يا هم نفسي في قرب وفي بعد ... وضن قلبي في حل وفي ظعن
لو قيل لي نل من الدنيا مناك لما [١] ... جعلت غيرك لي حظا من الزمن
منحتك القلب لا أبغي به ثمنا ... إلّا رضاك ووا فقري إلى الثمن
وله:
ذكر الأحباب والوطنا ... والصبا والألف والسكنا
فبكى شجوا [٢] وحق له ... مدنف بالشوق حلف ضنا
أبعدت مرمى به طرحت [٣] ... من خراسان به اليمنا
خلست من بين أضلعه ... بالنوى قلبا به ضمنا
من لمشتاق يميله ... ذات سجع [٤] ميلت فننا
لم تعرض بالحنين بمن ... مسعد؟ إلا وقلت أنا
لك يا ورقاء أسوة من ... لم تذيقي طرفه الوسنا
١١/ ب/ بك أنسى قبل أنسك بي ... فتعالي نبد ما كمنا
نتشاكى ما نجن إذا ... نحت شجوا صحت واحزنا
أنا لا أنت البعيد هوى ... أنا لا أنت الغريب هنا
أنا فرد يا حمام وها ... أنت والإلف القرين ثنا
اسرحا رأد النهار معا ... واسكنا جنح الدجى غصنا
وابكيا يا جارتيّ لما ... لعبت أيدي الفراق بنا
كم ترى أشكو البعاد وكم ... أندب الأطلال والزمنا
أين قلبي ما صنعت به؟ ... ما أرى صدري له سكنا
حان يوم النفر وهو معي ... فأبى أن يصحب البدنا
أبه حادي الرفاق حدا ... أم له داعي الفراق عنا
стр. 5952
لست يا الله أتهم في ... شأنه إلا ثلاث منا
خلسته لا أبرئها [١] ... عين ريم الخيف حين رنا
رفعت سجف القباب فلا ... الفرض أدينا ولا السننا
رشقتنا عن حواجبها [٢] ... بسهام تنفذ الجننا
كم أخي نسك وذي ورع [٣] ... جاء يبغي الحج فافتتنا
انصفوا يا موحشين لنا ... ليس هذا منكم حسنا
نحن وفد الله عندكم ... ما لكم جيرانه [٤] ولنا
توفي البارع الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن بباب حرب، وكان قد ضر في آخر عمره، وكان شيخنا ابن ناصر يقول: فيه تساهل وضعف.
٣٩٦١-/ سهل بن محمود بن محمد بن إِسْمَاعِيل أبو المعالي البراني
[٥] : ١١٣/ أوالبرّانية من قرى بخارى، سمع الحديث الكثير [وحدث [٦]] وتفقه، خرج إلى مكة فأغارت العرب على الحاج فبقي هو ورفقاؤه حفاة عراة، ثم تنقلوا إلى مكة، وقد فاتت الرفقة فجاور مكة، ثم خرج إلى اليمن فركب البحر ثم مضى إلى كرمان ثم خراسان. وكان إماما فاضلا مناظرا واعظا متشاغلا بالتعبد.
وتوفي ببخارى في هذه السنة.
٣٩٦٢-[عباد بن حميد بن طاهر بن عبد الله الحسنابادي الأصفهاني:
سمع من جماعة، وروى لنا الحديث، وتوفي بعد العشرين والخمسمائة] [٧] .
٣٩٦٣- محمد بن سعدون بن مرجا العبدري القرشي، أبو عامر الحافظ
[٨] :
أصله من برقة من بلاد المغرب، ودخل إلى بغداد في سنة أربع وثمانين
стр. 5953
وأربعمائة، فسمع من طراد، وابن النظر، ومالك البانياسي، والحميدي، ونظرائهم، حتى سمع من مشايخنا أبا بكر بن عبد الباقي، وابن السمرقندي، وكان يذهب مذهب داود. وكانت له معرفة بالحديث حسنة وفهم جيد، وكان متعففا في فقره، ومرض يومين.
وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن في مقبرة غلام الخلال.
٣٩٦٤- هبة الله بن القاسم بن عطاء بن محمد أبو سعد المهرواني
[١] [كان [٢]] حافظا لكتاب الله ، نبيلا من بيت العلم والورع والزهد والحديث، وكانت سيرته مرضية، انزوى في آخر عمره وترك مخالطة الناس [وأقبل على العبادة [٣]] .
وتوفي في جمادي الأولى من هذه السنة.
стр. 5954
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها.
أن دبيس بن صدقة ضل في طريقه فقبض عليه بحلة حسان بن مكتوم الكلبي من أعمال دمشق وانقطع أصحابه فلم يكن له منجى من العرب. فحمل إلى دمشق فحمله أميرها ابن طغتكين وباعه من زنكي [١] بن آقسنقر [صاحب الموصل والشام [٢]] بخمسين ألف دينار، وكان زنكي عدوه فظن أنه سيهلكه، فلما حصل في قبضته أكرمه وخوله المال والسلاح وقدمه على نفسه.
فلما ورد الخبر بذلك خلع على الرسول وأخرج ابن الأنباري إلى جانب دمشق ليتوصل في أخذه وحمله إلى دار الخلافة، فلما وصل إلى الرحبة قبض عليه أمير الرحبة بتقدم زنكي إليه، وحمل إلى قلعة الموصل.
[وصول الخبر أن مسعودا أخا محمود قد انفصل عن سنجر]
ووصل الخبر في ربيع الأول أن مسعودا أخا محمود قد انفصل عن سنجر وجاء يطلب السلطنة، وقد اجتمع إليه جماعة من الأمراء والعساكر فاختلط أمر محمود وعزم أن يرحل إليه، فبعث إلى المسترشد يستأذنه، فأجابه: إنك تعلم ما بيني وبينك من العهد واليمين وإني لا أخرج ولا أدون عسكرا، وإذا خرجت عاد العدو وملك [٣] الحلة وربما تجدد منه ما تعلم. فقال له: متى رحلت عن العراق وجدت له حركة وخفت على
стр. 5955
نفسك وعلى المسلمين وتجدد لي أمر مع أخي فلم أقدر على المجيء فقد نزلت عن اليمين التي بيننا، فمهما رأيت من المصلحة فافعله.
فخلع عليه الخلع السنية، وخرج ثم أرسل مسعود بما يطيب القلب فالتقيا وتحالفا [١] واعتنقا، وحمل مسعود الغاشية بين يديه، وبعث وزير محمود من الآلات ما ١١٤/ أقوم مائة وخمسين ألف دينار، وأعطاه السلطان/ العساكر والأجناد ورحل
. وتوفي ولد المسترشد بالجدري، وكان ابن إحدى وعشرين سنة فقعدوا للعزاء به يومين، وقطع ضرب الطبل لأجله.
وفي رجب: أعيد الغيار على أهل الذمة.
وتوفي السلطان محمود، فأقاموا مكانه ابنه داود، وأقيمت له الخطبة ببلاد الجبل وآذربيجان، وكان أحمد بكى أتابكه، والوزير أبو القاسم الملقب قوام الدين وزيره، وقصد حرب عمه مسعود [وتقدم [٢]] بقطع الجسر من رأس نهر عيسى ونصبه بباب الغربة يوم الأحد ثالث عشرين ذي القعدة فكثرت الأراجيف [لنقله] [٣] وصار مستنزها مليحا يجتمع الناس بعد العصر تحت الرقة كما كانوا يجتمعون في الرحبة.
وفي يوم الاثنين الثاني عشر من شوال: أحضر كثير بن شماليق، وأبو المعالي بن شافع، وأبو المظفر ابن الصباغ وقد شهدوا شهادة زور [٤] اعتمدوها، وأخذوا عليها رشوة كبيرة في دار مرهونة بكتاب دين ورهن، واعتمد الراهن وهي امرأة [٥] أقرت بها بعد ذلك لابنتها تقصد بذلك إخراجها عن الرهن فأقروا على ذلك، فلما ثبت أنهم [٦] شهدوا بالزور في القضية، أخرجوا إلى باب النوبي مع حاجب الباب وابن النرسي المحتسب [وأقيموا على الدكة [٧]] ودرروا ثلاثتهم وحضر ذلك الخاص والعام، وأعيدوا إلى حجرة حاجب الباب.
стр. 5956
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٩٦٥- أحمد بن علي بن محمد، أبو السعود ابن المحلى [١] البزاز:
ولد/ سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، وسمع أبا الحسين بن المهتدي، وأبا جعفر ١١٤/ ب ابن المسلمة، وابن النقور، والخطيب، وغيرهم. وحدث عنهم، وكان سماعه صحيحا، وكان شيخا صالحا ذا هيبة وستر، سمعت منه الحديث، ورأيته يذكر بجامع المنصور في يوم عرفة.
وتوفي الاثنين ثامن ربيع الأول، ودفن بمقبرة جامع المنصور.
٣٩٦٦- أحمد بن محمد بن عبد القاهر، أبو نصر الطوسي
[٢] :
سمع المهتدي، وابن المسلمة، وابن النقور، وكان سماعه صحيحا، وتفقه على أبي إسحاق، وكان شيخا لطيفا عليه نور.
قال المصنف: وسمعت منه الحديث، وأجاز لي جميع رواياته. وأنشدني أشعارا حسنة، فمنها أنه أنشدني:
على كل حال فاجعل الحزم عدة ... تقدمه بين النوائب والدهر
فإن نلت خيرا نلته بعزيمة ... وإن قصرت عنك الخطوب فعن عذر
وأنشدني:
لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا ... وقمت أشكو إلى مولاي ما أجد
وقلت يا عدتي في كل نائبة ... ومن عليه لكشف الضر أعتمد
وقد [مددت] [٣] يدي بالذل صاغرة ... إليك يا خير من مدت إليه يد
فلا تردنها يا رب خائبة ... فبحر جودك يروي كل من يرد
/ وكان أبو نصر الطوسي يصلي بمسجد في درب الشاكرية من نهر معلى، ١١٥/ أ
стр. 5957
ويروي الحديث، ثم سافر إلى الموصل.
فتوفي بها يوم السبت لحادي عشرين ربيع الأول من هذه السنة.
٣٩٦٧- الحسن بن سلمان بن عبد الله ابن الفتى، أبو علي الفقيه
[١] :
ورد بغداد ودرس بالنظامية ووعظ في جامع القصر، وكان له علم بالأدب ولم يكن قائما بشروط الوعظ، فكان يقول: أنا في الوعظ مبتدى، وأنا في الفقه منتهي. غير أنه أنشأ خطبا كان يذكرها في مجالس الوعظ [٢] ينظم فيها مذهب الأشعري، فنفقت على أهل بغداد، ومال على أصحاب الحديث والحنابلة فاستلب عاجلا.
فتوفي في شوال هذه السنة، وغسله القاضي أبو العباس ابن الرطبي وصلى عليه في جامع القصر، ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق.
٣٩٦٨- حماد بن مسلم، الرحبي الدباس
[٣] :
سمع الحديث من أبي الفضل وغيره إلا أنه كان على طريقة التصوف، يدعي المعرفة والمكاشفة وعلوم الباطن، وكان عاريا من علوم الشريعة [٤] ، ولم ينفق إلا على الجهال، وكان ابن عقيل ينفر الناس عنه حتى إنَّه بلغه أنه يعطي كل من يشكو إليه الحصى [٥] لوزة وزبيبة ليأكلها فيبرا، فبعث إليه ابن عقيل إن عدت إلى مثل هذا ضربت عنقك، وكان يقول: ابن عقيل عدوى وكان الناس ينذرون [٦] له النذور فيقبل الأموال، ١١٥/ ب ويفرقها على أصحابه، ثم كره قبول النذر لقول رَسُولُ اللَّهِ ﷺ / «إِنَّ النذر يستخرج من البخيل» ، فصار يأكل بالمنامات، كان يجيء الرجل فيقول قد رأيت في المنام أعط حمادا كذا، فاجتمع له أصحاب ينفق عليهم ما يفتح له.
ومات في رمضان من هذه السنة، ودفن بالشونيزية.
стр. 5958
٣٩٦٩- علي بن المستظهر، الأمير، أبو الحسن
[١] :
توفي في رجب هذه السنة، وحمل في الزبزب، وقعدوا للعزاء به.
٣٩٧٠- محمد بن أحمد بن الفضل [٢] الماهياني:
وماهيان قرية من قرى مرو، تفقه بمرو على أبي الفضل التميمي، ثم مضى إلى نيسابور فأقام مدة عند أبي المعالي الجويني، وتفقه عليه، وسمع بها الحديث منه، ومن أبي صالح المؤذن، ومن أبي بكر الشيرازي، وأبي الحسن الواحدي، ثم سافر إلى بغداد، فأقام عند أبي سعد المتولي [٣] يتفقه عليه، وسمع بها أبا نصر الزينبي وغيره، وتوفي في رجب هذه السنة، وقد قارب التسعين، ودفن بقريته ماهيان.
٣٩٧١- محمد بن الحسن بن علي بن الحسن، أبو غالب الماوردي
[٤] :
ولد سنة خمسين واربعمائة بالبصرة، وسمع الحديث الكثير [بالبصرة وبغداد وأصبهان وكتب بخطه الكثير [٥]] ، وكان يورق للناس، وكان شيخا صالحا وسمعت عليه الحديث، وتوفي في رمضان هذه السنة، ودفن على باب مسجد الجنائز بقرب قبر معروف على الطريق، ورئي في المنام فقال: غفر الله لي ببركات حَدِيث رَسُول اللَّه ﷺ وأعطاني جميع ما أملته.
٣٩٧٢- محمد بن الحسين بن محمد بن علي، أبو تمام بن أبي طالب الزينبي
[٦] :
بيته معروف، [٧] ولد سنة ست وأربعين، وسمع من القاضيين ابن المهتدي، وابن الفراء وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة، وصلى عليه في جامع الخليفة ابن عمه علي بن طراد، ودفن في تربة أبي الحسن القزويني بالحربية.
стр. 5959
٣٩٧٣- محمد بن عمر بن عبد العزيز بن طاهر، أبو بكر الحنفي المقرئ يعرف بكاك
[١] :
من أهل بخارى سافر البلاد فسمع بنيسابور وبخارى وسمرقند [وهمذان] [٢] وبغداد، وأقام بها مدة، ثم عاد إلى ما وراء النهر، وسكن سمرقند ثم عاد إلى الحجاز وحدث بالحرمين وغيرهما، وكان أديبا فاضلا صالحا مكثرا من الحديث.
وتوفي [بالأجفر] [٣] في محرم هذه السنة.
٣٩٧٤- محمود [بن محمد] ، بن ملك شاه
[٤] :
توفي يوم الخميس خامس عشر شوال من هذه السنة، وجلس الناس للعزاء به ثلاثة أيام.
٣٩٧٥- هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بن أحمد بن العباس بن الحصين، أبو القاسم الشيباني الكاتب
[٥] :
ولد سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وبكر به أبوه وبأخيه أبي غالب عبد الواحد، فأسمعهما من أبي علي ابن المذهب، وأبي طالب بن غيلان، والتنوخي وغيرهم، وعمر حتى صار سيد أهل عصره، فرحل إليه الطلبة وازدحموا عليه، وكان ثقة صحيح السماع، وسمعت منه مسند الإمام أحمد جميعه، والغيلانيات جميعها، وأجزاء المزكي، وهو آخر من حدث بذاك، وسمعت منه غير ذلك بقراءة شيخنا ابن ناصر، وكنت/ ممن كتبها عنه، وتوفي بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء رابع عشر شوال، وترك إلى يوم الجمعة، وأشرف على غسله شيخنا أبو الفضل بن ناصر وصلى عليه أيضا بوصية منه في جامع القصر، ثم حمل إلى جامع المنصور فصلى عليه شيخنا عبد الوهاب ابن المبارك الأنماطي، ودفن يومئذ بباب حرب عند بشر الحافي.
стр. 5960
ثم دخلت سنة ست وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه كان قد جرى في أواخر السنة الماضية كلام يتعلق بدار الضرب وشكا العمال [١] أنهم يخسرون، فنهض ابن حريقا وكذبهم، وقال: بل يربحون كثيرا، وعرض هذا الكلام على صاحب المخزن ابن طلحة فأراه عن ذلك [٢] ومنعه من الكلام فيه، فبلغ الخبر إلى المسترشد فأمر بحسابهم، فإذا ربحهم كثير، فظهر أن صاحب المخزن يعاونهم، وذكر أنه كان يأخذ منهم كل شهر سبعين دينارا فثبت ذلك عليه، فأمر المسترشد بنقل النظر في ذلك إلى الديوان فانكسر صاحب المخزن بذلك كسرة عظيمة، وكان تمام ذلك في أول المحرم هذه السنة فصار صاحب المخزن يجلس ساعة في المخزن بعد أن كان يكون فيه معظم النهار، ولا يحضر باب الحجرة لما ظهر من ذلك عليه.
وخرج التوقيع إلى شرف الدين الوزير بأنك المعتمد عليه، والأمر ما تأمر به وأنت المختص بالثقة، فقوي جأشه بذلك.
وفي المحرم: تقدم الخليفة بحراسة الغلات وأوجب ذلك الغلاء، فصار كر الشعير باثني عشر دينارا.
стр. 5961
ووصل مسعود بن محمود إلى بغداد في عشرة آلاف، وورد قراجا الساقي ومعه سلجوق شاه بن محمد، وكلاهما يطلب السلطنة، وانحدر زنكي بن آقسنقر الموصلي لينضم إلى مسعود، فلما بلغ تكريت خلف قراجا الملك سلجوق شاه في عدد يسير وأمرهم بمدافعة مسعود إلى أن يعود، وأسرى في يوم وليلة إلى تكريت فواقع زنكي فهزمه وأسر جماعة من أصحابه وعاد بهم، ثم دخل السفراء بينهم فوقع الاتفاق واجتمع مسعود وسلجوق وقراجا، وأحلفهم المسترشد على التوافق والطاعة والاجتماع، وكان قراجا يتحكم على مسعود [١] وسلجوق جميعا.
[أرجف الناس بمجيء سنجر]
وأرجف الناس بمجيء سنجر، فعمل السور [٢] ، وجبي العقار، وظهر على كتاب كتبه الغزنوي إلى وزير سنجر فأهين، وخرجوا متوجهين لحرب السلطان سنجر بعد أن أفرد العراق جميعه للوكلاء ووقع الاتفاق واستظهر بالأيمان وألزم المسترشد قراجا بالخروج فكرهه ولم يجد بدا من الموافقة، فإنه تهدد وتوعد حتى قيل له: إن الذي تخاف من سنجر في الآجل نحن نعجله لك الآن.
وبعث سنجر يقول: أنا العبد، فما أردت مني فعلت، فلم يقبل منه وسار الجماعة وخرج المسترشد بعدهم بأيام من باب النصر في سادس جمادى الآخرة والكل مشاة بين ١١٧/ ب يديه إلى ان خرج [من [٣]] عقد السور، ثم تقدم [٤] / بأن يركب الوزير وحده إلى ان خرجوا [من [٥]] عقد السور، فركبوا وضج الناس بالدعاء، وباتوا يختمون الختمات ويدعون. ١١٦/ ب ثم رحل في ثاني رجب، وقطعت خطبة سنجر في ثالث رجب وسار على تثبط إلى خانقين، فأقام بها، وورد سنجر إلى همذان فكانت الواقعة قريبا من الدينور، وكان مع سنجر مائة ألف وستون ألفا، وكان مع قراجا ومسعود ثلاثون ألفا فأحصى القتلى، فكانوا
стр. 5962
أربعين ألفا، فقتل قراجا وأجلس طغرل بن محمد على سرير الملك، وعاد سنجر إلى بلاده وكاتب دبيسا وزنكي بقصد بغداد وفتحها، فتوجها إليها من الموصل بالعدة التامة في سبعة آلاف فارس، فبلغ المسترشد اختلاط بغداد وكسرة العسكر، فخرج من السرادق بيده سيف مجذوب، وسكن العسكر وخاف على نفسه وعلى الخزانة وعاد من خانقين وزنكي ودبيس قد شارفا بغداد من غربيها، فعبر الخليفة إلى الجانب الغربي في ألفي فارس وضعف عنهما فطلب المقاربة فاشتطا وكرست ميسرته فكشف الطرحة ولبس البردة وجذب السيف وحمل العسكر فانهزما وقتلت من القوم مقتلة عظيمة، وطلب زنكي تكريت ودبيس الفرات.
[الوقعة بين طغرل بن محمد وداود بن محمود]
وفي هذه السنة: كانت الوقعة بين طغرل [١] بن محمد وبين داود بن محمود وآقسنقر الأحمد يكي، وكان الظفر فيها لطغرل بهمذان.
/ وفيها: وزر أنوشروان بن خالد للمسترشد، بعث إليه صاحب المخزن ابن ١١٨/ أطلحة يقول له: ان أمير المؤمنين قد عول عليك في الوزارة، فينبغي أن تسارع إلى ذلك، فأخذ يعتذر ويقول قد عرف حالي، وإني لما وزرت للسلطان محمود طلبت الإقالة وقد رضيت من الدنيا بمكاني هذا، فقبل عني الأرض، وسل لي الإعفاء، فلم يعف، فأجاب فعرضت عليه دار ابن صدقة فامتنع، وقال: كإن له على حق، وذلك أنه كان يصله كل سنة بمال كثير فاقتصر على دار ابن ودعة فعمرت، وعاد دبيس بعد الهزيمة يلوذ ببلاده، وجمع جميعا وكانت الحلة وأعمالها في يد إقبال المسترشدي، وأمد بعسكر بغداد فهزم دبيس وحصل في أجمة فيها ماء وقصب ثلاثة أيام لا يطعم حتى أخرجه جماس على ظهره وخلصه، ووصل الملك داود والأحمد يكي إلى بغداد [٢] ، ووصل ولد منصور بن سيف الدولة يوم السبت ثالث عشرين شعبان في خمسين فارسا، فلم يعلم به أحد حتى نزل، وقبل عتبة باب النوبي وتمور على الصخرة [٣] ، وقال: أنا فلان بن فلان جئت إلى أمير المؤمنين فإما أن يلحقني بأبي فأستريح، وإما أن يعفو عني،
стр. 5963
فأنهى ذلك فعفي عنه [١] ، وأعطي دارا وإصطبلا ودنانير.
وفي يوم الجمعة تاسع عشرين شعبان: قبض الخليفة على الوزير شرف الدين، وقبض معه على الحسين بن محمد ابن الوزان كاتب الزمام، ووكل بالوزير بباب الغربة ١١٨/ ب وأخذ من بيته خمسا/ وسبعين قطعة فضة سوى المراكب، ونيفا وثلاثين قطعة ذهب سوى المراكب، ووجد في داره البدنة [٢] الحب التي أخذها دبيس من الأمير أبي الحسن لما أسره ومعضدة قيمتها مائة ألف دينار، ونقل من الرحل والأثاث ثلاثة أيام، ونحو خمسمائة رأس من خيل وإبل وبغال سوى ما ظهر من المال.
وفي آخر ذي القعدة: أخرج الوزير من الحبس وأخذ خطه بثلاثين ألفا.
قال شيخنا أبو الحسن: وأحضر نازح خادم خاتون المستظهرية فقيل له: أنت حافظ خاتون، وقد قذفت بابن المهير [٣] ، فصفع وأخذت خيله وقريته، وقتل ابن المهير، وأظهر أنه هرب وأظهر أمرهما خدم، فكوتب سنجر بذلك وحل المسترشد إقطاعها وأقام معها في دارها من يحفظها إلى أن يأتي جواب سنجر، وأخذ إصطبل خيلها فبيع وعمر آدر وتألمت من ذلك وكتبت إلى سنجر، فقيل أنه كتب إليها يعلمها بما يريد أن يفتك بالدولة، فبعث المسترشد فأخذ الكتاب منها وهيجه ذلك على الخروج إلى القتال.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٩٧٦- أحمد بن حامد بن محمد أبو نصر المستوفي المعروف بالعزيز:
قبض عليه الأنسابازي وزير طغرل [٤] ، وسلم إلى بهروز الخادم فحمله إلى قلعة تكريت فقتل فيها هذه السنة، وكان من رؤساء الأعاجم.
стр. 5964
٣٩٧٧- أحمد بن عبيد الله بن محمد بن أحمد بن حمدان بن عمر بن عيسى بن إبراهيم/ بن سعد بن عتبة بن فرقد السلمي صاحب رسول الله ﷺ ويعرف بابن كادش العكبريّ ١١٩/ أويكنى أبا العز
[١] :
قال المصنف نقلت هذا النسب من خطه، سمع أقضى القضاة أبا الحسن الماوردي، وكان آخر من روى عنه، وأبا الطيب الطبري، والعشاري والجوهري وغيرهم، وكان مكثرا ويفهم الحديث، وأجاز لي جميع مسموعاته، قد أثنى عليه جماعة منهم أبو محمد ابن الخشاب.
وقد أنبأنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: سمعت إبراهيم بن سليمان الورديسي، يقول: سمعت أبا العز ابن كادش يقول: وضعت أنا حديثا على رسول الله ﷺ . وأقر عندي بذلك.
وكان شيخنا أبو الفضل بن ناصر سيئ الرأي فيه. وقال شيخنا عبد الوهاب: ما كان إلا مخلصا.
توفي في جمادى الأولى من هذه السنة.
٣٩٧٨- الحسين بن إبراهيم الدينَوَريّ، أبو عبد الله
[٢] :
سمع طرادا والتميمي وغيرهما، وحدث وكان سماعه صحيحا.
وتوفي في يوم الأحد تاسع رمضان، ودفن بباب حرب.
٣٩٧٩- عبيد الله بن المظفر
[٣] :
ابن رئيس الرؤساء توفي في هذه السنة، وكان أديبا فاضلا.
стр. 5965
٣٩٨٠- محمد بن محمد بن الحسين بن محمد ابن الفراء، أبو الحسين بن أبي يعلى
[١] :
ولد في شعبان سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، وسمع أباه، والخطيب، وأبا الغنائم ابن المأمون، وأبا الحسين ابن المهتدي، وابن النقور وغيرهم، وتفقه وناظر، وكان متشددا في السنة، وكان يبيت في داره بباب المراتب وحده فعلم بعض من كان ١١٩/ ب يخدمه/ ويتردد إليه بأن له مالا، فدخلوا عليه ليلا فأخذوا المال وقتلوه في ليلة الجمعة عاشر محرم هذه السنة، وقدر الله أنهم وقعوا كلهم وقتلوا.
стр. 5966
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه دخل مسعود بن محمود في صفر، فمضى الوزير في الموكب إلى داره ليهنئه ثم خطب له بالسلطنة، ومن بعده لداود ابن أخيه، ونثرت الدنانير بجامع القصر حين الخطبة وخلع عليهما وعلى الأمير آقسنقر الأحمد يكي بباب الحجرة، وعادوا في السفن وذلك في خامس ربيع الأول.
وفي آخر ذلك اليوم، خرج رحل المسترشد إلى الرملة، وخرج في صبيحة الاثنين سادس الشهر في شبارة مصعدا إلى مشرعة التستريين [١] ، وكان على صدر السفينة يرنقش البازدار قائما بيده سيف مشهور وآقسنقر الأحمد يكي قائما بين يديه، وفي الشبارة صاحب المخزن ونظر ومرتجى الخادم وركب من هناك إلى المضارب، ومشى الملكان بين يديه مسافة يسيرة، ثم أمرهما بالركوب فسيرهما إلى آذربيجان بعد أن خلع عليهما، وعاد هو وضم إليهما نظر الخادم ومعه خيمة سوداء ومهد ولواء لحرب طغرل فلقوه وهزموه واستقر مسعود بهمذان، وقتل آقسنقر الأحمد يكي، وظهر أنه قتله باطنية، واتهم مسعود بقتله، وضربت [٢] الطبول ببغداد للبشارة.
/ وفي صفر: خلع على القاضيين ابن الكرجي، وابن يعيش، وولي ابن الكرجي ١٢٠/ أ
стр. 5967
القضاء والحسبة بنهر معلى، وولي ابن يعيش القضاء بباب الأزج، وسلم إليه النظر في الوقوف والتركات والترب.
وجمع دبيس جمعا بواسط، وانضم إليه الواسطيون، وابن أبي الخير، وبختيار، وشاق، فنفذ إليه البازدار وإقبال الخادم فهزموه وأسر بختيار.
وعزم المسترشد على المسير إلى الموصل، فعبرت الكوسات والأعلام من الجانب الشرقي إلى الغربي يوم السبت ثاني عشر شعبان، ونودي بالجانب الشرقي من تخلف من الجند بعد يومنا هذا ولم يعبر أبيح دمه.
ونزل أمير المؤمنين في الدار الزكوية التي على الصراة، ثم رحل عنها إلى الرملة، ثم إلى المزرفة ومعه نيف وثلاثون أميرا واثنا عشر ألف فارس، ونفذ إلى بهروز يقول له:
تنزل عن القلعة وتسلمها وتسلم الأموال وتدخل تحت الطاعة حتى نسلم إليك البلاد، فأجاب بالطاعة وقال: أنا رجل كبير عاجز عن الخدمة بل أنا أنفذ الإقامة وأنفذ مالا برسم الخدمة ففعل [١] وأعفي، ثم وصل المسترشد إلى الموصل في العشرين من رمضان فحاصرها ثمانين يوما وكان القتال كل يوم، ووصل إليه أبو الهيج الكردي المقيم بالجبل ومعه عساكر كثيرة، ثم ان زنكي كاتب الخليفة بأني أعطيك الأموال [٢] وأرحل عنا، فلم يجبه ثم رحل، وقيل: كان السبب في رحيله أنه بلغه أن مسعودا غدر وقتل الأحمد يكي وخلع ١٢٠/ ب على دبيس. وتقدم الخليفة بنقض بستان العميد/ بقصر عيسى وأخذ آجره إلى السور [٣] .
وتوفي شيخنا أبو الحسن ابن الزاغوني، وكانت له حلقه في جامع المنصور يناظر فيها قبل الصلاة ثم يعظ بعدها، وكان يجلس يوم السبت عند قبر معروف وفي باب البصرة وبمسجد ابن الفاعوس، فأخذ أماكنه أبو علي بن الراذاني، ولم أعطها أنا لصغر سني، فحضرت بين يدي الوزير أنوشروان، وأوردت فصلا من المواعظ فأذن لي في الجلوس في جامع المنصور، فتكلمت فيه فحضر مجلسي أول يوم جماعة أصحابنا
стр. 5968
الكبار من الفقهاء، منهم عبد الواحد بن شنيف، وأبو علي ابن القاضي، وأبو بكر بن عيسى، وابن قسامي وغيرهم، ثم تكلمت في مسجد عند قبر معروف وفي باب البصرة وبنهر معلى، واتصلت المجالس وكثر الزحام، وقوي اشتغالي بفنون العلوم، وسمعت من أبي بكر الدينَوَريّ الفقه، وعلى أبي منصور الجواليقي اللغة، وتتبعت مشايخ الحديث، وانقطعت مجالس أبي علي ابن الراذاني، واتصلت مجالسي لكثرة اشتغالي بالعلم.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٩٨١- أحمد بن سلامة، بن عبيد الله بن مخلد بن إبراهيم، أبو العباس ابن الرطبي الكرخي
[١] :
من كرخ جدان، تفقه على أبي إسحاق الشيرازي، وأبي نصر ابن الصباغ، ثم خرج إلى أصبهان فتفقه على محمد بن ثابت الخجندي، وسمع الحديث من أبي القاسم ابن البسري، وأبي نصر الزينبي، وغيرهما وولي القضاء بالحريم والحسبة أيضا/ وكان له قرب إلى خدمة الخليفة، وكان يؤدب أولاده، وتوفي ليلة [الاثنين مستهل] [٢] ١٢١/ أرجب من هذه السنة، وصلى عليه بجامع القصر، ودفن عند قبر الشيخ أبي إسحاق بباب ابرز، وقال رفيقنا موسى بن غريب بن شبابة التبريزي، وكان صاحب القاضي أبي العباس: دخلت عليه وهو في الموت وهو يأمر بتجهيزه وتكفينه وموضع دفنه وما على قلبه من مزعج كأنه ينتقل من دار إلى دار.
٣٩٨٢- أحمد بن الحسن بن أحمد بن عبد الله ابن البناء، أبو غالب
[٣] .
ولد سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وسمع أبا محمد الجوهري [٤] ، وأبا
стр. 5969
الحسين بن حسنون، وأبا يعلى القاضي، وأبا الحسين ابن المهتدي، وأبا الغنائم ابن المأمون، وغيرهم، وسمعت منه الحديث، وكان ثقة.
وتوفي فِي ربيع الأول من هذه السنة، وقيل في صفر.
٣٩٨٣- أسعد بن صاعد بن إِسْمَاعِيل أبو المعالي الحنفي
[١] :
خطيب جامع نيسابور، سمع أباه، وجده، وأبا بكر الشيرازي وغيرهم، وكان من بيت العلم والقضاء والخطابة والتدريس والتذاكير، واشتغل بالعلم حتى أربى على أقرانه، وكانت إليه الخطابة والتذاكير والتدريس ببلده، وكان مقبولا عند السلاطين، ورد بغداد فسمع من شيخنا أبي القاسم بن الحصين.
وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة بنيسابور.
٣٩٨٤- الحسن بن محمد بن إبراهيم [بن أحمد] بن علي [أبو نصر] اليونارتي:
[٢] ويونارت قرية من قرى أصبهان، ولد سنة ست وستين وأربعمائة، ورحل وسمع/ ١٢١/ ب وجمع وكتب وخرج التاريخ، وكان مليح الخط حسن القراءة، وتوفي في شوال هذه السنة بأصبهان.
٣٩٨٥- علي بن عبيد الله [٣] بن نصر بن السري الزاغوني، أبو الحسن
[٤] :
قرأ القرآن بالقراءات، وسمع الحديث الكثير من الصريفيني، وابن النقور، وابن المأمون، وغيرهم. وقرأ من كتب اللغة والنحو، وتفقه على يعقوب البرزباني، وكان
стр. 5970
متفننا في علوم، مصنفا في الأصول والفروع، وأنشأ الخطب والوعظ، ووعظ، وصحبته زمانا فسمعت منه الحديث وعلقت عنه من الفقه والوعظ، وتوفي في يوم الأحد سابع عشر محرم هذه السنة وصلي عليه بجامع المنصور وجامع القصر، [١] ودفن بباب حرب، وكان جمع جنازته يفوق الإحصاء.
٣٩٨٦- علي بن يعلى بن عوض أبو القاسم العلوي الهروي
[٢] :
سمع من أبي عامر الأزدي جامع الترمذي [٣] ، وسمع كثيرا من الحديث ووعظ، وكان له القبول بنيسابور [وغيرها [٤]] ، وورد بغداد فوعظ، وسمع فيها مسند الإمام أحمد على شيخنا أبي القاسم بن الحصين، وكان يورد الأحاديث بأسانيدها ويظهر السنة، فحصل له ببغداد مال، وحملت إليه وأنا صغير السن وحفظني مجلسا من الوعظ، فتكلمت بين يديه يوم ودع الناس عند سور بغداد، ثم خرج وورد مرو.
فتوفي بمروالروذ في هذه السنة، ودفن بها.
٣٩٨٧- محمد بن أحمد بن يحيى، أبو عبد الله العثماني الديباجي
[٥] :
من أولاد محمد بن عبد الله بن عمرو [٦] بن عثمان بن عفان، أصل أبي عبد الله العثماني من مكة، وهو من أهل نابلس، ويقال له: القدسي، وسمع الحديث وتفقه، وكان غاليا/ في مذهب الأشعري، وكان يعظ بجامع القصر، وأنشد يوما في ١٢٢/ أمجلسه:
دع جفوني يحق لي أن أنوحا ... لم تدع لي الذنوب قلبا صحيحا
أخلقت بهجتي أكف المعاصي [٧] ... ونعاني المشيب نعيا فصيحا
стр. 5971
كلما قلت قد برا جرح قلبي ... عاد قلبي من الذنوب جريحا
إنما الفوز والنعيم لعبد ... جاء في الحشر آمنا مستريحا
توفي العثماني يوم الأحد سابع عشرين صفر من هذه السنة [١] ، ودفن في الوردية.
٣٩٨٨- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عبيد اللَّه بْن الحسين بن دحروج أبو بكر
[٢] :
سمع أبا الحسين ابن النقور والصريفيني، وحدث وروى عنه أشياخنا.
وتوفي في رجب هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
٣٩٨٩- محمد بن أحمد بن محمد بن صاعد، أبو سعيد النيسابوري الصاعدي
[٣] :
ولد سنة أربع وأربعين وأربعمائة، وسمع عبد الغافر بن محمد، وأبا القاسم القشيري، وأبا حفص عمر بن أحمد بن مسرور، وغيرهم. وقدم بغداد في سنة ثلاث وخمسمائة، حدث فسمع منه شيخنا عبد الوهاب، وشيخنا ابن ناصر، وخلق كثير، وكان رئيس بلدته وقاضيها، وكانت له دنيا واسعة ومنزلة عظيمة عند الخواص والعوام.
وتوفي بنيسابور يوم السبت ثاني عشر ذي الحجة من هذه السنة.
٣٩٩٠- محمد بن الحسين [٤] بن علي بن إبراهيم بن عبد الله، أبو بكر ويعرف بالمزرفي
[٥] :
ولم يكن من المزرفة وإنما كان انتقل إلى المزرفة أيام [٦] الفتنة، فأقام بها مدة، فلما رجع قيل له المزرفي، ولد أبو بكر في سلخ سنة تسع وثمانين وأربعمائة، قرأ القرآن بالقراءات، وسمع الحديث الكثير من ابن المهتدي، وابن الصريفيني، وأقرأ
стр. 5972
وروى وتفرد بعلم الفرائض، وسمعت منه الحديث، وكان ثقة ثبتا عالما حسن العقيدة.
وتوفي يوم السبت من محرم هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب، وقيل أنه مات في سجوده.
٣٩٩١- محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن أحمد بن خلف، أبو خازم بن أبي يعلى ابن الفراء
[١] :
ولد سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وسمع من ابن المسلمة [٢] ، وابن المأمون، وجابر بن ياسين، وغيرهم، وكان من الفقهاء الزاهدين ومن الأخيار الصالحين.
توفي يوم الاثنين تاسع عشر صفر ودفن بداره بباب الأزج، ثم نقل في سنة أربع وثلاثين إلى مقبرة باب حرب، فدفن عند أبيه.
стр. 5973
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه في المحرم قتل رجل يقال (له) علي الحمامي زوجته لأمر اتهمها به وهرب.
وخلع على إقبال الخادم خلع الملوك، ولقب ملك العرب سيف الدولة، فركب بالخلع فحضر الديوان فقرئ عليه منشور ونثر عليه دنانير.
ووقع الاتفاق مع زنكي بن آقسنقر، ووصلت رسله بالحمل والهدايا.
١٢٣/ أوعزل أنوشروان/ بن خالد عن الوزارة من غير أن يؤذي بسبب بل نزل في سفينة بعد العتمة وصعد إلى داره بالحريم، وأعيد إليها أبو القاسم بن طراد.
وقبض على نظر الخادم وحبس في سرداب واستصفيت أمواله [١] .
وفي ربيع الأول من هذه السنة: [٢] خلع على الوزير ابن طراد خلع الوزارة وزيد في مركب الفرس طوقا وأعطى ثلاثة عشر عملا كوسات وأعماما ومهدا وركب إلى الديوان.
وفي جمادى الأولى: بعث القاضي الهيتي رسولا [٣] إلى زنكي إلى الموصل، وعاد في جمادى الآخرة وبين يديه فرس ومركب ذهب خلعه عليه زنكي.
стр. 5974
وقدم رسول سنجر فخلع عليه وهيئت خلع لسنجر بمائة ألف ونيف وعشرين ألف دينار، فرحل بها ابن الأنباري مع رسول سنجر في جمادى الآخرة، ثم بعث المسترشد إلى بهروز الخادم إلى القلعة يقول له: أنت مقيم ومعك الأموال، فينبغي أن تعطينا منها شيئا نفرقه على العسكر [١] ، فأبى، فبعث إليه عسكرا فحاصره [٢] ووقع القتال في أول شعبان، ثم صانع بإنفاذ مال.
وفي هذه الأيام حبس محمود المولد في ممطورة [٣] ، واتهم بأنه يكتب ملطفات [٤] .
وقدم البقش السلاحي طالبا للخدمة [٥] مع المسترشد، وهو من أكابر الأتراك، وخلع الخليفة على جميع الأمراء ثم عرض العسكر يوم عيد الفطر ونودي: لا يختلط بالعساكر أحد من العوام، ومن ركب بغلا أو حمارا في هذا اليوم أبيح دمه فما تجاسر/ أحد أن يفعل ذلك، وخرج الوزير شرف الدين وصاحب المخزن وقاضي القضاة ١٢٣/ ب ونقيب النقباء وأرباب الدولة في زي لم ير مثله من الخيل المجفجفة [٦] ، والعسكر اللابس والعدة الحسنة، وكل أمير يقبل في أصحابه بخلعة الخليفة فكان العسكر خمسة عشر ألف فارس سوى من كان غائبا عن البلد، ولم ير عيد خرج فيه [٧] أرباب المناصب إلا هذا.
وفي حادي عشر شوال: وقع حريق في خان السلسلة الذي عند باب دار الخليفة، فتلف مال لا يحصى، وسببه أن الخاني طبخ فعلقت النار بشيء وهو لا يعلم، فلما علم ظن أنه لا يقدر على إطفائه فلم يفتح الباب لأحد فاستوعب النار الكل.
стр. 5975
وفي هذه السنة: عاد طغرل إلى همذان، ومالت العساكر إليه، وتوطد له الملك وانحل أمر أخيه مسعود، وكان السبب أن الخليفة بعث بخلع إلى خوارزم شاه فأشار دبيس على طغرل فقال: الصواب أن تأخذ هذه الخلع وتظهر أن الخليفة قد نفذها لنا فلا يبقى مع مسعود أحد، وبعث الخليفة: إلى مسعود يستحثه على المجيء ليرفع منه، فدخل أصبهان في زي التركمان، وخاطر إلى أن دخل بغداد في نحو ثلاثين فارسا، فبعث إليه التحف الكثيرة، ووجدت ملطفات مع قوم إلى طغرل فاستكشف الوزير الحال، فإذا هي جواب مكتوب قد كتبه طغرل إلى الأمراء الذين مع الخليفة، وقد نفذ لهم خاتمه، فلما وقف على ذلك الخليفة قبض على أحد الأمراء فهرب البقية ١٢٤/ أإلى السلطان مسعود ورموا أنفسهم بين يديه [١] ، وقالوا: نحن عبيدك، / فإذا خذلتنا قتلنا الخليفة، فبعث الخليفة يطلبهم فقال: قد اجتمعوا بي فلا أسلمهم، فقال أمير المؤمنين: إنما أفعل هذا لأجلك وأنصبك نوبة بعد نوبة [٢] . ووقع الاختلاف بينهما واختلط العسكر ومدوا أيديهم إلى أذى المسلمين، وتعذر المشي في الحال، فبعث إليه الخليفة يقول له: تنصرف إلى بعض الجهات وتأخذ العسكر الذين صاروا إليك، فرحل يوم الاثنين رابع عشرين ذي الحجة والقلوب غير طيبة، فأقام بدار الغربة.
وتواترت الأخبار بتوجه طغرل إلى العراق، فلما كان يوم السبت سلخ ذي الحجة نفذ الخليفة إلى مسعود الخلع والطوق والتاج وتخوت ثياب وتحف بثلاثين ألف دينار، وصحبها النقيبان ومرتجى الخادم، فلما وصلت الخلع إليه أقام ولم يرحل.
وفي هذا الشهر: نقضت دار خواجا بزرك على شاطئ دجلة في مشرعة درب زاخل، ونقلت آلتها إلى دار الخليفة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٩٩٢- أحمد بن إبراهيم، أبو الوفاء الفيروزآبادي
[٣] :
стр. 5976
وفيروزآباد أحد بلاد فارس، سمع الحديث من أبي طاهر الباقلاوي، وأبي الحسن الهكاري، وخدم المشايخ المتصوفين، وسكن رباط الزوزني المقابل لجامع المنصور، وكانت أخلاقه لطيفة، وكلامه مستحلى، كان يحفظ من سير الصالحين وأخبارهم [١] وأشعارهم الكثير، وكان على طرائقهم في سماع الغناء والرقص وغير ذلك، وكان يقول لشيخنا عبد الوهاب: إني لأدعو لك وقت السماع، وكان شيخنا يتعجب، ويقول: أليس هذا يعتقد أن ذلك وقت إجابة.
توفي أبو الوفاء ليلة الاثنين حادي عشر صفر هذه السنة، وصلى عليه من الغد بجامع المنصور خلق كثير، منهم أرباب الدولة، وقاضي القضاة. ودفن على باب الرباط، وعمل له يوم السبت ثالث عشر صفر دعوة عظيمة أنفق فيها مال بين جامع المنصور والرباط على عادة الصوفية إذا مات لهم ميت، فاجتمع من المتصوفة والجند والعوام خلق كثير.
٣٩٩٣- الحسن بن إبراهيم بن علي بن برهون، أبو علي الفارقيّ
[٢] :
من أهل ميافارقين، ولد بها في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وتفقه بها على أبي عبد الله محمد بن بيان الكازروني، وكان صاحب المحاملي، فلما توفي الكازروني قصد أبا إسحاق الشيرازي في سنة ست وخمسين، فتفقه عليه، قال:
فنزلت في خان حذاء مسجد أبي إسحاق بباب المراتب، وكان يسكنه أصحاب الشيخ ومن يتفقه عليه، فإذا كثرنا كنا حوالي العشرين، وإذا قل عددنا كنا حوالي العشرة، وكان الشيخ أبو إسحاق يذكر التعليقة في أربع سنين فيصير المتفقه في هذه الأربع سنين فيها مستغنيا عن الجلوس بين يدي أحد، وكان يذكر درسا بالغداء ودرسا بالعشي، فلما كانت سنة ستين عبرت إلى الجانب الغربي إلى الشيخ أبي نصر بن وانظر ترجمته في: (البداية والنهاية ١٢/ ٢٠٦، وفيه: «أحمد بن علي بن إبراهيم» ، وشذرات الذهب ٤/ ٨٢، وفيه: «أحمد بن علي الشيرازي» ) .
стр. 5977
الصباغ/ قرأت عليه الشامل، ثم عدت إلى الشيخ أبي إسحاق فلازمته إلى حين وفاته.
سمع أبو علي الحديث من أبي الغنائم ابن المأمون، وأبي جعفر ابن المسلمة، وأبي إسحاق، وولي القضاء بواسط وأعمالها وسكنها إلى حين وفاته، وكان زاهدا ورعا مهيبا، لا يحابي أحدا في الحكومات، وكان يتشاغل بإعادة العلم مع كبره، وكان ١٢٥/ أفي آخره عمره يقول لأصحابه إذا حضروا الدرس: كررت البارحة/ الربع الفلاني من المهذب، وكررت بارحة الأولى الربع الفلاني من الشامل، وكانت حواسه صحاحا وعقله كاملا.
وتوفي بواسط في محرم هذه السنة، وهو ابن ست وتسعين.
٣٩٩٤- عبد الله بن محمد [بن أحمد بن الحسين، أبو محمد] بن أبي بكر الشاشي
[١] :
ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وسمع أبا عبد الله بن طلحة النعالي وغيره، وتفقه على أبيه وناظر وأفتى، وكان فاضلا ظريف [الشمائل] [٢] مليح المحاورة حسن العبارة، وحضرت مجلس وعظه، وكان ينشئ الكلام المطابق المجانس ويقوله في المجلس، سمعته يقول في مجلس وعظه: أين القدود العالية والخدود الوردية، امتلأت بها العالية والوردية. وهذا اسم مقبرتين في نهر معلى. وحضر يوما آخر النهار في التاجية للوعظ، وكان في السماء غير فارتجل في الطريق أبياتا وأنشدها في آخر المجلس، وهي:
قضية أعجب بها قضيه ... جلوسنا الليلة في التاجيه
والجو في حلته الفضيه ... صقالها قعقعة رعديه
стр. 5978
أعلامها شعشعة برقيه ... تنثر من أردانها العطريه
ذائب در ينشر البريه ... والشمس تبدو تارة جليه
ثم تراها مرة خفيه ... كأنها جارية حييه
حتى إذا كانت لنا العشيه ... نضت لباس الغيم بالكليه
وأسفرت في الجهة الغربيه ... صفراء في ملحفة ورسيه
كرامة أعرفها شاشية
ومن أشعاره:
الدمع دما يسيل من أجفاني ... إن عشت مع البكاء ما أجفاني
سجني شجني وهمتي سجاني ... والعاذل بالملام قد شجاني
والذكر لهم يزيد في أشجاني ... والنوح مع الحمام قد أشجاني
ضاقت ببعاد مهجتي أعطاني ... والبين يد الهموم قد أعطاني
توفي أبو محمد ثاني المحرم وصلى عليه بجامع مع القصر، ودفن عند قبر أبيه في تربة الشيخ أبي إسحاق.
٣٩٩٥- عبد الله بن المبارك [١] بن الحسن العكبري، أبو محمد المقرئ، ويعرف بابن نبال
[٢] :
سمع أبا نصر الزينبي، وأبا الغنائم بن أبي عثمان، وعاصما وغيرهم، وحدث وتفقه على أبي الوفاء بن عقيل، وابي سعد البرداني، وكان صحيح السماع من أهل السنة، وباع ملكا له واشترى كتاب الفنون وكتاب الفصول لابن عقيل، ووقفهما على المسلمين.
وتوفي ليلة الثلاثاء الثاني والعشرين من جمادى الأولى، ودفن بباب حرب.
٣٩٩٦- عبد الخالق بن عبد الواسع [٣] ، بن عبد الهادي بن عبد الله، أبو الفتوح ابن أبي رفاعة الأنصاري:
[٤]
стр. 5979
جمع وحدث وكان جوادا، حسن الأخلاق، لطيف الشمائل، روى عنه أشياخنا.
وتوفي في شعبان هذه السنة.
٣٩٩٧- عبد الواحد بن شنيف، أبو الفرج
[١] :
١٢٦/ أتفقه على أبي علي البرداني، وكان مناظرا مجودا/ وأمينا من قبل القضاة ومشرفا على خزانة السلطان [٢] ، وكانت له فطنة عظيمة وشجاعة وقوة قلب.
حدثني أبو الحسن بن عربية قال: كان تحت يده مال لصبي، وكان قد قبض المال وللصبي فهم وفطنة فكتب الصبي جملة التركة عنده وأثبت ما يأخذه من الشيخ، فلما مرض الشيخ أحضر الصبي، وقال له: أي شيء لك عندي؟ فقال: والله ما لي عندك شيء لأن تركتي وصلت إلي بحساب محسوب، وأخرج سبعين دينارا، وقال: خذ هذه لك فإني كنت أشتري لك بشيء من مالك، وأعود فأبيعه فحصل لك هذا المال.
وحدثني أبو الحسن قال: توفي رجل حشوي بدار القز، وكان أبو العباس الرطبي يتولى التركات، فكتب إليه الشيخ عبد الواحد: تتولى تركة فلان، فحضر وأعطى زوجته حقها وأعطى الباقي ذوي أرحامه، وكتب بذلك، فكتب ابن الرطبي مع مكتوبه إليه إلى المسترشد يخبره بما صنع، وأنه ورث ذوي الأرحام، فكتب المسترشد: نعم ما فعل إذ عمل بمذهبه، وإنما الذنب [٣] لمن استعمل في هذا حنبليا، وقد علم مذهبه في ذلك.
وتوفي عبد الواحد في شعبان هذه السنة، وخلف مالا كثيرا.
٣٩٩٨- محمد بن أحمد بن علي القطان، ويعرف بابن الحلاج
[٤] :
قرأ القراءات، وحدث عن أبي الغنائم ابن أبي عثمان، وكان خيرا زاهدا، كثير العبادة، دائم التلاوة، حسن الخلق، يسكن التوثة من الجانب الغربي، وكان الناس يزورونه ويتبركون به، كنت أزوره كل سبت وأنا صبي، فيدعو لي ويقرأ على صدري.
وتوفي ليلة الاثنين العشرين من جمادى الآخرة [٥] ، وصلى عليه شيخنا عبد الوهاب الحافظ، ودفن بالشونيزية، وكان جمعه متوفرا.
стр. 5980
٣٩٩٩- محمد بن عبد الله بن أحمد، أبو نصر الأرغياني
[١] :
ولد سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وسمع أبا الحسن الواحدي، وأبا بكر بن خلف، وأبا علي بن نبهان [٢] ، / وأبا المعالي الجويني، وعليه تفقه، وكان متنسكا ١٢٦/ ب ورعا، كثير العبادة، وتوفي بنيسابور في هذه السنة.
٤٠٠٠- محمد بن علي بن عبد الواحد الشافعي، أبو رشيد
[٣] :
من أهل طبرستان، ولد سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، وحج وأقام بمكة مدة، وجمع الحديث، وحدث بشيء يسير، وكان زاهدا منقطعا مشتغلا بنفسه وكان قد ركب البحر، فلما وصل إلى بعض الجزائر خرج من السفينة وودع أصحابه، وقال: أريد أن أقيم ها هنا، فسألوه أن لا يقيم فلم يفعل، فتركوه وذهبوا في البحر فهاجت ريح فردتهم إليه، فسألوه أن يمضي معهم فما أجاب، فمضوا فهبت الريح مرة أخرى فردتهم إليه كذلك عدة نوب، ويسألونه فيأبى. فاجتمع التجار إليه وقالوا: تسعى في إتلاف نفوسنا وأموالنا فإنا كلما دفعنا ومضينا ردتنا الريح إليك فاصحبنا في دربند فإذا رجعنا فأقم هاهنا، فأجابهم وأقام معهم في دربند أياما ورجع إلى الجزيرة، وأقام بها سنتين، وكان في الجزيرة عين ماء [فكان] [٤] يشرب منها ويتوضأ، ثم رجع إلى آمل فسكنها إلى أن توفي بها في جمادى الأولى من هذه السنة، وقبره بآمل معروف يتبرك به.
قال بعض أصحابه: ذهبت إلى الجزيرة التي كان انقطع فيها فرأيت ثعبانا يبتلع ابن آدم كما هو، فزرت موضع سجوده ورجعت [٥] .
стр. 5981
٤٠٠١- هبة الله بن عبد الله بن أحمد عبد الله، أبو القاسم الواسطي الشروطي
[١] :
من أهل الكرخ، ولد سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، سمع أبا الغنائم بن المأمون، وأبا الحسين بن المهتدي، وأبا جعفر ابن المسلمة، وأبا بكر الخطيب، وكان ثقة صالحا فاضلا عالما مكثرا مقبلا على ما يعنيه.
توفي في ذي الحجة من هذه السنة.
٤٠٠٢- أم المسترشد باللَّه
[٢] :
توفيت وقت العتمة ليلة الاثنين تاسع عشر شوال هذه السنة، وأخرجت ليلا فدفنت في الرصافة [٣] .
١٢٧/ أومن العجائب أنه نفذ تلك الليلة/ إلى أبي القاسم بن السياف في معنى حاجة لأجل الميتة فنفذ معهم ابنا له صغيرا ليعطيهم حاجتهم، فدخلوا ومعهم نقاط فوقع من النفط في أعدال قطن فاحترقت، وحصل الصبي في الخزانة وحده، وأحاطت به النار فلم يجد محيصا فاحترق.
стр. 5982
ثم دخلت سنة تسع وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها:
قد ذكرنا أن أمير المؤمنين قال للسلطان مسعود ارحل عنا بأصحابك، وأنه أقام على دار الغربة متلوما فنفذ إليه الجاولي شحنة بغداد مصانعا له على الخروج، وأمر أن هو دافع أن يحط خيمه، ثم بعث إليه الخلع في سلخ ذي الحجة [١] ، ثم أحسن منه أنه قد باطن الأتراك واطلع منه سوء نية، فأخرج أمير المؤمنين سرادقه [٢] ، وضربه عند رءوس الحيطان، وأخرج أرباب الدولة خيمهم، فوصل الخبر بأن طغرل مات يوم الأربعاء ثالث المحرم، فرحل مسعود جريدة فتلاحقه العسكر، وأعاد الخليفة سرادقه فوصل مسعود إلى همذان واختلف عليه العسكر وانفرد عنه قزل وسنقر وغيرهما، وأسرى إليهم ففرق شملهم، فورد منهم إلى بغداد جماعة، وأخبروا بسوء ضميره منهم البازدار وقزل وسنقر، وخرج أنوشروان في أصحابه وأهله إلى خراسان لوزارة السلطان مسعود فالتقى به الأمراء الداودية فأخذوا جميع ما معه.
وفي خامس عشر المحرم: لقي القاضي الهيتي في طريق مشهد أبي حنيفة، فأخذت ثيابه ونعليه [٣] وطيلسانه [٤] ، ووقع من البلغة فوهنت يده، وقيل: أنه ضرب بالسيف مرات فلم يعمل فيه، بل تقطع كتاب كان في كمه، وقيل: ان الذي فعل ذلك ١٢٧/ ب
стр. 5983
جماعة من العسكر الخارجين، وقيل: بل حكم على زنكي فحقد عليه/ ففعل به ذلك.
وفي آخر المحرم: وصل ابن زنكي، وخرج الموكب فاستقبله ومعهم قاضي القضاة والنقيبان، ودخل من باب الحلبة في موكب عظيم، ونزل فقبل العتبة، وقال: أنا وأبي عبيد هذه الدولة، وما زالت العبيد تجني والموالي تصفح ونحن بحكم الخدمة في أي شيء صرفنا تصرفنا، وبذل أن يسلم مفاتيح الموصل وغيرها إلى الخليفة وأن يأتي أي وقت أمر، وبذل الأموال، وقيل: أنه قال: هذه والدتي وجماعة من النساء رهائن على ذلك، فبعث إليه الإقامة، وأنزل في الجانب الغربي في دار ابن الحاذوري الملاح.
وفي غرة صفر: وصل رسول دبيس يقول: أنا الخاطئ المقر بذنبه، فمهما تقدم إلى امتثلته، فمات رسوله فمضى إلى مسعود.
ووصل سديد الدولة ابن الأنباري من عند سنجر، وكان قد تلقى لما مضى من أربعة فراسخ، فلما أراد ابن الأنباري أن يخلع على سنجر وعلى أولاد أخيه، قال: ما أريد أن يكون الخلع إلا في يوم واحد وتبدأ بالأصحاب، وأكون أنا في الأخير وضرب نوبتية عظيمة خارج البلد، وضرب فيها تخت المملكة، وجلس وخلع على الأمراء والملوك، ثم صعد ابن الأنباري على التخت فأدى إليه رسالة الخليفة وسلم إليه المكتوب وهو في خريطة، فقام قائما ونزل وقبل الأرض وأعاد فصعد وترك الخريطة على ركبته، وألبس الخلع والتاج والطوق، ثم نزل سديد الدولة فقدم الفرس بالمركب وهو منعل بالذهب، وقدم مركب أمير المؤمنين بالسيور الفرس الذي يركبه، فنزل سنجر وقبل حافر الفرس، وعاد فصعد وجرى ذكر [١] طغرل فقال: أنا أعلم أنه أعقل من مسعود وأصلح لأمير المؤمنين، ولكني قد وليته ولا أرضى لنفسي أن أتغير، ثم كتب جواب الكتاب، وقال: أنا العبد المملوك.
وفي ربيع الأول: وصلت هدايا من بكبه من البصرة [٢] فيها القنا، وناب الفيل، ١٢٨/ أ/ وآبنوس، وميس وفي قفصين، طاووسان ذكران وانثيان [٣] .
стр. 5984
[خلع على اثنين وعشرين أميرا من السلاحية]
وفي ربيع الآخر: خلع على اثنين وعشرين أميرا من السلاحية، ثم تواترت الأخبار بتغير مسعود التغير الكلي، وجمع العساكر وأن قصده بغداد فبعث الخليفة إلى بكبه فوعد بالمجيء، وصل دبيس إلى حلوان ومعه عسكر قد تقدمهم مسعود في المقدمة، وجمع مسعود العساكر وأقطعهم البلاد والعراق وعزم على المجيء إلى بغداد وتجهز، فلما سمع الخليفة ذلك بعث مقدمته إلى المرج، وهم الجاولي شحنة بغداد وكجبه وأرغش [١] ، وجماعة من السلاحية في ألفين وخمسمائة فارس، وقال: تقيمون هناك وتحفظون الطريق إلى أن أصل إليكم، وبعث إلى زنكي وكان على باب دمشق قد حاصرها لما قتل تاج الملوك وولي أخوه وكان صغيرا فطمع فيهم زنكي، فبعثوا إلى الخليفة حملا كثيرا، وخطا بخمسين ألف دينار، وقالوا: ادفع عنا زنكي ونحن نحمل هذا في كل عام، فبعث إليه تنح عنهم واخطب للصبي وتعال معه إلى العراق حتى اخطب له ونتساعد على مسعود، فقال: السمع والطاعة، وخطب للصبي.
وأما حديث مسعود: فإن عمه سنجر بعث بخادم يقول له: هؤلاء الأمراء الذين معك، وهم: البازدار، وابن برسق، وقزل، ويرنقش ما يتركونك تبلغ غرضا لأنهم عليك لا معك، وهم الذين أفسدوا أمر أخيك طغرل، فإذا وقفت على المكتوب فابعث إلى رءوسهم، فأطلعهم على المكاتبة، وقال: لو أردت بكم سوءا لفعلت، فقبلوا الأرض، وقالوا الآن علمنا أنك صافي القلب لنا، فابعث دبيسا في المقدمة فلما انفصلوا عنه قالوا ما وراء هذا خير فيجب أن نمضي إلى أمير المؤمنين فإن له في رقابنا عهدا، وهذا عقد به الغدر، فكتبوا إلى أمير المؤمنين إنا قد انفصلنا عن مسعود، ونحن في بلاد ابن برسق، فإن كان لك نية في الخروج فاخرج فنحن في يديك، وإلا فاخطب لبعض أولاد/ السلاطين، ونفذ به حتى نكون معه فأجابهم: كونوا على ما أنتم عليه فأنا صائر إليكم [٢] ١٢٨/ ب وتجهز للخروج وبعث سديد الدولة اليهم يطيب قلوبهم ويعدهم بالإقطاع ويخبرهم أنه في أثره، فلما سمع مسعود بذلك رحل في جريدة ليكبسهم فانهزموا من بين يديه يطلبون العراق، فأخذ أموالهم ونهب البلاد وسبقهم سديد الدولة إلى بغداد مخبرا بالحال، فاعتد بالإقامة والتحف والأموال ليتلقاهم.
стр. 5985
ووقعت زلزلة شديدة ثلاث مرات ببغداد في جمادى الآخرة وقت الضحى حتى تحركت الجدران.
فلما كان يوم السبت حادي عشر رجب تقدم أمير المؤمنين إلى أصحابه بالخروج، وأخرج نوبتيته فضربها عند الثريا وأخرج أصحاب المراتب خيمهم وأنزعج أهل بغداد.
وعاد دبيس إلى مسعود فأخبره بخروج المقدمة وبما الناس عليه، فبعث معه خمسة آلاف فارس لينكبسوا على المقدمة فاتوا على غفلة فأخذوا خيلهم وأموالهم فأقبلوا عراة ودخلوا بغداد يوم الخميس سادس عشر رجب [١] ، فعرج بهم إلى دار السلطان وحملت لهم الفروش والأواني والإقامة، وبكر الأمراء الكبار فجاءوا في دجلة إلى بيت النوبة فأكرموا وخلع عليهم الخلع السنية، واطلق لهم ثمانون ألف دينار والبرك التام، ووعد بإعادة ما مضى منهم.
وفي هذا اليوم: قطعت خطبة مسعود، وخطب لسنجر، وداود، واستفتى الفقهاء فيما يقابل به مسعود على أفعاله فأفتوا بعزله وقتاله [فلما كان يوم الأحد أخرج الكوس والعلم والرحل] [٢] ، فلما كان يوم الاثنين خرج أمير المؤمنين من باب البشرى [٣] ، وركب في الماء ونزل الناس بالسفن وأحاط بالسفينة التي فيها أمير المؤمنين الأمراء والخدم بالسيوف المجذبة، وكان في سفينة البازدار على صدر السفينة بيده سيف مجذوب وقزل بين يديه بسيف مجذوب والجاولي وإقبال والخواص، وصعد عند الدكة ١٢٩/ أفركب/ ومشى الناس كلهم بين يديه إلى أن دخل السرادق، وكان قريبا من فرسخ لأنه كان عند رءوس الحيطان، وكان العوام يضجون بالدعاء ويقربون منه، فإذا هم الغلمان بمنعهم نهاهم أمير المؤمنين عن المنع، ثم رحل يوم الخميس ثامن شعبان في سبعة آلاف فارس، وكان مسعود بهمذان في نحو ألف وخمسمائة فارس، وكان أصحاب الأطراف يكاتبون أمير المؤمنين ويبذلون له طاعتهم فتريث في طريقه فاستصلح مسعود أكثرهم حتى صار في نحو خمسة عشر ألفا، وتسلل جماعة من أصحاب المسترشد فبقي في نحو من خمسة آلاف، ونفذ إليه زنكي نجدة فلم تلحق، وأرسل داود بن محمود [٤]
стр. 5986
وهو بأذربيجان رسلا يشير بالميل إلى دينور ليوافي داود وابن محمد الخدمة، فلم يفعل المسترشد.
وضرب المصاف يوم الاثنين عاشر رمضان، فلما التقى الجمعان هرب جميع العسكر الذين كانوا مع المسترشد، وكان ميمنته البازدار، وقزل، ونور الدولة شحنة همذان، فحملوا على عسكر مسعود فهزمهم ثلاث فراسخ [١] ، ثم عادوا فرأوا الميسرة قد غدرت، فأخذ كل واحد منهم طريقا وأسر المسترشد وأصحابه، وأخذ ما كان معه من الأموال، وكانت صناديق المال على سبعين بغلا أربعة آلاف ألف دينار، وكان الرحل على خمسة آلاف جمل وأربعمائة بغل، وكان معه عشرة آلاف عمامة وبركان وعشرة آلاف قباء وجبة ودراعة، وعشرة آلاف قلنسوة مذهبة، وثلاثة آلاف ثوب رومي وممزوج ومعنبر [٢] ودبيقي ومضى من الناس ما قدروه بعشرة آلاف دينار سوى الخيل والأثاث، ونادى مسعود في عسكره المال لكم والدم لي فمن قتل أقدته، ولم يقتل بين الصفين سوى خمسة أنفس غلطا، ونادى من أقام بعد/ الوقعة من أصحاب الخليفة ضربت ١٢٩/ ب عنقه، فهرب الناس فأخذوا بين الجبال أخذتهم التركمان والأكراد، ومنهم من أفلت عريانا، فوصلوا إلى بغداد وقد تشققت أرجلهم من الجبال والصخور، وبقي الخليفة في الأسر، فأما وزيره ابن طراد وصاحب مخزنه ابن طلحة، وقاضي القضاة الزينبي ونقيب الطالبيين وابن الأنباري فإنه بعث بهم إلى القلعة وبعث ببكبه شحنة إلى بغداد ومعه كتاب الخليفة إلى أستاذ الدار، يقول فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين والحمد للَّه رب العالمين ليعتمد الحسن [٣] بن جهير مراعاة الرعية والاشتمال عليهم وحمايتهم وكف الأذى عنهم، فقد ظهر من الولد غياث الدنيا والدين متع الله به في الخدمة ما صدق به الخدمة فليجتمع، وكاتب الزمام وكاتب المخزن على إخراج العمال إلى نواحي الخاص لحراستها فقد ندب من الجناب الغياثي هذا شحنة لذلك وليهتم بكسوة الكعبة فنحن في أثر هذا المكتوب إن شاء الله.
стр. 5987
فلما كان يوم عيد الفطر نفر أهل بغداد ووثبوا على الخطيب وكسروا المنبر والشباك ومنعوا من الخطبة، وخرجوا إلى الأسواق يحثون على رءوسهم التراب ويبكون ويصرخون، فاقتتل أصحاب الشحنة والعوام، وخرج النساء حاسرات يندبن في الأسواق وتحت التاج، وكان الشحنة قد عزم أن يجوز في الأسواق، فاجتمع العوام على رجمه وهاشوا فاقتتل أصحاب الشحنة والعوام، فقتل من العوام مائة وثلاثة وخمسون، وهرب أبو الكرم الوالي، وحاجب الباب إلى دار خاتون، ورمى أصحاب الشحنة الأبواب الحديد التي على السور، وفتحوا فيه فتحات، وأشرفت بغداد على النهب، فنادى ١٣٠/ أالشحنة: لا ينزل أحد في دار أحد ولا يؤخذ من أحد شيء، / وإنما جئنا لنصلح، وأن السلطان سائر إلى العراق بين يدي أمير المؤمنين وعلى كتفه الغاشية، فسكن الناس وطلب السلطان من أمير المؤمنين نظر الخادم فانفذ فأطلقه وبعثه إليه، واختلف الأراجيف، فقوم يقولون: إن السلطان ينتظر جواب عمه سنجر، وقوم يقولون: يصل عن قليل، وقوم يقولون: ان داود قد عزم على قتال مسعود واستنقاذ الخليفة منه فسار مسعود إلى داود إلى باب مراغة واخذ الخليفة معه.
وزلزلت بغداد مرارا لا أحصيها، وكان مبتدأ الزلازل يوم الخميس حادي عشر شوال، فزلزلت يومئذ ست مرات ودامت كل يوم خمس مرات أو ست مرات إلى ليلة الجمعة سابع عشرين شوال، ثم ارتجت يوم الثلاثاء النصف من الليل حتى تفرقعت السقوف، وانتثرت الحيطان، وكنت في ذلك الزمان صبيا، وكان نومي ثقيلا لا انتبه إلا بعد الانتباه الكثير فارتج السقف تحتي وكنت نائما في السطح رجة شديدة حتى انتبهت منزعجا، ولم تزل الأرض تميد من نصف الليل إلى الفجر والناس يستغيثون.
ثم إن الشحنة والعميد عطلا دار الضرب وعملا دار ضرب عندهم بسوق العميد ودار الشحنة، وقبضوا على ابن طوق عامل الجاولي ونفذوا إلى ابن الحاجب ضامن [١] العقار، فقالوا: تجبي العقار وتسلمه إلينا، وقبضوا على ابن الصائغ متولي التركات الحشرية، وقالوا: نريد ما حصل عندك من التركات، وعوقوا قرى ولي العهد وختموا على غلاتها. فأفتك ذلك منهم بستمائة دينار حتى أطلقوها، وجاء تمر كثير للخليفة فبيع
стр. 5988
فأخذ العميد والشحنة الثمن، وتفاقم الأمر واستسلم الناس وانقطع خبر العسكر.
فلما كان يوم الثلاثاء مستهل/ ذي القعدة وصل خمسمائة وعشرون ركابيا ١٣٠/ ب معهم [١] خط أمير المؤمنين إلى ولي العهد بوصول رسول سنجر إلى مسعود يقول فيه:
«ساعة وقوف الولد العزيز غياث الدنيا والدين مسعود على هذا المكتوب يدخل على أمير المؤمنين أعز الله أنصاره ويقبل الأرض بين يديه ويقف ويسأله العفو عنه والصفح عن جرمه وإقدامه ويتنصل غاية التنصل، فإنه قد ظهرت عندنا من الآثار السمائية والأرضية ما لا طاقة لنا بسماع مثلها دون المشاهد من الرياح العواصف والبروق الخواطف وتزلزل الأرض ودوام ذلك عشرين يوما، وتشويش العساكر وانقلاب البلدان، ولقد خفت على نفسي من جانب الله تعالى وظهور آياته وجانب المخلوقين والعساكر وتغيرهم علي، وامتناع الناس من الصلاة في الجوامع، وكسر المنابر، ومنع الخطباء ما لا طاقة لي بحملها، فاللَّه الله تتلافي أمرك وتحقن دم المسلمين، وتعيد أمير المؤمنين إلى مستقر عزه، وتسلم إليه دبيسا ليرى فيه رأيه، فإنه هو الذي أحوج أمير المؤمنين إلى هذا وأحوجنا أيضا نحن إلى مثل هذا، وعجل ولا تتأخر وتعمل له البرك وتنصب له السرادق وتضرب له التخت وتحمل له الغاشية بين يديه أنت وجميع الأمراء كما جرت عادتنا وعادة آبائنا في خدمة هذا البيت» .
فلما وقف على هذا المكتوب نفذ بالوزير شرف الدين أنوشروان ومعه نظر، فاستأذنا له فأذن له فدخل وقبل الأرض بين يديه [ووقف [٢]] معتذرا متنصلا يسأل العفو والصفح عن جرمه، وأمير المؤمنين مطرق ساعة، ثم رفع رأسه فقال: قد عفي عن ذنبك فاسكن إلى ذلك وطب نفسا، وكان قد ضرب له السرادق فضرب له فيه سدة عالية/ ليجلس عليها، فقدم له فرسا لم يكن عند مسعود من خيل أمير المؤمنين اللاتي أخذت ١٣١/ أسواه، وأقسم أنني لم يصل عندي [٣] من خيل أمير المؤمنين سواه، وسأله الركوب إلى السرادق الذي قد ضرب له، فنهض وركب وسار وبين الموضعين نصف فرسخ ومسعود
стр. 5989
بين يديه على كتفه الغاشية يحملها ويده في يازكة اللجام [١] ، وجميع الأمراء يمشون بين يديه إلى أن دخل السرداق وجلس على التخت الذي ضرب له، ووقف السلطان بين يديه والأمراء زمنا طويلا، ثم أنه تقدم بالجلوس فأبى، ثم سأل أمير المؤمنين أن يشفعه في دبيس فأجابه إلى ذلك، فجاءوا به مكتوفا بين أربعة أمراء اثنان من جانب واثنان من جانب واثنان من جانب ويداه مكتوفتان، ومع أحد الموكلين سيف مجذوب، وبيد الآخر شقة بيضاء فرموا به بين يدي السرير، وألقى السيف والشقة البيضاء عليه، وقالوا: كذا أمرنا ان نفعل به.
فقال مسعود: يا أمير المؤمنين هذا هو السبب الموجب لما جرى بيننا، فإذا زال السبب زال الخلاف، وهو الآن بين يديك فمهما تأمر يفعل به. وهو يتضرع ويبكي بين يدي السرير، ويقول: العفو عند المقدرة، وأنا أقل من هذه الحال، فعفا عنه، وقال: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ١٢: ٩٢ وتقدم بحل يديه وسأل دبيس السلطان [أن [٢]] ينعم عليه أمير المؤمنين بتقبيل يده فأخذها وقبلها وأمرها على صدره ووجهه ونحره، وقال: يا أمير المؤمنين بقرابتك من رسول الله إلا ما عفوت عني وتركتني أعيش في الدنيا عيشا هنيئا فإن الذل والخوف منك قد أخذ مني بالحظ الأوفر، فأجابه إلى ذلك.
وأما بكبه الشحنة فإنه أقام رجالا لنقض سور بغداد، وقال: قد ورد منشور بذلك [٣] فنقضت مواضع كثيرة، وكلف أهل الجانب الغربي الاجتماع على نقضه، وقال: أنتم عمرتموه بفرح فانقضوه كذلك، وضربت لهم الدبادب وجعلوه طريقا لهم، ١٣١/ ب وأعادوا الباب الحديد/ الذي أخذ من جامع المنصور إلى مكانه.
فلما أهل هلال ذي القعدة وصل رسول من سنجر يستحث مسعودا على إعادة الخليفة إلى بغداد ووصل معه عسكر عظيم ووصل معه سبعة عشر من الباطنية، فذكر بعض الناس أنه ما علم أنهم معه، والظاهر خلاف ذلك وأنهم دبروا في قتله وأفردوا خيمة من خيمهم، فخرج السلطان ومعه العسكر ليلقى الرسول [٤] فهجمت الباطنية على أمير
стр. 5990
المؤمنين فضربوه بالسكاكين إلى أن قتلوه وقتلوا معه جماعة من أصحابه، منهم أبو عبد الله بن سكينة، وذلك في يوم الخميس سابع عشر ذي القعدة فركب العسكر وأحاط بالسرادق [١] ، وخرج القوم وقد فرغوا فقتلوا، وقيل إنهم احرقوا، وجلس السلطان [٢] ، للعزاء ووقع النحيب والبكاء، وكان ذلك على باب مراغة، وغطى بسندسه إلى أن دفن بمراغة.
ووصل الخبر إلى بغداد ليلة السبت سادس عشرين من الشهر فاحترس الراشد وقبض على جماعة من أهله وإخوته، فوقع البكاء والنحيب وأغلق البلد، وكشطت البواري التي على باب النوبي، ونقض بعض دكة حاجب الباب، وأحضر الناس طول الليلة للمبايعة، وبات أستاذ الدار ابن جهير وصاحب الديوان أبو الرضا وحاجب الباب ابن الحاجب في صحن السلام، وكان الانزعاج في الدار طول الليل، فلما أصبحوا وقع البكاء والنحيب في البلد، وخرج الرجال حفاة مخرقين الثياب والنساء منشرات الشعور يلطمن، وينظمن الأشعار [٣] التي من عادتهن قول مثلها في أحيان اللطم، وأشعار النساء البغداديات اللاتي ينظمنها في وقت اللطم طريفة المعنى [٤] ، وأن كانت على غير صواب اللفظ، وكان مما لطمن به أن قلن:
يا صاحب القضيب ونور الخاتم ... صار الحريم بعد قتلك مأتم
اهتزت الدنيا ومن عليها ... بعد النبي ومن ولي عليها
قد صاحت البومة على السرادق ... يا سيدي ذا كان في السوابق
ترى تراك العين في حريمك ... والطرحة السودا على كريمك
وقعد الناس للعزاء في الديوان ثلاثة أيام، وتولى ذلك ناصح الدولة/ ابن جهير/ ١٣٢/ أوأبو الرضا صاحب الديوان، وحاجب الباب ابن الصاحب.
فلما كان في اليوم الثالث تقدم إلى الناس أن يعبروا بباب المسنية ويلبسوا ثياب الهناء ويحضروا البيعة بباب الحجرة، فحضروا يوم الاثنين سابع عشرين ذي القعدة [٥] .