دوست، خطب وله ست عشرة سنة، وشهد في سنة سبع وأربعمائة، وولي القضاء في سنة تسع وأربعمائة فبقي يخطب بجامعي المنصور والمهدي ستا وسبعين سنة، وشهد ستين سنة، وتقضى ستا وخمسين سنة.
وتوفي وقت المغرب من يوم الأربعاء سلخ ذي القعدة من هذه السنة، ودفن يوم الخميس غرة ذي الحجة خلف القبة الخضراء، وكان قد جاوز التسعين، وحضره خلق عظيم، وكان يوما مشهودا. رئي في المنام فقال: غفر لي بطول تهجدي.
قَالَ أبو بكر بن الخاضبة: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، ومناد ينادي: أين ابن الخاضبة؟ فقيل لي: ادخل الجنة فدخلت، فاستلقيت فرفعت رأسي فرأيت بغلة مسروجة ملجومة في يد غلام، فقلت: لمن هذه؟ فقيل: للشريف أبي الحسين بن الغريق. فلما كانت صبيحة تلك الليلة نعي إلينا الشريف أنه مات تلك الليلة.
٣٤٣٢- هناد بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن إسماعيل، أبو المظفر النسفي
[١] .
ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وسمع أبا الحسين بن بشران، وأبا عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، / وأبا عبد الرحمن السلمي، وغيرهم من أهل البلاد ٧٦/ ب المختلفة. سمع منه شيوخنا وحدثونا عنه، وكانوا يتهمونه لأن الغالب [٢] على حديثه المناكير.
توفي هناد في ربيع الأول من هذه السنة ببعقوبا وكان قاضيها، ودفن هناك.
стр. 5532
ثم دخلت سنة ست وستين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه في صفر جلس الخليفة جلوسا عاما وعلى رأسه الأمير عدة الدين وسنه ثماني عشرة سنة وهو في غاية الحسن، وأوصل إليه سعد الدولة الكوهرائين والجماعة، وسلم إليه العهد المنشأ للسلطان بعد أن قرأ الوزير فخر الدولة أوله، واللواء بعد أن عقده الخليفة بيده. وكان الزحام عظيما حتى هنأ الناس بعضهم بعضا بالسلامة.
وفي هذا الشهر: وردت التوقيعات لبعض التركمان بعدة نواح من إقطاع حواشي الدار العزيزة، وذلك لتغير رأي نظام الملك في الخدمة الشريفة بما أوقعه الأعداء من الضغائن بينه وبين فخر الدولة، وكان من فعل العميد أبي الوفاء، فلوطف التركمانية من الديوان بمال رضوا به عما كانوا أقطعوه.
[وردت البشارة إلى الديوان بفتح بيت المقدس]
وفي هذا الشهر: وردت الكتب إلى الديوان تتضمن البشارة بفتح بيت المقدس في شوال سنة خمس وستين، وإقامة الخطبة هناك، وكانوا قد حوصروا حتى بلغت الكارة سبعين دينارا.
[زيادة دجلة زيادة مفرطة]
٧٧/ أوفي جمادى الآخرة: ورد الحاجب السليماني من عكبرا فدخل/ الديوان، فرسم له تدارك القورج الّذي هو فوق الدار المعزية [١] ، وكانت دجلة قد زادت زيادة مفرطة، واتصل المطر بالموصل والجبال، ونودي بالعوام أن يخرجوا معه لذلك، فخرج من الديوان، وأراد قصد الموضع فرأى الماء قد حجز بينه وبين الطريق، فرجع إلى دار
стр. 5533
المملكة، وخلا وجمع زواريق، وطرح فيها رحلة ليعبر فهرب، فجاءت في الليل ريح شديدة جدا، وسيل عظيم، وطفح الماء من البرية إلى الحريم، وطغى على أسوار المحال فهدمها، ونزل من فوقها وأسفل منها، وصعد من تحت الأرض، وقلع الطوابيق، ونبع من الآبار والبلاليع فرماها في ليلتها فصارت تلالا عالية، ثم صبح دار الخلافة ففعل بأكثرها مثل ذلك، وكان قد دخلها من بيت النوبة ومن سور باب الغربة، ثم من باب النوبي وباب العامة والجامع، فهرب الخدم والخواص متحيرين، والمطر يأتي من فوق، وخرج الماء على الخليفة من تحت السرير الذي كان جالسا عليه، فنهض إلى الباب فلم يجد طريقا، فحمله أحد الخدم على ظهره إلى التاج، وخرج الجواري حاسرات، فعبرن إلى الجانب الغربي، وأقيم في الدار أربع ركاء، وحطت إليها الأموال والحرم، ولبس الخليفة البردة، وأخذ بيده القضيب ولم يطعم يومه وليلته.
وأما الوزير فخر الدولة فإنه دخل عليه الماء في داره بباب العامة، فركب وخاض بالفرس/ إلى حضرة الخليفة، فاستأذن فيما يفعل فقيل له: اطلب لنفسك مخلصا قبل ٧٧/ ب أن لا تجده، فمضى إلى الطيار على باب الغربة، فأقام فيه، وجاءه الملاح بثلاثة أرغفة يابسة وخل، فأكل واستلقى على البارية.
وهلك من أموال الناس تحت الهدم الكثير، وتلف من سكان درب القباب الجم الغفير، وهرب الناس إلى باب الطاق، ودار المملكة، وتلال الصحراء العالية، والجانب الغربي على تخبيط شديد، وتضنك قبيح، وجاء الماء من البرية كالجبال يهلك ما مر به من إنس ووحش، وجاء على رأس الماء في الأبواب والأخشاب والآلات والحباب شيء كثير، وشوهد على تل في وسط الماء سبع ويحمور واقفين، وهلك من الوحوش ما لا يحصى، وصعد بعضها الردافي فصعد السوادية سباحة فأخذوها.
وجاء الخبر من الموصل أن الماء ورد في البرية كالجبال، فلطم سور سنجار وكان حجرا فهدم قطعة منه، ودحا بأحد بابيه أربعة فراسخ، ووقعت آدر [١] بباب المراتب منها دار ابن جردة، وكانت تشتمل على ثلاثين دارا، وعلى بستان، وحمام يساوي عشرات
стр. 5534
ألوف [١] ، ووقع مشهد باب أبرز ومنارته، وغرقت المقابر، وصعدت التوابيت على الماء، وخرق مشهد النذور، ومقبرة الخيزران، وقبر السبتي، وتهدم الحريم من باب ٧٨/ أالنوبي إلى أكثر المأمونية، وباب الأزج، وخرابة ظفر، ودرب الشاكرية/، ودرب المطبخ، ودرب حلاوة، والمسعودة، والشمعية، وخرج الناس من هذه المواضع لا يلتفت أحد على أحد، ووقع في درب القيار عدل [٢] قطن وسط الدرب، وعبر الناس عليه، فداس بعضهم بعضا [٣] ، فوقع عليه جماعة موتى، وكان رجل على كتفه ولدان صغيران فما زال يخوض بهما حتى أعيا فرمى بهما ونجا بنفسه، وهلك من الناس والبهائم عدد كثير، ثم عنّ لأقوام من المفسدين أن يزحفوا على الخليفة ليتسلطوا بذلك على النهب، ونودي في الملاحين أن لا يأخذوا من الناس إلا ما جرت به العادة في العبور، وأقيمت الجمعة في الطيار أسبوعين، وفي الحلبة ثلاث جمع بعد ذلك، فهيئ للخطيب في الحلبة ثلاث قواصر، فصعد عليها، وكان الماء واقفا في الجامع أكثر من قامة، ووقع معظمه، ومالت حيطانه.
وأما الجانب الغربي فإنه وقع فيه مشهد الكف، وغرقت مقابر قريش، ومقبرة أحمد بن حنبل، ودخل الماء من شبابيك المارستان العضدي، فوقف فيه، وصمد نقيب النقباء الكامل بمواضع [٤] في أعلى البلد فسدها [والطاهر نقيب العلويين بمواضع في جانب الكرخ فسدها] [٥] ولما نقص الماء تحول فخر الدولة من الطيار إلى صحن السلام، فضرب فيه خيما وخركاهات، وكانت داره بباب العامة قد غرقت، وعمل الخدم أكواخا، وبلغت أجرة الروزجاري خمسة قراريط [٦] إلى ثلاثة قراريط، وجلس حاجب الباب أبو عبد الله المردوسي في كوخ على عمل له عند باب النوبي، ثم أردف
стр. 5535
هذا الطرق/ تغير الهواء بريح الغلات ونتن الأشياء الغريقة، وتولى نقيب النقباء القورج. ٧٨/ ب ومن العجائب: أن أسافل دجلة وواسط كانت تغرق من دون هذه الزيادة، فما تجاوز هذا الأمر بغداد، وكان الناس يظنون أن السمك يكثر بهذا الماء، فصار كالمعدوم، وزرع الناس البطيخ والقثاء فداد [١] حتى كان الناس إذا مروا بالقراح أمسكوا على الأنف.
وزاد في هذا الوقت جيحون حتى ذهب ماؤه أربع فراسخ، وتعذر الصناع حتى كان النساء يضربن اللبن.
ودخل في هذه الأيام مؤيد الملك أبو بكر بن نظام الملك لأجل تزوجه بابنة أبي القاسم بن رضوان البيع، ونزل في دار حموه بباب المراتب، فلم يكن للناس طريق إلى تلقيه، فأخذ في نفسه من ذلك، فبعث الخليفة إليه من طيب قلبه، وأقام العذر، وحمل له خلعا، وأذن له في الركوب بباب المراتب عن سؤال تكرر منه، فلبس الخلع ومضى إلى بيت النوبة، وتلقاه الوزير تلقيا لم تجر به عادة تطييبا لقلبه، وانصرف إلى دار بناها والده مع المدرسة، فمضى الوزير إليه من غد في موكب.
وفي شعبان: وقعت الفتنة بين القلائين والكرخ، وجعلوا يشتمون الشحنة ومن قلده، فعبر إليهم، وقتل منهم وأحرق أماكن.
وفي ليلة الأربعاء سادس عشر ذي الحجة: ظهر في السماء برق كثير في جميع الأوقات، واسودت السماء بالغيم، وهبت بالليل ريح رمت عدة من الستر، / وجاء معها تراب كثير ورمل، وسقط من أعمال البصرة نحو من خمسة آلاف نخلة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٤٣٣- أحمد بن محمد بن أحمد، أبو الحسن [٢] السمناني القاضي، حمو قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغانيّ
[٣] .
стр. 5536
ولد في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة بسمنان، وقدم بغداد، وسمع بها من أبي أحمد الفرضيّ، وأبي عمر بن مهدي وغيرهما. روى عنه أشياخنا وكان ثقة، صاهره أبو عبد الله الدامغانيّ على ابنته، وولّاه نيابة القضاء، فقلد قطعة من السواد، وقضاء باب الطاق، وكان نبيلا من ذوي الهيئات، وكان أشعريا، وهذا مما يستظرف أن يكون الحنفي أشعريا. وتوفي يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الأولى، ودفن بداره بنهر القلائين، وجلس قاضي القضاة للعزاء به، ثم نقل إلى الخيزرانية.
٣٤٣٤- إبراهيم بن محمد بن محمد بن أحمد، أبو علي [العلوي] [١] من أولاد زيد بن علي .
سمع الحديث، وقرأ اللغة والأدب، وسافر إلى الأقطار [٢] ، ونفق على أهل مصر، وحصل له من المستنصر خمسة آلاف مصرية، ومرض مدة بدمشق فبكى وقال:
أشتهى أموت بالكوفة حتى إذا نشرت يوم القيامة أخرجت رأسي من التراب فرأيت ابن عمي ووجوها أعرفها. فعوفي وعاد إلى الكوفة، فمات بها في هذه السنة.
وله شعر حسن فمنه قوله:
[راخ لها زمامها والأنسعا ... ورم بها من العلى شسعا
وارحل بها مغتربا عن العدى ... توطئك عن أرض العدي متسعا] [٣]
٧٩/ ب/ يا رائد الظعن بأكناف الحمى ... بلغ سلامي إن وصلت لعلعا
وحي خدرا بأثيلات الحمى ... عهدت فيها قمرا مبرقعا
ماذا عليها لو رثت لساهر ... لولا انتظار طيفها ما هجعا
٣٤٣٥- عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن علي بن سلمان الكتاني، أبو محمد الحافظ الدمشقيّ
[٤] .
стр. 5537
سمع أبا القاسم الحمامي، والخرقي، وابن بشران، وأبا الحسن بن البادا [١] ، وابن مخلد، وابن الروزبهان، والرازي، وأبا علي بن شاذان، وسمع بدمشق وغيرها من جماعة، روى عنه أبو بكر الخطيب، وكان من المكثرين في الحديث كتابة وسماعا، ومن المعنيين به من صدق وأمانة، وصحة استقامة، وسلامة مذهب، ودرس القرآن.
وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
٣٤٣٦- علي بن الحسين بن عبد الرحيم، أبو الحسن
[٢] .
مات بالنيل فجاءة بشرقة، وقد عبر السبعين [٣] .
٣٤٣٧- محمد بن إبراهيم، بن علي بن إبراهيم بن جعفر، أبو بكر القطان الأَصْبَهَانِيّ الحافظ
[٤] .
مستملي أبي نعيم. سمع الكثير بالبلاد، وورد بغداد أيام أبي علي بن شاذان، وكتب عنه، وعلق عنه أبو بكر الخطيب حديثا واحدا، وهو عظيم الشأن عند أهل بلده، ثقة، وكان يملى من حفظه، وتوفي بأصبهان في هَذِهِ السنة.
٣٤٣٨- محمد بْن عبيد الله بْن أحمد بن محمد بن أبي الرعد [٥] الحنفي أبو نصر [٦] قاضي عكبرا
[٧] .
سمع أبا أحمد الفرضيّ، وأبا عمر بن مهدي. توفي يوم الجمعة ثالث ربيع الآخر من هذه السنة.
٣٤٣٩-/ الماورديّة
[٨] . ٨٠/ أذكرها هلال بن المحسن في تاريخه قَالَ: كانت الماوردية عجوزا صالحة بالبصرة.
стр. 5538
قاربت ثمانين سنة [١] ، بقيت منها خمسين سنة لا تفطر، ولا تنام بالليل، ولا تأكل خبزا ولا رطبا ولا تمرا، وإنما يطحن [لها] [٢] قلى [٣] فتخبز منه خبزا فتقتات به [٤] ، وتأكل التين اليابس دون الرطب، وتنال من الزبيب والعنب واللحم شيئا يسيرا، وكانت تكتب وتقرأ وتعظ الناس، وكانت كثيرة الخير، توفيت بالبصرة في هذه السنة، وتبع جنازتها أكثر الناس، ودفنت خارج البلد عند قبور الصالحين.
стр. 5539
ثم دخلت سنة سبع وستين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه في صفر مرض القائم بأمر الله مرضا شديدا، وانتفخ حلقه، وامتنع من الفصد، فقصد الوزير فخر الدولة باب الحجرة ليلا وحلف بالأيمان المغلظة أنه لا يبرح حتى يقع الفصد، فأذن في إحضار الطبيب، وافتصد فصلح بذلك، وانزعج الناس في البلد والحريم ونقلوا أموالهم إلى الجانب الغربي، فلما وقعت العافية سكن الناس.
وفي هذا الشهر: جاء سيل متتابع قاسى الناس منه بلاءً [١] صعبا، قرب أمره من يوم الغرق، فإن أكثر الأبنية لم تكن تمت، وإنما رفع الناس من البنيان ما قعدوا فيه فاحتاجوا/ إلى أن خرج أكثرهم وثيابهم على رءوسهم، فقعدوا على التلول يقاسون ٨٠/ ب المطر، وزاد تامرا من ذلك بضعة عشر ذراعا، ووقع وباء بالرحبة، فهلك فيه عشرة آلاف إنسان، وكذلك في أوانا، وصريفين، وعكبرا، وطريق خراسان، وواسط، والبصرة، وخوزستان.
وفي يوم الخميس الثامن والعشرين من رجب: فصد الخليفة من ماشرى لحقته، وكان من وقت الغرق يعتاده المرض، فنام بعد الفصد فأنفج فصاده [٢] وانتبه، وقد مضت القوة ووقع اليأس منه وكثر الإرجاف به، وماج الناس واختلطوا، ونقلوا أموالهم من الحريم إلى دواخل الدار وإلى الجانب الغربي، وخيف [٣] من العيارين، وكانوا
стр. 5540
يقامرون [١] ويقترضون على موت الخليفة لينهبوا، فلما أحس الخليفة بانقراض المدة استدعى عدة الدين وقال له: يا بني، قد استخدمت في أيامي ابن أيوب، وابن المسلمة، وابن دارسة، وابن جهير، فما رأيت أصلح للدولة من ابن جهير وولده، فلا تعدل عنهما. فقبل يده وبكى بين يديه، وأحضرت الدواة وكتب القائم بأمر الله رقعة بذاك إليه، وقال: اكتب خطك في جوابها، وبالإجابة وبالتعويل على عميد الملك في وزارتك تعويل معرض غير معترض عليك. فكتب فاحضر قاضي القضاة والنقيبان والشهود في يوم الأحد تاسع شعبان، فأقاموا في الديوان إلى الليل، ثم استدعوا مع الوزير إلى الحجرة، وكان الخليفة وراء الشباك مستندا وعدة الدين قائم على رأسه، ٨١/ أوالقوم يسمعون كلامه ولا يرون شخصه فقال: / اشهدوا على ما تضمنته هذه الرقعة [٢] التي كتبت فيها سطرين بخطى. فقالوا: السمع والطاعة. وأسبلت الستارة.
وكان مضمون الرقعة ولاية العهد لعدة الدين، ورد الأمر إليه والوصاة له [٣] بما يجب الرضا به.
ونسختها: بسم الله الرحمن الرحيم، إن أمير المؤمنين يحكم [٤] ما وكله الله إليه من أمور عباده [وبلاده] [٥] وأوجبه عليه من صلة طريقة في إحسان الإيالة [٦] بقلاده رأى [٧] أن ينتهي في مراعاة أحوال المسلمين، والنظر في مصالحهم، وإسباغ ظل العاطفة [٨] على أكابرهم وأصاغرهم إلى الحد الذي تحلى [٩] مشارتهم من ملابس [الكبد وتعرى مشارتهم من ملابس] [١٠] الحذر، فلذلك اقتضت [١١] عزائمه الميمونة
стр. 5541
إحضار وزير دولته الناظر في خدمته محمد بن محمد بن جهير وولده، ونقيب النقباء طراد بن محمد، وقاضى القضاة محمد بن علي، والمعمر بن محمد نقيب الطالبيين، ومحمد بن محمد البيضاوي [١] ، وعبد الله [٢] بن عبد السيد السيبي، وعبد الله بن محمد الدامغاني في ليلة الأحد التاسع من شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، فحين مثلوا بين سدته الشريفة أنعم متبرعا في إيصاله من رأيه، ونفاذ عزائمه بمشافهة سلالته الطاهرة أبي القاسم عبيد الله بن محمد أمير المؤمنين بتوليته العهد، وتصييره خليفة بعده في المسلمين، ووصاه بما يطابق الشرع في مثل [٣] / هذه الحال، ويحل من رضى ٨١/ ب الله أجل المحال، حيث وجده أهلا لذلك وراءه، واستوثق كل مسعى له في الرشاد وارتضاه، وألفاه ناهضا بأعباء ما ولاه، ناهجا للسنن الذي أوجبه جميل خلاله، وأوصاه مجتمعة فيه شرائط ما فوضه إليه واستكفاه، والله يمد أمير المؤمنين بالتوفيق في إيجابه وعزائمه، ويقرن التشديد بمفاتح عزمه [٤] وخواتمه، ويحسن الخبرة له ولولي عهده ولكافة المسلمين فيما أذن فيه، وقصد به أحكام [دعائم] [٥] الصلاح ومبانيه بمنه.
والسطران الملحقان: لا يغير للخدم حال، ولا يزعجوا في ملك ولا إقطاع.
واستدعى عدة الدين من الغد عميد الدولة أبا منصور، وتقدم بإفاضة الخلع عليه، وماج الناس بالإرجاف على الخليفة بالوفاة، ورتب الوزير فخر الدولة الأتراك والهاشميين بالسلاح يطوفون، وتقدم إلى الشحنة أن يضرب خيما عند دار المملكة، فقامت الهيبة، واتفقت الوفاة ليلة الخميس الثالث عشر من شعبان، وجلس الوزير فخر الدولة وولده عميد الدولة في الديوان العزيز على الأرض حافيين، قد خرقا ثوبيهما، ونحيا عمامتيهما، وطرحا رداءين لطيفين [٦] عوضهما، وفعل الناس مثل ذلك، ومنع عدة الدين الجواري والخدم من الصراخ.
стр. 5542
باب ذكر خلافة المقتدى بأمر الله
واسمه: عبد الله بن ذخيرة الدين أبي العباس محمد بن القائم بأمر الله، ويكنى:
٨٢/ أأبا القاسم. ومولده في سحرة يوم الأربعاء ثامن/ جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وأمه أم ولد أرمنية، تسمى: أرجوان، وتدعى قرة العين، أدركت خلافته وخلافة ابنه وابن ابنه، وكان الذخيرة قد بقى من أولاد القائم ولم يبق له ذكر سواه، فاستشعر الناس انتقاض الدولة وانقضام الأمر لعدم ولد للبيت القادري، وأن من [سواهم من] [١] الأسرة مخالط للعوام في البلد، وجارى مجاري السوقة، وذلك تنفر قلوب العوام عن المتولي، فحفظ الله هذا البيت بأن كان الذخيرة قد ألم بجاريته أرجوان فتشوقت النفوس إلى ما يكون من ذلك، فجاءت بالمقتدي بعد موت الذخيرة بخمسة أشهر وكسر، فوقعت البشائر ولم يزل جده ضنينا به، حذرا عليه، فلما كانت نوبة البساسيري كان للمقتدي دون الأربع سنين، فستره أهله وحملوه إلى أبي الغنائم محمد بن علي بن المحلبان، فسار به إلى حران على ما قد سبق ذكره، فلما عاد القائم إلى منزله أعيد المقتدى، فبلغ والقائم حي، فأشهد القائم على نفسه بولاية العهد، فظهرت ألطاف الله سبحانه في أمر المقتدى من حيث ولادته وأنها كانت سببا لحفظ هذا البيت من جهة حراسته في الفتنة [٢] ومن جهة بلوغه مرتبة الخلافة في حياة جده، ومن جهة سلب ملك شاه حين تغيرت نيته عليه، وأراد منه أن يخرج من بغداد فقال: أمهلني عشرة أيام، فهلك السلطان في اليوم العاشر.
стр. 5543
ذكر بيعة المقتدي بأمر الله
[١] / قد ذكرنا أنه لما احتضر القائم كتب ولاية العهد للمقتدي، فلما توفي استخلف ٨٢/ ب المقتدى يوم الجمعة ثالث عشر شعبان هذه السنة، ولقب: بالمقتدي بأمر الله، وجلس في دار الشجرة بقميص أبيض، وعمامة لطيفة بيضاء، وطرحة قصب درية، ودخل الوزير فخر الدولة وعميد الدولة، واستدعى مؤيد الملك بن النظام، والنقيبان طراد العلوي، وقاضي القضاة الدامغاني، ودبيس، وأبو طالب الزينبي، وابن رضوان، وابن جردة، ووجوه الأشراف والشهود والمتقدمون وبايعوه، وكان أول من بايعه الشريف أبو جعفر، وذاك أنه لما غسل القائم بايعه حينئذ قبل الناس، وقال الشريف أبو جعفر: لما أن بايعته أنشدته:
إذا سيد منا مضى قام سيد
ثم ارتجز على تمامة فقال هو:
قؤول بما قَالَ الرجال فعول
وبايعه مع الجماعة أبو إسحاق، وأبو نصر بن الصباغ، وأبو محمد التميمي، وبرز فصلى بالناس العصر، وبعد ساعة حمل التابوت على الطيار يبكون من غير صراخ، وصلى عليه فكبر أربعا، ودفن في حجرته التي كانت برسم خلوته، وكان المقتدى من رجال بني العباس، له همة عالية وشجاعة وهيبة، وفي زمانه قامت حشمة الدولة، ولما استفحل أمر تتش بعد وفاة أخيه ملك شاه، واشتدت شوكته، وكثرت عساكره، واستولى على ديار بكر وبلاد العرب كاتب المقتدى يسأله أن يقيم له الخطبة، وخلط السؤال بنوع تهديد، فأمر المقتدى أن يكتب له كتاب فيه خشونة، وكانت فيه: صلح/ أن يكون ٨٣/ أخطابك في الخطبة إذا حصلت الدنيا بحكمك وخزائن الأموال بأصفهان، وولايتها تحت يدك، والبلاد بأسرها في قبضتك، ولم يبق من أولاد أخيك من يخالفك، ثم تسأل حينئذ تشريفك بالخطبة وتأهيلك للخدمة، فأما في هذه الحال فلا سبيل إلى ما التمسته [٢] ، ولا طريق إلى ما تحاوله، فلا تعد حد العبيد فيما تنهيه وتسطره، والاتباع
стр. 5544
فيما تورده وتصدره، وليكن خطابك ضراعة لا تحكما، وسؤال تخير، فإن أطعت فنفسك نفعت، وإن خالفت وقصدتنا [رددناك و] [١] منعنا [٢] طلبتك، واعتمدنا معك ما يقتضيه حكم الإمام والسلطان، وأتاك من الله تعالى ما لا قبل لك به، ولا يدان [٣] .
وخطب للمقتدي في اليمن، والشامات، وبيت المقدس، والحرمين، واسترجع المسلمون الرها وأنطاكية، وعمر الجانب الشرقي من بغداد، فعمرت البصلية، والقطيعة، والحلبة، والأجمة، ودرب القيار، وخرابة ابن جردة، وخرابة الهراس، والخاتونيتين، والمقتدية، وبني الدار الشاطئية على دجلة، والأبنية العجيبة في داخل الدار، وكانت أيام المقتدى كثيرة الخير، ووزر له أبو منصور محمد بن جهير، ثم أبو شجاع، ثم عاد أبو منصور، وكان قضاته أبو عبد الله الدامغاني، ثم أبو بكر الشامي، وحاجبه أبو عبد الله المردوسي، ثم بعده أبو منصور المعوج.
٨٣/ ب وفي شعبان: تقدم فخر الدولة إلى المحتسب في الحريم بنفي المفسدات، / وبيع دورهن فشهر جماعة منهن على الحمير [مناديات على أنفسهن] [٤] وأبعدهن إلى الجانب الغربي، ومنع الناس من دخول الحمامات بلا مآزر [٥] وقلع الهوادي والأبراج، ومنع اللعب بالطيور لأجل الإطلاع على سطوح الناس، ومنع الحماميين من إجراء ماء الحمامات إلى دجلة، وألزمهم أن يحفروا [٦] لها آبارًا تجتمع المياه فيها، وصار من يغسل السمك والمالح يعبر إلى النجمي فيغسل هناك، ومنع الملاحين أن يحملوا الرجال والنساء مجتمعين.
وفي يوم الخميس السابع والعشرين من رمضان: خرج عميد الدولة أبو منصور وسار [٧] إلى حضرة السلطان لأخذ البيعة للمقتدي، وحمل معه ثماني مائة ثوب أنواعا وخمسة عشر ألف دينار.
ووقعت نار في شوال في دكان خباز في نهر المعلى، فأتت على السوق جميعه،
стр. 5545
وأذهبت اثنان وثمانون دكانا غير الدور، ثم وقعت نار في المأمونية، ثم في الظفرية، ثم في درب المطبخ، ثم في دار الخليفة، ثم في حمام السمرقندي، ثم في باب الأزج، ثم في درب فراشة، ثم في الجانب الغربي من نهر طابق، ونهر القلائين والقطيعة، ونهر البوابين، وباب البصرة.
وورد الكتاب أنه وقع الحريق بواسط في تسعة مواضع، واحترقت أربع وثمانون دارا وست خانات سوى الحوانيت اللطاف، وآدر ليس عندها نار فذهب الفكر.
وفي عيد الأضحى: قطعت الخطبة العباسية والسلطانية من مكة، وأعيدت/ ٨٤/ أالخطبة المصرية، وكان مدة الخطبة العباسية بها أربع سنين وخمسة أشهر، وسبب ذلك أن صاحب مصر قوى أمره، فتراجع الناس إلى مصر، ورخصت الأسعار واتفقت وفاة السلطان ووفاة الخليفة وخوف أمير مكة واجتمع إليه أصحابه فقالوا: إنما سلمنا هذا الأمر لبني العباس [١] لما عدمنا المعونة من مصر، ولما رجعت إلينا المعونة فإنا لا نبتغي بابن عمنا بدلا، فأجابهم الأمير على كره، وفرق المال الذي بعث، وردت الأسماء المصرية التي كانت قلعت من قبة المقام.
وفي هذه السنة: جلت السوادية من أسافل دجلة، وهلك أكثرهم بالوباء وجفلوا من نهر الملك بنسائهم وأولادهم وعواملهم، فمنهم من التجأ إلى واسط، ومنهم من عبر النهروانات، ومنهم من قصد طريق خراسان لنقصان الفرات نقيصة قل أن يتحدث بمثلها.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٤٤٠-[الحسن] [٢] بن عبد الودود بن عبد المتكبر بن المهتدي، أبو علي الهاشمي
[٣] .
стр. 5546
سمع أبا القاسم الصيدلاني، وغيره، ولد سنة ثمانين وثلاثمائة وكان صدوقا مقبول الشهادة عند الحكام [١] وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن في داره بسكة الخرقي، ثم أخرج بعد ذلك فدفن في مقبرة جامع المدينة.
٣٤٤١- عبد الله القائم بأمر الله
[٢] .
٨٤/ ب أمير المؤمنين، توفي ليلة الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان/ من هذه السنة، وكانت ليلة ذات ريح ومطر، وكان الزمان ربيعا، وصلى عليه في صبيحتها وغسله الشريف أبو جعفر بن موسى، وأعطى ما كان عنده فامتنع فلم يأخذ شيئا.
أنبأنا على بن عبيد الله، عن أبي محمد التميمي قَالَ: ما حسدت أحدا قط إلا الشريف أبا جعفر في ذلك اليوم، وقد نلت مرتبة التدريس والتذكير والسفارة بين الملوك، ورواية الأحاديث، والمنزلة اللطيفة عند الخاص والعام، فلما كان ذلك اليوم خرج علينا الشريف وقد غسل القائم عن وصية بذلك، ثم لم يقبل شيئا من الدنيا، وبايع ثم انسل طالبا لمسجده ونحن كل منا جالس على الأرض، متحف مغير لزيه، مخرق ثوبه، يهمه ما يحدث بعد موت هذا الرجل على قدر ماله تعلق بهم، فعرفت أن الرجل هو ذاك، وغلقت الأسواق لموت القائم، وعلقت المسوح، وفرشت البواري مقلوبة، وتردد عبد الكريم النائح في الطرقات ينوح، ولطم نساء الهاشميين ليلا، وجلس الوزير وابنه عميد الدولة للعزاء ثلاثة أيام في صحن السلام، ثم خرج توقيع يتضمن التعزية والإذن في النهوض، وكان عمر القائم أربعا وسبعين سنة وثمانية أشهر وثمانية أيام، وكانت خلافته أربعا وأربعين سنة وثمانية أشهر، وخمسة وعشرين يوما.
٣٤٤٢- عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود، أبو الحسن بن أبي طلحة الداودي
[٣] .
стр. 5547
ولد سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وسمع أبا الحسن بن الصلت، وأبا عمر بن مهدي في خلق كثير، وقرأ الفقه على أبي بكر القفال/ وأبي حامد الأسفراييني ٨٥/ أوغيرهما، وصحب أبا عمر الدقاق، وأبا عبد الرحمن السلمي، ودرس، وأفتى، ووعظ، وصنف وكان له حظ من النظم والنثر، وكان لا يفتر عن ذكر الله تعالى، واتفق أنه وقعت نهوب فترك أكل اللحم سنين، ودخل عليه نظام الملك فقعد بين يديه فقال له: إن الله قد سلطك على عباده فانظر كيف تجيبه إذا سألك عنهم.
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن علي المقرئ، حدثنا أبو محمد عبد الله بن عطاء الإبراهيمي قَالَ: أنشدنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي لنفسه:
كان في الاجتماع للناس نور ... فمضى النور وادلهم الظلام
فسد الناس والزمان جميعا ... فعلى الناس والزمان السلام
توفي الداودي في هذه السنة ببوشنج، وحدثنا عنه أبو الوقت عبد الأول بن عيسى السجزيّ.
٣٤٤٣- عبد السلام بن أحمد بن محمد بن عمر، أبو الغنائم الأنصاري نقيب الأنصار
[١] .
ولد سنة ست وثمانين وثلاثمائة، وسمع هلالا الحفار، أبا الحسين بن بشران، وأبا الفتح ابن أبي الفوارس، وأبا الحسن بن رزقويه وغيرهم. روى عنه أشياخنا، وكان ثقة صدوقا متدينا، من أمثال الشيوخ وأعيانهم.
وتوفي في شعبان هذه السنة ودفن بمقبرة جامع المدينة.
٣٤٤٤- علي بن عبد الملك، أبو الحسن [٢] الشهوري المعدل القارئ .
كان لذيذ التلاوة، قد قرأ بالقراءات الكثيرة.
стр. 5548
٨٥/ ب/ توفي في ليلة السبت ثاني عشرين شعبان، وصلى عليه بجامعي القصر والمنصور، وتبعه الخلق العظيم، ودفن بمقبرة باب حرب.
٣٤٤٥- محمد بن علي بن محمد بن موسى بن جعفر، أبو بكر الخياط المقرئ
[١] .
ولد سنة ست وسبعين وثلاثمائة، وقرأ القرآن على أبي أحمد الفرضيّ [٢] ، و [أبي] [٣] بكر بن شاذان، وابن السوسنجردي، وأبي الحسن الحمامي، وتوحد في عصره في القراءات، وسمع الحديث الكثير، وحدث بالكثير، وكان ثقة صالحا، حدثنا عنه أشياخنا.
توفي ليلة الخميس ثالث جمادى الأولى، ودفن في مقبرة جامع المدينة.
٣٤٤٦- منصور بن أحمد بن دارست أبو الفتح [٤] .
وزر للقائم، وتوفي بالأهواز في هذه السنة.
стр. 5549
ثم دخلت سنة ثمان وستين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه جاء جراد في شعبان كعدد الرمل والحصى، فأكل الغلات، فكدى أكثر الناس وجاعوا، وطحن السوادية الخرنوب مخلوطا بدقيق الدخن، ووقع الوباء، ثم منع الله سبحانه الجراد من الفساد، وكان يمر بالقراح فلا يقع منه عليه واحدة، ورخصت لذلك الأسعار.
[خلع الخليفة على الوزير أبي منصور]
وفي شوال: خلع الخليفة على الوزير أبي منصور، وولد الوزير فخر الدولة أبي نصر بعد أن استدعا هما إلى حضرته وخاطبهما بما طيب نفوسهما، ورد الأمور إلى عميد الدولة.
[وصول خبر الغلاء بدمشق]
وفي ذي الحجة: وصل الخبر بالغلاء في دمشق بأن الكارة بلغت نيفا وثمانين دينارا، وبقيت على هذا/ ثلاث سنين.
٨٦/ أوكان غلام يعرف بابن الرواس من أهل الكرخ يحب امرأة فماتت، فحزن عليها فبقي لا يطعم الطعام، وانتهى به الأمر إلى أن خنق نفسه.
[أعيدت الخطبة العباسية والسلطانية]
وفي هذا الشهر: أعيدت الخطبة العباسية والسلطانية [١] بمكة، وكان السبب أن سلار الحاج قرر مع ابن أبي هاشم أن يزوجه [٢] أخت السلطان جلال الدولة ملك شاه،
стр. 5550
فتعلق طمعه بذلك، فبعث رجلين إلى مصر ينظران، فإن كان أمر صاحب مصر صالحا يرجى دام على خطبته، فرجعا إليه فقالا: ما بقي ثم شيء يرجى، وقد فسدت الأحوال، ونفذ المال، ونفذ صاحب مصر ألف دينار. فورد كتاب سلار الحاج [١] يخبره بأنه قد قرر أمر الوصلة، وأنه قد أعطى للسنين الماضية والآتية [٢] عشرين ألف دينار عزل منها عشرة آلاف للمهر، فرأى ابن أبي هاشم أن دنانير المهر قد أخذت، والوصلة قد تمت فسر بذلك وخطب. للعباس والسلطان [٣] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٤٤٧- إسماعيل بن محمد بن إبراهيم بن كمادي [٤] ، أبو علي الواسطي .
حدث عن جماعة، وتوفي بواسط في جمادى الأولى من هذه السنة.
٣٤٤٨- أحمد بن علي بن أحمد، أبو سعد السّدوسي
[٥] .
حدّث عن أبي أحمد القرضي، وكان ثقة، وتوفي في ليلة عيد الفطر.
٣٤٤٩- أحمد بن إبراهيم بن عمر البرمكي، أخو أبي إسحاق
[٦] .
حدث بشيء يسير، وكان ثقة صالحا، وتوفي ليلة الثلاثاء ثاني ذي القعدة، ودفن بباب حرب.
стр. 5551
٣٤٥٠-/ الحسن بن القاسم [١] ، أبو علي المقرئ، المعروف: بغلام الهرّاس ٨٦/ ب الواسطي
[٢] .
توفي ليلة الخميس سادس جمادى الأولى بواسط.
قَالَ المصنف: ورأيت بخط أبي الفضل بن خيرون قَالَ: [٣] قيل عنه أنه خلط في شيء من القراءات، وادعى إسنادا لا حقيقة له، وروى عجائب.
٣٤٥١- عبد الجبار بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن برزة [أبو الفتح] [٤] الأردستاني الجوهري الواعظ
[٥] .
ولد سنة ثمان وسبعين، وسافر الكثير، وسمع بالبلاد وكان تاجرا.
وتوفي بأصبهان في هذه السنة.
٣٤٥٢- علي بن الحسين بن جداء العكبري
[٦] .
سمع أبا علي بن شاذان، والبرقاني، وكان ثقة، وحدث، وتوفي في هذه السنة.
٣٤٥٣- محمد بن إسماعيل بن محمد [٧] بن إبراهيم بن كثير، أبو حاجب الأستراباذي
[٨] .
من أهل مازندران، سمع الكثير، وحدث، وبرع في الفقه والنظر.
وتوفي في هذه السنة.
стр. 5552
٣٤٥٤- محمد بن أحمد بن عبيد، المعروف: بابن صاحب الزيادة
[١] .
سمع [٢] أبا الحسن الحمامي، وأبا القاسم بن بشران، توفي في ذي الحجة من هذه السنة، ودفن بمقبرة جامع المدينة.
٣٤٥٥- محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن محمد بن عيسى بن أبي موسى أبو همام [٣] بن أبي القاسم ابن القاضي أبي علي الهاشمي [العبديّ] [٤] المقرئ
[٥] .
سمع الحديث، وولى نقابة الهاشميين، وهو ابن عم أبي جعفر بن أبي موسى الفقيه الحنبلي، روى عنه شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي.
توفي في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن في مقبرة باب حرب.
٣٤٥٦- محمد بن القاسم بن حبيب بن عبدوس، أبو بكر الصفاري
[٦] .
٨٧/ أمن أهل نيسابور، سمع/ أبا عبد الله الحاكم وأبا عبد الرحمن السلمي، وخلقا كثيرا، وتفقه على الجويني، وكان يخلفه وينوب عنه.
توفي بنيسابور في ربيع الآخر من هذه السنة.
٣٤٥٧- محمد بن محمد بن عبد الله [٧] بن عبد الله، أبو الحسن البيضاوي الشافعي
[٨] .
ختن القاضي أبي الطيب الطبري على ابنته، ولد في سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة
стр. 5553
وحدث عن أبي الحسن بن الجندي وغيره، وكان ثقة خيرا، روى عنه أشياخنا، وتوفي يوم الجمعة سابع عشر [١] شعبان بالكرخ، وتقدم بالصلاة عليه أبو نصر بن الصباغ، وصلى عليه قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني مأموما ودفن في داره بقطيعة الربيع.
٣٤٥٨- محمود بن نصر بن صالح أمير حلب
[٢] .
كان من أحسن الناس، نزل بها في سنة سبع وخمسين، وقوي على عمه، وكان عطية قد ملكها بعد أخيه نصر فحاصره فخرج منها، فقال ابن حيوس:
أبى الله إلا أن يكون لك السعد ... فليس لما تبغيه منع ولا رد
قضت حلب ميعادها بعد مطله ... وأطيب وصل ما مضى قبله صد
تهز لواء النصر حولك عصبة ... إذا طلبوا نالوا وإن عقدوا شدوا [٣]
وخطية سمر وبيض قواضب ... وصافية رعف وصافنة جرد
٣٤٥٩- مسعود بن المحسن بن الحسن [٤] بن عبد الرزاق، أبو جعفر بن البياض/ الشاعر
[٥] له شعر مطبوع. ٨٧/ ب أخبرنا [٦] إسماعيل بن أحمد قَالَ: أنشدني أبو جعفر بن البياض لنفسه:
ليس لي صاحب معين سوى الليل ... إذا طال بالصدود عليا
أنا أشكو بعد الحبيب إليه ... وهو يشكو بعد الصباح إليا
قَالَ: وأنشدني لنفسه:
يا من لبست لهجره ثوب الضنا ... حتى خفيت به عن العواد
стр. 5554
وأنست بالسهر [١] الطويل فأنسيت ... أجفان عيني كيف كان رقادي
إن كان يوسف بالجمال مقطع ... الأيدي فأنت مقطع الأكباد
قَالَ: وأنشدني لنفسه:
لأية علة ولأي حال ... صرمت حبال وصلك من حبالي [٢]
وبدلت البعاد من التداني ... ومر الهجر من حلو الوصال
فإن تكن الوشاة سعوا بشيء ... على فرب ساع بالمحال
فعاقبني عليه بكل شيء ... أردت سوى الصدود فما أبالي
وإن تك مثل ما زعموا ملولا ... لما تهوى سريع الانتقال
صبرت على ملالك لي برغمي ... وقلت عسى تمل من الملال
ولم أنشدك حين صرمت حبلي ... بدا لي من محبتكم بدا لي
توفي ابن البياضي في ذي القعدة من هذه السنة ودفن بباب أبرز.
٨٨/ أ
٣٤٦٠- ناصر بن محمد بن علي التركي المضافري [٣] ، / أبو منصور، والد شيخنا أبي الفضل بن ناصر
[٤] .
ولد سنة سبع وثلاثين وأربعمائة وقرأ القرآن بالقراءات، وسمع الحديث من أبي الحسين بن المهتدي، وأبي جعفر ابن المسلمة، والصريفيني، وغيرهم، وكتب الكثير من اللغة، وقال الشعر، فكان أبو بكر الخطيب يرى له ويقدمه على الأشياخ، وتولى قراءة التاريخ عليه بحضرة الشيوخ، وكان ظريفا صبيحا، وتوفي في حداثته ليلة الأحد الثالث عشر من ذي القعدة من هذه السنة فرثاه شيخنا أَبُو عَبْد اللَّهِ الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن عبد الوهاب الدباس [٥] ويعرف بالبارع.
стр. 5555
أنبأنا أبو عبد الله البارع أنه قَالَ:
سلام وأني يرد السلاما ... معاشر في الترب أمسوا رماما
لدى البيد صرعى كأن الحمام ... سقاهم بكأس المنايا مداما
أحباءنا في بطون الثرى ... فأبلين تلك الوجوه الوساما
فلو تبصر العين ما في الصفيح ... نهاها تخوفها أن تناما
ألا هل أرى لكم أوبة ... وللشمل بعد الفراق التئاما
ألا كل يوم مطايا المنون ... تحف بكم موحدا أو تؤاما
نحيي ضرائحكم إنها ... تضمن قوما علينا كراما
سلام على جدث بالعراق ... أغمدت بالأمس فيه حساما
أناصر يفديك من لو أطاق ... دافع عنك المنايا وحامى [١]
دفنت العلا والتقى والعفاف ... والحلم والعلم فيه حماما
/ أناصر لو أن لي ناصرا ... صببت على الموت موتا زؤاما ٨٨/ ب
هو الدهر لا يتقى ضيمه ... لشيء فأجدر أن لا يضاما
أناديك إذ لات حين الدعاء ... بمسمعه لو أطقت الكلاما
لقد خصني يا قرين الشباب ... فيك المصاب وعم الاناما
وأجدني منك ريب المنون ... ظمآن لم أشف منك الأواما
وكيف يطير مهيض الجناح ... خانته عند النهوض القدامى
وأطفئ بالدمع نار الحشا ... ويأبى لها الوجد إلا ضراما
وكنت ألام على أدمعي ... فأيقنت بعدك أن لا ألاما
فلا استشعر القلب عنك السلو ... ولا ازداد بعدك إلا هياما
إذا رام صبرا تمثلت فيه ... فأقصى خيالك ذاك المراما
وما أنا من بعد علم اليقين ... أحسب يومك إلا مناما
لقد كنت غرة وجه الزمان ... فقد عاد من عاد بشر جهاما
стр. 5556
وكنت على تاجه درة ... [تضيء الدجى] [١] وتزين النظاما
فأضحى بك الله مستأثرا ... وجللنا بعد نور ظلاما
وضن بك الدهر عن أهله ... فنلت حميدا ولم تلق ذاما
وأيقنت أن الدنا للفناء ... فاعتضت في الخلد عيشا دواما
فغص ببرد الزلال امرؤ ... يرى أن ورد المنايا أماما
لتبك عليك فنون العلوم ... فقد كنت في كل فن إماما
وما كنت إلا قريع الزمان ... وما الناس بعدك إلا سواما
٨٩/ أ/ ألا لا أرى مشكلات العلوم ... يزددن بعدك إلا انفحاما
فمن ذا يفرج عنا الهموم ... إذ ازدحمت في الصدور ازدحاما
ومن للمجالس صدر سواك ... إذا اضطرمت أبحر العلم عاما
ومن للمحاريب أهل سواك ... وقدما تقدمت فيها غلاما
تجاوزت في العلم حد الشيوخ ... وكل سنيك ثلاثون عاما
ولم أر كاليوم بدرًا سواك ... عاجل فيه السرار التماما
كفى حزنا أنني لا أرى ... ضريحك يزداد إلا لماما
وأن لو يفي بالإخاء الوفاء ... إذا لسقى ثراه استلاما
وإني لأنظر دون الصفيح ... بحار العلوم لديه نظاما
أرى زفراتي تحدو إلى ... ضريحك من عبراتي غماما
فيا ساكن القبر حيا ثراه ... مريض النسيم بريح الخزامى
ولا برحت بالغدو الشمال ... ولا بالأصائل فيه النعامى
وجاد أصيل الغيث فكاكه ... تبل الثرى وتروي العظاما
ولا كحل الترب تلك الجفون ... ولا اضمحل [٢] اللحد ذاك القواما
وحاشا لسانا تلا ما تلوت ... يصبح للدود يوما طعاما
وحاشا لكف يخط العلوم ... تعري أشاجعها والسلامي
стр. 5557
فلست أرى جثث الأولياء ... على الدود في الأرض إلا حراما
يهون وجدي أني غدا ... كما قد لقيت ملاق حماما
وأن سوف يجمعنا موقف ... ترى الخلق في حافتيه قياما
عليك السلام فإني امرؤ ... على القرب والبعد أهدى السلاما
٣٤٦١-/ يوسف بن محمد بن أحمد بن محمد، أبو القاسم النهرواني .
٨٩/ ب ولد سنة ثمانين وثلاثمائة وكان يسكن رباط الزوزني، وحدث عن أبي أحمد الفرضي وغيره، وخرج له أبو بكر الخطيب مشيخة، وحدثنا عنه أبو الفضل الأرموي، وكان ثقة، وتوفي يوم الأربعاء رابع عشر ذي الحجة ودفن على باب الرباط.
٣٤٦٢- يوسف بن محمد
بن يوسف بن الحسن [١] ، أبو القاسم الخطيب الهمذاني [٢] .
ولد سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وسمع الكثير، ورحل بنفسه وجمع وصنف، وانتشرت عنه الرواية، وكان خيرا صالحا صادقا دينا، توفي في ذي القعدة من هذه السنة.
стр. 5558
ثم دخلت سنة تسع وستين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
[مرض الخليفة]
انه مرض الخليفة في المحرم فارجف به، فركب في التاج حتى رآه العوام فسكنوا.
وكان بالمدينة أمير يقال له: الحسين بن مهنأ قد وضع على من يرد لزيارة رسول الله ﷺ ضريبة تشبيها بما يفعل بمكة، وإنما كان يؤخذ من التجار القاصدين مكة، فأما المدينة فإنه لا يراد منها إلا الزيارة، ونشأت [١] بذلك السمعة، فدخل رجل علوي المدينة فخطب بها للمصري في صفر، وهرب ابن مهنأ [٢] .
وكان قد توفي محمود بن نصر صاحب حلب ووصى لابنه شبيب بالبلد والقلعة، ٩٠/ أفلم يتم ذلك/ وأعطيها ولده الأكبر واسمه: نصر، فسلك طريق أبيه في كرمه، وقد مدحه ابن حيوس بقصيدة فقال فيها:
ثمانية لم تفترق مذ جمعتها ... ولا افترقت ما فر عن ناظر شفر
ضميرك والتقوى وجودك والغنى ... ولفظك والمعنى وعزمك والنصر
وكان لمحمود بن نصر سجية ... وغالب ظني أن سيخلفها نصر
فقال: والله لو قَالَ سيضعفها نصر لأضعفتها له، وأمر له بما أمر له أبوه، وهو ألف دينار في طبق فضة، وكان على بابه جماعة من الشعراء فقال أحدهم:
على بابك المعمور منا عصابة ... مفاليس فانظر في أمور المفاليس
стр. 5559
وقد قنعت منك العصابة كلها ... بعشر الذي أعطيته لابن حيوس
وما بيننا هذا التفاوت كله ... ولكن سعيد لا يقاس بمنحوس
فقال: والله لو قَالَ مثل الذي أعطيته لأعطيتهم ذلك. وأمر لهم بنصفه، ثم إنه وثب على هذا الأمير بعض الأتراك فقتله [١] ، وولى أخوه سابور بن محمود، وهو الذي نص عليه أبوه.
[زيادة دجلة إحدى وعشرين ذراعا]
وفي جمادى الآخرة: زادت دجلة فبلغت الزيادة إحدى وعشرين ذراعا ونصفا، ونقل الناس أموالهم، وخرج الوزير فخر الدولة إلى الفورح وبات عليه، وخيف من دخول [٢] الماء إلى دار الخلافة [٣] فنقل تابوت القائم/ بأمر الله ليلا إلى الترب ٩٠/ ب بالرصافة.
[وقوع الفتنة بين الحنابلة والأشعرية]
وفي شوال: وقعت الفتنة بين الحنابلة والأشعرية، وكان السبب أنه ورد إلى بغداد أبو نصر ابن القشيري، وجلس في النظامية، وأخذ يذم الحنابلة وينسبهم إلى التجسيم، وكان المتعصب له أبو سعد الصوفي، ومال الشيخ [٤] أبو إسحاق الشيرازي إلى نصرة القشيري، وكتب إلى النظام يشكو الحنابلة ويسأله المعونة، ويسأل الشريف [٥] أبا جعفر، وكان مقيما بالرصافة، فبلغه أن القشيري على نية الصلاة في جامع الرصافة يوم الجمعة، فمضى إلى باب المراتب فأقام أياما، ثم مضى إلى المسجد المعروف اليوم بابن شافع وهو المقابل لباب النوبي، فأقام فيه وكان يبذل لليهود مالا ليسلموا على يد ابن القشيري ليقوي الغوغاء، فكان العوام يقولون: هذا إسلام الرشى، لا إسلام التقى.
فأسلم يوما يهودي، وحمل على دابة، واتفقوا على الهجوم على الشريف أبي جعفر في مسجده والإيقاع به، فرتب الشريف جماعة أعدهم لرد خصومة إن وقعت [فلما وصل أولئك إلى باب المسجد رماهم هؤلاء بالآجر، فوقعت الفتنة] [٦] ووصل الآجر إلى
стр. 5560
حاجب الباب، وقتل من أولئك خياط من سوق الثلاثاء، وصاح أصحابها على باب النوبي المستنصر باللَّه: يا منصور، تهمة للديوان بمعرفة الحنابلة، وتشنيعا عليه، وغضب أبو إسحاق الشيرازي، ومضى إلى باب الطاق، وأخذ في إعداد أهبة السفر، فأنفذ إليه الخليفة من رده عن رأيه، فبعث الفقهاء أبا بكر الشاشي وغيره من النظام يشرح له الحال، فجاء كتاب النظام إلى الوزير فخر الدولة بالامتعاض مما جرى، والغضب ٩١/ ألتسلط الحنابلة على الطائفة الأخرى، وإني/ أرى حسم القول في ما يتعلق بالمدرسة التي بنيتها في أشياء من هذا الجنس.
وحكى الشيخ أبو المعالي صالح بن شافع عن شيخه أبي الفتح الحلواني وغيره ممن شاهد الحال: أن الخليفة لما خاف من تشنيع الشافعية عليه عند النظام أمر الوزير أن يجيل الفكر فيما تنحسم به الفتنة، فاستدعى الشريف أبا جعفر، وكان فيمن نفذه إليه ابن جردة فتلطف به ابن جردة [١] حتى حضر في الليل، وحضر أبو إسحاق، وأبو سعد الصوفي، وأبو نصر ابن القشيري، فلما حضر الشريف عظمه الوزير ورفعه، وقال: إن أمير المؤمنين ساءه ما جرى من اختلاف المسلمين في عقائدهم وهؤلاء يصالحونك على ما تريد.
وأمرهم بالدنو من الشريف، فقام إليه أبو إسحاق، وقد كان يتردد في أيام المناظرة إلى مسجده بدرب المطبخ، فقال له: أنا ذاك الذي تعرف، وهذه كتبي في أصول الفقه، أقول فيها خلافا للأشعرية، ثم قبل رأسه فقال الشريف: قد كان ما تقول، إلا أنك لما كنت فقيرا لم يظهر لنا ما في نفسك فلما جاءك الأعوان والسلطان وخواجا بزرك أبديت ما كان مخفيا.
ثم قام أبو سعد الصوفي فقبل يد الشريف وتلطف [به فالتفت] الشريف [٢] مغضبا وقال: أيها الشيخ، أما الفقهاء فإذا تكلموا في مسائل الأصول فلهم فيها مدخل، فأما أنت فصاحب لهو سماع وبغته، فمن زاحمك على ذلك وعلى ما نلته من قبول عند أمثالك حتى داخلت المتكلمين والفقهاء، فأقمت سوق التعصب.
стр. 5561
/ ثم قام القشيري وكان أقلهم للشريف أبي جعفر لجروانه معه، فقال الشريف: ٩١/ ب من هذا؟ فقيل: أبو نصر القشيري. فقال: لو جاز أن يشكر أحد على بدعته لكان هذا الشاب، لأنه بادهنا بما في نفسه، ولم ينافقنا كما فعل هذان، ثم التفت إلى الوزير وقال: أي صلح بيننا، إنما يكون الصلح بين مختصمين على ولاية أو دنيا، أو قسمة ميراث، أو تنازع في ملك، فأما هؤلاء القوم فهم يزعمون أننا كفار، ونحن نزعم أن من لا يعتقد ما نعتقده كافر، فأي صلح بيننا وهذا الإمام مفزع المسلمين، وقد كان جده القائم والفادر أخرجا اعتقادهما للناس، وقرئ عليهم في دواوينهم، وحمله عنهما الخراسانيون والحجيج إلى أطراف الأرض، ونحن على اعتقادهما.
وأنهى الوزير ما جرى، فخرج في الجواب: عرفنا ما أنهيته في حضور ابن العم [١] ، كثر الله في الأولياء مثله، وحضور من حضر من أهل العلم، والحمد للَّه الذي جمع الكلمة، وضم الألفة، فليؤذن الجماعة في الانصراف، وليقل لابن أبي موسى أنه قد أفرد له موضع قريب من الخدمة ليراجع في كثير من الأمور الدينية، وليتبرك بمكانه.
فلما سمع الشريف هذا قَالَ: فعلتموها، فحمل إلى موضع أفرد له وكان الناس يدخلون عليه مديدة ثم قيل له: قد كثر استطراق الناس دار الخلافة فاقتصر على من يعين دخوله. فقال: ما لي غرض في دخول أحد علي. فامتنع الناس، ثم مرض الشريف مرضا أثر في رجليه فانتفختا، فيقال: إن بعض المتفقهة من الأعداء نزل له في/ مداسه ٩٢/ ب سما، والله أعلم.
[كثرة العلل والأمراض ببغداد، وواسط]
وفي ذي القعدة: كثرت العلل والأمراض ببغداد، وواسط، والسواد، وكثر الموت
стр. 5562
حتى بقي معظم الغلات بحالها في الصحراء لعدم من يرفعها، وورد الخبر من الشام كذلك.
وفي يوم الأربعاء لعشر بقين من ذي القعدة: أزيلت المواخير، ودور الفسق ببغداد ونقضت، وهرب الفواسق وذلك لخطاب جرى من الخليفة للشحنة الّذي كانت هذه إقطاعه، وبذل له عنها ألف دينار فامتنع، وقال: هذه يحصل منها ألف وثماني مائة دينار، فكوتب النظام بما جرى، فعوض الشحنة من عنده، وكتب بإزالتها.
وفي ذي القعدة: أخرج أبو طالب الزينبي إلى مكة لأجل البيعة للمقتدي على أمير مكة ابن أبي هاشم وأصحب خلعة.
وفي ذي الحجة: ورد الخبر بأن سابور بن محمود صاحب [١] حلب أنفذ إلى أنطاكية بمن حاصرها، فبلغ الخبز بها رطلين بدينار، وقرر عليها مائة وخمسون ألفا وأخذوها وعادوا.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٤٦٣- اسبهند وست [٢] بن محمد بن الحسن، أبو منصور الديلمي
[٣] .
شاعر مجود لقي أبا عبد الله بن الحجاج، وعبد العزيز بن نباتة، وغيرهما من الشعراء، وكان يتشيع ثم تاب من ذلك.
وذكر توبته في قصيدة يقول فيها:
لاح الهدى فجلا عن الأبصار ... كالليل يجلوه ضياء نهار
٩٢/ ب/ ورأت سبيل الرشد عيني بعد ما ... غطى عليها الجهل بالأستار
стр. 5563
لا بد فاعلم للفتى من توبة ... قبل الرحيل إلى ديار بوار
يمحو بها ما قد مضى من ذنبه ... وينال عفو إلهه الغفار
يا رب إني قد أتيتك تائبا ... من زلتي يا عالم الأسرار
وعلمت أنهم هداة قادة ... وأئمة مثل النجوم دراري
وعدلت عما كنت معتقدا له ... في الصحب صحب نبيه المختار
والسيد الصديق والعدل الرضي ... عمر وعثمان شهيد الدار
وعَلِيُّ الطهر المفضل بعدهم ... سيف الإله وقاتل الفجار
صحب النبي الغر بل خلفاؤه ... فينا بأمر الواحد القهار
رحماء بينهم بذاك صفاتهم ... وردت أشداء على الكفار
وتراهم من راكعين وسجد ... يستغفرون الله بالأسحار
أيقنت حقا أن من والاهم ... سيفوز بالحسنى بدار قرار
فعدلت نحوهم مقرا بالولا ... ومخالفا للعصبة الأشرار
مترجيا عفو الإله ومحوه ... ما قدمته يدي من الأوزار
وإذا سئلت عن اعتقادي قلت ما ... كانت عليه مذاهب الأبرار
وأقول خير الناس بعد محمد ... صدِّيقه وأنيسه في الغار
ثم الثلاثة بعده خير الورى ... أكرم بهم من سادة أطهار
هذا اعتقادي والذي أرجو به ... فوزي وعتقي من عذاب النار
وسئل شيخنا عبد الوهاب الأنماطي عن اسبهندوست [١] قَالَ: كان شاعرا يشتم أعراض الناس.
توفي في ربيع الآخر/ من هذه السنة، ودفن في مقبرة الخيزران.
٩٣/ أ
٣٤٦٤- رزق الله بن محمد بن محمد بن أحمد بن علي، أبو سعد الأنباري الخطيب، ويعرف: بابن الأخضر من أهل الأنبار
[٢] :
سمع أبا أحمد الفرضي، وأبا عمر بن مهدي وغيرهما، وتفقه على مذهب أبي
стр. 5564
حنيفة ﵁ [١] وحدث وكان يفهم ما يقرأ عليه، ويحفظ عامة حديثه، وانتشرت عنه الرواية، وكان صدوقا ثقة، حسن الصوت والسمت، وهو أخو أبي الحسن علي بن محمد بن محمد الخطيب. توفي ليلة عيد الفطر من هذه السنة.
٣٤٦٥- طاهر بن أحمد بن بابشاذ، أبو الحسن المصري النحوي اللغوي
[٢] .
توفي في رجب هذه السنة، وكان سبب وفاته أنه سقط في جامع عمرو بن العاص فتوفي من ساعته.
٣٤٦٦- عبد الله بن محمد [بن عبد الله] [٣] بن عمرو بن أحمد بن المجمع بن مجيب بن بحر بن معبد [٤] بن هزارمرد [٥] أبو محمد الصريفيني .
ولد ليلة الجمعة سابع صفر سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، ويعرف بابن المعلم [٦] .
سكن صريفين [٧] وسمع أبا القاسم بن حبابة، وابن أخي ميمي، وأبا حفص الكتاني، والمخلص وغيرهم، وهو آخر من حدث بكتاب على بن الجعد. وكان قد انقطع عن بغداد. حدثنا عنه عبد الوهاب الأنماطي وغيره.
أنبأنا محمد بن ناصر قَالَ: أنبأنا محمد بن طاهر المقدسي قَالَ: سمعت أبا ٩٣/ ب القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي يقول: [٨] / دخلت بغداد وسمعت ما قدرت
стр. 5565
عليه من المشايخ، ثم خرجت أريد الموصل، فدخلت صريفين فكنت في مسجدها فقال: كان أبي يحملني إلى أبي حفص الكتاني، وابن حبابة وغيرهما، وعندي أجزاء فقلت: أخرجها لي حتى أنظر إليها، فأخرج إلى حزمة فيها كتاب علي بن الجعد بالتمام مع غيره من الأجزاء فقرأته عليه، ثم كتبت إلى أهل بغداد، فرحلوا إليه وأحضرته للكبراء من أهل بغداد، وأحضره قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني، وكل من سمع من الصريفيني فالمنة لأبي القاسم، وفي بعض ألفاظ هذه الحكاية من طريق آخر: أن الأصول التي أخرجها كانت بخط ابن الصقال وغيره من العلماء، وأنه سمع منه أبو بكر الخطيب، وكان ثقة محمود الطريقة صافي الطوية.
وتوفي بصريفين في جمادى الأولى من هذه السنة.
٣٤٦٧- عبد الله بن سعيد بن حاتم، أبو نصر السجزي الوائلي الحافظ
[١] .
منسوب إلى قرية على ثلاث فراسخ من سجستان يقال لها: وائل، ويقع في الحديث جماعة يقال لهم الوائلي إلا أنهم منسوبون إلى بني وائل.
سمع أبو نصر الحديث الكثير وفقه وفهم، وصنف وخرج وكان قيما بالأصول والفروع، وله التصانيف الحسان منها: «الإبانة في الرد على الرافعين» / وأقام بالحرم. ٩٤/ ب أنبأنا محمد بن ناصر، عن أبي إسحاق بن إبراهيم بن سعيد [٢] الحبال قَالَ:
خرج أبو نصر على أكثر من مائة شيخ ما بقي منهم غيري، قَالَ: وكان أحفظ من خمسين مثل الصوري.
٣٤٦٨- عبد الباقي بن أحمد بن عمر، أبو نصر الداهداري [٣] الواعظ .
سمع من ابن بشران وغيره، وحدث، ولا نعلم به بأسا، وتوفي يوم السبت العشرين من شعبان.
стр. 5566
٣٤٦٩- عبد الكريم بن الحسن بن علي بن رزمة، أبو طاهر الخباز
[١] .
ولد سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، سمع أبا عمر بن مهدي، وابن رزقويه [٢] ، وابن بشران وغيرهم، وكان ثقة، وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة.
٣٤٧٠- عبد الكريم بن أحمد بن طاهر بن أحمد، أبو سعد الوزان [٣] التميمي
[٤] .
من أهل طبرستان، سمع الحديث بمرو، وما وراء النهر، وبغداد، وروي عنه زاهر بن طاهر، وتفقه وبرع في المناظرة وكانت له فصاحة، وتوفي في هذه السنة.
٣٤٧١- علي بن خليفة بن رجاء بن الصقر، أبو الحسن الحربي
[٥] .
ولد في سنة أربعمائة، وسمع أبا القاسم الخرقي، وروى عنه شيخنا أبو منصور بن زريق.
وتوفي في ليلة الجمعة سابع عشرين ذي الحجة، ودفن بمقابر الشهداء.
٣٤٧٢- محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن الحسين بن علي بن هارون، أبو الحسن [٦] البرداني أبو أبي علي [٧] البرداني
[٨] .
ولد سنة ثمانين وثلاثمائة بالبردان [٩] ، ثم انتقل إلى بغداد، وسمع من أبي الحسن
стр. 5567
ابن رزقويه، وابن بشران، وابن شاذان، وغيرهم، وكان له علم بالقراءات، [وكان ثقة عالما صالحا أمينا. تُوُفّي ليلة الْجُمُعَة سلخ ذي القعدة من هَذِهِ السنة. وحدث عَنْهُ شيخنا أبو بَكْر بْن طاهر] [١] .
٣٤٧٣- محمد بن علي بن الحسين المعروف بابن سكينة، أبو عبد الله الأنماطي
[٢] .
ولد سنة تسعين وثلاثمائة وحدث عن أبي القاسم الصيدلاني وغيره، / وكان كثير ٩٤/ ب السماع، ثقة حدثنا عنه جماعة من مشايخنا.
وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة ودفن بباب أبرز.
стр. 5568
ثم دخلت سنة سبعين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
[وقوع صاعقة في شهر ربيع الأول في محلة التوثة]
أنه وقعت صاعقة في شهر ربيع الأول في محلة التوثة من الجانب الغربي على نخلتين من مسجد فأحرقتهما، فصعد الناس فأطفئوا [١] النار بعد أن اشتعل من سعفهما وكربهما وليفهما، فرمى به، فأخذه الصبيان وهو يشتعل في أيديهم كالشمع.
وفي رمضان: حمل إلى مكة مع أصحاب محمد بن أبي هاشم العلوي أمير مكة منبر كبير، جميعه منقوش مذهب، تولى الوزير فخر الدولة أبو نصر بن جهير عمله في داره بباب العامة، وكان مكتوبا عليه: «لا اله إلا الله محمد رسول الله، الإمام المقتدي بأمر الله أمير المؤمنين» [٢] مما أمر بعمله محمد بن محمد بن جهير، فاتفق وصوله إلى مكة وقد أعيدت الخطبة المصرية، وقطعت العباسية، فآل أمره إلى أن كسر وأحرق.
وورد كتاب من النظام إلى أبي إسحاق الشيرازي في جواب بعض كتبه الصادرة إليه في معنى الحنابلة، وفيه: ورد كتابك بشرح أطلت فيه الخطاب، وليس توجب سياسة السلطان وقضية المعدلة إلى أن نميل في المذاهب إلى جهة دون جهة، ونحن بتأييد السنن أولى من تشييد الفتن، ولم نتقدم ببناء هذه المدرسة إلا لصيانة أهل العلم ٩٥/ أوالمصلحة، لا للاختلاف وتفريق الكلمة، ومتى جرت الأمور على/ خلاف ما أردناه من هذه الأسباب فليس إلا التقدم بسد الباب، وليس في المكنة إلا بيان على بغداد
стр. 5569
ونواحيها، ونقلهم عن ما جرت عليه عاداتهم فيها، فإن الغالب هناك وهو مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، ومحله معروف بين الأئمة، وقدره معلوم في السنة، وكان ما انتهى إلينا أن السبب في تجديد ما تجدد مسألة سئل عنها أبو نصر القشيري عن الأصول، فأجاب عنها بخلاف ما عرفوه في معتقداتهم، والشيخ الإمام أبو إسحاق وفقه الله رجل سليم الصدر، سلس الانقياد، ويصغي إلى كل من ينقل إليه، وعندنا من تصادر كتبه ما يدل على ما وصفناه من سهوله يجتذبه والسلام.
فتداول هذا الكلام بين الحنابلة وسروا به، وقووا معه، فلما كان يوم الثلاثاء ثاني شوال وهو يوم يسمى بفرح ساعة [١] خرج من المدرسة متفقه يعرف بالإسكندراني، ومعه بعض من يؤثر الفتنة إلى سوق الثلاثاء، فتكلم بتكفير الحنابلة، فرمى بآجرة، فدخل إلى سوق المدرسة واستغاث بأهلها، فخرجوا معه إلى سوق الثلاثاء، ونهبوا بعض ما كان فيه، ووقع الشر، وغلب أهل سوق الثلاثاء بالعوام، ودخلوا سوق المدرسة فنهبوا القطعة التي تليهم منه، وقتلوا مريضا وجدوه في غرفة، وخاف مؤيد الملك على داره فأرسل إلى العميد أبي نصر يعلمه الحال، فأنفذ إليه الديلم والخراسانية فدفعوا العوام، وقتلوا بالنشاب بضعة عشر، وأنفذ من الديوان خدم لإطفاء الثائرة، ولحمل المقتولين إلى الديوان حتى شهدهم القضاة والشهود، وكتبوا خطوطهم بذلك، وكان نساؤهم على باب النوبي/ يلطمن، وكتب بذلك إلى النظام فجاءت مكاتبات [منه] [٢] ٩٥/ ب بالجميل، ثم ثناها بضد ذلك.
[ولد للمقتدي مولود سماه أحمد وكناه أبا العباس]
وفي بكرة السبت تاسع عشر شوال ولد للمقتدي مولود سماه أحمد، وكناه: أبا العباس، وجلس الوزير فخر الدولة في باب الفردوس للهناء، وعلق الحريم، وما بقي من محال الكرخ، ونهر طابق، ونهر القلائين، وباب البصرة، وشارع دار الرقيق سبعة أيام، وهو الذي آل الأمر إليه، وسمي: المستظهر باللَّه، وولد له آخر وقت الظهر يوم الأحد السادس والعشرين من ذي القعدة سماه: هارون، وكناه: أبا محمد، وجلس لهنائه يوم الاثنين.
стр. 5570
وولى تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان الشام، وحاصر حلب [١] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٤٧٤- أحمد بن أحمد بن سليمان [بن علي] [٢] الواسطي .
سمع أبا أحمد الفرضي [٣] ، وأبا عمر بن مهدي وغيرهما، وكان سماعه صحيحا.
وتوفي يوم الجمعة ثالث عشر ربيع الأول، وحدث عنه شيخنا أبو القاسم بن السمرقندي، ودفن بباب حرب
[٤] .
٣٤٧٥- حمد بن محمد بن طالب، أبو طالب الدلال، وهو حمو [٥] ابن القزويني الزاهد
[٦] :
ولد سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، وحدّث عن أبي الحسن ابن رزقويه [٧] وغيره، وتوفي يوم الاثنين سابع عشر ربيع الأول، ودفن بباب حرب.
٣٤٧٦- أحمد بْن مُحَمَّد [بْن أحمد] [٨] بْن يعقوب بن حمد [٩] ، وهو أبو بكر الوزان [١٠] المقرئ
[١١] :
ولد في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وحدث عن خلق كثير، وهو آخر من