على الأبواب العزيزة، وخرج العسكر لمقاومته، فبعث يعتذر [ويقول: أنا الخادم] [١] وكان عميد الملك قد طالب [٢] الجهة الخليفية بجواهر كانت للسلطان معها [٣] وذكر زيادة قيمتها وحاجته إلى صرفها [إلى الغلمان] [٤] فأنكرت ذلك، فاعترض نواحيها كذلك وأقطاعها ثم استظهر عليها. [٥]
[زلزلة بأرض واسط ووباء بمصر]
[وفي ذي الحجة [٦] : كانت زلزلة بأرض واسط لبثت طويلا.
وفي هذه السنة: وقع موتان بالجدري والفجأة، ونقض في هذا الوقت الدور الباقية بمشرعة الزوايا، والفرضة، ومن بقايا المسنيات، والدور الشاطية، وغيرها شيء كبير، وأخذت أخشاب الدور، وحملت الأنقاض إلى دار الخليفة، فكانت عدة الدور ذوات المسنيات في الماء في سنة سبع وأربعين وأربعمائة عند دخول طغرلبك إلى بغداد مائة ونيفًا وسبعين دارًا.
ووقع الوباء بمصر وكان يخرج منها في اليوم الواحد نحو ألف جنازة، وقبض على أبي الفرج المغربي وزير مصر، ونظر أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلي مدة ثم عزل.
وفيها دخل صاحب اليمن مكة فأحسن السيرة، وجلب إليها الأقوات، وفعل الجميل.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣٧٩- الحسن [٧] بن على بن علي بن حزام [٨] ، أبو نصر الجذامي
[٩] .
стр. 5462
ورد بغداد، وتفقه على أبي حامد الأسفراييني، وسمع المخلص، وانحدر إلى البصرة فسمع سنن أبي داود من القاضي أبي عمر الهاشمي، وحدث بالكثير، وكان يرجع إليه في الفتاوى والمشكلات، وتوفي بسرخس.
٣٣٨٠- سعيد بن مروان
[١] صاحب آمد، توفي في هذه السنة، وقيل إن أبا الفرج الخازن سقاه السم باتفاق من نصر بن سعيد صاحب ميافارقين، فأحس سعيد، وأمر بقتل أبي الفرج فقطع قطعا.
٣٣٨١- محمد بن أحمد بن محمد بن حسنون، أبو الحسين القرشي
[٢] .
ولد في صفر سنة سبع وستين وتوفي في يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر هذه السنة.
قَالَ أبو الفضل بن خيرون: هو ثقة ثقة ثقة.
٣٣٨٢- محمد بن ميكائيل بن سلجوق، أبو طالب السلطان، الذي يقال له: طغرلبك
[٣] .
وأصله من جيل من التركمان، وكان ابن سلجوق قد زوج ابنته من رجل يعرف بعلي تكين، فاستفحل أمرهما وأفسدا على محمود بن سبكتكين فقصدهما، فأما على تكين فأفلت من محمود، وأما ابن سلجوق [٤] فقبض عليه محمود، وحصل من أصحابه أربعة آلاف خركاه منتقلة في البلاد، وتوفي محمود فاشتغل ابنه مسعود بلذاته، فاجتمع أصحاب ابن سلجوق وشنوا الغارات على سواد نيسابور، واستولى العيارون على نيسابور فوردها طغرلبك فهذبها، فمال إليه المستورون فحصل الأموال، فسار مسعود للقاء طغرلبك حين استفحل أمره فالتقيا فانهزم مسعود، واستولى طغرلبك على
стр. 5463
خراسان، وذلك في سنة ثلاثين، وولى أخاه لأمه إبراهيم ينال بن يوسف قهستان وخراسان، وقصد بنفسه الري فخربها أصحابه، ووقع على دفائن وأموال وفتح أصبهان سنة ثلاث وأربعين واستطابها، وعول على أن يجعلها دار مقامه، ونقل إليها أمواله من الري، وولى أخاه داود في سنة ثلاثين مرو، وسرخس، وبلخ إلى نيسابور، وولى ابن عمه الحسن بن موسى] [١] هراة، وبوشنج، وسجستان.
وكان قد كتب إلى دار الخليفة في سنة خمس [٢] وثلاثين كتابا إلى عميد الرؤساء الوزير، وخاطبه بالشيخ الأجل أبي طالب محمد بن أيوب، فمضى في الجواب إليه من دار الخلافة أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، ولقيه بجرجان فاستقبله على أربعة فراسخ إجلالا لرسالة الخليفة، ثم أعطاه على التشريف الذي صحبه ثلاثين ألف دينار، وعشرين ألفًا للخليفة، وعشرة آلاف لحواشيه، وسارت عساكر طغرلبك إلى الأهواز فنهبوها، ثم قدم بغداد وجلس له القائم، وفوض إليه الأعمال، وخاطبه بملك المشرق والمغرب.
وطغرلبك أول ملك من السلجوقية، وهو الذي بنى لهم الدولة، وكان مدبرا حكيما يطلع على أفعال [٣] تسوؤه فلا يؤاخذ بها، ولقد كتب بعض خواصه سوء سيرته إلى أبي كاليجار فرأى الملطفة [٤] ولم يعاتبه، وبعث إليه ملك الروم أموالا كثيرة.
وقد ذكرناها فيما تقدم وذكرنا/ أحواله على ترتيب السنين، وكيف رد القائم من ٤٤/ ب حديثه عانة وقتل البساسيري وتزوج ابنة الخليفة.
وتوفي بالري يوم الجمعة ثامن رمضان هذه السنة، وكانت مملكته ثلاثين سنة وعمره سبعين.
стр. 5464
ثم دخلت سنة ست وخمسين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه لما أفسدت الأعاريب [١] في سواد بغداد وأطرافها حملت العوام السلاح لقتالهم، وكان ذلك سببا إلى كثرة العيارين وانتشارهم في محرم هذه السنة.
ووقع الإرجاف بأن السلطان ألب أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل وارد إلى بغداد فغلت الأسعار، ثم ورد الخبر أن السلطان ألب أرسلان قبض على عميد الملك [٢] أبي نصر منصور بن محمد بن الكندري في عشية يوم السبت السابع من المحرم، وأخذ ماله، ثم أنفذ إلى مروالروذ واعتقل بها، وخلع على وزيره نظام الملك أبي علي الحسين بن إسحاق الطوسي في ذلك اليوم، وروسلت [٣] السيدة ابنة الخليفة في الحال بالإذن لها في المسير إلى بغداد، وأنفذ إليها خمسة آلاف دينار للنفقة فأبت أن تقبل، فقبح عليها [٤] أن ترد فقبلت، ووصلت إلى بغداد عشية يوم الأحد ثالث عشر ربيع الآخر، واجتمع العوام [٥] لمشاهدة دخولها فدخلت ليلا، وكان في صحبتها القاضي أبو ٤٥/ أعمرو محمد بن عبد الرحمن/، فحضر بيت النوبة وسأل قاضي القضاة الدامغانيّ أن
стр. 5465
يكون جلوس هذا القاضي الوارد دونه فلم يجب، وأمر أن يجلس على روشن بيت النوبة بمعزل من المجلس، فقام هذا القاضي فخطب خطبة وصف فيها ألب أرسلان، وشكر وزيره نظام الملك، ثم جلس وسلم الكتب الواصلة معه، وكانت كتابين إلى الخليفة، وكتابًا إلى الوزير فخر الدولة أبي نصر بن جهير، فخرج الجواب يتضمن شكر السلطان ألب أرسلان، والاعتداد بخدمته في تسيير السيدة، وتقدم إلى الخطباء بإقامة الدعوة، فقيل في الدعاء: اللَّهمّ أصلح السلطان المعظم عضد الدولة وتاج الملة أبا شجاع ألب أرسلان محمد بن داود، فبعث عشرة آلاف دينار وزنا ومائتي ثوب إبريسمية أنواعا، وحوالة على الناظر ببغداد بعشرة آلاف أخرى، وعشرة أفراس، وعشرة بغلات، وقيل للسلطان في أمر عميد الملك، وأنه لا فائدة في بقائه، فَإنَّهُ غير مأمون أن يفسد، فأمر بالمكاتبة إلى مقدم [١] مروالروذ بقتله وصلبه، وأنفذ ثلاثة غلمان لذلك.
وبيعت في هذا الزمان دار بنهر طابق بثلاثة قراريط، وبيعت دار بواسط بدرهم.
وفي ربيع الأول: شاع ببغداد أن قوما من الأكراد خرجوا متصيدين فرأوا في البرية خيما سودا سمعوا فيها لطما شديدا، وعويلا كبيرا، وقائلا يقول: قد مات سيدوك ملك الجن، وأي بلد لم يلطم به عليه ولم يقم فيه مأتم قلع أصله، وأهلك أهله. فخرج النساء العواهر من حريم بغداد إلى المقابر يلطمن/ ثلاثة أيام، ويخرقن ثيابهن وينشرن ٤٥/ ب شعورهن، وخرج رجال من السفساف يفعلون ذلك، وفعل هذا في واسط وخوزستان من البلاد، وكان هذا فنا من الحمق لم ينقل مثله.
ولما فرغت خلع السلطان سأل العميد أبو الحسن أن يجلس الخليفة جلوسا عاما لذلك، فجلس يوم الخميس سابع جمادى الآخرة في البيت المستقبل بالتاج المشرف على دجلة، وأوصل إليه الوزير فخر الملك، وتقدم بإيصال العميد والقاضي أبي عمر فدخلا فشافههما بتولية عضد الدولة، واستدعى اللواءين فعقدهما بيده، وسلمت الخلع بحضرته، ورتب للخروج بالخلع أبو الفوارس طراد الزينبي، وأبو محمد التميمي، وموفق الخادم، وكتب معهم إلى السلطان كتاب بتوليته، ولقب العميد شيخ
стр. 5466
الدولة ثقة الحضرتين، ولقب نظام الملك قوام الدين والدولة رضى أمير المؤمنين، وهو يذكر في تلك البلاد بخواجا بزرك.
[هجوم قوم من أصحاب عبد الصمد علي أبي علي بن الوليد المدرس لمذهب المعتزلة]
وفي يوم الجمعة الثاني عشر من شعبان: هجم قوم من أصحاب عبد الصمد علي أبي على بن الوليد المدرس لمذهب المعتزلة فسبوه وشتموه لامتناعه من الصلاة في الجامع وتدريسه لهذا المذهب، فقال لهم: لعن الله من لا يوثر الصلاة، ولعن الله من يمنعني منها ويخيفني فيها. إيماء إليهم وإلى أمثالهم من العوام لما يعتقدونه في أهل هذا المذهب من استحلال الدم، ونسبتهم إلى الكفر، وأوقعوا به وجرحوه، وصاح صياحا ٤٦/ أخافوا اجتماع/ [أهل الموضع] معه عليهم، فتركوه ثم أغلق بابه واتصل اللعن للمعتزلة في جامع المنصور، وجلس أبو سعد بن أبي عمامة فلعن المعتزلة.
وفي يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من رمضان: جمع أبو عبد الله [١] بن جردة البيع [٢] جمعا عظيما [٣] من الضعفاء ليتصدق عليهم، فكثروا، فمنعهم بواب باب المراتب فأثخنوه ضربا، ففرق على نحو مائتي نفس قميصا ودرهمين درهمين، ثم كثر الجمع وجاء النفاطون والركابية فخافهم على نفسه، فرمى الثياب والدراهم عليهم ومضى، فازدحموا فمات خمسة رجال وأربع نسوة، وصار الرجل إذا لقي [٤] الرجل فيقول: كنت في وقعة ابن جردة. فيقول: نعم. فيقول: الحمد الله على سلامتك.
[غزاة السلطان أبي الفتح الروم]
وفي شوال: ورد الخبر بغزاة السلطان أبي الفتح الروم، وأنه دخل بلدا عظيما كان لهم فيها سبعمائة ألف دار، وألف بيعة ودير، وقتل به ما لا يحصى، وأسر خمسمائة ألف منهم.
وفي ذي القعدة: وكان تشرين الأول، وامتد إلى تشرين الثاني: حدث وباء عظيم تفاقم بنهر الملك، وتعدى إلى بغداد، وكان فيها حر شديد، وفساد هواء، وزيادة إنداء، وعدم التمر الهندي حتى بلغ الرطل منه أربع دنانير، وكذلك الشيرخشك.
стр. 5467
وخلع في ذي القعدة على النقيب أبي الغنائم المعمر بن محمد بن عبيد الله [١] العلويّ في/ بيت النوبة، وقلد نقابة الطالبيين، والحج، والمظالم، ولقب بالطاهر ذي ٤٦/ ب المناقب، وقرئ عهده في الموكب.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣٨٣- عبد الواحد بن علي بن برهان، أبو القاسم النحوي
[٢] .
كان مجودا في النحو وكان له أخلاق شرسة ولم يلبس سراويل قط، ولا قبل عطاء أحد، وكان لا يغطي رأسه.
وذكر محمد بن عبد الملك قَالَ: كان ابن برهان يميل إلى المرد الصباح ويقبلهم من غير ريبة.
قَالَ المصنف: وقوله: «من غير ريبة» [٣] أقبح من التقبيل، لأن النظر إليهم ممنوع منه إذا كان بشهوة، فهل يكون التقبيل بغير شهوة.
قَالَ ابن عقيل: وكان يختار مذهب المرجئة [٤] المعتزلة، وينفي خلود الكفار، ويقول: قوله: خالِدِينَ فِيها أَبَداً ٣٣: ٦٥ [٥] أي: أبدا من الآباد، وما لا غاية له، لا يجمع ولا يقبل التثنية، فيقال: ابدان، وآباد. ويقول: دوام العقاب في حق من لا يجوز عليه التشفي لا وجه مع ما وصف به نفسه من الرحمة، وهو إنما يوجد من الشاهد لما يعتري الغضبان من غليان دم [٦] قلبه طلبا [٧] للانتقام، وهذا مستحيل في حقه .
стр. 5468
قَالَ ابن عقيل: هذا كلام يرده على قائله جميع ما ذكره، وذلك أنه أخذ صفات البارئ في صفات الشاهد، وذكر أن المثير للغضب ما يدخل على قلب الغضبان من غليان الدم طلبا للانتقام، وأوجب بذلك منع دوام العقاب حيث لا يوجد في حقه [سبحانه] [١] التشفي، والشاهد يرد عليه ما ذكره، لأن المانع من التشفي عليه الرأفة ٤٧/ أوالرحمة، / وكلاهما رقة طبع، وليس البارئ بهذا الوصف، وليس الرحمة والغضب من أوصاف المخلوقين بشيء، وهذا الذي ذكره من عدم التشفي كما يمنع الدوام يمنع ابتداء العقوبة إذا كان المحيل للدوام من عدم التشفي، وفورة الغضب، وغليان الدم، كما يمنع دخوله في الدوام يمنع دخوله عليه، ووصفه به، فينبغي بهذه الطريقة أن يمنع أصل الوعيد، ويحيله في حقه [٢] [سبحانه] [٣] كسائر المستحيلات عليه [٤] لا يختلف نفس وجودها ودوامها، فلا أفسد اعتقادا ممن أخذ صفات الله تعالى من صفاتنا، وقاس أفعاله على أفعالنا، والعقل أجب قطعة من الشاهد، فإنه قادر أن يجعل القوت من النبات، فجعله من الحيوان ينال بعد ألمه، فأي أفعاله ينطبق على أفعالنا، وأي أوصافه تلحق بأوصافنا.
قَالَ المصنف: وكان ابن برهان يقدح في أصحاب أحمد ومن يخالف اعتقاده اعتقاد المسلمين، إذ كلهم أجمعوا على خلود الكفار في النار [٥] ، ولا ينبغي أن يؤثر قدحه في أحد.
توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة وقد أناف على الثمانين.
стр. 5469
ثم دخلت سنة سبع وخمسين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
أن أهل باب البصرة قلعوا باب مشهد العتيقة وأخذوه ليلا، وكان من حديد، فبحث عمن فعله حتى عرف وأخذ منه.
وفيها: أن السلطان ألب أرسلان نفذ إلى عميد الملك تركيا فقتله.
وفي جمادى الأولى: عقد مسعود الرازي الحنفي حلقه/ بجامع المنصور، ٤٧/ ب وحضرها قاضي القضاة الدامغانيّ و [جماعة] [١] الشهود إلا القاضي أبا يعلى، والشريف أبا جعفر، فإن قاضي القضاة استدعا هما فلم يحضرا ولم يفارقا حلقتهما.
وفي ليلة الثلاثاء ثالث رمضان: انقض كوكب عظيم، وانبسط نوره كالقمر، ثم تقطع قطعا وأسمع دويا مفزعا.
وفيها: خرج جماعة من الحاج بخفر فعدوا بهم فرجعوا إلى الكوفة بعد أن خاصموهم في ثامن ذي القعدة.
[عمل المدرسة النظامية]
وفي ذي الحجة: بدئ بعمل المدرسة النظامية، ببغداد، ونقض لأجل بنيانها بقية الدور الشاطية بمشرعة الزوايا، والفرضة، وباب الشعير، ودرب الزعفراني.
وتوفي أبو منصور بن بكران حاجب الباب، فولي مكانه أبو عبد الله المردوسي [٢] .
стр. 5470
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣٨٤- محمد بن أحمد بن محمد بن علي أبو الحسين [١] [ابن] [٢] الآبنوسي الصيرفي
[٣] .
ولد سنة ست وسبعين وثلاثمائة وروى عن الدارقطني وغيره، وتوفي في هذه السنة، وصلى عليه في جامع الشرقية، ودفن في مقبرة باب حرب.
٣٣٨٥- محمد بن منصور [٤] ، أبو نصر الكندري، وزير طغرلبك
[٥] .
وكان يلقب عميد الملك، منسوب إلى «كندر طريثيث» قرية من قراها، وقد ينسب الكندري إلى قرية يقال لها «كندر» قريبا من قزوين، ومنها: أبو غانم، وأبو الحسن، ابنا عيسى بن الحسن الكندري سمعا أبا عبد الرحمن السلمي، وكتبا تصانيفه، ووقفا كتبا كثيرة.
وينسب الكندري إلى بيع «الكندر» منهم: عبد الملك بن سليمان، أبو ٤٨/ أحسان/ سمع حسان بن إبراهيم، ذكره أبو سعيد بن يونس في «تاريخ مصر» .
وكان الكندري له فضل وله شعر، وكان طغرلبك قد بعثه ليتزوج له امرأة فتزوجها هو [٦] فخصاه طغرلبك، ثم أقره على خدمته.
فلما مات وتمكن ألب أرسلان بعثه إلى مروالروذ، فقيل له: انه لا يؤمن. فبعث
стр. 5471
غلمانا لقتله، فدخلوا عليه فقال له أحدهم: قم فصل ركعتين وتب إلى الله تعالى.
فقال: أدخل أودع أهلي ثم أخرج [١] . فقالوا: افعل فنهض [٢] فدخل إلى زوجته، وارتفع الصياح وعلق الجواري به نشرن شعورهن، وحثون التراب على رءوسهن، فدخل الغلام فقال: قم. قَالَ: خذ بيدي فقد منعني هؤلاء [الجواري من] [٣] الخروج.
فخرج إلى مسجد هناك، فصلى فيه ركعتين، ثم مشي حافيا إلى وراء المسجد، فجلس وخلع فرجية سمورا عليه فأعطاهم إياها، وخرق قميصه وسراويله حتى لا يؤخذا، فجاءوا بشاروفة فقال: لست بعيار ولا لص فأخنق، والسيف أروح لي. فشدوا عينيه بخرقة خرقها هو من طرف كمه وضربوه بالسيف، وأخذوا رأسه وتركوا جثته، فأخذتها أخته، فحملتها إلى كندر بلده، وكان عمره نيفا وأربعين سنة.
٣٣٨٦- أبو منصور بن بكران الحاجب [٤] .
قد ذكرنا وفاته.
стр. 5472
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
أن أهل الكرخ أغلقوا دكاكينهم يوم عاشوراء، وأحضروا نساء فنحن على الحسين ﵇ على ما كانوا قديما يستعملونه، واتفق أنه حملت [١] جنازة رجل من باب ٤٨/ ب المحول إلى الكرخ ومعها [٢] / الناحة، فصلى عليها، وناح الرجال بحجتها على الحسين، وأنكر الخليفة على الطاهر أبي الغنائم المعمر بن عبيد الله [٣] نقيب الطالبيين تمكينه من ذلك، فذكر أنه لم يعلم به إلا بعد فعله، وأنه لما علم أنكره وأزاله، فقيل له:
لا تفسح بعدها في شيء من البدع التي كانت تستعمل.
واجتمع في يوم الخميس رابع عشر المحرم خلق كثير من الحربية، والنصرية، وشارع دار الرقيق، وباب البصرة، والقلائين، ونهر طابق بعد أن أغلقوا دكاكينهم، وقصدوا دار الخلافة وبين أيديهم الدعاة والقراء وهم يلعنون أهل الكرخ واجتمعوا [٤] وازدحموا على باب الغربة، وتكلموا من غير تحفظ في القول، فراسلهم الخليفة ببعض الخدم أننا قد أنكرنا ما أنكرتم، وتقدمنا بأن لا يقع معاودة، ونحن نغفل في هذا ما لا يقع به المراد. فانصرفوا وقبض على ابن الفاخر العلوي في آخرين، ووكل بهم في الديوان،
стр. 5473
وهرب صاحب الشرطة لأنه كان أجاز لأهل الكرخ ما فعلوا، وركب أصحاب السلطان فأرهبوا العامة، وقد كانوا على التعرض بأهل الكرخ وإيقاع الفتنة، ثم واصل أهل الكرخ التردد إلى الديوان، والتنصل مما كان، والاحتجاج بصاحب الشرطة، وأنه أمرهم بذلك، والسؤال في معنى المعتقلين، فأفرج عنهم في ثامن عشر المحرم بعد أن خرج توقيع بلعن من يسب الصحابة، ويظهر البدع.
[ولد بباب الأزج صبية لها رأسان ووجهان ورقبتان مفترقتان وأربع أيد على بدن كامل]
وفي شهر ربيع الأول: ولد بباب الأزج صبية لها رأسان، ووجهان، ورقبتان مفترقتان، وأربع أيد على بدن كامل [١] ، ثم ماتت.
وفي هذا الشهر: مرض الأمير عدة الدين [أبو القاسم] [٢] ، وتعدى ذلك إلى/ الخليفة جده، ولحق الناس من الانزعاج والارتياع أمر عظيم، لأنه لم يكن بقي ٤٩/ أمن يلتجأ إليه غير هذا الجناب، فتفضل الله تعالى بعافيتهما، فاجتمع العوام إلى باب الغربة داعين وشاكرين الله تعالى على نعمه.
[ظهور في السماء كوكب كبير له ذؤابة]
وفي العشر الأول من جمادى الأولى: ظهر في السماء كوكب كبير له في المشرق [٣] ذؤابة عرضها نحو ثلاثة أذرع، وطولها أذرع كثيرة، إلى حد المجرة من وسط السماء مادة إلى المغرب، ولبث إلى ليلة الأحد لست بقين من هذا الشهر، وغاب [٤] ثم ظهر في ليلة الثلاثاء عند غروب [٥] الشمس، قد استدار نوره عليه كالقمر فارتاع الناس وانزعجوا، ولما أعتم الليل رمى ذؤابة نحو الجنوب وبقى عشرة أيام حتى اضمحل.
ووردت كتب التجار من بعد بأن ستة وعشرين مركبا خطفت من سواحل البحر طالبة لعمان، فغرقت في الليلة الأخيرة من طلوع هذا الكوكب وهلك فيها نحو من ثمانية عشر ألف إنسان وجميع المتاع الذي حوته، وكان من جملته عشرة آلاف طبلة كافور.
وفي جمادى الآخرة: كانت زلزلة بخراسان لبثت أياما فصدعت منها الجبال،
стр. 5474
وأهلكت جماعة، وخسفت بعدة قرى، وخرج الناس إلى الصحراء وأقاموا هناك.
وفي يوم الأحد تاسع جمادى [الآخرة] [١] : خلع على فخر الدولة أبي نصر بن جهير بعد أن شافهه بما طاب قلبه ورفع من مرتبته.
وفي هذا اليوم: عند مغيب الشمس وقع حريق بنهر معلى في دكان خباز، فاحترق ٤٩/ ب من باب الجديد إلى آخر السوق الجديد/ في الجانبين، وتلف من المال والعقار ما لا يحصى، ونهب الناس بعضهم بعضا، وكان الذي احترق مائة دكان وثلاثة دور.
وفي شعبان: وقع قتال في دمشق فضربوا دارًا كان مجاورا للجامع بالنار، فاحترق جامع دمشق.
وفي شعبان: ذكر رجل من أهل سوق يحيى يقال له: أخو جمادى، وكانت يده اليسرى قد خبثت وأشرف على قطعها أنه رأى النَّبِيّ ﷺ فِي منامه كأنه يصلي في مسجد بدرب داود، فدنا منه وأراه يده، وسأله العافية، فأمر يده عليها فأصبح معافى، وانثال الناس لمشاهدته، وكان يغمس يده في الماء فيقتسمونه، وستأتي قصته مستوفاة في السنة التي مات فيها إن شاء الله تعالى.
ورخصت الأسعار في هذه السنة رخصا متفاحشا [٢] حتى صار الكر الجيد من الحنطة بعشرة دنانير.
وفي ليلة الأحد لأربع بقين من شعبان: انقض كوكبان كان لأحدهما ضوء كضوء القمر، وتبعهما في نحو ساعة بضعة عشر كوكبا صغارا إلى [نحو] [٣] المغرب.
وفي رمضان: نقص الماء من دجلة فاستوعبه القاطول، وتعلق نهر الدجيل عليه، فهلكت الثمار، وزادت الأسعار، وامتنعت السفن من عكبرا وأوانا من الانحدار، فكان أقوام يعبرون إلى أوانا بمداساتهم على الآجر، وغارت المياه في الآبار ببغداد.
وفي هذا الشهر: كسي جامع المنصور، وفرش بالبواري، فدخل فيه أربع
стр. 5475
وعشرون ألف ذراع بواري، وثلاثمائة منًا خيوط، وأخذ الصناع الخياطين لها أجرتهم عشرين دينار.
وفي شوال: أنفذ خادم خاص/ إلى السلطان للتهنئة بسلامته في غزوته، وإقامة ٥٠/ أتشريفات عليه، وأضيف إلى الخادم أبو محمد التميمي، ورسم لهما الخطاب فيما يستعمله النظام [١] مع حواشي الدار من التعرض لما في أيديهم، والخطاب على التقدم إلى السيدة أرسلان خاتون بالمسير إلى دار الخلافة، فقد طالت غيبتها، وأخرج الوزير أبو نصر حاجبا له مع الجماعة بقود وتحف.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣٨٧- أحمد بن الحسين
بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي، أبو بكر [٢] .
ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وكان واحد زمانه في الحفظ والإتقان، حسن التصنيف، وجمع علم الحديث، والفقه، والأصول، وهو من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله، ومنه تخرج، وسافر وجمع الكثير، وله التصانيف الكثيرة الحسنة، وجمع نصوص الشافعي ﵁ [٣] في عشر مجلدات، وكان متعففا زاهدا، وورد نيسابور مرارا، وبها توفي ونقل تابوته إلى بيهق في جمادى الأولى من هذه السنة.
٣٣٨٨- الحسن بن غالب بن علي بن غالب بن منصور بن صعلوك، أبو علي التميمي، ويعرف: بابن المبارك
[٤] .
ولد لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وستين وثلاثمائة، وصحب ابن سمعون.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أحمد بن علي بن ثابت قَالَ: كان الحسن ابن غالب زوج بنت إبراهيم بن عمر البرمكي، وحدث عن عبيد الله بن عبد الرحمن
стр. 5476
الزهري، وابن أخي ميمي وغيرهما، وكان له سمت وهيئة وظاهر صلاح، وكان يقرئ ٥٠/ ب فأقرأ بحروف خرق بها الإجماع، وادعى/ فيها رواية عن بعض الأئمة المتقدمين، وجعل لها أسانيد باطلة مستحيلة، فأنكر أهل العلم عليه ذلك إلى أن استتيب منها، وذكر أنه قرأ على إدريس المؤدب، وإدريس قرأ على ابن شنبوذ، وابن شنبوذ قرأ على أبي خالد، وكل ذلك باطل لأن ابن شنبوذ لم يدرك أبا خالد، وإدريس لم يقرأ على ابن شنبوذ، وادعى أشياء غير ذلك يتبين فيها كذبه واختلافه.
وقال أبو علي ابن البرداني: كان الحسن بن غالب متهما في سماعه من أبي الفضل الزهري، وجرت له أمور مع أبي الحسن القزويني بسبب قراآت أقرئ بها عن إدريس، وكتب عليه بذلك محضر.
وقال أبو محمد بن السمرقندي: كان كذابا. وتوفي في ليلة السبت العاشر من رمضان هذه السنة، ودفن صبيحة تلك الليلة عند قبر إبراهيم الحربي.
٣٣٨٩- عبد العزيز بن محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل، أبو القاسم القطان
[١] .
سمع المخلص، وكان يسكن دار القطن، وكان صدوقا وتوفي في ربيع الآخر [٢] من هذه السنة.
٣٣٩٠- محمد بن الحسين بن محمد [بن خلف بن أحمد] [٣] بن الفراء، أبو يعلى
[٤] .
ولد في محرم سنة ثمانين، وسمع الحديث الكثير، وحدث عن أبي القاسم بن حبابة، وأول ما سمع من أبي الطيب بن علي بن معروف [٥] البزاز، وعلي بن عمر الحربي، وأملى الحديث، وهو آخر من حدث عن أبي القاسم موسى السراج، وكان عنده مصنفات قد تفرد بها، منها كتاب «الزاهر» لابن الأنباري فإنه [٦] حدث به عن ابن سويد عنه. وكتاب «المطر» لابن دريد، وكتاب «التفسير» ليحيى بن سلام وغير ذلك،
стр. 5477
وكان من سادات الثقات، [١] وشهد عند قاضى القضاة أبى عبد الله بن ماكولا، والدامغاني، فقبلا شهادته وتولى النظر في الحكم بحريم دار الخلافة، وكان إماما في الفقه، له التصانيف الحسان الكثيرة/ في مذهب أحمد، ودرس وأفتى سنين، وانتهى إليه ١٥١/ أالمذهب، وانتشرت تصانيفه وأصحابه، وجمع الإمامة، والفقه، والصدق، وحسن الخلق، والتعبد، والتقشف، [والخشوع] [٢] ، وحسن السمت، والصمت، عما لا يعني واتباع السلف.
حدثنا عنه أبو بكر بن عبد الباقي، وأبو سعد الزوزني.
وتوفي في ليلة الاثنين وقت العشاء، ودفن يوم الاثنين لعشرين من رمضان هذه السنة، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وغسله الشريف أبو جعفر بوصية إليه، وكان من وصيته إليه إن يكفن في ثلاثة أثواب، وأن لا يدخل [٣] معه القبر غير ما غزله لنفسه من الأكفان، ولا يخرق عليه ثوب، ولا يقعد لعزاء، واجتمع له خلق لا يحصون، وعطلت الأسواق، ومشى مع جنازته القاضي أبو عبد الله الدامغاني وجماعة الفقهاء والقضاة والشهود، ونقيب الهاشميين أبو الفوارس طراد، وأرباب الدولة، وأبو منصور بن يوسف، وأبو عبد الله ابن جردة، وصلى عليه ابنه أبو القاسم عبيد الله وهو يومئذ ابن خمس عشرة سنة [٤] ، وكان قد خلف عبيد الله، وأبا الحسن [٥] ، وأبا حازم، وافطر جماعة ممن تبعه لشدة الحر، لأنه دفن في اليوم الثالث عشر [٦] من آب، وقبره ظاهر بمقبرة باب حرب.
قَالَ أبو علي البرداني: رأيت القاضي أبا يعلى فقلت له: يا سيدي، ما فعل الله بك؟ فقال لي وجعل يعد بأصابعه: رحمني وغفر لي، ورفع منزلتي، وأكرمني. فقلت:
بالعلم؟ فقال لي: بالصدق.
стр. 5478
ثم دخلت سنة تسع وخمسين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
أن السيدة أرسلان خاتون زوجة الخليفة دخلت إلى بغداد في جمادى الأولى، / ٥١/ ب وخرج الناس لتلقيها، واستقبلها الوزير فخر الدولة على نحو فرسخ وخدمها بالدعاء على ظهر فرسه، وحضر العميد أبو سعد المستوفي في بيت النوبة حتى قرئت الكتب الواردة في هذه الصحبة، وهي مشتملة على التمسك بالطاعة، والتصرف على قوانين الخدمة، والإجابة إلى المرسوم، وخوطب فيها الوزير بالوزير الأجل بعد أن كان يكتب إليه الرئيس الأجل.
[بناء مشهد الإمام أبي حنيفة]
وفي هذه الأيام بنى أبو سعد المستوفي الملقب شرف الملك مشهد الإمام [١] أبي حنيفة ﵁ [٢] ، وعمل لقبره ملبنا، وعقد القبة، وعمل المدرسة بإزائه، وأنزلها الفقهاء، ورتب لهم مدرسا، فدخل أبو جعفر ابن البياضي إلى الزيارة فقال ارتجالا:
ألم تر أن العلم كان مضيعا ... فجمعه هذا المغيب في اللحد
كذلك كانت هذه الأرض ميتة ... فأنشرها جود العميد [٣] أبي سعد
قَالَ المصنف ﵀: قرأت بخط أبي الوفاء بن أبي عقيل قَالَ: وضع أساس مسجد بين يدي ضريح أبي حنيفة بالكلس والنورة وغيره، فجمع سنة ست وثلاثين
стр. 5479
وأربعمائة وأنا ابن خمس سنين أو دونها بأشهر، وكان المنفق عليه تركيا قدم حاجا، ثم قدم أبو سعد [١] المستوفي، وكان حنفيا متعصبا، وكان قبر أبي حنيفة تحت سقف عمله بعض الأمراء [٢] التركمان، وكان قبل ذلك وأنا صبي عليه خربشت خاصا له، وذلك في سنتي سبع أو ثمان وثلاثين قبل دخول الغز بغداد سنة سبع وأربعين، فلما جاء شرف الملك سنة ثلاث وخمسين عزم على إحداث القبة وهي هذه، فهدم جميع أبنية المسجد وما يحيط بالقبر، وبنى هذا المشهد، فجاء بالقطاعين والمهندسين وقدر لها/ ما بين ٥٢/ أألوف آجر وابتاع دورا من جوار المشهد، وحفر أساس القبة، وكانوا يطلبون الأرض الصلبة فلم يبلغوا إليها إلا بعد حفر سبعة عشر ذراعا في ستة عشر يوما، فخرج من هذا الحفر عظام الأموات الذين كانوا يطلبون جوار النعمان أربعمائة صن، ونقلت جميعها إلى بقعة كانت ملكا لقوم، فحفر لها ودفنت، وخرج في ذلك الأساس شخص منتظم العظام له ريح كريح الكافور.
قَالَ ابن عقيل: فقلت: وما يدريكم لعل النعمان قَدْ خرجت عظامه فِي هَذِهِ العظام وبقيت هذه القبة فارغة من مقصود.
قَالَ: فبعث شرف الملك إلى أبي منصور بن يوسف شاكيا مني وطالبا منه مقابلتي على ذلك، فكان غاية ما قَالَ لي بعد أن أحصرني في خلوة: يا سيدي، ما نعلم كيف حالنا مع هؤلاء الأعاجم والدولة لهم. فقلت: يا سيدي، رأيت منكرا فاشيا فما ملت نفرتي الدينية.
قَالَ ابن عقيل: وكانت العمارة في سنة تسع وخمسين، وساجه وأبوابه غصب من بعض بيع سامرا، فما عند هؤلاء من الدين خبر.
أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، أنبأنا أبو الحسين المبارك ابن عبد الجبار الصيرفي قَالَ: سمعت أبا الحسين ابن المهتدى يقول: لا يصح أن قبر أبي حنيفة في هذا الموضع الذي بنوا عليه القبة، وكان الحجيج قبل ذلك يردون ويطوفون حول المقبرة فيزورون أبا حنيفة لا يعينون موضعا.
стр. 5480
[هبوب ريح حارة]
وفي شعبان: هبت ريح حارة فقتلت بضعة عشر نفسا كانوا مصعدين من واسط، وخيلا كثيرة، وأهلكت ببغداد شجر الأترج والليمون.
[احتراق تربة معروف الكرخي]
وفي ليلة الأحد سلخ [١] شعبان، احترقت تربة معروف الكرخي، وكان السبب أن ٥٢/ ب القيم بها كان مريضا فطبخ له شعير، فبعدت النار/ إلى خشب وبواري هناك، وارتفعت إلى السقوف، فأتت على الكل فاحترقت القبة والساباط، وجميع ما كان، ثم أمر القائم بأمر الله بعمارة المكان.
[لحق الدواب موتان]
وفي شوال: لحق الدواب موتان، وانتفخت رءوسها وأعينها، حتى كانوا يصيدون حمر الوحش بأيديهم فيعافون أكلها، ووقع عقيب [٢] ذلك بنيسابور وأعمال خراسان الغلاء الشديد، والوباء المفرط، وكذلك بدمشق، وحلب، وحران.
وفي هذه السنة: قبل قاضي القضاة [أبو عبد الله] [٣] الدامغاني شهادة الشريف أبي الحسن محمد بن علي بن المهتدي، وأبي طاهر عبد الباقي بن محمد البزار.
وفي يوم السبت عاشر ذي القعدة: جمع العميد أبو سعد القاضي الناس على طبقاتهم إلى المدرسة النظامية التي بناها نظام الملك ببغداد للشافعية، وجعلها برسم أبي إسحاق الشيرازي بعد أن وافقه على ذلك، فلما كان يوم اجتماع الناس فيها وتوقعوا مجيء أبي إسحاق فلم يحضر، فطلب فلم يظهر، وكان السبب أن شابا لقيه فقال: يا سيدنا، تريد تدرس في المدرسة؟ فقال: نعم، فقال: [و] [٤] كيف تدرس في مكان مغصوب؟ فغير نيته فلم يحضر، فوقع العدول إلى أبي نصر بن الصباغ فجعل مكانه، وضمن له أبو منصور بن يوسف أن لا يعدل عنه، ولا يمكن أبو إسحاق من الإفساد عليه، فركن إلى قوله فجلس، وجرت مناظرة وتفرقا، وأجرى للمتفقهة لكل واحد أربعة أرطال خبز كل يوم، وبلغ نظام الملك فأقام القيمة على العميد، وظهر أبو إسحاق في مسجد
стр. 5481
بباب المراتب، فدرس على عادته، فاجتمع العوام [١] فدعوا/ وأثنوا عليه، وكان قد بلغ ٥٣/ أإليهم أنه قَالَ: إني لم أطب نفسا بالجلوس في هذه المدرسة لما بلغني أن أبا سعد القاشي غصب أكثر آلاتها، ونقض قطعة من البلد لأجلها، ولحق أصحابه غم.
وراسلوه لما عرضوا فيه بالانصراف عنه والمضي إلى ابن الصباغ إن لم يجب إلى الجلوس في المدرسة ويرجع عن هذه الأخلاق الشرسة، فأرضاهم بالاستجابة تطييبا لقلوبهم، وسعوا وهو أيضا في ذلك إلى أن استقر الأمر في ذلك له، وصرف ابن الصباغ فكانت مدة مقامه بها عشرين يوما، وجلس أبو إسحاق فيها في عشر ذي الحجة، وكان إذا حضر وقت الصلاة خرج منها وقصد بعض المساجد فأداها.
أنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد المقدسي، عن أبيه قَالَ: سمعت أبا القاسم منصور بن محمد [٢] بن الفضل- وكان فقيها متورعا- يقول: سمعت أبا علي المقدسي ببغداد يقول: رأيت أبا إسحاق الشيرازي في المنام فسألته عن حاله فقال: طولبت بهذه البنية- يعني المدرسة [النظامية] [٣]- ولولا أني ما أديت فيها الفرض لكنت من الهالكين.
وفي هذه السنة: عقدت البصرة وواسط على هزارسب بثلاثمائة ألف دينار.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣٩١- عبد الكريم بن علي بن أحمد، أبو عبد الله التميمي، المعروف: بالسني القصري من قصر ابن هبيرة
[٤] :
ولد سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة [سكن بغداد] [٥] وحدث بها عن أبي محمد بن
стр. 5482
الأكفاني، وكان صدوقا دينا كثير التلاوة بالقرآن.
وتوفي في محرم هذه السنة، ودفن في مقبرة باب حرب.
٣٣٩٢- محمد بن إسماعيل بن محمد، أبو علي القاضي
[١] :
٥٣/ ب من أهل/ طوس ولي القضاء بطوس، ولقب: بالعراقي لظرافته وطول مقامه ببغداد، وكان فقيها فاضلا مبرزا بفقهه ببغداد، اختلف إلى أبي محمد الباقي، ثم إلى أبي حامد الأسفراييني، وسمع الحديث من أبي طاهر المخلص [٢] .
وتوفي في هذه السنة.
стр. 5483
ثم دخلت سنة ستين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه خلع على أبي القاسم عبد الله بن أحمد بن رضوان في دار الخلافة الخلع الكاملة والطيلسان، ورد إليه النظر في المارستان.
وبنيت تربة قبر معروف في ربيع الأول، وعقد مشهده أزاجا بالجص والآجر.
[زلزلة بأرض فلسطين]
وفي جمادى الأولى: كانت زلزلة بأرض فلسطين أهلكت بلد الرملة، ورمت شرافتين من مسجد رسول الله ﷺ [١] ، ولحقت وادي الصفراء وخيبر، وانشقت الأرض عن كنوز من المال، وبلغ حسها إلى الرحبة والكوفة، وجاء كتاب بعض التجار في هذه الزلزلة، ويقول: إنها خسفت الرملة جميعها حتى لم يسلم منها إلا دربان فقط، وهلك منها خمسة عشر ألف نسمة، وانشقت الصخرة التي ببيت المقدس، ثم عادت فالتأمت بقدرة الله تعالى، وغار البحر مسيرة يوم وساح في البر، وخرب الدنيا، ودخل الناس إلى أرضه يلتقطون فرجع إليهم فأهلك خلقا عظيما منهم.
قَالَ المصنف: وقرأت بخط أبي علي بن البناء قَالَ: اجتمع الأصحاب وجماعة الفقهاء وأعيان أصحاب الحديث في يوم السبت النصف من جمادى الأولى من سنة ستين بالديوان العزيز، وسألوا إخراج الاعتقاد/ القادري وقراءته، فأجيبوا وقرئ هناك ٥٤/ أبمحضر من الجمع، وكان السبب أن ابن الوليد المعتزلي عزم على التدريس، وحرضه
стр. 5484
على ذلك جماعة من أهل مذهبه، وقالوا: قد مات الأجل بن يوسف وما بقي من ينصرهم، فعبر الشريف أبو جعفر إلى جامع المنصور، وفرح أهل السنة بذلك، وكان أبو مسلم الليثي البخاري المحدث معه كتاب «التوحيد» لابن حزمة فقرأه على الجماعة، وكان الاجتماع يوم السبت في الديوان لقراءة الاعتقاد القادري والقائمي، وفيه قَالَ السلطان وعلى الرافضة لعنة الله وكلهم كفار قَالَ: ومن لا يكفرهم فهو كافر، ونهض ابن فورك قائما فلعن المبتدعة وقال: لا اعتقاد لنا إلا ما اشتمل عليه هذا الاعتقاد، فشكرته الجماعة على ذلك، وكان الشريف أبو جعفر والزاهد أبو طاهر الصحراوي وقد سألا أن يسلم إليهم الاعتقاد، فقال لهما الوزير ابن جهير: ليس هاهنا نسخة غير هذه ونحن نكتب [١] لكم نسخة لتقرأ في المجالس، فقال: هكذا فعلنا في أيام القادر، قرئ في المساجد والجوامع، وقال: هكذا تفعلون فليس اعتقاد غير هذا. وانصرفوا شاكرين.
وفي يوم الأحد سابع جمادى الآخرة: قرأ الشريف أبو الحسين [٢] بن المهتدي الاعتقاد القادري والقائمي بباب البصرة، وحضر الخاص والعام، وكان قد سمعه من القادر.
وفي يوم الثلاثاء ثامن ذي القعدة خرج توقيع الخليفة إلى الوزير فخر الدولة أبي نصر محمد بن محمد بن جهير متضمنا بعزله بمحضر من قاضي القضاة الدامغاني، وعددت فيه ذنوبه، فمنها: أنه قيل له إنك بدلت أشياء في الخدمة، فوفيت بالبعض ومنها: أنك تحضر باب الحجرة من غير استئذان، وقد قلت: ما يجب أن يدخل هذا ٥٤/ ب المكان/ غيري، ومنها: أنك لبست خلع عضد الدولة في الدار العزيزة في أشياء أخر.
وقيل له: انظر إلى أي جهة تحب أن تقصدها لنوجهك [٣] لنوصلك إليها. فبكى في الجواب بكاء شديدا، وقلق قلقا عظيما، واعتذر عن كل ذنب بما يصلح، وقال: إذا رئي إبعادي فإلى [٤] حلة ابن مزيد، وبعد فانا أضرع إلى العواطف المقدسة في إجرائي
стр. 5485
على كريم العادة المألوفة في ترك المؤاخذة، فخرج الجواب عن الفصل الأخير المتعلق [بالمسير إلى] [١] الحلة بأن الأمر يجري عليه، واطرح جواب ما عداه، ثم أذن له في بيع غلاته والتصرف في ماله، وباع أصحابه ما لهم من الرحل والمتاع [٢] [وطلقوا النساء] [٣] ، وظهر من الاغتمام عليه من جميع أهل دار الخليفة الأمر العظيم، وكانوا يحضرون عنده فيبكي ويبكون، وخرج غلمانه وأصحابه في يوم الخميس عاشر ذي القعدة، وقدم له وقت العتمة من ليلة الجمعة سميرية خالية من فرش وبارية، وجاء هو وأولاده حتى وقف عند شباك المدورة وظن أن الخليفة في الشباك، فقبل الأرض عدة دفعات وبكى بكاء شديدا، وقال: الله بيني وبين من ثقل قلبك علي يا أمير المؤمنين، فارحم شيبتي وأولادي وذلي وموقفي، وارع لحرمتي. فلما يئس نزل إلى دجلة معضدا بين نفسين وهو يبكي، والعامة تبكي لبكائه، وتدعوا له فيرد عليهم ويودعهم، ثم أعيد إلى الوزارة بشفاعة دبيس بن مزيد.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣٩٣- خديجة بنت محمد بن علي بن عبد الله الواعظة المعروفة بالشاهجانية
[٤] :
ولدت سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وروت عن ابن سمعون/، وابن شاهين، ٥٥/ أوكانت صادقة صالحة تسكن قطيعة الربيع.
وتوفيت في هذه السنة ودفنت إلى جنب ابن سمعون، وكانت قد صحبته.
٣٣٩٤- عبد الملك بن محمد بن يوسف، أبو منصور، الملقب: بالشيخ الأجل
[٥] .
ولم يكن في زمانه من يخاطب بالشيخ الأجل سواه، ولد في سنة خمس وتسعين
стр. 5486
وثلاثمائة، وسمع أبا عمر بن مهدي، وأبا الحسن بن الصلت، وأبا الحسين [١] بن بشران، وغيرهم، وكان أوحد أهل زمانه في فعل المعروف، والقيام بأمور العلم، والنصرة لأهل السنة، والقمع لأهل البدع، وافتقاد المستورين بالبر، ودوام الصدقة، وكان إذا وصل أحد وصله سرًا [٢] حيث لا يراه أحد، فإذا شكره المعطي قَالَ: إنما أنا في هذه العطية وسيط وليست من مالي، ولما انحدر البساسيري إلى واسط أخذ ابن يوسف معه فنزل على رجل طحان، فلما رحل عنه أعطاه شيئا ثم مضت مدة فركب [٣] الطحان ديون، فقصد بغداد ودخل على ابن يوسف فأكرمه، وأفرد له حجرة، وكساه وأمر بعض غلمانه [٤] أن يسأله سبب قدومه فأخبره، فحدث ابن يوسف بذلك، فأرسل رجلا إلى واسط واكترى له سفينة، وحمل فيها ما يصلح حمله من الفواكه والتحف وكسوة كبيرة، وأعطاه مائتي دينار وقال له: ناد في الجامع من له دين على فلان فليحضر ومعه وثيقته، فإذا حضروا فعرفهم فقره، وأن رجلا أقرضه شيئا ليصالحوه على بعض ديونهم. ففعل ذلك، وأشهد عليهم بالقبض، وحمل تلك التحف إلى بيت الطحان، وعاد الطحان فظن أن ابن يوسف قد نسيه، فأحضره وسأله عن سبب قدومه فأخبره الوثائق، وأعطاه مائة دينار.
٥٥/ ب قَالَ/ المصنف ﵀: قرأت بخط أبي الوفاء بن عقيل قَالَ: كان أبو منصور بن يوسف عين زماننا، وكان قد انتقد أهل زمانه فاستعمل كل واحد منهم فيما يصلح لهم، فاستعمل للحجر والباعة أفره من وجد من الأحداث الأقوياء الشطار، فما قهر على رأي ولا كسر له غرض في بيع، واستعمل في إقامة الديانة الحنابلة مشايخ أفراد زهاد متنزهين عن معاشرة السلاطين ومكاثرة أبناء الدنيا يُقصدون ولا يَقصدون، العوام تعظمهم وتحبهم، والسلاطين توقرهم، وأخذ بالعطاء والكفاية [٥] أصحاب
стр. 5487
عبد الصمد، وهم أئمة [١] المساجد والزهاد، واستعبد القصاص والوعاظ، وأكرم بني هاشم الأشراف بالعطاء الجزيل، ثم عطف على الشحن والعمداء والعرب والتركمان فأرغبهم [٢] باللطائف والهدايا، فصار في الحشمة والمحبة الذي لا يناله أحد، فاحتاج إلى جاهه الخلفاء والملوك، وما كان يسمع منه كلمة تدل على فعل فعله، ولا إنعام أسداه، ولا منة على أحد، وصمد لحوائج الناس، وكان يعظم من يقصده في حاجة أكثر من تعظيمه من يقصده في غير حاجة.
وتولى ابن يوسف المارستان وهو لا يوجد فيه دواء ولا طبيب، والمرضى ينامون على بواري النقض، فطبقه بخمسة وعشرين ألف طابق، ورتب فيه ثمانية وعشرين طبيبا، وثلاثة خزان [٣] ، وابتاع له أملاكا نفيسة وكان مقدما عند السلاطين.
ولقد ماتت ابنته وكانت زوجه أبي عبد الله بن جردة، فتبعها الأكابر والقضاة، ومشوا بعض الطريق، وجاءت صلف القهرمانة بطعام وشراب من عند الخليفة.
وتوفي ابن يوسف في داره بباب المراتب يوم الثلاثاء، ودفن يوم الأربعاء لأربع عشرة من محرم هذه السنة بقبر أحمد، / وأبيه وجده لأمه أبي الحسين بن ٥٦/ أالسوسنجردي [٤] ، وغسله القاضي أبو الحسين بن المهتدي، وصلى عليه ابنه أبو محمد الحسن داخل المقصورة، وتبعه مائة ألف رجل سوى النساء، وعطلت أسواق بغداد.
قَالَ محمد بن الفضل الهمذاني: حدثني رجل من أهل النهروان أن ابن يوسف كان يعطيه كل سنة عشرة دنانير، فأتى بعد وفاته إلى ابن رضوان فأذكره بها، فأعرض عنه، فألح عليه، فقال له: اطلب من الّذي [٥] كان يعطيك. فمضى إلى قبر ابن يوسف، وجلس عنده يترحم عليه ويقرأ القرآن، فوجد عنده قرطاسا فيه عشرة دنانير فأخذه، وجاء إلى ابن رضوان فعرفه الحال، فتعجب وتفكر، فذكر أنه زار القبر وفي صحبته كواغد فيها
стр. 5488
دنانير قد أعدها للصدقة فسقط أحدها، فقال ابن رضوان: خذه ولن أقطعك إياه كل سنة ما دمت حيا.
ومن العجائب: ما ذكره هبة الله بن المبارك السقطي قَالَ: توفي الأجل أبو منصور بن يوسف فورث عنه ابناه ثلاثين ألف دينار، فتزوجا بابنتي [١] علي بن جردة، وقد ورثتا عن أبيهما ثلاثين ألف دينار عقارا وعينا فانفق الجماعة ذلك في أيسر زمان، حتى ظل قوم منهم يتكففون [٢] الناس.
٣٣٩٥- أبو جعفر الطوسي
[٣] .
فقيه الشيعة، توفي بمشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇.
стр. 5489
ثم دخلت سنة احدى وستين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
أن الرغبات في الوزارة زادت، فطلبها من لا يصلح، واستقر أمر ابن عبد الرحيم، فكتب العوام الرقاع وألصقوها/ في الجامع باللعن لمن يسعى في هذا، لأن ابن ٥٦/ ب عبد الرحيم كان مع البساسيري نهب الحرم، وقالت خاتون للخليفة: هذا الرجل من جملة من نهبني، وكان ابن جهير يواصل السؤال في العفو عن نفسه، وتكلمت القهرمانة في حقه، وبذل عنه خمسة عشر ألف دينار، فوقعت الإجابة، وأعفى من المال، وبعث حاجب الباب أبو عبد الله المردوسي ومعه خادمان لاستدعائه، فأقبل إلى بغداد في يوم الأربعاء ثاني عشر صفر، وفرح الناس بمجيئه حتى صام بعضهم وتصدق آخرون [١] ، وصعد الخليفة إلى المنظرة التي على الحلبة لمشاهدته، فلما نزل إلى هناك نزل تحتها وقبل الأرض ودعا، ثم ركب والعوام حوله، فلما وصل إلى باب النوبي نزل فقبّل العتبة، ثم دخل إلى الديوان، وانتهى حضوره فخرج في التوقيع: وقف على ما أنهيته وحصولك واستقرارك بمقر عز خدمتك من الديوان، مشمولا بعز خدمتك [٢] الخدمة الشريفة، قد أكمل الله لك بيمن بركتها [٣] كل بغية، وأعادك إلى أفضل ما عهدته، وليس فيما جرى بقادح في موضعك فأكثر حمد الله على ما أولاك، ثم جمع الناس إلى بيت النوبة في يوم
стр. 5490
الأربعاء ثالث ربيع الأول، وجلس الخليفة في التاج على دجلة [١] وأوصل الوزير وولداه إلى حضرته فقال للوزير: الحمد للَّه جامع الشمل بعد شتاته، وواصل الحبل بعد بتاته، ثم خلع عليهم وركبوا في يوم الجمعة سادس ربيع الأول إلى جامع المدينة في موكب كبير، والناس يضجون بالدعاء والسرور به، ومدحه ابن الفضل فقال [٢] :
قد رجع الحق إلى نصابه ... وأنت من دون الورى أولى به
ما كنت إلا السيف سلته يد ... ثم أعادته إلى قرابه
٥٧/ أ/ هزّته حتى إذا رأته [٣] صارما ... رؤيته تغنيك عن ضرابه
أكرم بها وزارة ما سلمت ... ما استودعت إلا إلى أربابه
مشوقة إليك مذ فارقتها [٤] ... شوق أخي الشيب إلى شبابه
[حاولها قوم ومن هذا الّذي ... يخرج ليثا حادرا من غابه [٥]]
يدمى أبو الأشبال من زاحمه ... في خيسه بظفره ونابه
وهل رأيت أو سمعت لابسا ... ما خلع الأرقم من ثيابه
إن الهلال يرتجى طلوعه ... بعد السرار ليلة احتجابه
والشمس لا يوءس من طلوعها ... وإن طواها الليل في جلبابه
ما أطيب الأوطان إلا أنها ... أحلى عليه أثر اغترابه
لو قرب الدر على جالبه ... ما لجج الغائص في طلابه
ولو أقام لازما أصدافه ... لم تكن التيجان في حسابه
ما لؤلؤ البحر ولا مرجانه ... إلا وراء الهول من عبابه [٦]
من يعشق العلياء يلق عندها ... ما لقى المحب من أحبابه
طورا صدودا ووصالا مرة ... ولذة الوامق في عتابه
стр. 5491
ذل لفخر الدولة الصعب الذرى [١] ... وعلم الإمام من آدابه
وفي ربيع الآخر: جرت فتنة لأجل أبي الوفاء بن عقيل، وكان أصحابنا قد نقموا عليه تردده إلى أبي علي بن الوليد لأجل [٢] أشياء كان يقولها [٣] وكان في ابن عقيل فيه [٤] فطنة وذكاء، فأحب الاطلاع على [كل] [٥] مذهب [٦] يقصد ابن الوليد، وقرأ عليه شيئا من الكلام في السر، وكان ربما تأول بعض أخبار الصفات، فإذا أنكر عليه ذلك حاول [٧] عنه، واتفق أنه مرض فأعطى رجلا [ممن كان] [٨] يلوذ به يقال له: معالي الحائك بعض كتبه، وقال له: إن مت فأحرقها بعدي فاطلع عليها ذلك الرجل، فرأى فيها ما يدل على تعظيم المعتزلة والرحم على الحلاج/، وكان قد صنف في مدح الحلاج جزء في زمان ٥٧/ ب شبابه، وذلك الجزء عندي بخطه، تأول فيه أقواله وأفعاله [٩] وفسر أسراره [١٠] ، واعتذر له، فمضى ذلك الحائك فأطلع على ذلك الشريف أبا جعفر وغيره [١١] ، فاشتد ذلك على أصحابنا، وراموا الإيقاع به، فاختفى ثم التجأ إلى باب المراتب، ولم يزل في [الأمر] [١٢] يختبط إلى أن آل إلى الصلاح في سنة خمس وستين.
[بلوغ دجلة زيادة إحدى وعشرين ذراعا]
وفي جمادى الأولى: بلغت زيادة دجلة [١٣] إحدى وعشرين ذراعا وثلاثين [وبلغ
стр. 5492
إلى الثريا] [١] وفجرت بثقا فوق دار الغربة، ودخل [٢] الماء إلى مشهد النذور، ومشهد المالكية [٣] والسبتي وتلوفي وسد.
وفي عشية يوم الأربعاء رابع رجب: ولد للأمير عدة الدين بن أبي القاسم [٤] مولود كنى: أبا الفضل، وسمي أحمد، وجلس الوزير فخر الدولة من غد للهناء به بباب الفردوس، وابتدأ العوام بتعليق الأسواق، ونصب القباب، وتوفي وقت الظهر وحمل سرا إلى الترب بالرصافة، فحط ما علق.
[ورود الخبر بأن الأفشين التركي خرب بلادا كثيرة من بلاد الروم]
وورد من بلاد الروم من أخبر أن [الأمير] [٥] الأفشين التركي ومن معه من الغزاة خربوا بلادا كثيرة من بلاد الروم، وبلغوا إلى عمورية، واتفق أن ملك الروم قبض على بطريق كبير من بطارقته، وهرب أخوه عند علمه بذلك، فصادف الأفشين [٦] في طريقه فعرفه ما لحق أخاه من الملك، ووعده أن يحتال على عمورية فيأخذها له، وتحالفا علي ذلك، وقصد البطريق ومن معه [من الروم] [٧] عمورية، وبين يديه الصلبان، وراسل من فيها بأن الملك أنفذني إليكم لأعاونكم وأشد منكم لأجل هؤلاء الغزاة العائثين في ٥٨/ أأعمالكم، فخرجوا فتلقوه ومشوا [٨] بين يديه، فحين ملك البطريق ومن معه/ البلد لحقه الأفشين، فدخل البلد فنهبه وقتل وسبى، وأخذ من الأموال شيئا عظيما [وأسرى إلى قريب من بحيرة قسطنطينية فارغا على خير بلاد الروم هناك] [٩] وأخذ منه [نحو] [١٠] ستة آلاف أسير [١١] ، وعاد إلى أنطاكية فحصرها فتقرر [١٢] عليها عشرين ألف دينار.
стр. 5493
أنبانا محمد بْن ناصر الحافظ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ميمون النرسي قال: بيع السمك النّبيء عندنا بالكوفة- يعني [١] في هذه السنة- في حدود أربعين رطلا، بحبة ذهب [٢] وما رأينا بالكوفة هكذا ولا حدثنا.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣٩٦- أحمد بن الحسن بن الفضل، أبو الحسن [ابن] الكاتب
[٣] .
من ساكني الحريم الطاهري، ولد سنة ست وسبعين وثلاثمائة، وسمع ابني بشران أبا الحسين وأبا القاسم [٤] ، وغيرهما، وكان صالحا ثقة.
توفي في ليلة السبت ثامن عشر ربيع الآخر، ودفن يوم السبت بباب حرب.
٣٣٩٧- أحمد بن أبي حنيفة، أبو طاهر .
حدث عن أبي الحسين [٥] السوسنجردي.
وتوفي يوم الخميس خامس عشر ربيع الأول [٦] ودفن بباب حرب.
٣٣٩٨- عبد الباقي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، المعروف: بصهر عبد الله البزار المعدل .
ولد سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وحدث عن أبي الحسن بن الصلت، وتوفي في صفر، وقيل: في محرم سنة إحدى وستين، وكان ثقة.
стр. 5494
ثم دخلت سنة اثنتين [وستين] [١] واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
٥٨/ ب/ أنه كان ثلاث ساعات من يوم الثلاثاء الحادي عشر من جمادى الأولى [٢] وهو الثامن من آذار زلزلة عظيمة بالرملة وأعمالها، فذهب أكثرها وانهدم سورها، وعم ذلك ببيت المقدس وتنيس، وانخسفت أيلة كلها، وانجفل البحر في وقت الزلزلة حتى انكشفت أرضه، ومشى الناس فيه، ثم عاد إلى حاله. وتغيرت إحدى زوايا الجامع بمصر، وتبع هذه الزلزلة في ساعتها زلزلتان.
وتوجه ملك الروم من قسطنطينية إلى الشام في ثلاثمائة ألف، ونزل على منبج ستة عشر يوما، وسار إليه المسلمون، فانهزم المسلمون وقتل جماعة منهم، وأحرق ما بين بلد الروم ومنبج من الضياع والقرى، وقتل رجالهم، وسبي نساءهم، وخاف أهل حلب خوفا شديدا، ثم انقطعت الميرة عن ملك الروم فهلك من معه جوعا فرجع.
وفي هذه السنة: فسدت أحوال ملك مصر وقوتل، فاحتاج فبعث [٣] فأخذ ما في مشهد إبراهيم الخليل [﵇] [٤] ، وضاقت يد ابن أبي هاشم أمير مكة لانقطاع ما
стр. 5495
كان يصله من مصر وغيرها، فعمد إلى ثياب [١] الكعبة فقطع الذهب [٢] الذي فيها [٣] وسبكه، وإلى قبلتها وميزابها وحلق بابها، فكسره وضربه دنانير ودراهم، ثم عدل إلى مصادرات أهل مكة حتى رحلوا [٤] عنها، وكذلك صنع أمير المدينة، فأخذ قناديل وآلات فضة كانت هناك فسبكها.
وفي يوم الاثنين [٥] السادس والعشرين من جمادى الآخرة: جمع [الأمير] [٦] العميد أبو نصر الوجوه فأحضر أبا القاسم بن الوزير فخر الدولة، والنقيبين، والأشراف، وقاضي القضاة، والشهود إلى المدرسة [النظامية] [٧] وقرئت كتب وقفتها، ووقف كتب فيها ووقف ضياع وأملاك وسوق أبنيت عليها [٨] ، وعلى [بابها عليه وعلى] [٩] أولاد نظام الملك على شروط شرطت فيها.
/ وفي شهر رجب: وصل رسول السلطان للخدمة والدعاء وأجيب [١٠] بما أشرف ٥٩/ أبه وأضحت توقيعا للديوان بعشرة آلاف دينار على الناظر ببغداد، وتوقيعا بإقطاع مبلغ ارتفاعه سبعة آلاف دينار كل سنة من واسط والبصرة.
وفي ذي القعدة: ورد من مصر والشام عدد كثير [من رجال] [١١] ونساء هاربين من الجرف [١٢] والغلاء، وأخبروا أن مصر لم يبق بها كبير [١٣] أحد من الجوع والموت، وأن
стр. 5496
الناس أكل بعضهم بعضًا، وظهر علي رجل [١] قد ذبح عدة من الصبيان والنساء وطبخ لحومهم وباعها، وحفر حفيرة دفن فيها رءوسهم وأطرافهم، فقتل، وأكلت البهائم فلم يبق إلا ثلاثة أفراس لصاحب مصر بعد ألوف من الكراع، وماتت الفيلة، وبيع الكلب بخمسة دنانير، وأوقية زيت بقيراط، واللوز والسكر بوزن الدراهم، والبيضة بعشرة قراريط، والرواية الماء بدينار لغسل الثياب.
وخرج وزير صاحب مصر إلى السلطان، فنزل عن بغلته وما معه إلا غلام واحد لعدم ما يطعم الغلمان، فدخل وشغل الركابي عن البغلة لضعف قوته، فأخذها ثلاثة أنفس ومضوا بها، فذبحوها وأكلوها فأنهى ذلك إلى صاحب مصر، فتقدم بقتلهم وصلبهم فصلبوا، فلما كان من الغد وجدت عظامهم مرمية تحت خشبهم [٢] وقد أكلهم الناس، وكانت البادية تجلب الطعام، فتبيع الحمل بثلاثمائة دينار خارج البلد، ولا يتجاسرون أن يدخلوا البلد، ومن اشترى منه فربما نهبه الناس منه، وبيع من ثياب ٥٩/ ب صاحب مصر وآلاته ما اشترى منه في دار الخلافة، فوجدت فيه/ أشياء [كانت] [٣] نهبت عند القبض على الطائع، وأشياء نهبت في نوبة البساسيري، وخرج من خزانة السلاح التي لصاحب [٤] مصر أحد عشر ألف درع، وتجفاف، وعشرون ألف سيف محلى، وثمانون ألف قطعة بلور كبار، و [خمسة] [٥] وسبعون ألف قطعة من الديباج القديم، وبيعت ثياب النساء، وسجف المهود، وبيع من ذلك طست وإبريق بلور باثنى عشر دينارا، وبيع من هذا الجنس وحده نحو ثمانين ألف قطعة، وبيع نحو خمس وسبعين ألف قطعة من الثياب الديباج، وبيعت عشر حبات وزنها عشرة مثاقيل بأربعمائة دينار، وباع رجل دارا بمصر كان ابتاعها [٦] بتسعمائة دينار بسبعين دينارا، فاشترى بها دون الكارة من الدقيق.
стр. 5497
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣٩٩- أحمد بن محمد بن سياووش الكازروني
[١] .
سمع أبا أحمد الفرضي، وهلالا الحفار، وأبا عبد الله بن دوست، وغيرهم، وكان مكثرا ثقة صالحا من أهل السنة، صحيح السماع، حدثنا عنه أبو عبد الله بن السلال.
وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن قريبا من رباط عتاب بالجانب الغربي.
٣٤٠٠- أحمد بن الحسن، اللحياني [٢] الصفار
[٣] .
توفي في رجب وكان يقرئ القرآن.
٣٤٠١- أحمد بن علي، الأسدآباذي [٤] أبو منصور
[٥] :
حدث عن الصيدلاني وغيره. روى عنه أبو الفضل بن خيرون، وأطلق عليه الكذب الصريح واختلاق الشيوخ الذين لم يكونوا وادعى ما لم يسمع.
٣٤٠٢- الحسن بن علي بن محمد بن باري، أبو الجوائز الكاتب الواسطي
[٦] .
ولد سنة/ اثنتين وخمسين وثلاثمائة، سكن بغداد دهرا طويلا، وكان أديبا شاعرا ٦٠/ أمليح الشعر.
стр. 5498
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أنشدنا أبو الجوائز الحسن بن علي بن باري الواسطي لنفسه:
واحربا من قولها ... خان عهودي ولها
وحق من صيرني ... وقفا عليها ولها
ما خطرت بخاطري ... إلا كستني ولها
٣٤٠٣- عبد الله بن عبد العزيز بن باكويه
[١] :
روى الحديث وتوفي في رجب ودفن في باب حرب.
٣٤٠٤- محمد بن أحمد بن سهل، أبو غالب بن بشران النحوي الواسطي، ويعرف: بابن الخالة
[٢] :
ولد سنة ثلاثين وثلاثمائة وكان عالما بالأدب وانتهت إليه الرحلة في اللغة سمع أبا الحسين علي بن محمد بن عبد الرحيم، وأبا القاسم علي بن طلحة، وأبا عبد الله الحسين بن الحسن العلويّ في آخرين، حدّث عنه أبو عبد الله [٣] الحميدي وغيره، وله من الشعر المستحسن.
أخبرنا محمد بن ناصر قَالَ: أنشدنا أبو عبد الله الحميدي قَالَ: أنشدني أبو غالب بن بشران لنفسه:
يا شائدا للقصور كهلا ... أقصر فقصر الفتى الممات
لم يجتمع شمل أهل قصر ... إلا وقصراهم الشتات
وإنما العيش مثل ظل ... منتقل ما له ثبات
قَالَ: وأنشدني لنفسه:
سيان إن لاموا وإن غدروا ... ما لي عن الأحباب مصطبر
стр. 5499
إن واصلوا شكروا، وإن هجروا ... عذروا، وما اجترموه مغتفر
/ لا غرو إن أغرى بحبهم ... إذ ليس لي في غيرهم وطر ٦٠/ ب
فليفعلوا ما حاولوا فهم ... منى بحيث السمع والبصر
لا بد لي منهم وإن تركوا ... قلبي بنار الهجر يستعر
وعلى أن أرضى بما اصطنعوا ... وأطيعهم في كل ما أمروا
قَالَ: وأنشدني لنفسه:
ولما أثاروا العيس بالبين بينت ... غرامي لمن حولي دموع وأنفاس
فقلت لهم لا بأس بي فتعجبوا ... وقالوا الذي أبديته كله بأس
[تعوض بأنس الصبر من وحشة الأسى ... فقد فارق الأحباب من قبلك الناس]
[١] قَالَ: وأنشدني لنفسه:
ودعتهم ولي الدنيا مودعة ... ورحت ما لي سوى ذكراهم وطر
وقلت يا لذتي بيني لبينهم ... فإن صفو حياتي بعدهم كدر
لولا تعلل قلبي بالرجاء لهم ... ألفيته [٢] إذ حدوا بالعيس [٣] ينفطر
يا ليت عيسهم ويوم النوى نحرت ... أوليتها للضواري بالفلا جزر
يا ساعة البين أنت الساعة اقتربت ... يا لوعة البين أنت النار تستعر
قَالَ: وأنشدني لنفسه:
طلبت صديقا في البرية كلها ... فأعيا طلابي أن أصيب صديقا
بلى من تسمى بالصديق مجازة ... ولم يك في معنى الوداد صدوقا
فطلقت ود العالمين صريمة ... وأصبحت من أسر الحفاظ طليقا
توفي ابن بشران في منتصف رجب هذه السنة.
стр. 5500
٣٤٠٥- محمد بن الحسين [١] بْن عَبْد الله بن أحمد بن الحسن بن أبي علانة
[٢] :
ولد في سنة ثمانين وثلاثمائة، وحدث عن أبي طاهر المخلص، روى عنه أبو بكر الخطيب، وكان سماعه صحيحا.
وتوفي فجأة يوم الخميس العشرين في شعبان من هذه السنة [٣] ودفن يوم الجمعة عند قبر معروف الكرخي [٤] .