← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ذكر الحوادث فِي سنة أربع عشرة من مولده صلى اللَّه عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وسلم [١] [منها الفجار الأخير] [٢] : قَالَ مؤلف الكتاب [٣] : وكان هَذَا الفجار بين هوازن وقريش، وحضره رسول اللَّه ﷺ وله أربع عشرة سنة، وَقَالَ: «كنت أنبل عَلَى أعمامي يوم الفجار» يعني: كنت أناولهم النبل [٤] . وقد روي: أن هَذِهِ الحرب كانت ولرسول اللَّه ﷺ عشرون سنة [عَنْ عَبْد اللَّه بْن يزيد الهذلي] [٥] . وإنما سمي الفجار لأن بني كنانة وهوازن استحلوا الحرم ففجروا [٦] . أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن أبي طاهر البزاز قَالَ: أخبرنا أبو محمد الجوهري قال: أخبرنا أبو طاهر عمر بْن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قَالَ: حَدَّثَنَا الضحاك بْن عثمان قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن عمر بن واقد قال: حدثني الضحاك بْن عثمان عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرحمن بْن عَبْد اللَّه بْن أبي ربيعة. قَالَ: مُحَمَّد بْن عمر: وَأَخْبَرَنَا موسى بْن مُحَمَّد بْن عمرو، أَخْبَرَنَا موسى بْن مُحَمَّد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال.

стр. 702

وَأَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن يزيد الهذلي، عَنْ يعقوب بْن عتبة الأخنسي قَالَ: وغير هَؤُلاءِ أيضا قد حدَّثَنِي ببعض هَذَا الحديث قالوا [١] : كان سبب حرب الفجار [٢] أن النعمان بْن المنذر بعث بلطيمة له إِلَى سوق عكاظ [للتجارة] وأجارها له الرحال [٣] عروة بْن عتبة بْن جعفر بْن كلاب، فنزلوا عَلَى ماء يقال له: أوارة، فوثب البراض بْن قيس أحد بني بكر بْن عَبْد مناة بْن كنانة- وكان خليعا- عَلَى عروة فقتله، وهرب إِلَى خيبر واستخفى [٤] بها، ولقي بشر بْن أبي حازم الأسدي الشاعر فأخبره الخبر، وأمره أن يعلم ذلك عَبْد اللَّه بْن جدعان، وهشام بْن المغيرة، وحرب بْن أمية، ونوفل بن معاوية، [وبلعاء بْن قيس] [٥] فوافى عكاظ فأخبرهم، فخرجوا موائلين [٦] منكشفين إِلَى الحرم، وبلغ قيسا الخبر آخر ذلك اليوم، فَقَالَ أَبُو براء: ما كنا من قريش إلا فِي خدعة، فخرجوا فِي آثارهم، فأدركوهم وقد دخلوا الحرم، فناداهم رجل من بني عامر يقال له: الأدرم بأعلى صوته: إن ميعاد ما بيننا وبينكم هَذِهِ الليالي من قابل. ولم يقم تلك السنة سوق عكاظ فمكثت قريش وغيرها من كنانة وأسد بن خزيمة، ومن لحق بهم من الأحابيش يتأهبون لهذه الحرب، ثم حضروا من قابل ورؤساء قريش: عَبْد اللَّه بْن جدعان، وهشام بْن المغيرة وحرب بْن أمية، وأبو أحيحة سعيد بن العاص،

стр. 703

وعتبة بْن ربيعة، والعاص بْن وائل، ومعمر [١] بْن حبيب الجمحي، وعكرمة بْن عامر [٢] ابن هشام، ويقال: بل أمرهم إِلَى عَبْد اللَّه بْن جدعان. وكان فِي قيس: أَبُو براء عامر بْن مالك بْن جعفر، وسبيع بْن ربيعة ودريد بْن الصمة ومسعود بْن معتب، وعوف بْن أبي حارثة فهؤلاء الرؤساء. ويقال: بل أمرهم جميعا إِلَى أبي براء، وكانت الراية بيده وهو سوى صفوفهم، فالتقوا وكانت الدبرة أول النهار لقيس عَلَى قريش وكنانة ومن انضوى إليهم، ثم صارت الدبرة آخر النهار لقريش وكنانة عَلَى قيس، فقتلوهم قتلا [٣] ذريعا، حَتَّى نادى عتبة بْن ربيعة يومئذ وإنه لشاب ما كملت له ثلاثون سنة إِلَى الصلح، فاصطلحوا عَلَى أن عدوا القتلى وودت قريش لقيس ما قتلت، وانصرفت قريش. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذكر الفجار فَقَالَ: «قد حضرته مع عمومتي ورميت فيه بأسهم وما أحبّ إني لم أكن فعلت» فكان يوم حضر ابن عشرين سنة [٤] . قَالَ مؤلف الكتاب [٥] : هكذا روي لنا، والأول أصح . ذكر الحوادث فِي سنة خمس عشرة من مولده ﷺ [٦] فِي هَذِهِ السَّنَةِ: قامت سوق عكاظ، وهي سوق كانوا يبيعون فيها ويشترون. وقد روي أن قس بْن ساعدة الأيادي كان يقف بسوق عكاظ ويعظ الناس، وكان خطيبا [بليغا] [٧] وشاعرا حكيما. ويقال: إنه أول من علا عَلَى شرف وخطب عليه،

стр. 704

وأول من قَالَ فِي كلامه «أما بعد» وأول من أتكأ عند خطبته عَلَى سيف أو عصا، ورآه رسول الله ﷺ بعكاظ. وقد روينا من حديثه [١] من طرق، ولكن ليس فيها ما يثبت [٢] . فمنها: ما روى أبو صالح عن ابن عباس قال: لما قدم وفد أياد عَلَى رسول اللَّه ﷺ قال: «ما فعل قس بْن ساعدة؟» قالوا: مات. قَالَ: «كأني أنظر إليه بسوق عكاظ عَلَى جمل له أورق [٣] ، وهو يتكلم بكلام له حلاوة، ما أجدني أحفظه» . فَقَالَ رجل من القوم: أنا أحفظه، سمعته يقول: أيها النَّاس، احفظوا وعوا [٤] من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، وسماء ذات أبراج، وبحار تزخر، ونجوم تزهر، وضوء وظلام، وبر وآثام، ومطعم وملبس، ومشرب ومركب، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا، وإله قس ما عَلَى وجه الأرض دين أفضل من دين قد أظلكم زمانه، وأدرككم أوانه، فطوبى لمن أدركه وأتبعه، وويل لمن خالفه، ثم إنه أنشأ وجعل [٥] يقول: فِي الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا للموت ... ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها يمضي [٦] ... الأكابر والأصاغر لا يرجع الماضي إلي ... ولا من الباقين غابر [أيقنت أني لا محالة ... حيث صار القوم صائر] [٧] سكنوا البيوت فوطنوا ... إن البيوت هي المقابر [٨]

стр. 705

فَقَالَ النبي ﷺ : «يرحم اللَّه قسا، إني لأرجو أن يبعثه اللَّه يوم القيامة أمة وحده» . فَقَالَ رجل: يا رسول اللَّه، لقد رأيت من قس عجبا قَالَ: «وما رأيت؟» قَالَ: بينا أنا بجبل يقال لَهُ سمعان فِي يوم شديد الحر، إذا أنا بقس تحت ظل شجرة عندها [١] عين ماء وحوله سباع، كلما زأر سبع منها عَلَى صاحبه ضربه بيده وَقَالَ: كف حَتَّى يشرب الذي ورد قبلك. ففرقت، فَقَالَ: لا تخف، وإذا بقبرين بينهما مسجد، فقلت له: ما هذان القبران؟ فَقَالَ: هذان قبرا أخوين كانا لي، فاتخذت بينهما مسجدا أعَبْد اللَّه فيه [٢] حَتَّى ألحق بهما، ثم ذكر أيامهما ثم أنشأ يقول: [خليلي هبا طالما قد رقدتما ... أجدكما لا تقضيان كراكما] [٣] جرى النوم بين الجلد والعظم منكما ... كأن الذي يسقي العقار سقاكما [٤] ألم تريا أني بسمعان مفرد ... وما لي فيه من خليل سواكما أقيم عَلَى قبريكما لست بارحا ... طوال الليالي أو يجيب صداكما كأنكما والموت أقرب غاية ... بجسمي من قبريكما قد أتاكما فلو جعلت نفس لنفس وقاية ... لجدت بنفسي أن تكون فداكما [سأبكيكما طول الحياة وما الذي ... يرد عَلَى ذي عولة إن بكاكما] [٥] فَقَالَ النبي ﷺ : «رحم الله قسا» [٦]

стр. 706

وقد روي [١] أن هَذِهِ الأبيات لعيسى بْن قدامة الأسدي، وأنه كان له نديمان فماتا، فكان يجلس عند القبرين وهما براوند فِي موضع يقال له: حراف، ونصب عَلَى القبرين حَتَّى يقضي وطره، ثُمَّ ينصرف وينشد هَذِهِ الأبيات، وفيها زيادة وهي: خليلي هبا طال ما قد رقدتما ... أجدكما ما تقضيان كراكما ألم تعلما ما لي براوند كلها ... ولا بخراق من صديق سواكما أقيم علي قبريكما لست بارحا ... طوال الليالي أو يجيب صداكما جرى النوم مجرى اللحم والعظم منكما ... كأن الذي يسقي العقار سقاكما فأي أخ يجفو أخا بعد موته ... فلست الذي من بعد موت جفاكما أصب عَلَى قبريكما من مدامة ... فإلا تذوقا أرو منها ثراكما لطول منام لا تجيبان داعيا ... خليلي ما هَذَا الذي قد دهاكما قضيت بأني لا محالة هالك ... وأني سيعروني الذي قد عراكما سأبكيكما طول الحياة وما الذي ... يرد عَلَى ذي عول إن بكاكما ومن الحوادث في سنة ست عشرة من مولده ﵌ [٢] فمن ذلك [٣] : تهيؤ الخوارج من كل وجه على هرمز بن كسرى [أنوشروان] . ومن الحوادث سنة سبع عشرة من مولده صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ مؤلفه [٤] : خرج فِي هَذِهِ السنة [٥] ملك الترك واسمه، شابة على هرمز بن

стр. 707

كسرى، حَتَّى صار إِلَى هراة فِي ثلاث مائة ألف مُقَاتِل، وخرج [١] ملك الروم عَلَيْهِ فصار إِلَى الضواحي فِي ثمانين ألف مُقَاتِل. وخرج ملك الجزر فِي جمع عظيم. وخرج رجلان من العرب يقال لأحدهما عباس الأحول [٢] والآخر عمرو الأزرق، فنزلا في جمع عظيم من العرب [عَلَى] [٣] شاطئ الفرات، وشنوا الغارة عَلَى أهل السواد، واجترأ أعداء هرمز عَلَيْهِ، وغزوا بلاده، وأرسل شابة ملك الترك إِلَى هرمز يؤذنه بإقباله، ويقول: رموا القناطر لأجتاز عليها إِلَى بلادكم، وافعلوا ذلك فِي الأنهار التي عليها مسلكي [من بلادكم] [٤] إلى بلاد الروم، لأني أريد أن أسير من بلادكم إليها. فاستعظم هرمز ما ورد عَلَيْهِ من ذلك، وشاور فيه، فأجمع رأيه عَلَى القصد إِلَى ملك الترك، فوجه إليه رجلا يقال له: بهرام فِي اثنى عشر ألف رجل، وعرض هرمز من بحضرته، فكانوا سبعين ألف مُقَاتِل [٥] ، فمضى بهرام بمن معه معدا حَتَّى جاز هراة، ونزل بالقرب من ملك الترك وجرت بينهم وسائل وحروب، فقتل بهرام شابة برمية منه [٦] واستباح عسكره، ووجه ابنه أسيرا إِلَى هرمز مع أموال وجواهر [٧] وآنية وأمتعة كانت وقر مائتي ألف وخمسين ألف بعير، فشكر هرمز بهرام بسبب الغنائم التي صارت إليه، وخاف بهرام وجنوده سطوة هرمز فخلعوا هرمز وأقبلوا نحو المدائن وأظهروا الامتعاض مما كان من هرمز، وأن ابنه أبرويز أصلح للملك منه، وساعدهم عَلَى ذلك جماعة ممن كان بحضرة [٨] هرمز، فهرب أبرويز بهذا السبب إِلَى أذربيجان خوفا من هرمز [٩] فاجتمع

стр. 708

إِلَيْهِ هناك عدة من المرازبة والأصبهبذين، فأعطوه بيعتهم، ووثب العظماء والأشراف بالمدائن فخلعوا هرمز وسملوا [١] عينيه وتركوه. وبلغ الخبر أبرويز، فأقبل بمن شايعه من أذربيجان إِلَى دار الملك مسابقا [٢] لبهرام، فاستولى عَلَى الملك وتحرز من بهرام، والتقى هو وهو عَلَى شاطئ النهروان، فجرت بينهما مناظرة ودعا أبرويز بهرام إِلَى أن يؤمنه، ويرفع مرتبته، فلم يقبل ذلك، وجرت بينهما حروب شديدة اضطرت [٣] أبرويز إِلَى الهرب إِلَى الروم مستغيثا بملكها [٤] . ذكر الحوادث فِي سنة ثمان عشرة من مولده ﷺ [٥] وصول أبرويز بْن هرمز إِلَى ملك الروم مستغيثا، فقبله وزوجه ابنته، وكان هرمز حينئذ مخلوعا مسمول العينين [٦] . ومن الحوادث فِي سنة تسع عشرة من مولده ﷺ [٧] هلاك هرمز بْن كسرى، فإنهم قتلوه بعد خلعه، وكانت ولايته إحدى عشرة سنة وسبعة أشهر، وعشرة أيام [٨] . وَقَالَ هشام بْن مُحَمَّد: كانت ولايته اثنتي عشرة [سنة] [٩] . وفيها: ولي ابنه أبرويز وكان يسمى كسرى أيضا، وكان من أشدّ ملوكهم بطشا

стр. 709

[وأنفذهم رأيا] [١] وأبعدهم غورا، وبلغ من النجدة والظفر، وجمع الأموال ما لم يتهيأ لملك أكثر منه، ولذلك سمي أبرويز، وتفسيره بالعربية: «المظفر» . واجتمع له تسعمائة وخمسون [٢] فيلا واتري الذكورة عَلَى الإناث، ووضعت عنده فيلة وهي لا تتلاقح بالعراق، فكان أحد الناس قامة وأبرعهم جمالا لا يحمله إلا فيل، وكان قد استوحش من أبيه هرمز، وخاف [٣] فهرب إِلَى أذربيجان، فبايعه جماعة ممن كان هناك، ثم وثب قوم على أبيه هرمز فسملوه، فقدم أبرويز، فتولى وتوج بتاج الملك وجلس عَلَى سريره وَقَالَ: إن ملتنا إيثار [٤] البر، ومن رأينا أن نعمل بالخير [٥] ، وأن جدنا كسرى بْن قباذ كان لكم بمنزلة الوالد، وأن هرمز أبانا [٦] كان قاضيا عادلا، فعليكم [٧] بلزوم السمع والطاعة. فلما كان فِي اليوم الثالث أتى أباه فسجد له، وَقَالَ: عمرك اللَّه أيها الملك! إنك تعلم أني بريء مما أتى إليك [٨] المنافقون، وأني إنما تواريت ولحقت بأذربيجان خوفا من إقدامك عَلَى قتلي. فصدقه هرمز، وَقَالَ له: إن لي [إليك] [٩] يا بني حاجتين: إحداهما: أن تنتقم لي ممن عاون عَلَى خلعي والسمل لعيني، ولا تأخذك فيهم رأفة، والأخرى: أن تؤنسني كل يوم بثلاثة نفر لهم إصابة رأي، [وتأذن لهم] [١٠] فِي الدخول علي [١١] فتواضع له أبرويز وقال: عمّرك الله أيها الملك، إن المارق بهرام قد أظلنا ومعه

стр. 710

النّجدة، ولسنا نقدر أن نمد يدا إِلَى من آتى إليك بما آتى [١] فإن أدالني اللَّه عَلَى المنافق، فأنا خليفتك، وطوع يدك. ثم أقبل بهرام نحو المدائن، فخرج إليه أبرويز فالتقيا، فَقَالَ له أبرويز: إنك يا بهرام ركن لمملكتنا وسناد لرعيتنا، وقد رأينا أن نختار لك [٢] يوما صالحا لنوليك فيه أصبهبذة بلاد الفرس جميعا. فَقَالَ له بهرام: لكني أختار لك يوما أصلبك فيه. فاغتاظ أبرويز، ولم يظهر عَلَيْهِ أثر ذلك، وتفرقا عَلَى الاستجاشة، ثم خاف من بهرام فأحرز نساءه، وشخص إِلَى ملك الروم، فلما خرج بأصحابه من المدائن [٣] خافوا من بهرام أن يرد هرمز إِلَى الملك ويكتب إِلَى ملك [الروم] [٤] عنه فِي ردهم فيتلفوا، فأعلموا أبرويز وسألوه الإذن [٥] فِي إتلاف هرمز فلم يحر جوابا [فانصرفوا] [٦] فأتلفوه خنقا، ثم رجعوا إِلَى أبرويز وَقَالُوا: سر عَلَى خير طائر. فساروا ولحقهم خيل [٧] بهرام عند دير، فقال رجل مع أبرويز: أعطني بزتك وأخرج بمن معك، فلبسها واطلع من فوق الدير يوهمهم أنه أبرويز، وَقَالَ: أنظرونا إِلَى غد ليصير فِي أيديكم سلما. فأمسكوا وسار أبرويز حَتَّى أتى أنطاكية، وكاتب موريق ملك الروم [٨] وسأله نصرته، فأجابه وبعث إليه أخاه فِي ستين ألف مُقَاتِل. فأما بهرام فإنه دخل دور الملك بالمدائن، وقعد عَلَى سرير الملك وتتوج، وانقاد له الناس [٩] خوفا منه.

стр. 711

وأما أبرويز فإنه اجتمع إليه خلق كثير فسار بهم وخرج إليه بهرام، وجرت بينهم حروب شديدة وتبارزوا، فأخذ أبرويز رمح بهرام من يده، وضرب به رأسه حَتَّى انقصف، فاضطرب عَلَى بهرام أمره ورحل نحو الترك، وصار أبرويز إِلَى المدائن، ففرق فِي جنود الروم عشرين ألف ألف وصرفهم إِلَى ملكهم، وأقام بهرام فِي الترك مكرما عند ملكهم حَتَّى احتال له أبرويز بتوجيه رجل يقال له هرمز ووجهه بجوهر نفيس وغيره، فاحتال لخاتون امرأة الملك ولاطفها بذلك الجوهر وغيره، حَتَّى دست لبهرام من قتله، فعلم الملك فطلق زوجته [١] . ذكر قصة شيرين [٢] وذكر أهل العلم بالسير: أن شيرين ولدت بالمدائن، وكانت يتيمة فِي منزل رجل من الأشراف، وكان أبرويز صغيرا يدخل منزل هَذَا الرجل فيلاعب شيرين ويمازحها وتمازحه، فأخذت فِي قلبه موضعا ونهاها [٣] الذي هي فِي منزله عَنِ التعرض لأبرويز، ثم رآها [يوما] [٤] قد أخذت من أبرويز خاتما كان [٥] فِي إصبعه، فَقَالَ: ألم آمرك بترك التعرض لهذا الصبي [٦] ، ولا تعرضينا للهلكة. ثم أمر بعض من يثق به أن يحملها إِلَى شاطئ الفرات ويغرقها، فحملها إِلَى شاطئ الفرات ليغرقها فقالت له: ما الذي ينفعك من غرقي؟ فَقَالَ لها: إني قد [٧] حلفت لمولاي ولا بد فقالت: فما عليك أن تأتي موضعا من الفرات فيه ماء رقيق فتقذف بي فيه، وتتركني وتمضي، فإن نجوت لم أظهر ما دمت باقية لم يكن عليك شَيْء. قَالَ: أفعل ذلك. فأتى موضعا فيه الماء إِلَى الركبة، فزجها فيه وتركها تضطرب، ثم ولى [عنها] [٨] لا يلتفت. ثم وافى مولاه فأخبره، وحلف له أنه

стр. 712

غرقها ثم أنها خلصت [١] من الماء، فأتت بعض الديارات التي عَلَى شاطئ الفرات، فآوت إليه، وأعلمت الرهبان أنها قد وهبت نفسها للَّه تعالى، فأحسنوا إليها، فلما استقر الملك لأبرويز بعد أبيه هرمز وجه برسله إِلَى قيصر، فاجتاز الرسل بالدير، فسألت شيرين عَنْ ذلك، فأعلمت أن القوم [٢] رسل أبرويز الملك، ومعهم هدايا إِلَى قيصر، وأخبروها بملكه وما آل إليه أمره، فوجهت إِلَى رئيس الرسل متنصحة له [٣] تخبره أنها أمة الملك أبرويز، وسألته إيفاد رسول إليه تخبره بمكانها، ووجهت [معه] [٤] بذلك الخاتم فأنفذ الرجل رسوله قاصدا إِلَى الملك يخبره [٥] خبر شيرين ومكانها والخاتم، فلما ورد الرسول عَلَى أبرويز أمر للرسول بمال عظيم، وجعل له رتبة جليلة [٦] ببشارته، ووجه معه بخدم ومراكب وهوادج وكساء وحلي وطيب ووصائف، حَتَّى أتوه بشيرين، فورد عَلَيْهِ من الفرح ما لم يفرح بشَيْء مثله، وكانت من أكمل النساء كمالا وجمالا وبراعة، وذكر أبرويز أنه ما جامعها قط إلا وجدها كالعذراء، وكان قد شرط عَلَى نفسه أن لا يأتي حرة ولا أمة مرة واحدة إلا أتاها قبل [ذلك] [٧] ، وعهد كل واحد لصاحبه أن لا يجتمع مع أحد لباضعه، فلما هلك أبرويز أرادها شيرويه فأبت، وعرفته العهود [٨] فرماها بكل معضلة [٩] من الفجور، وبعث الشعراء عَلَى ذمها، فلما لج، ولم يجد عنه محيدا بعد أن غصبها جميع مالها وضياعها، فقالت: افعل ما سألت بعد أن تقضي لي ثلاث حوائج: تردّ عليّ أموالي وضياعي، وتسلم لي قتلة زوجي، وتدعو العظماء والأشراف فترقى المنبر فتبرئني مما قذفت [١٠] به من الفجور.

стр. 713

ففعل ذلك، فقتلت قتلة زوجها فأفحش قتل [ووقفت ضياعها، وفرقت مالها فِي أهل الحاجة] [١] فَقَالَ لَهَا: هل بقيت لك حاجة؟ فقالت: نعم، إن الملك أودعني وديعة وجعلها أمانة فِي عنقي إن أنا تزوجت أن أردها إليه، فتأمر بفتح الناووس حَتَّى أدفعها [٢] إليه. ففتح لها الناووس، فدخلت وقلعت فص خاتم فِي يدها تحته سم ساعة فمصته، ثم اعتنقت أبرويز ولفّت عليه يديها ورجليها حَتَّى ماتت، فلما أبطأت عَلَى الحواضن والخدم صاحوا بها فلم تجب، فدخلوا فوجدوها ميتة معانقة لأبرويز فأخبروا شيرويه فندم ندامة لا توصف، وجعل يأكل أصابعه على صنيعها . ومن الحوادث فِي سنة عشرين من مولده ﷺ حرب الفجار الثاني عند بعض الرواة. وقد سبق ذكره. ومن الحوادث هَذِهِ السنة [٣] : حلف الفضول: وحضره رسول اللَّه ﷺ . قاله ابن قتيبة. سببه: أن قريشا كانت تتظالم فِي الحرم فقام عَبْد اللَّه بْن جدعان والزبير بْن عَبْد المطلب، فدعوا إِلَى التحالف عَلَى التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم، فأجابوهما، وتحالفوا فِي دار ابن جدعان [٤] . أنبأنا يحيى بن الحسين بن البناء قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قال: أخبرنا المخلص قال: أخبرنا أحمد بن سليمان الطوسي قال: أخبرنا الزبير بن بكار قال: حدثني أَبُو الحسن الأثرم، عَنْ أبي عبيدة [٥] قَالَ: كان سبب حلف الفضول أن رجلا من أهل اليمن قدم مكة ببضاعة فاشتراها رجل

стр. 714

من بني سهم فلوى الرجل بحقه، فسأله ماله فأبى عَلَيْهِ، فسأله [متاعه] [١] فأبى عَلَيْهِ، فقام على الحجر وجعل يقول [٢] : بال قصي لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر أقائم من بني سهم بذمتهم ... أم ذاهب فِي ضلال مال معتمر قَالَ: وَقَالَ بعض العلماء: إن قيس بْن شبة السلمي باع متاعا من أبي بْن خلف فلواه وذهب بحقه، فاستجار برجل من بني جمح فلم يقم بجواره، فَقَالَ قيس بْن شبة [٣] : يال قصي كيف هَذَا فِي الحرم ... وحرمة البيت وأخلاقه الكرم أظلم لا يمنع مني من ظلم فقام العباس وأبو سفيان حَتَّى ردا عَلَيْهِ، فاجتمعت بطون من قريش فِي دار عَبْد اللَّه بْن جدعان فتحالفوا عَلَى رد المظالم بمكة وأن لا يظلم أحد إلا منعوه وأخذوا له بحقه، وكان حلفهم فِي دار عَبْد اللَّه بْن جدعان. فَقَالَ رسول الله ﷺ : «لقد شهدت حلفا فِي دار [عَبْد اللَّه] [٤] بْن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به لأجبت» . فَقَالَ [قوم] [٥] من قريش: هَذَا والله فضل من الحلف فسمي حلف الفضول [٦] . قَالَ الزبير: وَقَالَ آخرون: تحالفوا عَلَى مثل حلف تحالف عَلَيْهِ قوم من جرهم فِي هَذَا الأمر، أن لا يقروا ظلما ببطن مكة إلا غيروه، وأسماؤهم: الفضل بْن شراعة، والفضل بْن بضاعة، والفضل بن قضاعة.

стр. 715

قَالَ مؤلف الكتاب [١] : والله أعلم أي ذلك كان. قَالَ الزبير: وحدثني عَبْد العزيز ابن عم العنسي قَالَ: أهل حلف الفضول [٢] : بنو هاشم، وبنو المطلب، وبنو أسد بْن عَبْد العزّى، وبنو زهرة، وبنو تيم، تحالفوا بينهم باللَّه أن لا يظلم أحدا إلا كنا حمية [٣] مع المظلوم عَلَى الظالم حَتَّى نأخذ لَهُ مظلمته ممن ظلمه، شريفا كان أو وضيعا [٤] . قَالَ الزبير: وحدثني إِبْرَاهِيم بْن حمزة، عَنْ جدي عَبْد اللَّه بْن مصعب، عَنْ أبيه قَالَ: إنما سمي حلف الفضول: أنه كان فِي جرهم رجال يردون المظالم يقال لهم: فضيل، وفضال، ومفضل، وفضل، فلذلك سمي: حلف الفضول [٥] . قَالَ: وحدثني مُحَمَّد بْن حسن، عَنْ نوفل بْن عمارة، عَنْ إِسْحَاق بْن الفضل قَالَ: إنما سمت قريش هَذَا الحلف حلف الفضول: أن نفرا من جرهم يقال لهم: الفضل، وفضال، والفضيل، تحالفوا عَلَى مثل ما تحالفت عَلَيْهِ هَذِهِ القبائل [٦] . قَالَ: وحدثني مُحَمَّد بْن حسن [٧] ، عَنْ نصر بْن مزاحم، عَنْ معروف بْن خربوذ قَالَ: تداعت بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد، وتيم فاحتلفوا عَلَى أن لا يدعوا بمكة كلها [٨] ولا فِي الأحابيش مظلوما يدعوهم إِلَى نصرته إلا أنجدوه حَتَّى يردوا إليه مظلمته

стр. 716

أو يبلوا فِي ذلك عذرا، وكره ذلك سائر المطيبين والأحلاف بأسرهم وسموه حلف الفضول عيبا لهم، وَقَالُوا: هَذَا من فضول القول [١] ، فسمي حلف الفضول [٢] . أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْبَاقِي قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قال: أخبرنا ابن حيوية قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال: أخبرنا محمد بن سعد قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ [٣] يَقُولُ: كَانَ حِلْفُ الْفُضُولِ مُنْصَرَفُ قُرَيْشٍ مِنَ الْفُجَّارِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً [٤] . وأخبرني غير الضحاك [٥] قَالَ: كان الفجار فِي شوال، وهذا الحلف فِي ذي القعدة، وكان أشرف حلف كان قط، وأول من دعي إليه الزبير بْن عَبْد المطلب، فاجتمعت بنو هاشم، وبنو زهرة، وتيم، فِي دار عَبْد اللَّه بْن جدعان، فصنع لهم طعاما، فتعاقدوا وتعاهدوا ليكونن مع المظلوم حَتَّى يؤدي إليه حقه ما بل بحر صوفة، وَفِي التآسي فِي المعاش، فسمت قريش ذلك الحلف: حلف الفضول [٦] . قَالَ مُحَمَّد بْن عُمَرَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْن عَبْد اللَّه بْن عَوْفٍ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَاهِرٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْن مُطْعَمٍ [قَالَ:] [٧] قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 717

«مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِحِلْفٍ حَضَرْتُهُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ [١] بْنِ جُدْعَانَ حُمُرُ النَّعَمِ وَلَوْ دُعِيتُ لَهُ لأَجَبْتُ وَهُوَ حِلْفُ الْفُضُولِ» [٢] . [قَالَ مُحَمَّد بْن سعد] [٣] قَالَ ابن عمر: ولا يعلم أحد سبق بني هاشم بهذا الحلف [٤] . ومن الحوادث من هَذِهِ السنة [٥] : أَنْبَأَنَا عبد الوهاب بن المبارك قال: أخبرنا عاصم بن الحسين قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَن بْن بشران قَالَ: أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ قَالَ: سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ عَنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وآله وَأَزْوَاجِهِ ﵃: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَكَى وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةٍ إِلَى عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: «إِنِّي مُنْذُ لَيَالٍ يَأْتِينِي آَتٍ مَعَهُ صَاحِبَانِ فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ وَيَقُولُونَ: هُوَ هُوَ وَلَمْ يَأْنِ لَهُ. فَإِذَا كَانَ رَأْيُكَ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ سَاكِتٌ فَقَدْ هَالَنِي ذَلِكَ» . فَقَالَ: يَا بْنَ أَخِي، لَيْسَ بِشَيْءٍ حَلِمْتُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «يَا عَمُّ، سَطَا بِي الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَوْفِي حَتَّى إِنِّي لأَجِدُ بَرْدَهَا» . فَخَرَجَ بِهِ عَمُّهُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَتَطَبَّبُ بِمَكَّةَ، فَحَدَّثَهُ، وَقَالَ: عَالِجْهُ. فَصَوِّبْ بِهِ، وَصَعَدَ وكشف عَنْ قَدَمَيْهِ، وَكَشَفَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَقَالَ: يَا عَبْدَ مَنَافٍ، ابْنُكَ هَذَا طَيِّبٌ طَيِّبٌ، لِلْخَيْرِ فِيهِ عَلامَاتٌ، إِنْ ظَفَرَتْ بِهِ يَهُودٌ قَتَلَتْهُ، وَلَيْسَ الَّذِي يَرَى مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَكِنَّهُ مِنَ النَّوَامِيسِ الَّذِينَ يَتَجَسَّسُونَ الْقُلُوبَ لِلنُّبُوَّةِ. فَرَجَعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَمَا أَحْسَسْتُ حِسًّا مَا شَاءَ اللَّهُ، حَتَّى رَأَيْتُ فِي مَنَامِي رَجُلا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مِنْكَبِي، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَأَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ قَالَ: قلب طيب في جسد

стр. 718

طَيِّبٍ. ثُمَّ رَدَّهُ، فَاسْتَيْقَظْتُ» قَالَ: «ثُمَّ رَأَيْتُ وَأَنَا نَائِمٌ سَقْفَ الْبَيْتِ الَّذِي أنا فِيهِ نُزِعَتْ مِنْهُ خَشَبَةٌ، وَأُدْخِلَ سُلَّمٌ فِضَّةٌ، وَنَزَلَ مِنْهُ رَجُلانِ، أَحَدُهُمَا جَانِبًا وَالآَخَرُ إِلَى جَنْبِي، فَنَزَعَ ضِلْعَ جَنْبِي، ثُمَّ اسْتَخْرَجَ قَلْبِي، فَقَالَ: نِعْمَ الْقَلْبُ قَلْبُهُ، قَلْبُ رَجُلٍ صَالِحٍ، وَنَبِيٍّ مُبَلِّغٍ، ثُمَّ رَدَّا قَلْبِيَ إِلَى مَكَانِهِ وَضِلْعِي، ثُمَّ صَعَدَا وَالسَّقْفُ عَلَى حَالِهِ، فَشَكَوْتُ إِلَى خَدِيجَةَ فَقَالَتْ: لا يَصْنَعُ اللَّهُ بِكَ إِلا خَيْرًا» . قَالَ مؤلف الكتاب: وسنة إحدى، واثنتين، وثلاث وأربع لم يجز ما يكتب قاسقطته [١] . ذكر الحوادث التي كانت فِي سنة خمس وعشرين من مولده ﷺ [٢] فمن ذلك: «خروجه إِلَى الشام فِي المرة الثانية [٣] فِي تجارة لخديجة وتزويجه بها ﵂ . أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ [٤] الْبَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ [٥] الجوهري قَالَ: أخبرنا أبو عمرو بن حيوية قال: أخبرنا أحمد بن معروف الخشاب قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال: أخبرنا محمد بن سعد قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ [٦] قَالَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ شَيْبَةَ، عَنْ عُمَيْرَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أُمِّ سَعْدٍ بِنْتِ سعد بن الرّبيع، عن نفيسة بنت منية أُخْتِ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ قَالَتْ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً قَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: أَنَا رجل فقير [٧] لا مال لِي، وَقَدِ اشْتَدَّ الزَّمَانُ عَلَيْنَا، وَهَذِهِ عِيرُ قَوْمِكَ قَدْ حَضَرَ خُرُوجُهَا إِلَى الشَّامِ، وَخَدِيجَةُ

стр. 719

بِنْتُ خُوَيْلِدَ تَبْعَثُ رِجَالا مِنْ قَوْمِكَ فِي عِيرَاتِهَا [١] ، فَلَوْ جِئْتَهَا فَعَرَضْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهَا لأَسْرَعَتْ إِلَيْكَ، فَبَلَغَ خَدِيجَةَ مَا كَانَ مِنْ مُحَاوَرَةِ عَمِّهِ لَهُ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَقَالَت: أنا أعطيك ضعف ما أعطي رَجُلا مِنْ قَوْمِكَ. فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: هَذَا رِزْقٌ قَدْ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، فَخَرَجَ مَعَ غُلامِهَا مَيْسَرَةَ، وَجَعَلَ عُمُومَتُهُ يُوصُونَ بِهِ أَهْلَ الْعِيرِ حَتَّى قَدِمَا بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَنَزَلا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فَقَالَ نَسْطُورُ الرَّاهِبُ: مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ قَطُّ إِلا نَبِيٌّ، ثُمَّ قَالَ لِمَيْسَرَةَ: أَفِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، لا تُفَارِقُهُ. قَالَ: هُوَ نَبِيٌّ، وَهُوَ آخِرُ الأَنْبِيَاءِ. ثُمَّ بَاعَ سِلْعَتَهُ، فَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ تَلاحٍ فَقَالَ لَهُ: احْلِفْ بِاللاتِ وَالْعُزَّى. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا حَلَفْتُ بِهِمَا قَطُّ،. وَإِنِّي لأَمُرُّ فَأُعْرِضُ [٢] عَنْهُمَا» فَقَالَ الرَّجُلُ: الْقَوْلُ قَوْلُكَ، ثُمَّ قَالَ لِمَيْسَرَةَ: هَذَا وَاللَّهِ نَبِيٌّ تَجِدُهُ أَحْبَارُنَا [٣] مَنْعُوتًا فِي كُتُبِهِمْ، وَكَانَ مَيْسَرَةُ إِذَا كَانَتِ الْهَاجِرَةُ، وَاشْتَدَّ الْحَرُّ يَرَى مَلَكَيْنِ يُظِلانِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الشَّمْسِ، فَوَعَى ذَلِكَ كُلَّهُ مَيْسَرَةُ، وَبَاعُوا تِجَارَتَهُمْ وَرَبِحُوا ضِعْفَ مَا كَانُوا يَرْبَحُونَ، وَدَخَلَ مَكَّةَ فِي [٤] سَاعَةِ الظَّهِيرَةِ، وَخَدِيجَةُ فِي عُلَيَّةٍ لَهَا فَرَأَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَمَلَكَانِ يُظِلانِ عَلَيْهِ، فَأَرَتْهُ نِسَاءَهَا فَعَجِبْنَ لِذَلِكَ، وَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَبَّرَهَا بِمَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتِهِمْ وَوَجْهِهِمْ، فَسُرَّتْ بِذَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا مَيْسَرَةُ أَخْبَرَتْهُ بِمَا رَأَتْ فَقَالَ: قد رأيت [٥] هذا منذ خرجنا من الشَّامَ، وَأَخْبَرَهَا بِمَا قَالَ الرَّاهِبُ نَسْطُورُ، وَبِمَا قَالَ الآخَرُ الَّذِي خَالَفَهُ فِي الْبَيْعِ. وَكَانَتْ خَدِيجَةُ امْرَأَةٌ حَازِمَةٌ جَادَّةٌ شَرِيفَةٌ، مَعَ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَا مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْخَيْرِ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ أَوْسَطُ قُرَيْشٍ نَسَبًا، وَأَعْظَمُهُمْ شَرَفًا وَأَكْثَرُهُمْ مَالا، وَكُلُّ قَوْمِهَا [٦] كَانَ حَرِيصًا عَلَى نِكَاحِهَا لو قدر على ذلك، قد طلبوا [ذلك] [٧]

стр. 720

وبذلوا الأموال، فأرسلتني دسيسا إلى محمد ﷺ بَعْدَ أَنْ رَجَعَ مِنَ الشَّامِ، فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزَوَّجَ؟ قَالَ: مَا بِيَدِي مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ. قُلْتُ: فَإِنْ كُفِيتَ ذَلِكَ وَدُعِيتَ إِلَى الْجَمَالِ وَالْمَالِ وَالشَّرَفِ وَالْكَفَاءَةِ أَلا تُجِيبَ؟ قَالَ: فَمَنْ هِيَ؟ قُلْتُ: خَدِيجَةَ. قَالَ: وَكَيْفَ لِي بِذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: عَلَيَّ قَالَ: افْعَلْ، فَذَهَبْتُ فَأَخْبَرْتُهَا فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنِ ائْتِ السَّاعَةَ كَذَا وَكَذَا. فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَمِّهَا عَمْرِو بْنِ أَسَدٍ لِيُزَوِّجَهَا. فَحَضَرَ وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عُمُومَتِهِ، فتزوّجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذ بِنْتُ أَرْبَعِينَ سَنَةً [١] . وَقَدِ روى قوم [٢] : أن خديجة سقت أباها الخمر فلما صحا ندم. قَالَ الواقدي: هَذَا غلط والصحيح عندنا المحفوظ عند أهل العلم [٣] أن عمها زوجها، وأن أباها مات قبل الفجار. وذكر ابن فارس: أن أبا طالب خطب يومئذ فَقَالَ: الحمد للَّه الذي جعلنا من ذرية إِبْرَاهِيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ [٤] معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة [٥] بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوبا، وحرما آمنا، وجعلنا الحكام عَلَى الناس. ثم إن ابن أخي هَذَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه لا يوزن به رجل إلا رجح به، وإن كان فِي المال قل فإن المال ظل [٦] زائل، وأمر حائل، ومُحَمَّد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي، وهو والله بعد هَذَا له نبأ عظيم، وخطر جليل. فتزوجها رسول اللَّه ﷺ ، وكانت خديجة [٧] قد ذكرت أول ما ذكرت للأزواج

стр. 721

لورقة بْن نوفل، فلم يقض بينهما نكاح، فتزوجها أَبُو هالة، واسمه: هند، وقيل: مالك بن النباش [١] ، فولدت له هند وهالة و [هما] [٢] ذكران، ثم خلف عليها بعده عتيق بْن عائذ المخزومي، فولدت له جارية اسمها: هند. وبعضهم يقدم عتيقا عَلَى أبي هالة ثم تزوجها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَالَ ابن إِسْحَاق: فولدت له ولده كلهم إلا إِبْرَاهِيم: زينب ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، والقاسم وبه كان يكنى، والطاهر، والطيب. وهلك هَؤُلاءِ الذكور فِي الجاهلية، وأدرك الإناث الْإسْلَام فأسلمن وهاجرن معه. وَقَالَ غيره [٣] : الطيب والطاهر: لقبان لعبد الله، وولد فِي الإسلام. وأما منزل خديجة فإنه يعرف بها اليوم، اشتراه معاوية فيما ذكر، فجعله مسجدا يصلي فِيهِ الناس وبناه عَلَى الذي هو عَلَيْهِ اليوم، ولم يغيره. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال: أخبرنا محمد بن سعد قال: أخبرنا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [٤] قَالَ: كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ وُلِدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ: الْقَاسِمُ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ زَيْنَبُ، ثُمَّ رُقَيَّةُ، ثُمَّ فَاطِمَةُ، ثُمَّ أُمُّ كُلْثُومٍ، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ فِي الإِسْلامِ عَبْدُ اللَّهِ فَسُمِّيَ الطَّيِّبُ وَالطَّاهِرُ، وَأُمُّهُمْ جَمِيعًا خَدِيجَةُ بِنْتُ [خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ] [٥] ، وَأُمُّهَا فاطمة بنت زائدة بن الأَصَمِّ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ مِنْ وَلَدِهِ: القاسم، ثم

стр. 722

مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بِمَكَّةَ، فَقَالَ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ: قَدِ انْقَطَعَ وَلَدُهُ فَهُوَ أَبْتَرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ١٠٨: ٣ [١] . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَاتَ الْقَاسِمُ وَهُوَ ابْنُ سَنَتَيْنِ [٢] . وَقَالَ مُحَمَّد بْن عمر: وكانت سلمى مولاة صفية بنت عَبْد المطلب تقبل خديجة فِي ولادها [٣] ، وكانت تعق عَنْ كل غلام شاتين، وعن الجارية شاة [وكان] بين كل ولدين [٤] لها سنة، وكانت تسترضع لهم، وتعد ذلك قبل ولادتها [٥] . ذكر الحوادث فِي سنة اثنتين وثلاثين من مولده ﷺ [٦] فيها: خلعت الروم ملكها واسمه [٧] موريق، وملكوا مكانه فوقا، ثم قتلوه، وأبادوا ورثته [٨] سوى ابن له هرب إِلَى كسرى فآواه، وتوجه. وملكه عَلَى الروم، ووجه [٩] معه ثلاثة نفر من قواده من جنود كثيفة [١٠] ، أما أحدهم فكان يقال له: رميوزان، ووجهه [١١] إِلَى بلاد الشام فدوخها حَتَّى انتهى إِلَى أرض [١٢] فلسطين [وورد مدينة بيت المقدس] [١٣]

стр. 723

وأخذ أسقفها ومن كان فيها من القسيسين وسائر النصارى بخشبة الصليب، وكانت قد دفنت فِي بستان فِي تابوت من ذهب، وزرع فوقها مبقلة، فدلوه عليها، فحفر فاستخرجها، وبعث بها إِلَى كسرى فِي سنة أربع وعشرين من ملكه [١] وأما القائد الآخر: فكان يقال له شاهين، فسار حَتَّى احتوى عَلَى مصر والإسكندرية وبلاد النوبة، وبعث إِلَى كسرى بمفاتيح [مدينة] [٢] إسكندرية فِي سنة ثمان وعشرين من ملكه. وأما القائد الثالث فكان يقال له: فرهان، فإنه قصد القسطنطينية حَتَّى أناخ عَلَى ضفة الخليج القريب منها [وخيم هنالك] [٣] فأمره كسرى فخرب بلاد الروم غصبا [٤] مما انتهكوا من موريق [وانتقاما له منهم، ولم يخضع لابن موريق] [٥] من الروم أحد، غير أنهم قتلوا فوقا، وملّكوا عليهم رجلا يقال له: هرقل فلما رأى هرقل ما فيه الروم من تخريب فارس بلادهم، وقتلهم إياهم، وسبيهم لهم، تضرع إِلَى اللَّه تعالى وسأله أن ينقذه وأهل مملكته من جنود فارس، فرأى من منامه [٦] رجلا ضخم الجثة عَلَيْهِ بزة، قائما فِي ناحية، فدخل عليهما داخل، فألقى ذلك الرجل عَنْ مجلسه، وَقَالَ لهرقل: إني قد أسلمته فِي يدك. فلم يقصص رؤياه تلك فِي يقظته [٧] عَلَى أحد، فرأى الثانية فِي منامه أن الرجل الذي رآه فِي نومه جالسا فِي مجلس رفيع، وأن الرجل الداخل عليهما أتاه وبيده سلسلة طويلة فألقاها فِي عنق صاحب المجلس وأمكنه منه [٨] ، وقال له: ها أنا ذا قد دفعت إليك كسرى برمته فأغزه فإن شئت [٩] فإنك مدال عَلَيْهِ، ونائل أمنيتك فِي غزاتك

стр. 724

فلما تتابعت عَلَيْهِ هَذِهِ الأحلام قصها عَلَى عظماء الروم وذوي الرأي منهم فأشاروا عَلَيْهِ أن يغزوه، فاستعد هرقل واستخلف ابنا له عَلَى مدينة قسطنطينية، فسار حَتَّى أوغل [١] فِي بلاد أرمينية ونزل نصيبين بعد سنة، فلما بلغ كسرى نزول هرقل فِي جنوده بنصيبين وجّه لمحاربته رجلا من قواده يقال له: راهزار فِي اثني عشر ألف فارس، وأمره [٢] أن يقيم بنينوى فِي مدينة [٣] الموصل عَلَى شاطئ دجلة، ويمنع الروم أن تجوزها، فنفذ راهزار لأمر كسرى وعسكر حيث أمره، فقطع هرقل دجلة فِي موضع آخر إِلَى الناحية التي كان فيها جند فارس [٤] ، فأذكى راهزار عَلَيْهِ العيون، وأخبروه أنه فِي سبعين ألفا وأيقن بالعجز عنه، فكتب إِلَى كسرى يخبره بعجزه، وكتب كسرى: إنكم إن عجزتم عَنِ الروم لم تعجزوا عَنْ بذل دمائكم فِي طاعتي، فناهض الروم، فقتل ومعه ستة آلاف رجل وانهزم الباقون، فبلغ ذلك كسرى فتهيأ [٥] وتحصن بالمدائن لعجزه، وسار هرقل حَتَّى قارب المدائن، فلما استعد [٦] كسرى لقتاله انصرف إِلَى أرض الروم [٧] . قَالَ عكرمة [٨] : كانت فِي فارس امرأة لا تلد إلا الأبطال، فدعاها كسرى، فَقَالَ: إني أريد أن أبعث إِلَى الروم جيشا وأستعمل عليهم رجلا من بنيك فأشيري علي أيهم أستعمل. فقالت: هَذَا فرخان أنفذ من سنان، وهذا شهربراز [٩] أحلم من كذا. قَالَ: فإني قد استعملت الحليم، فاستعمل شهربراز، فسار إِلَى الروم بأرض فارس وظهر عليهم، فقتلهم وخرب مدائنهم، وقطع زيتونهم. فلما ظهرت فارس [عَلَى الروم] [١٠] جلس فرخان يشرب، فَقَالَ لأصحابه: رأيت

стр. 725

كأني جالس عَلَى سرير كسرى، فبلغت كسرى فكتب إِلَى شهربراز إذا أتاك كتابي هَذَا فابعث إليَّ برأس فرخان. فكتب إليه: أيها الملك إنك لن تجد مثل فرخان، إن له نكاية وصوتا فِي العدو فلا تفعل. فكتب إليه: إن فِي رجال فارس خلفا منه، فعجل علي برأسه. فراجعه، فغضب كسرى ولم يجبه، وبعث بريدا إِلَى أهل فارس: إني قد نزعت عنكم شهربراز، واستعملت عليكم فرخان. ثم دفع إِلَى البريد صحيفة أخرى صغيرة، وَقَالَ: إذا ولي فرخان الملك وانقاد له أخوه، فأعطه [هَذِهِ الصحيفة] [١] . فلما قرأ شهربراز الكتاب، قَالَ: سمعا وطاعة، ونزل عَنْ سريره وجلس فرخان، فدفع الصحيفة إِلَيْهِ فَقَالَ: ائتوني بشهربراز فقدمه ليضرب عنقه. فَقَالَ: لا تعجل علي حَتَّى أكتب وصيتي، قَالَ: نعم. فدعا بالسفط فأعطاه ثلاث صحائف، وَقَالَ: كل هَذَا راجعت فيك الملك، وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد! فرد الملك إِلَى أخيه، وكتب شهربراز إِلَى قيصر ملك الروم: إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد، ولا تبلغها الصحف، فالقني، ولا تلقني إلا فِي خمسين روميا، فإني ألقاك فِي خمسين فارسيا. فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي وجعل يضع العيون بين يديه فِي الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به، حَتَّى أتته عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلا، ثم بسط لهما والتقيا فِي قبه ديباج ضربت لهما مع كل واحد منهما سكين، فدعا ترجمانا بينهما، فَقَالَ شهربراز: إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا، فأراد أن أقتل أخي، فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني، فقد خلعناه جميعا، فنحن نقاتله معك. قَالَ: قد أصبتما، ثم أسر أحدهما إِلَى صاحبه: أن السر بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فشا. قَالَ: أجل، فقتلا الترجمان جميعا بسكينيهما، فكان هَذَا أحد أسباب هلاك كسرى [٢] . ذكر الحوادث سنة خمس وثلاثين من مولده ﷺ [٣] فِي هَذِهِ السَّنَةِ: هدمت قريش الكعبة .

стр. 726

قَالَ ابن إِسْحَاق: كانت الكعبة رضما [١] فوق القامة، فأرادت قريش رفعها وتسقيفها، وكان نفر من قريش وغيرهم قد سرقوا كنز الكعبة، وكان يكون فِي [بئر فِي جوف الكعبة] [٢] فهدموها لذلك، وذلك فِي سنة خمس وثلاثين من مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّه [٣] ﷺ . وَرَوَى هشام بْن مُحَمَّد عَنْ أبيه قَالَ: كان إِبْرَاهِيم وابنه إسماعيل يليان البيت، وبعد إِسْمَاعِيل ابنه بنت، ثم مات نبت ولم يكثر ولد إسماعيل فغلبت جرهم عَلَى ولاية البيت، فَقَالَ عمرو بْن الحارث بْن مضاض من ذلك [٤] : وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر [٥] وكان أول من ولي البيت من جرهم مضاض، ثم وليه بعده بنوه كابرا عَنْ كابر، حَتَّى بغت جرهم بمكة واستحلوا حرمتها، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى إليها، وظلموا من دخل مكة، ثُمَّ لم يتناهوا حَتَّى جعل الرجل [منهم] إذا لم يجد [٦] مكانا يزني فيه دخل الكعبة فزنى. فزعموا أن إسافا بغى بنائلة فِي جوف الكعبة فمسخا حجرين، وكانت مكة فِي الجاهلية لا ظلم فيها ولا بغي، ولا يستحل حرمتها ملك إلا هلك مكانه [٧] ، فكانت تسمى: الباسة [٨] ، وتسمى: بكة، كانت تبك [٩] أعناق الجبابرة [١٠] الذين يبغون فيها، ولما

стр. 727

لم تنته جرهم عَنْ بغيها، وتفرق أولاد عمرو بْن عامر عَنِ اليمن، فانخزع بنو حارثة بْن عَمْرو قاطنو تهامة، فسميت خزاعة، لأنهم انخزعوا، وبعث اللَّه [١] عَلَى جرهم الرعاف والنمل، فأفناهم، فاجتمعت خزاعة ليجلوا من بقي، ورئيسهم يومئذ عمرو بْن ربيعة بْن حارثة، وأمه فهيرة بنت عامر بْن الحارث [بْن مضاض] [٢] ، فاقتتلوا، فلما أحس عامر بالهزيمة خرج بغزالي الكعبة وحجر الركن [٣] ، وجعل يلتمس التوبة، فلم تقبل توبته، فألقى غزالي الكعبة وحجر الركن فِي زمزم، وخرج من بقي من جرهم إِلَى أرض الحبشة [٤] . فجاءهم سيل فذهب بهم [٥] . وولي البيت عمرو بْن ربيعة. وقيل: بل وليه عمرو بْن الحارث الغساني. فَقَالَ عمرو بْن الحارث فِي ذلك: كأن لم يكن بين الحجون إِلَى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالي والجدود العواثر [٦] وَقَالَ عمرو أيضا: يا أيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا [حثوا المطي وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقضونا] [٧] كنا أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهر فأنتم كما كنا تكونونا [٨] . وكان يقول: اعملوا لآخرتكم، وأفرغوا من حوائجكم فِي الدنيا. فوليت خزاعة البيت، غير أنه كان فِي قبائل مضر ثلاث خلال: الإجارة بالحج

стр. 728

للناس من عرفة، وكان ذلك إِلَى الغوث بْن مر، وهو صوفة، فكانت إذا كانت الإجارة قالت العرب: أجيري صوفة [١] . والثانية: الإفاضة من جمع غداة النحر إِلَى منى، فكان ذلك إِلَى بني زيد بْن غزوان، فكان آخر من ولي ذلك منهم أَبُو سيارة عميلة بْن الأعزل بْن خالد بْن سعد بْن الحارث بْن وابش بْن زيد. والثالثة: النسيء للشهور الحرم، وكان ذلك إِلَى القلمس، وهو حذيفة بْن فقيم بْن عدي من بني مالك بْن كنانة، ثم فِي بيته حَتَّى صار ذلك إِلَى جرهم أبي ثمامة، وهو جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بْن حذيفة فقام عَلَيْهِ [٢] الإسلام [فلما] [٣] كثرت معه تفرقت [٤] . وأما قريش: فلم يفارقوا مكة، فلما حفر عَبْد المطلب زمزم وجد غزالي الكعبة اللذين كانت جرهم دفنتهما فيه، فاستخرجهما. قَالَ ابن إِسْحَاق: وكان الذي وجد عنده كنز الكعبة دويك مولى لبني ملج من خزاعة، فقطعت قريش يده، وكان البحر قد رمى سفينة إِلَى جدة، فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطي نجار، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم، فتتشرق عَلَى جدار الكعبة [٥] ، وكانوا يهابونها، ذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألت وكشت [٦] وفتحت فاها، فبينا هي يوما تتشرق عَلَى جدار الكعبة، بعث اللَّه عليها طائرا فاختطفها، فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون اللَّه قد رضي ما أردنا عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحيّة [٧] .

стр. 729

وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة، ورسول اللَّه ﷺ عامئذ ابن خمس وثلاثين سنة، فلما أجمعوا [١] أمرهم فِي هدمها وبنائها، قام أَبُو وهب بْن عمرو بْن عمير [٢] بْن عائذ بْن عِمْرَانَ بْن مخزوم، فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حَتَّى رجع إِلَى موضعه، فَقَالَ: يا [معشر] [٣] قريش، لا تدخلوا فِي بنائها من كسبكم إلا طيبا، ولا تدخلوا فيها [مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا] [٤] مظلمة أحد من الناس. قَالَ: والناس يبخلون هَذَا الكلام للوليد بن المغيرة، وأبي وهب خال [أبي] [٥] رسول الله ﷺ [٦] : ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه. فَقَالَ الوليد بْن المغيرة: أنا أبدأ فِي هدمها فأخذ المعول، ثم قام عليها وهو يقول: اللَّهمّ لا ترع اللَّهمّ لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية [٧] الركنين فتربص الناس به تلك الليلة، وَقَالُوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شَيْء [٨] ، فقد رضي اللَّه ما صنعناه. فأصبح الوليد غاديا عَلَى عمله، فهدم والناس معه، وتحرك حجر فانتقضت مكة [٩] بأسرها وما زالوا حَتَّى انتهى الهدم إِلَى الأساس، فأفضوا إِلَى حجارة خضر كأنها أسنمة ثم بنوا، حَتَّى إذا بلغ البنيان موضع الركن اختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه، حَتَّى تواعدوا للقتال، وقربت بنو عَبْد الدار جفنة مملوءة دما، وأدخلوا أيديهم فِي الدم، وتعاقدوا عَلَى الموت، فسموا لعقة الدم، فمكثوا أربع ليال أو خمس ليال كذلك، ثم تشاوروا وكان أَبُو أمية بْن المغيرة أمير قريش [حينئذ] [١٠] فَقَالَ: اجعلوا بينكم أوّل من يدخل من

стр. 730

باب هَذَا المسجد، فكان أول من دخل عليهم رسول الله ﷺ ، فلما رأوه قالوا: هَذَا الأمين، قد رضينا به، هَذَا مُحَمَّد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قَالَ: «هلم إلي ثوبا. فأتي به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قَالَ: «لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم قَالَ: «ارفعوه جميعا» حَتَّى إذا بلغوا به موضعه وضعه بيده، ثم بنى [١] عَلَيْهِ وكانت قريش تسمي رسول اللَّه ﷺ قبل أن ينزل الوحي: الأمين [٢] . أَخْبَرَنَا أبو بكر بن أبي طاهر قال: أخبرنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ حَيُّوِيَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قَالَ: حدثنا محمد بن سعد. قال: أخبرنا محمد بن عُمَرَ بْنِ وَاقِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْهُذَلِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْهُذَلِيُّ، عَنْ أَبِي غَطَفَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [٣] قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ قالوا: كَانَتِ الْجَرْفُ [٤] مُطِلَّةٌ عَلَى مَكَّةَ، وَكَانَ السَّيْلُ يَدْخُلُ [٥] مِنْ أَعْلاهَا حَتَّى يَدْخُلَ الْبَيْتَ، فَانْصَدَعَ فَخَافُوا أَنْ يَنْهَدِمَ، وَسُرِقَ مِنْهُ حُلِيُّهُ وَغَزَالٌ مِنْ ذَهَبٍ كَانَ عَلَيْهِ دُرٌّ وَجَوْهَرٌ، وَكَانَ مَوْضُوعًا بِالأَرْضِ، فَأَقْبَلَتْ سَفِينَةٌ فِي الْبَحْرِ فِيهَا رُومٌ، وَرَأْسُهُمْ بَاقُومُ، وَكَانَ بَانِيًا فَجَنَحَتْهَا الرِّيحُ إِلَى الشُّعَيْبَةِ، وَكَانَتْ مَرْسَى [٦] السُّفُنِ قَبْلَ جِدَّةَ فَتَحَطَّمَتِ السَّفِينَةُ، فَخَرَجَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةَ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى السَّفِينَةِ [٧] فَابْتَاعُوا خَشَبَهَا وَكَلَّمُوا الرُّومِيَّ بَاقُومَ، فَقَدِمَ مَعَهُمْ، وَقَالُوا: لَوْ بَنَيْنَا بَيْتَ رَبِّنَا. فَأَمَرُوا بِالْحِجَارَةِ تُجْمَعُ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ معهم- وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين

стр. 731

سنة- وَكَانُوا يَضَعُونَ أُزُرَهُمْ عَلَى [١] عَوَاتِقِهِمْ، وَيَحْمِلُونَ الْحِجَارَةَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلُبِطَ بِهِ وَنُودِيَ: عَوْرَتُكَ فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلُ مَا نُودِيَ. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: يَا ابْنَ أَخِي، اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَأْسِكَ، قَالَ: مَا أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي إِلا فِي تَعَدِّيِّ، فَمَا رُئِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَوْرَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى هَدْمِهَا قَالَ بَعْضُهُمْ: لا تُدْخِلُوا فِي بِنَائِهَا مِنْ كَسْبِكُمْ إِلا طَيِّبًا مَا لَمْ تَقْطَعُوا فيه رَحِمًا، وَلَمْ تَظْلِمُوا فِيهِ أَحَدًا، فَبَدَأَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةَ بِهَدْمِهَا، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، ثُمَّ قَامَ عليها يطرح الحجارة وهو يقول: اللَّهمّ اللَّهمّ لا تُرَعْ إِنَّمَا نُرِيدُ الْخَيْرَ، فَهَدَمَ وَهَدَمَتْ مَعَهُ قُرَيْشٌ، ثُمَّ أَخَذُوا فِي بِنَائِهَا وَمَيَّزُوا الْبَيْتَ وَاقْتَرَعُوا عَلَيْهِ، فَوَقَعَ لِعَبْدِ مَنَافٍ وزهرة ما بين الركن الأَسْوَدِ إِلَى رُكْنِ [٢] الْحَجَرِ وَجْهُ الْبَيْتِ، وَوَقَعَ لِبَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَبَنِي عَبْدِ الدَّارِ مَا بَيْنَ رُكْنِ الْحَجَرِ إِلَى [رُكْنِ الْحَجَرِ الآخَرِ، وَوَقَعَ لِتَيْمٍ وَمَخْزُومٍ مَا بَيْنَ ركن الحجر إلى الركن] [٣] الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ. وَوَقَعَ لِسَهْمٍ وَجُمَحٍ وَعَدِيٍّ وَعَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ إِلَى الرُّكْنِ [٤] الأَسْوَدِ فَبَنَوْا، وَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى حَيْثُ يُوضَعُ الرُّكْنُ مِنَ الْبَيْتِ. قَالَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ: نَحْنُ أَحَقُّ بِوَضْعِهِ، فَاخْتَلَفُوا حَتَّى خَافُوا الْقِتَالَ، ثُمَّ جَعَلُوا بَيْنَهُمْ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، فَيَكُونُ هُوَ الَّذِي يَضَعُهُ قَالُوا: رَضِينَا وَسَلَّمْنَا [٥] . فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ [٦] ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا هُوَ [٧] الأَمِينُ قَدْ رَضِينَا بِمَا قَضَى [بَيْنَنَا] [٨] ، ثم أخبروه، فوضع رسول الله ﷺ رِدَاءَهُ وَبَسَطَهُ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ وَضَعَ الرُّكْنَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِيَأْتِ مِنْ كُلِّ رُبُعٍ مِنْ أَرْبَاعِ قُرَيْشٍ رَجُلٌ، وَكَانَ فِي رُبُعِ عَبْدِ مَنَافٍ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكَانَ فِي الربع الثاني: أبو زمعة، وكان من الرُّبُعُ الثَّالِثُ: أَبُو حُذَيْفَةَ [بْنُ الْمُغِيرَةِ] [٩] ، وَكَانَ في الربع الرابع: قيس بن

стр. 732

عَدِيٍّ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِزَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الثَّوْبِ، ثُمَّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا» . فَرَفَعُوهُ، ثُمَّ وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ فِي مَوْضِعِهِ ذَلِكَ، فَذَهَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ لِيُنَاوِلَ النَّبِيَّ ﷺ حَجَرًا يَشُدُّ بِهِ الرُّكْنَ [١] فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: لا، وَنَاوَلَ الْعَبَّاسُ حَجَرًا فَشَدَّ بِهِ الرُّكْنَ [٢] فَغَضِبَ النَّجْدِيُّ حِينَ نَحَّى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ : «إِنَّهُ لَيْسَ يَبْنِي مَعَنَا فِي الْبَيْتِ إِلا مِنَّا، ثُمَّ بَنَوْا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَوْضِعِ السَّقْفِ وَسَقَفُوا الْبَيْتَ وَبَنَوْهُ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ وَأَخْرَجُوا الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ [٣] . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَطَاءٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن أبي ربيعة، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ان قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ، وَلَوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ [٤] أَعَدْتُ فِيهِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ [مِنْ] [٥] بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمِّي أُرِيكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ» فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعِ أَذْرُعٍ فِي الْحَجَرِ. قَالَتْ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حَدِيثِهِ: «وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ فِي الأَرْضِ شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا أَتَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟ فَقُلْتُ: لا أَدْرِي، [فَقَالَ:] [٦] «تَعَزُّزًا أَلا يَدْخُلَهَا إِلا مَنْ أَرَادُوا» ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَرِهُوا أَنْ يَدْخُلَ تَرَكُوهُ حَتَّى إِذَا كَادَ يَدْخُلُ [٧] دَفَعُوهُ حَتَّى يَسْقُطَ [٨] . أَخْبَرَنَا إسماعيل بْن أحمد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو منصور بْن عَبْد العزيز العكبريّ قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: أَخْبَرَنَا عمر بْن الحسين الشيباني قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: أخبرني مُحَمَّد بْن صالح القرشي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أبي سبرة، عن أبي جعفر محمد بن علي [٩] قال:

стр. 733

بنيت الكعبة ورسول الله ﷺ ابن خمس وثلاثين سنة [١] . فصل [٢] في هذه السنة: ولدت فاطمة بْنت رسول اللَّه ﷺ . وفيها: مات زيد بْن عمرو بْن نفيل، وكان يطلب الدين وقدم الشام فسأل اليهود والنصارى عن الدين والعلم، فلم يعجبه دينهم فَقَالَ له رجل من النصارى: أنت تلتمس دين إِبْرَاهِيم. فَقَالَ زيد [٣] : وما دين إِبْرَاهِيم؟ قَالَ: كان حنيفا لا يعَبْد إلا اللَّه وحده لا شريك له، كان يعادي من عَبْد من دون اللَّه شيئا، ولا يأكل ما ذبح عَلَى الأصنام. فَقَالَ زيد: هَذَا الذي أعرف، وأنا عَلَى هَذَا الدين، فأما عبادة حجر أو خشبة أنحتها بيدي فهذا ليس بشَيْء. فرجع [٤] زيد إِلَى مكة، وهو عَلَى دين إِبْرَاهِيم، وكان يقول: هَذِهِ الشاة خلقها الله، وأنزل من السماء ماء فأنبت لها الأرض [٥] ثم تذبحونها عَلَى غير اسمه- ينكر عليهم ذلك- ولقي رَسُول اللَّه ﷺ فقدم إليه [رسول اللَّه ﷺ ] [٦] . سفرة فيها لحم فَقَالَ: إني لا آكل مما تذبحون عَلَى أصنامكم ولا آكل مما لم يذكر اسم اللَّه عَلَيْهِ [٧] . أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أبي طاهر قَالَ: أَخْبَرَنَا الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحسين بن الفهم قال: أخبرنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قَالَ: حدثني علي بْن عِيسَى الحكمي، عَنْ أبيه، عن عامر بن ربيعة قال:

стр. 734

كان زيد بْن عمرو بْن نفيل يطلب الدّين، وكره النصرانية واليهودية، وعبادة الأوثان. والحجارة، وأظهر خلاف قومه واعتزل آلهتهم، وما كان يعَبْد آباؤهم ولا يأكل ذبائحهم. فَقَالَ لي: يا عامر، إني خالفت قومي واتبعت ملة إِبْرَاهِيم، وما كان يعَبْد ولده إسماعيل من بعده. فَقَالَ: وكانوا يصلون إِلَى هَذِهِ القبلة، وأنا انتظر نبيا من ولد إسماعيل يبعث، ولا أراني أدركه، فأنا أؤمن به، وأصدقه، وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته، فأقرئه مني السَّلَامُ. قَالَ عامر: فلما تنبأ [١] رَسُولُ اللَّه ﷺ أَسْلَمْتَ وأخبرته بقول زيد وأقرأته منه السلام، فردّ عليه رسول الله السلام، وترحم عَلَيْهِ، وَقَالَ: «قد [٢] رأيته فِي الجنة يسحب ذيولا» [٣] . أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْفَقِيهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بن النقور قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنُ هَارُونَ الضَّبِّيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ التمار وقال: أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ [٤] قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو مرد في خَلْفَهُ، فَلَقِيَهُ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فقال له رسول الله: «ما لي أَرَى قَوْمَكَ قَدْ سَبَقُوكَ؟» قَالَ: لأَنِّي أَرَاهُمْ على ضلال، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي [٥] الدِّينَ، فَأَتَيْتُ عَلَى أَحْبَارِ يَثْرِبَ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي [٦] أَبْتَغِي فَخَرَجْتُ [حَتَّى أَحْبَارِ الشام، فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي أَبْتَغِي مِنَ الدِّينِ فَخَرَجْتُ] [٧] حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى أَحْبَارِ وَائِلَةَ فَوَجَدْتُهُمْ كَذَلِكَ، فَقَالَ لِي حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ أَهْلِ الشَّامِ: إِنَّكَ لتسأل عن دين ما نعلم أحدا

стр. 735

يَعْبُدُ اللَّهَ بِهِ إِلا شَيْخًا بِالْحِيرَةِ [فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَتَسْأَلُ عَنْ دِينٍ هُوَ دِينُ اللَّهِ وَدِينُ مَلائِكَتِهِ، وَإِنَّهُ خَرَجَ فِي زَمَانِكَ نَبِيٌّ- أَوْ خَارِجٌ-] [١] قَدْ خَرَجَ نَجْمُهُ، ارْجِعْ فَصَدِّقْهُ وَآمِنْ بِهِ. فَرَجَعْتُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَزَيْدٌ: «يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ» [٢] . قَالَ أَبُو داود: وَحَدَّثَنَا يحيى بْن معين قَالَ: حَدَّثَنَا الحجاج بْن مُحَمَّد قَالَ: أَخْبَرَنَا المسعودي، عن نفيل بْن هشام بْن سَعِيد بْن زيد، عَنْ جده قَالَ: خرج زيد بْن عمرو وورقة بْن نوفل يطلبان الدين، حَتَّى أتيا الشام فتنصر ورقة، ومضى زيد حتى انتهى إِلَى [٣] الموصل، فمر عَلَى راهب فَقَالَ له الراهب: من أين أقبل صاحب البعير؟ قال: من بني إِبْرَاهِيم. قَالَ: وما الذي تطلب؟ قَالَ: الدين. قَالَ، الذي تطلب يوشك أن يظهر بأرضك، فعاد فسجد نحو الكعبة. قَالَ أَبُو دَاوُدَ [٤] : وَأَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو وَوَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ ذَهَبَا نَحْوَ الشَّامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَلْتَمِسَانِ الدِّينَ، فَأَتَيَا عَلَى رَاهِبٍ فَسَأَلاهُ عَنِ الدِّينِ فَقَالَ: إِنَّ الدِّينَ الَّذِي تَطْلُبَانِ لَمْ يَجِئْ بَعْدُ وَهَذَا زَمَانُهُ، فَإِنَّ الدِّينَ يَخْرُجُ مِنْ قِبَلِ تَيْمَاءَ، فَرَجَعَا، فَقَالَ وَرَقَةُ: أَمَّا أَنَا قَائِمٌ عَلَى نَصْرَانِيَّتِي حَتَّى يُبْعَثَ هَذَا الدِّينُ وَقَالَ زَيْدٌ: أَمَّا أَنَا فَأَعْبُدُ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ حَتَّى يُبْعَثَ هَذَا الدِّينُ. وَمَاتَ زَيْدٌ فَرَثَاهُ وَرَقَةُ فَقَالَ [٥] : رَشَدْتَ وَأَنْعَمْتَ ابْنَ عَمْرٍو وَإِنَّمَا ... تجنبت تنورا من النار حاميا دعاءك رَبًّا لَيْسَ رَبٌّ كَمِثْلِهِ ... وَتَرْكُكَ أَوْثَانَ الطَّوَاغِي كَمَا هِيَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هشام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قالت:

стр. 736

لَقَدْ رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنَ نُفَيْلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا مِنْكُمُ الْيَوْمَ [أَحَدٌ] عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي. وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ: مَهْلا لا تَقْتُلْهَا، أَنَا أَكْفِيكَ مَئُونَتَهَا. فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لأَبِيهَا: إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ، وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا. ومن شعر زيد بْن عمرو بْن نفيل حيث يقول [١] : وأنت الذي من فضل من ورحمة ... بعثت إِلَى موسى رسولا مناديا فقلت له: فاذهب وهارون فادعوا ... إِلَى اللَّه فرعون الذي كان طاغيا وقولا له: أأنت أمسكت هَذِهِ ... بلا عمد أكرم بمن كان بانيا وقولا له أأنت سويت هَذِهِ ... بلا وتد حَتَّى استقرت كما هيا وقولا له من ينبت الحب فِي الثرى ... فتصبح منه البقل تهتز رابيا [٢] ومن شعره: [٣] وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرا ثقالا دحاها فلما رآها استوت ... عَلَى الماء أرسى عليها الجبالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الريح تصرف حالا فحالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا [٤] إذا هي سيقت إِلَى بلدة ... أناخت فصبت عليها سجالا ومن الحوادث فِي سنة ثمان وثلاثين من مولده ﷺ قال مؤلف الكتاب [٥] : فِي هَذِهِ السنة رأى الضوء والنور، وكان يسمع الصوت ولا يدري ما هو. أَخْبَرَنَا الْحُصَيْنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حدثني أبي قال: أخبرنا أبو كامل قال: حدثنا

стр. 737

حَمَّادٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [١] قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، سَبْعَ سِنِينَ يَرَى الضَّوْءَ وَالنُّورَ، وَيَسْمَعُ الصَّوْتَ، وَثَمَانِ سِنينَ يُوحَى إِلَيْهِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرًا. وَلَمْ يَقَعْ سنة تسع [وثلاثين] ما يكتب . ذكر الحوادث فِي سنة أربعين من مولده ﷺ [٢] فيها: قتل كسرى أبرويز النعمان بْن المنذر: فإنه غضب عَلَيْهِ فقتله قبل المبعث بتسعة أشهر. وكان السبب: أنه كان عند ملوك الأعاجم صفة من النساء مكتوبة عندهم، وكانوا يبعثون بتلك الصفة إِلَى الأرضين، غير أنهم لم يكونوا يتناولون أرض العرب بشَيْء من ذلك، فبدا للملك أن يطلب النساء، فكتب بتلك الصفة إِلَى الأرضين [٣] فَقَالَ زيد بْن عدي لأبرويز [٤] : عند عَبْدك النعمان بْن المنذر بنات عمه وأهل بيته أكثر من عشرين امرأة عَلَى هَذِهِ الصفة. قَالَ: فتكتب فيهن. قَالَ: لا تفعل أيها الملك، فإن شر شَيْء فِي العرب أنهم يتكرمون فِي أنفسهم عَنِ العجم، فأنا أكره أن يغيبهن. فبعث به إليه، فَقَالَ: إن الملك قد احتاج إِلَى نساء لأهله وولده، وأراد كرامتك. فَقَالَ: أما فِي عين السواد وفارس ما تبلغون به حاجتكم؟ ويعني بالعين: البقر [٥] ، ثم كتب إِلَى كسرى: إن الّذي طلب الملك ليس عندي، فسكت

стр. 738

كسرى عَلَى ذلك [١] شهرا، والنعمان يتوقع ويستعد، حَتَّى أتاه كتاب كسرى أن أقبل فللملك إليك حاجة، فحمل سلاحه وما قدر عَلَيْهِ [٢] ، فلحق بجبل طيِّئ فأبت طيِّئ أن تمنعه، وَقَالُوا: لا حاجة لنا بمعاداة كسرى ولم يقبله غير بني رواحة بْن عبس، فنزل بطن ذي قار، ثم رأى أنه لا طاقة لَهُ بكسرى فرحل إليه، فلما بلغ كسرى مجيئه قَالَ: اجعلوا عَلَى طريقة ألف [٣] جارية عذراء فِي قمص رقاق وغيبوا عنهن الناس إلا الخصيان، فأقبل ينظر إليهن حَتَّى وقف بين يدي كسرى وبينهما ستر [رقيق] [٤] فَقَالَ: إن الذي بلغك عني [٥] باطل: فَقَالَ كسرى، حسبي ما سمع به [٦] الناس. ثم أمر به فقيد وبعث إِلَى خانقين، فلم يزل فِي السجن حَتَّى وقع طاعون فمات به [٧] . وقيل: بل رماه بين يدي الفيلة فداسته [حَتَّى هلك] [٨] . فَقَالَ الشاعر فيه: لهفي عَلَى النعمان من هالك ... لم نستطع تعداد ما فيه لم تبكه هند ولا أختها ... حرقة واستعجم ناعيه بين فيول الهند يخبطنه ... مختبطا تدني نواحيه [٩] وَرَوَى عَبْد اللَّه بْن عَبْد الحميد الدمشقي قَالَ [١٠] : كان للنعمان بْن المنذر يومان [١١] : يوم بؤس ويوم كرم، وكان لا يأخذ أحدا يوم بؤسه إلا قتله، فأتي برجل يوم

стр. 739

بؤسه، فَقَالَ له، أما علمت أن هَذَا يوم بؤسي!؟ قَالَ: بلى. قَالَ [١] : فما حملك عَلَى ذلك وأنت تعلم أني أقتلك؟ قَالَ: أيها الملك إن لي ابنة عم ميعادي وإياها اليوم، فعرضت عَلَى نفسي أن [٢] أتخلف مع الحياة، أو أخرج فأنال حاجتي وأقتل فاختارت الخروج مع القتل. قال النعمان: فاذهبوا به فاضربوا عنقه. فَقَالَ الرجل: أيها الملك دعني أذهب فأنال حاجتي وشأنك والقتل. قَالَ: ومن يضمن لي أن ترجع إلي [٣] . فالتفت إِلَى كاتب النعمان فَقَالَ: هَذَا يضمنني. قَالَ: أتضمنه قَالَ: نعم. قَالَ: إن [لم] [٤] يجيء قتلتك. قَالَ: نعم. فضرب له النعمان أجلا وخلى سبيله، ثم إن الرجل أتى بعد ذلك فَقَالَ له النعمان: ما حملك عَلَى المجيء وأنت تعلم أني أقتلك؟ قَالَ، خفت [٥] أن يقال ذهب الوفاء. فالتفت إِلَى كاتبه وَقَالَ له: ما حملك عَلَى أن تضمن من لا تعرف وأنت تعلم أنه إن لم يعد قتلتك [٦] . قَالَ: أيها الملك، خفت [٧] أن يقال ذهب الكرم. قَالَ النعمان: وأنا أيضا أخاف [٨] أن يقال: ذهب العفو، خلوا سبيله. أَخْبَرَنَا سَعِيد بْن أحمد بْن الحسن البناء قَالَ: أَخْبَرَنَا عَاصِم بْنُ الْحَسَنَ قَالَ: أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: حدثنا الحسين بْن صفوان قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر القرشي [٩] قَالَ: حدثني عَبْد الرَّحْمَن بْن عبيد الله بْن قريب الأصمعي قَالَ: أَخْبَرَنَا عمي قَالَ: أَخْبَرَنَا عامر بْن عَبْد الملك قَالَ: خرج زياد حَتَّى أتى حرقة ابنة النعمان بْن المنذر، وقد لبست المسوح، فَقَالَ: حدثيني عَنْ أهلك، فقالت: أصبحنا وما فِي العرب أحد إلا يرجونا أو يخافنا، وأمسينا وما في العرب أحدّ إلا يرحمنا.

стр. 740

قَالَ القرشي: وحدثني أحمد بْن الوليد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ زيد قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بْن حرملة، عَنْ مالك بْن مغول، عَنِ الشعبي، عَنْ إِسْحَاق بْن طلحة قَالَ: دخلت عَلَى حرقة بنت النعمان، وقد ترهبت فِي دير لها بالحيرة، وهي فِي ثلاثين جارية لم ير مثل حسنهن. فقلت: يا حرقة، كيف رأيت عثرات الملك؟ قالت: الذي نحن فيه اليوم خير مما كُنَّا فيه أمس.، وأنشدت تقول: وبتنا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة تتنصف. فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب أحيانا بنا وتصرف. وذلك أنه لما هلك النعمان بْن المنذر قيل لكسرى: إن ماله وبيته عند هانئ بْن مسعود البكري، فكتب [١] إليه كسرى ليبعث ذلك إليه فأرسل إليه: ليس عندي مال [٢] . فأعاد الرسول: قد بلغني أنه عندك. فَقَالَ: إن كان الذي بلغك [٣] كاذبا فلا تأخذ بالكذب، وإن كان صادقا فذلك عندي أمانة، والحر لا يسلم أمانته. فعبر كسرى الفرات ودعا إياس بْن قبيصة الطائي، وكان قد أطعمه ثمانين قرية عَلَى شط الفرات، فشاوره فَقَالَ: ما ترى؟ فَقَالَ: إن تطعني فلا يعلم أحد لأي شَيْء عبرت، وقطعت الفرات، فيرون أن شيئا من أمر العرب قد كرثك ولكن ترجع فتعرض عنهم وتبعث عليهم العيون حَتَّى ترى منهم غفلة، ثم ترسل قبيلة من العجم فيها بعض القبائل التي تلتهم من أعدائهم فيوقعون بهم. فَقَالَ له كسرى [٤] : قد بلغني أنهم أخوالك [وأنت] [٥] لا تألوهم نصحا. فَقَالَ إياس: رأي الملك أفضل. فبعث الهرمزان فِي ألفين من خيول الأعاجم، وبعث ألفا من إياد، وألفا من بهزى عليهم خَالِد البهزاني، فلما بلغ بكر بْن وائل خبر القوم أرسلوا إِلَى قيس بْن مسعود بْن هانئ بْن مسعود [٦] ، فقدم ليلا، فأتى مكانا خفيا
следующие страницы →