← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فِي هَذِهِ مني بعتقي ثويبة. وأشار إِلَى ما بين الإبهام والسبابة [١] . حديث حليمة [٢] أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ محمد بن علي بن ميمون قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُسْنِيُّ وأبو طالب علي بن محمد اليماني قالا: أخبرنا محمد الْحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِدْرِيسَ السُّلَمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي الْمُحَارِبِيُّ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي جَهْمُ بْنُ أَبِي جَهْمٍ الْجُمَحِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ حَلِيمَةَ ابْنَةِ الْحَارِثِ- أُمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ- السَّعِدِيَّةُ قَالَتْ: خَرَجْتُ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ تَلْتَمِسُ [٣] الرُّضَعَاءَ [٤] بِمَكَّةَ، فَخَرَجْتُ عَلَى أَتَانٍ لِي قَمْرَاءَ [٥] قَدْ أُذِمَّتْ [٦] بِالرَّكْبِ قَالَتْ: وَخَرَجْنَا فِي سَنَةٍ شَهْبَاءَ [٧] ، لَمْ تُبْقِ [لَنَا] [٨] شَيْئًا أَنَا وَزَوْجِي الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، قَالَتْ: وَمَعَنَا شَارِفٌ [٩] لَنَا وَاللَّهِ لَمْ تَبُضَّ [١٠] عَلَيْنَا بِقَطْرَةٍ مِنْ لَبَنٍ، وَمَعِي صَبِيٌّ مَا نَنَامُ لَيْلَنَا مِنْ بُكَائِهِ، وَمَا فِي ثَدْيِي مِنْ لَبَنٍ يُغْنِيهِ، وَلا فِي شَارِفِنَا مِنْ لَبَنٍ يُغَذِّيهِ، إِلا أَنَّا نرجو، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ لَمْ يَبْقَ مِنَّا امْرَأَةٌ إِلا عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَأْبَاهُ وَإِنَّمَا كُنَّا نَرْجُو الْكَرَامَةَ فِي رِضَاعَةِ مَنْ نُرْضِعْ لَهُ مِنْ أَبِي

стр. 667

المولود، فكان نبيّنا ﷺ ، فقلنا، ما عسى أن تصمع لَنَا أُمَّهُ؟ فَكُنَّا نَأْبَى، حَتَّى لَمْ يَبْقَ من صويحباتي امْرَأَةٍ إِلا أَخَذَتْ رَضِيعًا غَيْرِي. قَالَتْ: فَكَرِهْتُ أَنْ أَرْجِعَ وَلَمْ آخُذَ شَيْئًا، وَأَخَذَ صُوَيْحِبَاتِي، فَقُلْتُ لِزَوْجِي الْحَارِثِ: وَاللَّهِ لأَرْجِعَنَّ إِلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلآخُذَنَّهُ. قَالَتْ: فَأَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى رَحْلِي. فَقَالَ لِي زَوْجِي: قَدْ أَخَذْتِهِ. قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، وَذَاكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ. قَالَ: قَدْ أَصَبْتِ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا فِيهِ خَيْرًا. قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ وَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَ حَتَّى رَوِيَ، وَشَرِبَ أَخُوهُ حَتَّى رَوِيَ، وَقَامَ زَوْجِي الْحَارِثُ إِلَى شَارِفِنَا، فَإِذَا هِيَ ثَجَّاءُ [فَحَلَبَ] [١] عَلَيْنَا مَا شِئْنَا فَشَرِبَ حَتَّى رَوِيَ وَشَرِبْتُ حَتَّى رَوِيتُ. قَالَتْ: فَمَكَثْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ شِبَاعًا رِوَاءً. قَالَتْ: فَقَالَ زَوْجِي: وَاللَّهِ يَا حَلِيمَةُ مَا أُرَاكِ إِلا قَدْ أَصَبْتِ نَسَمَةً مُبَارَكَةً، قَدْ نَامَ صِبْيَانُنَا، وَقَدْ رُوِينَا. قَالَتْ: ثم خرجنا فو الله لَخَرَجَتْ أَتَانِي أَمَامَ الرَّكْبِ، قَدْ قَطَعَتْهُمْ حَتَّى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ، حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ: وَيْحَكِ يَا بِنْتَ الْحَارِثِ، كُفِّي عَنَّا، أَلَيْسَتْ هَذِهِ أَتَانُكِ الَّتِي خَرَجْتِ عَلَيْهَا؟ فَأَقُولُ: بَلَى وَاللَّهِ، فَيَقُولُونَ: إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا حَتَّى قَدِمْتُ مَنَازِلِنَا مِنْ حَاضِرِ مَنَازِلِ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. قَالَتْ: فَقَدِمْنَا عَلَى أَجْدَبِ أَرْضِ الله. قالت: فو الّذي نفس حليمة بيده إن كانوا ليسرحون أغنامهم إِذَا أَصْبَحُوا وَأُسَرِّحُ [رَاعِي] [٢] غُنَيْمَتِي، وَتَرُوحُ غَنَمِي حُفُلا بِطَانًا، وَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا هَلْكَى، مَا بِهَا مِنْ لَبَنٍ فَنَشْرَبُ مَا شِئْنَا مِنَ اللَّبَنِ، وَمَا مِنَ الْحَاضِرِ مِنْ أَحَدٍ يَحْلِبُ قَطْرَةً وَلا يَجِدُهَا. قَالَتْ: فَيَقُولُونَ لِرُعَاتِهِمْ: وَيْلَكُمْ أَلا تَسْرَحُونَ حَيْثُ يَسْرَحُ رَاعِي حَلِيمَةَ. فَيَسْرَحُونَ في الشعب الَّذِي يَسْرَحُ فِيهِ، وَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا لَهَا مِنْ لَبَنٍ وَتَرُوحُ غَنَمِي حُفُلا لَبَنًا. قَالَتْ: وَكَانَ يَشِبُّ فِي الْيَوْمِ شَبَابَ الصَّبِيِّ في الشهر! ويشب في الشهر شباب

стр. 668

الصَّبِيِّ فِي سَنَةٍ. قَالَتْ: فَبَلَغَ سَنَتَيْنِ وَهُوَ غُلامٌ جَفْرٌ [١] . قَالَتْ: فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ، فَقُلْتُ لَهَا، وَقَالَ لَهَا زَوْجِي: دَعِي ابْنِي فَلْنَرْجِعْ بِهِ، فَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْهِ وَبَاءَ مَكَّةَ. قَالَتْ: وَنَحْنُ أَضَنَّ شَيْءٍ بِهِ لِمَا رَأَيْنَا من بركته ﷺ . فَلَمْ نَزَلْ بِهَا حَتَّى قَالَتْ: ارْجِعِي بِهِ. قَالَتْ: فَمَكَثَ عِنْدَنَا شَهْرَيْنِ، قَالَتْ فَبَيْنَمَا هُوَ يَلْعَبُ يَوْمًا مَعَ إِخْوَتِهِ خَلْفَ الْبَيْت إِذْ جَاءَ أَخُوهُ يَشْتَدُّ، فَقَالَ لِي وَلأَبِيهِ: أَدْرِكَا أَخِي الْقُرَشِيِّ فَقَدْ جَاءَهُ رَجُلانِ فَأَضْجَعَاهُ فَشَقَّا بَطْنَهُ. قَالَتْ فَخَرَجْتُ وَخَرَجَ أَبُوهُ يَشْتَدُّ نَحْوَهُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ قَائِمٌ مُمْتَقِعٌ لَوْنُهُ، فَاعْتَنَقْتُهُ وَاعْتَنَقَهُ أَبُوهُ وَقَالَ: مَالَكَ يَا بُنَيِّ؟ قَالَ: أَتَانِي رَجُلانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ فَأَضْجَعَانِي فَشَقَّا بَطْنِيَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا صَنَعَا. قَالَتْ: فَاحْتَمَلْنَاهُ وَرَجَعْنَا بِهِ. قَالَتْ: يَقُولُ زَوْجِي يَا حَلِيمَةُ، وَاللَّهِ مَا أَرَى الْغُلامَ إِلا قَدْ أُصِيبَ، فَانْطَلِقِي فَلْنَرُدُّهُ إِلَى أُمِّهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ بِهِ مَا نَتَخَوَّفُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَرَجَعْنَا بِهِ إِلَى أُمِّهِ. فَقَالَتْ: مَا رَدَّكُمَا وَكُنْتُمَا حَرِيصَيْنِ عَلَيْهِ؟ فَقُلْنَا: لا وَاللَّهِ إِلا أَنَّا كفلناه وأدّينا الّذي علينا مِنَ الْحَقِّ فِيهِ ثُمَّ تَخَوَّفْنَا عَلَيْهِ الأَحْدَاثَ، فَقُلْنَا يَكُونُ عِنْدَ أُمِّهِ. قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا ذَاكَ بِكُمَا، فَأَخْبِرَانِي [٢] خَبَرَكُمَا وَخَبَرَهُ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا زَالَتْ بِنَا حَتَّى أَخْبَرَنَاهَا خَبَرَهُ. قَالَتْ: أَتَخَوَّفْتُمَا عَلَيْهِ. لا وَاللَّهِ إِنَّ لابْنِي هَذَا شأنا ألا أخبركما عنه؟ إني حملت بِهِ فَلَمْ أَحْمِلْ حِمْلا [٣] قَطُّ هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ، وَلا أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْهُ، وَلَقَدْ وَضَعْتُهُ فلم يقع كما يقع الصِّبْيَانُ، لَقَدْ وَقَعَ وَاضِعًا يَدَهُ فِي الأَرْضِ رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ. دَعَاهُ وَالْحَقَا بِشَأْنِكُمَا [٤] . ذكر ما جرى فِي السنة الثالثة من مولده ﷺ قال مؤلف الكتاب: من ذلك شق صدره، وقد ذكرناه، وظاهر هذا الحديث أن

стр. 669

آمنة حملت غير رسول الله. وقد قَالَ الواقدي: لا يعرف عنه أهل العلم أن لآمنة وعَبْد اللَّه ولدا غير رسول اللَّه ﷺ . وأما حليمة: فهي بنت أبي ذؤيب- واسمه: عبد العزّى بن الحارث بن شجة بْن جابر- السعدية، قدمت عَلَى رسول اللَّه ﷺ وقد تزوج خديجة، فشكت إليه جدب البلاد، فكلم خديجة فأعطتها أربعين شاة، وأعطتها بعيرا، ثم قدمت عَلَيْهِ بعد النبوة فأسلمت وبايعت، وأسلم زوجها الحارث بْن عَبْد العزى [١] . أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: أخبرنا ابن المذهب قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الله بن أحمد قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنَا حَيْوَةَ. وَزَيْدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ قَالا: أَخْبَرَنَا بَقِيَّةُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو السُّلَمِيِّ، عَنْ عُتْبَةَ بن عبد السُّلَمِيِّ: أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَجُلا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: كَيْفَ كَانَ أَوَّلُ شَأْنِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «كَانَتْ حَاضِنَتِي مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَابْنٌ لَهَا فِي بُهْمٍ لَنَا، وَلَمْ نَأْخُذْ مَعَنَا زَادًا، فَقُلْتُ: يَا أَخِي اذْهَبْ فَأْتِنَا بِزَادٍ مِنْ عِنْدِ أُمِّنَا، فَانْطَلَقَ أَخِي وَمَكَثْتُ عِنْدَ الْبُهْمِ، فَأَقْبَلَ طَائِرَانِ أَبْيَضَانِ كَأَنَّهُمَا نِسْرَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَقْبَلا يَبْتَدِرَانِي فَأَخَذَانِي فَبَطَحَانِي إِلَى الْقَفَا، فَشَقَّا بَطْنِي، ثُمَّ اسْتَخْرَجَا قَلْبِي فَشَقَّاهُ، فَأَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَتَيْنِ [٢] سَوْدَاوَيْنِ. فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: ائْتِنِي بِمَاءٍ وَثَلْجٍ فَغَسَلا [بِهِ] [٣] جَوْفِي، ثُمَّ قَالَ: ائْتِنِي بِمَاءِ بَرَدٍ فَغَسَلا بِهِ قَلْبِي ثُمَّ قَالَ ائْتِنِي بِالسَّكِينَةِ. فَذَرَاهَا فِي قَلْبِي ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: خِطْهُ [٤] . فَخَاطَهُ وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اجْعَلْهُ فِي كِفَّةٍ وَاجْعَلْ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِهِ فِي كِفَّةٍ فَإِذَا أَنَا أَنْظُرُ إِلَى الأَلْفِ فَوْقِي أُشْفِقُ أَنْ يَخِرَّ عَلَيَّ بَعْضُهُمْ. ثُمَّ قَالَ: لو أن أمته وزنت به لمال بهم.

стр. 670

ثُمَّ انْطَلَقَا وَتَرَكَانِي وَقَدْ فَرِقْتُ فَرَقًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى أُمِّي، فَأَخْبَرْتُهَا بِالَّذِي لَقِيتُ، فَأَشْفَقَتْ أَنْ يَكُونَ الْتُبِسَ [١] بِي فَقَالَتْ: أُعِيذُكَ باللَّه فَحَمَلَتْنِي عَلَى الرَّحْلِ وَرَكِبَتْ خَلْفِي، حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا إِلَى أُمِّي فَقَالَتْ: أَدَّيْتُ أَمَانَتِي وَذِمَّتِي، وَحَدَّثَتْهَا الْحَدِيثَ، فَلَمْ يَرُعْهَا [ذَلِكَ] [٢] وَقَالَتْ: إني رأيت حين خَرَجَ مِنِّي نُورًا أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ [٣] . وَرُوِيَ [عَنْ] [٤] مَكْحُولٍ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ من بني عَامِرٍ فَقَالَ: يَا ابْنَ [٥] عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي أُنْبِئْتُ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُ [اللَّهِ] [٦] إِلَى الناس، فأنبئني بحقيقة ذلك وبدو شأنك. «يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ، إِنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِي وَبُدُوِّ شَأْنِي دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى أَخِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، وَإِنَّ أُمِّيَ لَمَّا وَضَعَتْنِي [٧] كُنْتُ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثِ بْنِ بَكْرٍ، فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ مُنْتَبِذٌ مِنْ أَهْلِي فِي بَطْنِ وَادٍ مَعَ أَتْرَابٍ لِي مِنَ الصِّبْيَانِ، إِذْ أَنَا بِرَهْطٍ ثَلاثَةٍ مَعَهُمْ طَسْتٌ من ذهب مليء [٨] ثَلْجًا، فَأَخَذُونِي مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي، فَخَرَجَ أَصْحَابِي هِرَابًا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى شَفِيرِ الْوَادِي، ثُمَّ أَقْبَلُوا عَلَى الرَّهْطُ فَقَالُوا: مَا أَرَبُكُمْ إِلَى هَذَا الْغُلامِ؟ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَّا، هَذَا ابْنُ سَيِّدِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مُسْتَرْضَعٌ فِينَا، غُلامٌ يَتِيمٌ لَيْسَ لَهُ أَبٌ، فَمَاذَا يَرُدُّ عَلَيْكُمْ قَتْلُهُ؟ فَإِنْ كُنْتُمْ لا بُدَّ قَاتِلِيهِ فَاخْتَارُوا مِنَّا أَيَّنَا شِئْتُمْ فَاقْتُلُوهُ. فَلَمَّا رَأَى الصِّبْيَانُ أَنَّ الْقَوْمَ لا يُحِيرُونَ إِلَيْهِمْ جَوَابًا انْطَلَقُوا هِرَابًا مسرعين إلى

стр. 671

الْحَيِّ، يَسْتَصْرِخُونَهُمْ، فَعَمَدَ أَحَدُهُمْ فَأَضْجَعَنِي عَلَى الأَرْضِ إِضْجَاعًا لَطِيفًا، ثُمَّ شَقَّ مَا بَيْنَ مَفْرِقِ رَأْسِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَلَمْ أَجِدْ لِذَلِكَ مَسًّا، ثُمَّ أَخْرَجَ أَحْشَاءَ بَطْنِي ثُمَّ غَسَلَهَا بِذَلِكَ الثَّلْجِ، فَأَنْعَمَ غَسْلَهَا، ثُمَّ أَعَادَهَا مَكَانَهَا ثُمَّ قَامَ الثَّانِي مِنْهُمْ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: تَنَحَّ. فَنَحَّاهُ عَنِّي، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ جَوْفِي فَأَخْرَجَ قَلْبِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَصَدَعَهُ ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْهُ مُضْغَةً سَوْدَاءَ فَرَمَى بِهَا، ثُمَّ قَالَ: قَالَ بِيَمِينِهِ وَيَسَارِهِ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فَإِذَا [أَنَا] [١] بِخَاتَمٍ فِي يَدِهِ مِنْ نُورٍ يَحَارُ النَّاظِرُونَ دُونَهُ فَخَتَمَ [بِهِ] [٢] قَلْبِي فَامْتَلأَ نُورًا، ثُمَّ أَعَادَهُ مَكَانَهُ، فوجدت برد ذلك الْخَاتَمِ فِي قَلْبِي دَهْرًا، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثُ لِصَاحِبِهِ: تَنَحَّ فَنَحَّاهُ عَنِّي [٣] ، فَأَمَرَّ بِيَدِهِ مَا بين مفرق صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي، فَالْتَأَمَ ذَلِكَ الشَّقُّ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَأَنْهَضَنِي مِنْ مَكَانِي إِنْهَاضًا لَطِيفًا، ثُمَّ قَالَ لِلأَوَّلِ لِلَّذِي شَقَّ بَطْنِي: زِنْهُ بِعَشْرَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ. فَوَزَنَنِي بِهِمْ [٤] فَرَجَحْتُهُمْ. ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ. فَوَزَنَنِي [٥] بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ. ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ أُمَّتِهِ فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ [٦] . فَقَالَ: دَعُوهُ، فَلَوْ وَزَنْتُمُوهُ بِأُمَّتِهِ كُلِّهَا لَرَجَحَهُمْ. قال: ثم صموني إِلَى صُدُورِهِمْ، وَقَبَّلُوا رَأْسِي وَبَيْنَ عَيْنَيَّ [٧] ، ثُمَّ قَالُوا: يَا حَبِيبُ لَمْ تُرَعْ إِنَّكَ لَوْ تَدْرِي [٨] مَا يُرَادُ بِكَ مِنَ الْخَيْرِ [وَلَوْ عملت مَا يُرَادُ بِكَ] [٩] لَقَرَّتْ عَيْنَاكَ. قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذَا أَنَا [١٠] بِالْحَيِّ قَدْ جَاءُونِي بِحَذَافِيرِهِمْ، وَإِذَا أُمِّي وَهِيَ ظِئْرِي أَمَامَ الْحَيِّ تَهْتِفُ بِأَعْلَى صَوْتِهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا ضَعِيفًا. فَأَكَبُّوا عَلَيَّ، وَقَبَّلُوا رَأْسِي وَمَا بَيْنَ عَيْنَيَّ، فَقَالُوا: حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ ضَعِيفٍ. ثُمَّ قَالَتْ ظئري: يا وحيدا. فأكبوا عليّ

стр. 672

فَضَمُّونِي وَقَبَّلُوا مَا بَيْنَ رَأْسِي وَعَيْنَيَّ، ثُمَّ قَالَتْ ظِئْرِي: يَا يَتِيمًا يَا مُسْتَضْعَفًا أَنْتَ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِكَ فَقُتِلْتَ لِضَعْفِكَ. ثُمَّ ضَمَّتْنِي إلي صدرها، فو الّذي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّنِي لَفِي حِجْرِهَا وَإِنَّ يَدِي لَفِي [١] يَدِ بَعْضِهِمْ، فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ يُبْصِرُونَهُمْ [٢] ، فَإِذَا هُمْ لا يُبْصِرُونَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: إِنَّ هَذَا الْغُلامَ قَدْ أَصَابَهُ لَمَمٌ أَوْ طَائِفٌ مِنَ الْجِنِّ، فَانْطَلِقُوا بِهِ إِلَى كَاهِنِنَا حَتَّى يَنْظُرَ إِلَيْهِ وَيُدَاوِيهِ. فقلت ما بين [مِنْ] [٣] شَيْءٍ مِمَّا يَذكر. فَقَالَ أَبِي- وَهُوَ زَوْجُ ظِئْرِي: أَلا تَرَوْنَ كَلامَهُ كَلامٌ صَحِيحٌ [٤] ، إني لأرجو أن لا يكون يا بني بأس. فاتفقوا علي أن يذهبو بِي إِلَى الْكَاهِنِ [٥] ، فَذَهَبُوا بِي إِلَيْهِ، فَقَصُّوا عَلَيْهِ قِصَّتِي، فَقَالَ: اسْكُتُوا حَتَّى أَسْمَعَ مِنَ الْغُلامِ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِأَمْرِهِ مِنْكُمْ. فَسَأَلَنِي فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ أَمْرِي، فَوَثَبَ إِلَيَّ وَضَمَّنِي إِلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَالَ الْعَرَبِ، اقْتُلُوا هذا الغلام واقتلوني معه، فو اللات وَالْعُزَّى لَئِنْ تَرَكْتُمُوهُ وَأَدْرَكَ لَيُبَدِّلَنَّ دِينَكُمْ. ثُمَّ احْتَمَلُونِي فَذَاكَ بُدُوُّ شَأْنِي» [٦] . أَخْبَرَنَا [مُحَمَّدُ] بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ قَالَ: أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال: أخبرنا محمد بن سعد [٧] قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لَمَّا قَامَتْ [٨] سُوقُ عُكَاظٍ انْطَلَقَتْ حَلِيمَةُ بِرَسُولِ اللِّهِ ﷺ إِلَى عَرَّافٍ مِنْ هُذَيْلٍ يُرِيهِ النَّاسُ صِبْيَانَهُمْ. قَالَ: فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ صَاحَ: يَا مَعْشَرَ هُذَيْلٍ، يَا معشر العرب، فاجتمع إليه الناس من أهل الْمَوْسِمِ. فَقَالَ: اقْتُلُوا هَذَا الصَّبِيَّ. فَانْسَلَّتْ بِهِ حليمة، فجعل الناس

стр. 673

يَقُولُونَ: أَيُّ صَبِيٍّ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الصَّبِيَّ. فَلا يَرَوْنَ شَيْئًا. قَدِ انْطَلَقَتْ بِهِ أُمُّهُ. فَيُقَالُ لَهُ: مَا هُوَ [١] ؟ فَيَقُولُ: رَأَيْتُ غُلامًا، وَآلِهَتَهُ، لَيَقْتُلَنَّ أَهْلَ دِينِكُمْ، وَلَيَكْسِرَنَّ آلِهَتَكُمْ، وَلَيَظْهَرَنَّ أَمْرُهُ عَلَيْكُمْ. فَطُلِبَ بِعُكَاظٍ، فَلَمْ يُوجَدْ وَرَجَعَتْ بِهِ حَلِيمَةُ إِلَى مَنْزِلِهَا، وَكَانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لا تَعْرِضُهُ لِعَرَّافٍ وَلا لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ [٢] . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَعَلَ الشَّيْخُ الْهُذَلِيُّ يَصِيحُ: [يَالَ الْعَرَبِ] [٣] يَالَ هُذَيْلٍ، إِنَّ هَذَا لَيَنْتَظِرُ أَمْرًا مِنَ السماء. وجعل يغرى بالنبيّ للَّه، فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ وَلِهَ [وَذَهَبَ] [٤] عَقْلُهُ حَتَّى مَاتَ كَافِرًا [٥] . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ [٦] : خَرَجَتْ حَلِيمَةُ تَطْلُبُ النَّبِيَّ ﷺ فَوَجَدَتْهُ مَعَ أُخْتِهِ، فَقَالَتْ: فِي هَذَا الْحَرِّ! فَقَالَتْ أُخْتُهُ: يَا أُمَّاهُ، مَا وَجَدَ أَخِي حَرًّا، رَأَيْتُ غَمَامَةً تُظِلُّ عَلَيْهِ فَإِذَا وَقَفَ وَقَفَتْ، وَإِذَا سَارَ سارت معه [٧] ، حتى انتهى إلى هذا الْمَوْضِعِ [٨] . [وَهَذَا كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ مولده ﷺ ] [٩] . وفِي هذه السنة: من مولده ﷺ وُلِدَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ . ذكر ما جرى فِي السنة الرابعة من مولده ﷺ [١٠] قال مؤلف الكتاب: قد ذكرنا أن شق صدره [﵊] كان في سنة

стр. 674

ثلاث من مولده. و [قد] [١] قيل: فِي سنة أربع. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حيويه قَالَ: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال: أخبرنا محمد بن سعد [٢] قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عمر، عَنْ أصحابه قَالَ: مكث عندهم سنتين حَتَّى فطم، وكان ابن أربع سنين فقدموا به عَلَى أمه [وهم] [٣] زائرون لها به، وأخبرتها [٤] حليمة خبره، وما رأوا من بركته، فقالت آمنة: ارجعي بابني فإني أخاف عَلَيْهِ وباء مكّة، فو الله ليكونن له شأن! فرجعت به ولما بلغ أربع سنين كان يغدو مع أخيه وأخته فِي البهم قريبا من الحي، فأتاه الملكان هناك فشقّا بطنه واستخرجا علقة سوداء فطرحاها وغسلا بطنه بماء الثلج فِي طست من ذهب، ثم وزن بألف من أمته فوزنهم، فنزلت به إِلَى أمه آمنة بنت [٥] وهب فأخبرتها خبره، ثم رجعت به أيضا [٦] ، وكان عندها حولا [٧] أو نحوها لا تدعه [٨] يذهب مكانا بعيدا، ثم رأت غمامة تظله، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، فأفزعها ذلك أيضا من أمره فقدمت [٩] به إِلَى أمه لترده وهو ابن خمس سنين، فأضلها فِي الناس، فالتمسته فلم تجده، فأتت عَبْد المطلب فأخبرته فالتمسه عَبْد المطلب فلم يجده، فقام عند الكعبة فَقَالَ: لا هم أد راكبي مُحَمَّدا ... أده إلي واصطنع عندي ندا أنت الذي جعلته لي عضدا [١٠]

стр. 675

قَالَ مؤلف الكتاب [١] : وقد روي لنا أن عَبْد المطلب بعثه فِي حاجة له فضاع [فَقَالَ هَذَا] [٢] . قَالَ: وقد روينا أن حليمة قدمت على رسول الله ﷺ [مكة] [٣] وقد تزوج خديجة، فشكت إليه جدب البلاد وهلاك الماشية، فكلم رسول اللَّه [ ﷺ ] خديجة فيها، فأعطتها أربعين شاة وبعيرا [موقعا] [٤] للظعينة وانصرفت إِلَى أهلها ثم قدمت عَلَيْهِ بعد الإسلام [٥] فاسلمت هي وزوجها وبايعاه [٦] . أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال: أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال: أخبرنا محمد بن سعد قال: أخبرنا عبد الله بن نمير قال: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ [٧] قَالَ: اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ أَرْضَعَتْهُ فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَالَ: «أُمِّي أُمِّي» وَعَمِدَ إِلَى رِدَائِهِ فَبَسَطَهُ لَهَا فَقَعَدَتْ عَلَيْهِ [٨] . وقد روي لنا [٩] أنها جاءت إِلَى أبي بكر فأكرمها. وإلى عمر ﵄ ففعل مثل ذلك [١٠]

стр. 676

ذكر الحوادث التي كانت سنة خمس من مولده ﵇ [١] أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْن عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال: أخبرنا محمد بن سعد [٢] قال أَخْبَرَنَا علي بْن مُحَمَّد، عَنْ مُحَمَّد بْن الفضل، عَنْ أبي حازم قَالَ: قدم كاهن مكة ورسول اللَّه ﷺ ابن خمس سنين، وقد قدمت به ظئره إِلَى عَبْد المطلب، وكانت تأتيه به [فِي] كل عام، فنظر إليه الكاهن مع عَبْد المطلب فَقَالَ: يا معشر قريش، اقتلوا هَذَا الصبي، فإنه يفرقكم ويقتلكم فهرب به عَبْد المطلب، فلم، تزل قريش تخشى من أمره ما كان الكاهن حذرهم [٣] . ذكر الحوادث فِي سنة ست من مولده ﷺ [٤] أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قال: أخبرنا أبو عمر بْن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف الخشاب قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قَالَ: حدثنا محمد بْنُ سَعْدٍ [٥] قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عاصم، عن عمرو بن قتادة قالوا: حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ عَاصِمٍ الأَسْلَمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- دخل حديث بعضهم في بعض- قالوا:

стр. 677

كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَعَ أُمِّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، فَلَمَّا بَلَغَ سِتَّ سِنِينَ خَرَجَتْ بِهِ إِلَى أَخْوَالِهِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ بِالْمَدِينَةِ تَزُورُهُمْ بِهِ، وَمَعَهُ أُمُّ أَيْمَنَ حَاضِنَتُهُ [١] ، وَهُمْ عَلَى بَعِيرَيْنِ [٢] ، فَنَزَلَتْ بِهِ فِي دَارِ النَّابِغَةِ فَأَقَامَتْ بِهِ عِنْدَهُمْ شَهْرًا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذكر أُمُورًا فِي مُقَامِهِ ذَلِكَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى أَطَمِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ [وَعَرَفَهُ] [٣] قَالَ: كُنْتُ أُلَاعِبُ أَنِيسَةَ جَارِيَةً مِنَ الأنصار على هذه الأَطَامِ، وَكُنْتُ مَعَ غِلْمَانٍ مِنْ أَخْوَالِي نُطَيِّرُ طَائِرًا كَانَ [٤] يَقَعُ عَلَيْهِ، وَنَظَرَ إِلَى الدَّارِ فقال: هاهنا نَزَلَتْ بِي أُمِّي، وَفِي هَذِهِ الدَّارِ قَبْرُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَحْسَنْتُ الْعَوْمَ فِي [بِئْرِ] [٥] بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ يَخْتَلِفُونَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ. قَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ: فَسَمِعْتُ أَحَدَهُمْ يَقُولُ: هُوَ نَبِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَهَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ، فَوَعَيْتُ ذَلِكَ [كُلَّهُ] [٦] مِنْ كَلامِهِ، ثُمَّ رَجَعَتْ بِهِ أُمُّهُ [٧] إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانُوا بِالأَبْوَاءِ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ، فَقَبْرُهَا هُنَالِكَ، فَرَجَعَتْ بِهِ أُمُّ أَيْمَنَ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَتْ تَحْضُنُهُ مَعَ أُمِّهِ، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ مَاتَتْ. فَلَمَّا مر رسول الله ﷺ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ [٨] بِالأَبْوَاءِ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ [قَبْرِ] [٩] أُمِّهِ» فأتاه رسول الله ﷺ فَأَصْلَحَهُ وَبَكَى عِنْدَهُ وَبَكَى الْمُسْلِمُونَ لِبُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقِيلَ لَهُ: فَقَالَ: «أَدْرَكَتْنِي رَحْمَةٌ [١٠] رَحِمْتُهَا فَبَكَيْتُ» [١١] . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: حدّثنا سفيان بن سعيد

стр. 678

الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ أَتَى جَذَمَ قَبْرِ أُمِّهِ فَجَلَسَ إِلَيْهِ وَجَلَسَ النَّاسُ حَوْلَهُ، فَجَعَلَ كَهَيْئَةِ الْمُخَاطِبِ، ثُمَّ قَامَ وَهُوَ يَبْكِي، فَاسْتَقْبَلَهُ عُمَرُ. وَكَانَ مِنْ أَجْرَأِ النَّاسِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الَّذِي أَبْكَاكَ؟ قَالَ: «هَذَا قَبْرُ أُمِّي، سَأَلْتُ رَبِّي الزِّيَارَةَ فَأَذِنَ لِي، وَسَأَلْتُهُ الاسْتِغْفَارَ فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَذَكَرْتُهَا فَوَقَفْتُ فَبَكَيْتُ» فَلَمْ يُرَ [يَوْمًا] [١] أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْ يَوْمِئِذٍ [٢] . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: هَذَا غَلَطٌ لَيْسَ قَبْرُهَا بِمَكَّةَ إِنَّمَا قَبْرُهَا بِالأَبْوَاءِ. أَنْبَأَنَا عَبْد الوهاب بن المبارك قال: أخبرنا عاصم بن الحسين قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَن بْن بشران قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن السماك قَالَ: حَدَّثَنَا ابن البراء قَالَ: حدثني الحسين بْن جابر- وكان من المجاورين بمكة [٣] : أنه رفع إِلَى المأمون أن السيل يدخل قبر أم رسول اللَّه ﷺ لموضع معروف هناك، فأمر المأمون بإحكامه [٤] . قَالَ ابن البراء: وقد وصف لي وأنا بمكة موضعه، فيجوز أن تكون توفيت [٥] بالأبواء ثم حملت إِلَى مكة فدفنت بها [٦] . ذكر الحوادث التي كانت سنة سبع من مولده ﷺ [٧] من ذلك: كفالة عَبْد المطلب له: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أبي طاهر البزاز قَالَ: أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال:

стр. 679

أخبرنا ابن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مَعْرُوفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن عُمَر بن واقد قال: حدثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [١] . قَالَ: وَحَدَّثَنَا هَاشِمُ [٢] بْنُ عَاصِمٍ الأَسْلَمِيُّ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَهْمٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أبي نجيح، عن مجاهد قال: وأخبرنا عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن أبي الحويرث قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ سَلْمَانَ بن سحيم، عن نافع بن جبير- دخل حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ- قَالُوا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكُونُ مَعَ أُمِّهِ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ قَبَضَهُ إِلَيْهِ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَضَمَهُ وَرَقَّ عَلَيْهِ رِقَّةً لَمْ يَرِقَّهَا عَلَى وَلَدِهِ، وَكَانَ يُقَرِّبُهُ مِنْهُ وَيُدْنِيهِ وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ إِذَا خَلا وَإِذَا نَامَ وَكَانَ يَجْلِسُ عَلَى فِرَاشِهِ فَيَقُولُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِذَا رَأَى ذَلِكَ: دَعُوا ابْنِي، إِنَّهُ لَيُؤْنِسُ مَلِكًا. وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ مُدْلَجٍ لعَبْدِ الْمُطَّلِبِ: احْتَفِظْ بِهِ، فَإِنَّا لَمْ نَرَ قَدَمًا أَشْبَهَ بِالْقَدَمِ الَّتِي فِي الْمَقَامِ مِنْهُ. فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لابْنِهِ أَبِي طَالِبٍ: اسْمَعْ مَا يَقُولُ هَؤُلاءِ، فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ يَحْتَفِظُ بِهِ. وَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: لأُمِّ أَيْمَنَ- وَكَانَتْ تَحْضِنُ رسول الله ﷺ : يا بَرَكَةُ، لا تَغْفَلِي عَنِ ابْنِي، فَإِنَّنِي وَجَدْتُهُ مَعَ غِلْمَانٍ قَرِيبًا مِنَ السِّدَرَةِ فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَزْعُمُونَ أَنَّ ابْنِي نَبِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لا يَأْكُلُ طَعَامًا إِلا قَالَ: عَلَيَّ بِابْنِي. فَيُؤْتَى بِهِ إِلَيْهِ. فَلَمَّا حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله وحياطته [٣] .

стр. 680

وَمِنْ ذَلِكَ: خُرُوجُ عَبْد المطلب برسول اللَّه ﷺ عَنْ منام رقيقة: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ الْحَافِظُ قَالا: أَخْبَرَنَا طِرَادُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَفْوَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بن محمد القرشي قال: أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الطَّائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي زحر بن حصين، عن جده حميد بن مُنْهَبٍ قَالَ: قَالَ عَمِّي عُرْوَةُ بْنُ [١] مُضَرَّسٍ. تحدث نخرمة بن نوفل عن أمه رقيقة ابنة صفي بْنِ هَاشِمٍ وَكَانَتْ لِدَةَ عَبْدِ الْمُطَلَّبِ قَالَتْ: تَتَابَعَتْ عَلَى قُرَيْشٍ [٢] سُنُونَ أَقْحَلَتِ الضَّرْعُ وَأَدَقَّتِ العظم. فبينا أنا نائمة اللَّهمّ- أَوْ مَهْمُومَةً- إِذَا هَاتِفٌ يَصْرُخُ بِصَوْتٍ حَمل يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ الْمَبْعُوثَ [فِيكُمْ] قَدْ أَظَلَّتْكُمْ [٣] أَيَّامُهُ، وَهَذَا إِبَّانُ نُجُومِهِ فَحَيِّهَلا بِالْحَيَا وَالْخِصْبِ، أَلا فَانْظُرُوا رَجُلا مِنْكُمْ وَسِيطًا عِظَامًا جِسَامًا، أَبْيَضَ بَضًّا أَوْطَفَ الأَهْدَابِ، سَهْلَ الْخَدَّيْنِ، أَشْمَّ الْعَرْنَيْنِ، لَهُ فَخْرٌ يَكْظُمُ [عَلَيْهِ] [٤] وَسُنَّةٌ تَهْدِي إِلَيْهِ فَلْيُخَلِّصْ [٥] هُوَ وَوَلَدُهُ، وَلْيَهْبِطْ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ، فَلْيَسْنُوا مِنَ الْمَاءِ، وَلْيَمَسُّوا مِنَ الطِّيبِ، ثُمَّ لِيَسْتَلِمُوا الرُّكْنَ، ثُمَّ لِيَرْتَقُوا أَبَا قُبَيْسٍ، فَلْيَسْتَسْقِ الرَّجُلُ، وَلْيُؤْمِنِ الْقَوْمُ، فَغِثْتُمْ مَا شِئْتُمْ. فَأَصْبَحْتُ عَلِمَ اللَّهُ مَذْعُورَةً، وَقَدِ اقْشَعَرَّ جِلْدِي وَوَلِهَ عقلي، واقتصصت رؤياي، فو الحرمة وَالْحَرَمِ مَا بَقِيَ أَبْطَحِيٌّ إِلا قَالَ: هَذَا شَيْبَةُ الْحَمْدِ. فَتَتَامَّتْ [٦] إِلَيْهِ رِجَالاتُ قُرَيْشٍ، فَهَبَطَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ رَجَلٌ، فَسَنُوا وَمَسُّوا واستلموا، ثم ارتقوا أبا قُبَيْسَ وَطَبَّقُوا جَانِبَيْهِ فَمَا يَبْلُغُ سَعْيُهُمْ مُهْلَةً، حَتَّى إِذَا اسْتَوَوْا بِذُرْوَةِ الْجَبَلِ قَامَ عَبْدُ الْمُطَلَّبِ، وَمَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ [ ﷺ وَهُوَ] [٧] غُلامٌ قَدْ أَيْفَعَ أَوْ كَرُبَ، فقال:

стр. 681

«اللَّهمّ سَادَّ الْخُلَّةِ، وَكَاشِفَ الْكُرْبَةَ، أَنْتَ مُعَلِّمٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ، وَمَسْئُولٌ غَيْرُ مُبْخِلٍ، وَهَؤُلاءِ عِبَادُكَ وَإِمَاؤُكَ بِغَدْرَاتِ [١] حَرَمِكَ يَشْكُونَ إِلَيْكَ سَنَتَهُمْ، أَذْهَبَتِ الْخَفَّ وَالظِّلْفَ، اللَّهمّ فَأَمْطِرْنَا غَيْثًا [٢] مُغْدِقًا مُمْرِعًا» . فو الكعبة مَا زَالُوا حَتَّى تَفَجَّرَتِ السَّمَاءُ بِمَائِهَا وَاكْتَظَّ الْوَادِي بِثَجِيجِهِ، فَلَسَمِعْتُ شِيخَانَ [٣] قُرَيْشٍ وَجُلَّتَهَا: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُدْعَانِ، وَحَرْبَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَهِشَامَ بن المغيرة، يقولون لعبد المطلب: هَنِيئًا لَكَ أَبَا الْبَطْحَاءِ. أَيْ: عَاشَ بِكَ أَهْلُ الْبَطْحَاءِ. وَفِي ذَلِكَ [٤] تَقُولُ رَقِيقَةُ: بِشَيْبَةِ الْحَمْدِ أَسْقَى اللَّهُ بَلْدَتَنَا ... لَمَّا فَقَدْنَا الْحَيَا وَاجْلَوَّذَ الْمَطَرُ فَجَادَ بِالْمَاءِ جُونِيٌّ لَهُ سُبُلٌ ... سَحًّا فَعَاشَتْ بِهِ الأَنْعَامُ وَالشَّجَرُ [مَنْاً مِنَ اللَّهِ بِالْمَيْمُونِ طَائِرِهِ ... وَخَيْرِ مَنْ بَشُرَتْ يَوْمًا بِهِ مُضَرُ] [٥] مُبَارَكُ الأَمْرِ يَسْتَسْقِي الْغَمَامُ بِهِ ... مَا فِي الأَنَامِ لَهُ عَدْلٌ وَلا خَطَرٌ [٦] ومن الحوادث هَذِهِ السنة: خروج عَبْد المطلب لتهنئة سيف بْن ذي يزن بالملك، وتبشير سيف عَبْد المطلب بأنه سيظهر رسول اللَّه من نسله: أَنْبَأَنَا عَبْد الوهاب بْن المبارك قال: أخبرنا عَاصِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْن بشران قَالَ: أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو الحسن مُحَمَّد بْن أحمد البراء قَالَ: حدثني يزيد بْن رجاء الغنوي قَالَ: حدثني أَبُو الصهباء أحمد بْن مُحَمَّد العَبْدي قَالَ: حدَّثَنِي ابن مزروع الكلبي عن أبيه قال:

стр. 682

لما ملك سيف بْن ذي يزن أرض اليمن وقتل الحبش وأبادهم، وفدت إليه أشراف العرب ورؤساؤهم ليهنئوه بما ساق اللَّه إليه من الظفر، ووفد [وفد] [١] قريش وكانوا خمسة من عظمائهم: عَبْد المطلب بْن هاشم، وأمية بْن عَبْد شمس، وعَبْد اللَّه بن جدعان، وخويلد بن أسد، ووهب بن عَبْد مناف بْن زهرة [٢) .] فساروا حَتَّى وافوا [٣] مدينة صنعاء، وسيف بْن ذي يزن نازل بقصر يسمى غمدان [٤] وكان أحد [٥] القصور التي بنتها الشياطين لبلقيس بأمر سليمان، فأناخ عَبْد المطلب وأصحابه، واستأذنوا عَلَى سيف فأذن لهم، فدخلوا وهو جالس عَلَى سرير من ذهب وحوله أشراف اليمن عَلَى كراسي من الذهب [٦] وهو متضمخ بالعنبر، وبصيص المسك يلوح من مفارق رأسه فحيوه بتحية الملك، ووضعت لهم كراسي الذهب، فجلسوا عليها إلا عَبْد المطلب، فإنه [٧] قام ماثلا بين يديه واستأذنه فِي الكلام، فقيل له: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فتكلم. فَقَالَ: أيها الملك، إن اللَّه قد أحلك محلا رفيعا صعبا منيعا شامخا باذخا منيفا [٨] وأنبتك منبتا طابت أرومته، وعزت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه في أطيب مغرس وأعذب منبت، فأنت أيها الملك ربيع العرب الذي إليه الملاذ، وذروتها [٩] الذي إليه المعاد، وسلفك لنا خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، لن يهلك من أنت خلفه، ولن يخمل من أنت [١٠] سلفه، ونحن أيها الملك أهل حرم اللَّه وسدنة بيت الله، أوفدنا إليك

стр. 683

الَّذِي أبهجنا من كشف الضر الذي فدحنا، فنحن وفد [١] التهنئة لا وفد الترزئة [٢) .] فَقَالَ سيف: أنتم قريش الأباطح؟ قالوا: نعم. قَالَ: مرحبا وأهلا، وناقة ورحلا ومناخا سهلا، وملكا سمحا يعطي عطاء جزلا، قد سمع الملك مقالتكم، وعرف فضلكم، فأنتم أهل الشرف والحمد والثناء والمجد فلكم الكرامة ما أقمتم، والحباء الواسع إذا انصرفتم. ثم قَالَ لعَبْد المطلب: أيهم أنت؟ قَالَ: أنا عَبْد المطلب بْن هاشم. قَالَ: إياك أردت، ولك حشدت، فأنت ربيع الأنام، وسيد الأقوام، انطلقوا فانزلوا حَتَّى أدعو بكم [٣) .] ثم أمر بإنزالهم وإكرامهم، فأقاموا شهرا لا يدعوهم [٤] ، حَتَّى انتبه لهم ذات يوم فأرسل إِلَى عَبْد المطلب: ائتني وحدك من بين أصحابك فأتاه فوجده [٥] مستخليا لا أحد عنده، فقربه حَتَّى أجلسه معه عَلَى سريره، ثم قَالَ له: يا عَبْد المطلب، إني أريد أن ألقي إليك من علمي سرا لو غيرك [يكون] [٦] لم أبح به إليه، غير أني رأيتك معدنه، فليكن عندك مصونا حَتَّى يأذن اللَّه فيه بأمره، فإن اللَّه منجز وعده، وبالغ أمره. قَالَ عَبْد المطلب: أرشدك اللَّه أيُّها الملك. قَالَ سيف: أنا أجد فِي الكتب الصادقة، والعلوم السابقة التي اختزناها لأنفسنا، وسترناها عَنْ غيرنا خبرا عظيما وخطرا جسيما، فيه شرف الحياة، وفخر الممات للعرب عامة، ولرهطك كافة، ولك خاصة. فَقَالَ عَبْد المطلب: أيها الملك، لقد أبت بخير كثير ما آب به وافد، ولولا هيبة الملك وإعظامه لسألته أن يزيدني من سروره إياي سرورا.

стр. 684

فَقَالَ سيف: نبي يبعث من عقبك، ورسول من فرعك، اسمه مُحَمَّد وأحمد، وهذا زمانه الذي يولد فِيهِ، ولعله قد ولد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، والله باعثه جهارا، وجاعل له أنصارًا يعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه، تخمد عند مولده النيران، ويعَبْد الواحد الديان، ويزجر الكفر والطغيان، ويكسر اللات والأوثان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عَنِ المنكر ويبطله. قَالَ عَبْد المطلب: علا كعبك، ودام فضلك، وطال عمرك، فهل الملك ساري بإفصاح وتفسير وإيضاح؟ فَقَالَ سيف: والبيت ذي الحجب، والآيات والكتب إنك يا عَبْد المطلب لجده بلا كذب [١] . فخر عَبْد المطلب ساجدا فَقَالَ: ارفع رأسك، ثلج صدرك، وطال عمرك وعلا أمرك، فهل أحسست شيئا مما ذكرت؟ قَالَ عَبْد المطلب: نعم أيها الملك، كان لي ولد كنت [به] [٢] معجبا فزوجته كريمة من كرائم قومي تسمى: آمنة بنت وهب، فجاءت بغلام سميته: مُحَمَّدا وأحمد، مات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه. قَالَ: [هو] [٣] هو للَّه أبوك، فاحذر عَلَيْهِ أعداءه، وإن كان اللَّه لم يجعل لهم عَلَيْهِ سبيلا، ولولا علمي بأن الموت مجتاحي قبل ظهوره لسرت بخيلي ورجلي حَتَّى أجعل مدينة يثرب [دار ملكي، فإني أجد فِي كتب آبائي أن بيثرب] [٤] استتباب [٥] أمره، وهم أهل دعوته ونصرته، وفيها موضع قبره، ولولا ما أجد من بلوغه الغايات، وأن أقيه آلافات، وأن أدفع عنه العاهات، لأظهرت اسمه، وأوطأت العرب عقبه وإن أعش فسأصرف ذلك إليه، قم فانصرف ومن معك من أصحابك. ثم أمر لكل رجل منهم بمائتي بعير وعشرة أعَبْد من الحبش وعشرة أرطال من الذهب، وحلتين من البرود، وأمر

стр. 685

لعَبْد المطلب بمثل جميع ما أمر لهم، وَقَالَ له: يا عَبْد المطلب، إذا شب مُحَمَّد وترعرع فأقدم عَليّ بخبره. ثم ودعوه وانصرفوا إِلَى مكة. وكان عَبْد المطلب يقول: لا تغبطوني بكرامة الملك إياي دونكم، وإن كان ذلك جزيلا، وفضل إحسانه إلي، وإن كان كثيرا، اغبطوني بأمر ألقاه إلي فما فيه شرف لي ولعقبي من بعدي فكانوا يقولون له: ما هو؟ فيقول لهم: ستعرفونه بعد حين. فمكث سيف باليمن عدة أحوال، وإنه ركب يوما كنحو ما كان يركب للصيد، وقد كان اتخذ من السودان نفرا يجهزون بين يديه بحرابهم، فعطفوا عَلَيْهِ يوما فقتلوه، وبلغ كسرى أنوشروان فرد إليها وهرز [١] وأمره أن لا يدع أسود إلا قتله [٢] . قَالَ مؤلف الكتاب: وقد روي لنا أن هَذِهِ الوفاة إِلَى ابن ذي يزن كانت فِي سنة ثلاث من مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، روينا ذلك عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [٣] ، والرواية التي ذكرنا آنفا أصح، لأن فِي الروايتين يقول عَبْد المطلب: توفي أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه. وأم رسول الله لم تمت حَتَّى بلغ ست سنين . ذكر الحوادث التي كانت فِي سنة ثمان من مولده ﷺ [٤] منها: موت عَبْد المطلب: رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عن عبد الله بن أبي بكر قال: كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يُوصِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ. وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ أَبَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَا لأُمٍّ [وأب] [٤] .

стр. 686

قَالَ مؤلف الكتاب: قلت [١] : وقد كان الزبير عم رسول الله ﷺ من أمهما أيضا [٢] ، لكن كفالة أبي طالب له لسبب فيه ثلاثة أقوال: أحدها: وصية عَبْد المطلب لأبي طالب. والثاني: أنهما اقترعا فخرجت القرعة لأبي طالب. والثالث: أن رسول اللَّه ﷺ اختاره. أَخْبَرَنَا محمد بْن أبي طاهر قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو محمد الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قال: أخبرنا ابن معروف قال: أَخْبَرَنَا الحارث بن أبي أسامة قال أخبرنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر بن واقد وَقَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه، عَنِ الزُّهْرِيِّ قال: وحدثني عبد الله بن جعفر بْن عبد الواحد بْن حمزة بْن عَبْد اللَّه قَالَ: وَأَخْبَرَنَا هشام بْن الأعصم الأسلمي، عَنِ المنذر بْن جهم قَالَ: وَحَدَّثَنَا معمر عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: وأخبرنا عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن أبي الحويرث قَالَ: وَأَخْبَرَنَا ابن أبي سبرة، عن سلمان بن سحيم عن نافع بن جُبَيْرٍ- دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ- قَالُوا: [٣] لما حضرت عَبْد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله ﷺ وحياطته، ولما نزل [٤] بعَبْد المطلب الوفاة قَالَ لنسائه ابكينني، وأنا أسمع فبكته كل واحدة منهن بشعر، فلما تسمع قول أميمة وقد أمسك لسانه جعل يحرك رأسه- أي قد صدقت، وقد كنت كذلك- وهو قولها: أعيني جودا بدمع درر ... عَلَى طيب الخيم والمعتصر

стр. 687

عَلَى ماجد الجد واري الزناد ... جميل المحيا عظيم الخطر عَلَى شيبة الحمد ذي المكرمات ... وذي المجد والعز والمفتخر وذي الحلم والفضل فِي النائبات ... كثير المكارم جم الفخر له فضل مجد عَلَى قومه ... مبين يلوح كضوء القمر أتته المنايا فلم تشوه ... بصرف الليالي وريب القدر قَالَ: ومات عَبْد المطلب وهو يومئذ ابن اثنتين وثمانين سنة. ويقال: ابن مائة وعشر سنين [١] . وقيل: ابن مائة وعشرين سنة. وسئل رسول اللَّه ﷺ أتذكر موت عَبْد المطلب؟ قَالَ: «نعم أنا يومئذ ابن ثمان سنين» . قالت أم أيمن: رأيت رسول اللَّه ﷺ يومئذ يبكي خلف سرير عَبْد المطلب [٢] . وقد أَنْبَأَنَا عَبْد الوهاب بْن المبارك قَالَ: أخبرنا عَاصِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْن بشران قَالَ: أَخْبَرَنَا عثمان بْن مُحَمَّد الدقاق قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْن الْبَرَاءِ [٣] قَالَ: توفي عَبْد المطلب ورسول اللَّه ﷺ قد أتى عَلَيْهِ ثمانية وعشرون شهرا. قَالَ وهذا المحفوظ من القول. قَالَ مؤلف الكتاب [٤] : والقول الأول أصح. وتوفي عَبْد المطلب فِي ملك هرمز بْن أنوشروان، وكان قد مات قبل ذلك أنوشروان وعلى الحيرة قابوس بن المنذر.

стр. 688

ومن الحوادث [١] : كفالة أبي طالب رسول اللَّه ﷺ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أخبرنا ابن حيوية قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال: أخبرنا محمد بن سعد قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ وَاقِدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قَالَ. وَأَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ. وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بن إسماعيل بن أبي حبيبة- دخل حديث بَعْضُهُمْ فِي [حَدِيثِ] [٢] بَعْضٍ- قَالُوا [٣] : لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَبَضَ أَبُو طَالِبٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ فَكَانَ يَكُونُ معه [٤] ، وكان أبو طالب لا مَالَ لَهُ، وَكَانَ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا لا يُحِبُّهُ وَلَدَهُ [٥] ، وَكَانَ لا يَنَامُ إِلا إِلَى جَنْبِهِ، وَيَخْرُجُ فَيَخْرُجُ مَعَهُ، وَصُبَّ بِهِ أَبُو طَالِبٍ صَبَابَةً لَمْ يُصَبَّ مِثْلَهَا بِشَيْءٍ قَطُّ، وَقَدْ كَانَ [٦] يَخُصُّهُ بِالطَّعَامِ، وَإِذَا أَكَلَ عِيَالُ أَبِي طَالِبٍ جَمِيعًا أَوْ فُرَادَى لَمْ يَشْبَعُوا، وَإِذَا أَكَلَ مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَبِعُوا، فَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يغذيهم قَالَ: كَمَا أَنْتُمْ حَتَّى يَحْضُرَ ابْنِي، فَيَأْتِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَأْكُلُ مَعَهُمْ، فَكَانُوا يُفْضِلُونَ مِنْ طَعَامِهِمْ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ لَمْ يَشْبَعُوا، فَيَقُولُ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّكَ لَمُبَارَكٌ! وَكَانَ الصِّبْيَانُ يُصْبِحُونَ رُمْصًا شُعْثًا، وَيُصْبِحُ [٧] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دهينا كحيلا [٨] .

стр. 689

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عن عمرو بن سعيد قال: كَانَ أَبُو طَالِبٍ تُلْقَى لَهُ وِسَادَةٌ يَقْعُدُ عليها، فجاء النبي ﷺ وَهُوَ غُلامٌ فَقَعَدَ عَلَيْهَا، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَإِلَهِ رَبِيعَةَ، إِنَّ ابْنَ أَخِي لَيَحْسُنُ بِنَعِيمٍ [١] . قَالَ مُحَمَّد بْن سعد: وَأَخْبَرَنَا إِسْحَاق الأزرق قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن عون، عَنْ عمرو بْن سَعِيد: أن أبا طالب قَالَ: كنت بذي المجاز، ومعي ابن أخي- يعني النّبي ﷺ فأدركني العطش، فشكوت إليه، فقلت: يا ابن أخي قد أدركني العطش. وما قلت له [ذاك] [٢] وأنا أدري أن عنده شيئا إلا الجزع، قَالَ: فثنى وركه، ثم نزل فَقَالَ: يا عم أعطشت؟ قَالَ: قلت: نعم: فأهوى بعقبه إِلَى الأرض، فإذا بالماء فَقَالَ: اشرب يا عم فشربت [٣] . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الله بن أبي سبرة، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ أَيْمَنَ قَالَتْ: كَانَ بِبُوَانَةَ [٤] صَنَمٌ تَحْضُرُهُ قُرَيْشٌ وَتُعَظِّمُهُ، وَتَنْسِكُ لَهُ النَّسَائِكَ، وَيَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ عِنْدَهُ، وَيَعْكِفُونَ عِنْدَهُ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ، وَذَلِكَ يَوْمًا فِي السَّنَةِ، فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ يَحْضُرُهُ مَعَ قَوْمِهِ [٥] ، وَكَانَ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَحْضُرَ ذَلِكَ الْعِيدَ مَعَ قَوْمِهِ، فَيَأْبَى رَسُولُ الله ذَلِكَ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا طَالِبٍ غَضِبَ [عَلَيْهِ،] [٦] وَرَأَيْتُ عَمَّاتِهِ غَضِبْنَ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ أَشَدَّ الْغَضَبِ [٧] ، وَجَعَلْنَ يَقُلْنَ: [إِنَّا نَخَافُ عَلَيْكَ مِمَّا تَصْنَعُ من اجتناب آلهتنا،] [٨]

стр. 690

وَجَعَلْنَ يَقُلْنَ: مَا تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ أَنْ تَحْضُرَ لِقَوْمِكَ عِيدًا، وَلا تُكَثِّرَ لَهُمْ جَمْعًا [١] . قَالَتْ: فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُمْ، فَغَابَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْنَا مَرْعُوبًا فَقَالَتْ لَهُ عَمَّاتُهُ [٢] : مَا دَهَاكَ؟ قَالَ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي لَمَمٌ. فَقُلْنَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَبْتَلِيَكَ بِالشَّيْطَانِ وَفِيكَ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ مَا فِيكَ [فَمَا الَّذِي رَأَيْتَ؟] [٣] قَالَ: إِنِّي كُلَّمَا دَنَوْتُ مِنْ صَنَمٍ مِنْهَا تَمَثَّلَ لِي رَجُلٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ يَصِيحُ بِي: وَرَاءَكَ يَا مُحَمَّدُ، لا تَمَسَّهُ! قَالَتْ فَمَا عاد إلى عيد لهم [٤] حتى تنبأ ﷺ [٥] . ومن الحوادث: هلاك حاتم الطائي [٦] وهو: حاتم بْن عَبْد اللَّه بْن سعد بْن الحشرج بْن امرئ القيس، وأمه: غنية بنت عفيف، من طيِّئ، ويكنى: أبا سفانة، وهي ابنته، وأبا عدي. وسفانة هي التي أتت رسول اللَّه ﷺ فقالت: هلك الوالد ومات الوافد [٧] . وكان شاعرا جوادا، إذا سئل أعطى [٨] ووهب، وإذا غنم انهب، ومر فِي سفر له عَلَى عيره وفيهم أسير، فاستغاث به وما حضره فكاكه. فَقَالَ: أسأت إلي حين [٩] فوهت باسمي، وما أنا ببلاد قومي، وليس [١٠] عندي ما أفديك به. ثم اشتراه وخلاه، وأقام مكانه في القيد [١١] حتى أتي بفدائه.

стр. 691

وقسم ماله بضع عشرة مرة، وكان له قدور عظام بفنائه عَلَى الأثافي لا تزل، فإذا أهل رجب نحر كل يوم، وأطعم، فكان أبوه جعله فِي إبل له وهو غلام، فمر به عبيدة بْن الأبرص وبشر بْن أبي حازم والنابغة الذبياني يريدون النعمان، فقالوا: هل من قرى؟ فَقَالَ: تسألون عَنِ القراء وأنتم ترون الإبل والعنز [١] فنحر لكل رجل منهم بعيرا ولم يعرفهم، ثم سألهم عَنْ أسمائهم فتسموا له، ففرق الإبل [٢] فيهم والغنم، وبلغ ذلك أباه فجاءه [٣] فَقَالَ: ما فعلت الإبل؟ قَالَ: يا أبه طوقتك مجد الدهر طوق الحمامة. وحدثه بما [٤] صنع. قَالَ: إذن لا أساكنك. قَالَ إذن لا أبالي، فاعثر له. وَقَالَ حاتم يذكر قول أبيه فيه [٥] : وإني لعف الصبر [٦] مشترك الغنى ... تروك لشكل لا يوافقه شكلي ولي نيقة فِي البذل والجود لم يكن ... تأنقها فيمن مضى أحد قبلي وما ضرني أن سار سعد بأهله ... وخلفني فِي الدار ليس معي أهلي فما من كريم غاله الدهر مرة ... فيذكرها إلا تردد فِي البذل وما من بخيل غاله الدهر مرة ... فيذكرها إلا تردد فِي البخل أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن علي المقري، والحسن بن أحمد بن محبوب قَالا: أَخْبَرَنَا طَرَّادُ بْن مُحَمَّد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين بْن بشران قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ محمد بن جعفر الحودي قال: أخبرنا أبو بكر القرشي قال: حدثني عمر بْن بكير، عَنْ أبي عَبْد الرحمن الطائي، عن ملحان بن عركر بْن حلبس الطائي، عَنْ أبيه، عَنْ جده- وكان أخا عدي بْن حاتم لأمه [٧]- قَالَ:

стр. 692

قيل لنوار امرأة حاتم: حدثينا عَنْ حاتم. قالت: كل أمره كان عجبا أصابتنا [١] سنة خصت كل شَيْء. قَالَ: فاقشعرت لها الأرض، واغبرت لها السماء، وضنت المراضع عَلَى أولادها، وراحت الإبل ما تبض بقطرة، وأنا لفي ليلة صنبرة [٢] بعيدة ما بين الطرفين، إذ تضاغى الصبية [٣] من الجوع: عَبْد اللَّه، وعدي، وسفّانة، فو الله إن وجدنا شيئا نعللهم به فقام إِلَى أحد الصبيين فحمله، فقمت إِلَى الصبية فعللتها، فو الله إن سكتا إلا بعد هدأة من الليل، ثم عدنا إِلَى الصبي الآخر فعللناه حَتَّى سكت، وما كاد ثُمَّ افترشنا قطيفة لنا شامية ذات خمل فأضجعنا [٤] الصبيان عليها ونمت أنا وهو فِي حجرة والصبيان بيننا [٥] ، ثم أقبل علي يعللني لأنام [٦] وعرفت ما يريد، فتناومت. فقال: ما لك، أنمت [٧] ؟ فسكت. فَقَالَ: ما أراها إلا قد نامت [٨] وما بي من نوم [٩] ، فلما ادلهم الليل، وتهورت النجوم، وهدأت الأصوات، وسكنت الرجل [١٠] إذا جانب البيت [١١] قد رفع، فَقَالَ: من هَذَا؟ فولى حتى إذا قلت قد أسحرنا أو كدنا عاد فَقَالَ: من هَذَا. قالت: جارتك فلانة يا أبا عدي ما وجدت عَلَى أحد معولا غيرك [١٢] ، أتيتك من عند صبية يعوون عواء الذئب من الجوع. قَالَ: اعجليهم [علي] [١٣] قالت: النوار، فوثبت فقلت: ماذا صنعت، فو الله لقد تضاغى أصبيتك فما وجدت ما تعللهم به، فكيف بهذه وبولدها؟! فَقَالَ: اسكتي، والله

стр. 693

لأشبعنك وإياهم إن شاء اللَّه قالت: فأقبلت تحمل اثنين وتمشي جنبتيها أربعة، كأنها نعامة حولها رئالها. قالت: فقام إِلَى فرسه فوجأها بحربته فِي لبته، ثم قدح زنده وأورى ناره، ثم جاء بمدية فكشط عَنْ جلده، ثم دفع المدية إِلَى المرأة ثم قَالَ: دونك، ثم قَالَ: ابعثي صبيانك. فبعثتهم، ثم قَالَ: سوءة، أتأكلون شيئا [١] دون أهل الصرم، فجعل يطيف بهم حَتَّى هبوا، فأقبلوا عَلَيْهِ [فقسمه فيهم وأعطانيه] [٢] والتفع فِي ثوبه، ثم اضطجع ناحية ينظر إلينا [لا والله ما ذاق منه مزعة، ولأنه أحوج إليه منهم] [٣] ، فأصبحنا وما عَلَى الأرض منه إلا عظم أو حافر [٤] . قَالَ أَبُو عَبْد الرحمن الصرم الأبيات العشر أو ونحوها ينزلون فِي جانب. فصل [٥] وكانت أم حاتم لا تدخر شيئا سخاء وكرما، وكان إخوتها يمنعونها من ذلك، وتأبى فحبسوها فِي بيت [٦] سنة يرزقونها فيه شيئا معلوما، فلما ذاقت طعم البؤس وأخرجوها فأعطوها صرمة من مالها فأتتها امرأة فسألتها، فقالت: دونك الصرمة، فقد والله مسني من الجوع ما آليت معه أن لا أمنع سائلا [٧] . ومن الحوادث أيضا فِي سنة ثمان من مولده ﷺ [٨] : موت كسرى أنوشروان، وولاية ابنه هرمز:

стр. 694

فإنه مات فِي سنة ثمان من مولد نبينا ﷺ ، وولي ابنه هرمز [١] فكان يحسن إِلَى الضعفاء [٢] ، ويؤثر العدل، فكان إذا سافر نادى مناديه فِي الجند: أن تحاموا مواضع الحرث. فكانوا يضبطون دوابهم عَنِ الفساد فيها [٣] ، حَتَّى إن ابنه أبرويز كان معه فِي سفر قعا مركوبه فوقع فِي حرث، فأفسد، فأمر هرمز أن يجدع أذنيه، ويبتر ذنبه، ويغرم ابنه ما أفسد الفرس. ففعلوا ذَلِكَ. ومر بعض أصحابه بكرم فأخذ عناقيد حصرم، فاستغاث صاحب الكرم، فخاف عقوبة هرمز، فدفع إليه منطقة محلاة [ذهبا] ليسكت [عنه] [٤] ، ورأى قبوله ذلك منة عَلَيْهِ. وكان هرمز يميل عَلَى أهل الشرف والبيوتات، فقتل منهم ثلاثة عشر ألفا وستمائة رجل وقصّر بالأساورة، وأسقط كثيرا من العظماء [فتغيروا عَلَيْهِ] [٥] وكان قد عزل يزن عَنِ اليمن، واستعمل مكانه المروزان، فخالفه أهل جبل يقال له الصانع، فامتنعوا من حمل الخراج إليه، فأقبل نحوهم، فإذا خيل لا يطمع فِي دخوله إلا من باب واحد، يمنع ذلك الباب رجل واحد يصعد جبل يحاذيه، وبين رأس الجبلين قريب إلا أنه لا يطمع فيه، فضرب فرسه فوثب المضيق [٦] ، فإذا هو عَلَى رأس الحصن، فقالوا: هَذَا شيطان فقتل وسبى [٧] . ومن الحوادث: فِي سنة تسع من مولده ﷺ [٨] : انزعاج هرمز بكثرة من يقصده ويعاديه: وَفِي رواية: أن أبا طالب خرج برسول اللَّه ﷺ [إِلَى بصرى] [٩] وهو ابن تسع.

стр. 695

ومن الحوادث: فِي سنة عشر من مولده ﷺ [١] : الفجار الأول: وكانت الحرب فيه ثلاثة أيام، وكان أول أمر الفجار ابن بدر بْن معشر الغفاريّ كان منيعا مستطيلا بمنعته عَلَى من ورد عكاظ فاتخذ مجلسا بسوق عكاظ، وقعد فيه، وجعل يبذخ عَلَى الناس ويقول: نحن بنو مدركة بْن خندف ... من يضعوا فِي عينه لا يطرف وهو باسط رجله وجعل يقول: أنا أعز العرب، فمن زعم أنه أعز العرب فليضربها بالسيف [٢] . فوثب رجل من بني نصر بْن معاوية يقال له [٣] : الأحمر بْن مازن، فضربه بالسيف عَلَى ركبته، فأندرها ثم قَالَ: خذها إليك أيها المخندف ثم قام رجل من هوازن فَقَالَ: نحن ضربنا ركبة المخندف ... إذ مدها فِي أشهر المعرف ثم كان اليوم الثاني من الفجار الأول: وكان سببه ذلك: أن شبابا من قريش من بني كنانة رأوا امرأة من بني عامر وسيمة جالسة بسوق عكاظ فِي درع، فأطافوا بها وسألوها أن تسفر فأبت، فقام أحدهم فجلس خلفها، وحل طرف درعها وشده إِلَى ما فوق عجزها بشوكة، فلما قامت انكشف درعها عَنْ دبرها، فضحكوا وَقَالُوا: منعتينا النظر إِلَى وجهك وجدت لنا بالنظر إِلَى دبرك. فنادت: يا آل عامر. فتنادوا [٤] بالسلاح وحملت كنانة [٥] ، فاقتتلوا قتالا شديدا ووقعت

стр. 696

بينهم دماء، فتوسطها حرب بْن أمية وأرضى بني عامر من مثلة [١] صاحبتهم . ثم كان اليوم الثالث من أيام الفجار الأول: وكان سببه: أنه كان لرجل من بني جشم بْن بكر دين عَلَى رجل من بني كنانة. فلواه [٢] به، فجرت بينهما خصومة، واجتمع الحيان، فاقتتلوا، وحمل ابن جدعان ذلك من ماله [٣] . ومن الحوادث سنة إحدى عشرة من مولده ﵌ [٤] . أخبرنا ابن الحصين قال، أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُذْهِبِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن أحمد قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مُعَاذِ بْنِ أبي كعب: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ جَرِيئًا عَلَى أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ لا يَسْأَلُهُ عَنْهَا غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَوَّلُ مَا رَأَيْتَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ؟ فَاسْتَوَى جَالِسًا وَقَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي لَفِي صَحْرَاءٍ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ وَأَشْهُرَ، فَإِذَا بِكَلامٍ فَوْقَ رَأْسِي، وَإِذَا بِرَجُلٍ يَقُولُ لِرَجُلٍ: أَهُوَ هُوَ؟ فَاسْتَقْبَلانِي بِوُجُوهٍ لَمْ أَرَهَا بِخَلْقٍ قَطُّ، وَأَرْوَاحٍ لَمْ أَجِدْهَا مِنْ خَلْقٍ قَطُّ، وَثِيَابٍ لَمْ أَرَهَا عَلَى أَحَدٍ قَطُّ [٥] ، فَأَقْبَلا إِلَيَّ يَمْشِيَانِ حَتَّى إِذَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَضُدِي، لا أَجِدُ لأَحَدِهِمَا مَسًّا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَضْجِعْهُ، فَأَضْجَعَانِي بِلا قَصْرٍ وَلا هَصْرٍ [٦] ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لصاحبه:

стр. 697

أَفْرِقْ صَدْرَهُ فَجَرَى [١] أَحَدُهُمَا إِلَى صَدْرِي، فَفَرَقَهُ [٢] فِيمَا أَرَى بِلا دَمٍ وَلا وَجَعٍ، فَقَالَ لَهُ: أَخْرِجِ الْغِلَّ وَالْحَسَدَ فَأَخْرَجَ شَيْئًا كَرَضَّةِ الْعَلَقَةِ، ثُمَّ نَبَذَهَا فَطَرَحَهَا، فَقَالَ لَهُ: أَدْخِلِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ، فَإِذَا مِثْلَ الَّذِي أَخْرَجَ شِبْهَ الْفِضَّةِ، ثُمَّ هَزَّ إِبْهَامَ رِجْلِي الْيُمْنَى فَقَالَ: اغْدُ وَاسْلَمْ، فَرَجَعْتُ بِهَا أَغْدُو رَأْفَةً [٣] عَلَى الصغير ورحمة الْكَبِيرِ. ومن الحوادث التي كانت فِي سنة ثلاث عشرة من مولده [٤] ﵌ [عزم أبو طالب أن يسافر برسول الله ﷺ معه إِلَى بصرى وتهيأ لذلك] [٥] قَالَ مؤلف الكتاب [٦] : لما أتت له اثنتا عشرة سنة وشهران وعشرة أيام ارتحل به أَبُو طَالِبٍ إلى الشام. فروى ابن إِسْحَاق، عَنْ عَبْد اللَّه بْن أبي بكر قَالَ: لما تهيأ أَبُو طَالِبٍ للخروج إِلَى الشام أصب به رسول اللَّه ﷺ فرق له أَبُو طَالِبٍ، وَقَالَ: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا، فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيرا وهو [٧] فِي صومعة [له] [٨] ، وكان ذا علم فِي النصرانية [٩] ، ولم يزل فِي تلك الصومعة راهبا، إليه يصير علمهم عَنْ كتاب- فيما يزعمون-[أنهم] [١٠] يتوارثونه كابرا عن كابر.

стр. 698

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي [الْبَزَّازُ] [١] قَالَ: أخبرنا الحسين بن علي الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قَالَ: حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بْن عمر قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن صالح، وعبد الله بْن جعفر الزهري. قَالَ مُحَمَّد بْن عمر: وَأَخْبَرَنَا ابن أبي حبيبة، عَنْ داود بْن الحصين قَالَ: لما خرج أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشام وخرج معه رسول اللَّه ﷺ فِي المرة الأولى وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فلما نزل الركب بصرى من الشام وبها راهب يقال له بحيرا فِي صومعة له، وكان علماء النصارى يكونون معه [٢] فِي تلك الصومعة يتوارثونها عَنْ كتاب يدرسونه قَالَ [٣] : فلما نزلوا ببحيرا، وكان كثيرا ما يمرون به لا يكلمهم، حَتَّى إذا كان ذلك العام، ونزلوا منزلا قريبا من صومعته قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلما مروا، فصنع لهم طعاما، ثم دعاهم، وإنما حمله عَلَى دعائهم أنه رآهم حين طلعوا وغمامة تظل رسول اللَّه ﷺ من بين القوم، حَتَّى نزلوا تحت الشجرة، ثم نظر إِلَى تلك الغمامة أظلت تلك الشجرة، واحتضنت أغصان الشجرة عَلَى النبي ﷺ حين استظل تحتها، فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته، وأمر بذلك الطعام، فأتي به، فأرسل إليهم فَقَالَ: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، وأنا أحب أن تحضروه كلكم ولا تخلفوا منكم صغيرا ولا كبيرا، حرا ولا عَبْدا فإن هَذَا شَيْء تكرمونني به. فَقَالَ رجل: إن لك لشأنا يا بحيرا، ما كنت تصنع بنا هَذَا، فما شأنك اليوم؟! قَالَ: فإني أحببت أن أكرمكم، ولكم حق. فاجتمعوا إليه وتخلف رسول اللَّه ﷺ لحداثة سنه، لأنه ليس فِي القوم أصغر سنا منه-[فِي رحالهم تحت الشجرة] [٤] ، فلما نظر بحيرا إِلَى القوم فلم ير الصفة التي يعرف ويجدها عنده وجعل

стр. 699

ينظر فلا يرى الغمامة عَلَى أحد من القوم، ويراها متخلفة عَلَى رأس [الشجرة عَلَى] [١] رسول الله ﷺ قال بحيرا: يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم [٢] عَنْ طعامي. قالوا: ما تخلف أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنا فِي رحالهم. فَقَالَ: ادعوه فليحضر طعامي، فما أقبح أن تحضروا طعامي ويتخلف رجل واحد، مع أني أراه من أنفسكم. فَقَالَ القوم: هو أوسطنا نسبا، وهو ابن أخي هَذَا الرجل- يعنون أبا طالب- وهو من ولد عَبْد المطلب. فَقَالَ [الحارث بْن عَبْد المطلب:] [٣] والله إن كان بنا للوم أن يتخلف ابن عَبْد المطلب من [٤] بيننا ثُمَّ قام إليه واحتضنه وأقبل به حَتَّى أجلسه عَلَى الطعام، والغمامة تسير عَلَى رأسه، وجعل بحيرا يلحظه لحظا شديدا، وينظر إِلَى أشياء فِي جسده قد كان [٥] يجدها عنده من صفته، فلما تفرقوا عَنْ طعامهم قام إليه الراهب فَقَالَ: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى ألا أخبرتني عما أسألك؟ فَقَالَ رسول اللَّه ﷺ : «لا تسألني باللات والعزّى، فو الله ما أبغضت شيئا بغضهما» . قَالَ: فباللَّه ألا أخبرتني عما أسألك عنه؟ قَالَ: سلني عما بدا لك. فجعل يسأله [عَنْ أشياء] [٦] من حاله حتى نومه، فجعل رسول الله يخبره فيوافق ذلك ما عنده، ثم

стр. 700

جعل ينظر بين عينيه، ثم كشف عَنْ ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه عَلَى موضع الصفّة التي عنده، فقبل موضع الخاتم. فقالت قريش: إن لمُحَمَّد عند هَذَا الراهب لقدرا. وجعل أَبُو طَالِبٍ لما يرى من [أمر] [١] الراهب يخاف عَلَى ابن أخيه. فَقَالَ الراهب لأبي طالب: ما هَذَا الغلام منك؟ قَالَ أَبُو طَالِبٍ: ابني [٢] قَالَ: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا [قَالَ: فابن أخي] [٣] قَالَ: فما فعل أبوه؟ قَالَ: هلك وأمه حبلى. قَالَ: فما فعلت أمه؟ قَالَ: توفيت قريبا. قَالَ: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه اليهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت [٤] ليبغنه عنتا، فإنه كائن لابن أخيك هَذَا شأن عظيم نجده فِي كتبنا، وما روينا عَنْ آبائنا، واعلم أني قد أديت إليك النصيحة. فلما فرغوا من تجارتهم خرج به سريعا وكان رجال من يهود [٥] قد رأوا رسول اللَّه ﷺ ، وعرفوا صفته، وأرادوا أن يغتالوه [٦] ، فذهبوا إِلَى بحيرا، فذاكروه أمره، فنهاهم أشد النهي، وَقَالَ لهم: أتجدون صفته؟ قالوا: نعم، قَالَ: فما لكم إليه سبيل. فصدقوه وتركوه، ورجع به أَبُو طَالِبٍ، فما خرج به سفرا بعد ذلك خوفا عليه [٧] .

стр. 701

ذكر الحوادث فِي سنة أربع عشرة من مولده صلى اللَّه عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وسلم [١] [منها الفجار الأخير] [٢] : قَالَ مؤلف الكتاب [٣] : وكان هَذَا الفجار بين هوازن وقريش، وحضره رسول اللَّه ﷺ وله أربع عشرة سنة، وَقَالَ: «كنت أنبل عَلَى أعمامي يوم الفجار» يعني: كنت أناولهم النبل [٤] . وقد روي: أن هَذِهِ الحرب كانت ولرسول اللَّه ﷺ عشرون سنة [عَنْ عَبْد اللَّه بْن يزيد الهذلي] [٥] . وإنما سمي الفجار لأن بني كنانة وهوازن استحلوا الحرم ففجروا [٦] . أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن أبي طاهر البزاز قَالَ: أخبرنا أبو محمد الجوهري قال: أخبرنا أبو طاهر عمر بْن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قَالَ: حَدَّثَنَا الضحاك بْن عثمان قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن عمر بن واقد قال: حدثني الضحاك بْن عثمان عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرحمن بْن عَبْد اللَّه بْن أبي ربيعة. قَالَ: مُحَمَّد بْن عمر: وَأَخْبَرَنَا موسى بْن مُحَمَّد بْن عمرو، أَخْبَرَنَا موسى بْن مُحَمَّد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال.

стр. 702

وَأَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن يزيد الهذلي، عَنْ يعقوب بْن عتبة الأخنسي قَالَ: وغير هَؤُلاءِ أيضا قد حدَّثَنِي ببعض هَذَا الحديث قالوا [١] : كان سبب حرب الفجار [٢] أن النعمان بْن المنذر بعث بلطيمة له إِلَى سوق عكاظ [للتجارة] وأجارها له الرحال [٣] عروة بْن عتبة بْن جعفر بْن كلاب، فنزلوا عَلَى ماء يقال له: أوارة، فوثب البراض بْن قيس أحد بني بكر بْن عَبْد مناة بْن كنانة- وكان خليعا- عَلَى عروة فقتله، وهرب إِلَى خيبر واستخفى [٤] بها، ولقي بشر بْن أبي حازم الأسدي الشاعر فأخبره الخبر، وأمره أن يعلم ذلك عَبْد اللَّه بْن جدعان، وهشام بْن المغيرة، وحرب بْن أمية، ونوفل بن معاوية، [وبلعاء بْن قيس] [٥] فوافى عكاظ فأخبرهم، فخرجوا موائلين [٦] منكشفين إِلَى الحرم، وبلغ قيسا الخبر آخر ذلك اليوم، فَقَالَ أَبُو براء: ما كنا من قريش إلا فِي خدعة، فخرجوا فِي آثارهم، فأدركوهم وقد دخلوا الحرم، فناداهم رجل من بني عامر يقال له: الأدرم بأعلى صوته: إن ميعاد ما بيننا وبينكم هَذِهِ الليالي من قابل. ولم يقم تلك السنة سوق عكاظ فمكثت قريش وغيرها من كنانة وأسد بن خزيمة، ومن لحق بهم من الأحابيش يتأهبون لهذه الحرب، ثم حضروا من قابل ورؤساء قريش: عَبْد اللَّه بْن جدعان، وهشام بْن المغيرة وحرب بْن أمية، وأبو أحيحة سعيد بن العاص،

стр. 703

وعتبة بْن ربيعة، والعاص بْن وائل، ومعمر [١] بْن حبيب الجمحي، وعكرمة بْن عامر [٢] ابن هشام، ويقال: بل أمرهم إِلَى عَبْد اللَّه بْن جدعان. وكان فِي قيس: أَبُو براء عامر بْن مالك بْن جعفر، وسبيع بْن ربيعة ودريد بْن الصمة ومسعود بْن معتب، وعوف بْن أبي حارثة فهؤلاء الرؤساء. ويقال: بل أمرهم جميعا إِلَى أبي براء، وكانت الراية بيده وهو سوى صفوفهم، فالتقوا وكانت الدبرة أول النهار لقيس عَلَى قريش وكنانة ومن انضوى إليهم، ثم صارت الدبرة آخر النهار لقريش وكنانة عَلَى قيس، فقتلوهم قتلا [٣] ذريعا، حَتَّى نادى عتبة بْن ربيعة يومئذ وإنه لشاب ما كملت له ثلاثون سنة إِلَى الصلح، فاصطلحوا عَلَى أن عدوا القتلى وودت قريش لقيس ما قتلت، وانصرفت قريش. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذكر الفجار فَقَالَ: «قد حضرته مع عمومتي ورميت فيه بأسهم وما أحبّ إني لم أكن فعلت» فكان يوم حضر ابن عشرين سنة [٤] . قَالَ مؤلف الكتاب [٥] : هكذا روي لنا، والأول أصح . ذكر الحوادث فِي سنة خمس عشرة من مولده ﷺ [٦] فِي هَذِهِ السَّنَةِ: قامت سوق عكاظ، وهي سوق كانوا يبيعون فيها ويشترون. وقد روي أن قس بْن ساعدة الأيادي كان يقف بسوق عكاظ ويعظ الناس، وكان خطيبا [بليغا] [٧] وشاعرا حكيما. ويقال: إنه أول من علا عَلَى شرف وخطب عليه،

стр. 704

وأول من قَالَ فِي كلامه «أما بعد» وأول من أتكأ عند خطبته عَلَى سيف أو عصا، ورآه رسول الله ﷺ بعكاظ. وقد روينا من حديثه [١] من طرق، ولكن ليس فيها ما يثبت [٢] . فمنها: ما روى أبو صالح عن ابن عباس قال: لما قدم وفد أياد عَلَى رسول اللَّه ﷺ قال: «ما فعل قس بْن ساعدة؟» قالوا: مات. قَالَ: «كأني أنظر إليه بسوق عكاظ عَلَى جمل له أورق [٣] ، وهو يتكلم بكلام له حلاوة، ما أجدني أحفظه» . فَقَالَ رجل من القوم: أنا أحفظه، سمعته يقول: أيها النَّاس، احفظوا وعوا [٤] من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، وسماء ذات أبراج، وبحار تزخر، ونجوم تزهر، وضوء وظلام، وبر وآثام، ومطعم وملبس، ومشرب ومركب، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا، وإله قس ما عَلَى وجه الأرض دين أفضل من دين قد أظلكم زمانه، وأدرككم أوانه، فطوبى لمن أدركه وأتبعه، وويل لمن خالفه، ثم إنه أنشأ وجعل [٥] يقول: فِي الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا للموت ... ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها يمضي [٦] ... الأكابر والأصاغر لا يرجع الماضي إلي ... ولا من الباقين غابر [أيقنت أني لا محالة ... حيث صار القوم صائر] [٧] سكنوا البيوت فوطنوا ... إن البيوت هي المقابر [٨]

стр. 705

فَقَالَ النبي ﷺ : «يرحم اللَّه قسا، إني لأرجو أن يبعثه اللَّه يوم القيامة أمة وحده» . فَقَالَ رجل: يا رسول اللَّه، لقد رأيت من قس عجبا قَالَ: «وما رأيت؟» قَالَ: بينا أنا بجبل يقال لَهُ سمعان فِي يوم شديد الحر، إذا أنا بقس تحت ظل شجرة عندها [١] عين ماء وحوله سباع، كلما زأر سبع منها عَلَى صاحبه ضربه بيده وَقَالَ: كف حَتَّى يشرب الذي ورد قبلك. ففرقت، فَقَالَ: لا تخف، وإذا بقبرين بينهما مسجد، فقلت له: ما هذان القبران؟ فَقَالَ: هذان قبرا أخوين كانا لي، فاتخذت بينهما مسجدا أعَبْد اللَّه فيه [٢] حَتَّى ألحق بهما، ثم ذكر أيامهما ثم أنشأ يقول: [خليلي هبا طالما قد رقدتما ... أجدكما لا تقضيان كراكما] [٣] جرى النوم بين الجلد والعظم منكما ... كأن الذي يسقي العقار سقاكما [٤] ألم تريا أني بسمعان مفرد ... وما لي فيه من خليل سواكما أقيم عَلَى قبريكما لست بارحا ... طوال الليالي أو يجيب صداكما كأنكما والموت أقرب غاية ... بجسمي من قبريكما قد أتاكما فلو جعلت نفس لنفس وقاية ... لجدت بنفسي أن تكون فداكما [سأبكيكما طول الحياة وما الذي ... يرد عَلَى ذي عولة إن بكاكما] [٥] فَقَالَ النبي ﷺ : «رحم الله قسا» [٦]
следующие страницы →