← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

الناس أكل بعضهم بعضًا، وظهر علي رجل [١] قد ذبح عدة من الصبيان والنساء وطبخ لحومهم وباعها، وحفر حفيرة دفن فيها رءوسهم وأطرافهم، فقتل، وأكلت البهائم فلم يبق إلا ثلاثة أفراس لصاحب مصر بعد ألوف من الكراع، وماتت الفيلة، وبيع الكلب بخمسة دنانير، وأوقية زيت بقيراط، واللوز والسكر بوزن الدراهم، والبيضة بعشرة قراريط، والرواية الماء بدينار لغسل الثياب. وخرج وزير صاحب مصر إلى السلطان، فنزل عن بغلته وما معه إلا غلام واحد لعدم ما يطعم الغلمان، فدخل وشغل الركابي عن البغلة لضعف قوته، فأخذها ثلاثة أنفس ومضوا بها، فذبحوها وأكلوها فأنهى ذلك إلى صاحب مصر، فتقدم بقتلهم وصلبهم فصلبوا، فلما كان من الغد وجدت عظامهم مرمية تحت خشبهم [٢] وقد أكلهم الناس، وكانت البادية تجلب الطعام، فتبيع الحمل بثلاثمائة دينار خارج البلد، ولا يتجاسرون أن يدخلوا البلد، ومن اشترى منه فربما نهبه الناس منه، وبيع من ثياب ٥٩/ ب صاحب مصر وآلاته ما اشترى منه في دار الخلافة، فوجدت فيه/ أشياء [كانت] [٣] نهبت عند القبض على الطائع، وأشياء نهبت في نوبة البساسيري، وخرج من خزانة السلاح التي لصاحب [٤] مصر أحد عشر ألف درع، وتجفاف، وعشرون ألف سيف محلى، وثمانون ألف قطعة بلور كبار، و [خمسة] [٥] وسبعون ألف قطعة من الديباج القديم، وبيعت ثياب النساء، وسجف المهود، وبيع من ذلك طست وإبريق بلور باثنى عشر دينارا، وبيع من هذا الجنس وحده نحو ثمانين ألف قطعة، وبيع نحو خمس وسبعين ألف قطعة من الثياب الديباج، وبيعت عشر حبات وزنها عشرة مثاقيل بأربعمائة دينار، وباع رجل دارا بمصر كان ابتاعها [٦] بتسعمائة دينار بسبعين دينارا، فاشترى بها دون الكارة من الدقيق.

стр. 5497

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٣٩٩- أحمد بن محمد بن سياووش الكازروني [١] . سمع أبا أحمد الفرضي، وهلالا الحفار، وأبا عبد الله بن دوست، وغيرهم، وكان مكثرا ثقة صالحا من أهل السنة، صحيح السماع، حدثنا عنه أبو عبد الله بن السلال. وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن قريبا من رباط عتاب بالجانب الغربي. ٣٤٠٠- أحمد بن الحسن، اللحياني [٢] الصفار [٣] . توفي في رجب وكان يقرئ القرآن. ٣٤٠١- أحمد بن علي، الأسدآباذي [٤] أبو منصور [٥] : حدث عن الصيدلاني وغيره. روى عنه أبو الفضل بن خيرون، وأطلق عليه الكذب الصريح واختلاق الشيوخ الذين لم يكونوا وادعى ما لم يسمع. ٣٤٠٢- الحسن بن علي بن محمد بن باري، أبو الجوائز الكاتب الواسطي [٦] . ولد سنة/ اثنتين وخمسين وثلاثمائة، سكن بغداد دهرا طويلا، وكان أديبا شاعرا ٦٠/ أمليح الشعر.

стр. 5498

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أنشدنا أبو الجوائز الحسن بن علي بن باري الواسطي لنفسه: واحربا من قولها ... خان عهودي ولها وحق من صيرني ... وقفا عليها ولها ما خطرت بخاطري ... إلا كستني ولها ٣٤٠٣- عبد الله بن عبد العزيز بن باكويه [١] : روى الحديث وتوفي في رجب ودفن في باب حرب. ٣٤٠٤- محمد بن أحمد بن سهل، أبو غالب بن بشران النحوي الواسطي، ويعرف: بابن الخالة [٢] : ولد سنة ثلاثين وثلاثمائة وكان عالما بالأدب وانتهت إليه الرحلة في اللغة سمع أبا الحسين علي بن محمد بن عبد الرحيم، وأبا القاسم علي بن طلحة، وأبا عبد الله الحسين بن الحسن العلويّ في آخرين، حدّث عنه أبو عبد الله [٣] الحميدي وغيره، وله من الشعر المستحسن. أخبرنا محمد بن ناصر قَالَ: أنشدنا أبو عبد الله الحميدي قَالَ: أنشدني أبو غالب بن بشران لنفسه: يا شائدا للقصور كهلا ... أقصر فقصر الفتى الممات لم يجتمع شمل أهل قصر ... إلا وقصراهم الشتات وإنما العيش مثل ظل ... منتقل ما له ثبات قَالَ: وأنشدني لنفسه: سيان إن لاموا وإن غدروا ... ما لي عن الأحباب مصطبر

стр. 5499

إن واصلوا شكروا، وإن هجروا ... عذروا، وما اجترموه مغتفر / لا غرو إن أغرى بحبهم ... إذ ليس لي في غيرهم وطر ٦٠/ ب فليفعلوا ما حاولوا فهم ... منى بحيث السمع والبصر لا بد لي منهم وإن تركوا ... قلبي بنار الهجر يستعر وعلى أن أرضى بما اصطنعوا ... وأطيعهم في كل ما أمروا قَالَ: وأنشدني لنفسه: ولما أثاروا العيس بالبين بينت ... غرامي لمن حولي دموع وأنفاس فقلت لهم لا بأس بي فتعجبوا ... وقالوا الذي أبديته كله بأس [تعوض بأنس الصبر من وحشة الأسى ... فقد فارق الأحباب من قبلك الناس] [١] قَالَ: وأنشدني لنفسه: ودعتهم ولي الدنيا مودعة ... ورحت ما لي سوى ذكراهم وطر وقلت يا لذتي بيني لبينهم ... فإن صفو حياتي بعدهم كدر لولا تعلل قلبي بالرجاء لهم ... ألفيته [٢] إذ حدوا بالعيس [٣] ينفطر يا ليت عيسهم ويوم النوى نحرت ... أوليتها للضواري بالفلا جزر يا ساعة البين أنت الساعة اقتربت ... يا لوعة البين أنت النار تستعر قَالَ: وأنشدني لنفسه: طلبت صديقا في البرية كلها ... فأعيا طلابي أن أصيب صديقا بلى من تسمى بالصديق مجازة ... ولم يك في معنى الوداد صدوقا فطلقت ود العالمين صريمة ... وأصبحت من أسر الحفاظ طليقا توفي ابن بشران في منتصف رجب هذه السنة.

стр. 5500

٣٤٠٥- محمد بن الحسين [١] بْن عَبْد الله بن أحمد بن الحسن بن أبي علانة [٢] : ولد في سنة ثمانين وثلاثمائة، وحدث عن أبي طاهر المخلص، روى عنه أبو بكر الخطيب، وكان سماعه صحيحا. وتوفي فجأة يوم الخميس العشرين في شعبان من هذه السنة [٣] ودفن يوم الجمعة عند قبر معروف الكرخي [٤] .

стр. 5501

ثم دخلت ٦١/ أسنة ثلاث وستين واربعمائة فمن الحوادث فيها: [ورد على السلطان خبر ملك الروم جمعه العساكر] أنه ورد على السلطان خبر ملك الروم في جمعه العساكر [الكثيرة] [١] ومسيره نحو البلاد الإسلامية، وكان السلطان في فل من العسكر، لأنهم عادوا من الشام جافلين إلى خراسان للغلاء الّذي استنفد أموالهم، فطلبوا مراكزهم راجعين، وبقي السلطان في نحو أربعة آلاف غلام، ولم ير مع ذاك أن يرجع إلى بلاده، ولم يجمع عساكره فيكون هزيمة على الإسلام، وأحب الغزاة والصبر فيها، فأنفذ خاتون السفرية ونظام الملك والأثقال إلى همذان، وتقدم [إليه] [٢] بجمع العساكر وإنفاذها إليه، وقال له ولوجوه عسكره: أنا صابر في هذه الغزاة صبر المحتسبين وصائر إليها [٣] مصير المخاطرين، فإن سلمت فذاك ظني في الله تعالى، وإن تكن الأخرى فأنا أعهد إليكم وأشهد الله عليكم [٤] أن تسمعوا لولدي ملك شاه وتطيعوه، وتقيموه مقامي، وتملكوه عليكم، فقد وقفت هذا الأمر عليه، ورددته إليه. فأجابوه بالدعاء والسمع والطاعة، وكان ذلك من فعل نظام الملك وترتيبه ورأيه، وأبقى السلطان مع القطعة من العسكر المذكورة جريدة، ومع كل غلام فرس يركبه وفرس

стр. 5502

يجنبه، وسار قاصدا لملك الروم وأنفذ أحد الحجاب في جماعة من الغلمان مقدمة له، فصادف عند خلاط صليبا تحته عشرة آلاف من الروم [١] فحاربهم فنصر عليهم، وأخذ الصليب، وهربوا بعد أن أثخنوا قتلا وجراحًا، وحمل مقدمهم إلى السلطان فأمر بجدع ٦١/ ب أنفه، وأنفذ الصليب وكان خشبا وعليه فضة وإقطاع/ من الفيروزج، وإنجيلًا كان معه في «سفط» من فضة إلى «همذان» [٢] ، وكتب معه إلى نظام الملك بالفتح، وأمر أن يحمل إلى حضرة الخلافة. ووصل ملك الروم فالتقيا بموضع يقال له «الرهوة» في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة، وكثر عسكر الروم وجملة من كان مع السلطان يقاربون عشرين ألفا، وأما ملك الروم فإنه كان معه خمسة وثلاثون ألفا من الإفرنج وخمسة وثلاثون ألفا مائتين [٣] بطريق، ومتقدم مع كل رجل منهم بين ألفي فارس إلى خمسمائة، وكان معه خمسة عشر ألفا من الغز الذين من وراء القسطنطينية، ومائة ألف نقّاب وحفّار، و [مائة] [٤] ألف روزجاري، وأربعمائة عجلة تجرها ثمانمائة جاموسة عليها نعال ومسامير للدواب، وألف عجلة [٥] عليها السلاح والسروج والعرادات والمجانيق، منها منجنيق يمده ألف رجل ومائتا رجل. فراسل السلطان ملك الروم بأن يعود إلى بلاده وأعود أنا، وتتم الهدنة بيننا التي توسطنا فيها الخليفة، وكان ملك الروم قد بعث رسوله يسأل الخليفة أن يتقدم إلى السلطان بالصلح والهدنة، فعاد جواب ملك الروم بأني قد أنفقت الأموال الكثيرة، وجمعت العساكر الكثيرة للوصول إلى مثل هذه الحالة، فإذا ظفرت بها فكيف أتركها، هيهات لا هدنة إلا بالري، ولا رجوع إلا بعد أن أفعل ببلاد الإسلام مثل ما فعل ببلاد الروم.

стр. 5503

فلما كان وقت الصلاة من يوم الجمعة صلى السلطان بالعسكر، ودعا الله تعالى وابتهل وبكى وتضرع وقال لهم: نحن مع القوم تحت الناقص، وأريد أن أطرح نفسي عليهم في هذه الساعة التي يدعى فيها لنا وللمسلمين علي المنابر، فإما أن أبلغ الغرض، وأما أن أمضى شهيدا إلى الجنة، فمن أحب أن يتبعني منكم فليتبعني، ومن أحب أن ينصرف فليمض مصاحبا/ عني، فما هاهنا سلطان يأمر، ولا عسكر يؤمر، ٦٢/ أفإنما أنا اليوم واحد منكم، وغاز معكم، فمن تبعني ووهب نفسه للَّه تعالى فله الجنة والغنيمة [١] ، ومن مضى حقت عليه النار والفضيحة. فقالوا له: أيها السلطان، نحن عبيدك، ومهما فعلته تبعناك فيه وأعناك عليه، فافعل ما تريد. فرمى القوس والنشاب، ولبس السلاح، وأخذ الدبوس، وعقد ذنب فرسه بيده وركبها، ففعلوا مثله، وزحف إلى الروم، وصاح وصاحوا، وحمل عليهم وثار الغبار، واقتتلوا ساعة أجلت الحال فيها عن هزيمة الكفار، فقتلوا يومهم وليلتهم القتل الذريع، ونهبوا وسبوا النهب والسبي العظيم. ثم عاد السلطان إلى موضعه، فدخل عليه الكهراي الخادم فقال: يا سلطان، أحد غلماني قد ذكر أن ملك الروم في أسره، وهذا الغلام عرض على نظام الملك في جملة العسكر فاحتقره وأسقطه، فخوطب في أمره فأبى أن يثبته، وقال مستهزئا، لعله أن يجيئنا بملك الروم أسيرا، فأجرى الله تعالى أسر ملك الروم على يده. واستبعد السلطان ذلك، واستحضر غلاما يسمى: «شاذى» كان مضى دفعات مع الرسل إلى ملك الروم، فأمره بمشاهدته وتحقيق أمره، فمضى فرآه ثم عاد فقال: هو هو. فتقدم بضرب خيمة له، ونقله إليها وتقييده وغل يده إلى عنقه، وأن يوكل به مائة غلام، وخلع على الذي أسره وحجبه، وأعطاه ما اقترحه، واستشرحه الحال فقال: قصدته وما أعرفه وحوله عشرة صبيان من الخدم، فقال لي أحدهم: لا تقتله فإنه الملك فأسرته وحملته. فتقدم السلطان بإحضاره فأحضر بين يديه، فضربه بيده ثلاث مقارع أو أربعا،

стр. 5504

ورفسه مثلها فقال له: الم آذن لرسل الخليفة في قصدك وإمضاء الهدنة معك وإجابتك ٦٢/ ب في ذلك إلى ملتمسك، ألم أرسلك الآن وأبذل لك الرجوع/ عنك فأبيت إلا ما يشبهك، وأي شيء حملك على البغي؟ فقال: قد جمعت أيها السلطان واستكثرت واستظهرت، وكان النصر لك، فافعل ما تريد ودعني من التوبيخ. قَالَ: فلو وقعت معك ماذا كنت تفعل بي. قَالَ: القبيح. قَالَ: صدق والله، ولو قَالَ غير ذلك لكذب، وهذا رجل عاقل جلد لا ينبغي أن يقتل. قَالَ: وما تظن الآن أن يفعل بك. قَالَ: أحد ثلاثة أقسام: الأولى قتلى. والثاني: إشهاري في بلادك التي تحدثت [١] بقصدها [وأخذها] [٢] ، والثالث: لا فائدة في ذكره فإنك لا تفعله. قَالَ: فاذكره. قَالَ: العفو عني وقبول الأموال والفدية مني، واصطناعي وردى إلى ملكي مملوكا لك نائبا في ملك الروم عنك. فقال: ما اعتزمت فيك إلا هذا الذي وقع يأسك منه، وبعد ظنك عنه، فهات الأموال التي تفك رقبتك. فقال: يقول السلطان ما شاء، فقال: أريد عشرة آلاف ألف دينار. فقال: والله إنك تستحق مني ملك الروم إذا وهبت لي نفسي، ولكني قد أنفقت واستهلكت [٣] من أموال الروم أحد عشر ألف [ألف] [٤] دينار، منذ وليت عليهم في تجديد العساكر والحروب التي بليت بها إلى يومي هذا، فأفقرتهم بذلك، ولولا هذا ما استكثرت شيئا تقترحه. فلم يزل الخطاب يتردد إلى أن استقر الأمر على ألف ألف وخمسمائة ألف دينار، وفي الهدنة على ثلاثمائة ألف وستين ألف دينار في كل سنة، وإطلاق كل أسير في الروم، وحمل ألطاف وتحف مضافة إلى ذلك، وأن يحمل من عساكر الروم المزاحة العلل ما يلتمس أي وقت دعت حاجة إليها.

стр. 5505

فقال له: إذا كنت قد مننت على فعجل تسريحي قبل أن تنصب الروم ملكا غيري، ولا يمكنني أن أقرب منهم، ولا أفي بشيء مما بذلته. فقال السلطان: أريد أن تعيد أنطاكية، والرها، ومنبج، فإنها أخذت من المسلمين عن قرب، وتطلق أسارى المسلمين. فقال: / إذا رجعت إلى ملكي سوف ٦٣/ أأريك ما أفعل [١] فأنفذ إلى كل موضع منها عسكرا وحاصره، لا توصل إلى تسليمها [٢] ، فأما أن ابتدئ بذلك فلا يقبل مني، وأما الأسارى فأنا أسرحهم وأفعل الجميل معهم. فتقدم السلطان يفك قيده وغله، ثم قَالَ: أعطوه قدحا ليسقينيه، فأعطى فظن أنه له فأراد أن يشربه فمنع منه، وأمر أن يخدم السلطان، ويتقدم إليه ويناوله إياه، وأومأ إلى الأرض إيماء قليلا على عادة الروم، وتقدم إليه فأخذ السلطان القدح، وجز شعره، فجعل وجهه على الأرض وقال: إذا خدمت الملوك فافعل هكذا. وكان لذلك سبب اقتضاه وهو أن السلطان قَالَ بالري: ها أنا أمضي إلى قتال ملك الروم وآخذه أسيرا، وأقيمه على رأسي ساقيا. وانصرف ملك الروم إلى خيمته، فاقترض عشرة آلاف دينار فأصلح منها شأنه، وفرق في الحواشي والأتباع والموكلين به، واشترى جماعة من بطارقته واستوهب آخرين. فلما كان من الغد أحضره وقد ضرب له سريره وكرسيه اللذان أخذا منه، فأجلسه عليهما،. وخلع قباءه وقلنسوته فألبسه إياهما وقال له: إني [٣] قد اصطنعتك وقنعت بقولك، وأنا أسيرك إلى بلادك، وأردك إلى ملكك. فقبل الأرض، وقال له: أليس ينفذ إليك خليفة الله [تعالى] [٤] في أرضه رسولا يحملك به ويقصد إصلاح أمرك؟ فتأمر بأن يكشف رأسه ويشد وسطه ويقبل الأرض بين يديك، وكان بلغه أنه فعل هذا بابن المحلبان فقال ما فعلت؟ فقال: أليس الأمر على ما

стр. 5506

يقول. وبان له منه تغير فقال: يا سلطان في أي شيء وفقت حتى أوفق في هذا؟ وقام ٦٣/ ب وكشف رأسه، وأومأ إلى الأرض وقال: هذا عوض عما فعلته برسوله/ فسر السلطان بذلك، وتقدم بأن عقدت له راية عليها مكتوب: «لا اله إلا الله محمد رسول الله» فرفعها على رأسه وأنفذ حاجبين ومائة غلام يسيرون معه إلى قسطنطينية، وشيعه نحو فرسخ، فلما ودعه أراد أن يترجل فمنعه السلطان، واعتنقا ثم افترقا. وهذا الفتح في الإسلام كان عجبا لا نظير له، فإن القوم اجتمعوا ليزيلوا الإسلام وأهله، وكان ملك الروم قد حدثته نفسه بالمسير إلى السلطان ولوالي الري، وأقطع البطارقة البلاد الإسلامية وقال لمن أقطعه بغداد: لا تتعرض لذلك الشيخ الصالح، فإنه صديقنا- يعني الخليفة- وكانت البطارقة تقول: لا بد أن نشتو بالري ونصيف بالعراق، ونأخذ في عودنا بلاد الشام [١] . فلما كان الفتح ووصل الخبر إلى بغداد ضربت الدبادب والبوقات، وجمع الناس في بيت النوبة، وقرئت كتب الفتح، ولما بلغ الروم ما جرى حالوا بينه وبين الرجوع إلى بلاده [٢] ، وملكوا غيره، فأظهر الزهد ولبس الصوف، وأنفذ إلى السلطان مائتي ألف دينار وطبق ذهب عليه جواهر قيمتها تسعون ألف دينار، وحلف بالإنجيل أنه ما يقدر على غير ذلك، وقصد ملك الأرمن مستضيفا به وكحله وبعث إلى السلطان يعلمه بذلك. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٤٠٦- أحمد بن محمد بن عبد العزيز، أبو طاهر العكبري [٣] . ولد سنة تسعين وثلاثمائة، وسمع الحديث مع أخيه أبي منصور النديم. وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة، وكان سماعه صحيحا.

стр. 5507

٣٤٠٧- أحمد/ بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب [١] ، أبو بكر [٢] . ٦٤/ أولد يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة كذا رأيته بخط أبي الفضل بن خيرون، وأول ما سمع الحديث في سنة ثلاث وأربعمائة وهو ابن احدى عشرة سنة وكان أَبُوهُ يَخْطُبُ بدرب ريحان [٣] ونشأ أبو بكر ببغداد، وقرأ القرآن والقراءات، وتفقه على أبي الطيب الطبري، وأكثر من السماع من البغداديين، ورحل إلى البصرة، ثم إلى نيسابور، ثم إلى أصبهان، ودخل في طريقه همذان والجبال، ثم عاد إلى بغداد، وخرج إلى الشام، وسمع بدمشق وصور، ووصل إلى مكة، وقد حج في تلك السنة أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن سلامة [القضاعي] [٤] فسمع منه، وقرأ «صحيح البخاري» على كريمة بنت أحمد المروزية في خمسة أيام، ورجع إلى بغداد، فقرب من أبي القاسم ابن المسلمة [٥] الوزير، وكان قد أظهر بعض اليهود كتابا وادعى أنه كتاب رسول الله ﷺ بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادات الصحابة، وأن خط علي بن أبي طالب فيه، فعرضه رئيس الرؤساء [ابن المسلمة] [٦] على أبي بكر الخطيب، فقال: هذا مزور. قيل: من أين لك؟ قَالَ: في الكتاب [٧] شهادة معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية أسلم يوم الفتح، وخيبر كانت في سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ وكان قد مات يوم الخندق [٨] . فاستحسن ذلك منه، فلما جاءت نوبة البساسيري استتر الخطيب، وخرج

стр. 5508

من بغداد إلى الشام، وأقام بدمشق، ثم خرج إلى صور، ثم إلى طرابلس، ثم إلى ٦٤/ ب حلب، ثم عاد/ إلى بغداد في سنة اثنتين وستين، وأقام بها سنة ثم توفي. فروى «تاريخ بغداد» و «سنن أبي داود» وغير ذلك، وانتهى إليه علم الحديث [١] ، وصنف فأجاد، فله ستة وخمسون مصنفا بعيدة المثل منها: «تاريخ بغداد» ، «وشرف أصحاب الحديث» ، و «كتاب الجامع لأخلاق الراويّ وآداب السامع» ، و «الكفاية في معرفة أصول علم الرواية» ، و «كتاب المتفق والمفترق» ، و «كتاب السابق واللاحق» ، و «تلخيص المتشابه في الرسم» ، و «كتاب باقي التلخيص» ، و «كتاب الفصل والوصل» ، والمكمل في بيان المهمل» ، و «الفقه والمتفقه» ، و «كتاب غنية المقتبس في تمييز الملتبس» ، و «كتاب الأسماء المبهمة والأنباء المحكمة» ، و «كتاب الموضح أوهام الجمع والتفريق» ، و «كتاب المؤتنف بكلمة المختلف والمؤتلف» ، و «كتاب لهج الصواب في أن التسمية من فاتحة الكتاب» ، و «كتاب الجهر بالبسملة» ، و «كتاب رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والألقاب» ، و «كتاب القنوت» ، و «كتاب التبيين لأسماء المدلسين» ، و «كتاب تمييز المزيد في متصل الأسانيد» ، و «كتاب من وافق كنيته اسم أبيه» ، و «كتاب من حدّث فنسي» ، و «كتاب رواية الآباء عن الأبناء» ، و «كتاب الرحلة» ، و «كتاب الرواة عن مالك» ، و «كتاب الاحتجاج عن الشافعي [٢] فيما أسند إليه والرد على الطاعنين بجهلهم عليه» ، و «كتاب التفصيل لمبهم المراسيل» ، و «كتاب اقتفاء العلم بالعمل» ، و «كتاب تقييد العلم» ، و «كتاب القول في علم النجوم» ، و «كتاب روايات الصحابة عن التابعين» ، و «كتاب صلاة التسبيح» ، و «كتاب مسند ٦٥/ أنعيم بن حماد» ، و «كتاب النهي عن صوم يوم الشك» / و «كتاب الإجازة للمعدوم والمجهول» ، و «كتاب روايات السنة من التابعين» ، و «كتاب البخلاء» . فهذا الذي ظهر لنا من مصنفاته، ومن نظر فيها عرف قدر الرجل وما هيئ له مما لم يتهيأ لمن كان أحفظ منه كالدارقطني وغيره.

стр. 5509

وقد روى لنا عن أبي الحسين بن الطيوري أنه قَالَ: أكثر كتب الخطيب مستفادة من كتب الصوري، ابتدأ بهما. قَالَ المصنف: وقد يضع الإنسان طريقا فتسلك، وما قصر الخطيب علي كل حال، وكان حريصا على علم الحديث، وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه، وكان حسن القراءة، فصيح اللهجة، وعارفا بالأدب، يقول الشعر الحسن. أنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن إبراهيم الصائغ قَالَ: أنبأنا أبو بكر الخطيب أنه قَالَ لنفسه: لعمرك ما شجاني رسم دار ... وقفت به ولا ذكر المغاني ولا أثر الخيام أراق دمعي ... لأجل تذكري عهد الغواني ولا ملك الهوى يوما قيادي ... ولا عاصيته فثنى عناني عرفت فعاله بذوي التصابي ... وما يلقون من ذل الهوان فلم أطمعه في وكم قتيل ... له في الناس ما يحصى وعان طلبت أخا صحيح الود محضا ... سليم الغيب مأمون اللسان فلم أعرف من الإخوان إلا ... نفاقا في التباعد والتداني وعالم دهرنا لا خير فيه ... ترى صورا تروق بلا معاني ووصف جميعهم هذا فما أن ... أقول سوى فلان أو فلان / ولما لم أجد حرا يؤاتي ... على ما ناب من صرف الزمان ٦٥/ ب صبرت تكرمًا لفراغ دهري ... ولم أجزع لما منه دهاني ولم أك في الشدائد مستكينا ... أقول لها ألا كفي كفاني ولكني صليب العود عود ... ربيط الجأش مجتمع الجنان أَبِيُّ النفس لا أختار رزقا ... يجيء بغير سيفي أو سناني لعز في لظى باغية يشوى [١] ... ألذ من المذلة في الجنان ومن طلب المعالي وابتغاها ... أدار لها رحى الحرب العوان

стр. 5510

قَالَ المصنف رحمة الله: هذه الأبيات نقلتها من خط أبي بكر قالها لنفسه، وله أشعار كثيرة، وكان أبو بكر الخطيب قديما على مذهب أحمد بن حنبل، فمال عليه أصحابنا لما رأوا من ميله إلى المبتدعة وآذوه، فانتقل إلى مذهب الشافعي ﵁ [١] وتعصب في تصانيفه عليهم فرمز إلى ذمهم، وصرح بقدر ما أمكنه، فقال في ترجمة أحمد بن [حنبل] [٢] سيد المحدثين، وفي ترجمة الشافعي: تاج الفقهاء، فلم يذكر أحمد بالفقه. وحكى في ترجمة حسين الكرابيسي أنه قَالَ عن أحمد: أيش نعمل بهذا الصبي إن قلنا لفظنا بالقرآن مخلوق، قَالَ: بدعة وإن قلنا غير مخلوق، قَالَ: بدعة، ثم التفت إلى أصحاب أحمد فقدح فيهم بما أمكن. وله دسائس في ذمهم عجيبة [٣] من ذلك: أنه ذكر مهنأ بن يحيى وكان من كبار أصحاب أحمد، وذكر عن الدار الدارقطني أنه قَالَ: مهنأ ثقة نبيل، وحكى بعد ذلك عن ٦٦/ أأبي/ الفتح الأزدي أنه قَالَ: مهنأ منكر الحديث، وهو يعلم أن الأزدي مطعون فيه عند الكل. قَالَ الخطيب: حدثني أبو النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد الأرموي قَالَ: رأيت أهل الموصل يهينون أبا الفتح الأزدي ولا يعدونه شيئا. قَالَ الخطيب: حدثني محمد بن صدقة الموصلي: أن أبا الفتح قدم بغداد على ابن بويه، فوضع له حديثا: أن جبريل ﵇ كان ينزل على النبي ﷺ في صورنا، فأعطاه دراهم أفلا يستحي الخطيب أن يقابل قول الدار الدارقطني في مهنا بقول هذا، ثم لا يتكلم عليه هذا ينبئ عن عصبية وقلة دين. قَالَ الخطيب على أبي الحسن التميمي بقول أبي القاسم عبد الواحد بن علي الأسدي وهو ابن برهان، وكان الأسدي معتزليا، وقد انتصرت للتميمي من الخطيب في

стр. 5511

ترجمته وقال [١] الخطيب علي أبي عبد الله بن بطة بعد أن ذكر عن القاضي أبي حامد الدلوي والعتيقي: أنه كان صالحا مستجاب الدعوة، ثم عاد يحكى عن أبي ذر الهروي وهو أول من أدخل الحرم مذهب الأشعري القدح في ابن بطة، ويحكى عن أبي القاسم بن برهان القدح فيه، وقد انتصرت لابن بطة من الخطيب في ترجمته، ومال الخطيب علي أبي علي بن المذهب بما لا يقدح عند الفقهاء، وإنما يقدح ما ذكره في قلة فهمه، وقد ذكرت ذلك في ترجمة ابن المذهب. / وكان في الخطيب شيئان أحدهما: الجري على عادة عوام المحدثين في الجرح ٦٦/ ب والتعديل، فإنهم يجرحون بما ليس يجرح، وذلك لقلة فهمهم، والثاني: التعصب على مذهب أحمد وأصحابه، وقد ذكر في كتاب «الجهر» أحاديث نعلم أنها لا تصح، وفي كتاب «القنوت» أيضا، وذكر في مسألة صوم يوم الغيم [٢] حديثا يدرى أنه موضوع فاحتج به، ولم يذكر عليه شيئا، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ رَوَى حَدِيثًا يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكاذبين [٣] » . وقد كشفت عن جميع ذلك في كتاب «التحقيق في أحاديث التعليق» وتعصبه على ابن المذهب ولأهل البدع مألوف منه، وقد بان لمن قبلنا. فأنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي، عن أبيه قَالَ: سمعت إسماعيل بن أبي الفضل القومسي وكان من أهل المعرفة بالحديث يقول: ثلاثة من الحفاظ لا أحبهم لشدة تعصبهم وقلة إنصافهم: الحاكم أبو عبد الله، وأبو نعيم الأصبهاني، وأبو بكر الخطيب. قَالَ المصنف: لقد صدق إسماعيل وقد كان من كبار الحفاظ ثقة صدوقا، له

стр. 5512

معرفة حسنة بالرجال والمتون، غزير الديانة، سمع أبا الحسين بن المهتدى، وجابر بن ياسين، وابن النقور وغيرهم، وقال الحق، فإن الحاكم كان متشيعا ظاهر التشيع، والآخران كانا يتعصبان للمتكلمين والأشاعرة، وما يليق هذا بأصحاب الحديث، لأن ٦٧/ أالحديث جاء في ذم الكلام، وقد أكد الشافعي في هذا حتى/ قَالَ: رأيي في أصحاب الكلام [١] أن يحملوا على البغال ويطاف بهم. وكان للخطيب شيء من المال، فكتب إلى القائم بأمر الله: إني إذا مت كان مالي لبيت المال، وإني استأذن أن أفرقه على من شئت. فأذن له ففرقه على أصحاب الحديث، وكان مائتي دينار، ووقف كتبه على المسلمين، وسلمها إلى أبي الفضل، فكان يعزها، ثم صارت إلى ابنه الفضل فاحترقت في داره. ووصى الخطيب أن يتصدق بجميع ما عليه من الثياب، وكان يقول: شربت ماء زمزم لثلاث [٢] : على نية أن أدخل بغداد، وأروى بها التاريخ، وأن أموت بها وأدفن إلى جنب [٣] بشر بن الحارث، وقد رزقني الله تعالى دخولها، ورواية التاريخ بها، وأنا أرجو الثالثة، وأوصى أن يدفن إلى جانب بشر. توفي ضحوة نهار يوم الاثنين سابع ذي الحجة من هذه السنة في حجرة كان يسكنها بدرب السلسلة في جوار المدرسة النظامية، وحمل جنازته أبو إسحاق الشيرازي، وعبر به على الجسر، وجازوا به في الكرخ [٤] ، وحمل إلى جامع المنصور، وحضر الأماثل والفقهاء والخلق الكثير، وصلى عليه أبو الحسين بن المهتدى، ودفن إلى جانب بشر، وكان أحمد بن علي الطريثيثي قد حفر هناك قبرًا لنفسه، فكان يمضي إلى ذلك الموضع ويختم فيه القرآن عدة سنين، فلما أرادوا دفن الخطيب هناك منعهم، وقال: هذا قبري أنا حفرته وختمت فيه القرآن عدة دفعات [٥] ولا أمكنكم. فقال له أبو

стр. 5513

سعد الصوفي: يا شيخ/ لو كان بشر الحافي في الحياة ودخلت أنت والخطيب عليه [١] ٦٧/ ب أيكما كان يقعد إلى جانبه، فقال: الخطيب. فقال: كذا ينبغي أن يكون في حالة الموت. فطاب قلبه ورضي فدفن الخطيب هناك. ٣٤٠٨- حسان بن سعيد بن حسان بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن منيع بن خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي المنيعي، أبو علي [٢] . كان في شبابه يجمع بين الدهقنة والتجارة، فساد أهل ناحيته بالثروة والمروءة، ثم أعرض عن الدنيا اشتغالا بالتقوى والورع، وسمع الحديث من جماعة وأخذ في بناء المساجد، والرباطات، والقناطر، وبنى الجامع ببلده مروالروذ، وكان السلطان يجيء إليه ويتبرك به، ووقع غلاء فكان ينصب القدور كل يوم، ويطبخ فيها، ويحضر زيادة على ألف منا من الخبز ويجمع الفقراء، ويفرق عليهم ويوصل إليهم صدقة السر بحيث لا يعلم أحد، ويتعهد المنقطعين في الزوايا، ويتخذ كل سنة للشتاء الجباب والقمص والسراويلات، فيكسو قريبا من ألف فقير، ويجهز بنات الفقراء الأيتام، ورفع الأعشار من أبواب نيسابور، والوظائف عن القرى، وكان يحيى الليل ويصوم، ويجتهد في العبادة اجتهادا يعجز عنه غيره، ويمشي من بيته إلى المسجد، ويلبس الغليظ من الثياب، ويتمندل بإزار من صوف، ويصلى على قطعة لبد، ويقعد على التراب فأصابه مرض من شدة تعبده، فحمل إلى بلدته فتوفي في ذي القعدة من هذه السنة. ٣٤٠٩- كريمة بنت أحمد [٣] بن محمد بن أبي حاتم المروزية [٤] . / من أهل «كشميهن» قرية من قرى مرو، وكانت عالمة صالحة، سمعت أبا الهيثم ٦٨/ أ

стр. 5514

الكشميهني وغيره، وقرأ عليها الأئمة: كالخطيب، وابن المطلب، والسمعاني، وأبي طالب الزينبي، توفيت بمكة في هذه السنة. ٣٤١٠- محمد بن وشاح [١] بن عبد الله، أبو علي، مولى أبي تمام محمد بن علي بن أبي [٢] الحسن الزينبي [٣] . ولد سنة تسع وسبعين وثلاثمائة. [في جمادى الآخرة وقيل سنة ست وسبعين] [٤] وكان كاتبا لنقيب النقباء الكامل، وكان أديبا شاعرا، وسمع أبا حفص [٥] بن شاهين، وأبا طاهر المخلص، وغيرهما، وحدث عنهم، وكان يرمى بالاعتزال والرفض. توفي في ليلة الأحد سابع عشرين رجب هذه السنة عن أربع وثمانين سنة، وقبره في مقبرة جامع المنصور. أنبأنا محمد بن طاهر قَالَ: أنشدنا أبو علي بن وشاح لنفسه: حملت العصا لا الضعف أوجب حملها ... على ولا أني انحنيت من الكبر [٦] ولكنني ألزمت نفسي بحملها ... لأعلمها أني المقيم على سفر ٣٤١١- محمد بن علي بن الحسن بن الدجاجي [٧] ، أبو الغنائم القاضي [٨] . سمع أبا الحسن الحربي [٩] السكوني، وأبا طاهر المخلص، وابن معروف، وغيرهم، وكان سماعه صحيحا وهو من أهل السنة، حدثنا عنه، وكان له مال فافتقر في

стр. 5515

آخر عمره، فجمع له أهل الحديث شيئا فلم يقبل، وقال: وا فضيحتنا، آخذ عَلَى حَدِيث رَسُول اللَّه ﷺ لا والله. وتوفي يوم الخميس سلخ شعبان، ودفن يوم الجمعة [١] غرة رمضان بمقبرة الخيزران. ٣٤١٢- محمد بن الحسين بن [٢] حمزة، أبو يعلى الجعفري/ فقيه الإمامية [٣] . ٦٨/ ب

стр. 5516

ثم دخلت سنة اربع وستين واربعمائة فمن الحوادث فيها: أنه ركب قاضي القضاة في المحرم عائدا أبا نصر بن الصباغ. وفي يوم الخميس حادي عشر ربيع الآخر: وصل سعد الدولة، وخرج الجماعة وقبل عتبة باب النوبي، ونزل دار المملكة، وتردد إلى الديوان، وسأل الوصول إلى الخدمة وتسليم كتابه من يده، وإيراد رسالة من لفظه، فأذن في ذلك يوم السبت لعشر بقين من ربيع الآخر، فوصل مع فخر الدولة أبي نصر بن جهير، وكان يؤثر [١] دخوله وحده فلم يجب، فسلم كتاب السلطان في خريطة سوداء، ولم يمكنه مع حضور فخر الدولة المشافهة بالرسالة، فسطرها في رقعة، وتعرف الخليفة خبر السلطان وسلامته عن سلامته في نفسه واستقامة الأمور لديه، ثم استأذن في إحضار ثلاثة حجاب، فأذن لهم فدخلوا فخدموا ثم انصرفوا. [حدوث زلزلة ارتجت لها الأرض ست مرات .] وفي ليلة الجمعة [٢] لأربع بقين من ربيع الآخر، وقت طلوع الفجر: حدثت زلزلة ارتجت لها الأرض ست مرات. وفي جمادى الآخرة: لقي أبو سعد بن أبي عمامة مغنية قد خرجت من عند تركي بنهر طابق فقبض على عودها وقطع أوتاره، فعادت إلى التركي فأخبرته، فبعث التركي

стр. 5517

إليه من كبس داره وأفلت، وعبر إلى الحريم إلى ابن أبي موسى الهاشمي شاكيا ما لقي، واجتمع الحنابلة في جامع القصر من الغد فأقاموا فيه مستغيثين، وأدخلوا معهم الشيخ أبا إسحاق [١] الشيرازي وأصحابه، وطلبوا قلع المواخير/ وتتبع المفسدات ومن يبيع ٦٩/ أالنبيذ، وضرب دراهم تقع المعاملة بها عوض القراضة، فتقدم أمير المؤمنين بذلك، فهرب المفسدات، وكبست الدور، وارتفعت الأنبذة، ووعد بقلع المواخير ومكاتبة عضد الدولة برفعها، والتقدم بضرب دراهم يتعامل بها، فلم يقتنع أقوام منهم بالوعد، وأظهر أبو إسحاق الخروج من البلد فروسل برسالة سكتته. وحكى أبو المعالي صالح بن شافع عمن حدثه أن الشريف أبا جعفر رأى محمد ابن الوكيل حين غرقت بغداد في سنة ست وستين، وجرى على دار الخلافة العجائب، وقد جاء ببعض الجهات إلى الترب بالرصافة أو غيرها من تلك الأماكن، وهم على غاية التخبيط، فقال له الشريف: يا محمد يا محمد، قَالَ: لبيك يا سيدنا. قَالَ. كتبنا وكتبتم، وجاء جوابنا قبل جوابكم- يشير إلى قوله «سأكتب في رفع المواخير» ويريد بالجواب الغرق وما فيه. وفي هذا الوقت غلت الأسعار، وتعذر اللحم ووقع الموتان في الحيوان، حتى إن راعيا في بعض طريق خراسان قام عند الصباح إلى غنمة ليسوقها فوجدها موتى. ووقع سيل عظيم، وبرد كثير في طريق خراسان، وكان في المكان المسمى بباغ [٢] ثلاثة آلاف وخمسمائة جريب حنطة وشعيرا فبرد [٣] ونسفته الريح [٤] فلم يشاهد له أثر، وانقلع شجر التوت العظيم من أصله، وإحدى عشرة نخلة، وقام في ساقية من البرد إلى فخذ الإنسان [٥] ، واحضر قوم من قردلى بندقا من الطين قد وقع مع البرد كبيضة العصفور طيب الرائحة.

стр. 5518

٦٩/ ب وفي هذه الأيام كان ابن محسن/ الوكيل قد توكل على صاحب الظفر الخادم في معنى دار، فحضر ظفر عند الوزير فخر الدولة، وخاصم ابن محسن، واستخف به، حتى قَالَ: هذا يأخذ أموال الناس ويبيع الشريعة بالثمن الخسيس، ويحكم القضاة بما لا يحل، ويشهد الشهود بما لا يجوز. وكان قاضي القضاة حاضرا فغالطه وأظهر أنه لم يسمع، فأعان الوزير ابن محسن، فنهض ظفر مغضبا وقال لأصحابه: أين رأيتم ابن محسن فاقتلوه. فركب قاضي القضاة للقاء صافي الخادم، وقد قدم من عند السلطان، فخرج معه ابن محسن، فضربه أصحاب ظفر، ووقعت مقرعة في قاضي القضاة فامتعض ونزل عن البغلة، ومشى من الحلبة إلى شاطئ دجلة على ثقل بدنه، وعبر إلى داره، وراسله الوزير أن يعود إلى الديوان فأبى، وكان ذلك بمرأى من الخليفة، لأنه كان في المنظرة، فتقدم إلى الوزير بصرف ظفر من الدار، والختم على داره واصطبلاته وما يتعلق به، ونقض الدار التي جرى عليها الخصام، وضرب الغلام الذي ضرب ابن محسن على باب النوبي مائة سوط، وركب أحد الغلمان الخواص إلى قاضي القضاة فاعتذر إليه مما جرى. وعقد للأمير عدة الدين على ابنة السلطان من خاتون السفرية، وكان العقد في دار المملكة بنيسابور، وضربت الدبادب والبوقات وامتلأت الدّار [١] بالفيلة المزينة، والخيل المجفجفة، وجلس السلطان ألب أرسلان على سرير الملك ونظام الملك قائم بين يديه/ وخطب الشطبي، ووكل السلطان نظام الملك [٢] وكان وكيل [٣] عدة الدين عميد الدولة أبي نصر بن جهير، فعقد العقد، ووقع النثار. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٤١٣- أحمد بن عثمان بن الفضل بن جعفر، أبو الفرج المخبزي [٤] .

стр. 5519

ولد في سنة ست وسبعين وثلاثمائة، وحدث عن أبي القاسم بن حبابة، وعلى بن عيسى، توفي ليلة الأربعاء العشرين من صفر. ٣٤١٤- بكر بن محمد بن حيدر، أبو منصور النيسابوري [١] . ولد في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، وذكر أنه من ولد عثمان بن عفان، وسمع من أبي علي بن المذهب، وكان ثقة، وتوفي بالري في محرم هذه السنة. ٣٤١٥- جابر بن ياسين بن الحسن بن محمد بن محمويه، أبو الحسن الجبائي [٢] العطار [٣] . ولد يوم الثلاثاء ثامن محرم سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وسمع أبا حفص الكتاني، وأبا طاهر المخلص، وعيسى بن علي وغيرهم، وحدث وكان ثقة من أهل السنة، حدثنا عنه جماعة من مشايخنا، وتوفي في ليلة الأحد خامس عشرين شوال، ودفن في مقبرة باب حرب قريبا من قبة السعيد. ٣٤١٦- محمد بن أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عبد الصمد بن المهتدي باللَّه، أبو الحسن الهاشمي خطيب جامع المنصور [٤] . ولد في شوال سنة أربع وثمانين، وقرأ القرآن على أبي القاسم الصيدلاني، وحدث عن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن بكير الحافظ، وأبي الحسن بن رزقويه [٥] ، / وعثمان الباقلاوي [٦] وغيرهم، حدثنا عنه مشايخنا، وقد حدّث عنه الخطيب، وكان ٧٠/ ب عدلا ثقة، شهد عند ابن ماكولا، وأبي عبد الله الدامغاني فقبلا شهادته، وكان ممن يلبس القلانس الطوال التي تسميها العوام: الدنيات، وتوفي يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى

стр. 5520

الأولى من هذه السنة، وصلى عليه أبو الفوارس الزينبي النقيب في جامع المدينة، ودفن بقرب قبر بشر الحافي. ٣٤١٧- محمد بن أحمد بن شاده بن جعفر، أبو عبد الله الأصبهاني القاضي بدجيل [١] . تفقه على مذهب الشافعي ﵁ [٢] ، وسمع أبا عمرو بن مهدي [٣] ، وغيره، روى عنه أشياخنا، وكان ثقة، توفي فجأة يوم الجمعة حادي عشر ذي القعدة من هذه السنة، وصلى عليه في جامع المدينة، وحمل إلى القرية المعروفة بواسط دجيل فدفن فيها. ٣٤١٨- محمد بن علي بن عبيد الله [٤] ، أبو بكر الطحان، ويعرف: بابن القابلة. سمع أبا الحسين بن سمعون، وتوفي يوم عيد الفطر من هذه السنة وكان رجلا صالحا.

стр. 5521

ثم دخلت سنة خمس وستين واربعمائة فمن الحوادث فيها: أنه يوم الحادي عشر من محرم حضر أبو الوفاء ابن عقيل الديوان ومعه جماعة من الحنابلة/ واصطلحوا، ولم يحضر الشريف أبو جعفر الديوان يومئذ لأجل ما جرى منه ٧١/ أفيما يتعلق بإنكار المواخير على ما سبق ذكره، فمضى ابن عقيل إلى بيت الشريف وصالحه، وكانت نسخة ما كتب به ابن عقيل خطه ونسب إلى توبته: بسم الله الرحمن الرحيم يقول على بن عقيل بن محمد: إني ابرأ إلى الله تعالى من مذاهب المبتدعة والاعتزال وغيره، ومن صحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والترحم على أسلافهم والتكثر بأخلافهم [١] وما كنت علقته ووجد خطى به من مذاهبهم وضلالاتهم فأنا تائب إلى الله تعالى من كتابته، [٢] [وأنه لا تحل كتابته] [٣] ولا قراءته ولا اعتقاده، وأني علقت مسألة الليل في جملة ذلك، وأن قوما قالوا: هو أجسام سود، وقلت: الصحيح ما سمعت من الشيخ أبي علي، وأنه قَالَ: هو عدم، ولا يسمى جسما ولا شيئا أصلا، واعتقدت أنا ذلك، وأنا تائب إلى الله تعالى منه، واعتقدت [٤] في الحلاج أنه من أهل الدين والزهد والكرامات، ونصرت ذلك في جزء عملته، وأنا تائب إلى الله تعالى منه، وأنه قتل

стр. 5522

بإجماع فقهاء عصره، وأصابوا في ذلك، واخطأ هو، ومع ذلك فإني أستغفر الله تعالى [١] وأتوب إليه من مخالطة المبتدعة والمعتزلة وغيرهم، ومكاثرتهم، والترحم عليهم، والتعظيم لهم، فإن ذلك كله حرام، ولا يحل لمسلم فعله، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ عَظَّمَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الإِسْلَامِ» ، وقد كان الشريف أبو جعفر ومن معه من ٧١/ ب الشيوخ والأتباع ساداتي وإخواني- حرسهم الله- مصيبين/ في الإنكار علي لما شاهدوه بخطى في الكتب التي أبرأ إلى الله تعالى منها، وأتحقق أني كتبت مخطئا وغير مصيب، ومتى حفظ على ما ينافي هذا الخط وهذا الإقرار فلإمام المسلمين مكافأتي على ذلك بما يوجبه الشرع من ردع ونكال وإبعاد وغير ذلك فأشهدت اللَّه تعالى وملائكته وأولي العلم عَلَى ذلك [٢] غير مجبر ولا مكره، وباطني وظاهري يعلم الله تعالى في ذلك سواء. قَالَ الله تعالى: وَمن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَالله عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ٥: ٩٥ [٣] وكتب يوم الأربعاء عاشر محرم سنة خمس وستين وأربعمائة. وشهد عليه بذلك جماعة كثيرة من الشهود. [وقوع الإرجاف بقتل السلطان ألب أرسلان محمد بن داود] وفي ربيع الأول [٤] وقع الإرجاف بقتل السلطان ألب أرسلان محمد بن داود، فنودي من دار الخلافة في الحريم بالتوعد لمن يتفوه بذاك، ثم تزايدت الكتب من الأهواز، والري بصحته، وكان السلطان قد غزا في أول هذه السنة جيحون على جسر مده، وكان معه زيادة على مائتي ألف فارس، وعبر [عسكره النهر في صفر وأتاه] [٥] أصحابه بمستحفظ قلعة يعرف بيوسف الخوارزمي في سادس ربيع الأول، فحضر إليه بيد غلامين [٦] ، كل واحد قد أمسك يده، فلما وصل شتمه السلطان وواقفه على أفعال قبيحة كانت منه، وتقدم بأن يضرب له أربعة أوتاد، وتشد أطرافه إليها، فقال له يوسف:

стр. 5523

يا مخنث، مثلي يقتل هذه القتلة؟! فاحتد السلطان، وأخذ القوس والنشابة، وقال للغلامين: خلياه، فرماه بسهم فأخطأ، فعدا يوسف إليه، وكان السلطان جالسا على سدة فنهض فنزل، فعثر ووقع على وجهه، فبرك عليه/ يوسف فضربه بسكين كانت معه ٧٢/ أفي خاصرته، فلحقه الجند فقتلوه، وشدت جراحة السلطان، وعاد إلى جيحون فتوفي، وكان ذلك يوم السبت عاشر ربيع الأول. وكان لما بلغ أهل بخارى عبوره، وتقدمت سريته، اجتاحت ونهبت، واجتمع الصالحون وصاموا ودعوا عليه فهلك. فلما مات جمع العسكر، وجلس ولده على سدة الملك، والأمراء قيام، فقال له نظام الملك: تكلم أيها السلطان! فقال: الأكبر منكم أبي، والأوسط أخي، والأصغر ولدي، وسأفعل معكم ما لم أسبق إليه. فأمسكوا فأعاد القول فأجابوا بالسمع والطاعة. وتولى نظام الملك وأبو سعد المستوفي أخذ البيعة عليهم، وإطلاق الأموال لهم، وزيدوا في الجامكية ما قدره سبع مائة ألف دينار، وساروا إلى مرو، فدفن السلطان بها إلى جنب قبر أبيه، وجلس الوزير فخر الدولة للعزاء بالسلطان في صحن السلام يوم الأحد الثامن من جمادى الأولى، وخرج في يوم الثلاثاء توقيع من الخليفة يتضمن الجزع علي السلطان، ويذكر سعيه في مصالح المسلمين، وفتكه بالروم، وغلقت الأسواق أيام العزاء، وأقامت خاتون زوجة الخليفة العزاء والمناحة، وجلست على التراب. ووردت كتب السلطان إلى دار الخلافة في ثامن رجب يذكر وفاة والده، ويسأل إقامة الخطبة، فأقيمت من غد على المنابر. [ثوران الفتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة] وفي شعبان: ثارت فتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة، والقلائين، / أحرق فيها ٧٢/ ب من الكرخ الصاغة وقطعة من الصف، وقتل فيها خلق كثير. ولما بلغ قاورت بك [١] وفاة أخيه ألب أرسلان سار طالبا للري والممالك، فسبقه إليها ملك شاه، فالتقوا بقرب همذان في رابع شعبان، وكان العسكر مائلا إلى قاورت

стр. 5524

بك، فحمل قاورت على ميمنة ملك شاه فكسرها، وحمل هؤلاء على ميمنته فهزموها، فالتجأ قاورت إلى بعض القرى، فجاء رجل سوادي فأخبر ملك شاه، فأخذه وكان قبل ذلك قد داراه، ووعده بالإقطاع الكثير فسطع وأبى وحارب، فجيء به ماشيا فأومأ بتقبيل [١] الأرض، ثم قبل يد السلطان فقال له ملك شاه: يا عم، كيف أنت من تعبك أما تستحي يا أخي، أما تستحي [٢] من هذا الفعل؟ أطرحت وصية أخيك، وأظهرت الشماتة به، وقصدت ولده، وفعلت ما لقاك الله جوابه، فقال: والله ما أردت قصدك، وإنما عسكرك واصلوا مكاتبتي. فأنفذ إلى همذان فاعتقل هناك، فلما وصل السلطان إلى همذان أمر بقتله فخنق ثم إن العسكر تبسطوا وقالوا: ما يمنع السلطان أن يعطينا ما نريد إلا نظام الملك، وبسطوا أيديهم في التصرف، فذكر النظام للسلطان طرفا من هذا، وبين له ما في هذا من الوهن، وخرق السياسة، وقال: ما يمكنني أن أعمل شيئا من غير إذنك، فإما أن تدبر أنت، أو تأمرني فيه بما أعتمده فقال له: قد رددت إليك الأمور كبيرها وصغيرها، وقليلها وكثيرها، وما منى اعتراض عليك، ولا رد لما يكون منك، وأنت الوالد. وحلف له، ٧٣/ أوأقطعه طوس بلده، وتقدم بإفاضة الخلع عليه، / وأعطاه دواة وعليها ألف مثقال، ومنجوقا عليه طلعة فيها ألف مثقال، ومدرجة محلاة ألف مثقال، ومائة ثوب ديباج، وعشرين ألف دينار، ولقبه: أتابك، ومعناه: الأمير الوالد. وظهر من النظام من الرجلة والشهامة والصبر إلى حين ظفر بالمراد واللطف بالرعية، حتى إن المرأة الضعيفة تخاطبه ويخاطبها، ولقد رفع بعض حجابه امرأة ضعيفة [فزبره] [٣] وقال: أنا استخدمتك لتوصل إلى مثل هذه، لا لتوصل إلى رجلا كبيرا، أو حاجبا جليلا. ثم صرفه، وكان إذا اجتاز بضيعة فأفسدها العسكر غرم لصاحبها فيه ما أفسدوا. وفي شعبان: قصد أهل المحال الكرخ، فقاتلوا أهلها، وأحرقوا فيها شيئا كثيرا،

стр. 5525

وخرج الشحنة، فأخذ من ثياب أهل باب البصرة وثياب أهل القلائين ما حمله أصحابه على البغال. [ورود جراد عظيم] وفي رمضان: ورد جراد عظيم أكل ما وجد، حتى عدم البقل [في آخر هذا الشهر] [١] فبيع ما جلب منه من عكبرا بالميزان. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٤١٩- أحمد بن الحسن بن عبد الودود بن المهتدى [باللَّه] [٢] : سمع أبا الحسين [٣] بن المتيم، والصرصري، وغيرهما، وحدث. وتوفي في يوم الأربعاء رابع عشرين شوال. ٣٤٢٠- ألب أرسلان، واسمه: محمد، إنما غلب عليه ألب أرسلان بن داود السلطان [٤] : قد ذكرنا سيره في الحوادث، وكيفية قتله، وكان يقول حين قتل: ما وجه قصدته إلا واستعنت الله عليه إلا هذا الوجه، / فإني اشتغلت بالعساكر، ولم يخطر ربي بقلبي. ٧٣/ ب قَالَ: ولما كان في أمسنا صعدت تلا فارتجت الأرض تحتي من عظم الجيش وكثرة العسكر، فقلت في نفسي: أنا ملك الدنيا، وما يقدر أحد علي، فجاءتني قدرة لم يخطر على بالي، وأنا استغفر الله من ذلك الخاطر، ووصى العسكر بولده ملك شاه الذي جعل فيه الملك بعده، ونظام الملك وزيره، والطاعة لهما، وأحلف من ينبغي أن يحلف، واستوثق وأوصى أن يعطى أخاه «قاورت بك» أعمال فارس، وكرمان، وشيئا عينه من المال، وأن يتزوج بزوجته، وأن يعطى ابنه «إياز» ما كان لداود والده وهو خمسمائة ألف دينار، وأن يكون لولده ملك شاه القلعة وما ضمها. وتوفي في يوم السبت عاشر ربيع الأول من هذه السنة، ودفن عند قبر أبيه بمرو.

стр. 5526

٣٤٢١- الحسن بن محمد بن علي [بن فهد] [١] العلاف [٢] . سمع الحديث،. وقرئ عليه، وكان صالحا ورعا مجتهدا، وعمَّر حتى جاوز المائة سنة بثلاث سنين، وسقطت أسنانه ثم نبتت، وتطرأ شعر لحيته. توفي في ذي الحجة من هذه السنة. ٣٤٢٢- الحسين بن محمد، أبو محمد الهاشمي الدلال [٣] . من أهل نهر طابق، سمع أبا بكر بن بشران، وأبا الحسن الدار الدّارقطنيّ، توفي يوم الأحد رابع عشرين ربيع الآخر، ومر بجنازته في الكرخ وجرت فتنة عظيمة، ودفن في مقبرة باب الدير. ٣٤٢٣- عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك [بن طلحة] [٤] أبو القاسم القشيري [٥] . قشيري الأب، سلمى الأم، ولد سنة ست وسبعين وثلاثمائة، توفي أبوه وهو طفل، ٧٤/ أفنشأ وقرأ الأدب والعربية، وكان يهوى مخالطة/ أهل الدنيا، فحضر عند أبي علي الدقاق فجذبه عن ذلك، فسمع الفقه من أبي بكر محمد بن بكر الطوسي، ثم اختلف إلى أبي بكر بن فورك فأخذ عنه الكلام، وصار رأسا في الأشاعرة، وصنف «التفسير الكبير» ، وخرج إلى الحج في رفقة فيها أبو المعالي الجويني، وأبو بكر البيهقي، فسمع معهما الحديث ببغداد والحجاز، ثم أملى الحديث، وكان يعظ.

стр. 5527

وتوفي في رجب هذه السنة بنيسابور، ودفن إلى جانب شيخه أبي علي الدقاق، ولم يدخل أحد من أولاده بيته، ولا مس ثيابه ولا كتبه إلا بعد سنين احتراما له وتعظيما، ومن عجيب ما وقع أن الفرس التي كان يركبها كانت قد أهديت إليه، فركبها عشرين سنة لم يركب غيرها، فذكر أنها لم تعلف بعد وفاته، وتلفت بعد أسبوع. ٣٤٢٤- عبد الصمد [١] بن علي بن محمد بن الحسن بن الفضل بن المأمون، أبو الغنائم [٢] : ولد سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وسمع الدارقطني، والمخلص، وأبا الحسن الحربي، وغيرهم، وحدث وكان ثقة، وحدثنا عنه جماعة من شيوخنا آخرهم محمد بن عمر بن يوسف الأرموي. وتوفي ليلة الخميس ثامن عشر شوال، ودفن بمقبرة باب حرب عند الشهداء. ٣٤٢٥- عمر بن محمد، بن درهم [٣] . سمع أبا الحسين [٤] بن بشران، وتوفي في ليلة الجمعة تاسع عشرين ربيع الآخر، وصلي عليه بجامع المنصور، ودفن بمقبرة باب حرب. ٣٤٢٦- علي بن الحسن [٥] / بن علي بن الفضل، أبو منصور الكاتب، المعروف: ٧٤/ ب بابن صربعر [٦] . وقال له نظام الملك: أنت صردر، لا ابن صربعر. وهجاه ابن البياضي فلطمه فقال: لئن نبز الناس شحا أباك ... فسموه من شحه صرّبعرا

стр. 5528

فإنك تنبز بالصربعرا ... عقوقا له وتسميه شعرا [١] وهذا ظلم فاحش، فإن شعره غاية في الحسن، ومن شعره: تزاورن عن أذرعات يمينا ... نواشر ليس يطعن البرينا كلفن بنجد كأن الرياض ... أخذن لنجد عليها يمينا وأقسمن يحملن إلا نحيلا ... إليه ويبلغن إلا حزينا ولما استمعن زفير المشوق ... ونوح الحمام تركن الحنينا إذا جئتما بانة الواديين ... فأرخوا النسوع وحلوا الوضينا فثم علائق من أجلها ... ملاء الدجى والضحى قد طوينا وقد أنبأتهم مياه الجفون ... بأن بقلبك داء دفينا وله أيضا: إيه أحاديث نعمان وساكنه ... إن الحديث عن الأحباب أسمار أفتش الريح [٢] عنكم كلما نفحت ... من نحو أرضكم نكباء معطار وله أيضا: النجاء النجاء من أرض نجد ... قبل أن يعلق الفؤاد بنجد وله أيضا: ما مر ذو شجن يكتّمه ... إلا أقول متيم مثلي ٧٥/ أ/ وعهودهم بالرمل [٣] قد نقضت ... وكذاك ما يبني على الرمل من يطلع شرفا فيعلم لي ... هل روح الرعيان بالإبل أم غرد الحادي بقافية ... منها غراب البين يستملي وله أيضا: أكلف القلب أن يهوى وأسأله ... صبرا وذلك جمع بين أضداد

стр. 5529

وأكتم الركب أوطاري وأسألهم ... حاجات نفسي لقد أتعبت روادي هل مدلج عنده من مبكر خبر ... وكيف يعلم حال الرائح الغادي وإن رويت أحاديث الذين نأوا ... فعن نسيم الدجى والبرق إسنادي وحفظ القرآن، وسمع الحديث من ابن بشران وغيره، وحدث، وركب يوما فتردى هو والدابة في البئر فماتا، وذلك في صفر هذه السنة، ودفن بباب أبرز. قَالَ المصنف: وقرأت بخط ابن عقيل قَالَ: كان صربعر خازنا بالرصافة ينبز [١] بالإلحاد. ٣٤٢٧- محمد بن نصر بن الحسن، أبو سعد المعروف: بابن البصري. سمع أبا القاسم بن بشران، وكان صالحا، وتوفي في يوم الجمعة ثامن عشر صفر هذه السنة وصلى عليه القاضي أبو الحسين [٢] ابن المهتدى، ودفن بباب حرب. ٣٤٢٨- محمد بن أحمد بن محمد بن عمر بن الحسن [٣] بن عبيد بن عمرو بن خالد بن الرفيل، أبو جعفر ابن المسلمة القرشي [٤] . أسلم الرفيل على يدي عمر بن الخطاب، / ولد في سنة خمس وسبعين ٧٥/ ب وثلاثمائة، وسمع أبا الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري، وهو آخر من حدث عنه، وأبا محمد بن معروف، وهو آخر من حدث عنه، وأبا عمرو الآدمي، وأبا الحسين بن أخي ميمي، وأبا طاهر المخلص، وأبا الفرج ابن المسلمة أباه في آخرين، وكان صحيح السماع، واسع الرواية، نبيلا ثقة صالحا، حدث بالكتب الكبار، وحدثنا عنه جماعة من شيوخنا وكان ثقة، وقد حدث عنه الكبار من العلماء، وخرّج له الخطيب

стр. 5530

مجالس، وتوفي ليلة السبت جمادي الأولى من هذه السنة، وصلى عليه في جامع الرصافة، ودفن بالخيزرانية، وكان يوما مشهودا [١] . ٣٤٢٩- محمد بن أحمد بن قفرجل، أبو البركات المجهر . سمع أبا أحمد الفرضيّ، وأبا الحسين بن بشران، وحدث بشيء يسير، وكان ثقة، وكان يملك نحوًا من عشرين ألف دينار فأوصى بالثلث صدقة، وأخرج قبل موته ألف دينار، فتصدق بها، وتوفي يوم الجمعة ثالث جمادى الأولى، ودفن في مقبرة باب الدير قريبا من قبر معروف. ٣٤٣٠- محمد بن عمر بن إبراهيم، أبو بكر [ابن] [٢] الآدمي [٣] . سمع أبا القاسم بن بشران، وكان ثقة، وتوفي ليلة الخميس ثالث عشرين ربيع الآخر، ودفن بمقبرة الخيزران. ٣٤٣١- محمد بن علي بن محمد بن عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي باللَّه، أبو الحسين، ويعرف: بابن الغريق [٤] . ٧٦/ أولد يوم الثلاثاء غرة ذي القعدة من سنة سبعين/ وثلاثمائة، وسمع أبا الحسن الدار الدارقطني، وأبا الفتح القواس في آخرين، وكان ثقة صالحا كثير الصيام والتلاوة، رقيق القلب، بكاء عند الذكر، حسن الصوت بالقرآن، وكان من اشتهر بالصلاح والتعبد حتى كان يقال له: زاهد بني هاشم، وكان غزير العلم والعقل، رحل الناس إليه من البلاد لعلو إسناده، وكان مكثرا، وثقل سمعه في آخر عمره فكان يقرأ هو على الناس، وذهبت إحدى عينيه، وكان آخر من حدث في الدنيا عن الدار الدّارقطنيّ، وابن شاهين، وأبي بكر بن

стр. 5531

دوست، خطب وله ست عشرة سنة، وشهد في سنة سبع وأربعمائة، وولي القضاء في سنة تسع وأربعمائة فبقي يخطب بجامعي المنصور والمهدي ستا وسبعين سنة، وشهد ستين سنة، وتقضى ستا وخمسين سنة. وتوفي وقت المغرب من يوم الأربعاء سلخ ذي القعدة من هذه السنة، ودفن يوم الخميس غرة ذي الحجة خلف القبة الخضراء، وكان قد جاوز التسعين، وحضره خلق عظيم، وكان يوما مشهودا. رئي في المنام فقال: غفر لي بطول تهجدي. قَالَ أبو بكر بن الخاضبة: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، ومناد ينادي: أين ابن الخاضبة؟ فقيل لي: ادخل الجنة فدخلت، فاستلقيت فرفعت رأسي فرأيت بغلة مسروجة ملجومة في يد غلام، فقلت: لمن هذه؟ فقيل: للشريف أبي الحسين بن الغريق. فلما كانت صبيحة تلك الليلة نعي إلينا الشريف أنه مات تلك الليلة. ٣٤٣٢- هناد بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن إسماعيل، أبو المظفر النسفي [١] . ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وسمع أبا الحسين بن بشران، وأبا عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، / وأبا عبد الرحمن السلمي، وغيرهم من أهل البلاد ٧٦/ ب المختلفة. سمع منه شيوخنا وحدثونا عنه، وكانوا يتهمونه لأن الغالب [٢] على حديثه المناكير. توفي هناد في ربيع الأول من هذه السنة ببعقوبا وكان قاضيها، ودفن هناك.

стр. 5532

ثم دخلت سنة ست وستين واربعمائة فمن الحوادث فيها: أنه في صفر جلس الخليفة جلوسا عاما وعلى رأسه الأمير عدة الدين وسنه ثماني عشرة سنة وهو في غاية الحسن، وأوصل إليه سعد الدولة الكوهرائين والجماعة، وسلم إليه العهد المنشأ للسلطان بعد أن قرأ الوزير فخر الدولة أوله، واللواء بعد أن عقده الخليفة بيده. وكان الزحام عظيما حتى هنأ الناس بعضهم بعضا بالسلامة. وفي هذا الشهر: وردت التوقيعات لبعض التركمان بعدة نواح من إقطاع حواشي الدار العزيزة، وذلك لتغير رأي نظام الملك في الخدمة الشريفة بما أوقعه الأعداء من الضغائن بينه وبين فخر الدولة، وكان من فعل العميد أبي الوفاء، فلوطف التركمانية من الديوان بمال رضوا به عما كانوا أقطعوه. [وردت البشارة إلى الديوان بفتح بيت المقدس] وفي هذا الشهر: وردت الكتب إلى الديوان تتضمن البشارة بفتح بيت المقدس في شوال سنة خمس وستين، وإقامة الخطبة هناك، وكانوا قد حوصروا حتى بلغت الكارة سبعين دينارا. [زيادة دجلة زيادة مفرطة] ٧٧/ أوفي جمادى الآخرة: ورد الحاجب السليماني من عكبرا فدخل/ الديوان، فرسم له تدارك القورج الّذي هو فوق الدار المعزية [١] ، وكانت دجلة قد زادت زيادة مفرطة، واتصل المطر بالموصل والجبال، ونودي بالعوام أن يخرجوا معه لذلك، فخرج من الديوان، وأراد قصد الموضع فرأى الماء قد حجز بينه وبين الطريق، فرجع إلى دار

стр. 5533

المملكة، وخلا وجمع زواريق، وطرح فيها رحلة ليعبر فهرب، فجاءت في الليل ريح شديدة جدا، وسيل عظيم، وطفح الماء من البرية إلى الحريم، وطغى على أسوار المحال فهدمها، ونزل من فوقها وأسفل منها، وصعد من تحت الأرض، وقلع الطوابيق، ونبع من الآبار والبلاليع فرماها في ليلتها فصارت تلالا عالية، ثم صبح دار الخلافة ففعل بأكثرها مثل ذلك، وكان قد دخلها من بيت النوبة ومن سور باب الغربة، ثم من باب النوبي وباب العامة والجامع، فهرب الخدم والخواص متحيرين، والمطر يأتي من فوق، وخرج الماء على الخليفة من تحت السرير الذي كان جالسا عليه، فنهض إلى الباب فلم يجد طريقا، فحمله أحد الخدم على ظهره إلى التاج، وخرج الجواري حاسرات، فعبرن إلى الجانب الغربي، وأقيم في الدار أربع ركاء، وحطت إليها الأموال والحرم، ولبس الخليفة البردة، وأخذ بيده القضيب ولم يطعم يومه وليلته. وأما الوزير فخر الدولة فإنه دخل عليه الماء في داره بباب العامة، فركب وخاض بالفرس/ إلى حضرة الخليفة، فاستأذن فيما يفعل فقيل له: اطلب لنفسك مخلصا قبل ٧٧/ ب أن لا تجده، فمضى إلى الطيار على باب الغربة، فأقام فيه، وجاءه الملاح بثلاثة أرغفة يابسة وخل، فأكل واستلقى على البارية. وهلك من أموال الناس تحت الهدم الكثير، وتلف من سكان درب القباب الجم الغفير، وهرب الناس إلى باب الطاق، ودار المملكة، وتلال الصحراء العالية، والجانب الغربي على تخبيط شديد، وتضنك قبيح، وجاء الماء من البرية كالجبال يهلك ما مر به من إنس ووحش، وجاء على رأس الماء في الأبواب والأخشاب والآلات والحباب شيء كثير، وشوهد على تل في وسط الماء سبع ويحمور واقفين، وهلك من الوحوش ما لا يحصى، وصعد بعضها الردافي فصعد السوادية سباحة فأخذوها. وجاء الخبر من الموصل أن الماء ورد في البرية كالجبال، فلطم سور سنجار وكان حجرا فهدم قطعة منه، ودحا بأحد بابيه أربعة فراسخ، ووقعت آدر [١] بباب المراتب منها دار ابن جردة، وكانت تشتمل على ثلاثين دارا، وعلى بستان، وحمام يساوي عشرات

стр. 5534

ألوف [١] ، ووقع مشهد باب أبرز ومنارته، وغرقت المقابر، وصعدت التوابيت على الماء، وخرق مشهد النذور، ومقبرة الخيزران، وقبر السبتي، وتهدم الحريم من باب ٧٨/ أالنوبي إلى أكثر المأمونية، وباب الأزج، وخرابة ظفر، ودرب الشاكرية/، ودرب المطبخ، ودرب حلاوة، والمسعودة، والشمعية، وخرج الناس من هذه المواضع لا يلتفت أحد على أحد، ووقع في درب القيار عدل [٢] قطن وسط الدرب، وعبر الناس عليه، فداس بعضهم بعضا [٣] ، فوقع عليه جماعة موتى، وكان رجل على كتفه ولدان صغيران فما زال يخوض بهما حتى أعيا فرمى بهما ونجا بنفسه، وهلك من الناس والبهائم عدد كثير، ثم عنّ لأقوام من المفسدين أن يزحفوا على الخليفة ليتسلطوا بذلك على النهب، ونودي في الملاحين أن لا يأخذوا من الناس إلا ما جرت به العادة في العبور، وأقيمت الجمعة في الطيار أسبوعين، وفي الحلبة ثلاث جمع بعد ذلك، فهيئ للخطيب في الحلبة ثلاث قواصر، فصعد عليها، وكان الماء واقفا في الجامع أكثر من قامة، ووقع معظمه، ومالت حيطانه. وأما الجانب الغربي فإنه وقع فيه مشهد الكف، وغرقت مقابر قريش، ومقبرة أحمد بن حنبل، ودخل الماء من شبابيك المارستان العضدي، فوقف فيه، وصمد نقيب النقباء الكامل بمواضع [٤] في أعلى البلد فسدها [والطاهر نقيب العلويين بمواضع في جانب الكرخ فسدها] [٥] ولما نقص الماء تحول فخر الدولة من الطيار إلى صحن السلام، فضرب فيه خيما وخركاهات، وكانت داره بباب العامة قد غرقت، وعمل الخدم أكواخا، وبلغت أجرة الروزجاري خمسة قراريط [٦] إلى ثلاثة قراريط، وجلس حاجب الباب أبو عبد الله المردوسي في كوخ على عمل له عند باب النوبي، ثم أردف

стр. 5535

هذا الطرق/ تغير الهواء بريح الغلات ونتن الأشياء الغريقة، وتولى نقيب النقباء القورج. ٧٨/ ب ومن العجائب: أن أسافل دجلة وواسط كانت تغرق من دون هذه الزيادة، فما تجاوز هذا الأمر بغداد، وكان الناس يظنون أن السمك يكثر بهذا الماء، فصار كالمعدوم، وزرع الناس البطيخ والقثاء فداد [١] حتى كان الناس إذا مروا بالقراح أمسكوا على الأنف. وزاد في هذا الوقت جيحون حتى ذهب ماؤه أربع فراسخ، وتعذر الصناع حتى كان النساء يضربن اللبن. ودخل في هذه الأيام مؤيد الملك أبو بكر بن نظام الملك لأجل تزوجه بابنة أبي القاسم بن رضوان البيع، ونزل في دار حموه بباب المراتب، فلم يكن للناس طريق إلى تلقيه، فأخذ في نفسه من ذلك، فبعث الخليفة إليه من طيب قلبه، وأقام العذر، وحمل له خلعا، وأذن له في الركوب بباب المراتب عن سؤال تكرر منه، فلبس الخلع ومضى إلى بيت النوبة، وتلقاه الوزير تلقيا لم تجر به عادة تطييبا لقلبه، وانصرف إلى دار بناها والده مع المدرسة، فمضى الوزير إليه من غد في موكب. وفي شعبان: وقعت الفتنة بين القلائين والكرخ، وجعلوا يشتمون الشحنة ومن قلده، فعبر إليهم، وقتل منهم وأحرق أماكن. وفي ليلة الأربعاء سادس عشر ذي الحجة: ظهر في السماء برق كثير في جميع الأوقات، واسودت السماء بالغيم، وهبت بالليل ريح رمت عدة من الستر، / وجاء معها تراب كثير ورمل، وسقط من أعمال البصرة نحو من خمسة آلاف نخلة. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٤٣٣- أحمد بن محمد بن أحمد، أبو الحسن [٢] السمناني القاضي، حمو قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغانيّ [٣] .
следующие страницы →