بتأخيره لينفذ الكل من بغداد. وقالت خاتون: إذا ملكت ابنتي بأمير المؤمنين فأريد أن يخرج إلى أمه [١] وعمته وجدته، ومن يجري/ مجراهن من أهل بيته، والمحتشمون من ١٠٨/ أأهل دولته، وأحضر خواتين غزنة، وسمرقند، وخراسان، ووجوه البلاد، ويكون العقد بمحضرهم. فطلب الوزير فخر الدولة أن تعطيه يدها على ذلك لتقع الثقة، فأعظم نظام الملك عندها أن تردها بغير قضاء حاجته، فأذن السلطان في ذلك وأعطى يده، وكانت من خاتون اقتراحات منها: أن لا يبقى في دار الخليفة سرية ولا قهرمانة، وأن يكون مقامه عندها.
[وصول مؤيد الملك إلى بغداد]
ووصل في جمادى الآخرة [٢] مؤيد الملك إلى بغداد، فخرج الموكب لتلقيه إلى النهروان، وخرج إليه عميد الدولة [٣] فلقيه في الحلبة، وضربت له الدبادب والبوقات في وقت الفجر والمغرب والعشاء بإزاء دار الخلافة، فثقل ذلك، وروسل حتى تركه.
[وجدت امرأة مقتولة ملقاة في درب الدواب]
وفي يوم الأحد سلخ شعبان: وجدت امرأة مقتولة ملقاة في درب الدواب، فاستدعى صاحب المعونة والحارس، وأمر بالاستكشاف عن هذا، فقال بعض المجتازين: هاهنا إنسان أعرج يخبز القطائف، يعرف هذه الأمور. فاستدعوه وتقدموا إليه بالبحث عن هذا فذكر أن بعض المماليك الأتراك فعل هذا، فاحضر الغلام فأنكر [وبهته الأعرج] [٤] فقال بعض الرجالة: على المرأة آثار تبن وهذا يدل على [٥] أنها قتلت في موضع فيه تبن. فقيل له: فتش [٦] الدور هناك، فبدأ بدار الأعرج، فرأى التبن، فنبش تحت الدرجة فوجد حليا ودنانير كانت مع المرأة، فبهت الأعرج وحمل إلى الوزير فاستخلاه [٧] ولطف به، فأقر بأنه في هذه الليلة جمع بين هذه المرأة وبين رجل، وأنها أخذت من الرجل قراريط/، وأنه طالبها بأجرته فقالت: خذ ما تريد. فوقع عليها ١٠٨/ ب
стр. 5602
فقتلها، وأخذ ما معها من الحلي والدنانير، ورمى بها، فسمع الشهود إقراره بذلك فحبس، وحضرت ابنة المرأة وطالبت بقتله فقتل في يوم السبت سادس رمضان بالحلبة، ودفن هناك.
[تكامل عمارة جامع القصر]
وفي شوال: تكاملت عمارة جامع القصر المتصل بدار الخلافة، وبني ما كان فيه خرابا، وأوسع وعمل له منبر جديد، وقد كان فخر الدولة عمل فيه سقاية، وأجرى فيها الماء من داره في قني تحت الأرض، وجعل لها فوارات، فانتفع الناس بذلك منفعة عظيمة.
وفي يوم الجمعة لخمس بقين من شوال: عبر قاص من الأشعرية يقال له:
البكري إلى جامع المنصور ومعه الفضولي الشحنة والأتراك والعجم بالسلاح فوعظ، وكان هذا البكري فيه حدة وطيش، وكان النظام قد أنفذ ابن القشيري فتلقاه الحنابلة بالسب، وكان له عرض فائق من هذا فأخذه النظام إليه، وبعث إليهم هذا الرجل، وكان ممن لا خلاق له، فأخذ يسب الحنابلة ويستخف بهم، وكان معه كتاب من النظام يتضمن الإذن له في الجلوس في المدرسة [١] ، والتكلم بمذهب الأشعرية، فجلس في الأماكن كلها، وقال: لا بد من جامع المنصور. فقيل لنقيب النقباء، فقال: لا طاقة لي بأهل باب البصرة فقيل: لا بد من مداراة هذا الأمر. فقال: ابعثوا إلى أصحاب الشحنة، فأقام على كل باب من أبواب الجامع تركيا، ونادى من باب البصرة وتلك الأصقاع دعوا لنا اليوم الجامع، فمنعهم من الحضور، وحضر الفضولي الشحنة والأتراك والعجم بالسلاح، وصعد المنبر وقال: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ٢: ١٠٢ [٢] ما كفر ١٠٩/ أأحمد بن/ حنبل، وإنما أصحابه، وفجاء الآجر فأخذ النقيب قوام الجامع، وقال: هذا من أين؟ فقالوا: إن قوما من الهاشميين تبطنوا السقف وفعلوا هذا.
وكان الحنابلة يكتبون إليه العجائب فيستخف بهم في جوابها، واتفق أنه عبر إلى قاضي القضاة أبي عبد الله في يوم الأحد ثالث عشر شوال فاجتاز في نهر القلائين، فجرى بين أصحابه وأصحاب أبي الحسين بن الفراء سباب وخصام، فعاد إلى العميد وأعلمه
стр. 5603
بذلك، فبعث من وكل بدار ابن الفراء ونهبت الدار، وأخذ منها كتاب «الصفات» وجعله العميد بين يديه يقرئه لكل من يدخل إليه ويقول: أيجوز لمن يكتب هذا أن يحمى أو يؤوى في بلد؟
قَالَ المصنف: قرأت بخط ابن عقيل: أنه لما انفذ نظام الملك بأبي نصر [١] ابن القشيري تكلم بمذهب أبي الحسن، فقابلوه بأسخف كلام على ألسن العوام، فصبر لهم هنيئة، ثم أنفذ البكري [٢] سفيها طرقيا شاهد أحواله الإلحاد، فحكى عن الحنابلة ما لا يليق باللَّه سبحانه، فأغرى بشتمهم وقال: هؤلاء يقولون للَّه ذكر فرماه الله في ذلك العضو بالخبيث فمات.
وفيها: حارب ملك شاه أخاه تكش، فأسره ثم من عليه.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٥٢٣- إبراهيم بن علي بن سهل بن عبد الله، أبو إسحاق الحلبي
[٣] .
سمع أبا القاسم بن بشران، وروى عنه أشياخنا. قَالَ شجاع بن فارس: ولد سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. قال شيخنا أبو الفضل بن ناصر: توفي/ إبراهيم سنة خمس ١٠٩/ ب وسبعين وأربعمائة، ودفن بباب حرب.
٣٥٢٤- عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن محمد [٤] بن يحيى بن منده العبدي، أبو عمرو بن أبي عبد الله
[٥] .
من بيت العلم والحديث، سمع الحديث الكثير، وروى، ورحل الناس إليه من الأقطار،
стр. 5604
وحدثنا عنه أشياخنا، وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة بأصبهان.
٣٥٢٥- أبو نصر علي ابن الوزير أبي القاسم هبة الله بن علي بن جعفر بن علكان بن محمد بن دلف بن أبي دلف العجلي الذي يقال له: ابن ماكولا
[١] .
ولد سنة عشرين وأربعمائة، سمع الكثير وسافر في طلب الحديث، وكان له علم به، وصنف كتاب «الإكمال» جمع فيه بين كتاب الدار الدارقطني في «المؤتلف والمختلف» وكتابي عبد الغني في «المؤتلف» وفي «مشتبه النسبة» وبين كتاب «المؤتنف» لأبي بكر الخطيب، ثم عمل كتابا آخر ذكر فيه أوهامهم في ذلك، وسافر بآخرة نحو كرمان ومعه جماعة من مماليكه الأتراك، فغدروا به وقتلوه، وأخذوا الموجود من ماله وذلك في هذه السنة.
٣٥٢٦- أبو منصور بن نظام الملك
[٢] وكان يلي خراسان توفي في هذه السنة، وقيل إنه أراد ملك شاه قتله فسم لئلا ينكر بذلك أبوه.
стр. 5605
ثم دخلت سنة ست وسبعين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
[خرج توقيع إلى الوزير عميد الدولة بعزله]
أنه خرج توقيع يوم الجمعة لخمس بقين من صفر إلى الوزير عميد الدولة بعزله تضمنه: لكل أجل كتاب، انصرف من الديوان إلى دارك، وخل ما أنت منوط به من نظرك. فخرج هو وولداه وأهله إلى دار المملكة من غير استئذان الخليفة، ثم ساروا إلى ناحية خراسان، فكتب الخليفة إلى السلطان بأن بني جهير لا طريق إلى إعادتهم واستخدامهم، والتمس أن يبعدوا من العسكر/ ولا يؤوون، وكان السبب في هذا الثقة ١١٠/ أبهم، فصاروا متهمين، فرتب في الديوان أبو الفتح المظفر ابن رئيس الرؤساء أبي القاسم ابن المسلمة منفذا وناظرا، وقد كان مرتبا على ابنيه الدار وغيرها، ولما وصل بنو جهير تلقوا وأكرموا، وعقد للوزير فخر الدولة على ديار بكر، وخلع عليه الخلع، وأعطى الكوسات، وأذن له في ضربها أوقات الصلوات الخمس بديار بكر، والصلوات الثلاث:
الفجر، والمغرب، والعشاء في المعسكر السلطاني.
وفي جمادى الآخرة: توفي الشيخ [١] أبو إسحاق الشيرازي، فأجلس مؤيد الملك مكانه أبا سعد عبد الرحمن بن المأمون المتولى.
وفي يوم الخميس النصف من شعبان: خلع الخليفة على الوزير أبي شجاع محمد بن الحسين خلع الوزارة، ولقب بظهير الدين، وكان أبو المحاسن بن أبي الرضا
стр. 5606
قد نفق على السلطان كثيرا حتى عول عليه، واطرح نظام الملك، وضمن أبو المحاسن النظام بألف ألف دينار، فعرف النظام بذلك، فصنع سماطا ودعا السلطان إليه وخلا به بعد أن أقام مماليكه والأتراك على خيولهم، وكانوا أكثر من ألف غلام، وقال له: إن [قيل لك] [١] أيها السلطان إنني آخذ عشر أموالك وارتفق بالشيء من أعمالك وعمالك فإنني أخرجه إلى هذا العسكر الذي تراه بين يديك، فإن جامكيتهم تشتمل على مائتي ألف [٢] دينار في كل سنة، وطرح بين يده ثبتا بما يتحصل له كل سنة، وأنه ما يكون أكثر من هذا المقدار، وقال: لو لم افعل هذا لاحتجت أن يخرج لهم كل سنة من خزانتك، وقد جمعتهم بسلاحهم، فتقدم بنقلهم إلى من تراه من الحجاب، ويكون هذا العشر الذي آخذه منصرفا إليهم، وأخلص من التعب، ومع هذا فقد خدمت جدك واباك وشيخت [٣] في دولتكم، وأنا والله مشفق من مضيك على ما أنت عليه، وخائف من عقبى ما أنت خائض فيه، وحمل من الجواهر وغيرها ما ملأ به عينه، وضمن له استخراج مال آخر من ١١٠/ ب المتكلمين عليه، فأطلعه السلطان على ما جرى في معناه وحلف له/، وقبض على أبي المحاسن وحمله إلى قلعة ساوة، وقورت عيناه بالسكين، وحملت إلى السلطان، فتقدم بطرحهما لكلب الصيد، وأخذ من ابن أبي الرضا مائتي ألف دينار.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٥٢٧- الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي
[٤] .
ولد سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، وتفقه بفارس على أبي الفرج ابن البيضاوي،
стр. 5607
وبالبصرة على الجزري [١] ، وببغداد على أبي الطيب الطبري، وسمع أبا علي بن شاذان والبرقاني وغيرهما، وبنى له نظام الملك المدرسة بنهر المعلى، وصنّف «المهذب» «والتنبيه» و «النكت» في الخلاف، و «اللمع» و «التبصرة» و «المعونة» و «طبقات الفقهاء» وكانت له اليد البيضاء في النظم [٢] .
أخبرنا محمد بن ناصر قَالَ: أنشدني أبو زكريا بن علي السلار العقيلي:
كفاني إذا عز الحوادث صارم ... ينيلني المأكول [٣] بالأثر والأثر
يقد ويفري في اللقاء كأنه ... لسان أبي إسحاق في مجلس النظر
وكثر أتباعه ومالوا إليه، وانتشرت تصانيفه لحسن نيته وقصده، وكان طلق الوجه، دائم البشر، مليح المحاورة، يحكى الحكايات الحسنة، وينشد الأشعار المليحة، وذلك أنه حضر عند يحيى بن علي بن يوسف بن القاسم بن يعقوب الصوفي برباطه بغزنة يعزيه عن ابن شيخه المطهر بن أبي سعيد بن أبي الخير، وكان قد غرق في الماء بالنهروان فأنشد.
/ غريق كأن الموت رق لأخذه ... فلان له في صورة الماء جانبه ١١١/ أ
أبي الله أن أنساه دهري فإنه ... توفاه في الماء الذي أنا شاربه
وكان يعيد الدرس في بدايته مائة مرة.
قَالَ [المصنف ﵀: قَالَ] [٤] شيخنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي: قَالَ أبو إسحاق الشيرازي: كنت أشتهي وقت طلبي العلم الثريد بماء الباقلاء فلا يتيسر لي سنين [٥] ، فما صح لي لاشتغالي بالدرس وأخذي السبق بالغدوات والعشيات، وكان يقول بترك التكلف حتى إنه حضر يوما الديوان فناظر مع أبي نصر ابن القشيري فأحس
стр. 5608
في كمه بثقل فقال له: يا سيدي [١] ، ما هذا؟ فقال: قرصني الملاح.
وكان قشف العيش متورعا، ورأى رسول الله ﷺ في المنام [٢] فقال له: «يا شيخ» فكان يفتخر بهذا ويقول: سَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شيخا [٣] .
وحكى أبو سعد بن السمعاني عن جماعة من أشياخه: أنه لما قدم أبو إسحاق الشيرازي رسولا إلى نيسابور تلقاه الناس، وحمل إمام الحرمين أبو المعالي الجويني غاشيته، ومشى بين يديه [كالخدم] [٤] وقال: أنا افتخر بهذا.
أنشدنا أبو نصر أحمد بن محمد الطوسي [٥] قَالَ: أنشدنا أبو إسحاق لنفسه:
سألت الناس عن خل وفي ... فقالوا ما إلى هذا سبيل
تمسك إن ظفرت بود حر ... فإن الحر في الدنيا قليل
وأنبأنا أبو نصر قَالَ: صحبت الشيخ أبا إسحاق الشيرازي في طريق فأنشدني:
إذا طال الطريق عليك يوما ... فليس دواؤه إلا الرفيق
١١١/ ب/ تحدثه وتشكو ما تلاقي ... ويقرب بالحديث لك الطريق
وسئل يوما ما التأويل فقال: حمل الكلام علي أخفي محتمله.
توفي ليلة الأحد [٦] الحادي والعشرين من جمادى الآخرة [٧] من هذه السنة في دار المظفر ابن رئيس الرؤساء بدار الخلافة من الجانب الشرقي، وغسله أبو الوفاء بن عقيل [٨] ، وصلى عليه بباب الفردوس لأجل نظام الملك، وأول من صلى عليه المقتدي بأمر
стр. 5609
الله، وتقدم في الصلاة عليه [١] أبو الفتح المظفر ابن رئيس الرؤساء وهو حينئذ نائب بالديوان، ثم حمل إلى جامع القصر فصلى عليه، ودفن بباب أبرز، وقبره ظاهر.
والعجب أنه لم يقدر له الحج، قَالَ بعض أصحابه: لم يكن له شيء يحج به، ولو شاء [٢] لحملوه على الأحداق. قَالَ: وكذلك أبو عبد الله الدامغاني لم يقدر له الحج، إلا أن ذاك كان يمكنه ولم يفعل.
وحدثني أبو يعلى بن الفراء قَالَ: رأيت أبا إسحاق الشيرازي في المنام فقلت له:
أليس قد مت؟ فقال: لا والله ما مت، ثم ابرأ إلى الله من المدرسة وما فيها. قلت: أليس قد دفنت في التربة التي تعرف ببيت فلان؟ فقال: لا والله ما مت.
٣٥٢٨- طاهر بن الحسين بن أحمد بن عبد الله، أبو الوفاء القواس
[٣] .
ولد سنة تسعين وثلاثمائة، وقرأ القرآن الكريم علي أبي الحسن الحمامي، وسمع الحديث من هلال الحفار، وأبي الحسين بن بشران وغيرهما، وتفقه علي أبي الطيب الطبري، ثم تركه وتفقه على القاضي أبي يعلى، وأفتى ودرس، وكانت له حلقة بجامع المنصور وللمناظرة والفتوى، وكان ثقة ورعا زاهدا/، ولازم مسجده المعروف بباب ١١٢/ أالبصرة لا يبرح منه خمسين سنه، روى لنا عنه أشياخنا.
وتوفي يوم الجمعة سابع عشر شعبان من هذه السنة، ودفن إلى جانب الشريف أبي جعفر في دكة الإمام أحمد بن حنبل.
٣٥٢٩- عبد الله بن عطاء بن عبد الله، أبو محمد [٤] الإبراهيمي
[٥] .
من أهل هراة، رحل في طلب الحديث، وعني بجمعه، سمع بهراة من أبي عمر المليحي [٦] ، وأبي إسماعيل الأنصاري وغيرهما، وببوشنج من أبي الحسن
стр. 5610
عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي، وكان يخرِّج الأمالي، وسمع بنيسابور، وبأصبهان، وببغداد، حدثنا عنه مشايخنا، وكان حافظا متقنا.
قَالَ أبو زكريا بن منده الحافظ: كان حافظا صدوقا. وقدح فيه هبة الله بن المبارك السقطي فقال: كان يصحف أسماء الرواة والمتون، ويصر علي غلطه، ويركب الأسانيد على متون. والسقطي لا يقبل قوله. توفي [أبو محمد بن عطاء] [١] يوم الجمعة [٢] في هذه السنة في طريق مكة حين عاد منها [٣] .
٣٥٣٠- محمد بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن عبد الجبار بن مفلح، أبو طاهر بن أبي السقر [٤] الأنباري الخطيب
[٥] .
ولد ليلة الأربعاء منتصف ذي الحجة سنة ست وسبعين وثلاثمائة، وسمع خلقا كثيرا، وكان من الجوالين في الآفاق، والمكثرين من شيوخ الأمصار، وكان يقول: هذه كتبي أحب إلى من وزنها ذهبا، وكان ثقة ثبتا فاضلا صواما قواما، حدثنا عنه جماعة من ١١٢/ ب أشياخنا، و/ قد سمع منه أبو بكر الخطيب، روي عنه في مصنفاته فقال: حدثنا محمد بن أحمد بن محمد اللخمي.
توفي في شعبان هذه السنة، وقيل: في جمادى الآخرة ودفن بالأنبار.
٣٥٣١- محمد بن أحمد بن الحسن، أبو عبد الله بن جردة [٦]
أصله من عكبرا، ورد بغداد فزوّجه أبو منصور بن يوسف ابنته، وكان شيخا لم ير أحسن منه، واظهر صباحة، وكان [أصل] [٧] بضاعته [عشرة نصافي] [٨] ينحدر بها من
стр. 5611
عكبرا إلى بغداد، ووسع عليه الرزق حتى كان يحزر بثلاثمائة ألف دينار، وهو الذي دفع إلى قريش بن بدران عند مجيئه مع البساسيري عشرة آلاف دينار حتى حمى داره من النهب، وكان فيها خاتون خديجة زوجة القائم، ولما اجتمعت بعمها السلطان [١] طغرلبك أخبرته بحقه عليها، فجاء إلى داره شاكرا، وكانت داره بباب المراتب يضرب بها المثل، وكانت تشتمل على ثلاثين دارا وعلى بستان وحمام، ولها بابان علي كل باب مسجد، إذا أذن في أحدهما لم يسمع الآخر، وكان لا يخرج عن حال التجار في ملبسه ومأكله، وهو الذي بني المسجد المعروف به بنهر معلى، وقد ختم فيه القرآن ألوفا، توفي ليلة الأربعاء، ودفن يوم الأربعاء عاشر ذي القعدة من هذه السنة في التربة الملاصقة لتربة القزويني بالحربية.
стр. 5612
ثم دخلت سنة سبع وسبعين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
١١٣/ أ/ أن كوكبا انقض في ليلة الثلاثاء لعشر بقين من صفر من المشرق إلى المغرب كان حجمه كحجم القمر ليلة البدر، وضوءه كضوئه، وسار مدى بعيدا على تمهل وتؤدة في نحو ساعة، ولم يكن له شبه في الكواكب المنقضة.
وفي شوال: أعطى الخليفة الوزير أبا شجاع إقطاعا ببضعة عشر ألف دينار، وخرج التوقيع بمدحه الوافر.
وفي هذا الشهر: أعاد السلطان ملك شاه جماعة من أولاد العرب الذين أخذوا في وقعة بينهم وبين التركمان وجمالا كثيرة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٥٣٢- إسماعيل بن مسعدة بن إسماعيل بن أحمد [١] بن إبراهيم، أبو القاسم الجرجاني الإسماعيلي
[٢] .
ولد سنة سبع وأربعمائة، وسمع الكثير، وكان دينا فاضلا متواضعا، وافر العقل، تام المروءة، صدوقا، يفتي ويدرس، وكان بيته جامعا لعلم الحديث والفقه، ودخل
стр. 5613
بغداد سنة اثنتين وسبعين فحدث بها فسمع منه جماعة من شيوخنا وحدثونا عنه.
وتوفي بجرجان في هذه السنة.
٣٥٣٣- أحمد بن محمد بن دوست، أبو سعيد [١] النيسابوري الصوفي
[٢] .
صحب أبا سعيد بن أبي الخير مدة، وسافر الكثير، وحج مرات حتى انقطعت طريق الحج، وكان يجمع جماعة من الفقراء ويخرج معهم ويدور في قبائل العرب فينتقل من حلة إلى حلة، وقدم مرة من البادية فنزل عند صاحبه أبي بكر/ الطّريثيثي، ١١٣/ ب وكانت بينهما صداقة [٣] وكانت له زاوية صغيرة فقال له: يا أبا بكر، لو بنيت للأصحاب موضعا أوسع من هذا وأرفع بابا. فقال له: إذا بنيت رباطا للصوفية فأجعل له بابا يدخل فيه جمل براكبه. فذهب أبو سعد إلى نيسابور فباع جميع أملاكه، وجاء إلى بغداد، وكتب إلى القائم بأمر الله يلتمس منه خربة يبني فيها رباطا، وكانت له خدمة في زمن البساسيري، فأذن له، وأمر بعرض المواضع عليه، فبنى الرباط وجمع الأصحاب، وأحضر أبا بكر الطريثيثي، وأركب رجلا جملا فدخل راكبا من الباب، فقال: يا أبا بكر، قد امتثلت ما رسمت. ثم جاء الغرق في سنة ست وستين فهدم الرباط، فأعاده أجود مما كان، وكان قبل بناء الرباط ينزل في رباط عتاب، فخرج يوما فرأى الخبز النقي، فقال في نفسه: إن الصوفية لا يرون مثل هذا، فإن قدر لي بناء رباط شرطت في سجله أن لا يقدم بين يدي الصوفية خشكار فهم الآن على ذلك.
وتوفي ليلة الجمعة ودفن من يومه تاسع ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن في مقبرة باب أبرز، وقد نيف على السبعين، وأوصى أن يستخلف ابنه، فاستخلف وكان له اثنتا عشرة سنة.
٣٥٣٤- أحمد بن المحسن بن محمد بن علي بن العباس بن أحمد بن العطار الوكيل، أبو الحسن بن أبي يعلي بن أبي بكر بن الحسن
[٤] .
стр. 5614
ولد سنة إحدى وأربعمائة، وسمع أبا علي بن شاذان، وأبا القاسم الخرقي، وأبا الحسن بن مخلد وغيرهم، روى عنه أشياخنا، وكان عالما بالوكالة والشروط، متبحرا في ١١٤/ أذلك حتى يضرب به/ المثل في الوكالة، وكان فيه ذكاء مفرط، ودهاء غالب.
قَالَ شيخنا عبد الوهاب الأنماطي: سمعت منه، وهو صدوق صحيح السماع، إلا أن أفعاله كانت مدبرة.
وقال شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي: طلق رجل امرأة فتزوجت بعد يوم، فجاء الزوج المطلق إلى القاضي أبي عبد الله البيضاوي وكان يلي القضاء بربع الكرخ، فقال له: طلقت أمس وتزوجها اليوم، فتقدم القاضي بأن تحضر المرأة [١] وتركب الحمار، ويطاف بها في السوق. فمضت المرأة إلى ابن محسن وأعطته مبلغا من المال، فجاء إلى القاضي وقال له: يا سيدنا القاضي، الله الله لا يسمع الناس هذا ويظنون أنك لا تعرف هذا القدر. فقال له القاضي: طلقها أمس وتزوجت اليوم، فأين العدة؟ فقال له: [٢] هذه كانت حاملا فطلقها أمس، ووضعت الحمل [٣] البارحة، ومات الولد، فتزوجت اليوم، فسكت القاضي وتخلصت المرأة.
توفي يوم الثلاثاء عاشر رجب من هذه السنة.
٣٥٣٥- عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحيم، أبو عبد الله .
أصله وأصل بني عبد الرحيم من براز الروم [٤] للملك أبي كاليجار وللملك أبي نصر، وخلصت له أموال كثيرة، وكان كريما، وقتله أبو نصر في دار المملكة في رمضان هذه السنة وعمره تسع وأربعون سنة.
٣٥٣٦- عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر، أبو نصر الصباغ
[٥] .
стр. 5615
ولد سنة أربعمائة ببغداد، وسمع أبا الحسين [١] بن الفضل القطان، وبرع في الفقه، وكان فقيه العراق، وكان يضاهي الشيخ [٢] أبا إسحاق الشيرازي، ويقدم عليه في معرفة المذهب وغيره، / وكان ثقة ثبتا دينا خيرا، ومن تصانيفه «الشامل» و «الكامل» ١١٤/ ب و «تذكرة العالم» و «الطريق السالم» . ولي التدريس بالنظامية ببغداد قبل أبي إسحاق عشرين يوما، ثم بعد وفاة أبي إسحاق، وكان قد سافر إلى السلطان ففعل معه هناك كل جميل، فأقام بعد قدومه ثلاثة أيام يهنأ بذلك.
قَالَ أبو الوفاء بن عقيل: ما كان يثبت مع قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني ويشفى في مناظرته من أصحاب الشافعي مثل أبي نصر الصباغ.
توفي بكرة الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن في داره بدرب السلولي من الكرخ، ثم نقل إلى مقبرة باب حرب.
٣٥٣٧- محمد بن أحمد
بن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل، أبو الفضل المحاملي [٣] .
ولد سنة ست وأربعمائة، وسمع أبا الحسين بن بشران، وأبا علي بن شاذان، وأبا الفرج بن المسلمة وغيرهم، وتفقه على أبيه، وأبوه صاحب التعليقة، وحدث عنه مشايخنا وكان فهما فطنا، ثم إنه دخل في أشغال الدنيا.
وتوفي يوم الخميس خامس رجب، ودفن بمقبرة باب حرب في هذه السنة.
٣٥٣٨- مسعود بن ناصربن عَبْد اللَّهِ بن أَحْمَد بن مُحَمَّد بن إسماعيل، أبو سعيد الشجري
[٤] .
أقام مدة ببغداد يدور على الشيوخ ويفيد الواردين، سمع بها من أبي طالب بن غيلان، وأبي بكر بن بشران، وأبي القاسم التنوخي، وأبي محمد الخلال الجوهري.
وسمع بواسط، وبهراة، ونيسابور، وسجستان وغيرها، وجال في الآفاق، وسمع منه
стр. 5616
أبو بكر الخطيب، وحصل كتبا كثيرة، ونسخا نفيسة، وكان حسن الخط، صحيح ١١٥/ أالنقل، حافظا ضابطا متقنا ومكثرا، واحتبسه نظام الملك/ بناحية بيهق مدة، ثم بطوس للاستفادة [١] منه، ثم انتقل في آخر عمره إلى نيسابور فاستوطنها، ووقف كتبه فيها في مسجد عقيل.
وقال أبو بكر بن الخاضبة: وكان مسعود قدريا، سمعته يقرأ الحديث، فلما أتى على حديث أبي هريرة: «احتج آدم وموسى» في الحديث، وقال: «فحج آدم موسى» .
فجعل موسى فاعلا وآدم محجوجا، نوزع [٢] في ذلك، وجرت قصة.
وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة بنيسابور، وصلى عليه أبو المعالي الجويني.
стр. 5617
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
[وصول الخبر بأن أرجان زلزلت]
أنه وصل الخبر في المحرم بأن أرجان زلزلت [١] وما تاخمها من النواحي، وهلك خلق، وسقطت منارة الجامع، وهلك تحت الردم أمم من الآدميين والمواشي.
[هبوب ريح عظيمة]
وفي ربيع الأول: هبت ريح عظيمة بعد العشاء، واسودت الدنيا وادلهمت، وكثر الرعد والبرق، وعلا على السطوح رمل عظيم وتراب، وكانت النيران تضطرم في جوانب السماء، ووقعت صواعق بألسن والبوازيج، وكسرت بالنيل نخيل كثيرة، وغرقت سفن، وخر كثير من الناس على وجوههم، فاستمر ذلك إلى نصف الليل حتى ظنوا أنها القيامة، ثم انجلت.
[ولد للمقتدي ولد سماه حسينا وكناه أبا عبد الله]
وفي هذا الشهر: ولد للمقتدي ولد سماه: حسينا، وكناه: أبا عبد الله، وجلس النائب بالديوان العزيز بباب الفردوس للتهنئة به، وضربت الطبول والبوقات، وكثرت الصدقات، / وخرج توقيع من أمير المؤمنين وفيه قد رفع إلى مجلس العرض الأشرف ١١٥/ ب حال بني اليهود وتظاهرهم [٢] بما حظر على أهل الذمة المظاهرة به، فمتى تعدوا شرطا مما أخذ منهم نقضوا العهد، وبرئت منهم الذمة. قَالَ الله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ٢٤: ٦٣ [٣] .
стр. 5618
[فتح فخر الدولة ميافارقين عنوة]
وفي جمادى الأولى [١] : فتح فخر الدولة أبو نصر ميافارقين عنوة، فتم له بذلك الاستيلاء على ديار بكر.
[بدأ الطاعون ببغداد]
وفيه: بدأ الطاعون ببغداد ونواحيها، وكان عامة أمراضهم الصفراء، بينا الرجل في شغله أخذته رعدة فخر لوجهه، ثم عرض لهم شناج وبرسام وصداع، وكان الأطباء يصفون مع هذه الأمراض أكل اللحم لحفظ القوة، فإنهم ما كانت تزيدهم الحمية إلا قوة مرض، وكانوا يسمونها: مخوية، وتقول الأطباء: ما رأينا مثل هذه الأمراض لا تلائمها المبردات ولا المسخنات، واستمر ذلك إلى آخر رمضان فمات منه نحو عشرين ألف ببغداد، وكان المرض يكون [٢] خمسة أيام وستة ثم يأتي الموت، وكان الناس يوصون في حال صحتهم، وكان الميت يلبث يوما ويومين لعدم غاسل وحامل وحافر، وكان الحفارون يحفرون عامة ليلتهم بالروحانية ليفي ذلك بمن يقبر نهارا، ووهب المقتدي للناس ضيعة تسمى الأجمة فامتلأت بالقبور، وفرغت قرى من أهلها منها المحول.
وحكى بعض الأتراك أنه مر بالمحول، فرأى كثرة الموتى، ورأى طفلة على باب ١١٦/ أبيت تنادي: هل من مسلم يؤجر في فيأخذني، فإن أبي وأمي/ وأخوتي هلكوا في هذا البيت. قَالَ: فنزلت فإذا بها في صدر أمها ميتة.
وحكى عبيد الله بن طلحة الدامغاني أن دربا من دروب التوثة مات جميع أهله فسد باب الدرب، وهلك عامة أهل باب البصرة، وأهل حربي، وعم هذا الطاعون خراسان، والشام، والحجاز، وتعقبه موت الفجأة، ثم أخذ الناس الجدري في أطفالهم، ثم تعقبه موت الوحوش في البرية، ثم تلاه موت الدواب والمواشي، ثم قحط الناس، وعزت الألبان واللحوم، ثم أصاب الناس بعد ذلك الخوانيق، والأورام، والطحال، وأمد المقتدى بأمر الله الفقراء بالأدوية والمال، ففرق ما لا يحصى، وتقدم إلى أطباء المارستان بمراعاة جميع المرضى.
[هبوب ريح سوداء]
وفي جمادى الآخرة: هبت ريح سوداء، وادلهمت السماء، وكان في خلال ذلك
стр. 5619
نار وتراب كالجبال يسير بن السماء والأرض، فانجلت وقد هلك خلق كثير من الناس والبهائم، ودخل اللصوص الحمامات فأخذوا ثياب الناس، ونهبوا الأسواق، وغرقت سفن، وسقط رأس منارة باب الأزج.
[بدء الفتن بين أهل الكرخ ومحال السنة]
وفي شعبان: بدأت الفتن بين أهل الكرخ ومحال السنة، ونهبت قطعة من نهر الدجاج، وقلعت الأخشاب حتى من المساجد، وضرب الشحنة خيما هناك حتى انكف الشر.
وفي يوم الخميس ثاني عشر شعبان: خلع علي أبي بكر محمد بن المظفر الشامي في الديوان وولى قضاء القضاة.
قَالَ عبد الله بن المبارك السقطي: لما توفي [محمد بن علي] [١] الدامغانيّ وكان ١١٦/ ب يحمل إليه أموال كثيرة من الأمصار، وترشح ولده لقضاء القضاة، وبذل مالا جزيلا فرأى أمير المؤمنين رفع الظنة عنه بقبول مال، فعدل إلى الشامي، فخرج التوقيع بولايته، فاستبشر الناس.
وفي رمضان: تكلم بهراة متكلم فلسفي فأنكر عليه عبد الله الأنصاري، فتعصب لذلك قوم فافتتنت هراة، وخرج ذلك المتكلم إلى فوسنج [٢] بعد أن أثخن ضربا، وأحرقت داره، فلجأ إلى دار القاضي أبي سعد بن أبي يوسف مدرس فوسنج، فأتبعه قوم من أصحاب الأنصاري إلى فوسنج وهجموا عليه، ونالوا منه ومن أبي سعد، فافتتنت فوسنج، وسود باب مدرسة النظام، وكانت فيها جراحات فبعث النظام فقبض على الأنصاري، فأبعده عن هراة حتى خبت الفتنة، ثم أعاده إلى هراة.
وفي ذي القعدة: جاء سيل لم يشاهد مثله منذ سنين، فغرق عامة المنازل ببغداد، ودام يوما وليلة، وبقي أثر ذلك السحاب في البرية إلى الصيف.
[قبض بدر الجمالي أمير مصر على ولده الأكبر]
وفي هذا الشهر: قبض بدر الجمالي أمير مصر على ولده [٣] الأكبر وأربعة من
стр. 5620
الأمراء، كان الولد قد واطأهم على قتل أبيه لينفرد بالملك، فوشى بذلك خازن أحد الأمراء، فأخذ الأربعة، وضرب رقابهم وصلبهم، وعفى أثر ولده، فقال قوم: قطع عنه القوت فمات، وقال قوم: غرقه، وقال قوم: دفنه حيا، وكان بدر هذا قد نفى عن مصر والقاهرة كل من وقعت عليه سيماء العلم بعد أن قتل خلقا كثيرا من العلماء، وقال:
العلماء أعداء هذه الدولة هم الذين ينبهون العوام على ما يقولونه، ونفى مذكري أهل السنة، وحمل الناس أن يكبروا خمسا على الجنائز، وأن يسدلوا أيمانهم في الصلاة، وأن يتختموا في الأيمان، وأن يثوبوا في صلاة الفجر «حي على خير العمل» وحبس أقواما رووا فضائل الصحابة.
[زيادة نيل مصر]
وزاد نيل مصر في هذه السنة زيادة لم يعهدوها منذ سنين وكثر الخصب.
[عودة الفتن بين أهل الكرخ والسنة]
وفي ذي الحجة عادت [١] الفتن بين أهل الكرخ والسنة، وأحرق شطر من الكرخ ومن باب البصرة، وعبر الشحنة فأحرق من باب البصرة، وقتل هاشميا فعبر أهل باب البصرة إلى الديوان، ورجموا المتعيشين في الحريم، وغلقوا الدكاكين، فنفذ من منع الشحنة منهم، وأصلح بينهم.
ومما حدث في هذه السنة: أن رجلا من الهاشميين يقال له: ابن الحب كانت له بنت فهويها جار لهم وهويته فافتضها، فدخل أبوها فرآها على تلك الحال فغشي عليه، ثم أفاق بعد زمان وجرد سيفا وعدا ليقتلها، فهربت إلى جيرانها، ثم ظفر بها فسألها عن الحال فاعترفت [٢] ، فمضى إلى الديوان في جماعة من الهاشميين يستنفر على الرجل، فلم تثبت له بينة ولا أقر الرجل، فحبس الشريف ابنته في بيت، وسد عليها الباب، وكان لها أخ يرمي إليها من روزنة البيت يسيرا من القوت فعلم فعلم أبوها فأخرجه من الدار، فبقيت أياما ليس لها قوت فماتت.
ومما حدث: أن قوما وقعوا على حاج مصر فقتلوا خلقا كثيرا منهم، وأخذوا أموالهم، وعاد من سلم غير حاج، وخرج توقيع من المقتدى بأمر الله بنقض ما علا من دور بني الحرر [اليهود] [٣]
стр. 5621
وسد أبواب لهم كانت تقابل الجامع، وأخذ عليهم غض الصوت بقراءة التوراة في منازلهم، وإظهار الغيار على رءوسهم، ونودي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتقدم إلى والي كل محلة بالسد من الطائفة الصمدية، وأريقت الخمور، وكسرت الملاهي، ونقضت دور أهل الفساد.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٥٣٩- أحمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم بن أبي أيوب، [أبو بكر] [١] الفوركي، وهو سبط أبي بكر بن فورك
[٢] :
نزل بغداد واستوطنها وكان متكلما مناظرًا واعظا، وكان ختن أبي القاسم القشيري على ابنته، وكان يعظ في النظامية فوقعت بسببه الفتنة في المذاهب، وكان مؤثرا للدنيا، طالبا للجاه، لا يتحاشى من لبس الحرير، وقد سمع من أصحاب الأصم، وقيل لأبي منصور بن جهير: نحضره لنسمع منه؟ فقال: الحديث أصلف من الحال التي هو عليها.
فاستحسن الناس ذلك منه.
وقال شيخنا أبو الفضل بن ناصر: كان داعية إلى البدعة يأخذ كسر الفحم [٣] من الحدادين ويأكل منه.
وتوفي في شعبان هذه السنة عن نيف وستين سنة، ودفن عند قبر الأشعري بمشرعة الروايا من الجانب الغربي.
٣٥٤٠- الحسين بن علي، أبو عبد الله المردوسي
[٤] :
كان رئيس زمانه، وكان قد خدم في زمن بني بويه، وبقي إلى زمان المقتدي، وارتفع أمره حتى كانت ملوك الأطراف تكتب إليه عبده وخادمه، وكان كامل المروءة، لا
стр. 5622
يسعى إلا في مكرمة، وكان كثير البر والصدقة، والصوم والتهجد، وحفر لنفسه قبرا وأعد كفنا قبل وفاته بخمسين سنة، وتوفي عن خمس وتسعين ودفن بمقبرة باب التبن.
٣٥٤١- حمزة بن علي بن محمد بن عثمان، أبو الغنائم ابن السواق البندار
[١] :
ولد سنة اثنتين وأربعمائة، وسمع من أبي الحسين بن بشران وغيره، وكان ثقة صدوقا من أثبت المحدثين، حدثنا عنه أشياخنا، وتوفي في شعبان هذه السنة.
٣٥٤٢- عبد الله بن محمد، أبو الحسن البستي
[٢] :
قاضي الحريم الشريف، ولد سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وتوفي في هذه السنة.
٣٥٤٣- عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مأمون بن علي، أبو سعد المتولي
[٣] :
ولد سنة ست وعشرين وأربعمائة، وسمع الحديث، وقرأ الفقه على جماعة، ودرس بالنظامية ببغداد بعد أبي إسحاق، ودرس الأصول مدة، ثم قَالَ: الفروع أسلم، وكان فصيحا فاضلا، وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشر شوال من هذه السنة، وصلى عليه أبو بكر الشامي، ودفن بمقبرة باب أبرز.
٣٥٤٤- عبد الملك بن عبد الله [٤] بن يوسف، أبو المعالي الجويني، الملقب: إمام الحرمين
[٥] :
من أهل نيسابور، و «جوين» قرية من قرى نيسابور، ولد سنة سبع عشرة
стр. 5623
وأربعمائة، وتفقه في صباه على والده وله دون العشرين سنة، فأقعده مكانه للتدريس [١] [فأقام التدريس] [٢] ، وسمع الحديث الكثير في البلاد، وفي بغداد من أبي محمد الجوهري، وروى عنه شيخنا زاهر بن طاهر الشحامي، وخرج إلى الحجاز فأقام بمكة أربع سنين، وعاد إلى نيسابور فجلس للتدريس ثلاثين سنة، وقد سلم إليه التدريس والمحراب والمنبر والخطابة ومجلس التذكير يوم الجمعة، وكان يحضر درسه كل يوم نحو ثلاثمائة، وتخرج به جماعة من الأكابر [٣] ، حتى درسوا في حياته، وصرف أكثر عنايته في آخر عمره إلى تصنيف الكتاب الذي سماه: «نهاية المطلب في دراية المذهب» وكان الشيخ أبو [٤] إسحاق يقول له: أنت إمام الأئمة. ١١٨/ ب وكان الجويني قد بالغ في الكلام، وصنف الكتب الكثيرة فيه، ثم رأى أن مذهب السلف أولى، فروى عنه أبو جعفر الحافظ أنه قَالَ: ركبت البحر الأعظم، وغصت في الّذي نهى عنه [٥] أهل الإسلام كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطف بره وإلا فالويل لابن الجويني.
وأنبأنا أبو زرعة، عن أبيه محمد بن طاهر المقدسي قَالَ: سمعت أبا الحسن القيرواني وكان يختلف إلى درس أبي المعالي الجويني يقرأ عليه الكلام يقول: سمعت أبا المعالي اليوم يقول: يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو علمت أن الكلام يبلغ إلى ما بلغ ما اشتغلت به.
قَالَ المصنف ﵀: وشاع عن أبي المعالي أنه كان يقول إن الله يعلم جمل الأشياء ولا يعلم التفاصيل، فوا عجبا! أترى التفاصيل يقع عليها اسم شيء أو لا؟ فإن وقع عليها اسم شيء فقد قال الله وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٢: ٢٩ [٦] وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ٢١: ٨١ [٧] .
стр. 5624
ونقلت من خط أبى الوفاء بن عقيل قَالَ: قدم أبو المعالي الجويني بغداد أول ما دخل الغز، وتكلم في أبي إسحاق، وأبي نصر بن الصباغ، وسمعت كلامه قَالَ: وذكر الجويني في بعض كتبه ما خالف به إجماع الأمة، فقال: إن الله تعالى يعلم المعلومات ١١٩/ أمن طريق الجملة لا من طريق التفصيل. قَالَ: وذكر لي الحاكي عنه وهو من الفضلاء: من مذهبه أنه ذكر على ذلك شبهات سماها حججا برهانية. قَالَ ابن عقيل:
فقلت له: يا هذا، تخالف نص الكتاب، قَالَ الله تعالى: وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ٦: ٥٩ [١] وقال:
يَعْلَمُ ما في أَنْفُسِكُمْ ٢: ٢٣٥ [٢] وَيَعْلَمُ ما في الْأَرْحامِ ٣١: ٣٤ [٣] ويَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ٢٠: ٧ [٤] وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٢: ٢٩ [٥] ثم انتقل إلى بيان علم ما لم يكن أن لو كان كيف كان يكون فقال لَوْ رُدُّوا لَعادُوا ٦: ٢٨ [٦] وهذا من جهة السمع، فأما من جهة العقل فإنه خلق جميع الأشياء الكليات والجزئيات، وهذا غاية الدليل على الإحاطة بتفاصيل أحوالها، ومعلوم أن دقائق حكمته المدفونة في النحل وهو ذباب من سمع وبصر [وتهد] [٧] إلى دقائق الإتقان في عمل البيوت والادخار للأقوات ما يبطل هذا، ولو صح ما قَالَ كانت الجزئيات في حيز الإهمال، ومن نفي عن نفسه الجهل وأثبت لها العلم كيف يقال فيه هذا. وقد عجبت من تهجمه بمثل هذا، وهذه المقالة غاية الضلالة، هذا كله كلام ابن عقيل.
وحكى هبة الله بن المبارك السقطي قَالَ: قَالَ لي محمد بن الخليل البوشنجي:
حدثني محمد بن علي الهريري وكان تلميذ أبي المعالي الجويني قَالَ: دخلت عليه في مرضه الذي مات فيه وأسنانه تتناثر من فيه ويسقط منه الدود لا يستطاع شم فيه [٨] ، فقال:
هذا عقوبة تعرضي بالكلام فاحذره.
стр. 5625
مرض الجويني أياما، وكان مرضه غلبة الحرارة وحمل إلى بشتنقان لاعتدال ١١٩/ ب الهواء فزاد ضعفه، وتوفي ليلة الأربعاء بعد العشاء الخامس والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة عن تسع وخمسين سنة، ونقل في ليلته إلى البلد، ودفن في داره، ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين فدفن إلى جانب والده، وكان أصحابه المقتبسون من علمه نحو أربعمائة يطوفون في البلد وينوحون [١] عليه.
٣٥٤٥- محمد بن أحمد ابن ذي البراعتين، أبو المعالي .
من أهل باب الطاق، حدث عن أبي القاسم بن بشران، وحدث عنه شيخنا أبو القاسم السمرقندي، وكان يتصرف في أعمال السلطان.
وقال شيخنا ابن ناصر: كان رافضيا لا تحل الرواية عنه.
توفي في رمضان هذه السنة.
٣٥٤٦- محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد [٢] بن الوليد، أبو علي المعتزلي
[٣] .
من الدعاة، كان يدرس [٤] علم الاعتزال، وعلم الفلسفة والمنطق، فاضطره أهل السنة إلى أن لزم بيته خمسين سنة لا يتجاسر أن يظهر، ولم يكن عنده من الحديث إلا حديث [٥] واحد لم يرو غيره، سمعه من شيخه أبي الحسين بن البصري، ولم يرو أبو الحسين غيره، وهو قَوْلُهُ ﵇: «إِذَا لَمْ تَسْتَحْي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» [٦] فكأنهما خوطبا بهذا الحديث لأنهما لم يستحييا من بدعتهما التي خالفا بها السنة، وعارضاها بها ومن فعل ذلك فما استحيا.
ولهذا الحديث قصة عجيبة: وهو أنه رواه القعنبي عن شعبة، ولم يسمع من شعبة
стр. 5626
غيره، وفي سبب ذلك قولان: أحدهما: أن القعنبي قدم البصرة ليسمع من شعبة ويكثر، فصادف مجلسه وقد انقضى، فمضى إلى منزله فوجد الباب مفتوحا وشعبة على ١٢٠/ أالبالوعة، فهجم فدخل من غير استئذان وقال: أنا غريب قصدت من بلد/ بعيد لتحدثني، فاستعظم شعبة ذلك وقال: دخلت منزلي بغير إذني، وتكلمني وأنا على مثل هذه الحال، اكتب: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ رَبَعِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: «إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» ، ثم قَالَ: والله لا حدثتك غيره ولا حدثت قوما أنت معهم.
والثاني: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَنَّاءُ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكَشِّيُّ قَالَ: حدثني بَعْضُ الْقُضَاةِ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ الْقَعْنَبِيِّ قَالَ: كَانَ أَبِي يَشْرَبُ النَّبِيذَ وَيَصْحَبُ الأَحْدَاثَ، فَقَعَدَ يَوْمًا يَنْتَظِرُهُمْ عَلَى الْبَابِ، فَمَرَّ شُعْبَةُ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ يَهْرَعُونَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: شُعْبَةُ. قَالَ: وَأَيُّ شُعْبَةَ؟ قِيلَ: مُحَدِّثٌ. فَقَامَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ أَحْمَرُ فَقَالَ لَهُ: حَدِّثْنِي. قَالَ لَهُ: مَا أَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. فَشَهَرَ سِكِّينَهُ فَقَالَ:
أَتُحَدِّثُنِي أَوْ أَجْرَحُكَ. فَقَالَ لَهُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ رَبَعِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» ، فرمى سكينه ورجع إلى منزله، فأهراق ما عنده، ومضى إلى المدينة فلزم مالك بن أنس، ثم رجع إلى البصرة وقد مات شعبة، فما سمع منه غير هذا الحديث.
وقال شيخنا ابن ناصر: كان ابن الوليد داعية إلى الاعتزال، لا تحل الرواية عنه.
قَالَ المصنف ﵀: قرأت بخط أبي الوفاء بن عقيل قَالَ: جرت مسألة بين ١٢٠/ ب أبي علي بن الوليد وأبي يوسف القزويني في إباحة الولدان في الجنة، أي في إمراجهم في جماعهم وإنشاء شهوتهم لذلك، قَالَ أبو علي بن الوليد: لا يمتنع أن يجعل من جملة لذاتهم ذلك لزوال المفسدة فيه في الجنة، لأنه إنما منع منه في الدنيا لما فيه من قطع النسل، وكونه محلا للأذى وليس في الجنة ذلك، ولذلك أمرجوا في شرب الخمر لما أمن من السكر وغائلته من العربدة والعداوة، وزوال العقل، فلما أمن ذلك من شربها لم يمنع من الالتذاذ بها. فقال أبو يوسف: إن الميل إلى الذكور عاهة، وهو قبيح
стр. 5627
في نفسه، إذ لم يخلق هذا المحل للوطء، ولهذا لم يبح في شريعة، بخلاف الخمر، وإنما خلق مخرجا للحدث، وإذا كان عاهة فالجنة منزهة عن العاهات. فقال أبو علي [١] : إن العاهة هي التلويث بالأذى، وإذا لم يكن أذى لم يكن إلا مجرد الالتذاذ، فلا عاهة.
قَالَ ابن عقيل: قول أبي يوسف كلام جاهل، إنما حرم بالشرع، وكما عادت الأجزاء كلها لاشتراكها في التكليف ينبغي ان تعاد القوى والشهوات، لانها تشارك الأجزاء في التكليف [٢] ويتعصب بالمنع من قضاء أوطارها، والممتنع من هذا معالج طبعه بالكف، وفينبغي أن تقابل هذه المكابدة بالإباحة. ثم عاد وقال: لا وجه لتصوير اللواط، لأنه ما يثبت أن يخلق لأهل الجنة مخرج غائط، إذا لا غائط.
توفي ابن الوليد في ليلة الأحد ثالث ذي الحجة من هذه السنة [٣] [وصلى عليه أبو طاهر الزينبي] [٤] ودفن بالشونيزيه.
٣٥٤٧- محمد بن علي [بن محمد] [٥] بن الحسين [٦] بن عبد الملك بن عبد الوهاب بن حمويه، أبو عبد الله الدامغاني
[٧] :
ولد في ليلة الاثنين ثامن ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة بدامغان، وتفقه ببلده، ثم دخل إلى بغداد يوم الخميس سادس عشرين رمضان سنة تسع عشرة فتفقه ١٢١/ أعلى أبي عبد الله الحسين بن علي الصيمري، وأبي الحسين أحمد بن محمد القدوري، وسمع منهما الحديث، وبرع في الفقه، وخص بالعقل الوافر والتواضع، فارتفع وشيوخه أحياء، وانتهت إليه الرئاسة في مذهب العراقيين، وكان فصيح العبارة،
стр. 5628
كثير النشوار في درسه، سهل الأخلاق، روى عنه شيوخنا، وعانى الفقر في طلب العلم، فربما استضوأ بسراج الحارس.
وحكى عنه أبو الوفاء ابن عقيل أنه قَالَ: كان لي من الحرص على الفقه في ابتداء أمري أني كنت أخذ المختصرات وأنزل إلى دجلة أطلب أفياء الدور [١] الشاطئية والمسنيات، فأنظر في الجزء وأعيده، ولا أقوم إلا وقد حفظته، وفأدّى بي السعي إلى مسناة الحريم الطاهري، فجلست في فيئها الثخين، وهوائها الرقيق، واستغرقني النظر، فإذا شيخ حسن الهيئة قد اطلع على، ثم جاءني بعد هنيهة فراش فقال: قم معي. فقمت معه حتى جاء بي إلى باب كبير وعليه جماعة حواش، فدخل بي إلى دار كبيرة وفيها دست مضروب ليس فيها أحد، فأدفاني منه فجلست، وإذا بذلك الشيخ الذي اطلع على قد خرج فاستدناني منه، وسألني عن بلدي فقلت: دامغان، وكان علي قميص خام وسخ وعليه آثار الحبر، فقال: ما مذهبك، وعلى من تقرأ؟ فقلت: حنفي، قدمت منذ سنين وأقرأ على الصميري، وابن القدوري. فقال: من أين مؤنتك؟ قلت: لا جهة لي أتمون ١٢١/ ب منها. فقال: ما تقول في مسألة كذا وكذا [٢] من الطلاق؟ وبسطني ثم قَالَ: تجيء كل خميس إلى ها هنا. فلما جئت أقوم أخذ قرطاسا وكتب شيئا [ودفعه إلى] [٣] وقال:
تعرض هذا على من فيه اسمه وتأخذ [٤] ما يعطيك. فأخذته ودعوت له، فأخرجت من باب آخر غير الذي دخلت منه، وإذا عليه رجل مستند إلى مخدة، فتقدمت [إليه فقلت] [٥] : من صاحب هذه الدار؟ فقال: هذا ابن المقتدر باللَّه. فقال: فما معك؟
فقلت: شيء كتبه لي. فقال: بخطه، أين كان الكاتب؟ فقلت: على من هذا؟ فقال:
على رجل من أهل باب الأزج: عشر كارات دقيق سميد فائق، وكانت الكارة تساوي ثمانية دنانير، وكتب لك بعشرة دنانير. فسررت ومضيت إلى الرجل، فأخذ الخط ودهش، وقال: هذا خط مولانا الأمير.، فبادر فوزن الدنانير وقال: كيف تريد الدقيق؟
стр. 5629
جملة أو تفاريق؟ فقلت: أريد كارتين منها، وثمن الباقي. ففعل فاشتريت كتبا فقهية بعشرين وكاغدا بدينارين.
وشهد عند أبي عبد الله بن ماكولا قاضي القضاة في يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، فلما توفي ابن ماكولا قَالَ القائم بأمر الله لأبي منصور بن يوسف: قد كان هذا الرجل- يعني ابن ماكولا- قاضيا حسنا نزها، ولكنه كان خاليا من العلم، ونريد قاضيا عالما دينا. فنظر ابن يوسف إلى عميد الملك [١] الكندري هو المستولي على الدولة، وهو الوزير، وهو شديد التعصب لأصحاب الإمام [٢] أبي حنيفة، فأراد التقرب إليه، فاستدعى أبا عبد الله الدامغانيّ فولى قاضي القضاة يوم الثلاثاء تاسع ذي القعدة سنة سبع وأربعين، وخلع عليه، وقرئ عهده، وقصد خدمة السلطان ١٢٢/ أطغرلبك في يوم الأربعاء عاشر ذي القعدة، فأعطاه دست ثياب وبغلة، واستمرت ولايته ثلاثين سنة، ونظر نيابة عن الوزارة مرتين: مرة للقائم بأمر الله، ومرة للمقتدي.
وكان يوصف بالأكل الكثير، فروى الأمير باتكين بن عبد الله الزعيمي قَالَ:
حضرت طبق الوزير فخر الدولة ابن جهير، وكان يحضره الأكابر، فحضر قاضي القضاة محمد بن على، فأحببت أن أنظر إلى أكله، فوقفت بإزائه، فأبهرني كثرة أكله حتى جاوز الحد، وكان من عادة الوزير أن ينادم الحاضرين على الطبق، ويشاغلهم حتى يأكلوا، ولا يرفع يده إلا بعد الكل، فلما فرغ الناس من الأكل قدمت إليهم أصحن الحلوى، وقدم بين يدي قاضي القضاة صحن فيه قطائف بسكر [وكانت الأصحن] [٣] كبارا، يسع الصحن منها أكثر من [٤] ثلاثين رطلا، فقال له الوزير يداعبه: هذا برسمك.
فقال: هلا أعلمتموني. ثم أكله حتى أتى على آخره.
مرض أبو عبد الله الدامغاني يوم الأربعاء سابع عشر رجب، وكان الناس يدخلون فيعودونه إلى آخر يوم الأربعاء الرابع والعشرين من رجب، فحجب عن الناس الخميس
стр. 5630
والجمعة أو توفي ليلة السبت الرابع والعشرين من رجب. وقد ناهز الثمانين. فنزع الفقهاء طيالستهم يوم موته، وصلى عليه ابنه أبو الحسن، ودفن بداره بنهر القلائين، ثم نقل إلى مشهد أبي حنيفة.
٣٥٤٨- محمد بن علي بن المطلب، أبو سعد
[١] :
١٢٢/ ب كان قد قرأ النحو واللغة [٢] ، والسير، والآداب، وأخبار الأوائل، وقال شعرا كثيرا، إلا أنه كان كثير الهجو، ثم مال عن ذلك، وأكثر الصوم والصلاة والصدقة، وروى الحديث عن ابن بشران، وابن شاذان، وغيرهما، وغسل مسودات شعره، وأحرق بعضها بالنار، وتوفي فِي هذه السنة وهو ابن ست وثمانين سنة.
٣٥٤٩- محمد بن أبي طاهر، العباسي، ويعرف بابن الرجحي
[٣] :
تفقه على أبي نصر ابن الصباغ وشهد عند الدامغاني وناب في القضاء فحمدت طريقته وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة ودفن بمقبرة الجامع.
٣٥٥٠- منصور [بن دبيس] [٤] بن علي بن مزيد
[٥] :
توفي [٦] [وتولى الإمارة ابنه سيف الدولة صدقة] [٧] وتوفي في رجب هذه السنة.
стр. 5631
٣٥٥١- هبة الله [بن عبد الله] [١] بن أحمد بن السيبي [٢] ، أبو الحسن
[٣] :
ولد سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وسمع أبا الحسين بن بشران، وابن أبي الفوارس، وابن الحمامي، وابن شاذان، وكان مؤدبا للمقتدي، ثم أدب أولاده.
توفي في محرم هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب، وبلغ خمسا وثمانين سنة.
وكان ينشد من إنشائه:
رجوت الثمانين من خالقي ... لما جاء فيها عن المصطفى
فبلغنيها وشكرا له ... وزاد ثلاثا بها أردفا
وها أنا منتظر وعده ... لينجزه فهو أهل الوفا
٣٥٥٢- أبو البركات الموسوي [٤] الشريف:
كان له نقابة المشهد بسامراء، وكان من ظراف البغداديين وكرمائهم، وكان يصلي عامة الليل، وتوفي في شعبان هذه السنة، عن ثلاثة عشر ولدا ذكرا، وبنت واحدة.
٣٥٥٣- الجهة [٥] القائمية: أم ولد القائم بأمر الله، الذخيرة والسيدة:
١٢٣/ أتوفيت يوم الجمعة رابع عشرين جمادى الآخرة، وأخرجت عشية الجمعة، وصلى عليها ابن ابنها المقتدي بأمر الله، وحملت في الطيا إلى باب الطاق، فوصلت بعد عتمة، ومشى الناس كلهم سوى الوزير إلى التربة [٦] بشارع الرصافة، وجلس للعزاء بها ثلاثة أيام، وكانت قد أوصت بجزء من مالها للحج والصدقات والقرب، ويذكر عنها الصوم والصلاة والورع.
стр. 5632
٣٥٥٤- يحيى بن محمد بن القاسم، أبو المعمر المعروف: بابن طباطبا العلوي
[١] :
وكان بقية شيوخ الطالبيين، وكان هو وأخوه نسابتهم، وكان ينزل بالبركة من ربع الكرخ، وكان مجمعا لظراف الطالبيين وعلمائهم وشعرائهم وفضلائهم، وكان يذهب مذهب الإمامية وقد قرأ [٢] طرفا من الأدب.
وتوفي في رمضان هذه السنة، وهو آخر بني طباطبا ولم يعقب.
стр. 5633
ثم دخلت سنة تسع وسبعين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه في المحرم تقدم أمير المؤمنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونودي بذلك في الأسواق، وأريقت الخمور، وكسرت الملاهي، ونقضت دور يلجأ إليها/ ١٢٣/ ب المفسدون.
[قتل رجلان كان السبب في قتلهما امرأة]
وفيه: قتل رجلان كان السبب في قتلهما أن امرأة كانت تطر وتأخذ أموال الناس وتنفقها عليهما، ثم مالت إلى أحدهما دون الآخر، فظفر به الآخر فقتله، فظفرت بالقاتل أخت المقتول [فجرحته، فجاء أخوها] [١] فقتله فقبرا من ساعتهما.
[قتل منفوخة المسلحي بالكرخ]
وفيه: قتل منفوخة المسلحي بالكرخ بين السورين، فرت الشحنة وكبس دار الطاهر نقيب الطالبيين، وقد كان لجأ إليها جماعة من المتهمين، فقبض عليهم وأخذ منهم أموالا، فاتفقت السنة والشيعة على الاستغاثة على الشحنة، فتغيب فطلبه الأتراك، فأخذ مسحوبا إلى الباب فاعتقل، وأمر برد ما أخذ وأخرج منفوخة فأحرق على بابه [٢] .
[تقدم المقتدى بإحضار زعيم الكفاة أبي منصور محمد بن محمد بن الحسين بن المعوج]
وفي صفر: تقدم المقتدى بإحضار زعيم الكفاة أبي منصور محمد بن محمد بن الحسين بن المعوج إلى الديوان فخلع عليه، فحضره أرباب الدولة، وخرج التوقيع بتقليده المظالم، وكان فيه: «ولما رأى أمير المؤمنين في محمد بن محمد بن الحسين
стр. 5634
من العفاف والديانة والثقة والصيانة قلده المظالم، وقد أخذ عليه [تقوى] [١] الله وطاعته والسعي في كل ما كان يزلفه عنده ويقربه من أمير المؤمنين» فكان كل ما قرئ هذا قبل الأرض، ثم خرج فجلس بباب النوبي، ثم دعا الأمراء بالمعروف فكانوا أعوانه، وكان صيّنا نزها.
[ثوران الفتنة بين السّنّة والشيعة]
٢٤/ أوفي هذا الشهر: ثارت الفتنة بين السنة والشيعة/، وقتل جماعة منهم أبو الحسن بن المهتدي الخطيب، وكانت الوقعة بين جامع المنصور والقنطرة العتيقة، فتولى قتال أهل السنة العميد والشحنة، ثم حاصر الطائفتان أياما فلم يقدر أحد أن يظهر، فجبي لهما مال تولى جبايته النقيبان، فتقدم أمير المؤمنين بالقبض على النقيبين [فحبس النقيبين] [٢] ، فأنكرا ما فعلا، وألزم العميد الشحنة رد ما أخذا.
وفي هذا الشهر: قدم خدم ابن أبي هاشم [من مكة] [٣] بخرق الدم معلقة على حراب الأضاحي، وخرج حجاب الديوان لتلقيهم، وعادوا والقراء بين أيديهم، فنزلوا وقبلوا العتبة الشريفة، وصاروا إلى دار الضيافة، فأدر عليهم ما جرت به العادة.
وبعث في هذه السنة صفائح ذهب وفضة لتعلق [٤] على الباب ففعل ذلك، وقلع كل ما كان [على الباب مما] [٥] عليه اسم صاحب مصر، وكتب اسم المقتدى.
وفي صفر أيضا: دخل عريف الصناع والفعلة والصناع معه على العادة إلى دار الخلافة، فخرج المقتدي باللَّه [٦] يمشي في الدار، فخرج إليه ثلاثة من الرجال فقبلوا الأرض وقالوا: نحن رجال من رؤساء نهر الفضل صودرنا وعوقبنا، ولنا أربعة أشهر على الباب لم ينجز لنا حال، فتوصلنا إلى أن دخلنا في حد الروز جارية فقال: فمن فعل بكم هذا؟ قالوا: ابن زريق الناظر بواسط، فوعدهم الجميل فخرجوا، وتقدم من ساعته
стр. 5635
بإيضاح الحال، فإن كان كما ذكروا فليعزل ابن زريق عن أعمال واسط، وليصعد به منكلا. ثم تقدم إلى صاحب المظالم أن لا يطوى حال أحد من الرعية، ثم وصل ١٢٤/ ب أولئك وأحدرهم وأصحبهم من يستوفي من ابن زريق ما لهم، وينفذ فيه ما تقدم به.
[وصول الشريف العلويّ الدبوسي]
وفي جمادى الأولى: وصل الشريف العلوي الدبوسي، كان قد استدعاه النظام للتدريس بمدرسته ببغداد فتلقى، وكان بعيد النظر في معرفة الجدل، فدرس في النظامية بعد موت أبي سعد المتولى.
وفي جمادى الآخر: بدأ الطاعون بالعراق، وكان عامة أمراضهم حمى الربع، ثم يتعقبها الموت، فلما كثر ذلك أمر المقتدى بتفرقة الأدوية والأشربة على المحال، ثم فض عليهم المال.
[وقوع نار بواسط]
وفي هذا الشهر: وقعت نار بواسط فأحرقت سوق الصيدلة من الجانبين، ووصل صدقة بن مزيد من المعسكر السلطاني من أصبهان فنزل النهروان، وطلب من الديوان أن يتلقى كما كانت عادة أبيه فلم يجب إلى ذلك [١] ، فعدل إلى بلاده.
[سار ملك شاه فنزل الموصل]
وفي هذا الشهر: سار ملك شاه فنزل الموصل في رجب، ثم مضى إلى قلعة جعبر، وقد كان تحصن بها شاري [٢] يعرف بسابق بن جعبر في عدد من السلوح [٣] يغيرون ويلجئون إليها، فراسله السلطان في تسليمها وأن يؤمنه على نفسه وماله، فلم يجب، فنصب العرادات، ونقب السور، وفتحت وقتل عامة من كان فيها، وقبض على سابق، وأرادوا قتله بالسيف، فوقعت عليه زوجته وقالت: لا أفارقه أو [٤] تقتلوني معه، فألقوه من أعلى السور فتكسر، ثم ضرب بالسيوف نصفين فألقت نفسها وراءه فسلمت، فقال لها السلطان: ما حملك على هذا؟ فقالت: إنا قوم لم يتحدث عنا بالخنا، فخفت أن يخلو بي من الترك في القلعة، فيقول الناس/ شاءوا. فاستحسن ذلك منها.
١٢٥/ أ
[وقوع صاعقة في خان الخليفة]
وفي رجب: وقعت صاعقة في خان الخليفة المقابل لباب النوبي فأحرقت جزءا
стр. 5636
من كنيسة الخان، وفتتت أسطوانة حتى صارت رميما، وسقط منها مثل كباب القطن الكبار نارا، فخر الناس على وجوههم، وسقطت أخرى بخرابة ابن جردة فقتلت غلاما تركيا، وسقطت أخرى على جبل آمد فصار رمادا، ووقعت صواعق في البرية لا تحصى في ديار الشام.
[كثرة الوحول في الطرقات]
وفي رمضان: كثرت الوحول في الطرقات، فأمر أمير المؤمنين بتنظيفها، وأقيم عدد من الفعلة لتنظيفها [١] ومائة من البهائم لنقلها.
وفي أول يوم من شوال: حضر الموكب النقيبان والأشراف والقضاة والشهود، فنهض بعض المتفقهة وأورد أخبارا في مدح الصحابة، وقال: ما بال الجنائز تمنع من ذكر الصحابة عليها بمقابر قريش وربع الكرخ [والسنة ظاهرة] [٢] ويد أمير المؤمنين الباسطة القاهرة [٣] . فطولع بما قَالَ، فخرج [التوقيع] [٤] بما معناه: أنهى ما ارتكب بمقابر قريش من إخمال [٥] ذكر صاحبي رسول الله ﷺ رضي عنهما، وتورطهم في هذه الجهالة، واستمرارهم على هذه الضلالة التي استوجبوا بها النكال، واستحقوا العظيم الخزي والوبال، وإنما يتوجه العتب في ذلك نحو نقيب الطالبيين ولولا ما تدرع به من جلباب الحلم [٦] ، وأسباب يتوخاها لتقدم في فرضه ما يرتدع به الجهال، فليؤجر بإظهار ١٢٥/ ب شغل السنة في مقابر باب التبن وربع الكرخ من ذكر الصحابة/ على الجنائز، وحثهم على الجمعة والجماعة، والتثويب «بالصلاة خير من النوم» وذكر الصحابة على مساجدهم ومحاريبهم أسوة بمساجد السنة، والتقدم بمكاتبة ابن مزيد ليجري على هذه السّنّة [٧] في بلاده فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ٢٤: ٦٣ [٨] .
стр. 5637
وفي شوال: وصل رسول السلطان بكتب تتضمن الدعاء للمواقف المقدسة، والاعتذار من تأخره عن الخدمة، وأنه بسعادة الخدمة فتح حلب، وأنطاكية، والرها، وقلعة جعبر، وطرفا [١] من بلاد الروم، وهو في أثر هذه الخدمة، فخرج من بغداد النقيبان طراد والمعمر، فخدماه بالموصل، وتلاهما عفيف، ثم ذوو المناصب، فلما وصل الصالحين نفذ من الإقامات ما لا يحصى، وخرج الموكب لتلقية، فتوجه الوزير أبو شجاع والنقيبان والجماعة والقراء والطبول والبوقات فبلغوه عن المقتدى [بأمر الله] [٢] السلام [٣] والتهنئة بالتقدم، فقام وقبل الأرض ثم دخل بغداد.
[وقوع الفتنة بين السّنّة والشيعة]
وفي شوال: وقعت الفتنة بين السنة والشيعة، وتفاقم الأمر إلى أن نهبت قطعة من نهر الدجاج، وطرحت النار، وكان ينادي على نهوب الشيعة إذا بيعت في الجانب الشرقي: هذا مال الروافض وشراؤه وتملكه حلال.
وفي ذي الحجة: قدم السلطان أبو الفتح ملك شاه إلى بغداد ألزمته خاتون بهذا لتنقل ابنتها إلى الخليفة، فدخل دار المملكة والعوام يترددون إليه ولا يمنعون، وضرب ١٢٦/ أالوزير نظام الملك سرادقة في الزاهر ليقتدي به العسكر ولا ينزلون في دور الناس، فلم يقدم أحد على النزول في دار أحد، وركب السلطان إلى مشهد الإمام [٤] أبي حنيفة ﵁ [٥] فزاره، وعبر إلى قبر معروف وقبر موسى بن جعفر والعوام بين يديه، وانحدر إلى سلمان فزاره، وأبصر إيوان كسرى، وزار مشهد الحسين ﵇، وأمر بعمارة سوره، ويمم إلى مشهد علي ﵇ فأطلق لمن فيه ثلاثمائة دينار، وتقدم باستخراج نهر من الفرات يطرح الماء إلى النجف فبدئ فيه، وعمل له الطاهر نقيب العلويين [المقيم هناك] [٦] سماطا كبيرا.
стр. 5638
وفي ليلة الاثنين سابع ذي الحجة: مضت والدة الخليفة وعمته إلى خاتون في دار المملكة، فضربت سرادقا من الدار إلى دجلة، ونزلت إليهما فخدمتهما، وصعدتا إلى دار المملكة، ثم نزلتا وهي معهما وانحدرن.
وفي ليلة الخميس سابع عشر هذا الشهر: وصل النظام إلى الخليفة من التاج ومشي وحده إلى أن وصل إليه وهو جالس من وراء الشباك فخدم، فقربه وأدناه وأخرج يده من الشباك إليه فقبلها ووضعها علي عينه، وخاطبه بما جمله به.
وكان جماعة من الفقراء يأوون إلى كويخات بباب الغربة، فتقدم أمير المؤمنين بأن يشتري لكل واحد دارا بالمقتدية، وبالمسعودة، والمختارة، وملكوها ونقضت كويخاتهم.
١٢٦/ ب وتوفي فقير صاحب مرقعة بجامع المنصور كان/ يسأل الناس، فوجدوا في مرقعته ستمائة دينار مغربية.
وظهر فيها بين ديار بني أسد وواسط عيّار مقطوع اليد اليسرى، كان يقع علي القفل بنفسه فيقتل ويمثل ويأخذ المال، وكان يغوص عرض دجلة في غوصتين، وكان يقفز خمسة عشر ذراعا، ويتسلق الحيطان الملس، ولا يقدر [١] عليه فخرج عن أرض العراق سالما.
وفي هذه السنة: صنع سيف الدولة سماطا للسلطان جلال الدولة بظاهر الأجمة في الجانب [٢] الشرقي، ذكر أنه ذبح ألف كبش ومائة رأس دواب وجمال، وأنه سبك عشرين ألفا منا سكرا، وكان السماط أحسن شيء، وقد علق عليه ما صنع من منفوخ السكر من الطيور والوحوش، وأنواع التماثيل، فحضر السلطان، وأشار إلى شيء منه، ثم نهب وانتقل إلى طعام خاص، ومجلس عبي له سرادق ديباج فيه خيم ديباج اشتمل على خمسمائة قطعة من أواني الفضة، وزين بتماثيل الكافور والعنبر و [الندو] [٣]
стр. 5639
المسك الأذفر، فجلس وقضي منه وطرا، فلما نهض خدم سيف الدولة بحمل عشرين ألف [١] دينار، والسرادق والأواني، وقبل الأرض بين يديه وانصرف.
وفي هذه السنة: وقعت العرب علي الحاج فقاتلوهم يومهم، وأمسوا يسألون الله النجاة، فبلغ العرب أن قوما منهم علموا خلو أبياتهم فاستاقوا مواشيهم فولوا.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٥٥٥-/ إبراهيم بن عبد الواحد بن طاهر بن الطيب، أبو الخطاب القطان
[٢] ١/ أ.
سمع البرقاني، والخرقي، وعبد الله بن بشران، روى عنه شيخنا عبد الوهاب، وأثنى عليه فقال: كان خيرا كيسا، توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
٣٥٥٦-[إسماعيل بن] [٣] زاهر بن محمد بن عبد الله [بن محمد بن عبد الله] [٤] أبو القاسم النوقاني من أهل نيسابور
[٥] .
ولد سنة سبع وتسعين وثلاثمائة، سمع بالبلاد من خلق كثير، وكان ثقة صدوقا فقيها أديبا حسن السيرة، روى عنه أشياخنا، وتوفي في هذه السنة.
٣٥٥٧- الحسن بن محمد بن القاسم، أبو علي بن زينة
[٦] .
سمع من هلال الحفار، وأبي الحسن الحمامي، وغيرهما، روى عنه شيخنا أبو محمد المقرئ. توفي في صفر هذه السنة.
стр. 5640
٣٥٥٨- ختلغ بن كنتكين، أبو منصور أمير الحاج
[١] .
كان شجاعا، وله وقعات مع عرب البرية، وكانوا يخافونه، وكان حسن السيرة محافظا على الصلوات في جماعة، يختم القرآن كل يوم، ويختص به العلماء والقراء، وله آثار جميلة في المشاهد والمساجد والمصانع بين مكة والمدينة، ولبث في إمرة الحاج اثنتي عشرة سنة، توفي في يوم الخميس بين الظهر والعصر سابع جمادى الأولى من هذه السنة، فبلغ ذلك النظام فقال: مات ألف رجل.
٣٥٥٩- صافي عتيق القائم بأمر الله
[٢] .
قرأ القرآن، وصاحب الأخيار، وتبع أبا علي بن موسى الهاشمي الحنبلي، فأخذ ١٢٧/ ب من هديه، وكان متورعا له تهجد وعبادات/ وبر وصدقات، وأعتق عند موته عبيده وإماءه، وأوصى لكل منهم بجزء من ماله، ووقف على أبواب البر، وأجاز ذلك المقتدي، وصلى عليه ثم حمل إلى تربة الطائع فقبر هناك.
٣٥٦٠- عَبْد اللَّهِ بن أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ [عبد الصمد] [٣] بن المهتدي، أبو جعفر أبو أبي الفضل
[٤] .
سمع أبا القاسم بن بشران وغيره، روى عنه شيخنا أبو القاسم السمرقندي، وكان من ذوي الهيئات النبلاء والخطباء الفصحاء، وكان صاحب مفاكهة وأشعار، وطرف وأخبار، توفي في شعبان هذه السنة، ودفن في مقبرة جامع المدينة.
٣٥٦١- عبد الخالق بن هبة الله بن سلامة بن نصر، أبو عبد الله المفسر الواعظ
[٥] .
ولد سنة تسعين وثلاثمائة، وسمع أباه وأبا علي بن شاذان وغيرهما، وكان له