من كنيسة الخان، وفتتت أسطوانة حتى صارت رميما، وسقط منها مثل كباب القطن الكبار نارا، فخر الناس على وجوههم، وسقطت أخرى بخرابة ابن جردة فقتلت غلاما تركيا، وسقطت أخرى على جبل آمد فصار رمادا، ووقعت صواعق في البرية لا تحصى في ديار الشام.
[كثرة الوحول في الطرقات]
وفي رمضان: كثرت الوحول في الطرقات، فأمر أمير المؤمنين بتنظيفها، وأقيم عدد من الفعلة لتنظيفها [١] ومائة من البهائم لنقلها.
وفي أول يوم من شوال: حضر الموكب النقيبان والأشراف والقضاة والشهود، فنهض بعض المتفقهة وأورد أخبارا في مدح الصحابة، وقال: ما بال الجنائز تمنع من ذكر الصحابة عليها بمقابر قريش وربع الكرخ [والسنة ظاهرة] [٢] ويد أمير المؤمنين الباسطة القاهرة [٣] . فطولع بما قَالَ، فخرج [التوقيع] [٤] بما معناه: أنهى ما ارتكب بمقابر قريش من إخمال [٥] ذكر صاحبي رسول الله ﷺ رضي عنهما، وتورطهم في هذه الجهالة، واستمرارهم على هذه الضلالة التي استوجبوا بها النكال، واستحقوا العظيم الخزي والوبال، وإنما يتوجه العتب في ذلك نحو نقيب الطالبيين ولولا ما تدرع به من جلباب الحلم [٦] ، وأسباب يتوخاها لتقدم في فرضه ما يرتدع به الجهال، فليؤجر بإظهار ١٢٥/ ب شغل السنة في مقابر باب التبن وربع الكرخ من ذكر الصحابة/ على الجنائز، وحثهم على الجمعة والجماعة، والتثويب «بالصلاة خير من النوم» وذكر الصحابة على مساجدهم ومحاريبهم أسوة بمساجد السنة، والتقدم بمكاتبة ابن مزيد ليجري على هذه السّنّة [٧] في بلاده فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ٢٤: ٦٣ [٨] .
стр. 5637
وفي شوال: وصل رسول السلطان بكتب تتضمن الدعاء للمواقف المقدسة، والاعتذار من تأخره عن الخدمة، وأنه بسعادة الخدمة فتح حلب، وأنطاكية، والرها، وقلعة جعبر، وطرفا [١] من بلاد الروم، وهو في أثر هذه الخدمة، فخرج من بغداد النقيبان طراد والمعمر، فخدماه بالموصل، وتلاهما عفيف، ثم ذوو المناصب، فلما وصل الصالحين نفذ من الإقامات ما لا يحصى، وخرج الموكب لتلقية، فتوجه الوزير أبو شجاع والنقيبان والجماعة والقراء والطبول والبوقات فبلغوه عن المقتدى [بأمر الله] [٢] السلام [٣] والتهنئة بالتقدم، فقام وقبل الأرض ثم دخل بغداد.
[وقوع الفتنة بين السّنّة والشيعة]
وفي شوال: وقعت الفتنة بين السنة والشيعة، وتفاقم الأمر إلى أن نهبت قطعة من نهر الدجاج، وطرحت النار، وكان ينادي على نهوب الشيعة إذا بيعت في الجانب الشرقي: هذا مال الروافض وشراؤه وتملكه حلال.
وفي ذي الحجة: قدم السلطان أبو الفتح ملك شاه إلى بغداد ألزمته خاتون بهذا لتنقل ابنتها إلى الخليفة، فدخل دار المملكة والعوام يترددون إليه ولا يمنعون، وضرب ١٢٦/ أالوزير نظام الملك سرادقة في الزاهر ليقتدي به العسكر ولا ينزلون في دور الناس، فلم يقدم أحد على النزول في دار أحد، وركب السلطان إلى مشهد الإمام [٤] أبي حنيفة ﵁ [٥] فزاره، وعبر إلى قبر معروف وقبر موسى بن جعفر والعوام بين يديه، وانحدر إلى سلمان فزاره، وأبصر إيوان كسرى، وزار مشهد الحسين ﵇، وأمر بعمارة سوره، ويمم إلى مشهد علي ﵇ فأطلق لمن فيه ثلاثمائة دينار، وتقدم باستخراج نهر من الفرات يطرح الماء إلى النجف فبدئ فيه، وعمل له الطاهر نقيب العلويين [المقيم هناك] [٦] سماطا كبيرا.
стр. 5638
وفي ليلة الاثنين سابع ذي الحجة: مضت والدة الخليفة وعمته إلى خاتون في دار المملكة، فضربت سرادقا من الدار إلى دجلة، ونزلت إليهما فخدمتهما، وصعدتا إلى دار المملكة، ثم نزلتا وهي معهما وانحدرن.
وفي ليلة الخميس سابع عشر هذا الشهر: وصل النظام إلى الخليفة من التاج ومشي وحده إلى أن وصل إليه وهو جالس من وراء الشباك فخدم، فقربه وأدناه وأخرج يده من الشباك إليه فقبلها ووضعها علي عينه، وخاطبه بما جمله به.
وكان جماعة من الفقراء يأوون إلى كويخات بباب الغربة، فتقدم أمير المؤمنين بأن يشتري لكل واحد دارا بالمقتدية، وبالمسعودة، والمختارة، وملكوها ونقضت كويخاتهم.
١٢٦/ ب وتوفي فقير صاحب مرقعة بجامع المنصور كان/ يسأل الناس، فوجدوا في مرقعته ستمائة دينار مغربية.
وظهر فيها بين ديار بني أسد وواسط عيّار مقطوع اليد اليسرى، كان يقع علي القفل بنفسه فيقتل ويمثل ويأخذ المال، وكان يغوص عرض دجلة في غوصتين، وكان يقفز خمسة عشر ذراعا، ويتسلق الحيطان الملس، ولا يقدر [١] عليه فخرج عن أرض العراق سالما.
وفي هذه السنة: صنع سيف الدولة سماطا للسلطان جلال الدولة بظاهر الأجمة في الجانب [٢] الشرقي، ذكر أنه ذبح ألف كبش ومائة رأس دواب وجمال، وأنه سبك عشرين ألفا منا سكرا، وكان السماط أحسن شيء، وقد علق عليه ما صنع من منفوخ السكر من الطيور والوحوش، وأنواع التماثيل، فحضر السلطان، وأشار إلى شيء منه، ثم نهب وانتقل إلى طعام خاص، ومجلس عبي له سرادق ديباج فيه خيم ديباج اشتمل على خمسمائة قطعة من أواني الفضة، وزين بتماثيل الكافور والعنبر و [الندو] [٣]
стр. 5639
المسك الأذفر، فجلس وقضي منه وطرا، فلما نهض خدم سيف الدولة بحمل عشرين ألف [١] دينار، والسرادق والأواني، وقبل الأرض بين يديه وانصرف.
وفي هذه السنة: وقعت العرب علي الحاج فقاتلوهم يومهم، وأمسوا يسألون الله النجاة، فبلغ العرب أن قوما منهم علموا خلو أبياتهم فاستاقوا مواشيهم فولوا.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٥٥٥-/ إبراهيم بن عبد الواحد بن طاهر بن الطيب، أبو الخطاب القطان
[٢] ١/ أ.
سمع البرقاني، والخرقي، وعبد الله بن بشران، روى عنه شيخنا عبد الوهاب، وأثنى عليه فقال: كان خيرا كيسا، توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
٣٥٥٦-[إسماعيل بن] [٣] زاهر بن محمد بن عبد الله [بن محمد بن عبد الله] [٤] أبو القاسم النوقاني من أهل نيسابور
[٥] .
ولد سنة سبع وتسعين وثلاثمائة، سمع بالبلاد من خلق كثير، وكان ثقة صدوقا فقيها أديبا حسن السيرة، روى عنه أشياخنا، وتوفي في هذه السنة.
٣٥٥٧- الحسن بن محمد بن القاسم، أبو علي بن زينة
[٦] .
سمع من هلال الحفار، وأبي الحسن الحمامي، وغيرهما، روى عنه شيخنا أبو محمد المقرئ. توفي في صفر هذه السنة.
стр. 5640
٣٥٥٨- ختلغ بن كنتكين، أبو منصور أمير الحاج
[١] .
كان شجاعا، وله وقعات مع عرب البرية، وكانوا يخافونه، وكان حسن السيرة محافظا على الصلوات في جماعة، يختم القرآن كل يوم، ويختص به العلماء والقراء، وله آثار جميلة في المشاهد والمساجد والمصانع بين مكة والمدينة، ولبث في إمرة الحاج اثنتي عشرة سنة، توفي في يوم الخميس بين الظهر والعصر سابع جمادى الأولى من هذه السنة، فبلغ ذلك النظام فقال: مات ألف رجل.
٣٥٥٩- صافي عتيق القائم بأمر الله
[٢] .
قرأ القرآن، وصاحب الأخيار، وتبع أبا علي بن موسى الهاشمي الحنبلي، فأخذ ١٢٧/ ب من هديه، وكان متورعا له تهجد وعبادات/ وبر وصدقات، وأعتق عند موته عبيده وإماءه، وأوصى لكل منهم بجزء من ماله، ووقف على أبواب البر، وأجاز ذلك المقتدي، وصلى عليه ثم حمل إلى تربة الطائع فقبر هناك.
٣٥٦٠- عَبْد اللَّهِ بن أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ [عبد الصمد] [٣] بن المهتدي، أبو جعفر أبو أبي الفضل
[٤] .
سمع أبا القاسم بن بشران وغيره، روى عنه شيخنا أبو القاسم السمرقندي، وكان من ذوي الهيئات النبلاء والخطباء الفصحاء، وكان صاحب مفاكهة وأشعار، وطرف وأخبار، توفي في شعبان هذه السنة، ودفن في مقبرة جامع المدينة.
٣٥٦١- عبد الخالق بن هبة الله بن سلامة بن نصر، أبو عبد الله المفسر الواعظ
[٥] .
ولد سنة تسعين وثلاثمائة، وسمع أباه وأبا علي بن شاذان وغيرهما، وكان له
стр. 5641
سمت [١] ووقار، وكان كثير التهجد والتعبد.
وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة وهو ابن أربع وتسعين، ودفن بمقبرة الجامع.
٣٥٦٢- عبد الواحد بن محمد [٢] بن عبد السميع، أبو الفضل العباسي
[٣] .
من ولد الواثق، روى الحديث، وكان ثقة صالحا.
توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة عن نيف وتسعين، ودفن بمقبرة الجامع.
٣٥٦٣- علي بن أبي نصر بن ودعة .
كان يؤثر عنه الخير والأمانة والديانة، وكان رئيس التجار بالموصل.
توفي ببغداد، وحملت جنازته إلى الموصل فكان يوما مشهودا [٤] .
٣٥٦٤- علي بن فضال، أبو الحسن المجاشعي النحوي
[٥] .
سمع الحديث، وكان له علم غزير وتصانيف حسان، إلا أنه مضعَّف [٦] في الرواية، توفي في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن بباب أبرز.
٣٥٦٥- علي بن أحمد بن علي، أبو القاسم، المعروف: بابن الكوفي
[٧] .
سمع ابن شاذان/، وابن غيلان، وغيرهما، وقرأ القرآن على أبي العلاء ١٢٨/ أالواسطي وغيره، وولي النظر بالمارستان العضدي، فأحسن مراعاة المرضي.
وتوفي في رجب هذه السنة، ودفن بالشونيزية.
стр. 5642
٣٥٦٦- محمد بن أحمد، أبو علي التستري
[١] .
كان متقدم البصرة في الحال والمال وله مراكب في البحر، حفظ القرآن، وسمع الحديث، وانفرد برواية سنن أبي داود عن أبي عمر، وكان حسن المعتقد، صحيح السماع، وتوفي في رجب هذه السنة.
٣٥٦٧- مُحَمَّد بن أحمد بن [٢] القزاز المطيري
[٣] .
روي الحديث، ونظم الشعر، وكانت له يد في القراءات إلا أنهم حكوا عنه تسمحا في الرواية، توفي المطيري عن مائة وثلاث عشرة سنة.
٣٥٦٨- محمد [بن محمد] [٤] بن أحمد ابن المسلمة، أبو علي بن أبي جعفر .
ولد سنة إحدى وأربعمائة، وروى عن هلال [٥] الحفار وغيره، فروى عنه أشياخنا، وتوفي في رمضان هذه السنة، ودفن بباب حرب، وكان زاهدا صموتا ثقة.
٣٥٦٩- محمد بن محمد بن علي بن الحسن بن محمد بن عبد الوهاب بْن سليمَان بْن عبد الله بْن محمد بْن إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس بن عبد المطلب [٦] ، أبو نصر بن أبي طاهر بن علي
[٧] .
ولد في صفر سنة تسع وثمانين وثلاثمائة [٨] ، وسمع من المخلص وأبي بكر بن
стр. 5643
زنبور، وأبي الحسن الحمامي وغيرهم، وتزهد [في شبابه] [١] فانقطع في رباط أبي سعد الصوفي، ثم انتقل إلى الحريم الطاهري، وكان ثقة، وعاش ثلاثا وتسعين سنة، فلم يبق في الدنيا من سمع أصحاب البغوي [٢] غيره، وكان آخر من حدث عن المخلص، وحدثنا عنه أشياخنا، وآخر من حدثنا عنه سعيد [٣] بن أحمد بن البناء، وتوفي في ليلة ١٢٨/ ب السبت الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، وصلى عليه أخوه الكامل، ودفن في مقابر الشهداء قريبا من باب حرب.
٣٥٧٠- محمد بن عبد القادربن محمد بن يوسف، أبو بكر .
سمع الكثير من أبي [الحسين بن بشران، وأبي] [٤] الحسن الحمامي، وابن أبي الفوارس وغيرهم، روي عنه أشياخنا وكان رجلا صالحا، قليل المخالطة لا يخرج إلا في أوقات الصلوات، يتشدد في السنة، حضر أخوه مجلس أبي نصر القشيري فهجره.
وقال شيخنا ابن ناصر: كان عالما متقنا ذا ورع وتقى وثقة كثير السماع.
توفي ليلة الخميس ثالث ربيع الأول، ودفن بمقبرة باب حرب.
٣٥٧١- مطلب الهاشمي
كان خطيبا قديما ثم اقتطعه القائم بأمر الله إلى إمامته، فكان يصلي به، وكان خيرا [٥] حسن المعتقد، يذهب إلى مذهب أحمد بن حنبل.
توفي في رمضان هذه السنة وهو في عشر السبعين.
٣٥٧٢- هبة الله ابن القاضي [٦] محمد بن علي بن المهتدي، أبو الحسن الخطيب .
ولد في سنة تسع عشرة وأربعمائة، وروى عن البرقاني وغيره، وكان إليه القضاء
стр. 5644
بعد أبيه، وخرج في أيام الفتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة، فوقع فيه سهم [١] فمات ودفن يوم الجمعة تاسع عشر صفر عند أبيه خلف القبة الخضراء.
٣٥٧٣- يحيى بن الحسين بن إسماعيل بن زيد، أبو الحسين الحسني
[٢] .
وكان مفتي طائفته علي مذهب زيد بن علي، وكان له معرفة ١٢٩/ أبالأصول/ والحديث.
стр. 5645
ثم دخلت سنة ثمانين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه نودي في يوم الخميس غرة المحرم برفع الضرائب والمكوس بتوقيع شريف صدر عن المقتدي بأمر الله، وكتبت ألواح ألصقت علي الجوامع بتحريم ذلك.
[خروج السلطان ملك شاه إلى ناحية الكوفة للصيد]
وخرج السلطان ملك شاه في رابع المحرم إلى ناحية الكوفة للصيد فاصطاد هو وعسكره ألوفا حتى بني من حوافرها منارة كبيرة عند الرباط الذي أمر ببنائه بالسبيعي بقرب الرحبة في طريق مكة، وهي باقية إلى الآن، وتسمى: منارة القرون، وقيل إنه كان فيها أربعة آلاف رأس.
وخرج نظام الملك إلى المشهد بالكوفة والحائر فزارهما.
وفي يوم السبت سابع عشر المحرم: بعث المقتدي ظفر الخادم فاستدعى السلطان ملك شاه [١] ، فأنفذ إليه الطيار، فلما وصل السلطان إلى باب الغربة قدم إليه مركوب الخليفة بمركب جديد صيني وسرج من لبد أسود، فركبه ووصل إلى الخليفة فأمره بالجلوس فامتنع، فأمره ثانيا وأقسم عليه حتى جلس، وتقدم بإضافة الخلع عليه، ولم يزل نظام الملك يأتي بأمير أمير إلى تجاه السدة فيقول للأمير بالفارسية: هذا أمير المؤمنين، ثم يقول للخليفة: هذا العبد الخادم/ فلان بن فلان ولايته كذا، وعسكره ١٢٩/ ب كذا، وذلك الأمير يُقَبِّل الأرض، وكانوا أكثر من أربعين أميرًا، وكان في جملة الأمراء
стр. 5646
آيتكين خال السلطان، فلما حضر استقبل القبلة، وصلي بإزاء الخليفة ركعتين، واستلم الحيطان، ومسح بيده وجسمه، وعاد السلطان وعلية الخلع والتاج والطوقان، وكمشتكين الجامدار يرفع ذيله عن يمينه، وسعد الدولة يرفعه عن شماله، فمثل بين يدي السدة وقبَّل الأرض دفعات، فقلده سيفين فقال الوزير أبو شجاع: يا جلال الدولة، هذا سيدنا ومولانا أمير المؤمنين الذي اصطفاه الله بعز الإمامة، واسترعاه الأمة، فقد أوقع الوديعة عندك موقعها، وقلدك سيفين لتكون قويا علي أعداء الله. فسأل تقبيل يد الخليفة فلم يجبه، فسأل تقبيل خاتمه فأعطاه إياه فقبله ووضعه علي عينه، وحضر الناس بأجمعهم فشاهدوا الخليفة والسلطان، ثم انكفأ وحمل بين يديه ثلاثة ألوية، وثلاث أفراس في السفن، وأربعة علي الطريق، واستقبل من داره بالدبادب والرايات، ونثرت الدراهم والدنانير، وأنفذ إليه الخليفة سريرا مذهبا ومخادًا.
وفي يوم الاثنين ثاني عشر محرم: جاء نظام الملك إلى دار ابنة مؤيد الملك، فبات بها وجاء من الغد إلى المدرسة، ولم يكن رآها نهارا، وجلس بها وقرئ عليه فيها الحديث، وأملى أيضا الحديث، وبات بدار ولده، وعاد إلى الزاهر من الغد.
١٣٠/ أوأنفذ السلطان في ثامن عشر المحرم إلى الخليفة صندوقين/ فيهما مال وعمل للأمراء سماطا، ثم اجتاز السلطان في الحريم ولم يكن رآه، وخرج إلى الحلبة، ثم عاد بعد أيام فجاز فيه، فنثرت عليه الدراهم والدنانير وأثواب الديباج وغلق البلد لذلك، ثم عبر في هذا اليوم إلى الجانب الغربي، فدخل العطارين والقطيعتين، ومضي إلى الشونيزي والتوثة، ونزل دجلة.
قَالَ المصنف: وقرأت بخط ابن عقيل قَالَ: دخل نظام الملك بغداد أواخر سنة ثمانين، فلم يدرك رجلا يومئ إليه من أهل العلم.
وفي يوم الأحد خامس عشرين محرم: أمر الناس بتعليق وتزيين البلد لأجل زفاف خاتون بنت ملك شاه إلى المقتدي، وكان الزفاف في مستهل صفر، ونقل الجهاز على مائة وثلاثين جملا، وبين يديه البوقات والطبول والخدم في نحو ثلاثة آلاف فارس، ونثر عليه بغداد، ثم نقل بعد ذلك شيء آخر على أربعة وسبعين بغلا، وكان على ستة منها
стр. 5647
الخزانة وهي اثنا عشر صندوقا من فضة، وبين يديها ثلاثة وثلاثون فرسا، والخدم والأمراء بين يدي ذلك.
فلما كانت عشية الجمعة سلخ محرم ركب الوزير أبو شجاع إلى خاتون زوجة السلطان فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ٤: ٥٨ [١] وقد أذن في نقل الوديعة إلى الدار العزيزة. فقالت: السمع والطاعة للمراسم الشريفة [٢] ، فجاء نظام الملك وأبو سعد المستوفي والأمراء وكل واحد معه الأمناء الكثيرة [٣] ، ثم جاءت خاتون الخليفة من وراء ذلك كل في محفة مرصعة بالجوهر وقد أحاط عجفتها مائتا جارية من خواصها ١٣٠/ ب بالمراكب العجيبة، فوصلت إلى الخليفة فأهديت إليه تلك الليلة.
فلما كان يوم السبت مستهل صفر صبيحة البناء أحضر الخليفة عسكر السلطان على سماط استعمل فيه أربعون ألفا منّا سكرا، وخرج السلطان ليلة الزفاف إلى الصيد على عادة الملوك فغاب ثلاثة أيام.
[تقدم السلطان بالنداء لا حريم إلا لأمير المؤمنين]
وفي خامس صفر: تقدم السلطان بالنداء في سوق المدرسة: لا حريم إلا لأمير المؤمنين، وهذا الموضع داخل في حريمه.
وفي هذا اليوم: هرب تركي إلى دار الخليفة من أجل أنه أخذ صبيا فأدخل في دبره دبوسا فمات، فسلمه الخليفة إلى أصحاب الملك فصلب.
وفي نصف صفر: خرج ملك شاه من بغداد نحو أصفهان ومعه نظام الملك، وخرج الوزير أبو شجاع فودعه بالنهروان.
[ولد للسلطان ولد سماه محمودا]
وفي هذا الشهر: ولد للسلطان ولد سماه محمودا، وهو الذي خطب له بالمملكة بعده، وحضر الناس صبيحة ذلك اليوم فحملوا الأموال، وجلس للتهنئة، ونفذ إليه الموكب يهنئه.
[وقع حريق في أحطاب جمعت لشواخير الآجر]
وفي ربيع الأول: وقع حريق في أحطاب جمعت في أشهر لشواخير الآجر
стр. 5648
بالحلبة، قصد إيقاع النار فيها عدو لأصحابها، فأصاب من تلك النار سطوح الناس والحريم كله، حتى كأن في كل سطح شموعا، فخرج الناس لإطفائه فما قدر أحد أن يقاربه من خمسمائة ذراع إلى أن انتهى الحطب فخمدت النار.
وفي ربيع الأول: غرق ستون مركبا ببحر الشام، وهلك فيها ثلاثمائة رجل، ورمى ١٣١/ أقوم أنفسهم/ إلى الماء فنجوا.
[وصول الكتب السلطانية تتضمن سؤال الخدمة الشريفة]
وفي شعبان: وصلت الكتب السلطانية تتضمن سؤال الخدمة الشريفة أن يتقدم إلى خطباء المنابر بذكر الأمير أحمد بن ملك شاه تالي ذكر أبيه، وكان السلطان قد جعله ولي عهده وسار في ركابه، ففعل ذلك، ونثرت الدنانير على الخطباء.
وفي هذا الشهر: زلزلت همذان وما داناها من أرض الجبل، فرجفت بهم الأرض سبعة أيام، ووقعت منازل كثيرة، وهلك خلق كثير تحت الردم، وسقط برجان من قلعة همذان، وهلك من سوادها ناحيتان، وخرج الناس إلى الصحراء حتى سكنت ثم عادوا.
وفي رابع ذي القعدة: ولد للمقتدي من خاتون ابنة السلطان ولد فسماه جعفرا، وكناه: أبا الفضل، وزين البلد لأجله، وجلس الوزير للهناء بباب الفردوس، ونصبت القباب بنهر معلى [١] ، وزينت سوق الصيارفة بأواني الذهب والفضة والجواهر، وأظهر الكافوريون تماثيل من الكافور، وأظهر قوم من صناعتهم عجبا، فسير الملاحون سفينة على عجل، وأظهر الطحانون أرحاء تطحن على وجه الأرض.
[وقوع القتال بين أهل الكرخ وأهل باب البصرة]
وفي هذا الشهر: وقع القتال بين أهل الكرخ وأهل باب [البصرة] [٢] ، وأصعد أهل باب الأزج [٣] ناصرين أهل باب البصرة بالزينة والسلاح والأعلام، فقصدهم سعد الدولة، فمنعهم عن العبور وقاتلهم وأخذ سلاحهم، فانطفأت الفتنة بذلك.
١٣١/ ب/ وفي ذي الحجة: خرج المرسوم أنه قد أنهى حال يهود بطريق خراسان وبلاد ابن مزيد لا يلبسون غيارا، ولهم شعور كالأتراك، ويكنون بكنى المسلمين، فتقدم
стр. 5649
بخروج من عين من العدول والفقهاء فهذبوا نواحي بغداد، وقصدوا حلة ابن مزيد فهذبوها، وجاء رجل يدعى النبوة وأنه خاطبه الجبل والملائكة، فتصفح حاله فإذا به من مهوسي العرب، فكادوا يحملونه إلى المارستان ثم صفح عنه، وزود فرحل.
وفي هذه السنة: بنيت التاجية بباب أبرز، وجددت على الزاهر مسناة كان لها أساس قائم، وغرس فيه نخل وشجر وسور عليها، وذلك بأمر السلطان ملك شاه.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٥٧٤- إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن سعيد، أبو القاسم السامري من أهل نيسابور
[١] :
سمع الحديث الكثير من أبي بكر الحيري [٢] ، وأبي سعيد الصيرفي [٣] ، وابن باكويه وغيرهم، وسافر البلاد، وعبر وراء النهر. روى عنه أشياخنا، وكان ثقة فاضلا له حظ من الأدب ومعرفة بالعربية، وتوفي في جمادي الأولى من هذه السنة بنيسابور.
٣٥٧٥- شافع بن صالح بن حاتم، أبو محمد الجيلي
[٤] :
سمع من أبي علي بن المذهب والعشاري، وأبي يعلى بن الفراء وعليه تفقه.
توفي في صفر هذه السنة.
٣٥٧٦- طاهر بن الحسين، أبو الوفاء البندنيجي الهمذاني
[٥] :
كان شاعرا مبرزا، له قوة في لزوم ما لا يلزم، وله قصيدتان إحداهما في مدح نظام
стр. 5650
١٣٢/ أالملك وهي/ نيف وأربعون بيتا غير معجمة كلها أولها.
لاموا ولو علموا ما اللوم ما لاموا ... ورد لومهم هم وآلام
وأخرى معجمة كلها نحوها في العدد، وكان قويا في علم النحو واللغة والعروض، ولم يمدح لابتغاء عرض، وكان يعد ذلك عارا.
توفي في رمضان هذه السنة عن نيف وسبعين سنة بالبندنيجين.
٣٥٧٧- عبد الله بن نصر، أبو محمد الحجادي
[١] .
سمع الحديث، وصحب الزهاد، وتفقه على مذهب أحمد بن حنبل، وكان خشن العيش في عبادته [٢] ، وحج على قدميه بضع عشرة سنة ودفن في ربيع الأول من هذه السنة [٣] بباب حرب.
٣٥٧٨- عبد الملك بن الحسن بن خيرون بن إبراهيم، أبو القاسم [٤] الدباس، أخو أبي الفضل ابن خيرون أبو شيخنا أبي منصور
[٥] .
كان رجلا صالحا من خيار البغداديين، روى عنه ابنه، وشيخنا عبد الوهاب.
توفي في ذي الحجة من هذه السنة ودفن بمقبرة باب حرب.
٣٥٧٩- فاطمة بنت علي [٦] المؤدب، المعروفة: ببنت الأقرع الكاتبة
[٧] :
سمعت أبا عمر بن مهدي وغيره، حدثنا عنها أشياخنا، وكان خطها مستحسنا في الغاية، وكانت تكتب على طريقة ابن البواب، وكتب الناس على خطها، وأهلت لحسن
стр. 5651
خطها لكتابة كتاب «الهدنة» إلى ملك الروم من الديوان العزيز، وسافرت إلى بلاد الجبل إلى عميد الملك أبي نصر الكندري.
وسمعت شيخنا أبا بكر محمد بن عبد الباقي البزار يقول: الكاتبة فاطمة بنت الأقرع تقول: كتبت ورقة لعميد الملك الكندري فأعطاني ألف دينار.
وتوفيت في محرم هذه السنة، ودفنت بباب أبرز.
٣٥٨٠- محمد بن أمير المؤمنين المقتدى [بأمر الله]
[١] .
توفي عن جدري وقد قارب تسع سنين، فاشتدت الرزيئة فيه، وجلس للعزاء بباب الفردوس ثلاثة أيام، وحضر الناس على طبقاتهم، فخرج التوقيع يتضمن أن أمير المؤمنين أولى من اقتدى بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، / والله تعالى يقول: الَّذِينَ إِذا ٢: ١٥٦ [١٣٢/ ب] أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦ [٢] الآية.
وذكر حَدِيث رَسُول اللَّه ﷺ لما مات ولده إبراهيم، وقد عزى أمير المؤمنين نفسه بما عزى الله تعالى به الأمة بعد نبيه بقوله: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ٣٣: ٢١ [٣] فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، تسليما لحكمه ورضا بقضائه، فليعلم الحاضرون ما رجع إليه أمير المؤمنين وأن العلم الشريف محيط بحضورهم، وليؤذن لهم في الانكفاء.
٣٥٨١- محمد بن [محمد] [٤] بْن زيد [بْن علي بن موسى] [٥] بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الحسيني، ذو الكنيتين: أبو المعالي وأبو الحسن، الملقب: بالمرتضى [ذو الشرفين] [٦] .
стр. 5652
ولد سنة خمس وأربعمائة، وسمع الحديث الكثير، وصحب أبا بكر الخطيب، وتلمذ له وأخذ عنه [١] علم الحديث، فصارت له به معرفة حسنة، وسمع بقراءته الكثير من شيوخه، وروى عنه الخطيب في مصنفاته، وكان بغدادي المولد والمنشأ، ثم سكن سمرقند، وأملى الحديث بأصبهان وغيرها، وكان يرجع إلى عقل كامل، وفضل وافر، ورأي صائب، وصنف فأجاد، وكان له دنيا وافرة، وكان يملك نحو أربعين قرية بنواحي كش، وكان يخرج زكاة ماله ثم يتنفل بالصدقة الوافرة، فكان ينفذ إلى جماعة من الأئمة الأموال إلى كل بلد واحد من ألف دينار إلى خمسمائة إلى سبعمائة [٢] ، فربما بلغ ببعثه عشرة آلاف دينار، وكان يقول: هذه زكاة مالي، وأنا غريب لا أعرف الفقراء ففرقوها أنتم عليهم، وكل من أعطيتموه شيئا من المال فابعثوه إلى حتى أعطيه عشر الغلة، وكان يصرف أمواله إلى سبل البر [٣] .
وحسده قاضي البلد فقال للخضر بن إبراهيم وهو ملك ما وراء النهر: إن له بستانا ليس للملوك مثله. فبعث إليه أني أريد أن أحضر بستانك. فقال للرسول: لا سبيل إلى ١٣٣/ أذلك، لأني عمرته من المال الحلال ليجتمع عندي فيه/ أهل الدين، فلا أمكنه من الشرب فيه. فأخبر الأمير فغضب، وأعاد الرسول فأعاد الشريف الجواب، وأراد أن يقبض عليه فاختفى، وطلب فلم ير، فأظهروا أن الخضر قد ندم على ما كان فعل، فظهر فبعث إليه الأمير بعد مدة نريد أن نشاورك في مهمات، فحضر فحبسه واستولى على أمواله.
فحكى بعض وكلائه قَالَ: توصلت إليه وقلت إنهم يأخذون مالك من غير اختيارك فأعطهم ما يريدون وتخلص. فقال: لا أفعل وقد طاب لي الحبس والجوع، فإني كنت أفكر في نفسي منذ مدة وأقول من يكون من أهل [٤] بيت رسول الله ﷺ لا بد أن يبتلى في ماله ونفسه، وأنا قد ربيت في النعم والدولة، فلعل في خللا، فلما وقعت هذه الواقعة
стр. 5653
فرحت بها، وعلمت أن نسبي صحيح متصل بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلا أفعل شيئا إلا برضى الله تعالى، فمنعوه من الطعام فمات.
وكان هذا في هذه السنة، وأخرج في الليل من القلعة، فلما علم ولده نقله إلى موضع آخر، فقبره هناك يزار.
وحكى أبو العباس جعفر بن أحمد الطبري قَالَ: رأيت المرتضى أبا المعالي بعد موته وهو في الجنة بين يديه مائدة طعام موضوعة. فقيل له: ألا تأكل؟ قَالَ: لا حتى يجيء ابني فإنه غدا يجيء، فلما انتبهت من نومي قتل ابنه الظهر في ذلك اليوم.
٣٥٨٢- محمد بن أبي سعد، أحمد بن الحسن بن علي بن سليمان بن الفرج، أبو الفضل المعروف بالبغدادي، وهو من أهل أصبهان .
ولد في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، وسمع وحدث ووعظ، وكان يوصف بالفصاحة والعلم بالتفسير والمعاني. روى عنه ولده أبو سعد شيخنا وعبد الوهاب الحافظ. توفي ببغداد [١] عند رجوعه من الحج في صفر هذه السنة.
٣٥٨٣- محمد بن هلال بن المحسن بن إبراهيم، أبو الحسن الصابي، / الملقب: ١٣٣/ ب بغرس النعمة
[٢] .
سمع أباه وأبا علي بن شاذان. وذيل على تاريخ والده الذي ذيله أبوه على تاريخ ثابت بن سنان الذي ذيله على تاريخ ابن جرير، وكان له صدقة ومعروف، وخلف سبعين ألف دينار [٣] . توفي في ذي القعدة من هذه السنة ودفن في داره بشارع ابن عوف، ثم نقل إلى مشهد علي ﵇.
قَالَ المصنف [﵀] [٤] : ونقلت من خط أبى الوفاء بن عقيل قَالَ: حضرنا عند بعض الصدور فقال: هل بقي ببغداد مؤرخ بعد ابن الصابي؟ فقال القوم: لا!
стр. 5654
فقال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، يخلو هذا البلد العظيم من مؤرخ حنبلي- يعنى ابن عقيل نفسه- هذا مما يجب حمد الله عليه، فإنه لما كان البلد مملوءًا بالأخيار وأهل المناقب قيض الله لها من يحكيها، فلما عدموا وبقي المؤذي والذميم الفعل أعدم المؤرخ، وكان هذا ستر عورة.
وحكى عنه هبة الله بن المبارك السقطي: أنه كان يجازف في تاريخه، ويذكر ما ليس بصحيح، قَالَ: وقد ابتنى بشارع ابن أبي عوف دار كتب، ووقف فيها نحوًا من أربعمائة مجلد في فنون العلوم، ورتب بها خازنا يقال له: ابن الأقساسي العلوي، وتكرر العلماء إليها سنين كثيرة ما لم تزل له أجرة، فصرف الخازن وحك ذكر الوقف من الكتب وباعها، فأنكرت ذلك عليه فقال: قد استغنى عنها بدار الكتب النظامية.
قَالَ المصنف: فقلت بيع الكتب بعد وقفها محظور. فقال: قد صرفت ثمنها في الصدقات.
٣٥٨٤- هبة الله بن علي بن محمد بن أحمد المحلى، أبو نصر
[١] :
سمع ابن المهتدي، وابن المأمون، والخطيب وخلقا كثيرا، وكتب الكثير، وكان حلو الخط، وصنف وجمع وأنشأ الخطب والمواعظ، وأدركته المنية قبل بلوغ [٢] زمان الرواية، وإنما سمع منه القليل، فتوفي في هذه السنة ودفن بمقبرة جامع المنصور.
٣٥٨٥- أبو بكر بن عمر
[٣] .
أمير الملثمين، كان بأرض غانة في مجاهدة الكفار، وقام له ناموس لم يقم مثله لأحد بالدين والزهد، وكان يركب إذا ركب أصحابه، ويطعم إذا طعموا، ويجوع إذا ١٣٤/ أجاعوا/ وقد قيل إنه لم يتوجه في وجه من مجاهدة أو دفع عدو في أقل من خمسمائة ألف كل يعتقد طاعة الله تعالى في طاعته، وكان يحفظ الحرمات، ويراعي قوانين الإسلام مع صحة المعتقد، وموالاة الدولة العباسية، فأصابته نشابة في حلقه فمات بها في هذه السنة عن نيف وستين سنة.
стр. 5655
ثم دخلت سنة احدى وثمانين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
[شروع أهل باب البصرة ببناء القنطرة الجديدة]
أن أهل باب البصرة شرعوا في بناء القنطرة الجديدة في صفر، ونقلوا الآجر في أطباق الذهب والفضة وبين أيديهم البوقات والدبادب، وجاء إليهم أهل المحال وأهل باب الأزج فاجتازوا بامرأة تسقي الماء، فجعلوا يتناولون منها ويقولون: السبيل [فاتفق أنه] [١] جاز سعد الدولة [٢] ، فاستغاثت المرأة إليه، فأمر [٣] بإبعادهم عنها، فضربهم الأتراك بالمقارع، فجذبوا سيوفهم وضربوا وجه فرس بنمياز حاجبه فرمته، فحمل سعد الدولة الحنق فصعد من سميريته راجلا ومعه النشاب، فحمل عليهم أحدهم، فطعنه بأسفل القطعة فخبطه في الماء والطين، وحرصوا أن يقع هذا الرجل فما قدروا عليه، وأخذ ثمانية من القوم لم يكن معهم سلاح فقتل واحد، وقطعت أعصاب ثلاثة.
[بناء أهل الكرخ عقدا لأنفسهم]
وفي ربيع الآخر: بنى أهل الكرخ عقدا لأنفسهم.
وفي هذا الشهر: ابتاع تركي من أصحاب خاتون زوجة الخليفة من طواف شيئا، فتنابذا فضربه [التركي] [٤] فشجه، فاستغاثت العامة، فخرج توقيع الخليفة بإبعاد
стр. 5656
الأتراك أصحاب خاتون من الحريم، وأن لا يبيت أحد منهم فيه. فأخرجوا من ساعتهم على أقبح صورة، فباتوا بدار المملكة.
وفي هذه السنة: فتح ملك شاه سمرقند.
وفيها: حج الوزير أبو شجاع واستناب ابنه أبا منصور وطراد بن محمد الزينبي.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٣٤/ ب
٣٥٨٦- أحمد بن أبي حاتم، عبد الصمد بن أبي الفضل التاجر الغورجي الهروي، أبو بكر
[١] .
سمع أبا محمد الجراحي، حدثنا عنه أبو الفتح الكروخي.
وتوفي في يوم الثلاثاء تاسع عشر ذي الحجة فجأة.
٣٥٨٧- أحمد بن محمد بن الحسن بن الخضر، أبو طاهر الجواليقي، والد شيخنا أبي منصور
[٢] .
سمع أبا القاسم عبد الملك بن بشران، وروى عنه شيخنا عبد الوهاب.
قَالَ شيخنا ابن ناصر: كان شيخا صالحا متعبدا من أهل البيوتات القديمة ببغداد، ذا مذهب حسن وتعبد، وكان جده الخضر صاحب قرى وضياع، ودخل كثير.
وتوفي أبو طاهر فجأة في رجب هذه السنة.
٣٥٨٨- عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن جعفر، أبو إسماعيل الأنصاري الهروي
[٣] .
ولد في ذي الحجة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، وكان كثير السهر بالليل، وحدث وصنف، وكان شديدا على أهل البدع، قويا في نصرة السنّة، حدثنا عنه أبو الفتح الكروخي.
стр. 5657
وأنبأنا محمد بن ناصر عن المؤتمن بن أحمد الحافظ قَالَ: كان عبد الله الأنصاري لا يشد على الذهب شيئا، ويتركه كما يكون ويذهب إلى قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ» وكان لا يصوم رجب، وينهى عن ذلك ويقول: ما صح في فضل رجب وفي صيامه شيء عن رسول الله ﷺ ، وكان يملي في شعبان وفي رمضان، ولا يملي في رجب، توفي بهراة في يوم الجمعة وقت غروب الشمس رابع عشرين ذي الحجة من هذه السنة.
٣٥٨٩- عبد الملك بن أحمد، أبو طاهر السيوري
[١] .
سمع أبا القاسم بن بشران وغيره، روى عنه أشياخنا، وكان شيخا صالحا دينا خيرا، وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن من الغد بمقبرة باب الدير.
٣٥٩٠- عبد العزيز بن طاهر بن الحسين بن علي، أبو طاهر الصحراوي [٢] ، من أهل باب البصرة
[٣] .
حدث عن ابن رزقويه [٤] وغيره بشيء يسير، وكان صالحا زاهدا فآثر العزلة، واشتغل بالتعبد، وكان مقيما في جامع المدينة. ١٣٥/ أوتوفي في/ شعبان هذه السنة، ودفن في المقبرة الشونيزية.
٣٥٩١- محمد بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحسين ابن الآبنوسي
[٥] :
ولد في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وسمع من الدار الدارقطني، وابن شاهين، وابن حبابة، والكتاني، والمخلص، وغيرهم، وكان سماعه صحيحا، حدثنا عنه أشياخنا، وتوفي في ليلة الاثنين تاسع عشرين شوال هذه السنة [٦] ، ودفن في مقبرة باب حرب.
стр. 5658
٣٥٩٢- محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن جعفر، أبو الحسن الباقرحي
[١] :
ولد في شعبان سنة سبع وتسعين وثلاثمائة، وسمع من أبي الحسين [٢] ابن المتيم، وأبي الحسن بن رزقويه، وابن شاذان، وغيرهم، وحدثنا عنه أشياخنا، وهو من الثقات أهل بيت الحديث والعلم والعدالة، من ظراف البغداديين.
وتوفي في يوم الأحد ثاني رمضان هذه السنة [٣] ودفن في باب حرب.
٣٥٩٣- محمد بن أحمد بن محمد، أبو جابر الزهري من ولد عبد الرحمن بن عوف
[٤] .
سمع أبا عبد الله أحمد بن عبد الله المحاملي، وأبا علي الحسين بن علي بن بطحاء وغيرهما، روى عنه شيخنا أبو القاسم السمرقندي.
توفي في يوم الأربعاء عاشر شوال هذه السنة.
٣٥٩٤- محمد بن الحسين بن علي بن محمد بن محمود، أبو يعلى السراج
[٥] :
من أهل همذان، سمع صحيح البخاري من كريمة بنت أحمد بن محمد بن أبي حاتم المروزية بمكة، وبمصر من أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي، وحدث عن أبي محمد الجوهري، وتوفي في صفر هذه السنة.
٣٥٩٥- محمد [٦] بن القاسم بن محمد بن عامر القاضي الأزدي، من ولد المهلب بن أبي صفرة
[٧] .
سمع أبا محمد الجراحي، روى عنه أبو الفتح الكروخي.
وتوفي في جمادى الآخرة بهراة.
стр. 5659
ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين واربعمائة
١٣٥/ ب فمن الحوادث فيها:
[درس أبو بكر الشاشي في المدرسة التي بناها تاج الملك وسمّاها التاجية]
أنه في تاسع عشر المحرم درس أبو بكر الشاشي في المدرسة التي بناها تاج الملك أبو الغنائم بباب أبرز، ووقفها علي أصحاب الشافعي، وسماها: التاجية.
وفي ثالث صفر: ورد إلى بغداد بزان وصواب بعثهما السلطان إلى المقتدي، فطلبا تسليم خاتون إليهما، وكانت خاتون قد أكثرت الشكاية إلى أبيها من أعراض الخليفة عنها، فأجاب الخليفة إلى ذلك، وخرجت وأصحبها الخليفة النقيبين الكامل والطاهر وجماعة من الخدم، وخرج معها ابنها الأمير أبو الفضل جعفر بن المقتدي، وكان خروجها يوم الأربعاء سادس عشر ربيع الأول، وخرج الوزير عشية الخميس مشيعا لهم إلى النهروان، وكان بين يدي محفة الأمير [١] أبي الفضل، ووصل الخبر في ثاني شوال بموتها بأصفهان بالجدري، فجلس الوزير أبو شجاع بباب الفردوس [٢] للعزاء بها سبعة أيام، ووصل النقيبان من أصبهان في ثالث عشر شوال.
[خروج أبي محمد التميمي وعفيف لتعزية السلطان]
وفي سلخ ذي الحجة: خرج أبو محمد التميمي وعفيف لتعزية السلطان، فأما التميمي فعاد من أصبهان لأن السلطان توجه إلى ما وراء النهر وأكبر الخليفة عوده بغير إذن، ويمم عفيف إلى السلطان.
[كبس أهل باب البصرة الكرخيين]
وفي عشية الجمعة تاسع عشر صفر: كبس أهل باب البصرة الكرخيين، فقتلوا
стр. 5660
رجلا وجرحوا آخر، فأغلقت أسواق الكرخ، ورفعت المصاحف علي القصب، وما زالت الفتن تزيد وتنقص إلى جمادى الأولى، فقويت نارها، وقتل خلق كثير، واستولى أهل المحال على قطعة كبيرة من الكرخ فنهبوها، فنزل خمار تاش نائب الشحنة على دجلة ليكف الفتنة فلم يقدر، وكان أهل الكرخ يخرجون إليه وإلى أصحابه الإقامة، ١٣٦/ أوكان أهل باب البصرة يأتون/ ومعهم سبع أحمر يقاتلون تحته، وعزموا على قصد باب التبن فمنعهم أهل الحربية والهاشميون من ذلك، وركب حاجب الخليفة وخدمه، والقضاة: أبو الفرج بن السيبي [١] ، ويعقوب البرزبيني [٢] ، وأبو منصور ابن الصياغ، والشيوخ: أبو الوفاء بن عقيل، وأبو الخطاب، وأبو جعفر بن الخرقي المحتسب، وعبروا إلى الشحنة وقرءوا منشورا بالكرخ من الديوان وفيه: قد حكى عنكم أمور فيجب أن نأخذ علماءكم على أيدي سفهائكم، وأن يدينوا بمذهب أهل السنة، فأذعنوا بالطاعة.
فبينا هم علي ذلك جاء الصارخ من نهر [٣] الدجاج: الحقونا. ونصب أهل الكرخ رايتين على باب المساكين، وكتبوا على مساجدهم: خير الناس بعد رسول الله أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.
وفي غد يوم القتال نهب أهل الكرخ شارع ابن أبي عوف، وكان في جملة ما نهب دار أبي الفضل بن خيرون، فقصد الديوان مستنفرا ومعه الناس، ورفع العامة الصلبان على القصب، وتهجموا [٤] على الوزير أبي شجاع في حجرته [من الديوان] [٥] وكثروا من الكلام الشنيع، ولم يصل حاجب الباب في جامع القصر [٦] إشفاقا من العامة، وكان قد مات يومئذ هاشمي من أهل باب الأزج بنشابة وقعت فيه، فقتل العامة علويا ورموه في خربة الحمام، وزاد أمر الفتنة وأمر الخليفة بمكاتبة سيف الدولة أبي الحسن صدقة بن
стр. 5661
مزيد بإنفاذ جند، ففعل وخلع عليهم، وجعل عليهم، أبو الحسن الفاسي، فنقض دور الذين قتلوا العلوي، وحلق شعور من ليس بشريف ولا جندي/، وقتل قوم، ونفي قوم، ١٣٦/ ب فسكنت الفتنة.
قَالَ المصنف: ونقلت من خط أبى الوفاء بن عقيل قَالَ: عظمت الفتنة الجارية بين السنة وأهل الكرخ، فقتل فيها نحو مائتي قتيل، ودامت شهورا من سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وانقهر الشحنة، واتحش السلطان، وصار العوام يتبع بعضهم بعضا في الطرقات والسفن، فيقتل القوى الضعيف، ويأخذ ماله، وكان الشباب قد أحدثوا الشعور والجمم، وحملوا السلاح، وعملوا الدروع، ورموا عن القسي بالنشاب والنبل، وسب أهل الكرخ الصحابة وأزواج رسول الله ﷺ على السطوح، [وارتفعوا إلى سب النبي ﷺ ] [١] ، ولم أجد من سكان الكرخ من الفقهاء والصلحاء من غضب ولا انزعج عن مساكنتهم، فنفر المقتدي إمام العصر نفرة قبض فيها على العوام، وأركب الأتراك، وألبس الأجناد الأسلحة، وحلق الجمم والكلالجات، وضرب بالسياط، وحبسهم في البيوت [٢] تحت السقوف، وكان شهر آب، فكثر الكلام على السلطان وقال العوام:
هلك الدين مات السنة، ونصبت البدعة، ونرى أن الله ما ينصر إلا الرافضة فنرتد عن الإسلام.
قَالَ ابن عقيل: فخرجت إلى المسجد وقلت: بلغني أن أقواما يتسمون بالإسلام والسنة قد غضبوا على الله وهجروا شريعته، وعزموا على الارتداد وقد ارتدوا، فإن المسلمين أجمعوا على أن العزم على الكفر كفر، فلقد بلغ الشيطان منهم كل مبلغ حيث دلس عليهم نفوسهم، وغطى عيوبهم، وأراهم أن إزالة النصرة عنهم مع استحقاقهم لها، ولم يكشف عن عوار أديانهم حيث صب عليهم النعم صبا، وأرخص أسعارهم، وأمن ديارهم، وجعل سلطانهم، رحيما لطيفا، وجعل لهم [٣] وزيرا صالحا يجتهد في ٣٧/ أإخراج الحكومات المشتبهة إلى الفقهاء ليخلص [٤] دينه من التبعات، ويأخذ الإجماع
стр. 5662
في أكثر العبادات، ولا يتكبر ولا يحتجب، فأمرجوا في المعاصي، ثم انتقلوا إلى بناء العقود بالطبول، ولهج منهم قوم بسب، فلما نهض السلطان بعصبية دينية أو سياسة، وقد استحقوا قطع الرءوس، وتخليد الحبوس، فقعد الحمقى في مأتم النياحة يقولون:
هل رأيتم في الزمن الماضي مثل ما جرى على أهل السنة في هذه الدولة، طاب والله الانتقال عن الإسلام لو كان ما نحن فيه حقا لنصره الله. وحملوا الصلبان في حلوقهم، ودعوا بشعار الرفض، وقالوا: لا دين إلا دين أهل الكرخ، وهل كانوا على الدين فيخرجوا، وهل الدين النطق باللسان من غير تحقيق معتقد، وأس المعتقد من قوم تناهوا في العصيان والشرود عن الشرع، وسفكوا الدماء، فلما فرضوا بعذاب ردعا لهم ليقلعوا أنكروا وتسخطوا، فأردتم أن يتبع الحق أهواء كم ويسكت السلاطين عن قبيح أفعالكم، حتى تفانون بالخصومة والمحاربة [١] ، فلا في أيام السعة والدعة شكرتم النعم، ولا في أيام التأديب سلمتم للحكيم الحكم، فليتكم لما فسدت دنياكم أبقت بقية من أمر أديانكم [٢] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٥٩٦- أحمد بن محمد بن صاعد بن محمد بن أحمد، أبو نصر النيسابورىّ
[٣] :
١٣٧/ ب ولد سنة عشر وأربعمائة، وسمع بنيسابور/ من جده أبي العلاء صاعد بن محمد، ومن أبيه محمد بن صاعد، وعمه إسماعيل بن صاعد، وأبي بكر الحيري، وأبي سعيد الصيرفي، وسمع ببخارا من أبي سهل الكلاباذي، وأبي ثابت البخاري، وسمع ببغداد من أبي الطيب الطبري وغيره. روى عنه أشياخنا، وكان في صباه من أجمل الشباب وأجمعهم لأسباب السيادة من الفروسية والرمي، وصار رئيس نيسابور، وأملى الحديث، وتوفي في شعبان هذه السنة، ودفن بنيسابور.
стр. 5663
٣٥٩٧- أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر، أبو الفتح المقرئ
[١] .
مقرى أصبهان، قرأ القراءات على جماعة، وسمع الحديث من جماعة.
وتوفي في هذه السنة.
٣٥٩٨- أحمد [٢] بن محمد بن أحمد، أبو العباس الجرجاني قاضي البصرة
[٣] .
سمع من أبي طالب بن غيلان، وأبي القاسم التنوخي، وأبي محمد الجوهري، وغيرهم، وكان رجلا جلدا ذكيا، وتوفي في هذه السنة في طريق البصرة.
٣٥٩٩- عبد العزيز بن محمد بن علي [٤] بن إبراهيم بن ثمامة، أبو نصر الهروي
[٥] .
سمع أبا محمد الجراحي، وتوفي في رمضان بهراة.
٣٦٠٠- عبد الصمد بن أحمد بن علي، أبو محمد السليطي، المعروف بطاهر النيسابوري
[٦] .
رازي المولد والمنشأ، نيسابوري الأصل، رحل البلاد، وسمع الحديث الكثير ونسخ الكثير [٧] ، وجود الضبط، وكان أحد الحفاظ وأوعية العلم، سمع من ابن المذهب، وأبي الحسن الباقلاوي، وأبي الطيب الطبري، وأبي محمد الجوهري، وخرج له الأمالي، وكان صدوقا، توفي بهمذان في هذه السنة.
٣٦٠١- علي بن أبي يعلي بن زيد، أبو القاسم الدبوسي
[٨] .
من أهل دبوسة بلدة بين سمرقند وبخارا، ولي التدريس بالنظاميّة في بغداد،
стр. 5664
١٣٨/ أوتوحد في الفقه والجدل، وسمع الحديث، وتوفي ببغداد في شعبان هذه السنة.
٣٦٠٢- علي بن محمد بن علي الطراح أبو الحسن [١] المدير .
توفي في ذي الحجة [٢] .
٣٦٠٣- أبو الحسن [٣] بن [علي بن] [٤] المعوج .
كاتب الزمام [٥] توفي في هذه السنة.
٣٦٠٤- عاصم بن الحسن بن محمد بن علي بن عاصم بن مهران أبو الحسين العاصمي
[٦] .
ولد سنة سبع وتسعين وثلاثمائة، وهو من أهل الكرخ، يسكن باب الشعير، من ملاح البغداديين وظرفائهم، له الأشعار الرائقة النادرة المستحسنة، وكان من أهل الفضل والأدب، وسمع أبا عمر عبد الواحد بن مهدي، وأبا الحسين بن المتيم، وأبا الحسين بن بشران وغيرهم، وحدث عن أبي بكر الخطيب [٧] ، وكان ثقة متقنا، حدثنا عنه أشياخنا كثيرا.
وأنشدونا من شعره:
ماذا على متلون الأخلاق ... لو زارني وأبثه أشواقي
وأبوح بالشكوى إليه تذللا ... وأفض ختم الدمع من آماقي
فعساه يسمح بالوصال لمدنف ... ذي لوعة وصبابة مشتاق
أسر الفؤاد ولم يرقّ لموثق ... ما ضره لو جاد بالإطلاق
стр. 5665
إن كان قد لسعت عقارب صدغه ... قلبي فإن رضابه درياقي
يا قاتلي ظلما بسيف صدوده ... حاشاك تقتلني بلا استحقاق
ما مذهبي شرب السلاف وإنني ... لأحب شرب سلافة الأرياق
وسقيتني دمعي وما يروى به ... ظمأى ولكن لا عدمت الساقي
ومن شعره الرائق:
لهفي على قوم بكاظمة ... ودعتهم والركب معترض
لم تترك العبرات مذ بعدوا ... لي مقلة ترنو وتغتمض
رحلوا [١] فطرفي دمعه هطل ... جار وقلبي حشوه مرض
وتعوضوا لا ذقت فقدهم ... عني وما لي عنهم عوض ١٣٨/ ب
أقرضتهم قلبي على ثقة ... بهم فما ردوا الذي اقترضوا
وله:
أتعجبون من بياض لمتي ... وهجركم قد شيب المفارقا
فإن تولت شرتي فطالما ... عهدتموني مرخيا غرانقا
لما رأيت داركم خالية ... من بعد ما ثورتم الأيانقا
بكيت في ربوعها صبابة ... فأنبتت مدا معي شقائقا
[أنبأنا عبد الوهاب الأنماطي، قَالَ: أنشدنا عاصم بن الحسن لنفسه:] [وله أيضا:
] [٢] قَالَ المصنف ﵀: سمعت شيخنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي يقول:
قَالَ عاصم: مرضت فغسلت شعري، وكان [غسلي] [٣] له في المرض.
стр. 5666
توفي عاصم في جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن في مقبرة جامع المدينة.
٣٦٠٥- محمد بن أحمد بن حامد بن عبيد، أبو جعفر البخاري البيكندي المتكلم، المعروف: بقاضي حلب
[١] .
داعية إلى الاعتزال، ورد بغداد في أيام أبي منصور عبد الملك بن محمد بن يوسف فمنعه أن يدخلها. فلما مات [ابن يوسف] [٢] دخلها وسكنها، ومات بها.
قَالَ شيخنا عبد الوهاب: كان كذابا.
توفي في هذه السنة، ودفن في مقبرة باب حرب.
٣٦٠٦- محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل، أبو الفتح الأصبهاني، ويعرف: بسمكويه
[٣] .
ولد بأصبهان سنة تسع وأربعمائة، ثم نزل هراة مدة، ثم خرج عنها، وكان من الحفاظ المعروفين بالطلب والرحلة، وسمع الكثير، وجمع الكتب، وورد بغداد، فسمع أبا محمد الخلال وغيره، ثم خرج إلى ما وراء النهر، وكتب بها ورجع إلى هراة فتديرها، وكان على رأى العلماء والصالحين مشغولا بنفسه عمّا لا يعنيه.
وتوفي بنيسابور ليلة الأربعاء سابع عشر ذي الحجة من هذه السنة.
стр. 5667
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين واربعمائة
١٣٩/ أفمن الحوادث فيها:
أنه ورد أبو عبد الله الطبري الفقيه في المحرم بمنشور من نظام الملك بتولية التدريس بالنظامية، فدرس بها، ثم وصل في ربيع الآخر أبو محمد عبد الوهاب الشيرازي ومعه منشور بالتدريس بها، فتقرر أن يدرس فيها هذا يوما وهذا يوما.
وفي ربيع الآخر: خلع على أبي القاسم علي بن طراد، وكتب له منشور بنقابة العباسيين بعد أبيه.
[ورد البصرة رجل كان ينظر في علم النجوم]
وفي جمادى الأولى: ورد البصرة رجل كان ينظر في علوم النجوم يقال له: تليا، واستغوى جماعة، وادعى أنه الإمام المهدي، وأحرق البصرة فأحرقت دار كتب عملت قبل عضد الدولة، وهي أول دار [كتب] [١] عملت في الإسلام، وخربت وقوف البصرة التي وقفت على الدواليب التي تدور، وتحمل الماء فتطرحه في قناة الرصاص الجارية إلى المصانع التي أماكنها على فرسخ من الماء.
وحكى طالوت بن عباد: أنه رأى محمد بن سليمان أمير البصرة في المنام فَقَالَ لَهُ: مَا فعل الله بك؟ فَقَالَ: غفر لي ولولا حوض المربد لهلكت.
وكان محمد قد ابتدأ بهذا المصنع عند خروجه إلى مكة، وعاد إلى البصرة، فاستقبل بمائة فشربه وصلى على جانبه ركعتين شكرا للَّه تعالى على تمام هذه
стр. 5668
المصلحة، فأصبح طالوت، فعمل مصنعا وقف عليه وقوفا.
قَالَ المصنف: وقرأت بخط ابن عقيل: استفتى على المعلمين في سنة ثلاث ١٣٩/ ب وثمانين فأخرجهم/ ظهير الدين- يعني من المساجد- وبقي خالوه مجيرا، وكان رجلا صالحا من أصحاب الشافعي في مسجد كبير يصونه ويصلي فيه بهم. وينظفه، فاستثنى بالسؤال فيه فقال قائل: لم يخص هذا.
قَالَ ابن عقيل: قد ورد التخصيص بالفضائل في المساجد خاصة، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «سُدُّوا هَذَهِ الْخَوْخَاتِ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ إِلا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ» وَلا نَشُكُّ أَنَّهُ إِنَّمَا خَصَّهُ لِسَابِقَتِهِ، وَهَذَا فَقِيهٌ يَدْرِي كيف يصان المساجد، وله حرمة، وهو فقير لا يقدر على استئجار منزل فجاز تخصيصه بهذا.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٦٠٧- جعفر بن محمد بن جعفر بن المكتفي باللَّه [أبو محمد]
[١] .
سمع أبا القاسم بن بشران، حدث عنه شيخنا عبد الوهاب وأثنى عليه ووصفه بالخيرية، وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب، وبلغ تسعا وستين سنة.
٣٦٠٨- محمد بن أحمد بن عمر [٢] ، أبو يعلى المؤذن
[٣] .
سمع أبا الْحَسَن عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن إِبْرَاهِيم الهاشمي، وكان شيخنا صالحا خيرا، روى عنه أشياخنا.
وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة، ودفن في مقبرة الخلد على شاطئ الفرات.
٣٦٠٩- محمد بن محمد بن جهير، أبو نصر
[٤] .
وزر للقائم والمقتدي، ولد بالموصل، ثم أعادته الأقدار إلى الموصل، فمات بها.
стр. 5669
٣٦١٠- محمد بن علي بن الحسن أبو طالب الواسطي
[١] .
حدث عن القاضي أبي الحسين بن المهتدي وغيره. سمع منه صاعد بن ١٤٠/ أسيار. وكان الرجل من أهل بغداد فخرج إلى خراسان فتوفي بها في صفر.
٣٦١١- محمد بن علي بن محمد بن جعفر، أبو سعد الرسيم
[٢] .
ولد في سنة أربعمائة، وسمع من أبي الحسين بن بشران، وأبي الحسن القطان وغيرهما، روى عنه شيخنا عبد الوهاب، وأثنى عليه وقال: كان رجلا فيه خير، وتوفي في هذه السنة، ودفن فِي مقبرة جامع المدينة.
٣٦١٢- محمد بن علي بن الحسن بن محمد بن أبي عثمان عمر بن محمد بن عثمان ابن المنتاب الدقاق، وهو أخو أبي محمد، وأبي تمام، وهو أصغرهم
[٣] .
سمع أبا عمر بن مهدي، وأبا الحسين بن بشران، وابن رزقويه وغيرهم، حدثنا عنه أشياخنا، وكان ثقة دينا.
وتوفي في يوم الأربعاء للنصف من جمادى الآخرة، ودفن في مقبرة الشونيزية.
٣٦١٣- محمد بن أحمد بن محمد بن اللحاس [٤] العطار، ويعرف: بابن الجبان
[٥] .
سمع ابن رزقويه، وابن بشران، وابن أبي الفوارس وغيرهم، حدثنا عنه عبد الوهاب وقال: كان رجلا صالحا وكان مزاحا.
وتوفي يوم الجمعة ثامن رجب في هذه السنة، ودفن بباب حرب.
٣٦١٤- محمد بن أحمد [بن محمد] [٦] بن عمر، أبو يعلي .
سمع أبا الحسن علي بن عبد الله الهاشمي العيسوي، روى عنه أشياخنا، وتوفي في يوم السبت سابع عشر ذي القعدة، ودفن في مقبرة الخلد على شاطئ الفرات.
стр. 5670
ثم دخلت سنة اربع وثمانين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
١٤٠/ ب/ أنه لما أحرق المُنَجِّمُ البصرةَ كتب إلى واسط يدعوهم إلى طاعته ويقول: أنا الإمام المهدي صاحب الزمان، آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأهدي الخلق إلى الحق، فإن صدقتم بي أمنتكم من العذاب، وإن عدلتم عن الحق خسفت بكم فآمنوا باللَّه وبالإمام المهدي.
وفي رابع عشر صفر: خرج توقيع الخليفة بإلزام أهل الذمة بلبس الغيار والزنار، والدرهم الرصاص المعلق في أعناقهم مكتوب عليه: ذمي، وأن تلبس النساء مثل هذا الدرهم في حلوقهن عند دخول الحمام ليعرفن، وأن تلبس الخفاف فردا أسود وفردا أحمر، وجلجلا في أرجلهن، وشدد الوزير أبو شجاع في هذا، فأجابه المقتدي إلى ما أشار به، وأسلم حينئذ أبو سعد بن الموصلا يا كاتب الإنشاء، وابن أخته أبو نصر هبة الله بحضرة الخليفة.
[قدوم أبي حامد الغزالي للتدريس بالنظاميّة]
وفي جمادى الأولى: قدم أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي من أصبهان إلى بغداد للتدريس بالنظامية، ولقبه نظام الملك: بزين الدين، شرف الأئمة، وكان كلامه معسولا وذكاؤه شديدا.
وفي يوم الخميس تاسع رمضان: خرج التوقيع بعزل الوزير أبي شجاع، وكان السبب أن أصحاب السلطان [١] شكوا منه، فصادف ذلك غرض النظام في عزله، فأكد
стр. 5671
نوبته، وكتب السلطان إلى الخليفة يشكو منه، فصادف ذلك ضجرا من الخليفة من أفعاله التي تصدر عن قلة رغبة في الخدمة، فعزله وكان يكسر أعراض الديوان والعسكر متابعة للشرع، حتى إنه لما فتحت سمرقند على يدي ملك شاه جاء البشير/ فخلع عليه ١٤١/ أفقال: وأي بشارة هذه، كأنه قد فتح بلدا من بلاد الكفر، وهل هم إلا قوم مسلمون استبيح منهم ما لا يستباح من المسلمين. فبلغ هذا السلطان مع ما في قلب الخليفة فعزله وهو في الديوان، فانصرف إلى داره على حالته مع حواشيه، وأنشد حينئذ:
تولاها وليس له عدو ... وفارقها وليس له صديق
فلما كان يوم الجمعة عاشر الشهر: خرج إلى الجامع من داره بباب المراتب ماشيا متلفعا بمنديل من قطن مع جماعة من العلماء والزهاد، فعظمت العامة ذلك وشنعوا، وقال الأعداء: إنما قصد الشناعة، فأنكر عليه أشد الإنكار، وألزم منزله، وأخذ الجماعة الذين مشوا معه فأهينوا، ثم وردت كتب النظام بأن يخرج من بغداد فأخرج إلى در أورد وهو موطنه قديما، فأقام هناك مدة، ثم استأذن في الحج فأذن له، فجاء إلى النيل فأقام بها، فلم تطب له لكثرة منكرها، فمضى [١] إلى مشهد علي ﵇، ثم سافر إلى مكة، فلما أراد الخروج إلى مكة صلحت له نية نظام الملك، فبعث إليه يقول: أنا أسألك أن أكون عديلك، وكان النظام قد استعد ذلك، لكن لم يقدر له، فقال للرسول:
تخدم عنى وتقول منذ أطبق دواتي أمير المؤمنين لم أفتحها، ولولا ذلك لكتبت الجواب، وأنا أعادل بالدعاء، وناب ابن الموصلايا، ولقب: أمين الدولة، وخلع عليه، وتقدم إلى أبي محمد التميمي، ويمن الخادم بالخروج إلى باب السلطان لاستدعاء أبي ١٤١/ ب منصور بن جهير، وتقرير وزارته.
وفي خامس عشرين رمضان: رضي الخليفة عن أبي بكر الشامي قاضي القضاة، وخرج إليه توقيع يأمره فيه بالإغضاء عما كان من الشهود والوكلاء في حقه، كانوا قد بالغوا في عداوته، وخرج الشهود في صحبته لتلقي السلطان مع ابن الموصلايا، ومعه فتيت لإفطاره، ولم يقبل من أحد شيئا [٢] .
стр. 5672
وفي رمضان دخل السلطان ملك شاه إلى بغداد وخرج لتلقيه ابن الموصلايا، ونزل نظام الملك بدار ولده مؤيد الملك.
وفي ذي القعدة: خرج ملك شاه وابنه وابن بنته الذي أبوه المقتدي في خلق عظيم وزي عظيم إلى الكوفة.
وفي ذي القعدة: استوزر أبو منصور بن جهير- وهي النوبة الثانية من وزارته- للمقتدي وخلع عليه، وركب إليه نظام الملك إلى دار بباب العامة فهنأه.
وفي ذي الحجة عمل السلطان ملك شاه الصدق بدجلة، وهو إشعال النيران والشموع العظيمة في السميريات، والزواريق الكبار، وعلى كل زورق قبة عظيمة، وخرج أهل بغداد للفرجة، فباتوا على الشواطئ وزينت دجلة بإشعال النار، وأظهر أرباب المملكة كنظام الملك وغيره من زينتهم ما قدروا عليه، وحملوا [١] في السفن بأنواع الملاهي، وأخذوا السفن الكبار فألقوا فيها الحطب وأضرموا فيها النار، ١٤٢/ أوأحدروها [٢] من/ مسناة دار معز الدولة إلى دار نظام الملك، ونزل أهل محال الجانب الغربي كل واحد معه شمعة واثنتان، وكان على سطح دار المملكة إلى دجلة حبال قد أحكم شدها، وفيها سميرية [٣] يصعد بها رجل في الحبال، ثم ينحدر بها وفيها نار، وصف الشعراء ما جرى تلك الليلة فقال أبو القاسم المطرز:
وكل نار على العشاق مضرمة ... من نار قلبي أو من ليلة الصدق
نار تجلت بها الظلماء واشتبهت ... بسدفة الليل فيها غرة الفلق
وزارت الشمس فيها البدر واصطلحا ... على الكواكب بعد الغيظ والحنق
مدت على الأرض بسطا من جواهرها ... ما بين مجتمع وار ومفترق
مثل المصابيح إلا أنها نزلت ... من السماء بلا رجم ولا حرق
أعجب بنار ورضوان يسعرها ... ومالك قائم منها على فرق
стр. 5673
في مجلس ضحكت روض الجنان له ... لما جلت ثغرة عن واضح يقق
وللشموع عيون كلما نظرت ... تظلمت من يديها أنجم الغسق
من كل مرهفة الأعطاف كالغصن ... المياد لكنه عار من الورق
إني لأعجب منها وهي وادعة ... تبكي وعيشتها في ضربة العنق]
[١] ومن غد تلك الليلة أخرج تليا المنجم وشهر وعلى رأسه طرطور بودع، والدرة تأخذه وهو على جمل يشتم الناس ويشتمونه.
قَالَ المصنف: ونقلت من خط أبى الوفاء بن عقيل قَالَ: لما دخل جلال الدولة أي نظام الملك في هذه السنة قَالَ: أريد استدعي بهم وأسألهم عن مذهبهم، فقد قيل لي إنهم مجسمة- يعني الحنابلة- فأحببت أن أسوغ كلاما يجوز أن يقال إذا سأل فقلت:
ينبغي لهؤلاء الجماعة يسألون عن صاحبنا، فإذا أجمعوا على حفظه لأخبار رسول الله ﷺ وسلموا أنه كان ثقة فالشريعة ليست بأكثر من أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله إلا ما كان للرأي فيه مدخل من الحوادث الفقهية، فنحن على مذهب ذلك الرجل الذي أجمعوا على تعديله كما أنهم على مذهب قوم أجمعنا على سلامتهم من البدعة، فإن وافقوا أننا على مذهبه فقد أجمعوا على سلامتنا معه، لأن متبع السليم سليم وإن ادعى علينا أنا تركنا مذهبه وتمذهبنا بما يخالف الفقهاء، فليذكروا ذلك ليكون الجوانب بحسبه، وإن قالوا أحمد ما شبه وأنتم شبهتم، قلنا: الشافعي لم يكن أشعريا، وأنتم أشعرية، فإن كان مكذوبا عليكم فقد كذب علينا، ونحن/ نفزع في التأويل مع نفسي التشبيه، فلا يعاب ١٤٢/ ب علينا إلا ترك الخوض والبحث، وليس بطريقة السلف، ثم ما يريد الطاعنون علينا ونحن لا نزاحمهم على طلب الدنيا.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٦١٥- عبد الرحمن بن أحمد بن علك، أبو طاهر
[٢] .
ولد بأصبهان، وسمع الحديث، وتفقه بسمرقند، وهو كان السبب في فتحها،
стр. 5674
وكان من رؤساء الشافعية حتى قَالَ يحيى بن عبد الوهاب بن منده: لم نر فقيها في وقتنا أنصف منه ولا أعلم، وكان بهيج المنظر، فصيح اللهجة، ذا مروءة [١] وكانت له حال عظيمة، ونعمة كبيرة، وكان يقرض الأمراء الخمسين ألف دينار وما زاد، وتوفي ببغداد، فمشى تاج الملك وغيره في جنازته من [المدرسة] [٢] النظامية إلى باب أبرز، ولم يتبعه راكب سوى نظام الملك، واعتذر بعلو السن، ودفن بتربة أبي إسحاق إلى جانبه، وجاء السلطان عشية ذلك اليوم إلى قبره.
قَالَ ابن عقيل: جلست إلى جانب نظام الملك بتربة أبي إسحاق والملوك [٣] قيام بين يديه، واجترأت على ذلك بالعلم، وكان جالسا للتعزية بابن علك، فقال: لا إله إلا الله، دفن في هذا المكان أرغب أهل الدنيا في الدنيا يعني ابن علك وأزهدهم فيها يعني أبا إسحاق ورئي ليلة دفن عنده أبو طاهر كأنه قد خرج من قبره وجلس على شفير القبر، وهو يحرك أصبعه المسبحة ويقول: يا بني الأتراك يا بني الأتراك. فكأنه يستغيث من جواره.
١٤٣/ أ
٣٦١٦- علي بن أحمد بن عبد الله بن النظر أبو طاهر/ الدقاق
[٤] .
توفي يوم الأربعاء سادس عشر صفر.
٣٦١٧- علي بن الحسين بن قريش، أبو الحسن البناء .
ولد سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، حدثنا عنه أشياخنا.
وتوفي يوم الجمعة سابع عشر ذي الحجة ودفن بباب حرب.
٣٦١٨- عفيف القائمي .
كان له اختصاص بالقائم، وكانت فيه معان.
٣٦١٩- محمد بن عبد السلام بن علي بن عمر بن عفان، أبو الوفاء الواعظ .
стр. 5675
سمع أبا علي بن شاذان حدثنا عنه أشياخنا، وكان يسكن نهر طابق ويعظ، وله قبول، ولما رأى أصحاب أحمد بن حنبل ابن عفان قد مالأ الأشاعرة في أيام ابن القشيري هجروه، وتوفي يوم الأحد رابع عشر [١] جمادى الآخر، ودفن في داره بقطيعة عيسى.
٣٦٢٠- محمد بن عبد السلام بن علي بن نظيف، أبو سعد الصيدلاني
[٢] .
سمع أبا طالب الزهري، وأبا الحسين النهرواني، حدثنا عنه أشياخنا.
توفي في يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة.
٣٦٢١- محمد بن أحمد بن علي بن حامد، أبو نصر المروزي
[٣] ١٤٤/ أ.
كان إماما في القراءات، أوحد وقته [٤] ، وصنف فيها التصانيف، وسافر الكثير في طلب علم القرآن، وغرق مرة في البحر فذكر أنه كان الموج يلعب به، فنظر إلى الشمس وقد زالت، ودخل وقت الظهر فغاص في الماء، ونوى الظهر، وشرع في الصلاة [على حسب الطاقة] [٥] فخلص ببركة ذلك. وتوفي في يوم الأحد ثاني عشر ذي الحجة من هذه السنة، وهو ابن نيف وتسعين سنة.
٣٦٢٢- مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ بن الحسين، أبو بكر الناصح الحنفي قاضي قضاة الري
[٦] .
سمع وحدث، وكان فقيها مناظرا متكلما يميل إلى الاعتزال، وكان وكلاء مجلسه يميلون إلى أخذ الرشى، فصرف عن قضاء نيسابور، وتوجه إلى الري قاضيا، وتوفي في رجب هذه السنة.