٧٨/ أوتوفي في ليلة الاثنين سابع ذي القعدة، / ودفن بمقبرة باب حرب.
٣٨٩٥- عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة، أبو نصر ابن القشيري:
[١] قرأ على أبيه، فلما توفي سمع من أبي المعالي الجويني وغيرهما، وسمع الحديث من جماعة، وكان له الخاطر الحسن والشعر المليح، وورد إلى بغداد، ونصر مذهب الأشعري، وتعصب له أبو سعد الصوفي عصبية زائدة في الحد إلى أن وقعت الفتنة بينه وبين الحنابلة، وآل الأمر إلى أن اجتمعوا في الديوان فأظهروا الصلح مع الشريف أبي جعفر، وحبس الشريف أبو جعفر في دار الخلافة، ونفذ إلى نظام الملك وسئل أن يتقدم إلى ابن القشيري بالخروج من بغداد لإطفاء الفتنة، فأمره بذلك، فلما وصل إليه أكرمه وأمره بالرجوع إلى وطنه.
قال ابن عقيل: كان النظام قد نفذ ابن القشيري إلى بغداد فتلقاه الحنابلة بالسب، وكان له عرض فأنف من هذا فأخذه النظام إليه، ونفذ لهم البكري، وكان ممن لا خلاق له، وأخذ يسب الحنابلة ويستخف بهم.
توفي أبو نصر ابن القشيري في جمادي الآخرة من هذه السنة بنيسابور، وأقيم له العزاء في رباط شيخ الشيوخ.
٣٨٩٦- عبد العزيز بن علي بن عمر، أبو حامد الدينَوَريّ:
[٢] كان أحد أرباب الأموال الكثيرة، وعرف بفعل الخير والإحسان إلى الفقراء، وكانت له حشمة، وتقدم عند الخليفة وجاه عند التجار، سمع أبا محمد الجوهري، روى عنه أبو المعمر الأنصاري.
وتوفي في هذه السنة بهمذان.
٣٨٩٧- محمد بن محمد بن علي بن الفضل، أبو الفتح الخزيمي:
[٣]
стр. 5882
دخل بغداد سنة تسع وخمسمائة، فحدث عن أبي القاسم القشيري وجماعة من نظرائه ووعظ، وكان مليح الإيراد، حلو المنطق، ورأيت من مجالسه أشياء قد علقت عنه فيها كلمات، ولكن أكثرها ليس بشيء، فيها أحاديث موضوعة، وهذيانات فارغة يطول ذكرها. فكان مما قال: أنه روى في الحديث المعروف أن رسول الله ﷺ تزوج امرأة فرأى بكشحها بياضا فقال: «ألحقي بأهلك» فزاد فيه: «فهبط جبريل، وقال: العلي الأعلى يقرئك/ السلام ويقول لك بنقطة واحدة من العيب ترد عقد النكاح ونحن بعيوب ٧٨/ ب كثيرة لا نفسخ عقد الإيمان مع أمتك لك نسوة تمسكهن لأجلك امسك هذه لأجلي.
قال المصنف: وهذا كذب فاحش على الله تعالى وعلى جبريل، فإنه لم يوح إليه شيء من هذا، ولا عوتب في فراقها، فالعجب من نفاق مثل هذا الكاذب في بغداد ولكن على السفساف والجهال.
وكذلك مجالس أبى الفتوح الغزالي، ومجالس ابن العبادي فيها العجائب والمنقولات المتخرصة والمعاني التي لا توافق الشريعة، وهذه المحنة تعم أكثر القصاص، بل كلهم لبعدهم عن معرفة الصحيح، ثم لاختيارهم ما ينفق على العوام كيف ما اتفق.
احتضر الخزيمي بالري فأدركه حين نزعه قلق شديد، قيل له: ما [هذا الانزعاج العظيم؟] [١] فقال: الورود على الله شديد [٢] ، فلما توفي دفن بالري عند قبر إبراهيم الخواص.
стр. 5883
ثم دخلت سنة خمس عشرة وخمسمائة
فمن الحوادث فيها:
أن السلطان محمودا خرج من بغداد متصيدا، فورد الخبر إليه بوفاة جدته أم أبيه، فعاد عن متصيده وجلس للعزاء بها في حجرة من دار المملكة هو وخواصه، وجلس وزيره أبو طالب على بن أحمد وكافة أرباب الدولة واعيان العسكر في صحن الدار، وحضر عندهم الوزير أبو علي بن صدقة والموكب في الأيام الثلاثة بثياب العزاء، ونصب كرسي للوعظ، فتكلم عليه أبو سعد إِسْمَاعِيل بن أحمد، وأبو الفتوح أحمد بن محمد الغزالي إلى الطوسيان، وجاء ابن صدقة في اليوم الرابع ومعه الموكب لإقامة السلطان من العزاء وإفاضة الخلع عليه، ففعل ذلك وعزم السلطان محمود على الخروج من بغداد فقيل له: من دار الخلافة ينبغي أن تقيم في هذا الصيف عندنا، وكان ذلك من ٧٩/ أخوف سيف الدولة، فقال/: إن معي هذه العساكر، فقيل له: أنا لا نترك غاية فيما يعود إلى الإقامة، واستقر أن يزيحوا العلة في نفقة أربعة أشهر، ففرغت خزائن الوكلاء، واستقر أن يؤخذ من دور الحريم ودكاكينه ومساكنه أجرة شهر، فكتبت بذلك الجرائد، ورتب لذلك الكتاب والمشرف والجهبذ، وجبي من ذلك مبلغ وافر في مدة ثلاثة أيام، فكثرت الشكايات، فنودي برفع ذلك وإعادة ما جبى على أربابه، والتفت إلى الاستقراض من ذوي الأموال.
وفي صفر: وجد مقتولًا بالمختارة، فجاء أصحاب الشحنة فكبسوا المحلة وطلبوا الحامي، فهرب فجاء نائب الشحنة إلى باب العامة بالعدد الكثيرة والسلاح الظاهر،
стр. 5884
وتوكل بدار ابن صدقة الوزير ووكل به عشرة، وبدار ابن طلحة صاحب المخزن، وبدار حاجب الباب ابن الصاحب، وقال: أنا أطالبكم بجناية المقتول.
وفي ربيع الآخر: أعيدت المطالبة بما ينسب إلى حق البيعة، وتزايد الأمر في ذلك وكثر الأذى.
وفي يوم الجمعة ثامن ربيع الأول: استدعى على بن طراد النقيب بحاجب من الديوان، فلما حضر قرأ عليه الوزير ابن صدقة توقيعا مضمونه: قد استغنى عن خدمتك، فمضى وأغلق بابه وكانت ابنته متصلة بالأمير أبى عبد الله بن المستظهر وهو المقتفي، فكان الوزير ابن صدقة يتقرب منه ولا يباسطه في دار الخلافة، فلما كان يوم الأربعاء سابع عشر ربيع الأول انحدر الوزير أبو طالب السمري متفرجا، فلما حاذى باب الأزج عبر إليه على بن طراد وذكر له الحال فوعده ثم خاطبه في حقه فرضي عنه، وأعيد إلى النقابة في ثاني ربيع الآخر.
وفي عشية [يوم] [١] الثلاثاء خامس ربيع الأول انقض كوكب، وصارت منه أعمدة عند انقضاضه وسمع عند ذلك صوت هزة عظيمة كالزلزلة [٢] .
وفي ليلة النصف من ربيع الأول [٣] خلع في دار السلطان على القاضي/ أبي ٧٩/ ب سعد الهروي، وركب إلى داره بقراح ابن رزين، ومعه كافة الأمراء، ونفذ أمره في القضاء بجميع الممالك سوى العراق مراعاة لقاضي القضاة أبي القاسم الزينبي [٤] لما يعلم من ميل المسترشد إليه، وخرج الهروي في هذا الشهر إلى سنجر برسالة من المسترشد ومن السلطان محمود وأصحب تشريفات وحملانا، وسار في تجمل كثير.
وفي يوم الثلاثاء تاسع جمادي الأولى: صرف كاتب ديوان الزمام عنه، وهو شمس
стр. 5885
الدولة أبو الحسن على بن هبة الله ابن الزوال، ووقع بذلك بالنظر في ديوان الزمام مضافا إلى ديوان الإنشاء.
[وقوع حريق في دار المملكة]
وفي عتمة يوم الأحد رابع جمادى الآخرة: وقع الحريق في دار المملكة، فاحترقت الدار التي استجدها بهروز الخادم، وكان السبب أن جارية كانت تختضب بالحناء في الليل، وقد أسندت الشمعة إلى خيش، فعلقت به النار، فما تجاسرت أن تنطق فاحترقت الدار، وكان السلطان نائما على السطح فنزل وهرب إلى سفينة، ووقف وسط دجلة، وقيل: أنه مضى إلى دار برنقش الزكوي، وذهب من الفرش والآلات والأواني واللؤلؤ والجوهر ما يزيد على قيمة ألف ألف دينار، وغسل غسالون التراب فظفروا بالذهب والحلي سبائك، ولم يسلم من الدار شيء ولا خشبة واحدة، وعاد السلطان إلى دار المملكة، وتقدم ببناء دار له على المسناة المستجدة، وأن تعمل آزاجا استظهارا، وأعرض عن الدار التي احترقت، وقال: إن أبي لم يتمتع بها ولا امتد بقاؤه بعد انتقاله إليها، وقد ذهبت أموالنا فيها فلا أريد عمارتها، ومضى الوزير ابن صدقة إليه مهنئا بسلامة نفسه.
[وصول الخبر بحريق جامع أصفهان]
ثم وصل الخبر من أصفهان بعد يومين بحريق جامع أصفهان، وأن ذلك كان في الليلة السابعة [والعشرين من ربيع الآخر] [١] قبل حريق الدار السلطانية بثمانية أيام، وهذا جامع كبير أنفقت الأموال في العمارة له، وكان فيه من المصاحف الثمينة نحو خمسمائة مصحف، من جملتها مصحف ذكر أنه بخط أبيّ بن كعب، واحترقت فيه ٨٠/ أأخشاب/ اعترم عليها زائد على ألف ألف دينار، وورد من أصفهان بعد ذلك القاضي أبو القاسم إِسْمَاعِيل بن أبي العلاء صاعد بن محمد البخاري، ويعرف بابن الدانشمنده مدرس الحنفيين، وجلس في دار السلطان للوعظ في رمضان، وحضر السلطان وكافة أوليائه ثم اجتمع الشافعيون في دار الخلافة شاكين من هذا الوعظ، وذكروا أنه تسمح بذكر أصحابهم وغض منهم.
[قتل العيارين مسلحيا بالمختارة]
وقتل العيارون مسلحيا بالمختارة، فشكا الشحنة سعد الدولة إلى الديوان ما يتم
стр. 5886
منهم، واستأذن في أخذ المتشبهين فأذن له فأخذ [١] من كان مستورا وغير مستور، فغلقت المساجد مع صلاة المغرب ولم يصل بها أحد العشاء.
وتصيد السلطان في شعبان، ثم قدم فمضى إليه القاضي الزينبي وابن الأنباري وإقبال ونظر والأماثل، فحلف السلطان بمحضر منهم للخليفة على الطاعة والمناصحة ثم أنفذ السلطان في عشية ذلك اليوم هدية إلى الخليفة.
فلما كان يوم الاثنين رابع عشرين شعبان جلس المسترشد في الدار الشاطئية المجاورة للمثمنة، وهى من الدور البديعة التي أنشأها المقتدى وتممها المسترشد، فجلس في قبة على سدة وعليه الثوب المصمت الأسود [٢] ، والعمامة الرصافية، وعلى كتفه بردة النبي صلى الله علية وسلم، وبين يديه القضيب، وحضر الدار وزيره أبو على بن صدقة ورتب الأمور وأقام في كل باب حاجبا بمنطقة ومعه عشرون غلاما من الدار، وانفرد حاجب المخزن ابن طلحة في مكان ومعه التشريف، وجلس الوزير في كم الحيرتي [٣] ، واستدعى له أرباب المناصب، وحضر متقدمو العلماء وأتى وزير السلطان أبو [الحسن على [٤] بن] أحمد السميرمي [٥] والمستوفي وخواص دولتهم، ثم وقف الوزير أبو علي بن صدقة عن يسار السدة والوزير/ أبو طالب عن يمينه، ثم أقبل السلطان محمود ٨٠/ ب ويده في يد أخيه مسعود وكان قد نفذ إليه الزبزب مع إقبال [ونظر] [٦] ، فلما صعد منه قدم مركوبة عند المثمنة فركب إلى باب الدركاه ثم مشى من هناك، فلما قرب استقبله الوزيران ومن معهما وحجبوه إلى بين يدي الخليفة، فلما قاربوا كشفت الستارة لهما ووقف السلطان في الموضع الذي كان وزيره قائما فيه وأخوه مما يليه فخدما ثلاث دفعات، ووقفا والوزير ابن صاعد يذكر له عن الخليفة أنسه به وتقربه وحسن اعتقاده فيه، ثم أمر الخليفة بإفاضة الخلع عليه فحمل إلى مجنب البهو ومعه أخوه وبر نقش وريحان،
стр. 5887
وتولى إفاضة ذلك عليه صاحب المخزن وإقبال ونظر، وفي الساعة التي كان مشتغلا فيها بلبس الخلع كان الوزيران قائمين بين يدي الخليفة يحضران الأمراء أميرا أميرا فيخدم ويعرف خدمته فيقبل الأرض وينصرف، ثم عاد السلطان وأخوه فمثلا بين يدي الخليفة وعلى محمود الخلع السبعة والطوق والتاج والسواران فخدما وأمر الخليفة بكرسي فجلس عليه السلطان، ووعظه الخليفة وتلا عليه قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ٩٩: ٧- ٨ [١] ، وأمره بالإحسان إلى الرعية، ثم أذن للوزير أبي طالب في تفسير ذلك عليه، ففسره وأعاد عنه أنه قال: وفقني الله لقبول أوامر مولانا أمير المؤمنين وارتسامها، فالسعادات معها متيسرة. وهي بالخيرات مبشرة، وسلم الخليفة إلى الوزيرين سيفين وأمرهما أن يقلدا بهما السلطان، فلما فعلا قال له: اقمع بهما الكفار والملحدين.
وعقد الخليفة بيده لوائين حملا معه، وخدم، ثم خرج فقدم إليه في صحن الدار ٨١/ أفرس من مراكب/ الخليفة بمركب حديد صيني وقيد بين يديه أربعة أفراس بمراكب ذهب، وأذن الخليفة بعد ذلك لأرباب الدولة وأهل العلم والأشراف والعدول، وعرفه الوزير رجلا رجلا منهم، والخليفة ملتفت إليه مصغ إلى أدعيتهم، معط لكل واحد ما يصلح من النظر إليه ومن خطابه، ثم صعد ابن صدقة في اليوم الذي يلي هذا اليوم في الزبزب إلى السلطان، فتعرف خبره عن الخليفة، وأفاض عليه الملابس التي كانت على الخليفة وقت جلوسه، وانحدر الوزير إلى دار الوزير أبي طالب فخلع عليه، وأطال مقامه عنده وخلوا في مهمات تجارياها.
[وقوع أمطار عظيمة]
وفي هذه السنة: وقعت أمطار عظيمة، ودامت واتصلت بجميع العراق، وأهلكت ما على رءوس النخل وفي الشجر من الأرطاب والأعناب والفواكه، وما كان في الصحاري من الغلات، فلما كان انتصاف الليل من ليلة السبت وهي ليلة الحادي والعشرين من كانون الثاني سقط الثلج ببغداد ودام سقوطه إلى وقت الظهر من الغد فامتلأت به الشوارع [٢] والدروب، وقام نحو ذراع وعمل منه الأحداث صور السباع
стр. 5888
والفيلة، وعم سقوطه من بين تكريت إلى البطيحة، ونزل على الحاج بالكوفة.
وقد ذكرنا في كتابنا هذا أن الثلج وقع في سنين كثيرة في أيام الرشيد والمقتدر والمعتمد والطائع والمطيع والقادر والقائم، وما سمع بمثل هذا الواقع في هذه السنة، فإنه بقي خمسة عشر يوما ما ذاب، وهلك شجر الأترج والنارنج والليمون، ولم تهلك البقول والخضر، ولم يعهد سقوط الثلج بالبصرة إلا في هذه السنة.
أنبأنا أبو عبد الله ابن الحراني، قال: لما نزل الوفر ببغداد في سنة/ خمس عشرة، ٨١/ ب قال بعض شعراء الوقت:
يا صدور الزمان ليس بوفر ... ما رأيناه في نواحي العراق
إنما عم ظلمكم سائر الخلق ... فشابت ذوائب الآفاق
ونفذ من دار الخلافة بالقاضي أبي منصور إبراهيم بن سالم الهيتي نائب الزينبي برسالة من الخليفة ومن السلطان، وكتب من الديوان إلى إيلغازي بسلامته من غزاة غزاها، ويأمرانه بإبعاد دبيس وفسخ النكاح بينه وبين ابنته، وقد كان لها زوج قبل دبيس سلجوقي، وكان قد دخل بها فقبض السلطان عليه واعتقله فورد بغداد شاكيا من إيلغازي ومحتجا عليه بأن نكاحه ثابت، فروسل بالهيتي فقال له: ان النكاح فاسد، فقال إيلغازي: إن النكاح الذي فسخه عامي لا ينفذ فسخه، فأجاب بجواب ارضاه عاجلا وحلف على طاعة الخليفة والسلطان.
وأما سيف الدولة فإنه كاتب الخليفة كتبا يستميل بها قلبه، ويذكر طاعته، فروسل في جواب كتابه بمكتوب [١] يسلك معه فيه الملاطفة، فدخل الحلة وأخرج أهلها فازدحموا على المعابر، فغرق منهم نحو خمسمائة، ودخل أخوه النيل، وأخرج شحنة السلطان منها، وكان السلطان ببغداد فحثه الخليفة على دبيس، فندب السلطان الأمراء لقصد دبيس فلما قصدوه أحرق من دار أبيه، وخرج من الحلة إلى النيل، فأخذ منها من الميرة، ودخل الأزير وهو نهر سنداد الذي يقول فيه الأسود بن يعفر.
والقصر ذي الشرفات من سنداد
стр. 5889
فلما وصل العسكر الحلة وجدوها فارغة فقصدوا الأزير، فحاصره فراسله برنقش أن يحذر مخالفة السلطان وينفذ أخاه منصورا إلى الخدمة، فأجاب وخرج دبيس وعسكره ووقف بازاء عسكر برنقش فتحالفا وتعاهدا في حق منصور ونفذ به إليه، وعاد ٨٢/ أالعسكر إلى بغداد ومعهم منصور، فحمله برنقش إلى/ خدمة السلطان، فأكرمه وبعثه مع برنقش إلى خدمة الخليفه.
ودخلت العرب من نبهان فيد فكسروا أبوابها وأخذوا ما كان لأهلها، فتوجع الناس لهم وعلموا أن خراب حصنهم سبب لانقطاع منفعة الناس من الحجيج، فعمل موفق [الخادم] [١] الخاتوني لهم أبوابا من حديد وحملها على اثني عشر جملا وأنفذ الصناع لتنقية العين والمصنع، وكانت العرب طموهما واغترم على ذلك مالا كثيرا، وتولى ذلك نقيب مشهد أمير المؤمنين علي ﵇، وأعيدت المكوس والمواصير. وألزم الباعة أن يرفعوا إلى السلطان ثلثي ما يأخذونه من الدلالة في كل ما يباع، وفرض على كل نول من السقلاطون ثمانية أقساط وحبة، ثم قيل للباعة: زنوا خمسة آلاف شكرا للسلطان فقد تقدم بإزالة المكس.
ومرض وزير السلطان محمود فعاده السلطان وهنأه بالعافية فعمل له وليمة بلغت خمسين ألف دينار وكان فيها الأغاني والملاهي.
وفي رجب: أخذ القاضي أبو عبد الله ابن الرطبي شواء من الأعاجم فشهره فمضى وشكا إلى العجم، فأقبل العجم في خمسة غلمان أتراك [٢] فأخذوه وسحبوه إلى دار السلطان، وجرت فتنة، وغلقت أبواب الحديد، ورجمهم العامة فعادوا على العامة بالدبابيس، فانهزموا وحملوه، فلما شرح الحال لوزير السلطان أعيد مكرما، وطولب أهل الذمة بلبس الغيار، فانتهى الأمر إلى أن سلموا إلى الخليفة أربعة آلاف، وإلى السلطان عشرين ألف دينار، وأحضر الجالوت فضمنها وجمعها.
стр. 5890
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٨٩٨-/ الحسن بن أحمد بن الحسن بن علي، أبو علي الحداد الأصفهاني:
[١] ٨٢/ ب ولد سنة تسع عشرة [٢] وأربعمائة وسمع أبا نعيم وغيره، انتهى إليه الإقراء والحديث بأصبهان.
وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة، عن ست وتسعين.
٣٨٩٩- خاتون السفرية:
[٣] كانت حظية ملك شاه، فولدت له محمدا وسنجر، وكانت تتدين وتبعث حمال السبيل إلى طريق مكة، ولما حصلت في الملك بحثت عن أهلها وأمها وأخواتها حتى عرفت مكانهم، ثم بذلت الأموال لمن يأتيها بهم، فلما وصلوا إليها ودخلت أمها، وكانت قد فارقت أمها منذ أربعين سنة، فجلست البنت بين جوار يقاربنها في الشبه حتى تنظر هل تعرفها أم لا؟ فلما سمعت الأم كلامها نهضت إليها فقبلتها [٤] وأسلمت الأم، فلما توفيت خاتون قعد لها السلطان محمود في العزاء على ما سبق ذكره. [٥] وهذه المرأة تذكر في نوادر التاريخ [٦] ، لأنهم قالوا: لا يعلم امرأه في الإسلام ولدت خليفتين أو ملكين سوى ولادة بنت العباس، لأنها ولدت لعبد الملك الوليد وسليمان ووليا الخلافة، وشاهفرند ولدت للوليد بن عبد الملك يزيد وإبراهيم، وكلاهما ولي الخلافة، والخيزران ولدت الهادي والرشيد، وهذه ولدت محمدا وسنجر، وكلاهما ولي السلطنة، وكان عظيما في ملكه.
٣٩٠٠- عبد الرزاق بن عبد الله، بن علي بن إسحاق الطوسي ابن أخي نظام [٧] الملك .
كان [قد] [٨] تفقه على الجويني، وأفتى وناظر، ثم وزر لسنجر، فترك طريقة
стр. 5891
الفقهاء واشتغل بالجند وتدبير الممالك، وتوفي في هذه السنة.
٣٩٠١- عبد الوهاب بن حمزة، [أبو سعد] الفقيه الحنبلي العدل:
[١] سمع ابن النقور، والصريفيني وغيرهما، وتفقه على الشيخ أبي الخطاب وأفتى، وشهد عند أبي الحسن الدامغانيّ، وكان مرضي الطريقة حميد السيرة [٢] من أهل السنة، توفي في شعبان، ودفن بباب حرب.
٣٩٠٢-[علي بن يلدرك الكاتب، أبو الثناء [٣] الزكي:
كان شاعرا ذكيا ظريفا مترسلا وله شعر مطبوع.
وتوفي في صفر هذه السنة، ودفن بباب حرب] [٤] .
٨٣/ أقال المصنف: نقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل، قال: حدثني الرئيس/ أبو الثناء بن يلدرك وهو ممن خبرته بالصدق أنه كان بسوق نهر معلى، وبين يديه رجل على رأسه قفص زجاج، وذاك الرجل مضطرب المشي يظهر منه عدم المعرفة بالحمل، قال:
فما زلت أترقب منه سقطة لما رأيت من اضطراب مشيه، فما لبث أن زلق زلقة طاح منها القفص فتكسر جميع ما كان فيه، فبهت الرجل ثم أخذ عند الإفاقة من البكاء يقول: هذا والله جميع بضاعتي، والله لقد أصابني بمكة مصيبة عظيمة توفي على هذه ما دخل قلبي مثل هذه، واجتمع حوله جماعة يرثون له ويبكون عليه وقالوا: ما الذي أصابك بمكة؟
فقال: دخلت قبة زمزم وتجردت للاغتسال وكان في يدي دملج فيه ثمانون مثقالا فخلعته واغتسلت ولبست وخرجت. فقال رجل [من الجماعة] [٥] هذا دملجك له معي سنين، فدهش الناس من إسراع جبر مصيبته.
стр. 5892
٣٩٠٣- علي [بن] المدير، الزاهد:
[١] كان يسكن دار البطيخ من الجانب الغربي، وله مسجد معروف اليوم به، وله بيت إلى جانبه، وكان يتعبد، فتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة، وصلى عليه بجامع القصر، وكان يوما مشهودا، وحمل ودفن في البيت الذي إلى جانب مسجده.
٣٩٠٤- محمد بن علي بن عبيد الله الدنف، أبو بكر المقرئ:
[٢] ولد سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وسمع ابن المسلمة، وابن المهتدي، والصريفيني، وابن النقور، ونظراءهم. وتفقه علي الشريف أبي جعفر، وكان من الزهاد الأخيار، ومن أهل السنة، وانتفع به خلق كثير، وحدث بشيء يسير.
وتوفي في شوال، ودفن بباب حرب.
٣٩٠٥- محمد بن محمد بن عبد العزيز بن العباس بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبيد الله بن المهتدي [٣] ، أبو علي العدل الخطيب:
[٤] ولد في جمادي الأولى سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وسمع ابن غيلان، / والقزويني، والجوهري، والطبري، ونظراءهم، وحدث عنهم وهو آخر من حدث عن ٨٣/ ب العتيقي وأبي منصور ابن السواق وأبي القاسم بن شاهين، وكان ثقة عدلا دينا صالحا، وشهد عند أبي عبد الله الدامغاني، وهو آخر من بقي من شهود القائم بأمر الله، وكان من ظراف البغداديين ومحاسن الهاشميين، ومات عن ثلاث وثمانين سنة.
وتوفي يوم الجمعة خامس عشرين شوال، وحضر قاضي القضاة الزينبي والنقيبان والأعيان، ودفن بباب حرب.
٣٩٠٦- محمد بن محمد بن الجزري، أبو البركات [٥] البيع:
стр. 5893
سمع البرمكي والجوهري، وكان سماعه صحيحا.
وتوفي في ليلة الأحد خامس عشرين ذي القعدة، ودفن بباب حرب.
٣٩٠٧- نزهة المعروفة بأم السادة [١] ، أم ولد المسترشد:
توفيت وحملت إلى الرصافة، وخرج معها عميد الدولة بن صدقة والجماعة بالنيل.
٣٩٠٨- هزارسب بن عوض بن الحسن الهروي، أبو الخير:
[٢] سمع من ابن النظر، وطراد، وأقرانهما الكثير، وكتب الكثير، وأفاد الطلبة من الغرباء والحاضرين، وكان ثقة من أهل السنة، خيرا واخترمته المنية قبل أوان الرواية.
وتوفي فِي ربيع الأول من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
стр. 5894
ثم دخلت سنة ست عشرة وخمسمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه في عشية يوم الأحد خامس عشر المحرم استدعى الوزير أبو طالب علي بن أحمد السميرمي، وخاطبه في معنى دبيس فإن في قربه من مدينة السلام خطرا على أهلها، وإنا نؤثر مقام آقسنقر البرسقي عندنا لأنا لا نشك في نصحه، فوافق السلطان محمود على ذلك، وكوتب البرسقي لينحدر، وأرسل في ذلك سديد الدولة أبو عبد الله ابن الأنباري، فأقبل إلى بغداد فخرج وزير السلطان فتلقاه، ونصبت له الخيم بتولي فراشي الخليفة الخواص.
وفي يوم الأربعاء/ حادي عشر المحرم: قصد برنقش دار الخلافة ومعه منصور ٨٤/ أأخو دبيس، وأنزل عند باب النوبي فقبل الأرض وجلس عند حاجب الباب ليطالع بحاله، ثم مضى برنقش إلى الديوان، وقال: إن السلطان يخاطب في الرضا عن منصور ويشفع في ذلك، فنزل الجواب عرف حضور منصور بالشفاعة المغيثية معتذرا مما جرى من الوهلات، وتقدم من الإساءات وما دام مع الرايات المغيثية فهو مخصوص بالعناية مشمول بالرعاية.
[زيادة الماء حتى خيف على بغداد من الغرق]
وفي هذه السنة: زاد الماء حتى خيف على بغداد من الغرق، وتقدم إلى القاضي أبي العباس ابن الرطبي [١] بالخروج إلى القورج ومشاهدة ما يحتاج إليه، وهذا القورج الذي غرق الناس منه في سنة ست وستين تولى عمارته نوشتكين خادم أبي نصر بن جهير
стр. 5895
وكتب اسمه عليه وضرب عليه خيمه ولم يفارقه حتى أحكمه، وغرم عليه ألوف دنانير من مال نفسه، وسأله محمد الوكيل أن يأخذ منه ثلاثة آلاف دينار ويشاركه في الثواب فلم يفعل، وقال: إخراج المال عندي أهون، وحاجتي إلى الله تعالى أكثر من حاجتي إلى المال.
وفي يوم الأربعاء رابع عشر [١] صفر: مضى الوزير أبو علي بن صدقة ومعه موكب الخليفة إلى القورج، واجتمع بالوزير أبي طالب، ووقفا على ظهور مراكبهما ساعة ثم انصرفا، فما استقر الناس في منازلهم حتى جاء مطر عظيم أجمع الأشياخ أنهم لم يروا مثله في أعمارهم، ووقع برد عظيم معه ولم يبق بالبلد دار إلا ودخل الماء من حيطانها [٢] وأبوابها وخرج من آبار الناس.
وفي هذا الوقت: ورد الحاج شاكرين لطريقهم واصفين نعمة الله تعالى بكثرة الماء والعشب ورخص السعر، وكانت الكسوة نفذت على يدي [القاضي] [٣] أبي الفتح ٨٤/ ب ابن البيضاوي، وأقام بالمدينة لعمارة ما تشعث/ من مسجدها.
وفي عشية سلخ صفر: تقدم السلطان بالاستظهار على منصور بن صدقة، ونفذ إلى مكان فوثق عليه.
[خروج السلطان محمود من بغداد]
وفي يوم الأربعاء غرة ربيع الأول: خرج السلطان محمود من بغداد وكان مقامه بها سنة وسبعة أشهر وخمسة عشر يوما، ثم نودي في يوم الجمعة ثالث ربيع الأول بإسقاط المكوس والضرائب وما وضع على الباعة من قبل السلطان، ثم استدعى البرسقي إلى باب الحجرة، وفووض في أمر دبيس، فقابل ذلك بالسمع والطاعة، فخلع عليه وتوجه إلى صرصر، واقترح أن يخرج معه ابن صدقه، فاعتذر الخليفة بأن مهام الخدمة منوطة به، وأخرج عوضه أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم ابن الأنباري سديد الدولة، ونودي في الحريم أنه متى أقام جندي ولم يخرج للقتال فقد برئت منه الذمة، وعبر دبيس ونفذ إلى البرسقي يقول له: قد أغنيتك عن العبور وصرت معك على أرض واحدة، وظفر
стр. 5896
الأتراك بثلاثين رجلا من السواد [ية يريدون أن] [١] يفجروا نهرا فقتلهم الأتراك، ثم تصاف العسكران يوم الخميس سلخ ربيع الأول فأجلت الوقعة عن هزيمة البرسقي، فقد كان في خمسة آلاف فارس نصفهم لابس، وكان عسكر دبيس في خمسة آلاف فارس بأسلحة ناقصة، وعدد مقصرة إلا أن رجالته كانت كثيرة، وكان سبب هزيمة البرسقي أنه رأى في الميسرة خللا، فأمر بحط خيمته لتنصب عندهم ليشجعهم بذلك وكان ذلك ضلة من الرأي، لأنهم لما رأوا الخيمة قد حطت أشفقوا فانهزموا، وكان الحر شديدا فهلكت البراذين والهمالج عطشا وترقب الناس من دبيس بعد هذا [٢] ما يؤذي فلم يفعل، وأحسن السيرة فيما يرجع إلى أعمال الوكلاء، وراسل الخليفة بالتلطف [٣] ، وتقررت قواعد الصلح واستقر إنفاذ قاضي القضاة الزينبي ليحلف سيف الدولة/ على المستقر ٨٥/ أفعله بعد الصلاح، فاستعفي فأعفي ونص على أبي العباس ابن الرطبي فخرج مع ناصح الدولة أبي عبد الله الحسين ابن جهير وتبعهما إقبال الخادم، وعادوا إلى الحلة، فقصدوا وقت دخولهم دار الوزير ابن صدقة ليوهموه خلاف ما هم عليه من تقرر الأحوال على عزله، فلم يخف عليه ولا على الناس، وعرف أن التقريرات استقرت بينهم عليه وانزعج وكان كل واحد من دبيس وابن صدقة معلنا بعداوة الآخر، فبكر ابن صدقة إلى الديوان على عادته، وجلس في الموكب، وكان يوم الخميس، وخرج جواب ما أنهى ثم استدعي إلى مكان وكل به فيه، ونهبت داره التي كان يسكنها بباب العامة ودور حواشيه وأتباعه، وقبض على حواشيه وعلى عز الدولة أبي المكارم ابن المطلب، ثم أفرح عنه ورد إليه ديوان الزمام بعد ذلك.
[استدعاء علي بن طراد إلى باب الحجرة]
وفي غداة يوم الجمعة الحادي والعشرين من جمادي الأولى: استدعى بأمر الخليفة [٤] علي بن طراد إلى [باب] [٥] الحجرة، وأخرجت له خلع من ملابس الخاص، ووقع له بنيابة الوزارة، وكان نسخة التوقيع: «محلك يا نقيب النقباء من
стр. 5897
شريف الآباء وموضعك الحالي بالاختصاص والاختيار ما يقتضيه إخلاصك المحمود اختياره، الزاكية آثاره توجب التعويل عليك في تنفيذ المهام، والرجوع إلى استصوابك في النيابة التي يحسن بها القيام، وجماعة الأولياء والأتباع مأمورون بمتابعتك وامتثال ما تصرفهم عليه من الخدم في إبدائك وإعادتك، فاحفظ نظام الدين، وتقدم إلى من جرت عادته بملازمة الخدمة وسائر الأعوان، وتوفر على مراعاة، الأحوال بانشراح [١] صدر وفراغ ٨٥/ ب بال، فإن الإنعام لك شامل، وبنيل آمالك/ كافل إن شاء الله» .
ثم تقدم الخليفة بعد مدة من عزل الوزير بإطلاقه إلى دار يمن، وجمع بينه وبين أهله وولده وفعل معه الجميل.
ثم قدم أقضى القضاة أبو سعد الهروي من العسكر بهدايا من سنجر ومال، وأخبر أن السلطان محمود قد استوزر عثمان بن نظام الملك، وقد [عول] [٢] عثمان على القاضي الهروي بأن يخاطب الخليفة في أن يستوزر أخاه أبا نصر أحمد بن نظام الملك، وأنه لا يستقيم له وزارة وابن صدقة بدار الخلافة، وقال: أنا أتقدم إلى من يحاسبه على ما نظر للسلطان فيه من الأعمال ويحاققه. وأن أراد المسالمة فالدنيا بين يديه، فليتخير أي موضع أحب فليقم فيه، فتخير ابن صدقة حديثة الفرات ليكون عند سليمان بن مهارش، فأجيب وأخرج وحقر فوقع عليه يونس الحرمي، وجرت له معه قصص وضمانات حتى وصل الحديثة، ورأى في البرية رجلا فاستراب به، ففتش فإذا معه كتاب من دبيس إلى يونس يحثه على خدمة الوزير أبي علي وكتاب باطن يضمن له إن سلمه إليه ستة آلاف دينار عينا وقرية يستغلها كل سنة ألفي دينار.
واستدعى أبو نصر أحمد بن نظام الملك في نصف رمضان من داره بنقيب النقباء على بن طراد وابن طلحة صاحب المخزن، ودخل إلى الخليفة وحده، وخرج مسرورا، وأفردت له دار ابن جهير بباب العامة، وخلع عليه في شوال، وخرج إلى الديوان وقرئ عهده وكان علي بن طراد بين يديه يأمر وينهى، وأمر بملازمة مجلسه.
فأما حديث دبيس فقد ذكرنا ما تجدد بينه وبين الخليفة من الطمأنينة وأسباب
стр. 5898
الصلح، فلما كان ثاني رمضان بعث طائفة من أصحابه فاستاقوا مواشي نهر الملك، وكانت فيما قيل تزيد على مائة ألف رأس، فبعث الخليفة إليه عفيفا الخادم يقبح له ما فعل، فلما وصل إليه اخرج دبيس ما في نفسه وما عومل به من الأمور/ الممضة منها ٨٦/ أأنهم ضمنوا له هلاك ابن صدقة عدوه، فأخرجوه من الضيق إلى السعة، وأجلسوا ابن النظام في الوزارة شيئا فشيئا ورياء [١] ، ومنها أنه خاطبهم في إخراج البرسقي من بغداد فلم يفعلوا، ومنها أنهم وعدوه في حق أخيه منصور أنهم يخاطبوا في إصلاح حاله وخلاصه من اعتقاله، وأنه كتب إليه من العسكر أن انحراف دار الخلافة هو الموجب لأخذه، ولو أرادوا إخراجه لشفعوا فيه فهم عفيف بمجادلته، فلم يصغ دبيس إليه، وقال له: قد أجلتكم خمسة أيام فإن بلغتم ما أريده وإلا جئت محاربا، وتهدد وتوعد فبادر عفيف بالرحيل وأتت رجالة الحلة [٢] ، فنهبوا نهر الملك، وافترشوا النساء في رمضان، وأكلوا وشربوا، فجاء عفيف فحكى للخليفة ما جرى.
وفي ذي الحجة: أخرج المسترشد السرادق، ونودي النفير فأمير المؤمنين خارج إلى القتال عنكم يا مسلمين [٣] .
وغلا السعر، فبلغ ثلاثة أرطال بقيراط، وأمر المسترشد أن يتعامل الناس بالدراهم عشرة بدينار والقراضة اثني عشر بدينار.
وخرج الخليفة يوم الجمعة الرابع والعشرين من ذي الحجة من داره وعبر إلى السرادق ومعه الخلق.
قال المصنف: ولنذكر مبتدأ أمر هذا دبيس كما نفعل في ابتداء أمور الدول، وذلك أن أول من نبغ من بيته مزيد، فجعل إليه أبو محمد المهلبي وزير معز الدولة أبي الحسين بن بويه حماية سورا وسادها، فوقع الاختلاف بين بني بويه، وكان يحمي تارة ويغير أخرى، وبعث به فخر الملك أبو غالب إلى بني خفاجة سنة القرعاء، فأخذ الثار
стр. 5899
منهم ومات، فقام مقامه ابنه أبو الأعز دبيس، وكان عائنا قل أن يعجب بشيء إلّا هلك، ٨٦/ ب حتى إنه نظر إلى ابنه بدران، فاستحسنه/ فمات، وكان يبغض ابن ابنه صدقة، وهو أبو دبيس هذا، فعوتب في هذا، فقال: رأيت في المنام كأنه قد بلغ أعنان السماء وفي يده فأس وهو يقلع الكواكب ويرمي بها إلى الأرض ووقع بعدها ولا شك أنه يبلغ المنزلة الزائدة وينفق في الفتن ويهلك أهل بيته، وتوفي أبو الأعز وخلف ثمانين ألف دينار، فولى مكانه ابنه منصور، ثم مات، فولي ابنه صدقة، فأقام بخدمة السلطان ملك شاه، ويؤدي إليه المال ويقصد بابه كل قليل، فلما قتل النظام استفحل أمره وأظهر الخلاف، وعلم أن حلته لا تدفع عنه فبنى [١] على تل بالبطيحة، وعول على قصده، أن دهمه عدو أو أمر وأن يفتح البثوق ويعتصم بالمياه وأخذ على ابن أبي الخير موثقا على معاضدته، ثم ابتاع من عربه مكانا هو على أيام من الكوفة، فأنفق عليه أربعين ألف دينار، وهو منزل يتعذر السلوك إليه وعمر الحلة، وجعل عليها سورا وخندقا، وأنشأ بساتين وجعل الناس [٢] يستجيرون به، فأعطاه المستظهر دار عفيف بدرب فيروز، فغرم عليها بضعة عشر ألف دينار وتقدم الخليفة بمخاطبته بملك العرب، وكان قد عصى السلطان بركيارق، وخطب لمحمد، فلما ولى محمد صار له بذلك جاه عند محمد وقرر مع أخيه بركيارق أن لا يعرض لصدقه، وأقطعه الخليفة الأنبار، ودمما، والفلوجة، وخلع عليه خلعا لم تخلع على أمير قبله، فأعطاه السلطان واسطا، وأذن له في أخذ البصرة وصار يدل على السلطان الإدلال الذي لا يحتمله، وإذا وقع إليه رد التوقيع أو أطال مقام الرسول على مواعيد لا ينجزها، وأوحش أصحاب السلطان أيضا وعادى البرسقي، وكان يظهر بالحلة من سب الصحابة ٨٧/ أما لا يقف عند حد، فأخذ العميد ثقة الملوك أبو جعفر فتاوى/ فيما يجب على من سب الصحابة، وكتب المحاضر فيما يجرى في بلد ابن مزيد من ترك الصلوات، وأنهم لا يعرفون الجمعة والجماعات ويتظاهرون بالمحرمات، فأجاب الفقهاء بأنه لا يجوز الإغضاء عنهم، وأن من قاتلهم فله أجر عظيم، وقصد العميد باب السلطان
стр. 5900
وقال: ان حال ابن مزيد قد عظمت، وقد قلت فكرته في أصحابك، وقد استبد بالأموال، وأهمل الحقوق ولو نفذت بعض أصحابك ملكته، ووصلت إلى أموال كثيرة عظيمة، وطهرت الأرض من أدناسه فإنه لا يسمع ببلده أذان ولا قرآن وهذه المحاضر باعتقاده والفتاوى بما يجب عليه وهذا سرخاب قد لجأ إليه وهو على رأيه في بدعته التي هي مذهب الباطنية، وكان قد اتفقا على قلب الدولة وإظهار مذهب الباطنية، [١] وكان السلطان قد تغير على سرخاب، فهرب منه إلى الحلة فتلقاه بالإكرام فراسله السلطان وطالبه بتسليمه [٢] ، فقال: لا أفعل ولا أسلم من لجأ إلى، ثم قال لأولاده وأصحابه بهذا الرجل الّذي قد لجأ إلينا تخرب بيوتنا وتبلغ الأعداء منا المراد، وكان كما قال، فإن السلطان قصده فاستشار أولاده، فقال دبيس: هذا الصواب أن تسلم إلى مائة ألف دينار وتأذن لي في الدخول إلى الاصطبلات، فأختار منها ثلاثمائة فرس وتجرد معي ثلاثمائة فارس فاني أقصد باب السلطان وأعتذر عنك وأزيل ما قد ثبت في نفسه منك، وأخدمه بالمال والخيل، وأقرر معه أن لا يتعرض بأرضك، فقال بعض الخواص: الصواب أن لا تصانع من تغيرت فيك نيته، وإنما ترد بهذه الأموال من يقصدنا، فقال صدقة: هذا هو الرأي، فجمع عشرين ألفا من الفرسان، وثلاثين ألفا من الرجالة، وجرت الوقعة على ما سبق في كتابنا في/ حوادث تلك السنة، وذكرنا أن الخليفة بعث إلى صدقة ليصلح ما ٨٧/ ب بينه وبين السلطان فأذعن ثم بدا له، وقد ذكرنا مقتله.
ثم نشأ له دبيس هذا ففعل القبائح، ولقي الناس منه فنون الأذى، وبشؤمه بطل الحج في هذه السنة لأنه كان قد وقعت وقعة بينه وبين أصحابه وأهل واسط، فأسر فيها مهلهل الكردي، وقتل فيها جماعة، ونفد المسترشد إليه يحذره من إراقة الدماء، [٣] ويأمره بالاقتصار على ما كان لجده من البلاد، ويشعره بخروجه إليه إن لم يكف، فزاد في طغيانه وتواعد وأرعد، وأقبلت طلائعه فانزعج أهل بغداد، فلما كانت بكرة الثلاثاء ثالث شوال صلب البرسقي تسعة أنفس، ذكر أنهم من أهل حلب والشام، وأن دبيس بن
стр. 5901
صدقة أرسلهم لقتل البرسقي في تاسع ذي القعدة وضرب الخليفة سرادقه عند رقة ابن دحروج، ونصب هناك الجسر، ثم بعث القاضي أبو بكر الشهرزوري إلى دبيس، ينذره، وكان من جملة الكلام: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ١٧: ١٥ [١] فاحتد وغضب، وكانت فرسانه تزيد على ثمانية آلاف، ورجالته عشرة آلاف، فأمر القاضي أبا بكر بمشاهدة العسكر فصلى المسترشد يوم الجمعة رابع عشرين ذي الحجة ونزل راكبا من باب الغربة مما يلي المثمنة، وعبر في الزبزب وعليه القباء والعمامة وبردة النبي ﷺ على كتفيه، والطرحة على رأسه، وبيده القضيب، ومعه وزيره أحمد بن نظام الملك والنقيبان وقاضي القضاة الزينبي، وجماعة الهاشميين والشهود والقضاة والناس، فنزل بالمخيم وأقام به إلى أن انقضى الشهر، أعني ذا الحجة.
[وصول أبي الحسن علي بن الحسين الغزنوي ووعظ ببغداد]
٨٨/ أوفي هذه السنة: / وصل أبو الحسن علي بن الحسين الغزنوي ووعظ ببغداد وصار له قبول، وورد بعده أبو الفتوح الأسفراييني ونزل برباط أبي سعد الصوفي، وتكلم بمذهب الأشعري، ثم سلم إليه رباط الأرجوانية والدة المقتدي، وورد الشريف أبو القاسم على بن يعلى العلوي، ونزل برباط أبي سعد أيضا، وتكلم على الناس، وأظهر السنة فحصل له نفاق عند أهل السنة، وكان يورد الأحاديث بالأسانيد.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٩٠٩- الحسن بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، أبو علي الباقرحي
[٢] :
ولد سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، وسمع أبا القاسم التنوخي، وأبا بكر بن بشران، والقزويني، وابن شيطا، والبرمكي، والجوهري وغيرهم، وكان رجلا مستورا من أولاد المحدثين، فهو محدث وأبوه وجده وأبو جده وجد جده.
وتوفي في هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
стр. 5902
٣٩١٠- عبد الله بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث، أبو محمد السمرقندي:
[١] أخو شيخنا أبي القاسم، ولد بدمشق سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ونشأ ببغداد فسمع الكثير من الصريفيني، وابن النقور وغيرهما، وسمع ببيت المقدس، وبنيسابور، وببلخ، وبسرخس، وبمرو، وبأسفرايين، وبالكوفة، وبالبصرة، وغير ذلك من البلاد، وصحب أباه والخطيب وجمع وألف، وكان/ صحيح النقل كثير الضبط، ذا فهم ٨٨/ ب ومعرفة.
أنبأنا أبو زرعة بن محمد بن طاهر، عن أبيه، قال: سمعت أبا إسحاق المقدسي يقول: لما دخل أبو محمد السمرقندي بيت المقدس قصد أبا عثمان بن الورقاء، فطلب منه جزءا فوعده به ونسي أن يخرجه فتقاضاه فوعده مرارا، فقال له: أيها الشيخ لا تنظر إلى بعين [٢] الصبوة فإن الله [قد] [٣] رزقني من هذا الشأن ما لم يرزق أبا زرعة الرازي، فقال الشيخ: الحمد للَّه، ثم رجع إليه يطلب الجزء، فقال الشيخ: أيها الشاب إني طلبت البارحة الأجزاء فلم أجد فيها جزءا يصلح لأبي زرعة الرازي، فخجل وقام.
توفي أبو محمد يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الآخر من هذه السنة.
٣٩١١- عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف، أبو طالب بن أبي بكر بن أبي القاسم الأصفهاني، الأصل:
[٤] ولد سنة ست وثلاثين واربعمائة، وسمع البرمكي، والجوهري، والعشاري، وابن المذهب وغيرهم، وسمع الكثير وحدث بالكثير سنين، وكان الغاية في التحري واتباع الصدق والثقة، وكان صالحا كثير التلاوة للقرآن [كثير الصلاة] [٥] وهو آخر من حدث عن أبي القاسم الأزجي، وتوفي يوم السبت ثامن عشر ذي الحجة، ودفن بباب حرب.
стр. 5903
٣٩١٢- على بن أحمد [١] ، أبو طالب السميرمي:
[٢] وسميرم قرية بأصبهان. كان وزير السلطان محمود، وكان مجاهرا بالظلم والفسق، وبنى ببغداد دارا على دجلة فأخرب المحلة المعروفة بالتوثة، ونقل آلاتها إلى [عمارة] [٣] داره فاستغاث إليه أهل التوثة فحبسهم ولم يخرجهم إلا بغرم، وهو الذي ٨٩/ أأعاد المكوس بعد عشر سنين من زمان إزالتها، / وكان يقول: لقد سننت على أهل بغداد السنن الجائرة [٤] ، فكل ظالم يتبع أفعالي، وما أسلم في الدنيا، وقد فرشت حصيرا في جهنم، وقد استحييت من كثرة التعدي على الناس وظلمي من لا ناصر له، وقال هذا في الليلة التي قتل في صباحها، وكان سرادقه قد ضرب بظاهر البلد، وركب في بكرة ذلك اليوم، وقال: قد عزمت على الركوب والإلمام بالحمام، والعود عاجلا المسير في الوقت الذي اختاره المنجمون، فعاد ودخل الحمام ثم خرج وبين يديه من العدد ما لا يحصى من حملة السلاح والصمصامات والسيوف ولم يمكنه سلوك الجادة التي تلي دجلة لزيادة الماء هناك فقصد سوق المدرسة التي وقفها خمارتكين التتشي [٥] واجتاز في المنفذ العتيق [٦] الذي فيه حظائر الشوك، فلما خرج أصحابه بأجمعهم منه وبرز عنق بغلته ويداها وثب رجل من دكة في السوق فضربه بسكين فوقعت في البغلة، ثم هرب إلى [دار على] [٧] دجلة فأمر بطلبه فتبعه الغلمان وأصحاب السلاح فخلا منهم المكان، فظهر رجل آخر كان متواريا فضربه بسكين في خاصرته ثم جذبه عن البغلة إلى الأرض وجرحه عدة جراحات، فعاد أصحاب الوزير فبرز لهم اثنان لم يريا قبل ذلك فحملا عليهم مع الذي تولى جراحته فانهزم ذلك الجمع من بين يدي هؤلاء الثلاثة ولم يبق من له قدرة على تخليصه، ولحلاوة الروح قام الوزير وقد اشتغلوا عنه بالحملات ٨٩/ ب على أصحابه/ فأراد الارتقاء إلى بعض درج الغرف التي هناك فعاوده الذي جرحه فجره
стр. 5904
برجله وجعل يكرر الضرب في مقاتله والوزير يستعطفه، ويقول له: أنا شيخ، فلم يقلع عنه وبرك على صدره وجعل يكبر، ويقول بأعلى صوته: الله اكبر أنا مسلم أنا موحد، هذا وأصحاب الوزير يضربونه على رأسه وظهره بسيوفهم ويرشقونه بسهامهم، وذلك كله لا يؤلمه، وسقط حين استرخت قوته فوجدوه لم يسقط حتى ذبحه كما يذبح الغنم، وقتل مع الوزير رجلان من أصحابه، وحملت جثة الوزير على بارية أخذت من الطريق إلى دار أخيه النصير، وحز رأس الذي تولى قتله، وقتل الأربعة الذين تولوا قتله وحز رأس القاتل خاصة. فحمل إلى المعسكر وجيء بالضارب الأول فقتل في المكان وألقيت رممهم بدجلة، وكانت زوجة هذا الوزير قد خرجت في بكرة اليوم الذي قتل فيه راكبة بغلة تساوي ثلاثمائة دينار بمركب لا يعرف قيمته وبين يديها خمس عشرة جنيبة بالمراكب الثقال المذهبة، ومعها نحو مائة جارية مزينات بالجواهر والذهب وتحتهن الهماليج بمراكب الذهب والفضة وبين أيديهم الخدم والغلمان والنفاطون بالشموع والمشاعل، فلما استقرت بالخيم المملوءة بالفرش والأموال والحمال جاءها خبر قتل زوجها، فرجعت مع جواريها وهن حواسر حواف، فأشبه الأمر قول أبي العتاهية.
رحن في الوشي وأصبحت ... عليهن المسوح
/ ولقول أبي العتاهية هذا قصة، وهو أن الخيزران قدمت على المهدي وهو بماسبذان في مائة قبة ملبسة وشيا وديباجا فمات فعادت إلى بغداد وعلى القباب المسوح السود مغشاة بها، فقال أبو العتاهية:
رحن فِي الوشي وأصبحن ... عليهن المسوح
كل نطاح من الدهر ... له يوم نطوح
لتموتن ولو عمرت ... مَا عُمَر نوح
فعلى نفسك نح لا ... بد أن كنت تنوح
[١] وكان قتل السميرمي يوم الثلاثاء سلخ صفر، وكانت مدة وزارته ثلاث سنين وعشرة أشهر وعشرين يوما. [٢]
стр. 5905
٣٩١٣- علي بن محمد بن فنين، أبو الحسن البزاز
[١] :
سمع أبا بكر الخياط، وأبا الحسين بن المهتدي، وأبا الحسين، ابن المسلمة، وغيرهم [٢] . وحدث عنهم وقرأ بالقراءات، وكان سماعه صحيحا.
وتوفي ليلة الأحد خامس ذي الحجة، ودفن بباب حرب. [٣]
٣٩١٤-[علي بن مُحَمَّد المداري أبو الحسن
[٤] :
سمع القاضي أبا يعلى وابن المهتدي وابن المسلمة وغيرهم. وحدث عنهم، وقرأ بالقراءات، وكان سماعه صحيحا، وتوفي ليلة الأحد خامس ذي الحجة، ودفن بباب حرب] .
٣٩١٥- القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، [٥] أبو محمد البصري الحريري صاحب المقامات:
[٦] كان يسكن محلة بني حرام بالبصرة، ولد في حدود سنة ست وأربعين وأربعمائة، وسمع الحديث، وقرأ الأدب واللغة، وفاق أهل زمانه بالذكاء والفطنة والفصاحة وحسن العبارة، وأنشأ المقامات التي من تأملها عرف قدر منشئها.
وتوفي في هذه السنة بالبصرة.
стр. 5906
٣٩١٦- محمد بن علي بن منصور بن عبد الملك، أبو منصور القزويني:
[١] قرأ القرآن على أبي بكر الخياط وغيره، وكان يقرئ الناس، وسمع أباه، وأبا طالب بن غيلان، / وأبا إسحاق البرمكي، وأبا الطيب الطبري، وأبا الحسن الماوردي، ٩٠/ ب والجوهري وغيرهم، وكان صالحا خيرا له معرفة باللغة والعربية.
وتوفي في شوال هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
стр. 5907
ثم دخلت سنة سبع عشرة وخمسمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه رحل المسترشد في المحرم، وكان إقبال الأمير الحاجب، ونظر صاحب العسكر فنزل بقرية تعرف بالحديثة من نهر ملك، فاستقبله البرسقي وجماعة من الأمراء الذين معه، ودخلوا عليه وحلفوا على المناصحة والمبالغة في الحرب، وقرأ أبو الفرج محمد بن عمر الأهوازي على المسترشد جزء الحسن بن عرفة وهو سائر، وكان قد ذكر ان جماعة من الباطنية وصلوا بغداد في زي الأتراك يقصدون الفتك، فتقدم أن يبعد كل مستعرب من الأتراك عن السرادق، وأمر بأن تحمل الأعلام الخاصة- وهي أربعة- أربعة من الخدم، وكذلك الشمسة ولا يدنو من المسترشد غير الخدم والمماليك، وسار المسترشد وعسكره يوم الأحد رابع المحرم إلى النيل، فلما تقاربوا رتب سنقر البرسقي بنفسه العسكر صفوفا، وكانوا نحو الفرسخ عرضا، وجعل بين كل صفين محالا للخيل، ووقف موكب الخليفة من ورائهم حيث يراهم ويرونه، ورتب دبيس عسكره صفا واحدا وجعل له ميمنة وميسرة وقلبا، وجعل الرجالة بين يدي/ ٩١/ أالفرسان بالتراس الكبار، ووقف في القلب من وراء الرجالة وقد منى عسكره ووعدهم نهب بغداد، فلما تراءى الجمعان بادرت رجاله دبيس فحملت وصاحوا: يا أكلة الخبز الحوارى والكعك الأبيض، اليوم نعلمكم الطعان والضرب بالسيف، وكان دبيس قد استصحب معه البغايا والمخانيث بالملاهي والزمور والدفوف يحرضون العسكر ولم يسمع في عسكر الخليفة إلا القرآن والتسبيح والتكبير والدعاء والبكاء.
стр. 5908
وفي هذه الليلة اجتمع أهل بغداد على الدعاء في المساجد وختام الختمات والابتهال في النصر فحمل عنتر بن أبي العسكر الكردي على صف الخليفة [فتراجعوا وتأخروا، وكان الخليفة] [١] ووزيره من وراء الصف خلف نهر عتيق، فلما رأى هزيمة الرجالة قال الخليفة لوزيره أحمد: يا نظام الدين ما ترى؟ قال: نصعد العتيق يا أمير المؤمنين، فصعد الخليفة والمهد والأعلام وجرد الخليفة سيفه وسأل الله تعالى النصر، وقال جماعة من عسكر دبيس: أن عنترا غدر فلم يصدق، قالوا: فلما رأوا المهد والعلم والموكب قد صعد على العتيق تيقن غدر عنتر فحمل [زنكي مع] [٢] جماعة كانوا قد كمنوا في عسكر دبيس فكسروهم وأسروا عنتر بن أبي العسكر، ووقعت الهزيمة، وهرب دبيس ومن معه من خواصه إلى الفرات، فعبر بفرسه وسلاحه وقد أدركته الخيل ففاتهم، وذكر أن امرأة عجوزا كانت على الفرات قالت لدبيس دبير جئت فقال دبير من لم يجئ، وقتل الرجالة وأسر خلق كثير من عسكر دبيس، وكان الواحد منهم إذا قدم ليقتل قال:
فداك يا دبيس ثم يمد عنقه، ولم يقتل من عسكر الخليفة سوى عشرين فارسا، وعاد الخليفة منصورا فدخل بغداد يوم عاشوراء، وكانت غيبته من خروجه/ ستة عشر يوما، ٩١/ ب ولما عاد الخليفة من حرب دبيس ثار العوام ببغداد فقصدوا مشهد مقابر قريش ونهبوا ما فيه وقلعوا شبائكه وأخذوا ما فيه من الودائع والذخائر، وجاء العلويون يشكون هذا الحال إلى الديوان فأنهى ذلك، فخرج توقيع الخليفة بعد أن أطلق في النهب بإنكار ما جرى وتقدم إلى نظر الخادم بالركوب إلى المشهد وتأديب الجناة، ففعل ذلك ورد [بعض] [٣] ما أخذ فظهر في النهب كتب فيها سب الصحابة وأشياء قبيحة.
[نقض دار علي بن أفلح]
وفي محرم هذه السنة: نقضت دار علي بن أفلح وكان المسترشد قد أكرمه ولقبه جمال الملك [٤] ، فظهر أنه عين لدبيس فتقدم بنقض داره فهرب، وسنذكر حاله عند وفاته في زمان المقتفي إن شاء الله تعالى.
وفي صفر: عزم الخليفة على عمل السور فأشير عليه بالجباية من العقار، وتقدم
стр. 5909
من الديوان إلى ابن الرطبي فأحضر أبو الفرج قاضي باب الأزج، وأمر أن يجبى العقار لبناء السور، وابتدئ بأصحاب الدكاكين فقلق الناس لذلك فجمع من ذلك مال كثير ثم أعيد على الناس، فكثر الدعاء للخليفة وأنفق عليه من ماله، وكان قد كتب القاضي أبو العباس ابن الرطبي إلى المسترشد قصة يقول فيها: «الخادم أدام الله ظل المواقف المقدسة طالع بما يعتقد إن أداه أدى حق النعمة عليه، وإن كتمه كان مقصرا في تأديه ما يجب عليه وعالما أن الله يسأله عنه، فلو فرض في وقته قضاء شخص يقول له يا أحمد بن سلامة قد خدمت العلم منذ الصبى حتى انتهيت إلى سن الشيوخ، وطول العمر في خدمة العلم نعمة مقرونة بنعمة وخدمت إمام العصر خدمة زال عنها الارتياب عنده فيما تنهيه، وعرفت بحكم مخالطتك لأبناء الزمان أن الناصح قليل والمشفق نادر، [١] وهو أدام الله أيامه بنجوة عما تتحدث به الرعية لا تصل إليه حقائق الأحوال إلّا من جانب/ ٩٢/ أمخصوص، فما عذرك عند الله في كتمانك ولست ممن يراد وأمثالك إلا لقول حق وإيراد صدق لا لعمارة ولا لجمع مال، فلم يجد لنفسه جوابا يقوم عذره عنده فكيف عند الله تعالى، وهذا الوقت الذي قد تجدد فيه من يتوهم أنه على شيء في خدمه وإثارة مال من جباية يغرر بنفسه مع الله تعالى وبمجد مولانا وأولى الأوقات باستمالة القلوب وإذاعة الصدقات وأعمال الصالحات هذا الوقت وحق الله يا مولانا أن الّذي تتحدث به الناس فيما بينهم [٢] من أن أحدهم كان يعود من معيشته ويأوي إلى منزله فيدعو بالنصر والحفظ للدولة قد صاروا يجتمعون في المساجد والأماكن شاكين مما قد التمس منهم، ويقولون كنا نسمع أن في البلد الفلاني مصادرة فنعجب ونحن الآن في كنف الإمامة المعظمة نشاهد ونرى، والناس بين محسن الظن ومسيء، والمحسن يقول: ما يجوز أن يطلع أمير المؤمنين على ما يجري فيقر عليه، والمسيء الظن يقول: الفاعل لهذا أقل أن يقدم عليه إلا عن علم ورضا، وقد كاد كل ذي ولاء وشفقة يضل ويتبلد، وفي يومنا هذا حضر عند الخادم شيخ فقيه يعرف بإسماعيل الأرموي والخادم يذكر الدرس، فقال:
ليبك على الإسلام من كان باكيا
стр. 5910
وحكي أن له دويرات بالجعفرية أجرتها دينار قد طولب بسبعة دنانير، فيا مولانا الله الله في الدين والدولة اللذين بهما الاعتصام، فما هذا الأمر مما يهمل، وكيف يجوز أن يشاع عنا هذا الفعل الذي لا مساغ له في الشرع ويجعل الخلق شهودا وما يخلو في أعداء الدولة من يكون له مكاتب ومخبر يرفع هذا اليهم، فما يبلع الأعداء في القدح/ إلى مثل هذا وما المال ولماذا يراد إلا لإنجاد الأنصار والأولياء، وهل تنصرف الحقوق ٩٢/ ب المشروعة إلا في مثل هذا، وليس إلا عزمة من العزمات الشريفة يصلح بها ضمائر الناس ويؤمر بإعادة ما أخذ من الضعفاء، وإن كان ما أخذ من الأغنياء باقيا أعيد، وإن مست حاجة إليه عوملوا فيه، وكتب قرضا على الخزائن المعمورة وجعل ذلك مضاهيا لما جرت به العوائد الشريفة عند النهضات التي سبقت واقترن بها النظر في تقديم الصدقات، وختام الختمات والخادم وإن أطال فإنه يعد ما ذكره ذمرا بالعرض لكثرة ما على قلبه منه والأمر أعلى» .
وكان الابتداء بعمارة السور يوم السبت النصف من صفر، وكان كل أسبوع تعمل أهل محلة ويخرجون بالطبول والجنكات [١] ، وعزم الخليفة على ختان أولاده وأولاد إخوته، وكانوا اثني عشر، فأذن للناس أن يعلقوا ببغداد فعلقت، وعمل الناس القباب، وعملت خاتون قبة بباب النوبي، وعلقت عليها من الثياب الديباج والجواهر ما أدهش الناس، وعملت قبة في درب الدواب على باب السيد العلوي، وعليها غرائب الحلي والحلل [٢] ونصب عليها ستران من الديباج الرومي، ومقدار كل واحد منهما عشرين ذراعا في عشرين، وعلى أحدهما اسم المتقى للَّه، وعلى الآخر المعتز باللَّه، وأظهر الناس مخبئاتهم من الثياب والجوهر سبعة أيام بلياليهن.
ثم وصل الخبر بان دبيسا حين هرب مضى إلى غزية، فأضافوه وسألهم أن يحالفوه، فقالوا: ما يمكننا معاداة الملوك ونحن بطريق مكة وأنت بعيد النسب منا وبنو المنتفق أقرب إليك نسبا، فمضى إليهم وحالفوه وقصد البصرة في ربيع الأول وكبس
стр. 5911
مشهد طلحة والزبير فنهب ما هناك، [١] وقتل خلقا كثيرا، وعزم على قطع النخل فصانعه ٩٣/ أأصحابها/ عن كل رأس شيئا معلوما.
ووصل الخبر أن السلطان محمود قبض على وزيره شمس الدين عثمان بن نظام الملك، وتركه في القلعة لان سنجر كان أمره بإبعاده فحبسه، فقال أبو نصر المستوفي للسلطان: متى مضى هذا إلى سنجر لم نأمنه والصواب قتله هاهنا وإنفاذ رأسه، فبعث السلطان من ذبحه، وأرسل السلطان [٢] محمود إلى الخليفة ليعزل أخا عثمان، وهو أحمد بن نظام الملك، فبلغ ذلك أحمد فانقطع في داره وبعث إلى الخليفة يسأله أن يعفي من الحضور بالديوان لئلا يعزل من هناك، فأجابه ولم يؤذ بشيء.
وناب أبو القاسم ابن طراد في الوزارة ثم بعث إلى عميد الدولة ابن صدقة وهو بالحديثة فاستحضر فأقام بالحريم الطاهري أياما، ثم نفذ له الزبزب وجميع أرباب الدولة ومع سديد الدولة خط الخليفة، فقرأه عليه وهو: «اجب يا جلال الدين داعي التوفيق مع من حضر من الأصحاب لتعود في هذه الساعة إلى مستقر عزك مكرما» ، فأقبل معهم من الحريم الطاهري، وجلس في الوزارة يوم الاثنين سادس ربيع الآخر.
وفي جمادى الآخرة: وصل ابن الباقرحي [٣] ومعه كتب من سنجر ومحمود بتسليم النظامية إليه ليدرس فيها، فمنعه الفقهاء فالزمهم الديوان متابعته.
وفي آخر شعبان: وصل أسعد الميهني بأخذ المدرسة والنظر فيها، وفي نواحيها، وأزاله ابن الباقرحي عنها، ففعل واتفق الميهني والوزير أحمد بن النظام على ان دخل المدرسة قليل لا يمكن إجراء الأمر على النظام المتقدم، وأنهم يقنعون ببعض المتفقهة ٩٣/ ب ويقطعون/ من بقي، فاختل بذلك أمر المدرس فدرس يوما واحدا، وامتنع الفقهاء من الحضور، وترك التدريس ثم مضى إلى المعسكر ليصلح حاله فأقام خواجا أحمد أبا الفتح بن برهان ليدرس نائبا إلى أن يأتى أسعد الميهني، فألقى الدرس يوما، فأحضره الوزير ابن صدقة، وأسمعه المكروه، وقال: كيف أقدمت على مكان قد رتب فيه
стр. 5912
مدرس؟ ثم ألزمه بيته وتقدم إلى قاضى القضاة فصرفه عن الشهادة، وأمر أبا منصور ابن الرزاز بالنيابة في المدرسة.
واشتد الغلاء فبلغت كارة الدقيق الخشكار ستة دنانير ونصف.
ذكر من توفي هذه السنة من الأكابر
٣٩١٧- أحمد بن عبد الجبار بن أحمد، أبو سعد الصيرفي أخو أبى [١] الحسين:
سمع من جماعة ولا نعرف فيه إلا الخير، توفي في هذه السنة.
٣٩١٨- عبيد الله بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن مهرة، أبو نعيم بن مهرة، أبو نعيم بن أبي على [٢] الحداد .
ولد سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وسمع بنيسابور وبهراة وبأصبهان وبغداد وغيرها الكثير، ورحل في الطلب، وعنى بالجمع للحديث، وقرأ الأدب، وحصل من الكتب ما لم يحصله غيره، وكان أديبا حميد الطريقة غزير الدمعة.
٣٩١٩- عيسى بن إسماعيل بن عيسى بن إسماعيل، أبو زيد العلوي:
[٣] من أولاد الحسن بن على بن أبي طالب من أهل أبهر، بلد عند زنجان، رحل إلى البلاد وسمع الحديث من جماعة، وكان يميل إلى طريقة التصوف ويغلب في السماع والوجد على زعمه، توفي في شوال هذه السنة، وصلى عليه بباب الطاق، ودفن في قبر قد حفره لنفسه/ في حياته.
٩٤/ أ
٣٩٢٠- عثمان بن نظام الملك
[٤] :
وزير السلطان محمود، كان قد طلبه سنجر فقبض عليه السلطان وحبسه، فقال أبو
стр. 5913
نصر المستوفي: متى مضى هذا إلى سنجر لم تأمنه والصواب قتله وإنفاذ رأسه، فبعث السلطان إليه عنتر الخادم، فلما أتاه وعرفه ما جاء فيه قال: أمهلني حتى أصلي ركعتين، فقام واغتسل وصلى ركعتين وصبر لقضاء الله، وأخذ السيف من السياف فنظر فيه ثم قال: سيفي أمضى من هذا فاضرب به ولا تعذبني، فقتله بسيفه وبعث برأسه، فلما كان بعد قليل فعل بابى نصر المستوفي مثل ذلك.
٣٩٢١- عثمان بن على بن المعمر بن أبي عمامة البقال، أبو المعالى أخو أبى سعد [١] الواعظ .
سمع من ابن غيلان وغيره، وقال شيخنا عبد الوهاب: جهدنا به أن نقرأ عليه فأبى، وقال: اشهدوا أنى كذاب، وكان شاعرا خبيث اللسان، ويقال: أنه كان قليل الدين يخل بالصلوات. مات في ربيع الآخر من هذه السنة.
٣٩٢٢- محمد بن أحمد بن محمد بن المهتدى، أبو الغنائم الخطيب العدل:
[٢] سمع القزويني، والبرمكي، والجوهري، والتنوخي، والعشاري، والطبري، وغيرهم، وكان شيخا ذا هيئة جميلة وصلاح ظاهر، وسماعه صحيح، وكان شيخنا عبد الوهاب يثنى عليه ويصفه بالصدق والصلاح، وعاش مائة وثلاثين سنة وكسرا، ممتعا بجميع جوارحه [٣] ، وكتب المستظهر في حقه هو شيخ الأسرة.
٩٤/ ب توفي يوم الأحد ثاني عشر ربيع الأول، ودفن بباب/ حرب قريبا من بشر الحافي.
٣٩٢٣- محمد بن أحمد بن عمر القزاز، أبو غالب الحريري يعرف بابن الطيوري:
[٤] أخو أبى القاسم شيخنا، وخال شيخنا عبد الوهاب الأنماطي سمع أبا الحسن زوج الحرة، والعشاري، وأبا الطيب الطبري، حدث وكان سماعه صحيحا، وكان خيرا صالحا، روى عنه شيخنا عبد الوهاب.
توفي ليلة الجمعة سابع عشر صفر، ودفن بباب حرب عند أبيه.
стр. 5914
٣٩٢٤- محمد بن على بن محمد، أبو جعفر:
من أهل همذان، يلقب بمقدم الحاج، حج كثيرا، وكان يقرأ القرآن بصوت طيب ويختم في مسجد سيدنا رسول الله ﷺ [ختمة] [١] في كل سنة في ليلة واحدة قائما في الروضة، وسمع الحديث.
وتوفي في محرم هذه السنة بهمذان وهو ابن ست وستين سنة.
٣٩٢٥- محمد بن مرزوق بن عبد الرزاق بن محمد، أبو الحسن الزعفراني الجلاب .
[٢] .
ولد سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وسمع القاضي أبا يعلى، وأبا الحسين ابن المهتدي، وابن المسلمة، والصريفيني وغيرهم، وتفقه على أبى إسحاق، ورحل في طلب العلم والحديث، وسمع بالبصرة وخوزستان وأصبهان والشام ومصر، وكان سماعه صحيحا، وكان ثقة له فهم جيد، وكتب تصانيف الخطيب وسمعها منه.
وتوفي يوم الأربعاء تاسع عشرين صفر، ودفن بالوردية.
٣٩٢٦- المبارك بن محمد بن الحسن، أبو العز الواسطي:
سمع وحدث ووعظ، إلا أنه كان يحكي عنه تخليط في وعظه وتفسيره للقرآن، توفي في رجب هذه السنة، ﵀ وإيانا وسائر المسلمين [٣] .
стр. 5915
٩٥/ أ/
ثم دخلت سنة ثماني عشرة وخمسمائة
فمن الحوادث فيها:
[ورود الأخبار بظهور الباطنية بآمد]
أنه وردت الأخبار [١] بأن الباطنية ظهروا بآمد وكثروا فنفر عليهم أهل البلد، فقتلوا منهم سبعمائة رجل.
وردت شحنكية بغداد إلى سعد الدولة برنقش الزكوي، وتقدم إلى البرسقي بالعود إلى الموصل، وسلم منصور بن صدقة إلى سعد الدولة ليوصله إلى دار الخلافة [٢] ، [فوصل سعد الدولة وسلم منصور إلى دار الخلافة] [٣] ، ووصل الخبر بوصول دبيس ملتجئا إلى الملك طغرل بن محمد بن ملك شاه، وأنهما على قصد بغداد، فتقدم الخليفة إلى ابن صدقة بالتأهب لمحاربتهما وجمع الجيوش، وتقدم إلى برنقش الزكوي بالتأهب أيضا، واستجاش الأجناد من كل جانب، فلم يزالوا يتأهبون إلى أن خرجت هذه السنة.
وفي ربيع الأول: وقع جرف وأمراض وعمت من بغداد إلى البصرة.
[تكامل عمارة المثمنة]
وفي جمادي الأولى: تكاملت عمارة المثمنة، وشرع المسترشد في أخذ الدور المشرفة على دجلة إلى مقابل مشرعة الرباط ليبني ذلك كله مسناة واحدة، ونقض الدار التي بنى في المشرعة، وذكر أن المسترشد تزوج ببنت سنجر، وأنه يريد أن يبني هذا المكان.
стр. 5916
وفي رجب: تقدم إلى نظر وابن الأنباري، فمضيا إلى سنجر لاستحضار ابنته زوجة المسترشد، وكان المتولى للعقد والخطاب/ في ذلك القاضي الهروي. ٩٥/ ب وفي شعبان: وصلت كتب إلى الديوان، بأن قافلة واردة من دمشق فيها باطنية قد انتدبوا لقتل أعيان الدولة مثل الوزير، ونظر فقبض على جماعة منهم وصلب بعضهم في البلد، اثنان عند عقد المأمونية واثنان بسوق الثلاثاء وواحد بعقد الجديد، وغرق جماعة، ونودي أي متشبه من الشاميين وجد ببغداد أخذ وقتل وأخذ في الجملة ابن أيوب قاضي عكبرا، ونهبت داره، وقيل أنه وجد عنده مدارج من كتب الباطنية، وأخذ آخر كان يعينهم بالمال، واخذ رجل من الكرخ.
وفي شوال: قبض على ناصح الدولة أبي عبد الله بن جهير أستاذ الدار، وقبض ماله ووكل به داره، وذكر أنه قرر عليه أربعون ألف دينار.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٩٢٧- أحمد بن محمد بن أحمد بن سلم، أبو العباس بن أبي الفتوح الخراساني .
من أهل أصبهان، سمع بها من أبي عثمان سعيد بن أبي سعيد العيار الصوفي [١] ، وأبي عمر عَبْد الوهاب بْن أبي عَبْد اللَّه بْن منده، وبمكة من سعد الزنجاني وغيره، وحج خمس حجات وجاور بمكة سنين، وكان واعظا متصوفا، ووعظ ببغداد فنفق عليهم.
وتوفي بأصبهان في ربيع الآخر من هذه السنة، وكانت ولادته سنة ست وأربعين.
٣٩٢٨- أحمد بن علي بن تركان، أبو الفتح، ويعرف بابن [٢] الحمامي:
لأن أباه كان حماميا، وكان على مذهب أحمد بن حنبل، وصحب أبا الوفاء ابن ٩٦/ أعقيل، وكان بارعا في الفقه وأصوله، شديد الذكاء والفطنة، فنقم عليه أصحابنا أشياء لم
стр. 5917
تحتملها أخلاقهم الخشنة فانتقل وتفقه على الشاشي والغزالي، ووجد أصحاب الشافعي على أوفي ما يريده من الإكرام، ثم ترقى وجعلوه مدرسا للنظامية فوليها نحو شهر، وشهد عند الزينبي.
وتوفي يوم الأربعاء سابع عشر جمادى الأولى، ودفن بباب أبرز.
٣٩٢٩- إبراهيم بن سمقايا، أبو إسحاق الزاهد:
كان من أعيان الصالحين، توفي في ربيع الأول من هذه السنة [١] .
٣٩٣٠- عبد الله بن محمد [٢] بن على بن محمد، أبو جعفر الدامغاني:
[٣] سمع الصريفيني، وابن المسلمة، وابن النقور، وشهد عند أبيه قاضى القضاة أبى عبد الله و [جعل قاضيا على ربع الكرخ من قبل أخيه قاضى القضاة] [٤] أبى الحسن، ثم ترك ذلك وخلع الطيلسان وولى حجابة باب النوبي ثم عزل، وكان دمث الأخلاق عتيدا بالرياسة [٥] .
وتوفي ليله الثلاثاء ثاني جمادى الأولى، ودفن بالشونيزية عند قبر ابن أخيه أبى الفتح السامري.
٣٩٣١- عبيد الله بن عبد الملك بن أحمد الشهرزوري، أبو غالب البقال المقرئ:
[٦] سمع من ابن المذهب، والجوهري وغيرهما، وحدث، وسماعه صحيح، وكان شيخا فيه سلامة.
٣٩٣٢- قاسم بن أبي هاشم:
أمير مكة، توفي في العشر الأوسط من صفر، وخلفه ابنه أبو فليتة فأحسن السياسة، [٧] وأسقط المكس.
стр. 5918
٣٩٣٣- محمد بن على بن سعدون، أبو ياسر:
[١] سمع ابن المسلمة، وأبا القاسم الدجاجي، [٢] وحدث، وتوفي بالمارستان.
٣٩٣٤- محمد بن الحسن بن كردي، أبو السعادات المعدل، ثم/ القاضي ببعقوبا .
٩٦/ ب سمع ابن المسلمة، والصريفيني، وحدث، وشهد عند القاضي أبى عبد الله الدامغاني، وكان كثير الصدقة مشهودا له بالخير، وبلغ ثمانين سنة.
وتوفي ليله السبت غرة رمضان، ودفن بباب حرب.
٣٩٣٥- المبارك بن جعفر بن مسلم، أبو الكرم الهاشمي:
سمع الحديث الكثير من أبي محمد التميمي، وطراد وغيرهما، وكتب الكثير، وتفقه على أبى القاسم يوسف بن محمد الزنجاني، وعلى شيخنا أبى الحسن الزاغوني، وكان صالحا خيرا، وهو أول من لقنني القرآن وأنا طفل.
وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة عن أربعين سنة، ودفن بباب حرب.
стр. 5919
ثم دخلت سنة تسع عشرة وخمسمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه لما التجأ دبيس بن صدقة إلى الملك طغرل بن محمد بن ملك شاه وحسن له أن يطلب السلطنة والخطبة، وقصد بغداد، وتقدم الخليفة بالاستعداد لمحاربتهما، وأمر بفتح باب من ميدان خالص في سور الدار مقابل الحلبة، وسماه باب النصر، وجعل عليه بابا من حديد، وبرز في يوم الجمعة خامس صفر وخرج سحرة يوم الاثنين ثامن صفر من باب النصر بالسواد وعليه البردة وبيده القضيب وعلية الطرحة والشمسة على رأسه، وبين يديه أبو على بن صدقة وزيره ونقيب النقباء أبو القاسم، وقاضي القضاة وإقبال الخادم، وأرباب الدولة يمشون في ركابه إلى أن وصلوا باب الحلبة، ثم ركب ٩٧/ أالجماعة إلى أن وصلوا إلى صحن الشماسية، / فلما قربوا من السرادق ترجلوا كلهم ومشوا بين يدية إلى السرادق، ورحل يوم التاسع من صفر فنزل بالخالص ونزل طغرل ودبيس براذان، فلما عرفا خروج الخليفة عدلا عن طريق خراسان ونزلا برباط جلولاء، فخرج الوزير أبو على بن صدقة في عسكر كثير إلى الدسكرة، وتوجه الملك طغرل إلى الهارونية ورحل الخليفة فنزل الدسكرة فدبر الملك ودبيس ان يعبرا ديالى وتامرا ويكبسوا بغداد ليلا ويقطعوا الجسر بالنهروان ويحفظ دبيس المعابر ويشتغل طغرل بنهب بغداد، فعبرا تامرا فنزل طغرل بين ديالي وتامرا وعبر دبيس ديالي على أن يتبعه الملك، فمرض الملك تلك الليلة وتوالى مجيء المطر وزاد الماء في ديالى والخليفة نازل بالدسكرة لا يعلم بمكر دبيس فقصد دبيس مشرعة النهروان في مائتي فارس جريدة، فنزل هناك وقد
стр. 5920
تعب، وجاء المطر عليهم طول ليلتهم وليس معهم خيمة ولا زاد ولا عليف، فوصلت جمال قد نفذت من بغداد إلى الخليفة عليها الزاد والثياب فأخذها دبيس ففرقها على عسكره، فاكتسوا وشبعوا وغنموا.
وبلغ الخبر إلى بغداد بمجيء دبيس فانزعج الناس ودخلوا تحت السلاح، والتجأ النساء والمشايخ إلى المساجد وأعلنوا بالدعاء والاستغاثة إلى الله تعالى، وتأدى الخبر إلى الخليفة وأرجف في عسكره بأن دبيسا قد دخل بغداد وملكها، فرحل مجدا إلى النهروان، فلم يشعر دبيس إلا برايات الخليفة قد طلعت، فلما رآها قبل الأرض في مكانه، وقال: أنا العبد المطرود ما أن يعفي عن العبد المذنب فلم يجبه أحد، فعاود القول والتضرع، فرق له الخليفة، وهم بالعفو عنه أو مصالحته [١] فصرفه الوزير ابن صدقة [٢] عن هذا الرأي، وبعث الخليفة نظر الخادم إلى بغداد/ بتطييب قلوب الناس ٩٧/ ب ونادى في البلد بخروج العسكر بطلب دبيس والإسراع مع الوزير أبي علي بن صدقة، ودخل الخليفة داره، وكانت غيبته خمسة وعشرين يوما، ومضى دبيس والملك إلى سنجر فاستجارا به هذا من أخيه، وهذا من أخيه، وهذا من أمير المؤمنين فأجارهما ولبسا عليه، فقالا:
قد طردنا الخليفة، وقال: هذه البلاد لي، فقبض سنجر على دبيس واعتقله في قلعة يتقرب بذلك إلى المسترشد، وخرج سعد الدولة برنقش الزكوي في تاسع رجب إلى السلطان، واجتمع به خاليا، وأكثر الشكوى من الخليفة، وحقق في نفسه أن الخليفة يطلب الملك، وأنه خرج من داره مرتين [٣] ، وكسر من قصده وان لم يدبر الأمر في حسم ذلك اتسع الخرق وصعب الأمر، وسيتضح لك حقيقة ذلك إذا أردت دخول بغداد والذي يحمله على ذلك وزيره أبو علي بن صدقة، وقد كاتب أمراء الأطراف وجميع العرب والأكراد فحصل في نفس السلطان من ذلك ما دعاه إلى دخول بغداد.
وفي هذه الأيام دخل أبو العباس ابن الرطبي يعلم الأمراء بدار الخليفة.