فحكى «نجدة» لقريش أن السلطان طغرلبك بهمذان في عساكر كثيرة، وهو بنية المسير إلى العراق متى لم يرد الخليفة إلى بغداد، فخاف قريش وارتاع، فابتاع جمالا عدة، وأصلح بيوتا كثيرة، وأنفذ إلى البرية من يحفر فيها ويعمرها ليدخلها، ثم أنفذ الكتاب الوارد إليه [١] مع «نجدة» إلى البساسيري ليدبر الأمر على مقتضاه، فأنفذ ٢٥/ ب البساسيري إلى بغداد، فأخذ دوابه/ وجماله ورحله إلى مقره بواسط، وكاتب أهله يطيب نفوسهم ويقول: متى صح عزم هذا الرجل على قصد العراق سرت إليكم وأخذتكم، فلا تشغلوا قلوبكم.
وتقدم بأن يسلخ ثور أسود ويؤخذ [٢] جلده فيكسى به رمة أبي القاسم ابن المسلمة، ويجعل قرناه على رأسه وفوقهما طرطور أحمر، ففعل ذلك.
ثم أجاب البساسيري إلى عود الخليفة، وشرط في ذلك شروطًا منها: أن يكون هو النائب على باب الخليفة، والخادم دون غيره، ورد خوزستان، والبصرة إليه علي قديم عادته، وأن يخطب للخليفة فقط دون أن يشاركه في الخطبة ركن الدين، وبعث مع رسل السلطان طغرلبك إلى الخليفة من يتولى إحلاف الخليفة له على ما اشترط، وعرف البساسيري قرب السلطان، فكاتب أصحابه بالبصرة ليصعدوا إليه ليقصد بغداد، فأعجل الأمر عن ذلك وانحدر حرم البساسيري وأولاده وأصحابهم وأهل الكرخ والمتشبهون في دجلة، وعلى الظهر وبلغت أجرة السمارية إلى النعمانية عشرة دنانير، ونهب الأعراب والأكراد أكثر المشاة، ولما وصل السائرون على الظهر إلى صرصر غرق في عبورهم قوم منهم، وبقى أكثر العامة [٣] لم يعبروا، فعطف عليهم بنو شيبان فنهبوهم، وقتلوا أكثرهم، وعروا نساءهم، وتقطعت قطعة منهم في السواد، وكان خروج أصحاب البساسيري في اليوم السادس من ذي القعدة، وكذلك كان دخولهم إلى بغداد في سادس ذي القعدة، وكان تملكهم سنة كاملة، وثار الهاشميون وأهل باب البصرة إلى الكرخ فنهبوها وطرحوا النار في أسواقها ودروبها، واحترقت دار الكتب التي وقفها
стр. 5427
سابور بن أردشير الوزير في سنة ثلاث/ وثمانين وثلاثمائة، وكان فيها كتب كثيرة، ٢٦/ أواحترق درب الزعفراني وكان فيه ألف ومائتا دينار لكل دار منها قيمة، ونهبت الكوفة نيفا وثلاثين يوما.
وأما الخليفة فإن مهارشا العقيلي صاحب الحديثة الذي كان مودعا عنده حلف له ووثق من نفسه في حراسة مهجته، وأن لا يسلمه إلى عدو، وكان قد تغير على البساسيري لوعود وعده بها ولم يف له، وأجفل قريش في البرية مصعدا إلى الموصل بعد أن بعث إلى مهارش يقول له: قد علمت أننا أودعنا الخليفة عندك ثقة بأمانتك، وقد طلبوه الآن، وربما قصدوك وحاصروك وأخذوه منك، فخذه وارحل به وأهلك وولدك إلى فإنهم إذا علموا حصوله بأيدينا لم يقدموا على طرق العراق، ثم نقرر الأمر في عوده على قاعدة نكون معها سالمين، ونقترح ما نريد من البلاء عوضا عن رده، وما أروم تسليمه منك، بل يكون في يدك علي جملته بحيث لا يمكن أن يؤخذ قهرا من أيدينا.
فقال مهارش للرسول: قل له إن البساسيري غدرني، ولم يف بما ضمنه لي، وبعثت بصاحبي إلى بغداد، وقلت له قد برئت من اليمين التي لكم في عنقي، فأنفذوا وتسلموا صاحبكم الذي عندي فلم يفعل، وعرف الخليفة خلاص رقبتي من اليمين التي كانت علي فاستحلفني لنفسه، وتوثق مني بما لا يمكن فسخه.
وقال مهارش للخليفة: الرأي الخروج والمضي إلى بلد بدران بن مهلهل لننظر ما قد [١] يجد من أمر هذا السلطان الوارد، ونكون في موضع نأمن به وندبر أمورنا بمقتضى الأمر، فما آمن أن يجيئنا البساسيري فيحضرنا فلا نملك [٢] اختيارنا. فقال له: افعل ما ترى.
فسارا من الحديثة في يوم الاثنين/ الحادي عشر من ذي القعدة إلى أن حصلا ٢٦/ ب بقلعة تل عكبرا، فلقيه ابن فورك هناك وسلم إليه ما أنفذه السلطان، وكتب إلى السلطان يخبره الحال ويسأله إنفاذ سرادق كبير، وخيم، وفروش، وكان السلطان حينئذ قد وصل إلى بغداد ففرح السلطان بذلك، ونهب عسكر السلطان ما بقي من نهر طابق، وباب
стр. 5428
البصرة، وجميع البلد، ولم يسلم من ذلك إلا حريم الخليفة، وكان أكثره خاليا، وأخذ الناس فعوقبوا، واستخرجت منهم الأموال بأنواع العذاب، وتشاغل [١] بعمارة دار المملكة، فوقع النقض في أكثر ما سلم، وبعث السلطان عميد الملك ومن استعقله من الأمراء والحجاب في نحو ثلاثمائة غلام، وأصحبهم أربع عشرة بختية عليها السرادق الكبير، والعدد من الخيم، والخركاهات، والآلات، والفروش، ستة أبغل عليها الثياب والأواني، وبغلا عليه مهد مسجف، وثلاثة أفراس بالمراكب الذهب.
قَالَ ابن فورك: فاستقبلتهم، فاستشرحني عميد الملك ما جرى فشرحته. فقال:
تقدم واضرب السرادق والخيام [٢] وانقل أمير المؤمنين من حيث هو إليها ليلقاه فيها [٣] ، وإذا حضرنا فليؤخر الإذن لنا ساعة كبيرة، فسبقت وفعلت ذلك، ودخل عميد الملك فأورد ما أوجب إيراده من سرور السلطان وابتهاجه بما يسره الله تعالى له من خلاصه، وشكر مهارشًا علي جميل فعله، وسأل الخليفة السير فقال: بل نستريح يومين ونرحل/، ٢٧/ أفقد لحقنا من النصب ما يجب أن يحلل بالراحة قَالَ: كما ترى [٤] .
وكتب عميد الملك إلى السلطان كتابا فشرح له ما جرى فيه [وأجب] [٥] أخذ خط الخليفة علي رأسه تصديقا لما يتضمنه فلم يكن عنده دواة حاضرة، فأحضر عميد الملك من خيمته دواة فتركها بين يديه، وأضاف إليها سيفا منتخبا وقال: هذه خدمة محمد بن منصور- يعنى نفسه- جمع في هذه الدولة بين خدمة السيف والقلم.
فشكره الخليفة وأقاموا يومين، ثم وقع الرحيل فوصلوا إلى النهروان يوم الأحد الرابع والعشرين من ذي القعدة. فأشعر السلطان بذلك فقال: قولوا لأبي نصر- يعنى عميد الملك- يقيم إلى أن ينزل الخليفة ويستريح، ويصلى ويتناول الطعام، ثم يعرفني حتى أجيء وأخدمه.
стр. 5429
فلما جاء وقت العصر جاء عميد الملك فأخبر السلطان بعد أن استأذن له الخليفة، فركب فلما وقعت عينه على السرادق نزل عن فرسه ومشى إلى أن وصله، فدخل فقبل الأرض سبع مرات، فأخذ الخليفة مخدة من دسته فطرحها له بين يديه، وقال: اجلس.
فأخذ المخدة فقبلها، ثم تركها وجلس عليها، وأخرج من قبائه الجبل الياقوت الأحمر الذي كان لبني بويه، فطرحه بين يديه، وأخرج اثنتي عشرة حبة لؤلؤا كبارا مثمنة، فقال:
أرسلان خاتون- يعنى زوجة- الخليفة تخدم وتسأل أن تسبح بهذه السبحة، فقد أنفذتها معي، وكان يكلم عميد الملك وهو يفسره، واعتذر عن تأخره عن الورود إلى الحضرة الشريفة واستخلاص المهجة الكريمة بما كان من [عصيان] [١] أخيه/ إبراهيم، وقال: ٢٧/ ب كان من الأخوة الحسدة، وقد جرت له بالعصيان عوائد عفوت عنه فيها، فأطمعه ذلك، فلما عاد فعله بالضرر على أمير المؤمنين والدين والدولة العباسية خنقته بوتر قوسه، وشفع ذلك وفاة الأخ الأكبر داود، فأحوجني الأمر إلى [ترتيب حتى] [٢] رتبت أولاده مكانه، فلم يمكن أن اصمد لهذه الخدمة، ثم أعددت لأصل إلى الحديثة، وأخدم المهجة الشريفة، فوصل إلى الخبر بما كان من تفضل الله تعالى في خلاصها وخدمة هذا الرجل- يعني مهارشا- بما أبان عن صحيح ديانته، وصادق عقيدته، وأنا إن شاء الله امضي وراء هذا الكلب- يعني البساسيري- واقتنصه وأيمم إلى الشام، وأفعل بصاحب مصر فيها ما يكون جزاء لفعل البساسيري هاهنا.
فدعا له الخليفة وشكره وقلده بيده سيفا كان إلى جنبه، وقال: إنه لم يسلم مع أمير المؤمنين وقت خروجه غير هذا السيف، وقد تبرك به، وشرفك بتقليده. فتقلده وقبل الأرض، ونهض واستأذن للعسكر فأذن، فدخل الأتراك من جوانب السرادق، وكشفت أغطية الخركاه المضروبة على الخليفة حتى شاهدوه وخدموه وانصرفوا، ووقع المسير من غد والدخول إلى بغداد.
وتقدم الخليفة بضرب خيمة في معسكر السلطان وقال: أريد أن أكون معه إلى أن يكفي الله من أمر هذا اللعين، فما تأمن الخدمة الشريفة المقام في مكان لا يكون فيه.
стр. 5430
فقال السلطان: الله الله، ما هذا مما يجوز أن يكون مثله ونحن الذي يصلح للحرب ٢٨/ أوالسفر والتهجم والخطر دون/ أمير المؤمنين، وإذا خرج بنفسه فأي حكم لنا وأي خدمة تقع منا. وامتنع أن يجيبه إلى ذلك، فدخل الخليفة البلد، وتقدم السلطان إلى باب النوبي، وقعد مكان الحاجب على دكته إلى أن ورد الخليفة والعسكر محتفون به، ولم يكن في بغداد من يستقبله سوى قاضي القضاة وثلاثة أنفس من الشهود، وذلك لهرب الناس عن البلد ومن بقي منهم، فهو في العقوبات وآثار النهب، فلما وصل إلى الدار أخذ بلجام [١] بغلته حتى وصل إلى باب الحجرة، وذلك في يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدة، فلما نزل الخليفة خدمة السلطان واستأذنه في المسير وراء البساسيري، فأذن له، فانصرف وعبر إلى معسكره، فجاءه سرايا ابن منيع متقدم [٢] بني خفاجة، فقال له: الرأي أيها السلطان إن تنفذ معي ألفي غلام من العسكر حتى أمضى إلى طريق الكوفة، فأشغل البساسيري عن الإصعاد إلى الشام، ويأخذه من عرقوبه [٣] لما تنحدر أنت وراءه [٤] ، فلم يعجب السلطان ذلك، إلا أنه خلع عليه وأعطاه سبعمائة دينار وانزل في العسكر.
فلما انتصف الليل انتبه السلطان، فاستدعى خمارتكين فقال له: أعلم أني قد رأيت الساعة في منامي كأني [٥] قد ظفرت بالبساسيري وقتلته، وينبغي أن يسير عسكر إليه من طريق الكوفة كما قَالَ سرايا، فإن نشطت أنت فكن مع القوم. فقال: السمع والطاعة.
فسار وسار معه أنوشروان وجماعة من الأمراء، وتبعهم السلطان في يوم الجمعة ٢٨/ ب تاسع وعشرين [من الشهر] [٦] / فأما مهارش فإنه اقترح اقتراحات كثيرة، فأطلق له السلطان [طغرلبك] [٧] عشرة آلاف دينار ولم يرض، وأما البساسيري فإنه أقام بواسط
стр. 5431
متشاغلا بجمع الغلات والتمور وحطها في السفن ليصعد بها إلى بغداد، مستهينا بالأمور إلى أن ورد عليه الخبر بانحدار أهله وولده، ودخول الغز، فأصعد إلى النعمانية بالسفن التي جمع فيها الغلات، فورد عليه الخبر بدخول السلطان بغداد، فكاتب ابن مزيد ليجمع العرب، ولم يتصور أن السلطان نيته الانحدار، فجاء ابن مزيد إلى نصف الطريق ثم عاد ثم جاء ثم عاد خوفا وخورا، فانحدر البساسيري إليه وكان قد وكل بأبي منصور بن يوسف، فأزال ابن مزيد التوكيل عنه وقال له: هذا وقت التقبيح. وكان البساسيري شاكا في ابن مزيد مستشعرا منه، إلا أن الضرورة قادته إليه.
وعلمت العرب أن السلطان نيته قصدهم وبوادي [١] الشام، فتفرقوا ولم يشعروا إلا بورود السرية [٢] اليهم، وذلك في يوم السبت ثامن ذي الحجة من طريق الكوفة، فقال البساسيري لابن مزيد: الرأي كبسهم الليلة، فإنهم قد قدموا على كلال وتعب. فامتنع وقال: نباكرهم غدا.
فراسل أنوشروان ابن مزيد والتمس الاجتماع معه، فالتقى به فقال له أنوشروان:
إن عميد الملك يقرئك السلام ويقول لك: قد مكنت في نفس السلطان من أمرك ما جعلت لك فيه المحل اللطيف، والموقع المنيف، وشرحت له ما أنت عليه من الطاعة والولاء، ويجب أن تسلم هذا الرجل، ويسلم كل من في صحبتك، فما الغرض سواه، ولا القصد يتعداه، لما اقترف من/ عظيم الجرم، وإن امتنعت واحتججت ٢٩/ أبالعربية وذمامها وحرمة نزوله عليك فانصرف عنه ودعنا وإياه.
فقال: ما أنا إلا خادم للسلطان مطيع، إلا أن للبدوية حكمها، وقد نزل هذا الرجل على نزولا، وما آثرته ولا اخترته، بل كرهته، وقد طال أمر هذا الرجل، والصواب أن نشرع [٣] في صلاح حاله واستخدامه.
فقال أنوشروان: هذا هو الصواب، ونحن نبعد عنكم مرحلة وتبعدون عنا مثلها
стр. 5432
حتى لا يتطرق بعضنا إلى بعض، وأراسل السلطان بما رأيته، فإنه على نية اللحاق بنا، ولا شك في وصوله إلى النعمانية، وما نخالفك على شيء تراه.
وما في الرجلين إلا من قصد خديعة صاحبه، فأما ابن مزيد: فإنه أراد المدافعة بالحال لتحققه [١] بانحدار السلطان حتى يبعد عنه السرية فيصعد إلى البرية إلى حيث يأمن إلى حلته وعشيرته، ويدبر أمر انفصاله عن البساسيري. وأما أنوشروان: فأراد أن يبعد عن القوم ليفسح لهم طريق الانصراف فإذا رحلوا تبعهم وأكب عليهم وهم مشتغلون بالرحلة عن الحرب. [٢] وعاد ابن مزيد فأخبر البساسيري بما جرى، فرد التدبير إليه وقال: الأمر أمرك، وتأهبت السرية واستظهرت بأخذ العلوفة، ورحل البساسيري وابن مزيد يوم الثلاثاء حادي عشر ذي الحجة والأتراك يراصدونهم، فلما أبعدوا عن أعينهم تبعوهم فحاربوهم، فثبت البساسيري وجماعته، وأسرع ابن مزيد إلى أوائل الظعن ليحطه ويرد ٢٩/ ب العرب إلى القتال، فلم يقبلوا منه، وأسر منصور، وبدران، وجماعة/ أولاد ابن مزيد، وانهزم البساسيري على فرسه فلم ينجه، وضرب فرسه بنشابة فرمته [إلى] [٣] الأرض، وأدركه بعض الغلمان فضربه ضربة على وجهه ولم يعرفه، وأسره كمشتكين دواتي عميد الملك، وحز رأسه وحمله إلى السلطان، وساق الترك الظعن، وأخذت أموال عظيمة عجزوا عن حملها، وهلك من البغداديين الذين كانوا معهم خلق كثير، وأخذت أموالهم، وتبددوا في البراري والآجام، وأخذت العرب من سلم.
وقد ذكرنا أن أصحاب البساسيري دخلوا إلى بغداد في اليوم السادس من ذي القعدة وخرجوا منها في سادس ذي القعدة، وكان ملكهم سنة كاملة، واتفق إخراج الخليفة من داره يوم الثلاثاء [ثامن عشر كانون الثاني، ومقتل البساسيري يوم الثلاثاء] [٤] ثامن عشر كانون الثاني من السنة الآتية [٥] ، وهذا من الاتفاقات الظريفة.
стр. 5433
ولما حمل الرأس إلى السلطان حكى له الذي أسره أنه وجد في جيبه خمسة دنانير، وأحضرها، فتقدم السلطان إلى أن يفرغ المخ من رأسه ويأخذ الخمسة دنانير، ثم أنفذه حينئذ إلى دار الخلافة، فوصل في يوم السبت النصف من ذي الحجة، فغسل ونظف، ثم ترك على قناة، وطيف به من غد، وضربت البوقات والدبادب بين يديه، واجتمع من النساء والنفاطين [وغيرهم] [١] بالدفوف ومن يغني بين يديه، ونصب من بعد ذلك [٢] على رأس الطيار مدة [٣] بإزاء دار الخلافة، ثم أخذ إلى الدار.
وعرض في يوم السبت المذكور من الجو انقضاض كواكب كثيرة، ورعد شديد قبل طلوع الشمس بساعة، وكان ذلك مفرطا.
وهرب ابن مزيد إلى البطيحة ونجا معه ابن البساسيري وبنته/ وأخواه الصغيران ٣٠/ أووالدتهما، وكانت العرب سلبتهم فاستهجن ابن مزيد ذلك وارتجع ما أخذ، ثم هرب ابن البساسيري إلى حلب، ثم توسط أمر ابن مزيد مع السلطان، فأطلق أولاده وإخوته، وحضر فداس البساط، وأصعد معه إلى بغداد، ونهب العسكر ما بين واسط والبصرة والأهواز.
وفي هذا الشهر: أنفذ السلطان من واسط والدة الخليفة، ووالدة الأمير أبي القاسم عدة الدين بن ذخيرة الدين، ووصال القهرمانة، وكن في أسر البساسيري، فتبعهم جمع كثير من الرجال والنساء المأخوذين في الوقعة.
وفي هذا الشهر: عول من الديوان علي بن أبي علي الحسن بن عبد الودود بن المهتدي في الخطابة بجامع المنصور بدلا من أبي الحسن بن أحمد بن المهتدي، وعزلا له لأجل ما أقدما عليه في أيام البساسيري من تولى الخطبة في هذا الجامع لصاحب مصر.
قَالَ محمد بن عبد الملك الهمذاني: ولما عاد القائم من الحديثة لم ينم على
стр. 5434
وطاء، ولم يمكن أحدًا أن [١] يقرب إليه فطوره ولا طهوره، ولأنه نذر أن يتولى ذلك بنفسه، وعقد مع الله سبحانه العفو عمن أساء إليه والصفح، وجميع من تعدى عليه، فوفى بذلك، وأشرف في بعض الأيام على البناءين والنجارين في الدار، فرأى فيهم روزجاريا [٢] فأمر الخادم بإخراجه من بينهم، فلما كان في بعض الأيام عاد فرآه معهم، فتقدم إلى الخادم أن يبره بدينار، وأن يخرجه ويتهدده إن عاد، فأتاه الخادم ففعل ما رسم ٣٠/ ب له وقال: إن رأيناك [٣] ها هنا قتلناك/ فسئل الخليفة عن السبب فقال: إن هذا الروزجاري بعينه أسمعنا عند خروجنا من الدار الكلام الشنيع وتبعنا [٤] بذلك إلى المكان الذي نزلناه من مشهد باب التبن، ولم يكفه ذلك حتى نقب السقف، فإذا أنا بغباره، وتبعنا إلى عقرقوف [٥] فبدر من جهله ما أمسكنا عن معاقبته رجاء ثواب الله تعالى، وما عاقبت من عصى الله فيك بأكثر من أن تطيع الله فيه.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣٦١- أرسلان أبو الحارث، ولقب بالمظفر، وهو البساسيري التركي
[٦] .
كان مقدما علي الأتراك، وكان القائم بأمر الله لا يقطع أمرا دونه، فتجبر وذكر [٧] عنه أنه أراد تغيير الدولة، ثم أظهر ذلك وخطب للمصري، فجرى له ما ذكرنا في الحوادث إلى أن قتل.
стр. 5435
٣٣٦٢- الحسن بن علي بن محمد بن خلف بن سليمان، أبو سعيد الكتبي
[١] .
ولد سنة خمس وسبعين وثلاثمائة سمع من ابن شاهين وغيره، وكان صدوقا.
وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة.
٣٣٦٣- الحسن بن أبي الفضل، أبو علي الشرمقاني [٢] المؤدب
[٣] .
وشرمقان [٤] قرية من قرى نسا. نزل بغداد، وكان أحد حفاظ القرآن العالمين باختلاف القراء ووجوه القراءات، وحدث عن جماعة، وكان صدوقا.
وجرت له قصة ظريفة رواها [٥] محمد بن أبي الفضل [٦] الهمذاني، عن أبيه قَالَ: كان الشرمقاني المقرئ يقرأ على ابن العلاف، وكان يأوى إلى مسجد بدرب الزعفراني، فاتفق أن ابن العلاف رآه ذات يوم في وقت مجاعة، وقد/ نزل إلى دجلة، ٣١/ أوأخذ من أوراق الخس [٧] ما يرمى به أصحابه، وجعل يأكله، فشق ذلك عليه، وأتى إلى رئيس الرؤساء فأخبره بحاله، فتقدم إلى غلام له بالمضي إلى المسجد الذي يأوى إليه الشرمقاني، وأن يعمل لبابه مفتاحا من غير أن يعلمه، ففعل وتقدم أن يحمل في كل يوم ثلاثة أرطال خبزا سميذا ومعها دجاجة وحلوى وسكر، ففعل الغلام ذلك، وكان يحمله على الدوام، فأتى الشرمقاني في أول يوم فرأى ذلك في القبلة مطروحا، ورأى الباب مغلقا فتعجب، وقال في نفسه: هذا من الجنة ويجب كتمانه، وان لا أتحدث به، فإن من شرط الكرامة كتمانه، وأنشد:
من أطلعوه على سر فباح به ... لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا
فلما استوت حاله، وأخصب جسمه [٨] سأله ابن العلاف عن سبب ذلك وهو
стр. 5436
عارف به، وقصد المزاح معه، فأخذ يورى ولا يصرح، ويكنى ولا يفصح، ولم يزل ابن العلاف [١] يستخبره حتى أخبره أن الذي يجد في المسجد كرامة نزلت من الجنة، إذ لا طريق لمخلوق عليه. فقال ابن العلاف: يجب أن تدعو لابن المسلمة، فإنه هو الذي فعل ذلك، فنغص عليه عيشه، وبانت عليه شواهد الانكسار.
وتوفي الشرمقاني في صفر هذه السنة.
٣٣٦٤- الحسين [٢] بن أبي عامر، علي بن أبي محمد بن أبي سليمان [٣] أبو يعلى الغزال
[٤] .
حدث عن ابن شاهين، وكان سماعه صحيحا، وكان يسكن باب الشام.
وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة.
٣٣٦٥- حمدان بن سليمان بن حمدان، هو: أبو القاسم الطحان
[٥] .
حدث عن المخلص، والكتاني.
٣/ ب قَالَ الخطيب: كتبت عنه وكان صدوقا. توفي في ذي الحجة/ من هذه السنة.
٣٣٦٦- عبيد الله [بن أحمد] [٦] بن علي، أبو الفضل الصيرفي، يعرف: بابن الكوفي
[٧] .
سمع الكتاني والمخلص.
أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب قال: كتبت عنه وكان سماعه صحيحا، وكان من
стр. 5437
حفاظ القرآن، والعارفين باختلاف القراءات، ومنزله بدرب الدنانير من نواحي نهر طابق، وسمعته يذكر أنه ولد في سنة سبعين وثلاثمائة. وتوفي في هذه السنة.
٣٣٦٧- علي بن محمود بن إبراهيم بن ماخرة، أبو الحسن الزوزني
[١] .
وكان ماخرة مجوسيا، ولد أبو الحسن سنة ست وستين وثلاثمائة، وصحب أبا الحسن الحصري، وروى عن أبي عبد الرحمن السلمي، وصار شيخ الصوفية، والرباط المقابل لجامع المنصور ينتسب إلى الزوزني هذا، وإنما بني للحصري، والزوزني صاحب الحصري فنسب إليه، وكان يقول: صحبت ألف شيخ أحدهم الحصري، أحفظ عن كل شيخ حكاية.
توفي الزوزني في رمضان هذه السنة ودفن بالرباط.
٣٣٦٨- محمد بن علي بن الفتح [٢] بن محمد بن علي، أبو طالب الحربي، المعروف: بالعشاري
[٣] .
ولد في محرم سنة ست وستين وثلاثمائة، وكان جسده طويلا فقيل له: العشاري لذلك. وسمع من ابن شاهين، والدارقطني، وابن حبابة، وخلقا كثيرا، وكان ثقة دينا صالحا.
توفي ليلة الثلاثاء تاسع عشر [٤] جمادى الأولى من هذه السنة، وقد أناف عن الثمانين، ودفن بباب حرب.
стр. 5438
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة
فمن الحوادث فيها:
٣٢/ أ/ أن السلطان أصعد من واسط، فدخل بغداد في يوم الخميس السابع عشر من صفر وجلس له الخليفة فوصل إليه يوم الاثنين الحادي والعشرين من الشهر، فخلع عليه وحمل [١] إلى دار الخليفة على رواق الروشن المشرف على دجلة بعد أن أعيدت شرافاته التي قلعها البساسيري، ورم شعثه في يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من هذا الشهر سماطا حضر السلطان طغرلبك والأمراء أصحاب الأطراف ووجوه الأتراك والحواشي، وتبع ذلك سماط عمله السلطان في داره، وأحضر الجماعة في يوم الخميس ثاني ربيع الأول، وخلع على الأمراء من الغد، وتوجه إلى الجبل في يوم الأحد الخامس من الشهر، وتأخر بعده عميد الملك لتدبير الأمور، ودخل إلى الخليفة فودعه فشكره واعتد بخدمته، ولقبه سيد الوزراء مضافا إلى عميد الملك.
وفي سادس عشرين هذا الشهر: قبل قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني شهادة أبي بكر محمد بن المظفر الشامي.
وفي يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة: انقض كوكب عظيم القدر عند طلوع، الشمس من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق فطال مكثه [٢] .
وفي يوم الثلاثاء تاسع جمادى الآخرة: ورد الأمير عدة الدين أبو القاسم عبد الله
стр. 5439
ابن ذخيرة الدين، وجدته، وعمته وسنه يومئذ أربع سنين، مع أبي الغنائم/ ابن ٣٢/ ب المحلبان، واستقبله الناس وجلس في زبزب كبير، وعلى رأسه أبو الغنائم إلى باب الغربة، قدم له فرس فركبه [١] فحمله أبو الغنائم على كتفه فأركبه الفرس، ودخل به إلى الخليفة فشكره على خدمته له ثم خرج، وكان أبو الغنائم ابن المحلبان قد دخل إلى دار بباب المراتب في أيام البساسيري. فوجد فيها زوجة أبي القاسم ابن المسلمة وأولاده، وكان البساسيري شديد الطلب لهم، فقالوا له: قد تحيرنا وما ندري ما نعمل، ولما استشرنا صاحبنا أين نأخذ- يعنون ابن المسلمة- قال: ما لكم غير ابن المحلبان فخلطهم بحرمه، ثم أخرجهم إلى ميافارقين، وجاءه محمد الوكيل فقال له: قد علمت أن ابن الذخيرة وبنت الخليفة ووالدتها يبيتون في المساجد. وينتقلون من مسجد إلى مسجد مع المكدين، ولا يشبعون من الخبز، ولا يدفأون من البرد، وقد علموا ما قد فعلته مع بنت ابن المسلمة، فسألوني خطابك في مضائهم [٢] وقد ذكروا أنهم أطلعوا أبا منصور بن يوسف على حالهم، فأرشدهم إليك، وكان البساسيري قد أذكى العيون عليهم، وشدد في البحث عنهم، فلم يعرف لهم خبرا. فقال ابن المحلبان لمحمد الوكيل: واعدهم المسجد الفلاني حتى أنفذ زوجتي إليهم تمشي بين أيديهم إلى أن يدخلوا دارها.
ففعل وحمل إليهم الكسوة الحسنة، وأقام بهم وخاطر بذلك، فلما علموا بمجيء السلطان انزعجوا وقالوا: إن خوفنا من هذا كخوفنا من البساسيري لأجل أن خاتون ضرة لجدة هذا/ الصبي، تكره سلامته، فأخرجهم إلى قريب من سنجار، ثم حملهم إلى ٣٣/ أحران، فلما سكنت الثائرة مضى وأقدمهم إلى بغداد.
وفي جمادى الآخرة: وقع في الخيل والبغال موتان، وكان مرضها نفخة العينين والرأس وضيق الحلق.
وفي رجب: وقف أبو الحسن محمد بن هلال الصابي دار كتب بشارع ابن أبي عوف من غربي مدينة السلام، ونقل إليها نحو ألف كتاب.
стр. 5440
وكان السبب أن الدار التي وقفها سابور الوزير بين السورين احترقت، ونهب أكثر ما فيها، فبعثه الخوف على ذهاب العلم أن وقف هذه الكتب.
وفي شعبان: ملك محمود بن نصر حلب والقلعة، فمدحه ابن أبي حصينة فقال:
صبرت على الأهوال صبر ابن حرة ... فأعطاك حسن الصبر حسن العواقب
وأتعبت [١] نفسا يا ابن نصر نفيسة ... إلى أن أتاك النصر من كل جانب
وأنت امرؤ تبني العلى غير عاجز ... وتسعى إلى طرق الردى غير هائب
تطول بمحمود بن نصر وفعله ... كلاب كما طالت تميم بحاجب
وعاد طغرلبك إلى الجبل في هذه السنة بعد أن عقد بغداد وأعمالها على أبي الفتح المظفر بن الحسين العميد في هذه السنة بمائة ألف دينار، ولسنتين بعدها بثلاثمائة ٣٣/ ب ألف دينار، فشرع العميد في عمارة سوق الكرخ/، وتقدم إلى من بقي من أهلها بالرجوع إليها، ونهاهم عن العبور إلى الحريم والتعايش [٢] فيه، وابتدأت العمارة ثم تزايدت مع الأيام حتى عاد السوق كما كان دون الدروب والخانات. والمساكن.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣٦٩- باي [٣] بن جعفر بن باي، أبو منصور الجيلي الفقيه
[٤] :
أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب قَالَ: سكن باي بغداد، ودرس فقه الشافعي على أبي حامد الأسفراييني، وسمع من أبي الحسن بن الجندي، وأبي القاسم الصيدلاني، وعبد الرحمن بن عمر بن حمة الخلال، كتبنا عنه وكان ثقة، وولى القضاء بباب الطاق وبحريم دار الخلافة، ومات في المحرم سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة.
стр. 5441
٣٣٧٠- الحسن بن أبي الفضل، أبو محمد النسوي الوالي
[١] .
سمع الحديث من ابن حبابة، والمخلص. وحدث بشيء يسير، وكانت له في شغله فطنه عظيمة.
وحدثني أبو محمد المقرئ قَالَ: كان أصحابه أصحاب الحديث إذا جاءوا إلى ابن النسوي يقول: ويلكم، هذا سمعناه على أن يكون فينا خير.
وسمع [٢] ليلة صوت برادة تحط، وكان ذلك في زمان الشتاء، فأمر بكبس الدار فوجدوا رجلا مع امرأة، فسألوه من أين علمت؟ فقال: برادة لا تكون في الشتاء، وإنما هي علامة بين اثنين.
قَالَ: وأتى بجماعة متهمين فأقامهم بين يديه، واستدعى بكوز ماء، فلما جيء به شرب ثم رمى بالكوز من يده، فانزعجوا إلا واحدًا منهم، فإنه لم يتغير، فقال: خذوه فأخذوه، فكانت العملة معه. فقيل له: من أين علمت؟ فقال: اللص يكون قوي القلب.
وشاع عنه أنه كان/ يقتل أقواما ويأخذ أموالهم، وقد ذكرنا فيما تقدم أنه شهد قوم ٣٤/ أعند أبي الطيب الطبري على ابن النسوي أنه قتل جماعة، وأن أبا الطيب حكم بقتله فصانع بمال فرق على الجند وسلم. وتوفي في رجب هذه السنة.
٣٣٧١- قطر الندى
[٣] .
والده الخليفة القائم بأمر الله، هكذا سماها أبو القاسم التنوخي. وقال أبو الحسن [٤] بن عبد السلام: اسمها بدر الدجى. وقال غيرهما: اسمها علم.، وكانت جارية أرمينية توفيت ليلة السبت الحادي عشر من رجب، وقدم تابوتها وقت المغرب فصلى عليها الخليفة بمن حضر في الرواق بصحن السلام بعد صلاة المغرب [٥] ،
стр. 5442
وحملت إلى الترب بالرصافة، وجلس للعزاء [بها في بيت النوبة] [١] .
٣٣٧٢- محمد بن الحسين [بن محمد بن الحسن] [٢] بن علي بن بكران، أبو علي، المعروف بالجازري النهرواني
[٣] .
حدث عن المعافى بن زكريا [٤] وغيره، وكان صدوقا.
وتوفي فِي ربيع الأول من هذه السنة.
٣٣٧٣- محمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن عمرو بن [٥] أبو الفضل البزاز
[٦] .
كان من القراء المجودين وسمع أبا القاسم بن حبابة، وابن شاهين، والمخلص، وغيرهم، وانتهت الفتوى في الفقه على مذهب مالك إليه، وكان دينا ثقة، وقبل قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني شهادته.
وتوفي في محرم هذه السنة.
стр. 5443
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
[حملت أرسلان خاتون زوجة الخليفة إلى السلطان طغرلبك]
/ أن أرسلان خاتون زوجة الخليفة حملت إلى السلطان طغرلبك في يوم البساسيري ٣٤/ ب على ما سبق ذكره، فأريد ردها إلى دار الخليفة والسلطان يعد بذلك ولا ينجزه، ثم خطب طغرلبك بنت الخليفة لنفسه بعد موت زوجته، وكانت زوجته سديدة عاقلة، وكان يفوض أمره إليها فأوصته [١] قبل موتها بمثل هذا، واتفق أن قهرمانة الخليفة لوحت للسلطان بهذا، وقد نسب إلى عميد الدولة أيضا، فبعث أبا سعد بن صاعد يطلب هذا، فثقل الأمر على الخليفة وانزعج منه، فأخذ ابن صاعد يتكلم في بيت النوبة بكلام يشبه التهدد إن لم تقع الإجابة. فقال الخليفة، هذا ما لم تجر العادة به، ولم يسم أحد من الخلفاء مثله، ولكن ركن الدين أمتع الله به عضد الدولة والمحامي عنها وما يجوز أن يسومنا هذا، ثم أجاب إجابة خلطها بالاقتراحات التي ظن أنها تبطلها، فمنها: تسليم واسط وجميع ما كان لخاتون من الأملاك والإقطاع والرسوم في سائر الأصقاع وثلاثمائة ألف دينار عينا منسوبة إلى المهر، وأن يرد السلطان إلى بغداد و [يكون] [٢] مقامه فيها، ولا يحدث نفسه بالرحيل عنها.
فقال العميد أبو الفتح: أما الملتمس وغيره فمجاب إليه من جهتي عن السلطان، ولو أنه أضعافه، فإن أمضيتم الأمر، وعقدتم العهد سلم جميعه، وأما مجيء السلطان
стр. 5444
إلى بغداد ومقامه فيها فهذا أمر لا بد من عرضه عليه، وأخذ رأيه فيه.، وندب للخروج إلى الري في ذلك أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب، وأصحب تذكرة بذلك، ورسم له ٣٥/ أالخطاب/ على الاستقصاء في الاستعفاء، فإن تم فهو المراد، وإلا عرضت التذكرة.
وأنفذ طراد بن محمد الزينبي نقيب الهاشميين في ذلك أيضا، وأنفذ أبو نصر غانم صاحب قريش بن بدران برسالة من الخليفة إلى السلطان في معنى قريش، وإظهار الرضا عنه، والتقدم برد أعماله المأخوذة منه، وكان قد بذل للخليفة عند تمام ذلك عشرة آلاف دينار، وحلف له الخليفة على صفاء النية، وخلوص السريرة، والتجاوز عما مضى.
فلما وصل القوم وقد حملوا معهم الخلع للسلطان، فقام حين وضعت بين يديه وخدم، ثم استحضروا في غد، وطيف بهم في مجالس الدار حتى شاهدوا المفارش والآلات، وقيل لهم: هذا كله للجهة الملتمسة، وكان من جملة ذلك بيت في صدره دست مؤزر، ومفروش بالنسيج، ووسطه سماط من ذهب فيه تماثيل المحكم والبلور والكافور والمسك والعنبر، يوفي وزن ما في السماط على أربعمائة ألف دينار [وبيت مثله يوفي ما فيه على مائة ألف دينار] [١] في أشياء يطول شرحها فاجتمع أبو محمد التميمي بعميد الملك وفاوضه في ذلك الأمر وعرض عليه التذكرة، فقال له: هذه الرسالة والتذكرة لا يحسن عرضها، فإن الامتناع لا يحسن في جواب الضراعة، ولا المطالبة بالأموال في مقابلة الرغبة في التجمل، ومتى طرق هذا سمع السلطان، حتى يعلم أن الرغبة في الشيء لا فيه، والإيثار للمال لا له تغيرت نيته، وهو يفعل في جواب الإجابة أكثر مما يطلب منه. فقال له أبو محمد الأمر إليك، ومهما رأيت فافعل.
فطالع السلطان بذلك، فسر وأعلم الأكابر [به] [٢] ثم تقدم إلى عميد الملك بأن ٣٥/ ب يأخذ خط/ التميمي بذلك، فراسله بأن السلطان قد شكر ما أعلمته من خدمتك في هذا الأمر، وتقدم بالمسير فيه، وأريد أن تكتب خطك بذاك لأطلعه عليك، فكتب خطه بمقتضى الرسالة والتذكرة، فشق ذلك على عميد الملك.
стр. 5445
[قبول قاضي القضاة الدامغانيّ شهادة الشريف أبي جعفر]
وفي يوم الثلاثاء ثاني ربيع الأول: قبل قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني شهادة الشريف أبي جعفر بن أبي موسى الهاشمي، وأبي علي يعقوب بن إبراهيم الحنبلي.
[ورود أرسلان خاتون إلى دار الخلافة]
وفي يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الأولى: وردت أرسلان خاتون إلى دار الخلافة ومعها عميد الملك أبو نصر وقاضي الري، وفي الصحبة المهر والجهاز الجديد [١] ، وأمر الوصلة بابنة الخليفة، وبعث مائة ألف دينار منسوبة إلى المهر، وأشياء كثيرة من آلات الذهب، والفضة، والحلي، والنثار، والجواري، والكراع، وألفان ومائتان وخمسون قطعة من [الجوهر من] [٢] جملتها سبعمائة وعشرون قطعة وزن الواحدة ما بين ثلاثة مثاقيل إلى مثقال، فبان للخليفة أن الشروط التي شرطها [٣] [مع أبي محمد التميمي] [٤] والاقتراحات لم يكن عنها جواب محرر، والمهر إنما حمل منه مائة ألف مثقال [٥] ، وقبح للخليفة الأمر من كل جهة، وقيل: إنه تشنع فيه ما لا خفاء به، إذ كان ما لم تجربه عادة أحد من الملوك بأحد من الخلفاء مثله، فامتنع من العقد وقال: إن أعفيت، وإلا خرجت من البلد.
[إطلاق عميد الملك لسانه بالقبيح ووصوله إلى الخليفة]
وأطلق عميد الملك لسانه بالقبيح وقال: قد كان يجب أن يقع [٦] الامتناع في أول الأمر، ولا يكون اقتراح وتذكرة. ثم غضب واخرج نوبه فضربها بالنهروان، وسأله قاضي القضاة وأبو منصور بن يوسف التوقف، وكاتبا الخليفة وأرهباه/ وساقا الأمر إلى العقد ٣٦/ أعلى أن يشهد عميد الملك وقاضي الري بحكم وكالتهما في هذا الأمر [٧] على نفوسهما أنهما لا يطالبان بالجهة المطلوبة مدة أربع سنين، ثم استفتى الفقهاء في ذلك، فقال الحنفيون: العقد يصح والشرط يلغو. وقال الشافعيون: العقد يبطل إذا دخله شرط.
ووصل عميد الملك إلى الخليفة في ليلة الجمعة ثامن جمادى الآخرة فوعظه
стр. 5446
ونهاه عما قد لج فيه، فقال: نحن نحضر جماعة من الواردين صحبتك، ونرد هذا الأمر إلى رأيك وتدبيرك، فيظهر جلوسنا وإجابتنا للخاص والعام، وتكفينا أنت بحسن نياتك في هذا الأمر في الباطن، ففيه الغضاضة والوهن، ولم تجر لبني العباس بمثله عادة من قبل.
وجاء كتاب من السلطان إلى عميد الملك يأمره بالرفق، وأن لا يخاطب في هذا الأمر إلا بالجميل، وذلك في جواب كتاب من الديوان إلى خمارتكين يشكو [١] فيه مما يجري من عميد الملك، ويؤمر بإطلاع السلطان عليه، فعاد جواب خمارتكين أن السلطان غير مؤثر لشيء مما يجري، ولا يكرهه [٢] على هذه الحال، فبقيت الحال على ما هي عليه، وعميد الملك يقول ويكثر، والخليفة يحتمل ويصبر، وجاء يومأ إلى الديوان بثياب بيض، وتوسط الأمر قاضي القضاء الدامغاني، وأبو منصور بن يوسف، واستقر الأمر على أن كتب الخليفة لعميد الملك: إننا قد استخلفناك على هذا الأمر ٣٦/ ب ورضينا بك فيما تفعله، مما يعود بمرضاتنا ومرضاة ركن الدين، فاعمل في/ ذلك برأيك الصائب الموفق، تزجية للحال، ودفعا بالأيام، وترقبا لأحد أمرين: إما قناعة السلطان بهذا الأمر، أو طلب الإتمام، فلا يمكن المخالفة.
ثم دخل عميد الملك يوما إلى الخليفة ومعه قاضي القضاة وجماعة من الشهود، وقال: أسأل مولانا أمير المؤمنين التطول بذكر ما شرف به ركن الدين الخادم الناصح فيما رغب فيه، وسمت نفسه إليه ليعرفه الجماعة من رأيه الكريم، وأراد أن يقول الخليفة ما يلزمه به الحجة بالإجابة. ففطن لذلك فقال: قد شرط في المعنى ما فيه كفاية، والحال عليه جارية. فانصرف مغتاظا، ورحل في عشية يوم الثلاثاء السادس والعشرين من جمادى الآخرة، ورد المال والجواهر والآلات إلى همذان، وبقي الناس وجلين من هذه المنازعة.
[انكساف الشمس جميعها]
وفي يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى على ساعتين منه: انكسفت
стр. 5447
الشمس جميعها، وأظلمت الدنيا وشوهدت الكواكب [١] كلها، وسقطت الطيور في طيرانها، وكان المنجمون قد زعموا أنه يبقى سدسها فلم يبق منها شيء، وكان انجلاؤها على أربع ساعات وكسر، ولم يكن الكسوف في غير بغداد وأقطارها عاما في جميع الشمس.
وفي رجب: ورد رسول من عميد الملك يذكر أن كتاب السلطان ورد عليه بأن الخليفة إن لم يجب إلى الوصلة التي سألناها فطالبه بتسليم أرسلان خاتون إليك وأعدها معك، لأسير بنفسي وأتولى الخطاب على هذا، وأنه أراد العود من الطريق لفعل ما رسم له من [٢] / هذا، فخاف أن لا ينضبط له العسكر إذا عادوا إلى بغداد ويقول: إني قد ٣٧/ أأعدت هذا الرسول لحمل أرسلان خاتون إلى دار المملكة إلى حين اجتماعي بالسلطان وإصلاح هذه القصة، وكاتب أرسلان بمثل ذلك وبانتقالها عن الدار، فتجدد الإنزاع والخوف، ودافع الخليفة عن الجواب، وتبسط أصحاب في أشياء توجب خرق الحرمة [٣] فأظهر الخليفة الخروج من بغداد، وتقدم بإصلاح الطيار فحل صفره، ورم شعثه، وانزعج الناس من ذلك وخافوا، فنودي فيهم أنه ما يبرح فسكتوا، ثم جاء أمر السلطان إلى شحنته ببغداد يأمره بما يوجب دفع المراقبة، وقيل في ذلك، وهذا في مقابلة خرق حرمتنا، ورد أصحابنا على أقبح حال، وإلى السيدة أرسلان [٤] بالانفصال عن الدار العزيزة، والمقام في دار المملكة إلى أن يرد من يسيرها، وأدخلوا أيديهم في الجواري، فروسلوا بأن هذا يقبح فأمسكوا.
[خلع في بيت النوبة على طراد الزينبي]
وفي يوم الخميس [٥] لأربع بقين من رجب: خلع في بيت النوبة على طراد الزينبي [٦] ، وردت إليه نقابة العباسيين، وتقلد نقابة الطالبيين أبو الفتح أسامة بن أبي عبد الله بن أحمد بن على بن أبي طالب العلويّ، وانحدر من بغداد إلى البصرة،
стр. 5448
واستخلف ببغداد أخاه أبا طالب [١] ، وضمن أبو إسحاق إبراهيم بن علان اليهودي جميع ضياع الخليفة من واسط إلى صرصر مدة سنة واحدة بستة وثمانين ألف دينار وسبعة عشر ألف كر، وسبع مائة كر.
وفي سابع رمضان: رأى إنسان زمن طويل المرض من نهر طابق رسول الله ﷺ / ٣٧/ ب في المنام قائما مع أسطوانة، وقد جاءه ثلاثة [٢] أنفس، فقالوا له: قم فإن رسول الله ﷺ قائم، فقال لهم، أنا زمن، ولا يمكنني الحركة. فقالوا: هات يدك. وأقاموه فأصبح معافى [٣] يمشي في حوائجه ويتصرف في أموره.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣٧٤- أحمد بن مروان، أبو نصر الكردي
[٤] .
صاحب ديار بكر، وميافارقين، لقبه القادر: نصر الدولة، فاستولى على الأمور بديار بكر وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، وعمر الثغور وضبطها، وتنعم تنعما لم يسمع به عن أحد من أهل زمانه [٥] ، وملك من الجواري والمغنيات ما اشترى بعضهن بخمسة آلاف دينار، واشترى منهن بأربعة عشر ألفا، وملك خمسمائة سرية سوى توابعهن، وخمسمائة خادم، وكان يكون في مجلسه من آلات [٦] الجواهر ما تزيد قيمته على مائتي ألف دينار، وتزوج من بنات الملوك جملة، وكان إذا قصده عدو يقول: كم يلزمني من النفقة [على قتال هذا] [٧] فإذا قالوا: خمسون ألفًا بعث بهذا القدر أو ما يقع عليه
стр. 5449
الاتفاق، وقال: أدفع هذا إلى العدو وأكفه بذلك، وآمن على عسكره [١] من المخاطرة، وأنفذ للسلطان طغرلبك هدايا عظيمة، ومنها: الجبل الياقوت الذي كان لبني بويه، وابتاعه من ورثة الملك أبي منصور بن أبي طاهر، وأنفذ مع ذلك مائة ألف دينار عينا، ووزر له أبو القاسم المغربي نوبتين، ووزر له أبو نصر محمد بن محمد بن جهير، ورجت الأسعار في زمانه، / وتظاهر الناس بالأموال، ووفد إليه الشعراء، وسكن عنده ٣٨/ أالعلماء والزهاد، وبلغه أن الطيور في الشتاء تخرج من الجبال إلى القرى فتصاد، فتقدم بفتح الأهراء وأن يطرح لها من الحب ما يشبعها، فكانت في ضيافته طول عمره.
توفي في هذه السنة عن سبع وسبعين، وقيل عبر الثمانين سنة، وكانت إمارته اثنتين وخمسين سنة.
стр. 5450
ثم دخلت سنة اربع وخمسين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه خرج في يوم الخميس غرة صفر أبو الغنائم بن المحلبان إلى باب السلطان طغرلبك من الديوان العزيز بالإجابة إلى الوصلة. وكان السبب أن الكتب وردت من السلطان إلى بغداد وواسط والبصرة بإدخال اليد في الإقطاع المفردة لوكلاء الدار العزيزة، والحواشي، والأصحاب، وإلى أصحاب الأطراف وغيرهم، بتعديد ما فعل من الجميل دفعة بعد دفعة، وما كان من المقابلة في الرد عما وقعت الرغبة فيه على أقبح حال، وخرج الكلام في ذلك إلى ما ينافى قانون الطاعة ومقتضى الخدمة، وقطعت المكاتبة إلى الديوان، ووصل الكتاب [١] إلى قاضي القضاة عنوانه: «إلى قاضي القضاة من شاهنشاه المعظم ملك المشرق والمغرب، محيي الإسلام، خليفة الإمام، يمين خليفة الله أمير المؤمنين» ، فكان في الكتاب أن قاضي القضاة يعلم أن تلك الوصلة لم ٣٨/ ب تكن جفوة/ قصدناها حتى يستوجب قبح المكافأة على جميع ما قدمناه من المؤاثرات، وإن كنا لا نؤهل للإجابة، ولا نحض بالمساءة، وليس يخفي على العوام ما قدمناه من الاهتمام، وأوجبناه من الإنعام، وأظهرناه من التذلل والخضوع الذي ما كان لنا به عهد ظننا بأننا نتقرب إلى الله تعالى بذلك، فصارت كلها [وبالا علينا] [٢] ولكنا واثقون بصنع الله تعالى أنه لا يضيع جميل أفعالنا ونرى سوء المغبّة لمن يضمر لنا [٣] سوءا فينا،
стр. 5451
واقتضى الرأي استرداد جميع ما كان للديوان الخاص وقصر أيدي [١] وكلاء تلك الجهة عنها، ليقصروا على ما كان لهم يوم وردت راياتنا العراق، فيجب أن نشير عليهم بالتخلية عنها، وترك المراجعة فيها فإنّها [٢] لا تفيد [٣] غير الجدال والنزاع، وقد خاطبنا الشيخ الزكي أبا منصور بن يوسف بكتاب أشبعنا فيه القول، فيجب أن يتأمله ويعمل به، لئلا يتكرر الكلام، والسلام. وكتب في منتصف شعبان سنة ثلاث وخمسين.
ثم ما زالت المشورة على الخليفة بما في هذا الأمر قبل أن لا يتلافى، فعين على أبي الغنائم بن المحلبان في الخروج إلى السلطان واستسلال ما حصل في نفسه، فقال:
متى لم يقترن بخروجي إليه إجابته إلى غرضه من الوصلة كان قصدي زائدا في غيظه، وتوقف عن الخروج، ودافع واتسع الخرق بما قصد به الخليفة من الأذى، فأجاب حينئذ مكرها بعد أن يمنع ثلاث سنين، وكتب وكالة لعميد الملك في العقد، وأذن في الوصول لقاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني، وأبي منصور/ بن يوسف حتى شهدا بما سمعاه ٣٩/ أمن الإجابة، وخرج أبو الغنائم، وورد بعد خروجه بخمسة أيام ركابية بكتب تتضمن رد الأقطاع إلى وكلاء الدار العزيزة، وكثر الاعتذار مما جره سوء المقدار من تلك الأسباب المكروهة، والتقدم بإنفاذ أبي نصر بن صاعد رسولا بخدمة وهدية ومشافهة بالتنصل مما جرى، وشاع هذا فطابت النفوس ووقعت البشائر في الدار العزيزة، وخلع منها على الركابية، وضربت الدبادب والبوقات بين أيديهم، وطيف بهم في البلد، وأعيد الإقطاع إلى أيدي الوكلاء.
وورد كتاب من عميد الملك إلى أبي منصور بن يوسف يخبره بأن تلك اللوثة زالت من غير مذكر، بل برأي رآه السلطان حسما لقالة [٤] تظهر، أو عدو يشمت وكوتب أبو الغنائم بن المحلبان بالتوقف حيث وصل من الطريق إلى أن يصل أبو نصر بن صاعد ويصدر [٥] في صحبته على ما يقتضيه جوابه، ورسم له طي ذلك وستره، فوصله الأمر
стр. 5452
وهو بشهرزور، فأقام متعللا بالأمطار والثلوج، وجرح ساقه، ثم أظهر أن مادة قد نزلت فمنعته من الركوب.
[ورود سيل شديد ليلا ونهارا]
وفي ربيع الأول: وكان ذلك في السابع عشر من آذار، ورد سيل [١] شديد ليلا ونهارا، فوقف الماء في الدروب، وسقطت منه الحيطان، واتصل المطر والغيم بقية آذار وجميع نيسان، حتى لم يجد يوم ذاك، وكان في أثنائه من البرد الكبار ما اهلك كثيرا من الثمار، ووزنت واحدة فإذا فيها رطل، وتحدث المسافرون أنه كان مثل ذلك ٣٩/ ب بفارس، والجبال/، وأعمال الثغور، وأنه قد ورد مطر بسنجار [٢] ثمانين يوما متوالية ما طلعت فيها الشمس، وجاء سيل على حلد الأكراد فأقلعتها، وشوهدت الخيل المقيدة [٣] غرقى على رأس الماء.
[زيادة دجلة إحدى وعشرين ذراعا]
وفي هذا الشهر: زادت دجلة فبلغت الزيادة إحدى وعشرين ذراعا، ورمت عدة دور، وعملت السكور على نهر معلى، وباب المراتب، وباب الأزج، والزاهر، وخرج الخليفة من باب البشري إلى دجلة ليلا، وغمس [٤] القضيب النبوي في الماء دفعتين، فكان ينقص ثم يزيد بعد.
وزادت تامرا اثنين وعشرين ذراعا وكسرا، وكانت زيادته المعروفة ثمانية ذراعا [٥] وتفجرت فيه بثوقه، ودار الماء من جلولا وتامرا على الوحش فحصرها، فلم يكن لها مسلك، فكان أهل السواد يسبحون فيأخذونه بأيديهم، فيحصل للواحد منهم في اليوم مائتي رطل لحما.
وفي ربيع الآخر: عطلت المواخير وغلقت، ونودي بإزالتها، وكان السبب أنه كثر الفساد وشرب الخمر، وشرب رجل يهودي وتغنى بالقرآن.
ولما طالت أيام أبي الغنائم [٦] بن المحلبان في تأخره ببلد شهرزور عن السلطان
стр. 5453
علم أنه أمر بالتوقف، فحرك الخليفة بأن أنفذ [١] كتابا إلى الجهة الخاتونية مع جابر بن صقلاب، يتضمن اشتياقا إليهم، وإيثارا لمشاهدتها، ورسم لها المسير [٢] إليه، والخروج [٣] من دار الخلافة على أي حال أوجبته ومضيق [٤] العذر في التأخر وكتاب إلى الحاجب ترمس بملازمتها إلى أن تسير وتردد الخطاب في السبب/ الموجب لذلك، ٤٠/ أإلى أن أفصح به ابن صقلاب، وأنه بسبب تأخر أبي الغنائم بن المحلبان، فقيل: إنما توقف لانتظارنا ابن صاعد الرسول الذي ذكرتم إنفاذه إلى بابنا لنسمع رسالته، ويكون إنفاذهما جميعا، وحيث تأخر ذلك، وأوجب هذا الاستشعار، فنحن نكاتب ابن المحلبان ونأمره بالإتمام، ففعل ذلك.
[عقد السلطان على السيدة بنت الخليفة]
وفي يوم الخميس ثالث عشر شعبان: كان العقد للسلطان على السيدة بنت الخليفة بظاهر تبريز، فكتب ابن المحلبان إلى الخليفة يخبره أنه عمل سماط عظيم، وأنه قرأ [٥] نسخة التوقيع الشريف إلى السلطان على الناس والسلطان حاضر، وأنه سلم الوكالة إلى عميد الملك فقبلها، ورفع يده بها إلى السلطان، فقام عند مشاهدتها وقبلها وقبل الأرض ودعا، ثم أعادها إلى عميد الملك فقرأها، وقد رسم فيها تعيين المهر وهو: أربعمائة ألف دينار، فارتفعت الأصوات بالدعاء للخليفة، وعقد العقد ونثر الذهب واللؤلؤ، وتكلم السلطان بما معناه الشكر والدعاء، وأنه المملوك القن الذي قد سلم نفسه ورقه وما حوته يده وما يكسبه باقي عمره إلى الخدمة الشريفة.
ونفذ في شوال خدمة للديوان العزيز تشتمل على ثلاثين غلاما أتراكا على ثلاثين فرسا، وخادمين، وفرس بمركب وسرج من ذهب مرصع بالجواهر الثمينة، وعشرة آلاف دينار/ للخليفة، وعشرة آلاف دينار لكريمته، وعقد جوهر فيه نيف وثلاثون حبة في كل ٤٠/ ب حبة مثقال، وجميع ما كان لخاتون المتوفاة من الاقطاع بالعراق، وثلاثة آلاف دينار
стр. 5454
لوالدتها، وخمسة آلاف للأمير عدة الدين، فتولت أرسلان خاتون تسليم ذلك.
ووردت الكتب في ذي القعدة بتوجيه السلطان إلى بغداد.
وفي ذي الحجة: كثر الإرجاف بالسلطان طغرلبك ووفاته، واختلط الناس إلى أن جاءت البشارة بعد أيام بسلامته من مرض شديد.
وفي هذه السنة: عم الرخص جميع الأصقاع، وبيع بالبصرة كل ألف رطل تمر بثمانية قراريط.
وفيها: عزل أبو الفتح محمد بن منصور بن دارست عن وزارة القائم، واقبل أبو منصور محمد بن محمد بن جهير من ميافارقين وقد سفر له في الوزارة تقلدها، ولقب فخر الدولة شرف الوزراء.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣٧٥- ثمال بن صالح، الملقب: بمعز الدولة صاحب حلب
[١] .
كان كريما فأغنى أهل البلد، وكان حليما، بينا الفراش يصب عليه ضربت بلبلة الإبريق ثنيته فسقطت في الطست فعفا عنه، فقال له ابن أبي حصينة:
٤١/ أ/
وسن العدل في حلب فأخلت ... بحسن العدل بقعته البقاعا
حليم عن جرائمنا إليه ... وحي عن ثنيته انقلاعا
مكارم ما افتدى فيها بخلق ... ولكن ركبت فيه طباعا
إذا فعل الكريم بلا قياس ... فعالا كان ما فعل ابتداعا
٣٣٧٦- الحسن بن علي بن محمد، أبو محمد الجوهري، ويعرف: بابن المقنعي
[٢] :
стр. 5455
[أخبرنا ابن ناصر، عن أبي محمد بن طاهر المقدسي قال: سمعتهم يقولون ان أول من يضع تحت العمامة كما يفعل العدول اليوم ببغداد] [١] . ولد [الحسن] [٢] في شعبان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وكان يسكن درب الزعفراني، وهو شيرازي الأصل، وسمع الكثير، وأول إملائه [في رمضان] [٣] سنة إحدى وأربعين، وختم الإسناد وهو آخر من حدث عن أبي بكر بن مالك القطيعي، وابن صالح الأبهري، وابن العباس الوراق، وابن شاذان، وابن أيوب القطان، وابن إسحاق الصفار، وعن أبي الحسن ابن كيسان النحوي، وابن لؤلؤ أبي الحسن الجراحي، وابن إسماعيل الأنباري، وابن أبي عزة العطار، وابن العباس الرفاء، وابن أبي القصب الشاعر وأبيه أبي الحسن الجوهري، وعن أبي عبيد الله الحسين [٤] بن الضراب، وابن بطة، وابن مروان الكوفي، وابن مهدي الأزدي، وابن عبيد الدقاق، وعن أبي القاسم الخرقي، وابن جعفر المقرئ، وطلحة الشاهد، وعن أبي جعفر بن الجهم الكاتب، وابن العباس الجوهري، وعن أبي محمد بن عبد الله بن ماهود [٥] الأصبهاني، وعبد العزيز بن أبي صابر، وعن أبي علي العطشي، والفارسي، وعن أبي [٦] العباس بن حمزة الهاشمي، وابن مكرم المعدل، وعن أَبِي الْحَسَن [٧] بْن يعقوب المقرئ، وأبي حفص جعفر بن علي القطان، وأبي ٤١/ ب سعيد بن الوضاح: وكان ثقة أمينا، وتوفي في ذي القعدة من السنة. ودفن في الجانب الشرقي من مقبرة باب أبرز.
٣٣٧٧- الحسين بن أبي زيد، أبو علي الدباغ، واسم أبي زيد: منصور، وأصله من الصّغد
[٨] .
стр. 5456
سمع سفيان بن عيينة، ووكيعا [١] ، وأبا معاوية في آخرين. روى عنه الباغندي، وكان من الثقات.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ محمد القزاز، أخبرنا أحمد بن على بن ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ الضَّبِّيُّ [٢] قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا [الْحَسَنِ] [٣] السَّرَّاجَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ [٤] بْنَ أَبِي زَيْدٍ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في المنام فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَنِي عَلَى الإسلام. فقال: إيه [٥] وَالسُّنَّةِ، وَجَمَعَ إِبْهَامَهُ وَسَبَّابَتَهُ [٦] وَحَلَّقَ حَلْقَةً، وَقَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: «وَالسُّنَّةِ، وَالسُّنَّةِ، وَالسُّنَّةِ» .
توفي في شوال هذه السنة.
٣٣٧٨- سعد بن محمد بن منصور، أبو المحاسن الجرجاني
[٧] .
كان رئيسا في أيام والده في سنة عشر وأربعمائة فدرس الفقه وتخرج علي يده جماعة، وروى الحديث، ووجه رسولا إلى محمد بن سبكتكين، فخرج وعقد له مجلس النظر في جميع البلدان بنيسابور وهراة وغزنة، وقتل ظلما بأستراباذ في رجب هذه السنة. ﵀ وإيانا وجميع المسلمين آمين [٨] .
стр. 5457
ثم دخلت سنة خمس وخمسين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
أن السلطان وصل إلى [إزاء] [١] القفص فعزم الخليفة على تلقيه، فاستعفى فأعفى من ذلك، فأخرج إليه الوزير أبو منصور، فلما دخل العسكر نزلوا في دور الناس وأخرجوهم، وأوقدوا أخشاب الدور لبرد عظيم كان، وكانوا يتعرضون لحرم الناس، حتى إن قوما من الأتراك صعدوا إلى جامات حمام ففتحوها وطالعوا النساء، ثم نزلوا فهجموا عليهن فأخذوا من أرادوا منهن، وخرج الباقيات عراة إلى الطريق، فاجتمع الناس وخلصوهن من أيديهم، فعلوا هذا بحمامين.
وجاء عميد الملك إلى دار الخلافة وخدم عن السلطان فأوصله الخليفة وخاطبه بالجميل، وأعطاه عدة أقطاع ثياب تشريفا له، وتردد الخطاب في نقل الجهة إلى دار المملكة، وبعث السلطان إلى الجهة بخاتمه، وكان ذهبا وعليه فص ماس وزنه درهمان، وبعث جبتين في سستحة [٢] ، ولازم عميد الملك المطالبة بها حتى بات في الديوان، فكان مما قاله الخليفة: يا منصور بن محمد، أنت كنت تذكر أن الفرض في هذه الوصلة التشرف بها، والذكر الجميل، وكنا نقول لك: إننا ما نمتنع من ذاك إلا خوفا من المطالبة بالتسليم، وجرى ما قد علمته، ثم أخرجنا ابن المحلبان، وقرر [معكم] [٣]
стр. 5458
٤٢/ ب قبل العقد ما أخذ به خطك، وأنه إن كان يوما ما يطالبه برؤية واجتماع كان ذلك/ في الدار العزيزة النبوية، ولم يسم إخراج هذه الجهة من دارنا، فقال عميد الملك: هذا جميعه صحيح، والسلطان مقيم عليه وعازم على الانتقال إلى هذه الدار العزيزة حسب ما استقر، وهو يسأل أن يفرد لحجابه وغلمانه [وخواصه] [١] فيها مواضع يسكنونها، فما يمكنه [٢] بعدهم عنه، فقطع بهذا الكلام الحجة، ثم راجع وكرر إلى أن استقر انتقالها إلى دار المملكة على أن لا تخرج من بغداد، وأن تكون بها إذا سافر السلطان، وأحضر قاضي القضاة الدامغاني حتى استخلفه على الاجتهاد في ذلك.
وحمل السلطان إلى الخليفة مائة ألف دينار ومائة وخمسين ألف درهم وأربعة آلاف ثوب فيها عشرة طميم كل ذلك منسوب اليه.
[زفاف السيدة ابنة الخليفة إلى دار المملكة]
وفي ليلة الاثنين خامس عشر صفر: زفت السيدة ابنة الخليفة إلى دار المملكة، ونصب لها من دجلة إلى الدار [سرادق] [٣] ، وضربت البوقات والدبادب [٤] عند دخولها الدار، فجلست على سرير ملبس بالذهب، ودخل السلطان إليها فقبل الأرض [لها] [٥] وخدمها، وشكر الخليفة وخرج من غير أن يجلس، ولا قامت له ولا كشفت برقعا كان على وجهها ولا أبصرته، وكان السلطان والحجاب ووجوه الأتراك يرقصون في صحن الدار فرحا وسرورا، وأنفذ لها مع أرسلان خاتون، وكانت قد مضت في صحبتها عقدين فاخرين، وقطعة ياقوت أحمر [٦] كبيرة [ودخل من الغد فقبل الأرض وخدمها [٧] ، وجلس على سرير ملبس بالفضة بإزائها ساعة، ثم خرج وأنفذ إليها جواهر كثيرة] [٨] مثمنة، ٤٣/ أوفرجية نسيج مكللة بالحب، وما زال على مثل ذلك كل يوم/ يحضر ويخدم، فظهر منه
стр. 5459
سرور شديد من الخليفة تألم لما ألزمه من ذلك، وخلع السلطان في بكرة يوم الاثنين على عميد الملك، وزاد في ألقابه جزاء على توصله إلى هذا الأمر، واتصل [١] في دار المملكة السماط أسبوعا، ثم كان في يوم الأحد لتسع بقين من الشهر سماط كبير، وخلع على جميع الأمراء.
وفي يوم الخميس تاسع ربيع الأول: حضر عميد الملك بيت النوبة، واستأذن للسلطان طغرلبك في الانصراف وللسيدة خاتون في المسير صحبته، وأنه يستردها مدة ستة أشهر، فأذن الخليفة للسلطان ولم يأذن لأرسلان، وقال: هذا لا يحسن. وتردد من المراجعة ما أدى إلى إذن الخليفة فيه، وكانت شاكية من إطراحه لها، وأنه لم يقرب منها منذ اتصل إليها.
وأنفذ للسلطان في يوم السبت [حادي عشر الشهر] [٢] خلع من حضرة الخليفة، وخرج من الغد وهو ثقيل من علته، مأيوس من سلامته، واستصحب السيدة ابنة الخليفة معه بعد أن امتنعت، فألزمها ولم يصحبها [٣] من دار الخلافة إلا ثلاث نسوة برسم خدمتها، ولحق والدتها من الحزن ما لم يمكن دفعه عنها.
[انقضاض كوكب كبير كان له ضوء]
وفي ليلة الاثنين لخمس بقين من ربيع الآخر: انقض كوكب كبير كان له ضوء كبير، وفي صبيحته جاءت ريح ومطر فيه برق متصل، لحق منه قافلة وردت من دجيلة عند قبر الإمام [٤] أحمد بن حنبل ما أحرق واحدًا من أهلها فمات من وقته، وكان الموضع الذي احترق من جسمه وثوبه أبيض لم يتغير لونه، فلما أرادوا قلع القميص عنه لم يتغير القميص/ في منظر العين، ووجدوه عند مسه هباء منثورا.
٤٣/ ب وَفِي لَيْلَةِ الأَرْبِعَاءِ لِثَمَانٍ بَقَيْنَ مِنْ شَعْبَانَ: رَأَتِ امْرَأَةٌ هَاشِمِيَّةٌ فِي مَنَامِهَا النَّبِيَّ ﷺ ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي مَسْجِدٍ صَغِيرٍ بِالْمَأْمُونِيَّةِ مِنَ الْحَرِيمِ الشَّرِيفِ، فقال لها النبي
стр. 5460
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مُرِيهِمْ أَنْ يَعْمُرُوا هَذَا الْمَسْجِدَ» . فقالت: لا يصدقونني في رؤيتي لكم. [١] فمد يده إلى حائط عقد هناك قديم مبني بالجص والآجر، وهو من أحد حيطان [المسجد] [٢] وجر آجرة من وسطها [٣] حتى برز بثلثها وقال لها: «هذا دليل على صدق قولك وصحة رؤياك» .
[زلزلة بأنطاكيّة، واللاذقية وطرابلس، وصور]
وفي هذا الشهر: كانت زلزلة بأنطاكية، واللاذقية، وقطعة من بلاد الروم، وطرابلس، وصور، وأماكن من الشام، ووقع من سور طرابلس قطعة.
وورد الخبر بموت طغرلبك إلى بغداد من جهة السيدة [ابنة] [٤] الخليفة ليلة الأحد الرابع والعشرين من رمضان بأنه توفي في ثامن رمضان، وشرى العيارون بهمذان فقتلوا العميد وسبعمائة رجل من أصحاب الشحنة، وأحضروا المخانيث بالطبول والزمور، وأكلوا نهارا وشربوا على القتلى، وكانوا كذلك بقية الشهر.
ولما توفي طغرلبك بعث إلى عميد الملك الكندري، وكان على سبعين فرسخا فجاء قبل أن يدفن، وأخذ البيعة لسليمان بن داود بن أخي طغرلبك، وكان طغرلبك قد نص عليه، وحط من القلعة سبعمائة ألف دينار وكسر، وستة عشر ألف ثوب من ديباج، وسقلاطون وسلاحا تساوى مائتي ألف دينار ففرقها على العسكر، فسكن الناس، ولم يبق لهم خوف إلا من الملك ألب أرسلان، وهو محمد بن داود، فإن العسكر مالوا إليه.
وانتشرت في هذه الأيام الأعراب في سواد بغداد وما حولها، وقطعوا الطرقات، وأخذوا ثياب الناس حتى في الزاهر وأطراف البلد، واستاقوا من عقرقوف من الجواميس ٤٤/ أما قيمته/ ألوف دنانير، وتحدث الناس بما عليه مسلم بن قريش من دخول بغداد والجلوس في دار المملكة، وحصار دار الخلافة ونهبها، فانزعج الناس وتعرض مسلم للنواحي الخاصة جميعها، وقرر على أهلها مالا، ونهب من امتنع من ذلك، ونهب المواشي والعوامل، وامتنعت الزراعة إلا على المخاطرة، وكثرت استغاثة أهل السواد
стр. 5461
على الأبواب العزيزة، وخرج العسكر لمقاومته، فبعث يعتذر [ويقول: أنا الخادم] [١] وكان عميد الملك قد طالب [٢] الجهة الخليفية بجواهر كانت للسلطان معها [٣] وذكر زيادة قيمتها وحاجته إلى صرفها [إلى الغلمان] [٤] فأنكرت ذلك، فاعترض نواحيها كذلك وأقطاعها ثم استظهر عليها. [٥]
[زلزلة بأرض واسط ووباء بمصر]
[وفي ذي الحجة [٦] : كانت زلزلة بأرض واسط لبثت طويلا.
وفي هذه السنة: وقع موتان بالجدري والفجأة، ونقض في هذا الوقت الدور الباقية بمشرعة الزوايا، والفرضة، ومن بقايا المسنيات، والدور الشاطية، وغيرها شيء كبير، وأخذت أخشاب الدور، وحملت الأنقاض إلى دار الخليفة، فكانت عدة الدور ذوات المسنيات في الماء في سنة سبع وأربعين وأربعمائة عند دخول طغرلبك إلى بغداد مائة ونيفًا وسبعين دارًا.
ووقع الوباء بمصر وكان يخرج منها في اليوم الواحد نحو ألف جنازة، وقبض على أبي الفرج المغربي وزير مصر، ونظر أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلي مدة ثم عزل.
وفيها دخل صاحب اليمن مكة فأحسن السيرة، وجلب إليها الأقوات، وفعل الجميل.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣٧٩- الحسن [٧] بن على بن علي بن حزام [٨] ، أبو نصر الجذامي
[٩] .
стр. 5462
ورد بغداد، وتفقه على أبي حامد الأسفراييني، وسمع المخلص، وانحدر إلى البصرة فسمع سنن أبي داود من القاضي أبي عمر الهاشمي، وحدث بالكثير، وكان يرجع إليه في الفتاوى والمشكلات، وتوفي بسرخس.
٣٣٨٠- سعيد بن مروان
[١] صاحب آمد، توفي في هذه السنة، وقيل إن أبا الفرج الخازن سقاه السم باتفاق من نصر بن سعيد صاحب ميافارقين، فأحس سعيد، وأمر بقتل أبي الفرج فقطع قطعا.
٣٣٨١- محمد بن أحمد بن محمد بن حسنون، أبو الحسين القرشي
[٢] .
ولد في صفر سنة سبع وستين وتوفي في يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر هذه السنة.
قَالَ أبو الفضل بن خيرون: هو ثقة ثقة ثقة.
٣٣٨٢- محمد بن ميكائيل بن سلجوق، أبو طالب السلطان، الذي يقال له: طغرلبك
[٣] .
وأصله من جيل من التركمان، وكان ابن سلجوق قد زوج ابنته من رجل يعرف بعلي تكين، فاستفحل أمرهما وأفسدا على محمود بن سبكتكين فقصدهما، فأما على تكين فأفلت من محمود، وأما ابن سلجوق [٤] فقبض عليه محمود، وحصل من أصحابه أربعة آلاف خركاه منتقلة في البلاد، وتوفي محمود فاشتغل ابنه مسعود بلذاته، فاجتمع أصحاب ابن سلجوق وشنوا الغارات على سواد نيسابور، واستولى العيارون على نيسابور فوردها طغرلبك فهذبها، فمال إليه المستورون فحصل الأموال، فسار مسعود للقاء طغرلبك حين استفحل أمره فالتقيا فانهزم مسعود، واستولى طغرلبك على
стр. 5463
خراسان، وذلك في سنة ثلاثين، وولى أخاه لأمه إبراهيم ينال بن يوسف قهستان وخراسان، وقصد بنفسه الري فخربها أصحابه، ووقع على دفائن وأموال وفتح أصبهان سنة ثلاث وأربعين واستطابها، وعول على أن يجعلها دار مقامه، ونقل إليها أمواله من الري، وولى أخاه داود في سنة ثلاثين مرو، وسرخس، وبلخ إلى نيسابور، وولى ابن عمه الحسن بن موسى] [١] هراة، وبوشنج، وسجستان.
وكان قد كتب إلى دار الخليفة في سنة خمس [٢] وثلاثين كتابا إلى عميد الرؤساء الوزير، وخاطبه بالشيخ الأجل أبي طالب محمد بن أيوب، فمضى في الجواب إليه من دار الخلافة أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، ولقيه بجرجان فاستقبله على أربعة فراسخ إجلالا لرسالة الخليفة، ثم أعطاه على التشريف الذي صحبه ثلاثين ألف دينار، وعشرين ألفًا للخليفة، وعشرة آلاف لحواشيه، وسارت عساكر طغرلبك إلى الأهواز فنهبوها، ثم قدم بغداد وجلس له القائم، وفوض إليه الأعمال، وخاطبه بملك المشرق والمغرب.
وطغرلبك أول ملك من السلجوقية، وهو الذي بنى لهم الدولة، وكان مدبرا حكيما يطلع على أفعال [٣] تسوؤه فلا يؤاخذ بها، ولقد كتب بعض خواصه سوء سيرته إلى أبي كاليجار فرأى الملطفة [٤] ولم يعاتبه، وبعث إليه ملك الروم أموالا كثيرة.
وقد ذكرناها فيما تقدم وذكرنا/ أحواله على ترتيب السنين، وكيف رد القائم من ٤٤/ ب حديثه عانة وقتل البساسيري وتزوج ابنة الخليفة.
وتوفي بالري يوم الجمعة ثامن رمضان هذه السنة، وكانت مملكته ثلاثين سنة وعمره سبعين.
стр. 5464
ثم دخلت سنة ست وخمسين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه لما أفسدت الأعاريب [١] في سواد بغداد وأطرافها حملت العوام السلاح لقتالهم، وكان ذلك سببا إلى كثرة العيارين وانتشارهم في محرم هذه السنة.
ووقع الإرجاف بأن السلطان ألب أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل وارد إلى بغداد فغلت الأسعار، ثم ورد الخبر أن السلطان ألب أرسلان قبض على عميد الملك [٢] أبي نصر منصور بن محمد بن الكندري في عشية يوم السبت السابع من المحرم، وأخذ ماله، ثم أنفذ إلى مروالروذ واعتقل بها، وخلع على وزيره نظام الملك أبي علي الحسين بن إسحاق الطوسي في ذلك اليوم، وروسلت [٣] السيدة ابنة الخليفة في الحال بالإذن لها في المسير إلى بغداد، وأنفذ إليها خمسة آلاف دينار للنفقة فأبت أن تقبل، فقبح عليها [٤] أن ترد فقبلت، ووصلت إلى بغداد عشية يوم الأحد ثالث عشر ربيع الآخر، واجتمع العوام [٥] لمشاهدة دخولها فدخلت ليلا، وكان في صحبتها القاضي أبو ٤٥/ أعمرو محمد بن عبد الرحمن/، فحضر بيت النوبة وسأل قاضي القضاة الدامغانيّ أن
стр. 5465
يكون جلوس هذا القاضي الوارد دونه فلم يجب، وأمر أن يجلس على روشن بيت النوبة بمعزل من المجلس، فقام هذا القاضي فخطب خطبة وصف فيها ألب أرسلان، وشكر وزيره نظام الملك، ثم جلس وسلم الكتب الواصلة معه، وكانت كتابين إلى الخليفة، وكتابًا إلى الوزير فخر الدولة أبي نصر بن جهير، فخرج الجواب يتضمن شكر السلطان ألب أرسلان، والاعتداد بخدمته في تسيير السيدة، وتقدم إلى الخطباء بإقامة الدعوة، فقيل في الدعاء: اللَّهمّ أصلح السلطان المعظم عضد الدولة وتاج الملة أبا شجاع ألب أرسلان محمد بن داود، فبعث عشرة آلاف دينار وزنا ومائتي ثوب إبريسمية أنواعا، وحوالة على الناظر ببغداد بعشرة آلاف أخرى، وعشرة أفراس، وعشرة بغلات، وقيل للسلطان في أمر عميد الملك، وأنه لا فائدة في بقائه، فَإنَّهُ غير مأمون أن يفسد، فأمر بالمكاتبة إلى مقدم [١] مروالروذ بقتله وصلبه، وأنفذ ثلاثة غلمان لذلك.
وبيعت في هذا الزمان دار بنهر طابق بثلاثة قراريط، وبيعت دار بواسط بدرهم.
وفي ربيع الأول: شاع ببغداد أن قوما من الأكراد خرجوا متصيدين فرأوا في البرية خيما سودا سمعوا فيها لطما شديدا، وعويلا كبيرا، وقائلا يقول: قد مات سيدوك ملك الجن، وأي بلد لم يلطم به عليه ولم يقم فيه مأتم قلع أصله، وأهلك أهله. فخرج النساء العواهر من حريم بغداد إلى المقابر يلطمن/ ثلاثة أيام، ويخرقن ثيابهن وينشرن ٤٥/ ب شعورهن، وخرج رجال من السفساف يفعلون ذلك، وفعل هذا في واسط وخوزستان من البلاد، وكان هذا فنا من الحمق لم ينقل مثله.
ولما فرغت خلع السلطان سأل العميد أبو الحسن أن يجلس الخليفة جلوسا عاما لذلك، فجلس يوم الخميس سابع جمادى الآخرة في البيت المستقبل بالتاج المشرف على دجلة، وأوصل إليه الوزير فخر الملك، وتقدم بإيصال العميد والقاضي أبي عمر فدخلا فشافههما بتولية عضد الدولة، واستدعى اللواءين فعقدهما بيده، وسلمت الخلع بحضرته، ورتب للخروج بالخلع أبو الفوارس طراد الزينبي، وأبو محمد التميمي، وموفق الخادم، وكتب معهم إلى السلطان كتاب بتوليته، ولقب العميد شيخ