وفي رجب: تقدم إلى نظر وابن الأنباري، فمضيا إلى سنجر لاستحضار ابنته زوجة المسترشد، وكان المتولى للعقد والخطاب/ في ذلك القاضي الهروي. ٩٥/ ب وفي شعبان: وصلت كتب إلى الديوان، بأن قافلة واردة من دمشق فيها باطنية قد انتدبوا لقتل أعيان الدولة مثل الوزير، ونظر فقبض على جماعة منهم وصلب بعضهم في البلد، اثنان عند عقد المأمونية واثنان بسوق الثلاثاء وواحد بعقد الجديد، وغرق جماعة، ونودي أي متشبه من الشاميين وجد ببغداد أخذ وقتل وأخذ في الجملة ابن أيوب قاضي عكبرا، ونهبت داره، وقيل أنه وجد عنده مدارج من كتب الباطنية، وأخذ آخر كان يعينهم بالمال، واخذ رجل من الكرخ.
وفي شوال: قبض على ناصح الدولة أبي عبد الله بن جهير أستاذ الدار، وقبض ماله ووكل به داره، وذكر أنه قرر عليه أربعون ألف دينار.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٩٢٧- أحمد بن محمد بن أحمد بن سلم، أبو العباس بن أبي الفتوح الخراساني .
من أهل أصبهان، سمع بها من أبي عثمان سعيد بن أبي سعيد العيار الصوفي [١] ، وأبي عمر عَبْد الوهاب بْن أبي عَبْد اللَّه بْن منده، وبمكة من سعد الزنجاني وغيره، وحج خمس حجات وجاور بمكة سنين، وكان واعظا متصوفا، ووعظ ببغداد فنفق عليهم.
وتوفي بأصبهان في ربيع الآخر من هذه السنة، وكانت ولادته سنة ست وأربعين.
٣٩٢٨- أحمد بن علي بن تركان، أبو الفتح، ويعرف بابن [٢] الحمامي:
لأن أباه كان حماميا، وكان على مذهب أحمد بن حنبل، وصحب أبا الوفاء ابن ٩٦/ أعقيل، وكان بارعا في الفقه وأصوله، شديد الذكاء والفطنة، فنقم عليه أصحابنا أشياء لم
стр. 5917
تحتملها أخلاقهم الخشنة فانتقل وتفقه على الشاشي والغزالي، ووجد أصحاب الشافعي على أوفي ما يريده من الإكرام، ثم ترقى وجعلوه مدرسا للنظامية فوليها نحو شهر، وشهد عند الزينبي.
وتوفي يوم الأربعاء سابع عشر جمادى الأولى، ودفن بباب أبرز.
٣٩٢٩- إبراهيم بن سمقايا، أبو إسحاق الزاهد:
كان من أعيان الصالحين، توفي في ربيع الأول من هذه السنة [١] .
٣٩٣٠- عبد الله بن محمد [٢] بن على بن محمد، أبو جعفر الدامغاني:
[٣] سمع الصريفيني، وابن المسلمة، وابن النقور، وشهد عند أبيه قاضى القضاة أبى عبد الله و [جعل قاضيا على ربع الكرخ من قبل أخيه قاضى القضاة] [٤] أبى الحسن، ثم ترك ذلك وخلع الطيلسان وولى حجابة باب النوبي ثم عزل، وكان دمث الأخلاق عتيدا بالرياسة [٥] .
وتوفي ليله الثلاثاء ثاني جمادى الأولى، ودفن بالشونيزية عند قبر ابن أخيه أبى الفتح السامري.
٣٩٣١- عبيد الله بن عبد الملك بن أحمد الشهرزوري، أبو غالب البقال المقرئ:
[٦] سمع من ابن المذهب، والجوهري وغيرهما، وحدث، وسماعه صحيح، وكان شيخا فيه سلامة.
٣٩٣٢- قاسم بن أبي هاشم:
أمير مكة، توفي في العشر الأوسط من صفر، وخلفه ابنه أبو فليتة فأحسن السياسة، [٧] وأسقط المكس.
стр. 5918
٣٩٣٣- محمد بن على بن سعدون، أبو ياسر:
[١] سمع ابن المسلمة، وأبا القاسم الدجاجي، [٢] وحدث، وتوفي بالمارستان.
٣٩٣٤- محمد بن الحسن بن كردي، أبو السعادات المعدل، ثم/ القاضي ببعقوبا .
٩٦/ ب سمع ابن المسلمة، والصريفيني، وحدث، وشهد عند القاضي أبى عبد الله الدامغاني، وكان كثير الصدقة مشهودا له بالخير، وبلغ ثمانين سنة.
وتوفي ليله السبت غرة رمضان، ودفن بباب حرب.
٣٩٣٥- المبارك بن جعفر بن مسلم، أبو الكرم الهاشمي:
سمع الحديث الكثير من أبي محمد التميمي، وطراد وغيرهما، وكتب الكثير، وتفقه على أبى القاسم يوسف بن محمد الزنجاني، وعلى شيخنا أبى الحسن الزاغوني، وكان صالحا خيرا، وهو أول من لقنني القرآن وأنا طفل.
وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة عن أربعين سنة، ودفن بباب حرب.
стр. 5919
ثم دخلت سنة تسع عشرة وخمسمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه لما التجأ دبيس بن صدقة إلى الملك طغرل بن محمد بن ملك شاه وحسن له أن يطلب السلطنة والخطبة، وقصد بغداد، وتقدم الخليفة بالاستعداد لمحاربتهما، وأمر بفتح باب من ميدان خالص في سور الدار مقابل الحلبة، وسماه باب النصر، وجعل عليه بابا من حديد، وبرز في يوم الجمعة خامس صفر وخرج سحرة يوم الاثنين ثامن صفر من باب النصر بالسواد وعليه البردة وبيده القضيب وعلية الطرحة والشمسة على رأسه، وبين يديه أبو على بن صدقة وزيره ونقيب النقباء أبو القاسم، وقاضي القضاة وإقبال الخادم، وأرباب الدولة يمشون في ركابه إلى أن وصلوا باب الحلبة، ثم ركب ٩٧/ أالجماعة إلى أن وصلوا إلى صحن الشماسية، / فلما قربوا من السرادق ترجلوا كلهم ومشوا بين يدية إلى السرادق، ورحل يوم التاسع من صفر فنزل بالخالص ونزل طغرل ودبيس براذان، فلما عرفا خروج الخليفة عدلا عن طريق خراسان ونزلا برباط جلولاء، فخرج الوزير أبو على بن صدقة في عسكر كثير إلى الدسكرة، وتوجه الملك طغرل إلى الهارونية ورحل الخليفة فنزل الدسكرة فدبر الملك ودبيس ان يعبرا ديالى وتامرا ويكبسوا بغداد ليلا ويقطعوا الجسر بالنهروان ويحفظ دبيس المعابر ويشتغل طغرل بنهب بغداد، فعبرا تامرا فنزل طغرل بين ديالي وتامرا وعبر دبيس ديالي على أن يتبعه الملك، فمرض الملك تلك الليلة وتوالى مجيء المطر وزاد الماء في ديالى والخليفة نازل بالدسكرة لا يعلم بمكر دبيس فقصد دبيس مشرعة النهروان في مائتي فارس جريدة، فنزل هناك وقد
стр. 5920
تعب، وجاء المطر عليهم طول ليلتهم وليس معهم خيمة ولا زاد ولا عليف، فوصلت جمال قد نفذت من بغداد إلى الخليفة عليها الزاد والثياب فأخذها دبيس ففرقها على عسكره، فاكتسوا وشبعوا وغنموا.
وبلغ الخبر إلى بغداد بمجيء دبيس فانزعج الناس ودخلوا تحت السلاح، والتجأ النساء والمشايخ إلى المساجد وأعلنوا بالدعاء والاستغاثة إلى الله تعالى، وتأدى الخبر إلى الخليفة وأرجف في عسكره بأن دبيسا قد دخل بغداد وملكها، فرحل مجدا إلى النهروان، فلم يشعر دبيس إلا برايات الخليفة قد طلعت، فلما رآها قبل الأرض في مكانه، وقال: أنا العبد المطرود ما أن يعفي عن العبد المذنب فلم يجبه أحد، فعاود القول والتضرع، فرق له الخليفة، وهم بالعفو عنه أو مصالحته [١] فصرفه الوزير ابن صدقة [٢] عن هذا الرأي، وبعث الخليفة نظر الخادم إلى بغداد/ بتطييب قلوب الناس ٩٧/ ب ونادى في البلد بخروج العسكر بطلب دبيس والإسراع مع الوزير أبي علي بن صدقة، ودخل الخليفة داره، وكانت غيبته خمسة وعشرين يوما، ومضى دبيس والملك إلى سنجر فاستجارا به هذا من أخيه، وهذا من أخيه، وهذا من أمير المؤمنين فأجارهما ولبسا عليه، فقالا:
قد طردنا الخليفة، وقال: هذه البلاد لي، فقبض سنجر على دبيس واعتقله في قلعة يتقرب بذلك إلى المسترشد، وخرج سعد الدولة برنقش الزكوي في تاسع رجب إلى السلطان، واجتمع به خاليا، وأكثر الشكوى من الخليفة، وحقق في نفسه أن الخليفة يطلب الملك، وأنه خرج من داره مرتين [٣] ، وكسر من قصده وان لم يدبر الأمر في حسم ذلك اتسع الخرق وصعب الأمر، وسيتضح لك حقيقة ذلك إذا أردت دخول بغداد والذي يحمله على ذلك وزيره أبو علي بن صدقة، وقد كاتب أمراء الأطراف وجميع العرب والأكراد فحصل في نفس السلطان من ذلك ما دعاه إلى دخول بغداد.
وفي هذه الأيام دخل أبو العباس ابن الرطبي يعلم الأمراء بدار الخليفة.
стр. 5921
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٩٣٦- آقسنقر البرسقي:
[١] صاحب الموصل، قتله الباطنية في مقصورة الجامع.
٣٩٣٧- هلال بن عبد الرحمن بن سريج بن عمر بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن إبراهيم بْن سليمان بن بلال بن رباح مؤذن النبي ﷺ ، كنيته أبو سعيد
[٢] :
جال في بلاد الجبل وخراسان، ووصل إلى سمرقند، وجال في ما وراء النهر، ودخل بغداد، وكان شيخا جهوري الصوت [٣] بالقرآن، حسن النغمة.
وتوفي في هذه السنة بسمرقند.
٣٩٣٨- هبة الله بن محمد بن علي، أبو البركات ابن البخاري:
[٤] ٩٨/ أولد سنة أربع وثلاثين، / وسمع من ابن غيلان، وابن المذهب، والجوهري، والعشاري، والتنوخي، وحدث عنهم، وكان سماعه صحيحا، وشهد عند أبي الحسن الدامغانيّ.
وتوفي في يوم الاثنين ثاني عشرين رجب، ودفن بمقبرة باب حرب.
стр. 5922
ثم دخلت سنة عشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه لما قاتل المسترشد طغرل بن محمد فرح بذلك محمود وكاتب الخليفة، فقال: قد علمت ما فعلت لأجلي وأنا خادمك وصائر إليك وتراسلا بالأيمان والعهود على أنهما يتفقان على سنجر، ويمضيان إلى قتاله، ويكون محمود في السلطنة وحده فلما علم سنجر، بذلك بعث إلى محمود، يقول له: أنت يميني والخليفة قد عزم على أن يمكر بي وبك، فإذا اتفقتما على فرغ منى وعاد إليك فلا تلتفت إليه وأنت تعلم أنه ليس لي ولد وذكر، وأنك ضربت معي مصافا، وظفرت بك، فلم أسئ إليك، وقتلت من كان سببا لقتالنا، وأعدتك إلى السلطنة، وجعلتك ولي عهدي، وزوجتك ابنتي، فلما مضت إلى الله تعالى زوجتك الأخرى، ورأيي فيك رأي الوالد فاللَّه الله ان تعول على ما قال لك، ويجب بعد هذا أن تمضي إلى بغداد ومعك العساكر فتقبض على وزير الخليفة ابن صدقة وتقتل الأكراد الذين قد دونهم وتأخذ النزل الذي قد عمله وجميع آلة السفر، وتقول: أنا سيفك وخادمك وأنت تعود إلى دارك على ما جرت به عادة آبائك، وأنا لا أحوجك إلى تعسف فإن فعل وإلا أخذته بالشدة وإلا لم يبق لك ولا لي معه حكم، ونفذ إليه رجلا، وقال: هذا يكون وزيرك، فلما وصل الرجل والرسالة انثنى عزمه عما كان عول عليه والتفت إلى قول عمه، وكتب صاحب الخبر إلى الخليفة/ بذلك فنفذ الخليفة ٩٨/ ب إليه سديد الدولة ابن الأنباري يقول له: تقنع أن تتأخر في هذه السنة عن بغداد لقلة الميرة والناس في عقب الغلاء، فقال: لا بد لي من المجيء، واتفق أنه خرج شحنة بغداد
стр. 5923
برنقش الخادم إلى السلطان محمود يشكو من استيلاء الخليفة على ما ذكرنا في السنة قبلها فأوغر صدره على دخول بغداد وحقق في نفسه أن الخليفة مع خروجه ومباشرته الحرب بنفسه لا يقعد ولا يمكن أحدا من دخول بغداد من أصحاب السلطان من شحنة وعميد، فتوجه السلطان إلى بغداد، فلما سمع الخليفة نفذ إليه رسولا وكتابا إلى وزيره يأمر برد السلطان عن التوجه، فأبى وأجاب بجواب ثقل سماعه على الخليفة، فشرع الخليفة في عمل المضارب واعتداد السلاح وجمع العساكر، ونودي ببغداد يوم السبت عاشر ذي القعدة بعبور الناس إلى الجانب الغربي، وتقدم بإخراج سرادقه إلى ظاهر الحلبة [١] ، وانزعج الناس وعبروا إلى الجانب الغربي فكثر الزحام على المعابر والسفن، وبلغ أجرة الدار بالجانب الغربي ستة دنانير وخمسة، وتأذوا غاية التأذي [٢] ، فلما اطمأن الناس وسكنوا بدار الخليفة من القتال، وقال: أخلى البلد عليه [٣] ، وأخرج وأحقن دماء المسلمين، فنودي بالعبور إلى الجانب الشرقي فعبروا وحمل سرادق الخليفة إلى الجانب الغربي، فضرب تحت الرقة.
وتواتر مجيء الأمطار ودام الرعد والبرق ثلاثة أيام، وكادت الدور تغرق، وانهدم بعضها وعبرت الرايات والأعلام.
ثم خرج المسترشد من داره رابع عشرين ذي القعدة من باب الغربة وعبر في ٩٩/ أالزبزب، وصعد إلى مضاربه، فلما عرف السلطان ذلك بعث برنقش الزكوي، / وأسعد الطغرائي فدخلا بغداد ومضيا إلى السرادق فجلسا على بابه زمانا إلى أن أذن لهما، وقد جلس لهما الخليفة على سريره فقبلا الأرض، وأديا رسالة السلطان وامتعاضه من انزعاج أمير المؤمنين، ثم خشنا في آخر الرسالة، وقال الخليفة: أنا أقول له يجب أن تتأخر في هذه السنة عن العراق فلا تقبل ما بيني وبينك إلّا السيف، ثم قال لبرنقش: أنت كنت السبب في مجيئه، وأنت فسدت قلبه، ثم هم بقتله فمنعه الوزير وقال: هو رسول، وكتب الجواب وبعثه معهما فخرجا إلى السلطان وهو بقر ميسين، وقد توجه إلى المرج
стр. 5924
فأوصلا الكتاب إليه وعرفا الجواب، وأخبراه بما شاهداه من خروج الخليفة عن داره وكونه في مضاربه بالجانب الغربي، فامتلأ غيظا واستشاط، وأمر بالرحيل إلى بغداد.
وفي عاشر ذي الحجة: وهو يوم النحر أمر أمير المؤمنين بنصب خيمة كبيرة وبين يديها خيمة أخرى ومد شقتين من شقاق السرادق من غير دهليز، [١] ونصبوا في صدر الخيمة منبرا عاليا، وحضر خواص الخليفة ووزيره والنقباء وأرباب المناصب والأشراف والهاشميون والطالبيون، وخلق من الوجوه، وأقبل الخليفة ومعه ولده الراشد وهو ولى عهده، فوقف إلى جانب المنبر، وصلى بالناس صلاة العيد، وكان المكبرون خطباء الجوامع ابن الغريق وابن المهتدى وابن التريكي وغيرهم، فلما فرغ من الصلاة صعد المنبر، ووقف ولى العهد دونه بيده سيف مشهور فابتدأ فقال: «الله أكبر ما سحت الأنواء، وأشرق الضياء، وطلعت ذكاء، وعلت على الأرض السماء، الله أكبر ما همع سحاب، ولمع سراب، وأنجح طلاب وسر قادم بإياب، الله أكبر/ ما نبت نجم وأزهر، ٩٩/ ب وأينع غصن، وأثمر، وطلع فجر وأسفر وأضاء هلال وأقمر، سبحان الذي جل عن الأشباه والنظير، وعجز عن تكييف ذاته الفكر والضمير لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، الحمد للَّه ناصر أوليائه وخاذل أعدائه الذي لا يخلو من علمه مكان ولا يشغله شأن عن شأن، أحمده على تزايد نعمه، وأسأله الزيادة من بره وكرمه، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريك له، شهادة أجعلها لنفسي الوقاء، وأعدها ذخرا ليوم اللقاء، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بعثه والكفر ممتد الرواق وقد ضرب بجرانه في الآفاق، فشمر فيه عن ساق وقوم أهل الزيغ والنفاق، صلى الله عليه وعلى إله الأخيار وأهل بيته الأطهار، وعلى عمه وصنو أبيه العباس ذي الشرف الشامخ والمجد الباذخ جد أمير المؤمنين أبي الخلفاء الراشدين، وعلى أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين وسلم، صلاة يزكيهم بها يوم الدين، وتجعلهم في جواره أعلى عليين.
عباد الله قد وضح السبيل لطالبيه ونطق الدليل للراغب فيه واستظهر الحق لظهور معانيه، فما للنفوس راغبة عن رشادها مشمرة عن فسادها مفرطة في إصدارها وإيرادها،
стр. 5925
جاهلة بمعادها أو هي عصية [١] عن استعدادها، هيهات هيهات كم اخترمت المنية قبلكم، وساقت إلى الأرماس من كان أشد منكم ومثلكم، سلبتهم أرواحهم وقطعتهم أفراحهم ولم تخف جيوشهم ولا سلاحهم طالما أفنت أمما واستزلت قدما، وأمطرت ١٠٠/ أعليهم من الفناء ديما، ورمتهم من البلاء أسهما/ وحرمتهم من الآمال مغنما، وحملتهم من الأثقال مغرما، [٢] ولم تراع فيهم محرما ذلوا بعد أن عزوا في دنياهم، وسادوا وجروا الجيوش إلى الأعداء وقادوا فعاد مطلقهم مأسورا وقائدهم بالشقاوة مقهورا، [٣] قد عدموا نورا وسرورا فيا أسفا لهم ضيعوا زمنا وما اكتسبوا حسنا، كيف بهم إذا نشرت الأمم وأعيدت إلى الحياة الرمم، ونزل بذي الذنوب الألم، وظهر من أهل التقصير الأسف والندم، ذلك يوم لا يرحم فيه من شكا، ولا يعذر من بكى، ولا يجد الظالم لنفسه مسلكا، يوم يشتد فيه الفراق ويتزايد فيه القلق، وتثقل على أهلها الأوزار، وتلفح وجوه العصاة النار، وتذهل المرضعات، وتعظم التبعات، وتظهر الآيات، وتكاشف البليات، ولا يقال فيه من ندم، ولا ينجو من عذاب الله إلا من رحم، واعلموا عباد الله أن يومكم هذا يوم شرفه الله بتشريفه القديم، وابتلى فيه خليله إبراهيم بذبح ولده إِسْمَاعِيل، [وفداه بذبح عظيم] [٤] ، وسن فيه النحر وجعله شعارا للسنة إلى آخر الدهر: «لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ» ٢٢: ٣٧ [٥] البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، والجذع من الضأن، والثني من المعز عن واحد «فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» ٢٢: ٣٦ [٦] .
ثم جلس بين الخطبتين، ثم قام إلى الثانية فحمد الله وكبر، وصلى [٧] على النبي صلى الله عليه وآله
стр. 5926
يمينا وشمالا ثم قال: اللَّهمّ أصلحني وأصلح لي ذريتي وأعنى على ما وليتني وأوزعني شكر نعمتك، ووفقني لما أهلتني له، وانصرني على ما استخلفتني/ فيه، واحفظني ١٠٠/ ب فيما استرعيتني ولا تخلني من خفايا لطفك التي عودتني «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي من تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ١٢: ١٠١ [١] «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» ١٦: ٩٠ [٢] قال المصنف ﵀: نقلت هذه الخطبة من خط أبي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن العباس الحراني الشاهد، وقد أجاز لي رواية ما يروى عنه، قال: حضرت هذه الخطبة مع قاضي القضاة أبي القاسم الزينبي، وجماعة العدول، وكان خطباء الجوامع قياما تحت المنبر وهم المكبرون في أثناء الخطبة.
قال: فلما أنهى الخطبة وتخفز للنزول بادره الشريف أبو المظفر أحمد بن علي بن عبد العزيز الهاشمي فأنشده:
عليك سلام الله يا خير من علا ... على منبر قد حف أعلامه النصر
وأفضل من أم الأنام وعمهم ... بسيرته الحسنى وكان له الأمر
وأشرف أهل الأرض شرقا ومغربا ... ومن جده من أجله نزل القطر
لقد شرفت أسماعنا منك خطبة ... وموعظة فضل يلين لها الصخر
ملأت بها كل القلوب مهابة ... فقد رجفت من خوف تخويفها مصر
سما لفظها فضلا على كل قائل ... وجل [٣] علاها أن يلم بها حصر
/ أشدت بها سامي المنابر رفعة ... تقاصر عن إدراكها الأنجم الزهر ١٠١/ أ
وزدت بها عدنان مجدا مؤثلا ... فأضحى لها بين الأنام بك الفخر
وسدت بني العباس حتى لقد غدا ... يباهي بك السجاد والعالم الحبر
فلله عصر أنت فيه إمامه ... وللَّه دين أنت فيه لنا الصدر
стр. 5927
بقيت على الإسلام والملك كلما ... تقادم عصر أنت فيه أتى عصر
وأصبحت بالعيد السعيد مهنأ ... يشرفنا فيه صلاتك والنحر
ونزل فنحر بدنه بيده، ثم دخل السرادق ووقع البكاء على الناس ودعوا له بالتوفيق والنصر، وأمر بجمع السفن كلها فعبر بها إلى الجانب الغربي، وانقطع عبور الناس بالكلية.
وأما السلطان فإنه بلغ إلى حلوان، فبعث من هنالك الأمير زنكي إلى واسط، فأزاح عنها عفيف الخادم فهرب حتى لحق بالخليفة، وأمر الخليفة بسد أبواب داره جميعها سوى باب النوبي، ورسم لحاجب الباب القعود عليه لحفظ الدار، ولم يبق من أصحاب الخليفة وحواشيه في الجانب الشرقي سواه.
وأقبل السلطان في يوم الثلاثاء ثامن عشر ذي الحجة إلى بغداد، فنزل بالشماسية ودخل بعض عسكره إلى بغداد فنزلوا في دور الناس وانبثوا في الحريم وغيره، وأمر/ ١٠١/ ب الخليفة بنقل الحرم والجواري إلى الحريم الطاهري من الجانب الغربي ونقل بعض رحله إلى دار العميد التي بقصر المأمون، ولم يزل السلطان يبعث الرسل إلى الخليفة ويتلطف به ويدعوه إلى الصلح والعود إلى داره، وهو لا يجيب، ثم وقف عسكر السلطان بالجانب الشرقي والعامة بالجانب الغربي [١] يسبون الأتراك، ويقولون: يا باطنية يا ملاحدة عصيتم أمير المؤمنين فعقودكم باطلة، وأنكحتكم فاسدة ثم تراموا بالنشاب.
قال المصنف ﵀: وفي هذه السنة حملت [٢] إلى أبي القاسم على بن يعلى العلوي وأنا صغير السن فلقنني كلمات من الوعظ، وألبسني قميصا من الفوط، ثم جلس لوداع أهل بغداد عند السور مستندا إلى الرباط الذي في آخر الحلبة، ورقاني إلى المنبر فأوردت الكلمات وحزر الجمع يومئذ فكانوا [نحو] [٣] خمسين ألفا، وكان يورد الأحاديث بأسانيدها، وينصر أهل السنة، ويقول: أنا علوي بلخي ما أنا علوي كرخي،
стр. 5928
وسمعت منه الحديث وأجاز لي جميع مسموعاته ومجموعاته، وأنشدنا يوم وداعه، وذكر أنها لأبي القاسم الجميل النيسابوري، وأنه سمعها منه:
سروري من الدهر لقياكم ... ودار سلامي مغناكم
وأنتم مدى أملي ما أعيش ... وما طاب عيشي لولاكم
جنابكم الرحب مرعى الكرام ... فلا صوح الدهر مرعاكم
كأن بأيديكم جنة ... ونارا فأرجو وأخشاكم
فحياكم الله كم حسرة ... أراني فراق محياكم
حشا البين يوم ارتحلتم حشاي ... بنار الهموم وحاشاكم
فيا ليت شعري ومن لي بأن ... أعيش إلى يوم ألقاكم
إذا ازدحمت في فؤادي الهموم ... أعلل قلبي بذكراكم
تود جفوني لو أنها ... مناخ لبعض مطاياكم
/ وأستنشق الريح من أرضكم ... لعلي أحظى برياكم
فلا تنسوا العهد ما بيننا ... فلسنا مدى الدهر ننساكم
فها أنتم أولياء النعيم ... وها أنا بالرق مولاكم
وخرج العلوي من بغداد في ربيع الآخر من هذه السنة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٩٣٩- أَحْمَد بن مُحَمَّد بن محمد، أبو الفتوح الغزالي الطوسي
[١] :
أخو أبى حامد، كان متصوفا متزهدا في أول أمره، ثم وعظ فكان متفوها وقبله العوام. وجلس في بغداد في التاجية ورباط بهروز، وجلس في دار السلطان محمود فأعطاه ألف دينار، فلما خرج رأى فرس الوزير في دهليز الدار بمركب ذهب وقلائد وطوق فركبه ومضى فأخبر الوزير، فقال: لا يتبعه أحد ولا يعاد إلى الفرس، وخرج يوما
стр. 5929
إلى ناعورة فسمعها تئن، فرمى طيلسانه عليها، وكان له نكت لطيفة إلا أن الغالب على كلامه التخليط ورواية الأحاديث الموضوعة والحكايات الفارغة والمعاني الفاسدة، وقد علق عنه كثير من ذلك، وقد رأينا من كلامه الذي علق عنه وعليه خطه إقرار بأنه كلامه.
فمن ذلك أنه قال: قال موسى رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، ٧: ١٤٣ قيل له: لَنْ تَرانِي ٧: ١٤٣، فقال [١] :
هذا شأنك تصطفي آدم ثم تسود وجهه وتخرجه من الجنة، وتدعوني إلى الطور ثم تشمت بي الأعداء، هذا عملك بالأخيار، كيف تصنع بالأعداء.
وقال: نزل إسرافيل بمفاتيح الكنوز على رسول الله ﷺ [٢] وجبريل جالس عنده فاصفر وجه جبريل، فَقَالَ رسول الله ﷺ : [يا إسرافيل [٣]] هل نقص مما عنده شيئا، ١٠٢/ ب قال: لا، قال: ما لا ينقص الواهب/ ما أريده. وقال: دخل يهودي إلى الشيخ أبي سعيد، فقال أريد أن أسلم، فقال له: لا ترد، فقال الناس: يا شيخ تمنعه من الإسلام، فقال له: تريد ولا بد، قال: نعم، قال:
برئت من نفسك ومالك، قال: نعم، قال: هذا الإسلام عندي احملوه الآن إلى الشيخ أبي حامد حتى يعلمه لا- لا المنافقين يعني لا إله إلا الله- قال أحمد الغزالي: الذي يقول لا إله إلا الله غير مقبول ظنوا أن قول لا إله إلا الله منشور ولايته أفنسوا عزله [٤] .
وحكى عنه القاضي أبو يعلى أنه صعد المنبر يوما، فقال: معاشر المسلمين كنت دائما أدعوكم إلى الله فأنا اليوم أحذركم منه، والله ما شدت الزنانير إلا من حبه، ولا أديت الجزية إلا في عشقه.
[وأنبأنا مُحَمَّد بن ناصر الحافظ، عن مُحَمَّد بن طاهر المقدسي قال: كان أحمد الغزالي آية من أيات الله تعالى في الكذب، توصل إلى الدنيا بالوعظ، سمعته يومًا بهمذان يقول: رأيت إبليس في وسط هذا الرباط يسجد لي فقال له: ويحك، إنه الله
стр. 5930
عز وجل أمره بالسجود لآدم فأبى. فقال: والله لقد سجد لي أكثر من سبعين مرة. فعلمت أنه لا يرجع إلى دين ومعتقد. قال: وكان يزعم أنه يَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عيانًا في يقظته لا في نومه، وكان يذكر على المنبر أنه كلما أشكل عليه أمر رأى رسول الله ﷺ فسأله على ذلك المشكل فدله على الصواب.
قال: وسمعته يومًا يحكي عن بعض المشايخ، فلما نزل سألته عنها فقال: أنا وضعتها في الوقت.
قال: وله من هذه الجهالات والحماقات ما لا يحصى.
قال مؤلف الكتاب:] [١] وكان أحمد الغزالي يتعصب لإبليس ويعذره، حتى قال يوما: لم يدر ذاك المسكين أن أظافر القضاء إذا حكت أدمت وقسى القدر إذا رمت أصمت ثم انشد.
وكنا وليلى في صعود من الهوى ... فلما توافينا ثبت وزلت
وقال: التقي موسى وإبليس عند عقبة الطور، فقال: يا إبليس لم لم تسجد لآدم؟ فقال كلاما كنت لأسجد لبشر يا موسى ادعيت التوحيد وأنا موحد، ثم التفت إلى غيره وأنت قلت أرني فنظرت إلى الجبل فأنا أصدق منك في التوحيد، قال: أسجد للغير ما سجدت من لم يتعلم التوحيد من إبليس فهو زنديق، يا موسى كلما ازداد محبة لغيري ازددت له عشقا.
قال المصنف [٢] : لقد عجبت من هذا الهذيان الذي قد صار عن جاهل بالحال، فإنه لو كان إبليس [غار [٣]] للَّه محبة ما حرض الناس على المعاصي، ولقد أدهشني نفاق هذا الهذيان في بغداد وهي دار العلم، ولقد حضر مجلسه يوسف الهمذاني، فقال: مدد كلام هذا شيطاني لا رباني ذهب دينه والدنيا لا تبقى له.
وشاع عن أحمد الغزالي [٤] أنه كان يقول بالشاهد، وينظر إلى/ المردان ١٠٣/ أ
стр. 5931
ويجالسهم، حتى حدثني أبو الحسين بن يوسف أنه كتب إليه في حق مملوك له تركي، فقرأ الرقعة ثم صاح باسمه، فقام إليه وصعد المنبر فقبل بين عينيه، وقال: هذا جواب الرقعة.
توفي أبو الفتوح في هذه السنة.
٣٩٤٠- بهرام بن بهرام، أبو شجاع البيع
[١] .
سمع الجوهري، والتنوخي، وكان سماعه صحيحا، وكان كريما، بنى مدرسة لأصحاب أحمد بباب الأزج عند باب كلواذى، ودفن فيها، ووقف قطعة من أملاكه على الفقهاء وسبل الخبر.
وكانت وفاته يوم الجمعة سادس عشر محرم.
٣٩٤١- صاعد بن سيار بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم، أبو العلاء الإسحاقي
[٢] :
من أهل هراة، سمع الحديث الكثير، وكان حافظا متقنا. روى عنه أشياخنا.
وتوفي بغورج، وغورج قرية على باب هراة [٣] .
стр. 5932
ثم دخلت سنة احدى وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها:
أن جماعة من عسكر السلطان محمود جاءوا ليدخلوا إلى دار الخلافة من باب النوبي فمنعتهم خاتون، فجاءوا إلى باب الغربة يوم الأربعاء رابع المحرم، ومعهم جماعة من الساسة والرعاع، وأخذوا مطارق الحدادين وكسروا باب الغربة، ودخلوا إلى التاج ونهبوا دار الخلافة مما يلي الشط، فخرج الجواري حاسرات يلطمن، فدخلن دار خاتون.
قال المصنف: فرأيتهن وأنا صبي يستشفعن وقد جئن صارخات، وجزن على باب المخزن فدخلن دار خاتون، وضج الناس كأن الدنيا تزلزلت، فأخبر الخليفة بالحال فخرج من السرادق، وأبو علي بن/ صدقه بين يديه وقدموا السفن في دفعة واحدة، ١٠٣/ ب ودخل العسكر في السلاح وترسوا في وجوههم وألبسوا الملاحين السلاح، ورماة النشاب من ورائهم، ورمى العيارون أنفسهم في الماء، فعبروا وعسكر السلطان مشغولون بالنهب، قد دخل منهم دار الخلافة نحو ألف في السلاح، فلما رأوا عسكر الخليفة قد عبر وقع عليهم الذلة فانهزموا، ووقع فيهم السيف، واختفوا في السراديب، فدخل عسكر الخليفة فأسروا جماعة وقتلوا جماعة من الأمراء، ونهب العوام دور أصحاب السلطان [ودخلوا [١]] دار وزيره، ودار العزيز بن نصر المستوفي، ودار أبي البركات الطبيب، وكانت عنده ودائع، فأخذ من داره ما قيمته ثلاثمائة ألف دينار، ودخلوا
стр. 5933
رباط بهروز وتعرضوا للمتصوفة، وهرب أصحاب السلطان وقتل منهم عدة وافرة في الدروب والمضايق، وبقي الخليفة والوزير بالجانب الغربي حتى نقلت الحرم والرحل الذي كانوا أودعوه في الحريم الطاهري ودار العميد، ثم عبر الخليفة إلى داره يوم السبت سابع المحرم ومعه العساكر، وحفروا الخنادق ليلا عند أبواب الدروب والمسالك، ورتب على أبواب المحال من يحرسها من ورود أصحاب السلطان، فبقي القتال على هذا أياما، وجاء من عسكر السلطان خلق كثير فخرج إليهم الوزير والنقيب والعسكر، فغدر أبو الفتح ابن ورام في جماعة معه وانتقلوا إلى العسكر السلطاني، فلما كان يوم عاشوراء انقطع القتال وترددت الرسل ولان الأمر، وقال السلطان: أريد أن ١٠٤/ أتبعث لي من يحلفني، وأنفذ بعد ذلك وزيري ليستوثق لي، / فمال الخليفة إلى الصلح، فبعث قاضي القضاة الزينبي، وَإِسْمَاعِيل الصوفي ونيفا وثلاثين شاهدا من المعدلين، فاحتبسهم ستة أيام، فقال الناس: قد قبض عليهم، ويئس الناس من الصلاح، وحفرت الخنادق، وسدت العقود، وسلم كل قطر من بغداد إلى شحنة، وأجفل أهل الجانب الغربي خوفا لكونهم سبوا السلطان وشتموه، وكانوا يقولون: يا باطني لما لم تقدر على غزو الروم جئت تغزو الخليفة والمسلمين، ودخل برنقش الزكوي على السلطان فأغراه بالناس فنفر السلطان، وقال: أنت تريد أن أنهب المسلمين وأغير القبلة، ثم تقدم من وقته إلى الوزير، وقال: أحضر الجماعة، فاحضروا وقت المغرب فصلى قاضي القضاة بالسلطان المغرب وسلم عليه، فأذن له في الجلوس، وقرأ عليه مكتوب الخليفة فقام قائما وقبل الأرض وقال: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين، ولم يخالف في شيء مما اقترح عليه وحلف، فعادوا بطيبة القلب وأصبح الناس مطمئنين، وفتحت العقود، وطمت الخنادق، ودخل أصحاب السلطان إلى البلد وهم [١] يقولون:
نحن منذ ثلاثة أيام ما أكلنا الخبز، ولو لم يقع الصلح متنا جوعا، وكان الخبز في معسكرهم كل منا بدانق ولم يوجد، وكانوا يسلقون الطعام في الماء ثم يأكلونه، وكان السعر في الحريم رخيصا، فما رئي سلطان قط حاصر بلدا فكان هو المحاصر إلا هذا، وظهر من السلطان حلم وافر عن العوام.
стр. 5934
وحكى أبو المكارم بن رميضاء السقلاطوني، قال: رأيت أبا سعد بن أبي عمامة في المنام حين اختصم المسترشد باللَّه ومحمود وعليه ثياب بياض، فسلمت عليه وقلت له: من أين أقبلت؟ قال: من عند الإمام/ أحمد بن حنبل وها هو ورائي، فالتفت فرأيت ١٠٤/ ب أحمد بن حنبل ومعه جماعة من أصحابه، فقلت: إلى أين تقصدون؟ قالوا: إلى أمير المؤمنين المسترشد باللَّه لندعو له بالنصر، فصحبتهم وانتهينا إلى الحربية إلى مسجد ابن القزويني، فقال الإمام أحمد بن حنبل: ندخل نأخذ الشيخ معنا، فدخل باب المسجد، وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته [١] ، فإذا الصوت من صدر المسجد: وعليك السلام يا أبا عبد الله، الإمام قد نصر، قال: فانتبهت مرعوبا وكان كما قال الشيخ.
ثم ان أصحاب السلطان طلبوا ما نهب من دورهم، فتقدم الخليفة إلى حاجب الباب وكان ابن الصاحب أن يأخذ العوام الذين نهبوا دور الأتراك، فقبض على عالم كثير لا يحصى، واسترد ما أمكن، وأشهد عليهم أنه متى ظهر مع أحد شيء من النهب أبيح دمه، ثم نفذ الخليفة إقبالًا، وابن الأنباري، وابن الصاحب وفي صحبتهم خيل وبغال وجواشن وتخوت ثياب، ثم أسرج الزبزب للوزير وجلس فيه وحجاب الديوان معه، وركب أرباب الدولة في السفن حول الزبزب، ونزل العوام في السفن وعلى الشط، وكان يوما عظيما، فدخل إلى السلطان وأدى الرسالة، فقام السلطان وقبل الأرض، ثم أذن للوزير في الانكفاء، فنهض فركب في الزبزب إلى أن وصل إلى دار وزير السلطان فصعد، فقعد عنده زمانا يتحادثان، ثم خرج فرحا، وتمكن أصحاب السلطان من بغداد ونودي من قبل السلطان أنه قد فتح دار ضرب، فمن لم يقبل ديناره أبيح دمه، فسمع الوزير بذلك فضمن للسلطان كل شهر ألف دينار، وأزال دار الضرب، ثم أعيد حق البيع، وكثر الانبساط، وجاء وزير السلطان إلى الخليفة في/ رابع صفر، فدخل إليه ١٠٥/ أفأكرمه كرامة لم يكرم بها وزير قط، ثم خلع عليه وخلا هو وزير الخليفة فتحادثا طويلا [٢] .
ومرض السلطان في المدائن وغشي عليه، ووقع من على الفرس، وكان مريضا
стр. 5935
مرضا شديدا، فبعث له الخليفة أدوية وهدايا، وبعث عشرة آلاف رطل خبز وعشرة أرؤس من البقر وتمرا كثيرا تصدق عنه، ثم ركب في حادي عشر صفر، ثم انتكس وأرجف عليه، وكان الخليفة قد هيأ له الخلع ليجيء إليه فيخلع عليه، فمنعه المرض، وأشار عليه الطبيب بالخروج من بغداد، فبعث الخليفة الخلع مع الوزير ابن صدقة فخلعها عليه وهو مطروح على جانبه، وانصرف ثم رحل السلطان في ثاني عشر ربيع الآخر، وأقام في المرج أياما، ورحل يطلب همذان، وفوض شحنكية بغداد إلى زنكي.
وجلس ابن سلمان يدرس في النظامية، ورخصت الأسعار ببغداد، ثم وصل الخبر من همذان في جمادى الآخرة بأن السلطان قبض على العزيز وصادره واعتقله، وعلى الوزير فصادره واعتقله، وكان السبب ان الوزير تكلم على العزيز، وأن يرنقش تكلم على الوزير، وقال للسلطان: هذا أخذ الأموال من الخليفة واتفق هو ووزيره [وتحالفا [١]] على أن يرحلا بك من بغداد [٢] ولا تبلغ غرضا، فكل ما جرى عليك منه.
ثم بعث السلطان إلى أنوشروان وهو مقيم بالحريم الطاهري فاستوزر، فلم يكن ١٠٥/ ب له ما يتجهز به حتى بعث له/ الوزير جلال الدين من عند الخليفة الخيم والخيل وما يحتاج إليه، فرحل في مستهل رمضان إلى أصبهان، فأقام في الوزارة عشرة أشهر، ثم استعفى وعاد إلى بغداد.
[وصول بهروز الخادم إلى بغداد]
وفي اليوم الثالث من رمضان: وصل بهروز الخادم الملقب مجاهد الدين إلى بغداد وقد فوض السلطان إليه بغداد والحلة، وفوضت ولاية الموصل وما يجري مجراها إلى زنكي، فخرج إليها، وأرسل الخليفة علي بن طراد إلى سنجر لإبعاد دبيس من حضرته ومعه خلع فلبسها وأكرمه وأعطاه كوسات وأعلاما وبوقات، وأذن له في ضرب الطبل على بابه ثلاث صلوات، وأعطاه طوقا وفرسين وسيفين محلاة ولوائين، وبعث معه ابن صاعد خطيب نيسابور.
وجاء الخبر بأن سنجر قتل من الباطنية اثني عشر ألفا.
стр. 5936
ومن الحوادث في هذه السنة: أن أبا الفتوح الأسفراييني، وكان لا يعرف الحديث إنما هو في ذلك على عادة القصاص، سئل عن قول النبي ﷺ : «ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» فقال: هذا ليس بصحيح. والحديث في الصحيح. وقال: يوما على المنبر: قيل لرسول الله ﷺ كيف أصبحت؟ قال: أعمى بين عميان، ضالا بين ضلال. فنقل ذلك إلى الوزير ابن صدقة فاستحضره فأقر وأخذ يتأول بتأويلات باردة فاسدة، فقال الوزير للفقهاء: ما تقولون؟ فقال ابن سلمان مدرس النظامية [١] : / لو قال هذا الشافعيّ ١٠٦/ أما قبلنا منه ويجب على هذا أن يجدد إسلامه وتوبته. فمنع من الجلوس بعد أن استقر أن يجلس ويشد الزنار ويتوب، ثم يرحل من بغداد، فنصره قوم من الأكابر يميلون إلى اعتقاده، فأعادوه إلى الجلوس، وكان يتكلم بما يسقط حرمة المصحف من قلوب الناس فافتتن به [٢] خلق كثير.
[زيادة الفتن في بغداد]
وزادت الفتن في بغداد، وتعرض أصحاب أبي الفتوح بمسجد ابن جردة فرجموا ورجم معهم أبو الفتوح، وكان إذا ركب يلبس الحديد ومعه السيوف المجذبة تحفظه، ثم اجتاز بسوق الثلاثاء فرجم ورميت عليه الميتات. ومع هذا يقول: ليس هذا الذي نتلوه كلام الله إنما هو عبارة ومجاز، والكلام الحقيقي قائم بالنفس. فينفر أهل السنة كلما سمعوا هذا، فلما كان اليوم الذي دفن فيه أبو الحسن ابن الفاعوس انقلبت بغداد لموته، وغلقت الأسواق، وكان الحنابلة يصيحون على عادتهم هذا يوم سنى حنبلي لا قشيري ولا أشعري، ويصرخون بسبب أبي الفتوح، فمنعه المسترشد من الجلوس، وأمر أن لا يقيم ببغداد، وكان ابن صدقة يميل إلى مذهب أهل السنة فنصرهم.
فلما أن كان يوم الأحد العشرين من شوال: ظهر عند انسان وراق كراسة قد اشتراها في جملة كاغذ بذل من عنده فيها مكتوب القرآن، وقد كتب بين كل سطرين من القرآن سطر من الشعر على وزن أواخر لآيات، ففتش على كاتبها، فإذا به رجل/ معلم ١٠٦/ ب يقال له: ابن الأديب، فكبس بيته، فوجدوا فيه كراريس على هذا المعنى، فحمل إلى الديوان فسئل عن ذلك فأقر، وكان من أصحاب أبي الفتوح، فحمل على حمار، وشهر
стр. 5937
في البلد ونودي عليه، وهمت العامة بإحراقه فانتعش أهل السنة، ثم أذن لأبي الفتوح فجلس، وظهر عبد القادر فجلس في الحلبة فتشبث به أهل السنة وانتصروا بحسن اعتقاد الناس به.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٩٤٢- أحمد بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن أحمد بن عبد الله [١] بن محمود أبي عيسى بن المتوكل بن المعتصم بْن الرشيد بْن المهدي بْن المَنْصُور [٢] ، أبو السعادات المتوكلي
[٣] :
سمع أبا الغنائم ابن المأمون، وأبا جعفر ابن المسلمة، والخطيب وغيرهم، وكان سماعه صحيحا، وسمعت منه الحديث، وكتب لي إجازة بخطه، فذكر فيها نسبه الذي ذكرته.
وتوفي ليلة الخميس سابع عشرين رمضان مترديا من سطح داره بالتوثة، ودفن بمقبرة باب الدير، وبلغ ثمانين سنة.
٣٩٤٣-[عبد الجبار بن إبراهيم بن عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده، أبو نصر، الأصبهاني .
سمعت منه الحديث في سنة عشرين، وروى عن جماعة.
وتوفي في هذه السنة] . [٤]
٣٩٤٤- علي بن عبد الواحد بن أحمد بن العباس، أبو الحسن الدينَوَريّ
[٥] :
سمع أبا الحسن القزويني، وأبا محمد الخلال، والجوهري وغيرهم، وسمعت عليه الحديث.
وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
стр. 5938
٣٩٤٥- علي بن المبارك أبو الحسن المقرئ الزاهد ويعرف بابن الفاعوس
[١] :
كان من أصحاب الشريف أبي جعفر، وكان زاهدا يقرأ يوم الجمعة على الناس أحاديث قد جمعها بغير أسانيد.
حدثني أبو الحكم الفقيه، قال: كان يجيء ساقي الماء إلى حلقته فيأخذ منه الكوز ويشرب لئلا يظن أنه صائم.
وتوفي ليلة السبت تاسع عشر شوال، وانقلبت بغداد بموته، وغلقت الأسواق، وكان الجمع يفوق الاحصاء، واستغاث العوام بذكر السنة ولعن أهل البدعة [ودفن بقبر أحمد] [٢]
٣٩٤٦- فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن فضلويه الرازي
[٣] :
كانت واعظة متعبدة لها رباط/ تجتمع فيه الزاهدات، سمعت أبا جعفر ابن ١٠٧/ أالمسلمة، وأبا بكر الخطيب وغيرهما، وسمعت منها بقراءة شيخنا أبي الفضل بن ناصر، «كتاب ذم الغيبة» لإبراهيم الحربي، ومن مجالس ابن سمعون روايتها عن ابن النقور عنه، «ومسند الشافعيّ» وغير ذلك.
وتوفيت في ربيع الأول من هذه السنة.
٣٩٤٧- محمد بن الحسين بن بندار، أبو العز القلانسي المصري
[٤] :
ولد سنة خمس وثلاثين واربعمائة، وقرأ بالقراءات، وسمع الحديث من ابن المهتدي، وابن المأمون، وابن المسلمة، وغيرهم. وعمر فرحل الناس إليه من الأقطار للقراءات، نسبه شيخنا عبد الوهاب الأنماطي إلى الرفض، وأساء الثناء عليه.
وقال شيخنا أبو الفضل بن ناصر: ألحق سماعه في جزء.
وتوفي في شوال هذه السنة، ودفن بواسط.
стр. 5939
٣٩٤٨- محمد بن عبد الملك بن إبراهيم بن أَحْمَد، أَبُو الحسن بن أبي الفضل الهمذاني الفرضي
[١] :
من أصحاب التاريخ من أولاد المحدثين والأئمة، وذكر شيخنا عبد الوهاب ما يوجب الطعن فيه.
وتوفي فجاءة ليلة السبت سادس شوال [هذه السنة] [٢] ، ودفن إلى جنب أبيه عند قبر أبي العباس بن سريج.
стр. 5940
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه وصل علي بن طراد من عند سنجر ومعه رسول من عند سنجر وسأل أمير المؤمنين أن يؤذن له فيخطب على المنبر يوم الجمعة في جوامع بغداد فأذن له وخلع عليه [١] ، وخطب على المنابر كل جمعة في جامع.
وفي هذه- أعني السنة: توفي ابن صدقة الوزير وناب نقيب النقباء.
[مضى محمود إلى سنجر فاصطلحا]
وفيها مضى محمود إلى سنجر فاصطلحا بعد خشونة كانت بينهما، فسلم سنجر إليه دبيسا، وقال له: تعزل زنكي عن الموصل والشام وتسلم البلاد إلى دبيس، / وتسأل ١٠٧/ ب الخليفة أن يرضى عنه فأخذه ورحل.
وفي صفر: ظهرت ريح شديدة مع غيم كثير ومطر، واحمر الجو ما بين الظهر إلى العصر، وانزعج الناس، واحتملت الريح رملا أحمر ملأت به البراري والسطوح.
قال شيخنا ابن الزاغوني: وتقدم إلى نقيب النقباء ليخرج إلى سنجر فرفع إلى الخزانة ثلاثين ألف دينار ليعفي. وتقدم إلى شيخ الشيوخ فرفع خمسة عشر ألف دينار ليعفي.
وفي ربيع الأول: رتب أبو طاهر ابن الكرخي في قضاء واسط.
وفي جمادى الآخرة: رتب المنبجي في مدرسة خاتون المستظهرية رتبه موفق
стр. 5941
الخادم، وخرج بهروز لعمارة بثق النهروان ورتب الآلات.
وفي هذا الشهر: ظهر الخبر بتوجه دبيس إلى بغداد في عسكر عظيم، فانزعج أهل بغداد، وكوتب محمود فقيل له: إنك إن لم تمنعه من المجيء والا احتجنا أن نخرج إليه وينتقض العهد الذي بيننا وبينك، [فذكر أنه سيصل إلى بغداد] [١] ، وتطاولت للوزارة جماعة منهم عز الدولة بن المطلب، وابن الأنباري، وناصح الدولة ابن المسلمة، وأحمد بن النظام، فمنعوا من الخطاب في ذلك واجلس للنيابة في الديوان نقيب النقباء.
وفي رمضان: خلع على عز الدولة دراعة وعمامة بغير ذؤابة، وفرس ومركب، وجلس للهناء.
وفي شوال: وصل الخبر بأن السلطان محمود عزل أنوشروان من الوزارة، وكان هو قد سأل ذلك، وأخذ منه الدواة التي أعطاه والبغلة وصادر أهل همذان فأخذ منهم سبعين ألف دينار.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٩٤٩- الحسن بن على بن صدقة الوزير
[٢] :
وزر للمسترشد، وكان ذا رأي، ومدح المسترشد فقال:
وجدت الورى كالماء طعما ورقة ... وإن أمير المؤمنين زلاله
ولولا طريق الدين والشرع والتقى ... لقلت من الإعظام ﷻ
توفي في ليلة الأحد من هذه السنة.
стр. 5942
٣٩٥٠- الحسين بن علي [١] بن أبي القاسم، أبو علي اللامشي
[٢] .
من أهل سمرقند، روى الحديث وتفقه، وكان يضرب به المثل في النظر، وكان خيرا دينا على طريق السلف، مطرحا للتكلف أمارا بالمعروف، بعث رسولا من خاقان ملك ما وراء النهر إلى دار الخلافة، فقيل له: لو حججت فقد وصلت بغداد، فقال: لا أجعل الحج تبعا لرسالتهم، فرجع إلى سمرقند.
وتوفي في رمضان هذه السنة، وهو ابن إحدى وثمانين سنة.
٣٩٥١- محمد بن أسعد بن الفرج بن أحمد بن علي، أبو نصر الشيباني الحلواني
[٣] :
سمع أبا الحسين ابن الغريق، وأبا الغنائم ابن المأمون، وأبا جعفر ابن المسلمة، وغيرهم. وكان ثقة يسكن نهر القلائين.
وتوفي في رمضان من هذه السنة.
٣٩٥٢- موسى بن أحمد بن محمد، أبو القاسم السامري
[٤] :
كان يذكر أنه من أولاد أبي ذر الغفاري، وكان قد سمع [الحديث [٥]] الكثير وقرأ بالروايات، وتفقه على شيخنا أبي الحسن ابن الزاغوني، وناظر ورأيته يتكلم كلاما حسنا.
وتوفي في رابع رجب، ودفن بمقبرة أحمد بن حنبل.
стр. 5943
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها.
[دخول السلطان محمود إلى بغداد]
أنه دخل السلطان محمود إلى بغداد يوم تاسع عشر محرم، وأقام دبيس في بعض ١٠٨/ ب الطريق واجتهد في أن يمكن دبيس/ من الدخول أو أن يرضى عنه، ونفذ إلى زنكي ليسلم البلاد إلى دبيس فامتنع.
[ختم السلطان على أموال مدرسة الإمام أبي حنيفة]
وفي صفر: تقدم السلطان بالختم على [أموال] [١] مدرسة الإمام أبي حنيفة، ومطالبة وكلائه بالحساب [٢] ، ووكل بقاضي القضاة الزينبي لأجل ذلك، وكان قد قيل له أن دخل المكان نحو ثمانين ألف دينار وما ينفق عليه عشرة.
وفي هذا الشهر: درس اسعد الميهني [٣] بجامع القصر، لأن الوزير أحمد منعه من النظامية.
وفي الأحد سلخ ربيع الآخر: خلع المسترشد على نقيب النقباء أبي القاسم بن طراد واستوزره وضمن زنكي أن ينفذ للسلطان مائة ألف دينار وخيلا وثيابا على أن لا يغير عليه ساكنا، واستقر على الخليفة مثل ذلك على أن لا يولي دبيس، فباع الخليفة عقارا بالحريم وقرى وما زال يصحح. ثم ان دبيسا دخل بغداد بعد [٤] جلوس الوزير في الوزارة
стр. 5944
بثلاثة أيام، ودخل دار السلطان وركب في الميدان وقعد في دجلة في سفينة السلطان وراءه الناس، وجاء زنكي فألقى نفسه بين يدي السلطان وحمل معه هدايا فائقة فأكرمه وخلع عليه بعد ثلاثة أيام وأعاده إلى الموصل، ونفذ الخليفة إلى السلطان خلعا كان قد أعدها [له] [١] مع الوزير أبي القاسم الزينبي يوم الجمعة ثالث جمادى الآخرة، وكان الوزير في الزبزب والموكب في سفن والناس على دجلة، وفي السفن يدعون للخليفة والسلطان ويلعنون دبيسا.
وكان سنجر قد سلم دبيسا إلى ابنته امرأة محمود، فكانت هي التي تمانع عنه.
ورحل السلطان من العراق يطلب همذان يوم السبت رابع جمادى الآخرة وسلمت الحلة إلى بهروز والشحنكية/ أيضا. ١٠٩/ أواتفق أنه ماتت بنت سنجر التي كانت تدافع عن دبيس ومرض محمود فأخذ دبيس ولدا صغيرا لمحمود فلم يعلم به حتى قرب من بغداد فدون الخليفة العساكر وخرج بهروز من الحلة هاربا فقصدها دبيس فدخلها في رمضان، وبعث بهروز كاتبه يعلم السلطان بمجيء دبيس فوصلوا وهناك نظر الخادم قد بعث إلى السلطان ليقيمه من العزاء ويخلع عليه، فلما سمع نظر بذلك دخل على السلطان وعظم الأمر وقال [له] [٢] : منعت أمير المؤمنين أن يدون وسلطت عليه عدوه وكيف يكون الحال؟ فبعث السلطان فاحضر قزل والأحمد يكي [٣] ، وقال: أنتما ضمنتما دبيسا فلا أعرفه إلا منكما، فضمن الأحمد يكي ذلك [٤] على نفسه، ورحل يطلب العراق، فبعث دبيس إلى الخليفة: إنك إن رضيت عني رددت أضعاف ما نفذ من الأموال، وأكون المملوك، فقال الناس: هذا لا يؤمن، وباتوا تحت السلاح طول رمضان. هذا ودبيس يجمع الأموال ويبيع الغلة وقسط على القرى حتى إنه حصل على ما قيل خمسمائة ألف دينار [٥] ، وأنه قد دون عشرة آلاف
стр. 5945
فارس بعد أن وصل في ثلاثمائة، ثم إن الأحمد يكي [١] وصل إلى بغداد يوم الخميس تاسع عشر شوال، ودخل إلى الخليفة وأعطاه يده فقبلها، ثم خرج فعبر قاصدا [إلى] [٢] الحلة.
ووصل الخبر بأن السلطان قد وصل إلى حلوان، وجاءت العساكر وضاق الوقت على الحاج فأمر عليهم أمير سار بهم في ثمانية عشر يوما فلقوا شدة، فلما سمع دبيس ١٠٩/ ب هذه الأخبار بعث إلى السلطان برسالة وخمسة وخمسين مهرا عربية/ قد انتقاها، ونفذ ثلاثة بغال عليها صناديق مال، وذكر بعض أصحاب دبيس أنه قد أعد للسلطان أن أصلح نوبته مع الخليفة ثلاثمائة حصان له وللخليفة مثقلة [بالذهب [٣]] ، ومائتي ألف دينار، وإن لم يرض عنه دخل البرية، وأنه قد أعد الجمال والروايا والدقيق، فبلغه أن السلطان غير راض عنه في هذه النوبة فأخذ الصبي وخرج من الحلة لا يدري أين مقصده.
[وفي شعبان خلع على نور الدولة أبي الحسن علي بن طراد، وعقدت له النقابة على النقباء] ، [٤] ثم خرج الوزير لاستقبال السلطان يوم الجمعة رابع ذي القعدة فلقيه بما يسره، وأعطاه فرسه ومركبه وكانت قيمتها ثلاثين ألف دينار [٥] ، ثم مرض السلطان.
ووصل الخبر أن دبيسا دخل البصرة وأخذ منها أموالا كثيرة وجميع دخل السلطان والخليفة فبعث السلطان إليه عشرة آلاف فارس ومتقدمهم قزل، فلما علم دبيس جاء إلى نواحي الكوفة ثم قصد البرية وانقطع خبره.
وفي هذه السنة: خنق رجل يقال له ابن ناصر نفسه بحبل شده في السقف.
[قتل من كان يرمى بمذهب الباطنية في دمشق]
وفيها: قتل من كان يرمى بمذهب الباطنية في دمشق، وكان عددهم ستة آلاف.
وفيها: وصل الإفرنج إلى باب دمشق فنفذ بعبد الوهاب الواعظ من دمشق ومعه جماعة من التجار وهموا بكسر المنبر فوعدوا بأن ينفذ إلى السلطان ذلك.
стр. 5946
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٩٥٣- أسعد بن أبي نصر الميهني، أبو الفتح
[١] :
تفقه على أبي المظفر السمعاني وغيره، وبرع في الفقه، وفاق في النظر، وتقدم عند العوام والسلاطين، وحصل له مال كثير، ودخل بغداد، وفوض إليه التدريس في النظامية، وعلق بها جماعة/ تعليقة الخلاف، وأدركه الموت بهمذان في هذه السنة، فحكى بعض من كان يخدمه من الفقهاء قال: كنا معه في بيت وقد دنت وفاته، فقال لنا:
اخرجوا، فخرجنا فوقفنا على الباب وتسمعت فسمعته يلطم وجهه ويردد هذه الكلمات، ويقول: وا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وجعل يبكي ويلطم وجهه ويردد هذه الكلمات حتى مات.
٣٩٥٤- حمزة بن هبة الله بن محمد بن الحسن بن داود بن علي بن عيسى بن محمد بن القاسم بن الحسن [٢] بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الغنائم بن أبي البركات بن أبي الحسن
[٣] .
من أهل نيسابور، ولد سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وسمع الكثير، وحدث بالكثير، وضم إلى شرف النسب شرف التقوى، زيدي المذهب.
توفي في محرم هذه السنة.
٣٩٥٥- منصور بن هبة الله بن محمد، أبو الفوارس الموصلي الفقيه الحنفي:
كان من العدول، ثم ولي القضاء بنواح من سواد بغداد وكان من المجودين في النظر ومعرفة المذهب، وردت إليه الحسبة بالجانب الغربي.
وتوفي في صفر هذه السنة، ودفن بالخيزرانية.
٣٩٥٦- أبو المكارم بن المطلب، الملقب عز الدولة .
كان أستاذ دار الخليفة. فتوفي يوم الجمعة تاسع رجب هذه السنة.
стр. 5947
ثم دخلت سنة اربع وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها:
[ولاية ابن النرسي الحسبة]
أنه في خامس المحرم ولي ابن النرسي الحسبة، وعزل أبو عبد الله ابن الرطبي، وظهرت منه زلات كثيرة، وطولب بخمسمائة دينار.
قال شيخنا أبو الفضل بن ناصر: وكانت زلزلة عظيمة هائلة في [ليلة الجمعة] [١] السادس عشر من ربيع الأول سنة أربع وعشرين، وكان ذلك في آخر شباط، وكنت في ١١٠/ ب المسجد بين العشائين فماجت الأرض مرارا كثيرة/ من اليمين عن القبلة إلى الشمال، فلو دامت هلك الناس، ووقعت دور كثيرة ومساكن في الجانب الشرقي والغربي، ثم حدث موت محمود وفتن وحروب.
ووردت الأخبار في العشر الأخير من جمادى الأولى أنه ارتفع سحاب عظيم ببلد الموصل فأمطر مطرا كثيرا.
[هدم تاج الخليفة على دجلة]
وفي هذه السنة: أمر بهدم تاج الخليفة على دجلة لانه اشرف على الوقوع، فلما نقض وجد في أعلاه في الركن الشمالي مصحف جامع قد جعل في غلاف من ساج ولبس بصحائف الرصاص في رق بخط كوفي، فلم يعلم لذلك معنى إلا ان يكون للتبرك به، ثم أعيد بناء التاج في تمام السنة.
стр. 5948
ووصل الخبر بكسر الإفرنج من دمشق، وأنه قتل في تلك الوقعة عشرة آلاف نفس ولم يفلت منهم سوى [١] أربعين نفرا.
ووصل الخبر بأن خليفة مصر الآمر بأمر الله قتل فوثب عليه غلام له أرمني، فملك القاهرة وفرق على من تبعه من العسكر مالا عظيما، وأراد أن يتأمر على العسكر فخالفوه ومضوا إلى ابن الأفضل الذي كان خليفة قبل المقتول فعاهدوه [٢] ، وخرج فقصد القاهرة فقتلوا الغلام الذي في القاهرة، ونهبت ثلاثة أيام وملك ابن الأفضل.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٩٥٧- أحمد بن أبي القاسم بن رضوان صهر ابن يوسف:
سمع القاضي أبا يعلى، والجوهري، وكان سماعه صحيحا، وكان رجلا صالحا كثير الصدقة، وتوفي سحرة يوم الأحد غرة جمادى الآخرة، وصلى عليه بجامع القصر فحضر القضاة والفقهاء والشهود وأرباب المناصب والخلق الكثير، ودفن بباب حرب.
٣٩٥٨- إبراهيم بن عثمان بن محمد بن محمد، أبو إسحاق الغزي
[٣] :
من أهل غزة بلدة بفلسطين، وبها ولد الشافعي، ولد في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وكان أحد فضلاء الدهر ومن يضرب به المثل في صناعة الشعر، وكان له خاطر/ مستحسن وشعر مليح، ومن أشعاره قوله في قصيدة يصف فيها الأتراك: ١١١/ أ
في فتنة من جيوش الترك ما تركت ... للرعد كراتهم [٤] صوتا ولا صيتا
قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة ... حسنا وإن قوتلوا كانوا عفاريتا
стр. 5949
وله:
إنما هذه الدنيا متاع [١] ... والسفيه الغوي من يصطفيها
ما مضى فات والمؤمل غيب ... ولك الساعة التي أنت فيها
وله من قصيدة:
ليت الذي بالعشق دونك خصني ... يا ظالمي قسم المحبة بيننا
ألقى الهزبر فلا أخاف وثوبه [٢] ... ويروعني نظر الغزال إذا رنا
وله:
وقالوا بع فؤادك حين تهوى ... لعلك تشتري قلبا جديدا
إذا كان القديم هو المصافي ... وخان فكيف ائتمن الجديدا
وترك قول الشعر وغسل كثيرا منه، وقال:
قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة ... باب البواعث والدواعي مغلق
خلت البلاد فلا كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح يعشق
ومن العجائب أنه لا يشترى ... ويخان فيه مع الكساد ويسرق
خرج الغزي من مرو إلى بلخ، فتوفي في الطريق فحمل إلى بلخ فدفن بها، وكان يقول: إني لأرجو أن يعفو الله عني ويرحمني لأني شيخ مسن قد جاوزت السبعين، ولأني من بلد الإمام الشافعي.
وكان موته في هذه السنة حقق الله رجاءه.
٣٩٥٩- الآمر باللَّه خليفة مصر
[٣] :
١١١/ ب هجم عليه عشرة [غلمان] [٤] من غلمان/ الأفضل الذي كان من قبله فقتلوه في ثاني ذي القعدة من هذه السنة.
стр. 5950
٣٩٦٠- الحسين بن محمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن الحسين عبيد الله [١] بن القاسم بن سليمان بن وهب أبو عبد الله النحوي الشاعر المعروف بالبارع أخو أبي الكرم المبارك بن فاخر النحوي لأمه
[٢] :
ولد سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، وقرأ القرآن بالقراءات على أبي بكر الخياط، وأبى على ابن البناء، وغيرهما وأقرأ، وصنف له شيخنا أبو محمد المقرئ كتابا يتضمن الخلاف بما قرأه، وسمع الحديث من القاضي أبي يعلى ابن الفراء، وابن المسلمة، وأبي بكر الخياط، وغيرهم. وحدث عنهم.
قال المصنف: وسمعت منه الحديث، وكتب لي إجازة، وكان فاضلا عارفا باللغة والأدب، وله شعر مليح:
أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْد اللَّهِ الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن عبد الوهاب البارع أنه قال:
ردي علي الكرى ثم اهجري سكني ... فقد قنعت بطيف منك في الوسن
لا تحسبي النوم مذ أوحشت أطلبه [٣] ... إلا رجاء خيال منك يؤنسني
علمت بالهجر جنبي هجر مضجعه ... وبالفراق فؤادي صحبة الحزن
تركتني والهوى فردا أغالبه ... ونام ليلك عن هم يؤرقني
/ سلمت مما عناني فاستهنت به [٤] ... لا يعرف الشجو إلا كل ذي شجن ١٢/ أ
شتان بين خلي مطلق وشج ... في ربقة الحب كالمصفود في قرن
الله في كبدي الحرى عليك وفي ... قلبي المعنّى بما كلفته الضمن
أمسيت يشهد باد من ضنا جسدي ... بداخل من جوى في القلب مكتمن
إن كان يوجب ضري رحمتي فرضا ... بسوء حالي وخلى للضنا بدني
стр. 5951
يا هم نفسي في قرب وفي بعد ... وضن قلبي في حل وفي ظعن
لو قيل لي نل من الدنيا مناك لما [١] ... جعلت غيرك لي حظا من الزمن
منحتك القلب لا أبغي به ثمنا ... إلّا رضاك ووا فقري إلى الثمن
وله:
ذكر الأحباب والوطنا ... والصبا والألف والسكنا
فبكى شجوا [٢] وحق له ... مدنف بالشوق حلف ضنا
أبعدت مرمى به طرحت [٣] ... من خراسان به اليمنا
خلست من بين أضلعه ... بالنوى قلبا به ضمنا
من لمشتاق يميله ... ذات سجع [٤] ميلت فننا
لم تعرض بالحنين بمن ... مسعد؟ إلا وقلت أنا
لك يا ورقاء أسوة من ... لم تذيقي طرفه الوسنا
١١/ ب/ بك أنسى قبل أنسك بي ... فتعالي نبد ما كمنا
نتشاكى ما نجن إذا ... نحت شجوا صحت واحزنا
أنا لا أنت البعيد هوى ... أنا لا أنت الغريب هنا
أنا فرد يا حمام وها ... أنت والإلف القرين ثنا
اسرحا رأد النهار معا ... واسكنا جنح الدجى غصنا
وابكيا يا جارتيّ لما ... لعبت أيدي الفراق بنا
كم ترى أشكو البعاد وكم ... أندب الأطلال والزمنا
أين قلبي ما صنعت به؟ ... ما أرى صدري له سكنا
حان يوم النفر وهو معي ... فأبى أن يصحب البدنا
أبه حادي الرفاق حدا ... أم له داعي الفراق عنا
стр. 5952
لست يا الله أتهم في ... شأنه إلا ثلاث منا
خلسته لا أبرئها [١] ... عين ريم الخيف حين رنا
رفعت سجف القباب فلا ... الفرض أدينا ولا السننا
رشقتنا عن حواجبها [٢] ... بسهام تنفذ الجننا
كم أخي نسك وذي ورع [٣] ... جاء يبغي الحج فافتتنا
انصفوا يا موحشين لنا ... ليس هذا منكم حسنا
نحن وفد الله عندكم ... ما لكم جيرانه [٤] ولنا
توفي البارع الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن بباب حرب، وكان قد ضر في آخر عمره، وكان شيخنا ابن ناصر يقول: فيه تساهل وضعف.
٣٩٦١-/ سهل بن محمود بن محمد بن إِسْمَاعِيل أبو المعالي البراني
[٥] : ١١٣/ أوالبرّانية من قرى بخارى، سمع الحديث الكثير [وحدث [٦]] وتفقه، خرج إلى مكة فأغارت العرب على الحاج فبقي هو ورفقاؤه حفاة عراة، ثم تنقلوا إلى مكة، وقد فاتت الرفقة فجاور مكة، ثم خرج إلى اليمن فركب البحر ثم مضى إلى كرمان ثم خراسان. وكان إماما فاضلا مناظرا واعظا متشاغلا بالتعبد.
وتوفي ببخارى في هذه السنة.
٣٩٦٢-[عباد بن حميد بن طاهر بن عبد الله الحسنابادي الأصفهاني:
سمع من جماعة، وروى لنا الحديث، وتوفي بعد العشرين والخمسمائة] [٧] .
٣٩٦٣- محمد بن سعدون بن مرجا العبدري القرشي، أبو عامر الحافظ
[٨] :
أصله من برقة من بلاد المغرب، ودخل إلى بغداد في سنة أربع وثمانين
стр. 5953
وأربعمائة، فسمع من طراد، وابن النظر، ومالك البانياسي، والحميدي، ونظرائهم، حتى سمع من مشايخنا أبا بكر بن عبد الباقي، وابن السمرقندي، وكان يذهب مذهب داود. وكانت له معرفة بالحديث حسنة وفهم جيد، وكان متعففا في فقره، ومرض يومين.
وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن في مقبرة غلام الخلال.
٣٩٦٤- هبة الله بن القاسم بن عطاء بن محمد أبو سعد المهرواني
[١] [كان [٢]] حافظا لكتاب الله ، نبيلا من بيت العلم والورع والزهد والحديث، وكانت سيرته مرضية، انزوى في آخر عمره وترك مخالطة الناس [وأقبل على العبادة [٣]] .
وتوفي في جمادي الأولى من هذه السنة.
стр. 5954
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها.
أن دبيس بن صدقة ضل في طريقه فقبض عليه بحلة حسان بن مكتوم الكلبي من أعمال دمشق وانقطع أصحابه فلم يكن له منجى من العرب. فحمل إلى دمشق فحمله أميرها ابن طغتكين وباعه من زنكي [١] بن آقسنقر [صاحب الموصل والشام [٢]] بخمسين ألف دينار، وكان زنكي عدوه فظن أنه سيهلكه، فلما حصل في قبضته أكرمه وخوله المال والسلاح وقدمه على نفسه.
فلما ورد الخبر بذلك خلع على الرسول وأخرج ابن الأنباري إلى جانب دمشق ليتوصل في أخذه وحمله إلى دار الخلافة، فلما وصل إلى الرحبة قبض عليه أمير الرحبة بتقدم زنكي إليه، وحمل إلى قلعة الموصل.
[وصول الخبر أن مسعودا أخا محمود قد انفصل عن سنجر]
ووصل الخبر في ربيع الأول أن مسعودا أخا محمود قد انفصل عن سنجر وجاء يطلب السلطنة، وقد اجتمع إليه جماعة من الأمراء والعساكر فاختلط أمر محمود وعزم أن يرحل إليه، فبعث إلى المسترشد يستأذنه، فأجابه: إنك تعلم ما بيني وبينك من العهد واليمين وإني لا أخرج ولا أدون عسكرا، وإذا خرجت عاد العدو وملك [٣] الحلة وربما تجدد منه ما تعلم. فقال له: متى رحلت عن العراق وجدت له حركة وخفت على
стр. 5955
نفسك وعلى المسلمين وتجدد لي أمر مع أخي فلم أقدر على المجيء فقد نزلت عن اليمين التي بيننا، فمهما رأيت من المصلحة فافعله.
فخلع عليه الخلع السنية، وخرج ثم أرسل مسعود بما يطيب القلب فالتقيا وتحالفا [١] واعتنقا، وحمل مسعود الغاشية بين يديه، وبعث وزير محمود من الآلات ما ١١٤/ أقوم مائة وخمسين ألف دينار، وأعطاه السلطان/ العساكر والأجناد ورحل
. وتوفي ولد المسترشد بالجدري، وكان ابن إحدى وعشرين سنة فقعدوا للعزاء به يومين، وقطع ضرب الطبل لأجله.
وفي رجب: أعيد الغيار على أهل الذمة.
وتوفي السلطان محمود، فأقاموا مكانه ابنه داود، وأقيمت له الخطبة ببلاد الجبل وآذربيجان، وكان أحمد بكى أتابكه، والوزير أبو القاسم الملقب قوام الدين وزيره، وقصد حرب عمه مسعود [وتقدم [٢]] بقطع الجسر من رأس نهر عيسى ونصبه بباب الغربة يوم الأحد ثالث عشرين ذي القعدة فكثرت الأراجيف [لنقله] [٣] وصار مستنزها مليحا يجتمع الناس بعد العصر تحت الرقة كما كانوا يجتمعون في الرحبة.
وفي يوم الاثنين الثاني عشر من شوال: أحضر كثير بن شماليق، وأبو المعالي بن شافع، وأبو المظفر ابن الصباغ وقد شهدوا شهادة زور [٤] اعتمدوها، وأخذوا عليها رشوة كبيرة في دار مرهونة بكتاب دين ورهن، واعتمد الراهن وهي امرأة [٥] أقرت بها بعد ذلك لابنتها تقصد بذلك إخراجها عن الرهن فأقروا على ذلك، فلما ثبت أنهم [٦] شهدوا بالزور في القضية، أخرجوا إلى باب النوبي مع حاجب الباب وابن النرسي المحتسب [وأقيموا على الدكة [٧]] ودرروا ثلاثتهم وحضر ذلك الخاص والعام، وأعيدوا إلى حجرة حاجب الباب.