم.
وتقدم بأن يسلخ ثور أسود ويؤخذ [٢] جلده فيكسى به رمة أبي القاسم ابن المسلمة، ويجعل قرناه على رأسه وفوقهما طرطور أحمر، ففعل ذلك.
ثم أجاب البساسيري إلى عود الخليفة، وشرط في ذلك شروطًا منها: أن يكون هو النائب على باب الخليفة، والخادم دون غيره، ورد خوزستان، والبصرة إليه علي قديم عادته، وأن يخطب للخليفة فقط دون أن يشاركه في الخطبة ركن الدين، وبعث مع رسل السلطان طغرلبك إلى الخليفة من يتولى إحلاف الخليفة له على ما اشترط، وعرف البساسيري قرب السلطان، فكاتب أصحابه بالبصرة ليصعدوا إليه ليقصد بغداد، فأعجل الأمر عن ذلك وانحدر حرم البساسيري وأولاده وأصحابهم وأهل الكرخ والمتشبهون في دجلة، وعلى الظهر وبلغت أجرة السمارية إلى النعمانية عشرة دنانير، ونهب الأعراب والأكراد أكثر المشاة، ولما وصل السائرون على الظهر إلى صرصر غرق في عبورهم قوم منهم، وبقى أكثر العامة [٣] لم يعبروا، فعطف عليهم بنو شيبان فنهبوهم، وقتلوا أكثرهم، وعروا نساءهم، وتقطعت قطعة منهم في السواد، وكان خروج أصحاب البساسيري في اليوم السادس من ذي القعدة، وكذلك كان دخولهم إلى بغداد في سادس ذي القعدة، وكان تملكهم سنة كاملة، وثار الهاشميون وأهل باب البصرة إلى الكرخ فنهبوها وطرحوا النار في أسواقها ودروبها، واحترقت دار الكتب التي وقفها
стр. 5427
سابور بن أردشير الوزير في سنة ثلاث/ وثمانين وثلاثمائة، وكان فيها كتب كثيرة، ٢٦/ أواحترق درب الزعفراني وكان فيه ألف ومائتا دينار لكل دار منها قيمة، ونهبت الكوفة نيفا وثلاثين يوما.
وأما الخليفة فإن مهارشا العقيلي صاحب الحديثة الذي كان مودعا عنده حلف له ووثق من نفسه في حراسة مهجته، وأن لا يسلمه إلى عدو، وكان قد تغير على البساسيري لوعود وعده بها ولم يف له، وأجفل قريش في البرية مصعدا إلى الموصل بعد أن بعث إلى مهارش يقول له: قد علمت أننا أودعنا الخليفة عندك ثقة بأمانتك، وقد طلبوه الآن، وربما قصدوك وحاصروك وأخذوه منك، فخذه وارحل به وأهلك وولدك إلى فإنهم إذا علموا حصوله بأيدينا لم يقدموا على طرق العراق، ثم نقرر الأمر في عوده على قاعدة نكون معها سالمين، ونقترح ما نريد من البلاء عوضا عن رده، وما أروم تسليمه منك، بل يكون في يدك علي جملته بحيث لا يمكن أن يؤخذ قهرا من أيدينا.
فقال مهارش للرسول: قل له إن البساسيري غدرني، ولم يف بما ضمنه لي، وبعثت بصاحبي إلى بغداد، وقلت له قد برئت من اليمين التي لكم في عنقي، فأنفذوا وتسلموا صاحبكم الذي عندي فلم يفعل، وعرف الخليفة خلاص رقبتي من اليمين التي كانت علي فاستحلفني لنفسه، وتوثق مني بما لا يمكن فسخه.
وقال مهارش للخليفة: الرأي الخروج والمضي إلى بلد بدران بن مهلهل لننظر ما قد [١] يجد من أمر هذا السلطان الوارد، ونكون في موضع نأمن به وندبر أمورنا بمقتضى الأمر، فما آمن أن يجيئنا البساسيري فيحضرنا فلا نملك [٢] اختيارنا. فقال له: افعل ما ترى.
فسارا من الحديثة في يوم الاثنين/ الحادي عشر من ذي القعدة إلى أن حصلا ٢٦/ ب بقلعة تل عكبرا، فلقيه ابن فورك هناك وسلم إليه ما أنفذه السلطان، وكتب إلى السلطان يخبره الحال ويسأله إنفاذ سرادق كبير، وخيم، وفروش، وكان السلطان حينئذ قد وصل إلى بغداد ففرح السلطان بذلك، ونهب عسكر السلطان ما بقي من نهر طابق، وباب
стр. 5428
البصرة، وجميع البلد، ولم يسلم من ذلك إلا حريم الخليفة، وكان أكثره خاليا، وأخذ الناس فعوقبوا، واستخرجت منهم الأموال بأنواع العذاب، وتشاغل [١] بعمارة دار المملكة، فوقع النقض في أكثر ما سلم، وبعث السلطان عميد الملك ومن استعقله من الأمراء والحجاب في نحو ثلاثمائة غلام، وأصحبهم أربع عشرة بختية عليها السرادق الكبير، والعدد من الخيم، والخركاهات، والآلات، والفروش، ستة أبغل عليها الثياب والأواني، وبغلا عليه مهد مسجف، وثلاثة أفراس بالمراكب الذهب.
قَالَ ابن فورك: فاستقبلتهم، فاستشرحني عميد الملك ما جرى فشرحته. فقال:
تقدم واضرب السرادق والخيام [٢] وانقل أمير المؤمنين من حيث هو إليها ليلقاه فيها [٣] ، وإذا حضرنا فليؤخر الإذن لنا ساعة كبيرة، فسبقت وفعلت ذلك، ودخل عميد الملك فأورد ما أوجب إيراده من سرور السلطان وابتهاجه بما يسره الله تعالى له من خلاصه، وشكر مهارشًا علي جميل فعله، وسأل الخليفة السير فقال: بل نستريح يومين ونرحل/، ٢٧/ أفقد لحقنا من النصب ما يجب أن يحلل بالراحة قَالَ: كما ترى [٤] .
وكتب عميد الملك إلى السلطان كتابا فشرح له ما جرى فيه [وأجب] [٥] أخذ خط الخليفة علي رأسه تصديقا لما يتضمنه فلم يكن عنده دواة حاضرة، فأحضر عميد الملك من خيمته دواة فتركها بين يديه، وأضاف إليها سيفا منتخبا وقال: هذه خدمة محمد بن منصور- يعنى نفسه- جمع في هذه الدولة بين خدمة السيف والقلم.
فشكره الخليفة وأقاموا يومين، ثم وقع الرحيل فوصلوا إلى النهروان يوم الأحد الرابع والعشرين من ذي القعدة. فأشعر السلطان بذلك فقال: قولوا لأبي نصر- يعنى عميد الملك- يقيم إلى أن ينزل الخليفة ويستريح، ويصلى ويتناول الطعام، ثم يعرفني حتى أجيء وأخدمه.
стр. 5429
فلما جاء وقت العصر جاء عميد الملك فأخبر السلطان بعد أن استأذن له الخليفة، فركب فلما وقعت عينه على السرادق نزل عن فرسه ومشى إلى أن وصله، فدخل فقبل الأرض سبع مرات، فأخذ الخليفة مخدة من دسته فطرحها له بين يديه، وقال: اجلس.
فأخذ المخدة فقبلها، ثم تركها وجلس عليها، وأخرج من قبائه الجبل الياقوت الأحمر الذي كان لبني بويه، فطرحه بين يديه، وأخرج اثنتي عشرة حبة لؤلؤا كبارا مثمنة، فقال:
أرسلان خاتون- يعنى زوجة- الخليفة تخدم وتسأل أن تسبح بهذه السبحة، فقد أنفذتها معي، وكان يكلم عميد الملك وهو يفسره، واعتذر عن تأخره عن الورود إلى الحضرة الشريفة واستخلاص المهجة الكريمة بما كان من [عصيان] [١] أخيه/ إبراهيم، وقال: ٢٧/ ب كان من الأخوة الحسدة، وقد جرت له بالعصيان عوائد عفوت عنه فيها، فأطمعه ذلك، فلما عاد فعله بالضرر على أمير المؤمنين والدين والدولة العباسية خنقته بوتر قوسه، وشفع ذلك وفاة الأخ الأكبر داود، فأحوجني الأمر إلى [ترتيب حتى] [٢] رتبت أولاده مكانه، فلم يمكن أن اصمد لهذه الخدمة، ثم أعددت لأصل إلى الحديثة، وأخدم المهجة الشريفة، فوصل إلى الخبر بما كان من تفضل الله تعالى في خلاصها وخدمة هذا الرجل- يعني مهارشا- بما أبان عن صحيح ديانته، وصادق عقيدته، وأنا إن شاء الله امضي وراء هذا الكلب- يعني البساسيري- واقتنصه وأيمم إلى الشام، وأفعل بصاحب مصر فيها ما يكون جزاء لفعل البساسيري هاهنا.
فدعا له الخليفة وشكره وقلده بيده سيفا كان إلى جنبه، وقال: إنه لم يسلم مع أمير المؤمنين وقت خروجه غير هذا السيف، وقد تبرك به، وشرفك بتقليده. فتقلده وقبل الأرض، ونهض واستأذن للعسكر فأذن، فدخل الأتراك من جوانب السرادق، وكشفت أغطية الخركاه المضروبة على الخليفة حتى شاهدوه وخدموه وانصرفوا، ووقع المسير من غد والدخول إلى بغداد.
وتقدم الخليفة بضرب خيمة في معسكر السلطان وقال: أريد أن أكون معه إلى أن يكفي الله من أمر هذا اللعين، فما تأمن الخدمة الشريفة المقام في مكان لا يكون فيه.
стр. 5430
فقال السلطان: الله الله، ما هذا مما يجوز أن يكون مثله ونحن الذي يصلح للحرب ٢٨/ أوالسفر والتهجم والخطر دون/ أمير المؤمنين، وإذا خرج بنفسه فأي حكم لنا وأي خدمة تقع منا. وامتنع أن يجيبه إلى ذلك، فدخل الخليفة البلد، وتقدم السلطان إلى باب النوبي، وقعد مكان الحاجب على دكته إلى أن ورد الخليفة والعسكر محتفون به، ولم يكن في بغداد من يستقبله سوى قاضي القضاة وثلاثة أنفس من الشهود، وذلك لهرب الناس عن البلد ومن بقي منهم، فهو في العقوبات وآثار النهب، فلما وصل إلى الدار أخذ بلجام [١] بغلته حتى وصل إلى باب الحجرة، وذلك في يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدة، فلما نزل الخليفة خدمة السلطان واستأذنه في المسير وراء البساسيري، فأذن له، فانصرف وعبر إلى معسكره، فجاءه سرايا ابن منيع متقدم [٢] بني خفاجة، فقال له: الرأي أيها السلطان إن تنفذ معي ألفي غلام من العسكر حتى أمضى إلى طريق الكوفة، فأشغل البساسيري عن الإصعاد إلى الشام، ويأخذه من عرقوبه [٣] لما تنحدر أنت وراءه [٤] ، فلم يعجب السلطان ذلك، إلا أنه خلع عليه وأعطاه سبعمائة دينار وانزل في العسكر.
فلما انتصف الليل انتبه السلطان، فاستدعى خمارتكين فقال له: أعلم أني قد رأيت الساعة في منامي كأني [٥] قد ظفرت بالبساسيري وقتلته، وينبغي أن يسير عسكر إليه من طريق الكوفة كما قَالَ سرايا، فإن نشطت أنت فكن مع القوم. فقال: السمع والطاعة.
فسار وسار معه أنوشروان وجماعة من الأمراء، وتبعهم السلطان في يوم الجمعة ٢٨/ ب تاسع وعشرين [من الشهر] [٦] / فأما مهارش فإنه اقترح اقتراحات كثيرة، فأطلق له السلطان [طغرلبك] [٧] عشرة آلاف دينار ولم يرض، وأما البساسيري فإنه أقام بواسط