وَقَالَ ابن إِسْحَاق: جندلة بنت الحارث [١] .
وَقَالَ أَبُو عبيدة: إنها هي سلمى بنت أد بْن طابخة.
وَقَالَ علماء النسب: وإلى فهر جماع قريش، لأنه من لم يكن من ولد فهر لا يدعى قرشيا، وقيل: بل اسم فهر قريش.
أَنْبَأَنَا يحيى بْن الحسين بن البناء قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قال: أخبرنا المخلص قال: أخبرنا أحمد بن سليمان الطوسي قال: أخبرنا [٢] الزُّبَيْر بْن بكار قَالَ:
حَدَّثَنِي عُمَر بْن أبي [بكر] [٣] الموصلي، عَنْ جدي عَبْد اللَّه بْن مصعب أنه سمعه يقول:
اسم فهر قريش وإنما فهر لقب.
قَالَ الزبير وحدثني الموصلي قَالَ: قَالَ عثمان بْن أبي سليمان: اسم فهر قريش.
قَالَ الموصلي: وَقَالَ أَبُو عبيدة بْن عَبْد اللَّه: كذلك قَالَ الزبير.
وحدثني إِبْرَاهِيم بْن المنذر قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو البختري وهب [بْن وهب] [٤] قَالَ:
حدثني ابن أخي ابن شهاب، عَنْ عمه: أن اسم فهر الذي سمته أمه قريش، وإنما نبزته فهرا.
قَالَ: وقد اجتمع نساب قريش وغيرهم أن قريشا إنما [٥] تفرقت عَنْ فهر.
فصل
[٦] وكان فهر فِي زمانه رئيس الناس بمكة، وكان قد أقبل من اليمن حسان بْن عَبْد كلال الحميري يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة [٧] إِلَى اليمن، ليجعل الناس عنده، فنزل بنخلة، فأغار عَلَى سرح الناس، فخرجت إليه قريش وقبائل كنانة وخزيمة
стр. 632
وأسد وجذام، ورئيسهم يومئذ هو [فهر] [١] بْن مالك. فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمت حمير وأسر حسان، أسره الحارث/ بْن فهر، فأقام فِي الأسر بمكة ثلاث سنين حَتَّى افتدى نفسه منهم، فأخرج، فمات بين مكة واليمن [٢]
. وأما مالك
[٣] فَقَالَ هشام: أمه عكرشة بنت عدوان.
وَقَالَ ابن إِسْحَاق: عاتكة بنت عدوان. وقيل: إن عكرشة لقب عاتكة. وكان له أخوان يقال لأحدهما: يخلد، والآخر: الصلت
. وأما النضر
[٤] فاسمه: قيس، وأمه: برة بنت مر بْن [أد] بْن طابخة.
فصل
واختلف العلماء فِي تسمية [٥] قريش قريشا عَلَى ستة أقوال:
أحدها: أنها سميت بذلك بدابة تكون فِي البحر تأكل دوابّ البحر تدعى القرش، فشبه بنو النضر بْن كنانة بها لأنها أعظم دواب البحر قوة وأنشدوا:
وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشا أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ الحسن بن البناء قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قال: أخبرنا أحمد بن سليمان الطوسي قال: حدثنا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المنذر،
стр. 633
وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالا: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْمَكِّيُّ عَنْ مَنْ حَدَّثَهُ [١] :
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ عَلَى مَعُونَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ لَهُ عَمْرُو: إِنَّ قُرَيْشًا تَزْعُمُ أَنَّكَ أَعْلَمُهَا، فَبِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا؟ قَالَ: بِأَمْرَيْنِ. قَالَ: فَأَبِنْ لَنَا، وَهَلْ قَالَ أَحَدٌ فِيهِ شِعْرًا؟ قَالَ: نَعَمْ، سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ [٢] بِدَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ تُسَمَّى قُرَيْشًا، وَقَدْ قَالَ الْمُشَمْرِخُ بْنُ عَمْرٍو الْحِمْيَرِيُّ:
وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْرَ ... بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشا
تَأْكُلُ الْغَثَّ وَالسَّمِينَ وَلا تَتْرُكُ ... فِيهِ لَدَى جَنَاحَيْنِ رِيشا
هَكَذَا فِي الْبِلادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ... يَأْكُلُونَ أَكْلا حَشِيشًا
وَلَهُمْ آخِرُ الزَّمَانِ نَبِيٌّ ... يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيهِمْ وَالْحُمُوشَا
تَمْلأُ الأَرْضَ خَيْلُهُ وَرِجَالٌ ... يَنْحَرُونَ الْمُطِيَّ سَيْرًا قَمِيشَا/
وَالثَّانِي: أَنَّهَا سُمِّيَتْ بذلك لأجل فهر، وقد ذكرنا أَنَّ اسْمَهُ قُرَيْشٌ فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ، إِذْ لَيْسَ مِنْ وَلَدِهِ مَنْ لا [٣] يُسَمَّى قُرَيْشًا.
قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ [٤] : وَهَذَا اخْتِيَارُ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَنَّ النَّضْرَ كَانَ يُسَمَّى قُرَيْشًا.
أَنْبَأَنَا يحيى بْن الحسن بْن البناء قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص قال: أخبرنا أحمد بن سلمان الطوسي قال: أخبرنا الزبير بن بكار قَالَ:
قَالَ مُحَمَّدً بْن الحسن، عَنْ نصر بْن مزاحم، عَنْ عمرو بْن مُحَمَّد الشعبي [٥] قَالَ:
النضر بْن كنانة هو قريش وإنما سمي قريشا لأنه كان يقرش عَنْ خلّة الناس وحاجاتهم فيسد ذلك بماله.
стр. 634
والتقريش: هو التفتيش، وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عَنِ الحاجة فيزودونهم بما يبلغهم، فسموا بذلك من فعلهم: قريشا.
وقد قَالَ الحارث بْن حلزة فِي بيان القرش: إنه التفتيش حيث يقول [١] :
أيها الناطق المقرش عنا ... عند عمرو فهل لنا إبقاء
قَالَ الزبير: وحدثني أَبُو الحسن الأثرم عَنْ أبي عبيدة معمر بن مثنى قال: منتهى من وقع عليه اسم قريش: النضر بْن كنانة فولده قريش [٢] دون سائر بني كنانة، فأما من ولد كنانة سوى النضر فلا يقال لهم قريش.
والرابع: أنها سميت بذلك بقريش بْن بدر بْن مخلد بْن النضر بْن كنانة.
وقيل: هو قريش بْن الحارث بْن يخلد.
وكان قريش هَذَا دليل بني النضر فِي أسفارهم، وكان له ابن يسمى بدرا احتفر بئر بدر.
والخامس: أن النضر خرج يوما عَلَى نادي قومه فَقَالَ بعضهم لبعض: انظروا [٣] إِلَى النضر كأنه حمل قريش. ذكره ابن جرير.
والسادس: أنه من الجمع، وذلك أن قصيا جمع بني النضر فِي الحرم من تفرقهم، فذلك المتجمع هو التقرش. قاله مُحَمَّد بْن جُبَيْرِ بْن مطعم.
وَقَالَ أَبُو سلمة بْن عَبْد الرحمن: لما نزل قصي الحرم فعل أفعالا جميله، فقيل له: القرشي، فهو أول من سمي به.
وأَنْبَأَنَا يحيى بْن الحسن الفقيه قَالَ: / أَخْبَرَنَا ابن المسلمة قَالَ: أَخْبَرَنَا المخلص قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سلمان قَالَ: أَخْبَرَنَا الزبير قَالَ: حدثني أَبُو الحسن الأثرم عَنْ أبي عبيدة معمر بن المثنى قال: [٤]
стр. 635
فإنما سمي بنو النضر قريشا لتجمعهم لأن التقرش هو التجمع.
قَالَ الزبير: ويدل عَلَى اضطراب [١] هَذَا القول أن قريشا لم يجتمعوا حَتَّى جمعهم قصي بْن كلاب.
وقد حدثني مُحَمَّد بْن الحسن المخزومي عَنْ عبد الحكم بْن سفيان عَنْ أبي نمر قَالَ: إنما سميت قريش قريشا لجمع قصي بْن كلاب إياهم [٢]
. وأما كنانة
فأمه عوانة بنت سعد بْن [قيس بْن] [٣] عيلان. وقيل: بل أمه هند بنت عمرو بْن قيس [٤]
. وأما خزيمة
[٥] فأمه: سلمى بنت أسلم بْن الحاف بْن قضاعة [٦]
وأما مدركة
[٧] واسمه: عمرو فِي قول ابن إِسْحَاق.
وَقَالَ هشام بْن مُحَمَّد: اسمه [٨] : عمرو، وأمه: خندف، وهي: ليلى بنت حلوان بْن عمران بْن الحاف بْن قضاعة، وأخو مدركة لأبيه وأمه: عامر- وهو طابخة- وعمير- وهو قمعة- ويقال له: أبو خزاعة [٩] .
стр. 636
قَالَ ابن إِسْحَاق: كان مدركة وطابخة فِي إبل لهما، فاقتنصا صيدا، فقعدا يطبخانه، وعدت عادية عَلَى إبلهما [١] ، فَقَالَ عامر لعمرو: أتدرك الإبل أو تطبخ الصيد [فَقَالَ عمرو: بل أطبخ الصيد] [٢] فلحق عامر الإبل فجاء بها، فلما راحا عَلَى أبيهما فحدثاه شأنهما قَالَ لعامر: أنت مدركة، وَقَالَ لعمرو [٣] : وأنت طابخة.
وذكر هشام بْن مُحَمَّد [بْن السائب] [٤] : أن إلياس خرج فِي نجعة له، فنفرت إبله من أرنب، فخرج إليها عمرو فأدركها فسمي: مدركة، وأخذها عامر فطبخها فسمي:
طابخة، وانقمع عمير فِي الخباء فلم يخرج فسمي قمعة، وخرجت أمهم تمشي فَقَالَ إلياس لها: أين [٥] تخندفين؟ فسمّيت خندف، والخندفة: ضرب من المشي.
قَالَ إلياس لعمرو ابنه:
إنك قد أدركت ما طلبتا
وَقَالَ لعامر:
وأنت قد أنضجت ما طبختا
وَقَالَ لعمير:
وأنت قد أسأت وانقمعتا
وقد قَالَ/ قصي بْن كلاب: أمي خندف، وإلياس أبي [٦] .
وأما إلياس
[٧] فأمه الرباب بنت حيدة بْن معد.
وذكر الزبير بْن بكار: أن إلياس لما أدرك أنكر عَلَى بني إسماعيل ما غيروا من سنن
стр. 637
آبائهم وسيرتهم وكان [١] فضله عليهم، فجمعهم برأيه، وردهم إِلَى سنن آبائهم [٢] ، وهو أول من أهدى البدن إِلَى البيت- أو فِي زمانه- وهو أول من وضع الركن للناس بعد هلاكه، حَتَّى غرق البيت وانهدم فوضعه فِي زاوية البيت [٣] ، ولم تبرح العرب تعظم إلياس تعظيم أهل الحكمة كتعظيمها لقمان، وهو أول من مات بالنبل فأسفت عَلَيْهِ زوجته خندف أسفا شديدا، وكانت قد نذرت فِي مرضه أنه إن هلك لا تقيم فِي بلد مات فيه أبدا، ولا يظلها [سقف] [٤] بيت وأن تسيح فِي الأرض فخرجت سائحة حَتَّى هلكت حزنا.
فصل
قَالَ مؤلف الكتاب: وكان من أولاد إلياس: قمعة، وولد لقمعة لحي، وولد له [٥] : عمرو، وهو أول من غير دين الحنفية دين إِبْرَاهِيم، وأول من نصب الأوثان حول الكعبة، وجعل البحيرة، والسائبة، والوصاية، والحام، واستخراج إساف ونائلة فنصبهما.
قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «أريت النار فإذا فيها عمرو ولد لحي يتأذى أهل النار بريحه وهو أول من غير دين إِبْرَاهِيم [٦] ورأيته يجر قصبه فِي النار» . وَقَالَ ابن عباس ﵁: قدم عمرو بْن لحي بهبل من الشام فنصبه عَلَى الأخشب، وأمر النَّاس بعبادته، وأخرج إسافا ونائلة من البيت فنصب إسافا مقابل الركن الأسود وبين زمزم، ونصب نائلة إليه جانب البيت وتجاه المقام، ونصب بمنى سبعة أصنام، ونصب مناة عَلَى ساحل البحر، واتخذ للعزى بنخلة بيتا يطوفون به كطوافهم
стр. 638
بالكعبة، فكانوا إذا طافوا بالبيت لم يحلوا [١] حَتَّى يأتوا العزى، فيطوفون به
. وأما مضر
[٢] فأمه سودة بنت عك، وأخوه لأبيه وأمه: إياد، ولهما أخوان من أبيهما واسمهما: / ربيعة وأنمار [٣] .
وقد قَالَ الزبير بْن بكار: إن نزار بْن معد لما حضرته الوفاة أوصى بنيه، وقسم ماله بينهم، فَقَالَ: يا بني، هَذِهِ القبة [٤]- وهي من أدم حمراء- وما أشبهها من مالي لمضر [٥] ، فسمي مضر الحمراء. وهذا الخباء الأسود وما أشبهه من مالي لربيعة فخلف خيلا دهما [٦] ، فسمي ربيعة الفرس [٧] . وهذه الخادم وما أشبهها من مالي لإياد- وكانت شمطاء- فأخذ البلق والنّقد من غنمه [٨] وهذه البدرة، والمجلس لأنمار يجلس فيه [٩] ، فأخذ أنمار ما أصابه. وَقَالَ: فإن أشكل عليكم فِي ذلك شَيْء واختلفتم فِي القسمة فعليكم بالأفعى الجرهمي. فاختلفوا فِي القسمة، فذهبوا إِلَى الأفعى. فبينما هم فِي مسيرتهم إذ رأى مضر كلأ قد رعي، فَقَالَ: إن البعير الَّذِي قد رعى [١٠] هَذَا الكلأ لأعور، وَقَالَ ربيعة: إنه أزور، وَقَالَ إياد: هو أبتر. وَقَالَ أنمار: هو شرود.
فلم يسيروا إلا قليلا حَتَّى لقيهم رجل توضع به راحلته، فسألهم عَنِ البعير، فَقَالَ مضر: هو أعور؟ قَالَ: نعم. وَقَالَ ربيعة: هو أزور؟ قَالَ: نعم. وقال إياد: هو أبتر؟
стр. 639
قال: نعم. وقال أنبار: هو شرود؟ قَالَ: نعم، هَذِهِ والله صفة بعيري، دلّوني عليه، فحلفوا: ما رأوه [١] . فلزمهم وَقَالَ: كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري! فساروا جميعا حَتَّى قدموا نجران، فنزلوا بالأفعى الجرهمي، فنادى [٢] صاحب البعير: إن بعيري عند هَؤُلاءِ الأقوام لأنهم [٣] وصفوا لي صفته. ثم قالوا: لم نره. فَقَالَ الجرهمي: كيف وصفتموه ولم تروه؟ فَقَالَ مضر: رأيته يرعى جانبًا [ويدع جانبا] [٤] ، فعرفت أنه أعور. وَقَالَ ربيعة رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر، فعرفت أنه أفسدها بشدة وطئه لازوراره. وَقَالَ إياد: عرفت أنه أبتر باجتماع بعره، فلولا ذلك لمصع [٥] به. وَقَالَ أنمار:
عرفت أنه شرود، لأنه يرعى بالمكان الملتف نبته، ثُمَّ يجوزه إِلَى مكان آخر أرق [منه] [٦] نبتا وأخبث [٧] . فَقَالَ الجرهمي: ليسوا بأصحاب بعيرك، فاطلبه/، ثُمَّ سألهم فأخبروه فرحب بهم، ثم قَالَ: أتحتاجون إلي وأنتم كما أرى! ثم دعا لهم بطعام فأكلوا وأكل، وشربوا وشرب، فَقَالَ مضر: لم أر كاليوم خمرا أجود [٨] ، لولا أنها نبتت عَلَى قبر، وَقَالَ ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب، لولا أنه ربي [٩] بلبن كلبة. وَقَالَ إياد: لم أر كاليوم رجلًا أسرى لولا أنه لغير أبيه الذي يدعى له [١٠] . وَقَالَ أنمار: لم أر كاليوم كلاما أنفع فِي حاجتنا [١١] . [من كلامنا] [١٢] .
وسمع الجرهمي الكلام فتعجب من قولهم وأتى أمّه فسألها وهددها [١٣] ، فأخبرته
стр. 640
أنها كانت تحت ملك لا يولد له، وكرهت أن يذهب الملك، فأمكنت رجلا من نفسها كان نزل بِهَا، فوطئها فحملت به، وسأل القهرمان عَنِ الخمر، فَقَالَ: من حبلة [١] غرستها عَلَى قبر أبيك، وسأل الراعي عَنِ اللحم، فَقَالَ: شاة أرضعتها بلبن كلبة، ولم يكن ولد فِي الغنم شاة غيرها. فقيل لمضر: من أين عرفت الخمر ونباتها عَلَى قبر؟ قَالَ:
لأنه أصابني عليها عطش شديد، وقيل لربيعة: فبم؟ قَالَ: فذكر كلاما.
فأتاهم الجرهمي فَقَالَ: صفوا لي صفتكم. فقصوا عَلَيْهِ ما أوصاهم به أبوهم، فقضى بالقبة الحمراء والدنانير والإبل- وهي حمر- لمضر، وقضى بالخباء الأسود والخيل الدهم لربيعة، وقضي بالخادم- وكانت شمطاء- وبالماشية البلق لإياد، وقضى بالأرض والدراهم لأنمار.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قال:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أبي أسامة قال: أخبرنا محمد بن سعد قال: أخبرنا خالد بن خداش قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [٢] .
«لا تَسُبُّوا مُضَرَ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ» [٣]
. وأما نزار:
فإنه يكنى: أبا إياد، وقيل: أبا ربيعة، أمه: معانة بنت جوشم [٤]
. وأما معد
[٥] فأمه/: مهدد.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ: قَالَ: أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا أبو محمد
стр. 641
عَمْرو بْن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال:
أخبرنا محمد بن سعد قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب، عن أبيه [١] قَالَ:
كان معد مع بخت نصر حين غزا حصون [٢] اليمن.
قَالَ ابن سعد: ولم أر بينهم اختلافا أن معدا من ولد قيذار بْن إسماعيل [٣] .
أَنْبَأَنَا الحسن بْن [٤] عَبْد الْوَهَّابِ الْبَارِعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جعفر بْن المسلمة قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو طاهر المخلص قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن سليمان الطوسي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني علي بن المغيرة قَالَ:
لما بلغ بنو معد عشرين رجلا أغاروا عَلَى عسكر موسى فدعا عليهم فلم يجب فيهم ثلاث مرات، فَقَالَ: يا رب دعوتك عَلَى قوم فلم تجبني فيهم بشَيْء. فَقَالَ: «يا موسى دعوتني عَلَى قوم هم خيرتي فِي آخر الزمان» .
قَالَ: الزبير: وحدثني عَبْد العزيز بْن يحيى بْن زيد الباهلي، عَنْ سليمان بْن رفاعة، عَنْ مكحول قَالَ:
أغار الضحاك بْن معد عَلَى بني إسرائيل فِي أربعين رجلا من بني معد [٥] عليهم دراريع الصوف خاطمي خيلهم بحبال الليف، فقتلوا وسبوا وظفروا. [فَقَالَ بنو إسرائيل: يا موسى، إن بني معد أغاروا علينا وهم قليل، فكيف لو كانوا كثيرا، وأغاروا علينا وأنت نبينا، فادع اللَّه عليهم. فتوضأ موسى وصلى ثم قَالَ: يا رب إن بني معد أغاروا عَلَى بني إسرائيل، فقتلوا وسبوا وظفروا] [٦] فسألوني أن أدعوك عليهم.
قَالَ: فَقَالَ اللَّه : «يا موسى لا تدع عليهم فإنهم عبادي وإنهم ينتهون عند أول أمري وإن فيهم نبيا أحبه وأحب أمته» .
стр. 642
فَقَالَ: يا رب ما بلغ من محبتك له؟
قَالَ: أغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قَالَ: يا رب ما بلغ من محبتك لأمته.
قَالَ: يستغفرني مستغفرهم فأغفر له، ويدعوني داعيهم فأستجيب له.
قَالَ: يا رب فاجعلهم من أمتي قَالَ: ثلثهم منهم. قَالَ: رب اجعلني منهم. قَالَ:
تقدمته واستأخروا/
. وأما عدنان
[١] فإليه اتفاق النسابين عَلَى ما تقدم، ويختلفون فِي الأسماء التي بعده عَلَى ما سبق بيانه
. ذكر أمهات رسول الله ﷺ
[٢] أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد النحوي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عمر بْن حيويه قَالَ: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قَالَ:
حدثنا محمد بن سعد قال: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّد بْن السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أبيه [٣] قَالَ:
أم رسول الله ﷺ آمنة بنت وهب بْن عَبْد مناف بْن زهرة بْن كلاب بْن مرة، وأمها:
برة بنت عَبْد العزى بْن عثمان بْن عَبْد الدار بْن قصي بْن كلاب، وأمها: أم حبيب بنت أسد بْن عَبْد العزى بْن قصي بْن كلاب، [٤] وأمها: برة بنت عوف بْن عبيد بْن عويج [٥] بْن عدي بْن كعب بْن لؤي، وأمها: قلابة بنت الحارث [٦] بْن مالك بْن حباشة، وأمها: أميمة بنت مالك بْن غنم بْن لحيان، وأمها دب بنت ثعلبة بن
стр. 643
الحارث بْن تميم بْن سعد، [وأمها: عاتكة بنت غاضرة بْن حطيط بْن جشم بْن ثقيف] [١] . وأمها ليلى بِنْت عوف.
وأم وهب بْن عَبْد مناف بْن زهرة جد رسول اللَّه ﷺ اسمها [٢] : قيلة، ويقال: هند بنت أبي قيلة، وهو وجز بْن غالب بْن الحارث بْن عمرو بْن ملكان، وأمها: سلمى بنت لؤي بْن غالب بْن فهر بْن مالك، وأمها: ماوية بنت كعب، وأم وجز بْن غالب: السلامة بنت واهب بْن البكير، وأمها: بنت قيس بْن ربيعة، وأم عَبْد مناف بْن زهرة جمل بنت مالك، وأم زهرة بْن كلاب أم قصيّ، وهي فاطمة بنت سعد بْن سيل [٣] .
قَالَ مُحَمَّد بْن السائب: كتبت للنبي ﷺ خمسمائة أم فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئا مما كان من أمر الجاهلية [٤] .
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ [٥] الأَسْلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ [٦] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [٧] :
«خَرَجْتُ مِنْ لَدُنْ آدَمَ مِنْ نِكَاحٍ غَيْرِ سِفَاحٍ» [٨] .
قَالَ الأَسْلَمِيُّ/: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمِّهِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ غَيْرِ سفاح» [٩] .
стр. 644
أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْوَهَّابِ قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو طاهر المخلص قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بْنُ سلمان بْن داود قَالَ: حَدَّثَنَا الزبير بْن بكار قَالَ: [١] ولد عَبْد مناف بْن زهرة وهبا، وهو جد رسول اللَّه ﷺ أَبُو آمنة، وأمه: قيلة بنت قيلة، واسم أَبِي قيلة: وجز بْن غالب بْن عامر بْن الحارث [وهو غبشان] ، ووجز هو:
أَبُو كبشه الذي كانت قريش تنسب رسول اللَّه ﷺ له، لأنه جده من قبل أمه، والعرب تظن أن أحدا لا يعمل شيئا لا يعرف منزعه شبهه، فلما خالف رسول اللَّه ﷺ دين قريش قَالَ مشركو قريش [٢] ندعوه أبا كبشة، لأن أبا كبشة خالف الناس بعبادة الشعرى، وهو أول من عَبْد الشعرى، وكان يقول: إن الشعرى يقطع السماء عرضا ولا أرى فِي السماء شمسا ولا قمرا ولا نجما يقطع السماء عرضا غيرها، والعرب تسميها: العبور، لأنها تعبر السماء عرضا [٣] وكان أَبُو كبشة سيدا فِي خزاعة لم يعيروا رسول الله ﷺ من نقص كان فيه [٤] ، ولكن لما خالف دينهم نسبوه إلى خالف أبي كبشة، فقالوا: خالف كما خالف.
ذكر الفواطم والعواتك اللائي ولدن رَسُولَ اللَّه ﷺ
قَالَ مؤلف الكتاب [٥] : والعاتكة فِي كلام العرب: الطاهرة.
أَخْبَرَنَا ابن عَبْد الْبَاقِي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قال: أخبرنا ابن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قَالَ: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قَالَ: حدثنا محمد بن
стр. 645
سعد قَالَ: أَخْبَرَنَا هشام بْن مُحَمَّد السائب الكلبي، عَنْ أبيه [١] قَالَ:
أم عَبْد العزى بْن عثمان بْن عَبْد الدار بْن قصيّ، وقد ولد [٢] رَسُول اللَّهِ ﷺ ، هضيبة بنت عمرو بْن عتوارة بْن عائش بْن ظرب بْن الحارث بْن فهر، وأمها ليلى بنت هلال بْن وهيب بْن ضبة بْن الحارث بْن فهر/ وأمها سلمى بنت محارب بْن فهر، وأمها عاتكة بنت يخلد بْن النضر بْن كنانة، وأم عمرو بْن عتوارة بْن عائش بْن ظرب بْن الحارث بْن فهر عاتكة بنت عمرو بْن سعد بن عوف بْن قسي، وأمها فاطمة بنت بلال بْن عمرو بْن ثمالة من الأزد، وأم أسد بن عبد العزّى بْن قصي، وقد ولد النبي ﷺ الحظيا، وهي ريطة بنت كعب بْن سعد بْن تيم بْن مرة، وأم كعب بْن سعد بْن تيم نعم بنت ثعلبة بْن وائلة بْن عمرو بْن شيبان بْن محارب بْن فهر، وأمها ناهية بنت الحارث بْن منقذ بْن عمرو بْن معيص بْن عامر بْن لؤي، وأمها سلمى بنت ربيعة بن وهيب بْن ضباب بْن حجير بْن عَبْد معيص بْن عامر بْن لؤي، وأمها خديجة بنت سعد بْن سهم، وأمها عاتكة بنت عَبْدة بْن ذكوان بْن غاضرة بْن صعصعة، وأم ضباب بْن حجير بْن عَبْد بْن معيص فاطمة بنت عوف بْن الحارث بْن عَبْد مناة بْن كنانة، وأم عبيد بْن عويج بْن عدي بْن كعب، وقد ولد النبي ﷺ مخشية بنت عمرو بْن سلول بْن كعب بْن عمرو من خزاعة، وأمها الربعة بنت حبشية بْن كعب بْن عمرو، وأمها عاتكة بنت مدلج بْن مرة بْن عَبْد مناة بْن كنانة، فهؤلاء من قبل أمّه ﷺ .
وأم عَبْد اللَّه بْن عَبْد المطلب بْن هاشم فاطمة بنت عمرو بْن عائذ بْن عمران بْن مخزوم، وهي أقرب الفواطم إِلَى رسول الله ﷺ ، وأمها صخرة بنت عَبْد بْن عمران بْن مخزوم، وأمّها تخمر بنت عَبْد بْن قصي، وأمها سلمى بنت عامرة بن
стр. 646
عميرة بْن وديعة بْن الحارث بْن فهر، وأمها عاتكة بنت عَبْد اللَّه بْن واثلة ابن ظرب بْن عياذة بْن عمرو بْن قيس، ويقال: عَبْد اللَّه بْن حرب بْن وائلة، وأم عَبْد اللَّه بْن وائلة بْن ظرب فاطمة بنت عامر بْن ظرب بْن عياذة، وأم عمران بْن مخزوم سعدى بنت وهب بْن تيم بْن غالب، وأمها عاتكة بنت هلال بْن وهيب بْن ضبة، وأم هاشم بْن عَبْد مناف بْن قصي عاتكة بنت مرة بْن هلال بْن فالج بْن ذكوان بْن ثعلبة بْن بهثة بْن سليم بْن منصور بْن عكرمة بْن خصفة بْن قيس بن عيلان، وهي أقرب العواتك إِلَى النبي ﷺ ، وأم هلال بْن فالج بْن ذكوان فاطمة بنت بجيد بْن رؤاس بْن كلاب بْن ربيعة، وأم كلاب بْن ربيعة مجد بنت تيم الأدرم بْن غالب، وأمّها فاطمة بنت معاوية بْن بكر بْن هوازن، وأم مرة بْن هلال بْن فالج عاتكة بنت عدي بن سهم من أسلم، وهم إخوة خزاعة، وأم وهيب بْن ضبة بْن الحارث بْن فهر عاتكة بنت غالب بْن فهر، وأم عمرو بْن عائذ بْن عمران بْن مخزوم فاطمة بنت ربيعة بْن عَبْد العزى بْن رزام بْن حجوش بْن معاوية بْن بكر بْن هوازن، وأم معاوية بْن بكر بْن هوازن عاتكة بنت سعد بْن هذيل بْن مدركة، وأم قصي بْن كلاب فاطمة بنت سعد بْن سيل من الجدرة من الأزد، وأم عَبْد مناف بْن قصي حبى بنت حليل بْن حبشية الخزاعي، وأمها فاطمة بنت نصر بْن عوف بْن عمرو بْن لحي من خزاعة، وأم كعب بْن لؤي ماوية بنت كعب بْن القين، وهو النعمان بْن جسر بْن شيع اللَّه بْن أسد بْن وبرة بْن تغلب بْن حلوان بْن عمران بْن الحاف قضاعة، وأمّها عاتكة بنت كاهل بن عذرة، وأمّ لؤي بْن غالب عاتكة بنت يخلد بْن النضر بْن كنانة، وأم غالب بْن فهر بن مالك ليلى بنت سعد بْن هذيل بْن مدركة بْن إلياس بْن مضر، وأمها سلمى بنت طابخة بْن إلياس بْن مضر، وأمها عاتكة بنت الأسد بْن الغوث.
قَالَ ابن سعد: وأَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ عَنْ أبيه: أنّ عاتكة بنت عامر بن الظرب من أمهات النبي ﷺ ، قَالَ: أم برة بنت عوف بْن عبيد بْن عويج بْن عدي بْن كعب أميمة بِنْت مالك بْن غنم بْن سويد بْن حبشي بْن عادية بْن صعصعة بْن كعب بْن طابخة بْن لحيان، وأمها قلابة بنت الحارث بْن صعصعة بْن كعب بْن طابخة بْن لحيان، وأمها دب بنت الحارث بْن تميم بْن سعد بْن هذيل، وأمها لبنى بنت الحارث بْن نمير بْن أسيد بْن عمرو بْن تميم، وأمها فاطمة بنت عَبْد الله بن حرب بن
стр. 647
وائلة، وأمّها زينت بنت مالك بْن ناضرة بْن غاضرة بْن حطيط بْن جشم بْن ثقيف، وأمها عاتكة بنت عامر بْن ظرب، وأمها شقيقة بنت معن بْن مالك من باهلة، وأمها سودة بنت أسيد بن عمرو بْن تميم.
فهؤلاء العواتك وهن ثلاث عشرة، والفواطم وهن عشر [١]
. ذكر ما جرى لآمنة في زمان حملها لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ
[٢] أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو محمد الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قَالَ: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال: أخبرنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر بْن واقد قَالَ: حدثني علي بْن يزيد بْن عَبْد اللَّه بْن وهب بْن ربيعة، عَنْ أبيه، عَنْ عمته قَالَ:
كنا نسمع أن رسول الله ﷺ لما حملت به آمنة بنت وهب [كانت] [٣] تقول: ما شعرت أني حملت به، ولا وجدت له ثقلة كما تجد النساء إلا أني قد أنكرت رفع حيضتي [وربما كانت ترفعني وتعود] [٤] ، وأتاني آت وأنا بين النائم واليقظان فَقَالَ: هل شعرت أنك حملت؟ فكأني أقول: ما أدري، فَقَالَ: إنك قد حملت بسيد هَذِهِ الأمة ونبيها. وذلك يوم الاثنين. قالت: فكان ذلك مما يقن عندي الحمل، ثم أمهلني حَتَّى إذا دنت ولادتي أتاني ذلك الآتي فَقَالَ: قولي أعيذه بالواحد الصمد من شر كل حاسد، قالت: فكنت أقول ذلك. فذكرت ذلك لنسائي فقلن لي: تعلقي حديدا فِي عضديك وَفِي عنقك [٥] ، قالت: ففعلت فلم يكن ترك علي إلا أياما فأجده قد قطع، فكنت لا أتعلّقه [٦] .
стр. 648
وَقَالَ ابْنُ وَاقِدٍ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: [١] قَالَتْ آمِنَةُ: لَقَدْ عَلِقْتُ بِهِ فَمَا وَجَدْتُ مَشَقَّةً حَتَّى وَضَعْتُهُ [٢] .
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلابِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ رسول الله صلي الله عليه وسلم:
قد حَمَلْتُ الأَوْلادَ فَمَا حَمَلْتُ سَخْلَةً أَثْقَلَ مِنْهُ [٣] .
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الأسلمي: وهذا مما لا يعرف عندنا ولا عند أهل العلم، لم تلد آمنة ولا عَبْد اللَّه بْن عَبْد المطلب غير رَسُولَ اللَّه ﷺ / [٤] .
قَالَ الأَسْلَمِيُّ: وَحَّدَثَنِي قَيْسٌ مَوْلَى عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ سَالِمٍ، عن أبي جعفر محمد بن علي قال:
أُمِرَتْ آمِنَةُ وَهِيَ حَامِلٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُسَمِّيهِ أَحْمَدَ [٥]
. ذكر وفاة عَبْد اللَّه
قَالَ مؤلف الكتاب: ولد عَبْد اللَّه لأربع وعشرين سنة مضت من ملك كسرى أنوشروان، فبلغ سبع عشرة، ثم تزوج آمنة فلما حملت برسول اللَّه ﷺ توفي.
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْبَاقِي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو محمد الجوهري قال: أخبرنا ابن خيثمة قَالَ:
وَأَخْبَرَنَا أحمد بْن معروف قَالَ: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال: أخبرنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر بْن واقد قَالَ: حدثني موسى بْن عبيدة الرَّبَذيّ، عَنْ مُحَمَّد بْن كعب قَالَ:
стр. 649
وَأَخْبَرَنَا سَعِيد بْن أبي زيد، عَنْ أيوب بْن عَبْد الرحمن بْن أبي صعصعة [١] قالا:
خرج عَبْد اللَّه إِلَى الشام إِلَى غزة فِي عير من عيرات [٢] قريش يحملون تجارات، ففرغوا من تجاراتهم ثم انصرفوا، فمروا بالمدينة وعبد الله بْن عَبْد المطلب يومئذ مريض، فَقَالَ: أتخلف عِنْدَ أخوالي بني عدي بْن النجار، فأقام عندهم مريضا شهرا، ومضى أصحابه فقدموا مكة، فسألهم عَبْد المطلب عَنْ عَبْد اللَّه، فقالوا:
خلفناه [٣] عند أخواله بني عدي بن النجار، وهو مريض. قال: فبعث إليه عَبْد المطلب أكبر ولده الحارث فوجده قد توفي ودفن فِي دار النابغة، وهو رَجُل من بني عدي بْن النجار، فِي الدار التي [إذا] [٤] دخلتها فالدويرة عَنْ يسارك. وأخبره أخواله بمرضه، وبقيامهم عَلَيْهِ [٥] ، وما ولوا من أمره، وأنهم قبروه، فرجع إِلَى أبيه فأخبره، فوجد عَلَيْهِ عَبْد المطلب وإخوته [وأخواته] [٦] وجدا شديدا، ورسول اللَّه ﷺ ، يومئذ حمل، ولعَبْد اللَّه يوم توفي خمس وعشرون سنة [٧] .
قَالَ الواقدي: ترك عَبْد اللَّه أم [٨] أيمن وخمسة أجمال أوارك- يعني تأكل الأراك- وقطعه غنم، فورث ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وكانت أم أيمن/ تحضنه [٩] ، واسمها:
بركة [١٠] .
قَالَ مؤلفه [١١] : وقد روينا عَنِ الزُّهْرِيِّ: أن عَبْد المطلب بعث ابنه عَبْد اللَّه إِلَى المدينة يمتار له تمرا فمات. والأول أصح [١٢] .
стр. 650
وروي لنا: أن عَبْد اللَّه توفي بعد ما أتى عَلَى رسول اللَّه ﷺ ثمانية وعشرين شهرا.
وقيل: سبعة أشهر. والأول أصح [١]
. ذكر مولده ﵇
قَالَ مؤلف الكتاب [٢] : ولد ﵇ [٣] فِي يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول عام الفيل [٤] .
وقيل: لليلتين خلتا منه [٥] .
وقيل: لإحدى عشرة ليلة خلت منه [٦] .
وَقَالَ ابن عباس: ولد يوم الجمعة يوم الفيل، وكان قدوم الفيل وهلاك أصحابه يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم وكان أول المحرم تلك السنة الجمعة وذلك [٧] فِي عهد كسرى أنوشروان لمضي اثنتين وأربعين سنة من ملكه.
وقد حكى أَبُو بكر الحيري: أن شيخا من الصالحين حكى له أنه رأى رسول اللَّه ﷺ فِي المنام قَالَ: قلت: يا رسول اللَّه، بلغني أنك قلت: «ولدت فِي زمن الملك العادل» وإني سألت الحاكم أبا عَبْد اللَّه الحافظ عَنْ هَذَا الحديث فقال: هذا كذب لم يقله رسول الله. فقال النَّبِيّ ﷺ : «صدق أَبُو عَبْد اللَّه» .
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُكْبَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بن
стр. 651
الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي الدنيا قال: أخبرني محمد بن صالح الْقُرَشِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنِ ابْنِ جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: [١] وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الاثْنَيْنِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَكَانَ قُدُومُ الْفِيلِ لِلنِّصْفِ مِنَ الْمُحَرَّمِ، فَبَيْنَ الْفِيلِ وَبَيْنَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسٌ وَخَمْسُونَ لَيْلَةً وَكَانَ بَيْنَ الْفِيلِ وَالْفِجَارِ عِشْرُونَ سَنَةً، وَكَانَ بَيْنَ الْفِجَارِ وَبُنْيَانِ الْكَعْبَةِ [٢] خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
أَنْبَأَنَا عَبْد الوهاب بْن المبارك قال: أخبرنا عاصم بن الحسن قال: أخبرنا/ ابن بشران قَالَ: أَخْبَرَنَا عثمان بْن أحمد الدقاق قَالَ: أَخْبَرَنَا [٣] أَبُو الحسن مُحَمَّد بْن أحمد بْن البراء قَالَ:
ولد رَسُول اللَّه ﷺ ليلة الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول يوم العشرين من نيسان.
أنبأنا يحيى بن الحسن بن البناء قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قال: أخبرنا الْمُخَلِّصُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ الطُّوسِيُّ قال: [أخبرنا] [٤] الزُّبَير بْن بكار قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَسَنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سعد بن زرارة، عَنْ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ [٥] قَالَ:
إِنِّي لَغُلامٌ يَفَعَةٌ ابْنُ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ، إِذَا يَهُودِيٌّ بِيَثْرِبَ يَصْرُخُ [ذَاتَ] [٦] غَدَاةٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، [٧] فلما اجتمعوا قالوا: مالك [وَيْلَكَ] [٨] ؟ قَالَ: طَلَعَ نَجْمُ أَحْمَدَ الَّذِي وُلِدَ
стр. 652
بِهِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ. قَالَ: فَأَدْرَكَهُ الْيَهُودِيُّ [١] وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ [٢] .
قَالَ ابن جرير: وقيل إنه ولد ﵇ فِي الدار التي تعرف بدار مُحَمَّد بْن يُوسُف الثقفي.
وقيل: أن رسول الله ﷺ كان وهبها لعقيل بْن أبي طالب، فلم تزل فِي يد عقيل حَتَّى توفي، فباعها ولده من مُحَمَّد بْن يُوسُف أخي الحجاج فبنى داره التي يقال لها: دار ابن يُوسُف، وأدخل ذلك البيت فِي الدار حَتَّى أخرجته الخيزران فجعلته مسجدا يصلي فيه
. ذكر ما جرى عند وضع آمنة لرسول اللَّه ﷺ
[٣] روى عثمان بْن أبي العاص قَالَ: حدثتني أمي أنها [شهدت] [٤] ولادة آمنة لرسول [٥] اللَّه ﷺ وكان ذَلِكَ ليلة ولدته [٦] قالت: فما شَيْء أنظر إليه من البيت إلا نور، وإني لأنظر [٧] إِلَى النجوم تدنو حَتَّى [إني] [٨] لأقول: ليقعن علي [٩] .
أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بن الحسن قال: أخبرنا أبو
قَالَ ابن سعد: وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عمرو بْن واقد قَالَ: حدثني علي بْن يزيد بْن عَبْد اللَّه بْن وهب بْن زمعة، عَنْ أبيه، عَنْ عمته قالت:
لما ولدت آمنة بنت وهب رسول اللَّه ﷺ أرسلت إِلَى عَبْد المطلب، فجاءه البشير وهو جالس فِي الحجر معه ولده ورجال من قومه، فأخبره أن آمنة قد ولدت غلاما فسر بذلك عَبْد المطلب وقام هو ومن معه فدخل عليها فأخبرته بكل ما رأت، وما قيل لها وما أمرت به، فأخذه عبد المطّلب فأدخله الكعبة وقام عندها يدعو اللَّه ويشكر ما أعطاه [١] .
قَالَ ابن واقد: أخبرت/ أن عَبْد المطلب قَالَ يومئذ [٢] :
الحمد للَّه الذي أعطاني ... هَذَا الغلام الطيب الأردان
قد ساد فِي المهد عَلَى الغلمان ... أعيذه بالبيت ذي الأركان [٣]
حَتَّى أراه بالغ البنيان ... أعيذه من شر ذي شنئان [٤]
من حاسد مضطرب العنان
[٥]
ذكر الحوادث التي كانت ليلة ولادته ﷺ
[٦] أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْن المبارك الحافظ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو القاسم عبد الواحد بْن علي بْن مُحَمَّدً بْن فهد العلاف قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو الفرج محمد بن فارس الغوري قال:
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْن علي بْن أحمد بْن علي بْن أبي قيس قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن أبي الدنيا [٧] قَالَ: حَدَّثَنَا علي بْن حرب قَالَ حَدَّثَنَا يعلى بْن عمران البجلي قَالَ: حدثني مخزوم بْن هانئ، عَنْ أَبِيهِ وأتت له خمسون ومائة سنة قَالَ:
стр. 655
لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول اللَّه ﷺ ارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة [١] ، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت فِي بلادها [٢] .
فلما أصبح كسرى أفزعه ما رأى، فتصبر عَلَيْهِ تشجعا [٣] ، ثم رأى أن لا يكتم ذلك عَنْ وزرائه ومرازبته [٤] ، فلبس تاجه، وقعد عَلَى سريره، وجمعهم إليه، فلما اجتمعوا عنده قَالَ: أتدرون فيم بعثت إليكم؟ قالوا: لا إلا أن يخبرنا الملك. [قَالَ المصنف ﵀: رأى كسرى ارتجاس الإيوان وسقوط الشرف فحسب لا المنام، فالمنام للموبذان وهو قاضي قضاتهم] [٥] .
فبينا هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النار [٦] ، فازداد غما إِلَى غمه، فَقَالَ الموبذان: وأنا- أصلح اللَّه الملك- قد رأيت فِي هَذِهِ الليلة. وقص عَلَيْهِ الرؤيا فِي الإبل، فَقَالَ: أي شيء يكون [٧] هَذَا يا موبذان؟ فَقَالَ: حادث يكون من عند العرب.
فكتب عند ذلك [إِلَى النعمان بْن المنذر] : [٨] من كسرى ملك الملوك إِلَى النعمان بْن المنذر، أما بعد: فوجه إلي/ رجلا عالما بما أريد أن أسأله عنه.
فوجه إليه عَبْد المسيح بْن عمرو بْن حيان بْن بقيلة [٩] الغساني. فلما قدم عَلَيْهِ، قَالَ له: هل عندك علم بما أريد [١٠] أن أسألك عنه قَالَ: ليخبرني الملك. قَالَ: فإن
стр. 656
كَانَ عندي منه علم [أخبرته] [١] ، وإلا أخبرته بمن يعلمه، فأخبره بما رأى، فَقَالَ: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشام، يقال له: سطيح. قَالَ: فأته فاسأله عما سألتك عنه وائتني بجوابه.
فركب عَبْد المسيح راحلته حَتَّى قدم عَلَى سطيح، وقد أشفى عَلَى الموت، فسلم عَلَيْهِ. وحياه، فلم يخبر سطيح جوابا، فأنشأ عَبْد المسيح يقول:
أصم أم يسمع غطريف اليمن ... [أم فاد فازلم به شأو العنن] [٢]
يا فاصل الخطة أعيت من ومن ... وكاشف الكربة عَنْ وجه غضن
أتاك شيخ الحي من آل سنن ... وأمه من آل ذئب بْن حجن
[أزرق بهم الناب صوار الأذن] [٣] ... أبيض فضفاض الرداء والبدن
رسول قيل العجم يسري بالرسن ... [لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن]
[٤] فلما سمع سطيح [٥] شعره رفع رأسه وَقَالَ: عَبْد المسيح، عَلَى جمل مسيح، إِلَى سطيح، وقد أوفى عَلَى الصريح، بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة وانتشرت فِي بلادها. يا عَبْد المسيح، إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات عَلَى عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت.
ثم قضى سطيح مكانه، فصار عبد المسيح إِلَى أهله وهو يقول:
شمر فإنك ماضي الهم شمير ... لا يفزعنك تفريق وتغيير
إن يمس ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذلك أطوار دهارير
/ فربما ربما أضحوا بمنزلة ... يهاب صولتها الأسد المهاصير
стр. 657
منهم أخو الصرح بهرام وإخوته ... والهرمزان وسابور وسابور
والناس أولاد علات فمن علموا ... أن قد أقل فمحقور ومهجور
وهم بنو الأم إما إن رأوا نشبا ... فذاك بالغيب محفوظ ومنصور
والخير والشر مقرونان من قرن ... والخير متبع والشر محذور
فلما قدم عبد المسيح عَلَى كسرى أخبره بقول سطيح، فَقَالَ:
إِلَى أن يملك منا أربعة عشر ملكا قد كانت أمور، فملك منهم أربعة [١] عشر، عشرة [٢] فِي أربع سنين، وملك الباقون إِلَى خلافة عثمان بْن عفان ﵁ [٣] .
ذكر أسماء نبيّنا ﷺ
[٤] رَوَى حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْحَاشِرُ، وَالْمُقَفِّي، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ» [٥] . وَرَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْحَاشِرُ، وَالْمَاحِي، وَالْخَاتَمُ، وَالْعَاقِبُ» [٦] . قَالَ مؤلف الكتاب: ومن أسمائه ﷺ : نبي التوبة، ونبي الملاحم، والشاهد، والمبشر، والنذير، والضحوك، والقتّال، والمتوكل، والفاتح، والأمين، [والخاتم،] [٧]
стр. 658
والمصطفى، والرسول، والنبي الأمي، والقثم [١] .
والحاشر: الذي يحشر الناس عَلَى قدميه يقدمهم وهم خلفه.
والمقفي: آخر الأنبياء وكذلك العاقب.
والملاحم: الحروب.
والضحوك: اسمه فِي التوراة، وذلك أنه كان طيب النفس فكها.
القثم: من القثم [٢] ، وهو الإعطاء، وكان أجود الخلق ﷺ .
ذكر صفة نبينا محمد ﷺ
[٣] أَخْبَرَنَا هِبَةُ [اللَّهِ] بن محمد قال: أخبرنا الحسن بن علي التميمي قال: أخبرنا أحمد بْن جَعْفَر قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أحمد قال: حدثني أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ [يَنْعَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ] [٤] يَقُولُ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَبِعَةً [مِنَ الْقَوْمِ] [٥] ، لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلا بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ، أَزْهَرٌ لَيْسَ بِالآدَمِ وَلا الأَبْيَضِ الأَمْهَقِ [٦] ، رَجِلُ الشَّعْرِ، لَيْسَ بِالسَّبْطِ [٧] وَلا بالجعد القطط» [٨] .
يَعْقُوب الزمعي، عَنْ سهل مولى عتيبة: أنه كان نصرانيا، وكان يتيما فِي حجر أمه وعمه، فكان يقرأ الإنجيل، قَالَ: فأخذت مصحفا لعمي فقرأته حَتَّى مرت بي ورقة: فأنكرت كتابتها [حين مرت بي، ومسستها بيدي، قَالَ: فنظرت] فإذا [فصول الورقة] [١] ملصقة، ففتقتها فوجدت فيها نعت محمّد ﷺ :
لا قصير ولا طويل، [أبيض، ذو ضفيرين] [٢] بين كتفيه خاتم، يكثر الاحتباء، ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحتلب الشاة، ويلبس قميصا مرقوعا، وهو من ذرية إسماعيل اسمه أَحْمَد.
قَالَ: فجاء عمي فرأى الورقة فضربني وقال: مالك وفتح هذه الورقة. فقالت: فيها نعت النبيّ أحمد [ ﷺ ] . وَقَالَ: إنه لم يأت بعد [٣] .
قَالَ مُحَمَّد بْن سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَهَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أبي سَلَمَةَ الْمَاجُشُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِلالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَقَالَ:
سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ: أَجَلْ والله، إنّه موصوف [٤] في التوراة بصفته في القرآن (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) ٣٣: ٤٥ [٥] ، [وَهِيَ فِي التَّوْرَاةِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ] [٦] ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلا غليط وَلا صَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ [٧] أَقْبِضَهُ حَتَّى أُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ [٨] الْعَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَيَفْتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا [٩] .
стр. 663
قَالَ وهب بْن منبه: أوحى اللَّه تعالى إلي شعبا: إني مبعث نبيا أميا، أفتح به آذانا صما، وقلوبا غلفا، وأعينا عميا، مولده بمكة، ومهاجره طيبة، وملكه بالشام، عَبْدي المتوكل المصطفى، المرفوع الحبيب المجيب، لا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، رحيم بالمؤمنين وليس بفظ ولا/ غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قوّال للخنى، أسدده لكل جميل وأهب له كل خلق كريم، أجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره. والحكمة مقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو [والمغفرة] [١] والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب مختلفة [٢] ، وأهواء متشتتة وأمم [٣] متفرقة. أجعل أمته خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف، وتنهى عَنِ المنكر، توحيدا لي، وإيمانا بي، وإخلاصا لي، وتصديقا لما جاءت به رسلي وهم دعاة الشمس، طوبى لتلك القلوب [٤]
. ذكر الحوادث [٥] التي كانت فِي عام ولادته ﷺ
قال مؤلف الكتاب [٦] من أعظم الحوادث فِي عام ولادته قصة الفيل وقد ذكرناه.
стр. 664
ومن الحوادث عامئذ يوم جبلة [١] .
قَالَ أَبُو عبيدة [٢] : أعظم أيام العرب يوم جبلة، وكان عام ولد رَسُول اللَّه ﷺ .
وكان لعامر [٣] ، وعبس [عَلَى] [٤] ذبيان، وتميم، وقد قَالَ الرضي فِي ذلك:
فمن إباء الأذى حلت جماجمها ... عَلَى مناطلها عبس وذبيان
ومن ذلك: رضاع ثويبة له أياما ثم قدوم حليمة لرضاعه [٥] :
أرضعته ثويبة مولاة أبي لهب أياما، ثم قدمت حليمة بنت أبي ذؤيب- واسمه:
عَبْد اللَّه بْن الحارث بْن شجنة- وزوجها الحارث بْن عَبْد العزى بْن رفاعة.
واسم إخوته من الرضاعة: عَبْد اللَّه بْن الحارث وأنيسة بنت الحارث، وجدامة بنت الحارث، وهي: الشيماء، غلب ذلك عَلَى/ اسمها، فلا تعرف إلا به، ويزعمون أن الشيماء كانت تحضنه مع أمها، إذ كان عندهم، وأن الشيماء سبيت يوم حنين فقالت:
اعلموا أني أخت نبيكم. فلما أتي بها عرفها، فأعتقها. وكانت حليمة من بني سعد بْن بكر [٦] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الباقي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو محمد الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قَالَ: [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ:] [٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن عمر بْن واقد قَالَ: حدثني موسى بْن أبي شيبة، عَنْ عميرة بنت عَبْد الله بن كعب بن مالك، عن برّة بنت تجراة قالت [٨] :
стр. 665
أول من أرضع [١] رسول اللَّه ﷺ ثويبة بلبن ابن لها، يقال له: مسروح، أياما قبل أن تقدم حليمة، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بْن عَبْد المطلب [﵁] ، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عَبْد الأسد المخزومي [٢] .
وقد ذكرنا أن عَبْد المطلب تزوج هالة وزوّج ابن عَبْد اللَّه: آمنة فِي مجلس واحد فولد حمزة، ثُمَّ ولد رَسُول اللَّه ﷺ فأرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب بلبن ابنها مسروح أياما، ولذلك قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حين فرضت عَلَيْهِ ابنة حمزة ليتزوجها: «إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي، أرضعتني وإياه ثويبة» [٣] . وأعتق أَبُو لهب ثويبة وكانت ثويبة تدخل على رسول الله ﷺ بعد ما تزوّج خديجة فيكرمها النّبيّ ﷺ وتكرمها خديجة، وهي يومئذ أمة، ثم كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بعث إليها بعد الهجرة بكسوة وصلة حَتَّى ماتت بعد فتح خيبر.
قَالَ مؤلفه [٤] : ولا نعلم أنها [قد] [٥] أسلمت، بل قد قَالَ أَبُو نعيم الأصفهاني حكى بعض العلماء أَنَّهُ قد [٦] اختلف فِي إسلامها.
أَخْبَرَنَا علي بن عبد الله الذغواني قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْن عَلِيِّ بْن الْمَأْمُونِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْن مُحَمَّد بْن حبابة قَالَ: أَخْبَرَنَا يحيى بْن صاعد قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسن بْن أَبِي الربيع قَالَ: حَدَّثَنَا وهب بْن حزم قَالَ: حَدَّثَنَا أبي، عَنِ النعمان/ بْن راشد، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عروة قَالَ [٧] :
كانت ثويبة لأبي لهب فأعتقها، فأرضعت النبي ﷺ ، فلما مات أَبُو لهب رآه بعض أهله فِي النوم فَقَالَ: ماذا لقيت يا أبا لهب؟ فَقَالَ: ما رأيت بعدكم روحا [٨] غير أني سقت